Полный текст (276 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
متى مَا يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد مَا يتخير
وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه ... وينجو بإذن اللَّه من حيث يحذر ...
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... أحسن الظن بمن قد عودك ... كل إحسان وسوى أودك
إن من قد كان يكفيك الذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك ...
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ بِعَسْقَلانَ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ الأَزْرَق حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنِ ابْنِ جَابِرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أجله
أنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... لو كان في صخرة في البحر راسية ... صماء ملمومة ملس حواليها
رزق لعبد براه الله لا نفلقت ... حتى تؤدي إليه كل مَا فيها
أو كان بين طباق السبع مطلبه ... يوما لسهل في المرقى مراقيها
حتى ينال الذي في اللوح خط له ... إن هو أتاه وإلا فهو آتيها ...
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي أنشدني مُحَمَّد بن الحسين العمي ... سل الحاجات من سيد ... ليس له ستر ولا حاجب
يعطى عطاياه إذا شاءها ... من غير توقيع إلى كاتب ...
حدثنا مُحَمَّد بْن الحسين بْن الخليل بنسا حَدَّثَنَا القطواني حَدَّثَنَا سنان حَدَّثَنَا رياح القيسي قَالَ إن لله ملائكة موكلين بأرزاق بني آدم يحملون أرزاقهم على درجاتهم ثم قَالَ أيما عَبْد من عبادي جعل همه هما واحدا فضمنوا السموات والأرضين وبنى آدم رزقه وأي عَبْد طلب رزقه أعطوه رزقه حيث
стр. 142
أراده فإن تحرى مكاسبه بالعدل فطيبوا له رزقه وإن تعدى إلى الحرام فليأخذه من هواه إلى غاية درجته التي ليس فوقها ثم حولوا بينه وبين سائر الدنيا فلا يأخذن من حلالها ولا من حرامها فوق الدرجة التي كتبت له
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يعلم أن الأرزاق قد فرغ منها وتضمنها العلي الوفي على أن يوفرها على عباده في وقت حاجتهم إليها والاشتغال بالسعي لما تضمن وتكفل ليس من أخلاق أهل الحزم إلا مع انطواء صحة الضمير على أنه وإن لم يسع في قصده أتاه رزقه من حيث لم يحتسب
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي ... لما رأيتك قاعدا مستقبلي ... أيقنت أنك للهموم قرين
فارفض لها وتعر عَن أثوابها ... إن كان عندك للقضاء يقين
هون عليك وكن بربك واثقا ... فأخو التوكل شأنه التهوين
طرح الأذى عَن نفسه في أمره ... من كان يعلم أنه مضمون ...
حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَنْ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ جَاءَ سَائِلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ تَمْرَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَاكَ لَوْ لَمْ تَأْتِهَا أَتَتْكَ
وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري ... فنحن بتوفيق الإله وأمره ... على كل حال أمرنا متوسع
عطاء مليك لا يمن عطاؤه ... خبير بما تحنى عَلَيْهِ الأضالع ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الشافعي حَدَّثَنَا داود بْن أَحْمَد الدمياطي حَدَّثَنَا عَبْد الرحمن بْن عفان قَالَ سمعت الفضيل بْن عياض يقول ما أهتممت برزق قَطُّ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن يعلم أن السبب الذي يدرك به العاجز حاجته هو الذي يحول بين الحازم وبين مصادفته فلا يجب أن يحزن العاقل لما يهوى وليس بكائن ولا لما لا يهوى وهو لا محالة كائن فما كان
стр. 143
من هذه الدنيا أتى المرء من غير تعب فيه وما كان عَلَيْهِ لم يدفعه بقوته ولا يدرك بالطلب المحروم كما لا يحرم بالقعود المرزوق
ولقد أحسن الذي يقول ... ينال الغنى من ليس يسعى إلى الغنى ... ويحرم من يسعى له ويداوم
وما العجز يحرمه ولا الحرص جالب ... وما هو إلا حظوة ومقاسم ...
وأنشدني عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري أنشدنا الغلابي أنشدنا العتبي ... ورزق الخلق مقسوم عليهم ... مقادير يقدرها الجليل
فلا ذو المال يرزقه بعقل ... ولا بالمال تقتسم العقول ...
أنبأنا الهيثم بْن خلف الدوري ببغداد قَالَ سمعت إِسْحَاق بْن موسى الأنصاري يقول سمعت يمان النجراني وكان لا يدخر شيئا يقول مررت براهب في قارعة فلاة من الأرض وأنا جائع فقلت يا راهب هل عندك من فضل فأدلى إلي زنبيلا فيه فلق من خبز فأكلت منها ورميت إليه الباقي فقال تزوده قلت الذي أطعمني في هذا الموضع وليس فيه إنسى يطعمني إذا جعت ولا يكون معي شيء
وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... لا تتهم ربك فيما قضى ... وهون الأمر وطب نفسا
لكل هم فرج عاجل ... يأتي عل المصبح والممسي ...
قال أَبُو حاتم ﵁ التوكل هو قطع القلب عَن العلائق برفض الخلائق وإضافته بالافتقار إلى محول الأحوال وقد يكون المرء موسرا في ذات الدنيا وهو متوكل صادق في توكله إذا كان العدم والوجود عنده سيين لا فرق عنده بينهما يشكر عند الوجود ويرضى عند العدم وقد يكون المرء لا يملك شيئا من الدنيا بحيلة من الحيل وهو غير متوكل إذا كان الوجود أحب إليه من العدم فلا هو في العدم يرضى حالته ولا عند الوجود يشكر مرتبته
стр. 144
وانشدني الكريزي ... فلو كانت الدنيا تنال بفطنة ... وفضل عقول نلت أعلى المراتب
ولكنما الأرزاق حظ وقسمة ... بملك مليك لا بحيلة طالب ...
وأنشدنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري أنشدنا الغلابي أنشدنا مهدي بْن سابق ... ألا ترى الدهر لا تفنى عجائبه ... والدهر يخلط ميسورا بمعسور
وليس للهو إلا كل صافية ... كأنها دمعة من عين مهجور ...
أنبأنا علي بْن سَعِيد العسكري حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد حَدَّثَنَا سهل بْن عاصم حَدَّثَنَا نافع بْن خالد قَالَ دخلنا على رابعة العدوية فذكرنا أسباب الرزق فخضنا فيه وهي ساكتة فلما فرغنا قالت رابعة العدوية خيبة لمن يدعي حبه ثم يتهمه في رزقه
قال أَبُو حاتم ﵁ قد ذكرت هذا الباب بالعلل والحكايات على التقصي في كتاب التوكل فأغنى ذلك عَن تكرارها في هذا الكتاب
ذكر الحث على لزوم الرضا بالشدائد والصبر عليها
أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى بِالْمَوْصِلِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جميل الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ حَبِيبٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن يوقن أن الأشياء كلها قد فرغ منها فمنها مَا هو كائن لا محالة ومالا يكون فلا حيلة للخلق في تكوينه فإن دفعه الوقت إلى حال شدة يجب أن يتزر بإزار له طرفان أحدهما الصبر والآخر الرضا ليستوفي كمال الأجر لفعله ذلك فكم من شدة قد صعبت وتعذر زوالها على العالم بأسره ثم فرج عنها السهل في أقل من لحظة
стр. 145
ولقد أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي ... كم من أمر قد تضايقت به ... فأتاني الله منه بالفرج
ولعبد مؤيس قربه ... قدر الله فعاد بالنهج
فله الحمد على ذي سرمدا ... مَا أضاء الصبح يوما وبلج
وكذاك اللَّه رب قادر ... يصلح الأمر الذي فيه عوج
وله الحمد على آلائه ... يستديم اليسر منه والفلج ...
حدثنا أَبُو خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَن أَبِي الحجاج الأزدي قَالَ سألنا سلمان مَا الإيمان بالقدر قَالَ إذا علم العبد أن مَا أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه
وأنشدني الأبرش ... هون على نفسك من سعيها ... فليس مَا قدر مردود
وارض بحكم اللَّه في خلقه ... كل قضاء الله محمود ...
أنبأنا عَبْد اللَّه بْن قحطبة الطرحي حَدَّثَنَا منصور بْن قدامة الواسطي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كثير عَن معمر قَالَ لما حاصر الحجاج ابن الزبير بمكة جعلت الحجارة تضرب الحائط فقيل له لا نأمن عليك أن يصيبك منها حجر فقال ابن الزبير ... هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها ...
أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن بشار الرمادي حَدَّثَنَا سُفْيَان عَن مسعر أن رجلا ركب البحر فكسر به فوقع في جزيرة من جزائر البحر فمكث فيها ثلاثا لا يرى أحدا ولا يأكل طعاما ولا يشرب شرابا فأيس من الحياة فتمثل ... إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب ...
стр. 146
فأجابه مجيب يقول ... عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب ...
فنظر فإذا سفينة في البحر فلوح لهم فأتوه فحملوه وأصاب معهم خيرا ورجع إلى أهله سالما
وأنشدني مُحَمَّد بْن جعفر الهمذاني بصور على ساحل بحر الروم ... لاتضيقن في الأمور فقد تكشف ... غماؤها بغير اختيال ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري ... عسى فرج يأتي به اللَّه إنه له كل يوم في خليقته أمر
عسى ما ترى أن لا يدوم وأن ترى ... له فرجا مما ألح به العسر
إذا اشتد عسرفارج يسرا فإنه ... قضى اللَّه أن العسر يتبعه اليسر ...
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الطَّبَرِيُّ بِالصَّيْمَرَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعِجْلِيُّ قَالَ لَمَّا حَدَّثَ شَرِيكٌ بِحَدِيثِ الأَعْمَشِ عن سلمان عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَإِذَا خَالَفُوكُمْ فَضَعُوا سُيُوفَكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ فأببيدوا خَضْرَاءَهُمْ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَكُونُوا زَرَّاعِينَ أَشْقِيَاءَ فسعى به إلى المهدي فبعث إلى شريك فأتاه فقال حدثت بها قَالَ قلت نعم قال عمن رويتها قلت عَن الأعمش قَالَ ويلي عَلَيْهِ لو عرفت مكان قبره لأخرجته فأحرقته بالنار قلت إن كان لمأمونا على مَا روى قال يا زنديق لأقتلنك قلت الزنديق من يشرب الخمر ويسفك الدم قَالَ والله لأقتلنك قلت أو يكفي اللَّه قَالَ فخرجنا من عنده فاستقبلني الفضل بْن الربيع فقال ليس لك موضع تهرب إليه قلت بلى قَالَ فإنه قد أمر بقتلك قَالَ فخرجت إلى جبل فخرجت يوما أتجسس الخبر فأقبل ملاح من بغداد
стр. 147
فاستقبله ملاح آخر من البصرة فسأله مَا الخبر قَالَ مات أمير المؤمنين قلت يا ملاح قرب فقرب وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي ... تجري المقادير إن عسرا وإن يسرا ... وللمقادير أسباب وأبواب
ما اشتد عسر ولا انسدت مذاهبه ... إلا تفتح من مسروره باب ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي ... ألا رب عسر قد أتى اليسر بعده ... وغمرة كرب فرجت لكظيم
هو الدهر يوم يوم بؤس وشدة ... ويوم سرور للفتى ونعيم ...
أنبأنا أَبُو عوانة يعقوب بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الوهاب النيسابوري حَدَّثَنَا بشر بْن عَبْد الحكم عَن علي بْن عثام قَالَ رئي إِبْرَاهِيم بْن أدهم متنفط الرجلين رافعهما على ميل وهو يقول ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾
أنبأنا القطان بالرقة حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ حَدَّثَنَا عَبْد العزيز بْن عمير عَن عطاء الأزرق عَن عَبْد الواحد بْن زيد قَالَ قلت للحسن يا أبا سَعِيد من أين أتي هذا الخلق قَالَ من قلة الرضا عَن اللَّه قلت ومن أين أوتى قلة الرضا عَن اللَّه قَالَ من قلة المعرقة بالله
стр. 148
قال أَبُو حاتم ﵁ يجب على العاقل إذا كان مبتدئا أن يلزم عند ورود الشدة عَلَيْهِ سلوك الصبر فإذا تمكن منه حينئذ يرتقي من درجة الصبر إلى درجة الرضا فإن لم يرزق صبرا فليلزم التصبر لأنه أول مراتب الرضا ولو كان الصبر من الرجال لكان رجلا كريما إذ هو بذر الخير وأساس الطاعات
ولقد أخبرني مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا طاهر بْن الفضل بْن سَعِيد حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عبينه قَالَ سمعت رجلا من أهل الكتاب أسلم قَالَ أوحى اللَّه إلى داود يا داود اصبر على المؤنة تأتك مني المعونة
وأنشدني عَبْد اللَّه بْن الأحوص بْن عمار القاضي ... صبرا جميلا على مَا ناب من حدث ... والصبر ينفع أحيانا إذا صبروا
الصبر أفضل شيء تستعين به ... على الزمان إذا مامسك الضرر ...
وأنشدني إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بن سهل أنشدني أَبُو يعلى الموصلي ... إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جد في شيء يحاوله ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر ...
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... أتاك الروح والفرج القريب ... وساعدك القضاء فلا تخيب
صبرت فنلت عقبى كل خير ... كذاك لكل مصطبر عقيب ...
أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن علي قَالَ سمعت مضر أبا سَعِيد يقول قَالَ عَبْد الواحد بْن زيد مَا أحببت أن شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا ولا أعلم درجة أشرف ولا أرفع من الرضا وهو رأس المحبة
قال أَبُو حاتم ﵁ الصبر جماع الأمر ونظام الحزم ودعامة العقل وبذر الخير وحيلة من لا حيلة له
وأول درجته الاهتمام ثم التيقظ ثم التثبت ثم التصبر ثم الصبر
стр. 149
ثم الرضا وهو النهاية في الحالات
ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا شعيب بْن عَبْد اللَّه البزار حَدَّثَنَا غيلان عَن معبد عَن أَبِي المليح عَن ميمون بْن مهران قَالَ مَا نال عَبْد شيئا من جسم الخير من نبي أو غيره إلا بالصبر
وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري ... فما شدة يوما وإن جل خطبها ... بنازلة إلا سيتبعها يسر
وإن عسرت يوما على المرء حاجة ... وضاقت عَلَيْهِ كان مفتاحها الصبر ...
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... تعز فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس على ريب الزمان معول
فإن تكن الأيام فينا تبدلت ... بنعمى وبؤسى والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبة ... ولا ذللتنا للذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوسا كريمة ... تحمل مالا تستطيع فتحمل ...
وأنشدنا عمرو بْن محمد الأنصاري أنشدنا الغلابي ... إني رأيت الخير في الصبر مسرعا ... وحسبك من صبر تحوز به أجرا
عليك بتقوى اللَّه في كل حالة ... فإنك إن تفعل تصيب به ذخرا ...
قال أَبُو حاتم ﵁ الصبر على ضروب ثلاثة فالصبر عَن المعاصي والصبر على الطاعات والصبر عند الشدائد المصيبات فأفضلها الصبر عَن المعاصي
فالعاقل يدبر أحواله بالتثبت عند الأحوال الثلاثة التي ذكرناها بلزوم الصبر على المراتب التي وصفناها قبل حتى يرتقي بها إلى درجة الرضا عَن اللَّه جل وعلا في حال العسر واليسر معا أسأل اللَّه الوصول إلى تلك الدرجة بمنه
стр. 150
وأنشدني عَبْد اللَّه بْن الأحوص ... تعز بحسن الصبر عَن كل هالك ... ففي الصبر مسلاة الهموم اللوازم
إذا أنت لم تسل اصطبارا وخشية ... سلوت على الأيام مثل البهائم
وليس يذود النفس عَن شهواتها ... من الناس إلا كل ماضي العزائم ...
وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... غاية الصبر لذيذ طعمها ... وبدي الصبر منه كالصبر
إن في الصبر لفضلا بينا ... فاحمل النفس عَلَيْهِ تصطبر ...
وأنشدني الكريزي ... صبرت ومن يصبر يجد غب صبره ... ألذ وأحلى من جنى النحل في الفم
ومن لا يطب نفسا ويستبق صاحبا ... ويغفر لأهل الود يضرم ويصرم ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن زنجويه القشيري حدثنا عبد الأعلى عن حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سلمة عَن ثابت البناني عَن معاذة امرأة صلة بْن أشيم قالت لما أتاها نعي زوجها وابنها جاءها النساء فقالت إن كنتن جئتن لتهنئتنا بما أكرمنا اللَّه به وإلا فارجعن
قال ثابت وكان صلة يأكل يوما فأتاه رجل فقال مات أخوك قَالَ هيهات قد نعى الى اجلس فكل قَالَ الرجل مَا سبقني إليك أحد فقال قَالَ اللَّه ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾
حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا ابن عائشة قَالَ كتب بعض الحكماء إلى أخ له يعزيه عَن ابن له يقال له محمد ... اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد
وإذا ذكرت محمدا ومصابه ... فاذكر مصابك بالنبي مُحَمَّد ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي
стр. 151
.. يعزي المعزي ثم يمضي لشأنه ... ويبقى المعزى في أحر من الجمر
ويرمى المعزي بعد ذاك بسلوة ... ويثوي المعزي عنه في وحشة القبر ...
وأنشدني المنتصر بْن بلال ... من يسبق السلوة بالصبر ... فاز بفضل الحمد والأجر
يا عجبي من هلع جازع ... يصبح بين الذم والوزر
مصيبة الإنسان في دينه ... أعظم من جائحة الدهر ...
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... تجري المقادير إن عسرا وإن يسرا ... حاذرت واقعها أو لم تكن حذرا
والعسر عَن قدر يجري إلى يسر ... والصبر أفضل شيء وافق الظفرا ...
سمعت إِسْحَاق بْن أَحْمَد القطان البغدادي بتستر يقول كان لنا جار ببغداد كنا نسميه طبيب القراء وكان يتفقد الصالحين ويتعاهدهم فقال لي دخلت يوما على أَحْمَد بْن حنبل فإذا هو مغموم مكروب فقلت مَا لك يا أبا عَبْد اللَّه قَالَ خير قلت وما الخير قَالَ امتحنت بتلك المحنة حتى ضربت ثم عالجوني وبرأت إلا أنه بقي في صلبي موضع يوجعني هو أشد علي من ذلك الضرب قَالَ قلت اكشف لي عَن صلبك قَالَ فكشف لي فلم أر فيه إلا أثر الضرب فقط فقلت ليس لي بذي معرفة ولكن سأستخبر عَن هذا قَالَ فخرجت من عنده حتى أتيت صاحب الحبس وكان بيني وبينه فضل معرفة فقلت له أدخل الحبس في حاجة قَالَ ادخل فدخلت وجمعت فتيانهم وكان معي دريهمات فرقتها عليهم وجعلت أحدثهم حتى أنسوا بي ثم قلت من منكم ضرب أكثر قَالَ فأخذوا يتفاخرون حتى اتفقوا على واحد منهم أنه أكثرهم ضربا وأشدهم صبرا قَالَ فقلت له أسألك عَن شيء فقال هات فقلت شيخ ضعيف ليس صناعته كصناعتكم ضرب على الجوع
стр. 152
للقتل سياطا يسيرة إلا أنه لم يمت وعالجوه وبرأ إلا أن موضعا في صلبه يوجعه وجعا ليس له عَلَيْهِ صبر قال فضحك فقلت مالك قَالَ الذي عالجه كان حائكا قلت أيش الخبر قَالَ ترك في صلبه قطعة لحم ميتة لم يقلعها قلت فما الحيلة قَالَ يبط صلبه وتؤخذ تلك القطعة ويرمى بها وإن تركت بلغت إلى فؤاده فقتلته قَالَ فخرجت من الحبس فدخلت على أحمد ابن حنبل فوجدته على حالته فقصصت عَلَيْهِ القصة قَالَ ومن يبطه قلت أنا قَالَ أو تفعل قلت نعم قَالَ فقام فدخل البيت ثم خرج وبيده مخدتان وعلى كتفه فوطة فوضع إحداهما لي والأخرى له ثم قعد عليها وقال استخر اللَّه فكشفت الفوطة عَن صلبه وقلت أرني موضع الوجع فقال ضع إصبعك عَلَيْهِ فإني أخبرك به فوضعت إصبعي وقلت ها هنا موضع الوجع قَالَ ههنا أَحْمَد الله على العافيه فقلت ها هنا قَالَ هاهنا أَحْمَد اللَّه على العافية فقلت هاهنا قَالَ هاهنا أسأل اللَّه العافية قَالَ فعلمت انه موضع الوجع فال فوضعت المبضع عَلَيْهِ فلما أحس بحرارة المبضع وضع يده على رأسه وجعل يقول اللهم اغفر للمعتصم حتى بططته فأخذت القطعه الميتة ورميت بها وشددت العصابة عَلَيْهِ وهو لا يزيد على قوله اللهم اغفر للمعتصم قَالَ ثم هدأ وسكن ثم قَالَ كأني كنت معلقا فأصدرت قلت يا أبا عَبْد اللَّه إن الناس إذا امتحنوا محنة دعوا على من ظلمهم ورأيتك تدعو للمعتصم قَالَ إني أفكرت فيما تقول وهو ابن عم رَسُول اللَّهِ ﷺ فكرهت أن آتي يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابته خصومة هو مني في حل
стр. 153
ذكر الحث على العفو عَن الجاني
حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَنَا القعنبي حدثنا عبد العزيز ابن مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قرابة أصلهم ويقطعوني وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَئِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلا يَزَالُ مِنَ الله معك ظهير ما زالت عَلَى ذَلِكَ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عَن الناس كافة وترك الخروج لمجازاة الإساءة إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها
ولقد أنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي ... سألزم نفسي الصفح عَن كل مذنب ... وإن كثرت منه إلي الجرائم
فما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف فضله ... وأتبع فيه الحق والحق لازم
وأما الذي دوني فإن قَالَ صنت عَن ... إجابته عرضي وإن لام لائم
وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا ... تفضلت إن الحلم للفضل حاكم ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عامر الأنطاكي حَدَّثَنَا ابن توبة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مهاجر عَن يونس بْن ميسرة بْن جليس قَالَ ثلاثة يحبهم اللَّه
стр. 154
من كره سوءا يأتيه إلى أخيه وصاحبه فذلك قمن أن يستحي من اللَّه ومن كان ذا رفعة من الناس فتواضع لله فذلك الذي عرف عظمة اللَّه فيخاف مقته ومن كان عفوه قريبا من إساءته فذلك تقوم به الدنيا
قال أَبُو حاتم ﵁ من أراد الثواب الجزيل واسترهان الود الأصيل وتوقع الذكر الجميل فليتحمل من ورود ثقل الردى ويتجرع مرارة مخالفة الهوى باستعمال السنة التي ذكرناها في الصلة عند القطع والإعطاء عند المنع والحلم عند الجهل والعفو عند الظلم لأنه من أفضل أخلاق أهل الدين والدنيا
ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن المهاجر حَدَّثَنَا ابن أَبِي شيبة حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن ميمون عَن داود بْن الزبرقان قَالَ قَالَ أيوب لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان العفة عما في أيدي الناس والتجاوز عنهم
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي ... وإذا مذنب أتاه به الحق ... فغطاه عفوه في ستوره
راجيا للثواب في كل زرء ... من خفي الأمور أو مشهوره
فهو في عاجل الحياة كريم ومن الفائزين يوم نشوره
خصلة جزلة بها خصه اللَّه ... لزين الدنيا ويوم كروره ...
أنبأنا مُحَمَّد بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنَا عمر بْن حفص الشيباني حَدَّثَنَا سُفْيَان عَن رجل قَالَ سمعت عمر بْن عَبْد العزيز يقول أحب الأمور إلى اللَّه ثلاثة العفو في القدرة والقصد في الجدة والرفق في العبادة وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق اللَّه به يوم القيامة
أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عائشة قَالَ كتب الحجاج إلى عَبْد الملك إنك أعز مَا تكون أحوج مَا تكون إلى اللَّه فإذا تعززت بالله فاعف فإنك به تعز وإليه ترجع
стр. 155
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل لزوم الصفح عند ورود الإساءة عَلَيْهِ من العالم بأسرهم رجاء عفو اللَّه جل وعلا عَن جناياته التي ارتكبها في سالف أيامه لأن صاحب الصفح إنما يتكلف الصفح بإيثاره الجزاء وصاحب العقاب وإن انتقم كان إلى الندم أقرب فأما من له أخ يوده فإنه يحتمل عنه الدهر كله زلاته
ولقد أخبرني مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن داود التمار قَالَ سمعت مردويه الصائغ يقول سمعت الفضيل بْن عياض يقول احتمل لأخيك إلى سبعين زلة قِيلَ له وكيف ذلك يا أبا علي قَالَ لأن الأخ الذي آخيته في اللَّه ليس يزل سبعين زلة
أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... إذا لم تجاوز عَن أخ لك عثرة ... فلست غدا من عثرتي متجاوزا
وكيف يرجيك البعيد لنفعه ... إذا كان عَن مولاك برك عاجزا ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن صالح الطبري حَدَّثَنَا الرمادي حَدَّثَنَا الجعفي يَحْيَى بْن سليمان حَدَّثَنَا ابن أبجر حدثني أَبِي قَالَ أقبل الشعبي يوما فإذا هو برجلين من قومه من وراء جدار قصير قَالَ فاستمع عليهما فإذا هما يقعان فيه ويشتمانه وينتقصانه حتى أكثرا فلما أطالا أشرف عليهما الشعبي فقال ... هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا مَا استحلت ...
فقالا والله يا أبا عمرو لا نقع فيك بعد اليوم
وأنشدني بعض أهل العلم ... ولربما ابتسم الوقور من الأذى ... وضميره من حره بتأوه
ولربما خزن الحليم لسانه ... حذر الجواب وإنه لمفوه ...
وأنبأنا أَبُو عوانه يعقوب بْن إِبْرَاهِيم أنبأنا عبد الله بن الحسين المصيصي
стр. 156
أَنْبَأَنَا يعقوب بْن أَبِي عباد قَالَ قَالَ الفضيل بْن عياض من طلب أخا بلا عيب بقي بلا أخ
قال أَبُو حاتم ﵁ أغنى الناس عَن الحقد من عظم عَن المجازاة وأجل الناس مرتبة من صد الجهل بالحلم وما الفضل إلا لمن يحسن إلى من أساء إليه فأما مجازاة الإحسان إحسانا فهو المساواة في الأخلاق فلربما استعملها البهائم في الأوقات ولو لم يكن في الصفح وترك الإساءة خصلة تحمد إلا راحة النفس ووداع القلب لكان الواجب على العاقل أن لا يكدر وقته بالدخول في أخلاق البهائم بالمجازاة على الإساءة إساءة ومن جازى بالإساءة إساءة فهو المسيء وإن لم يكن بادئا
كما أنشدني الكريزي ... أسأت وأنكرت أني أسأت ... فأفضل ولا تك عين المسي
لك الفضل بالعفو عما عفوت ... وإلا فأنت القرين السوي ... وعفوك مقتدرا نعمة ... وعفو المندد غير الهني ...
سمعت مُحَمَّد بْن عثمان العقبي قَالَ سمعت هلال بْن العلاء الباهلي يقول جعلت على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة أن لا أكافيء أحدا بسوء وذهبت إلى هذه الأبيات ... لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت قلبي من غم العداوات
إني أحيى عدوي عند رؤيته ... لأدفع الشر عني بالتحيات
وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنما قد حشي قلبي محبات ...
أنبأنا ابن قتيبة حَدَّثَنَا ابن أَبِي السري قَالَ سمعت أبا عمر الصنعاني يقول حَدَّثَنَا زيد بْن أسلم قَالَ قَالَ لقمان لابنه كذب من قَالَ إن الشر يطفيء الشر فإن كان صادقا فليوقد نارا إلى جنب نار فلينظر هل تطفيء إحداهما الأخرى وإلا فإن الخير يطفيء الشر كما يطفيء الماء النار
стр. 157
حدثني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خلف البسامي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه الداري حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمران الضبي قَالَ قَالَ ابن السماك لن لمن يجفو فقل من يصفو
وأنشدني الأبرش ... توخ من السبل أوساطها ... وعد عَن الحائر المشتبه
وسمعك صن عَن سماع القبيح ... كصون اللسان عَن النطق به
فإنك عند استماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه
فكم أزعج الحرص من طالب ... فوافى المنية في مطلبه ...
أنبأنا عمر بْن جفص البزاز بجنديسابور حَدَّثَنَا جعفر بْن مُحَمَّد بْن حبيب الذراع حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رشيد حَدَّثَنَا مجاعة بْن الزبير قَالَ قَالَ لقمان لابنه أي بني أي شيء أقل وأي شيء أكثر وأي شيء أحلى وأي شيء أبرد وأي شيء آنس وأي شيء أوحش وأي شيء أقرب وأي شيء أبعد قال أما أقل شيء فاليقين وأما أي شيء أكثر فالشك وأما أي شيء أحلى فروح اللَّه بين العباد يتحابون بها وأما أي شيء أبرد فعفو اللَّه عَن عباده وعفو الناس بعضهم عَن بعض وأي شيء آنس حبيبك إذا أغلق عليك وعليه باب واحد وأي شيء أوحش جسد إذا مات فليس شيء أوحش منه وأي شيء أقرب فالآخرة من الدنيا وأي شيء أبعد فالدنيا من الآخرة
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يحسن عند الجفوة ويغضي عَن المجازاة عليها بمثلها
وقد قِيلَ إن من لم يغضب من الجفوة لم يشكر النعمة
وهو عندي والله أعلم غضب لا يخرجه إلى المعاصي ولا إلى الانتقام من الجاني كأنه في نفسه يعلم محل الجفوة منه كما يعقل ورود النعمة عَلَيْهِ وما
стр. 158
أقبح قدرة اللئيم إذا قدر ومن أساء سمعا أساء إجابة ومن أتى المكروه إلى أحد فبنفسه بدأ لأن الشرور تبدو صغارا ثم تعود كبارا
ولقد أنبأنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إدريس الرازي حَدَّثَنَا عَبْد الرحمن بْن يَحْيَى وإسماعيل بْن عُبَيْد اللَّه المخزومي قالا حدثنا عبد الأعلى ابن مسهر عَن سَعِيد بْن عَبْد العزيز قَالَ سمعت إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْد اللَّه يقول لبنيه يا بني أكرموا من أكرمكم وإن كان عبدا حبشيا وأهينوا من أهانكم وإن كان رجلا قرشيا
قال أَبُو حاتم ﵁ هذا الذي قال إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ أَبِي المهاجر إن استعمله العاقل في الأحوال كلها مع الجاهل فلا ضير فأما من ارتفع عَن حد الجهال واتضع عَن حد العقلاء فالإغضاء عَن مثله في الأوقات أَحْمَد مخافة الازدياد منه ولأن يصبر المرء على حرارة الجفاء ومرارتها أولى من الانتقام مما يستجلب عَلَيْهِ بما هو أحر وأمر مما مضى لأن من الكلام مَا هو أشد من الحجر وأنفذ من الإبر وأمر من الصبر ولقد أحسن الذي يقول ... لقد أسمع القول الذي كاد كلما ... تذكرنيه النفس قلبي تصدع
فأبدي لمن أبداه منى بشاشة ... كأني مسرور بما منه أسمع
وما ذاك عَن عجز به غير أنني ... أرى أن ترك الشر للشر أقطع ...
أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْنُ صَالِحٍ الطَّبَرِيُّ بِالصَّيْمَرَةِ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مقدام العجلي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيه عَن أَبِي عمرو في هذه الآية (٧ ١٩٩) ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ قَالَ أمر النَّبِيّ ﷺ بالعفو عَن أخلاق الناس
ذكر صفة الكريم واللئيم
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ بِنَسَا حَدَّثَنَا أَبُو كريب حدثنا عبدة
стр. 159
ابن سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ قَالَ أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَنِي قَالُوا نَعَمْ قَالَ خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا
قال أَبُو حاتم ﵁ أكرم الناس من اتقى اللَّه والكريم التقي والتقوى هي العزم على إتيان المأمورات والانزجار عَن جميع المزجورات فمن صح عزمه على هاتين الخصلتين فهو التقي الذي يستحق اسم الكرم ومن ترى عن استعمالها أو أحدهما أو شعبة من شعبهما فقد نقص من كرمه مثله
ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ الأَزْدِيُّ عَنْ أَبِيهِ عن المدائني قال قَالَ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ثَلاثُ خِصَالٍ لا تَجْتَمِعُ إِلا فِي كَرِيمٍ حُسْنُ الْمَحْضَرِ وَاحْتِمَالُ الزَّلَّةِ وَقِلَّةُ الْمَلالَةِ وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... رأيت الحق يعرفه الكريم ... لصاحبه وينكره اللئيم
إذا كان الفتى حسنا كريما ... فكل فعاله حسن كريم
إذا ألفيته سمحا لئيما ... فكل فعاله سمج لئيم ...
قال أَبُو حاتم ﵁ الكريم لا يكون حقودا ولا حسودا ولا
стр. 160
شامتا ولا باغيا ولا ساهيا ولا لاهيا ولا فاجرا ولا فخورا ولا كاذبا ولا ملولا ولا يقطع إلفه ولا يؤذي إخوانه ولا يضيع الحفاظ ولا يجفو في الوداد يعطي من لا يرجو ويؤمن من لا يخاف ويعفو عَن قدرة ويصل عَن قطيعة
أخبرني مُحَمَّد بْن أَبِي عَلِيٍّ الْخَلادِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن الحسن الذهلي عَن علي بْن مُحَمَّد المرحبي عَن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم العباسي عَن عَبْد اللَّه بْن الحجاج مولى المهدي عَن إِبْرَاهِيم بْن شكلة قَالَ إن لكل شيء حياة وموتا وإن مما يَحْيَى الكرم مواصلة الكرماء وإن مما يحيى اللؤم معاشرة اللئام
وأنشدني الكريزي ... وما بال قوم لئام ليس عندهم ... عهد وليس لهم دين إذا ائتمنوا
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... منا وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا ...
قال أَبُو حاتم ﵁ الكريم يلين إذا استعطف واللئيم يقسو إذا ألطف والكريم يجل الكرام ولا يهين اللئام ولا يؤذي العاقل ولا يمازح الأحمق ولا يعاشر الفاجر مؤثرا إخوانه على نفسه باذلا لهم مَا ملك إذا اطلع على رغبة من أخ لم يدع مكافأتها وإذا عرف منه مودة لم ينظر في قلق العداوة وإذا أعطاه من نفسه الإخاء لم يقطعه بشيء من الأشياء
كما أنشدني الخلادي أنشدنا أَحْمَد بْن أَبِي علي القاضي قَالَ أنشدنا مُحَمَّد بْن مقيس الأزدي ... فإن الذي بيني وبين عشيرتي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا قدحوا لي نار حرب بزندهم ... قدحت لهم في كل مكرمة زندا ...
стр. 161
وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
وأعطيهم مالي إذا كنت واجدا ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا ...
أنبأنا ابن حوصا حَدَّثَنَا النحاسي حَدَّثَنَا ضمرة عَن إِبْرَاهِيم بن أبي علية قَالَ رأيت سالم بْن عَبْد اللَّه ومحمد بْن عَبْد العزيز يتسايران بأرض الروم فأبال أحدهما دابته فأمسك عَلَيْهِ الآخر حتى لحقه
أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي بكر بْن خالد اليزيدي عَن قطبة ابن العلاء بْن المنهال قَالَ سمعت المبارك بْن سَعِيد يقول سمعت الأعمش يقول قَالَ الشعبي إن كرام الناس أسرعهم مودة وأبطؤهم عداوة مثل الكوب من الفضة يبطيء الانكسار ويسرع الانجبار وإن لئام الناس أبطؤهم مودة وأسرعهم عداوة مثل الكوب من الفخار يسرع الإنكسار ويبطيء الانجبار
قال أَبُو حاتم ﵁ الكريم من أعطاه شكره ومن منعه عذره ومن قطعه وصله ومن وصله فضله ومن سأله أعطاه ومن لم يسأله ابتدأه وإذا استضعف أحدا رحمه وإذا استضعفه أحد رأى الموت أكرم له منه واللئيم بضد مَا وصفنا من الخصال كلها
ولقد أَنْبَأَنَا أَحْمَد بْن قريش بْن عَبْد العزيز حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الذهلي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الخليل حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أيوب عَن أَبِي عيسى قال كان إبراهيم ابن أدهم كريم النفس يخالط الناس بأخلاقهم ويأكل معهم قَالَ فربما اتخد لهم الشواء والجواذبات والخبيص وربما خلا وأصحابه الذين يأنس بهم فيتصارعون قَالَ وكان يعمل عمل رجلين وكان إذا صار إلى نفسه أكل عجينا
стр. 162
قال أَبُو حاتم ﵁ أجمع أهل التجارب للدهر وأهل الفضل في الدين والراغبون في الجميل على أن أفضل مَا اقتنى الرجل لنفسه في الدنيا وأجل مَا يدخر لها في العقبى هو لزوم الكرم ومعاشرة الكرام لأن الكرم يحسن الذكر ويشرف القدر وهو طباع ركبها اللَّه في بني آدم فمن الناس من يكون أكرم من أبيه وربما كان الأب أكرم من ابنه وربما كان المملوك أكرم من مولاه ورب مولى أكرم من مملوكه
ولقد أحسن الذي يقول ... رب مملوك إذا كشفته ... كان من مولاه أولى بالكرم
فهو ممدوح على أحواله ... وترى مولاه يهجى ويذم
وتراه كيف يعلو دائما ... وترى مولاه من تحت القدم
وفتى تلقى أباه دونه ... وأبا تلقاه أعلى وأتم
من بنيه ثم لا يعتل إن ... طلب المعروف منه بالصمم
وكذلك الناس فاعلم ربنا ... قدر الأخلاق فيهم وقسم ...
وأنشدني الأبرش ... رأيت اللين لا يرضى بضيم ... لأن الضيم يسخطه الكريم
وإن اللين أكرم كل شيء ... فليس يحيه خلق لئيم
فإن نزل الأذى واللين قلبا ... فإن اللين يرحل لا يقيم
ويبقى للأذى في القلب صحب ... من البغضاء يلبث لا يريم ...
حدثنا القطان بالرقة حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ سمعت أَبِي يقول مَا من أحد إلا وله توبة إلا سيء الخلق فإنه لا يتوب من ذنب إلا دخل في شر منه
قال أَبُو حاتم ﵁ الكريم محمود الأثر في الدنيا مرضى العمل
стр. 163
في العقبى يحبه القريب والقاصي ويألفه المتسخط والراضي يفارقه الأعداء واللئام ويصحبه العقلاء والكرام
وما رأيت شيئا أكثر عملا في نقص كرم الكريم من الفقر سواء كان ذلك بالقلب أو بالموجود
ولقد أنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري ... لعمرك إن المال قد يجعل الفتى ... نسيبا وإن الفقر بالمرء قد يزري
ولا رفع النفس الدنية كالغنى ... ولا وضع النفس الكريمة كالفقر ...
حَدَّثَنَا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ جَالِسُوا الْكُبَرَاءَ وَخَالِطُوا الْحُكَمَاءَ وَسَائِلُوا الْعُلَمَاءَ
ذكر الزجر عَن قبول قول الوشاة
أَنْبَأَنَا أَبُو يعلى حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أسماء حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونَ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلا يَنُمُّ الْحَدِيثَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على الناس كافة مجانبة الإفكار في السبب الذي يؤدي إلى البغضاء والمشاحنة بين الناس والسعي فيما يفرق جمعهم ويشتت شملهم والعاقل لا يخوض في الإفكار فيما ذكرنا ولا يقبل سعاية الواشي بحيلة من الحيل لعلمه بما يرتكب الواشي من الإثم في العقبى بفعله ذلك
ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا عباس بْن الوليد بْن مزيد عَن أبيه عَن الأوزاعي عَن يَحْيَى بْن أَبِي كثير قَالَ قَالَ سليمان بْن داود لابنه يا بني إياك والنميمة فإنها أحد من السيف
стр. 164
وأنشدني الكريزي ... من نم في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسيل بالليل لا يدري به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأتيه
فالويل للعهد منه كيف ينقضه ... والويل للود منه كيف يفتيه ...
أخبرنا أَحْمَد بْن إِسْحَاق الناقد بواسط حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد الجبار حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن عياش عَن أَبِي إِسْحَاق عَن عمرو بْن ميمون قَالَ لما تعجل موسى ابن عمران إلى ربه رأى رجلا تحت العرش فغبطه بمكانه فسأل ربه أن يخبره باسمه قَالَ لكنني أخبرك من عمله بثلاث خصال كان لا يحسد الناس على مَا آتاهم اللَّه من فضله ولا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة
أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يعقوب الربعي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إدريس المعدل عَن العتبي قَالَ سمعت أعرابية توصي ابنا لها فقالت عليك بحفظ السر وإياك والنميمة فإنها لا تترك مودة إلا أفسدتها ولا ضغينة إلا أوقدتها
ثم لا بد لمن عرف بها ونسب إلى مقارفتها من أن يحترس من مجالسته وأن لا يوثق بمودته وأن يزهد في مواصلته ومعاشرته
ولذلك يقول أخو ربيعة ... تمشيت فينا بالنميم وإنما ... تفرق بين الأصفياء النمائم
وما زلت منسوبا إلى كل آفة ... وما زال منسوبا إليك الملائم
لأنك لم تندم لشر فعلته ... وما تأت من خير فإنك نادم ...
أَنْبَأَنَا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه الجشمي حَدَّثَنَا علي بْن مُحَمَّد المدائني قَالَ وشى واش بعبد اللَّه بْن همام السلولي إلى زياد قَالَ فبعث زياد إلى ابن همام فجاء فأدخل الرجل بيتا فقال له زياد يا ابن همام بلغني أنك هجوتني فقال له كلا أصلحك اللَّه مَا فعلت وما أنت لذلك
стр. 165
أهل قَالَ فإن هذا أخبرني وأخرج الرجل فأطرق ابن همام هنيهة ثم أقبل على الرجل فقال ... وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم ...
قال فأعجب زياد بجوابه وأدناه وأقصى الساعي ولم يقبل منه
وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... يمشون في الناس يبغون العيوب لمن ... لا عيب فيه لكي يستشرف العطب
إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا ... شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا ...
أخبرني مُحَمَّد بْن أَبِي علي حَدَّثَنَا ابن أَبِي شيبه أَبُو جعفر حَدَّثَنَا الحسن بْن صالح قال سمعت حجين بْن المثنى يقول سعى رجل بالليث بْن سعد إلى والي مصر فبعث إليه فدعاه فلما دخل عَلَيْهِ قَالَ له يا أبا الحارث إن هذا أبلغني عنك كذا وكذا فقال له الليث سله أصلح اللَّه الأمير عما أبلغك أهو شيء ائتمناه عَلَيْهِ فخاننا فيه فما ينبغي لك أن تقبل من خائن أو شيء كذب علينا فيه فما ينبغي لك أن تقبل من كاذب فقال الوالي صدقت يا أبا الحارث
أخبرنا ابن حوصا حدثنا عبد الله بن هانيء بْن عَبْد الرحمن عَن ابن ابي علية عَن أبيه عَن عمه إِبْرَاهِيم بْن أَبِي عبلة قَالَ كنت جالسا مع أم الدرداء فأتاها آت فقال يا أم الدرداء إن رجلا نال منك عند عَبْد الملك بْن مروان فقالت إن نؤبن بما ليس فينا فطالما زكينا بما ليس فينا
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل لزوم الإغضاء عما ينقل الوشاة وصرف جميعها إلى الإحسان وترك الخروج الى مالا يليق بأهل العقل مع ترك الإفكار فيما يزري بالعقل لأن من وشى بالشيء إلى إنسان بعينه يكون قصده إلى المخبر أكثر من قصده إلى المخبر به لمشافهته إياه بالشيء الذي يشق عَلَيْهِ
стр. 166
علمه وسماعه
ولقد أحسن الذي يقول ... من يخبرك بشتم عَن أخ ... فهو الشاتم لا من شتمك
ذاك شيء لم يشافهك به ... إنما اللوم على من أعلمك
كيف لم ينصرك إن كان أخا ... ذا وفاء عند من قد ظلمك
إنما رام بإبلاغ الذي ... نم فيه فاعلمن أن يرغمك
فأهنه إنه من لؤمه ... إن تهنه بهوان أكرمك
لكن الحر إذا أكرمته ... لم يصغرك ولكن فخمك ...
أنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن عَبْد اللَّه السويدي قَالَ سمعت العباس ابن ميمون يقول شيع المأمون الحسن بْن سهل ذا الوزارتين فلما بلغا غاية التشييع قَالَ له المأمون يا حسن ألك حاجة قَالَ نعم يا أمير المؤمنين تحفظ علي من قلبك مالا أستطيع إدراكه إلا بك ويكون بيني وبينك قول كثير عزة ... وكوني على الواشين لداء شغبة ... كما أنا للواشي ألد شغوب ...
أخبرنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خزيمه البصري حَدَّثَنَا حذيفة حَدَّثَنَا عكرمة بْن عمار عَن يَحْيَى بْن أَبِي كثير قَالَ الذي يعمله النمام في ساعة لا يعمله الساحر في شهر
أخبرنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحسن الهلالي حَدَّثَنَا أَبُو عوانة البصري حَدَّثَنَا داود بْن شبيب حَدَّثَنَا حماد بْن سلمة قَالَ باع رجل من رجل غلاما له وقال أبرأ إليك من النميمة فاشتراه على ذلك فجاء إلى مولاته فقال إن زوجك ليس يحبك وهو يتسرى عليك ويتزوج أفتر يدين أن يعطف عليك قالت نعم قَالَ خذي موسى فاحلقي به شعرات من باطن لحيته وبخريه بها وجاء إلى الرجل فقال إن امرأتك تبغي وتصادق وهي قاتلتك أفتريد أن يبين لك ذلك قَالَ نعم قَالَ تناوم لها قَالَ فتناوم لها
стр. 167
فجاءت بموسى تحلق الشعر فأخذها فقتلها فأخذه أولياؤها فقتلوه
قال أَبُو حاتم ﵁ هذا وأمثاله من ثمرة النميمة لأنها تهتك الأستار وتفشي الأسرار وتورث الضغائن وترفع المودة وتجدد العداوة وتبدد الجماعة وتهيج الحقد وتزيد الصد فمن وشى إليه عَن أخ كان الواجب عَلَيْهِ معاتبته على الهفوة إن كانت وقبول العذر إذا اعتذر وترك الإكثار من العتب مع توطين النفس على الشكر عند الحفاظ وعلى الصبر عند الضياع وعلى المعاتبة عند الإساءة
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي ... كاف الخليل على المودة مثلها ... وإذا أساء فكافه بعتابه
وإذا عتبت على امريء أحببته ... فتوق ظاهر عيبه وسبابه
وألن جناحك مَا استلان لوده ... وأجب أخاك إذا دعا بجوابه ...
وأنشدني على بْن مُحَمَّد البسامي ... أعاتب إخواني وأبقي عليهم ... ولست لهم بعد العتاب بقاطع
وأغفر ذنب المرء إن زل زلة ... إذا مَا أتاها كارها غير طائع
وأجزع من لوم الحليم وعذله ... وما أنا من جهل الجهول بجازع ...
أخبرني مُحَمَّد بْن علي الخلادي أخبرني مُحَمَّد بْن يزيد النحوي عَن العتبي عَن أبيه قَالَ عتب ابن الزبير على معاوية في شيء فدخل عَلَيْهِ فقال يا أمير المؤمنين اسمع ابياتا أعتبتك فيها قَالَ هات فأنشده ... لعمرك مَا أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول
وإني على أشياء منك تريبني ... كثيرا لذو صفح على ذاك مجمل
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران لو كان يعقل ...
فقال له معاويه لقد شعرت بعدي يا أبا بكر فدخل عَلَيْهِ معن بْن أوس
стр. 168
المزني بعد ذلك فقال له معاوية هل أحدثت بعدنا شيئا قَالَ نعم ثم أنشده ... لعمرك مَا أدري وإني لأوجل ...
فقال علي بابن الزبير فقال أليس هذا لك فيما زعمت قَالَ أنا ألفت المعنى وهو ألف القوافي وهو بعد ظئري ومهما قَالَ من شيء فأنا قلته فضحك معاوية وكان معن بْن أوس مسترضعا في مزينة
سمعت الحسين بْن إِسْحَاق الأصفهاني يقول كتب علي بْن حجر السعدي إلى بعض إخوانه ... أحن إلى عتابك غير أني ... أجلك عَن عتاب في كتاب
ونحن إذا التقينا قبل موت ... شفيت غليل صدري من عتابي
وإن سبقت بنا أيدي المنايا ... فكم من عاتب تحت التراب ...
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... صحائف عندي للعتاب طويتها ... ستنشر يوما والعتاب يطول
كتاب لعمري لا بنان يخطه ... وسوف يؤديه إليك رَسُول
سأكتب إن لم يجمع اللَّه بيننا ... وإن نجتمع يوما فسوف أقول ...
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن لا يقصر عَن معاتبة أخيه على زلته لأن من لم يعاتب على الزلة لم يكن بحافظ للخلة ومن أعتب لم يذنب كما أن من اغتفر لم يعاقب وظاهر العتاب خير من مكتوم الحقد ورب عتب أنفع من صفح ولذلك أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي ... إذا مَا امرؤ ساءتك منه خليقة ... فكاتمته فالوهن في ذاك تركب
لعلك لو عاتبته ثم لمته ... لسرك حتى لم تكن تتعتب ...
وأنشدني الكريزي ... فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا ... وحق لها التعبى لدينا وقلت ...
стр. 169
وإن تكن الأخرى فإن وراءنا ... مفاوز لو سارت بها العيس كلت ...
قال أَبُو حاتم ﵁ لا يجب على العاقل أن يناقش على تصحيح الإعتاب بالإكثار مخافة أن يعود المعاتب إلى مَا عوتب عَلَيْهِ لأن من عاتب على كل ذنب أخاه فحقيق أن يمله ويقلاه وإن من سوء الأدب كثرة العتاب كما أن من أعظم الجفاء ترك العتاب والإكثار في المعاتبة يقطع الود ويورث الصد
ولقد أنشدني عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد النقيب البغدادي لابن المعتز ... معاتبة الإلفين تحسن مرة ... فإن أكثروا إدمانها أفسد الحبا
إذا شئت أن تقلى فزر متتابعا ... وإن شئت أن تزداد حبا فزر غبا ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الصيداوي ... إذا كنت في كل الأمور معابتا ... خليلك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحد أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه ...
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الذُّهْلِيُّ عَنْ أَبِي السَّائِبِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لا تُكْثِرِ الْعِتَابَ فَإِنَّ الْعِتَابَ يُورِثُ الضَّغِينَةَ وَالْبَغْضَةَ وَكَثْرَتُهُ مِنْ سُوءِ الأَدَبِ
قال أَبُو حاتم ﵁ قد ذكرت مَا يشاكل هذه الحكايات في كتاب مراعاة الإخوان فأغنى ذلك عَن تكرارها في هذا الكتاب
ذكر استحباب قبول الاعتذار من المعتذر
أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بِنَصِيبِينَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِينَا عَنْ
стр. 170
جَوْدَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ اعْتَذَرَ إِلَى أَخِيهِ فَلَمْ يَقْبَلْ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ خَطِيئَةِ صَاحِبِ مَكْسٍ
قال أَبُو حاتم ﵁ أنا خائف أن يكون ابن جريج ﵀ ورضوانه عَلَيْهِ دلس هذا الخبر بأن سمعه من العباس بْن عَبْد الرحمن فهو حديث حسن
فالواجب على العاقل إذا اعتذر إليه أخوه لجرم مضى أو لتقصير سبق أن يقبل عذره ويجعله كمن لم يذنب لأن من تنصل إليه فلم يقبل أخاف أن لا يرد الحوض على المطفى ﷺ ومن فرط منه تقصير في سبب من الأسباب يجب عَلَيْهِ الاعتذار في تقصيره إلى أخيه
ولقد أنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي ... إذا اعتذر الصديق إليك يوما ... من التقصير عذر أخ مقر
فصنه عَن جفائك واعف عنه ... فإن الصفح شيمة كل حر ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي ... شفيع من أسلمه جرمه ... إقراره بالجرم والذنب
وتوبة المذنب من ذنبه ... إعتاب من أصبح ذا عتب ...
أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا ابن عائشة قَالَ غضب سليمان بْن عَبْد الملك على خالد بْن عَبْد اللَّه فلما دخل عَلَيْهِ قَالَ يا أمير المؤمنين القدرة تذهب الحفيظة وأنت تجل عَن العقوبة فإن تعف فأهل ذاك أنت وإن تعاقب فأهل ذاك أنا فال فعفا عنه
قال أَبُو حاتم ﵁ لا يجب للمرء أن يعتذر بحيلة إلى من لا يحب أن يجد له عذرا ولا يجب أن يكثر من الاعتذار إلى أخيه فإن الإكثار من الاعتذار هو السبب المؤدي إلى التهمة وإني أستحب الإقلال من الاعتذار على الأحوال كلها لعلمي أن المعاذير يعتريها الكذب وقل ما رأيت أحدا
стр. 171
اعتذر إلا شاب اعتذاره بالكذب ومن اعترف بالزلة استحق الصفح عنها لأن ذل الاعتذار عَن الزلة يوجب تسكين الغضب عنها والمعتذر إذا كان محقا خضع في قوله وذل في فعله كما أنشدني المنتصر بن بلال ... أيارب قد أحسنت عودا وبدأة ... إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر
فمن كان ذا عذر إليك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر ...
وأنشدني الكريزي ... وإني وإن أظهرت لي منك جفوة ... وألزمتني ذنبا وإن كنت مجرما
لراض لنفسي مَا رضيت لها به ... أراك بها مني أبر وأرحما ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا الفيض بْن الجهم التميمي حدثنا عبد الله ابن خبيق قَالَ كان يقال احتمل من دل عليك واقبل ممن اعتذر إليك
أنبأنا بكر بْن محمد بن الوهاب القزاز بالبصرة حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم أَبُو بشر قَالَ سمعت أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا مبارك بْن فضالة عَن حميد الطويل عَن أَبِي قلابة قَالَ إذا بلغك عَن أخيك شيء تكرهه فالتمس له عذرا فإن لم تجد له عذرا فقل لعل له عذرا لا أعلمه
قال أَبُو حاتم ﵁ لا يجب للمرء أن يعلن عقوبة من لم يعلن ذنبه ولا يخلو المعتذر في اعتذاره من أحد رجلين إما أن يكون صادقا في اعتذاره أو كاذبا فإن كان صادقا فقد استحق العفو لأن شر الناس من لم يقل العثرات ولا يستر الزلات وإن كان كاذبا فالواجب على المرء إذا علم من المعتذر إثم الكذب وريبته وخضوع الاعتذار وذلته أن لا يعاقبه على الذنب السالف
стр. 172
بل يشكر له الإحسان المحدث الذي جاء به في اعتذاره وليس يعيب المعتذر أن ذل وخضع في اعتذاره إلى أخيه
وأنشدني الأبرش ... هبني أسأت كما زعمت فأين عاطفة الأخوه
أو إن أسأت كما أسأت ... فأين فضلك والمروه ...
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... هبني مسيئا كالذي قلت ظالما ... فعفو جميل كي يكون لك الفضل
فإن لم أكن للعفو منك لسوء مَا ... أتيت به أهلا فأنت له أهل ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن أَبِي علي أنشدنا الربعي عَن الأصمعي ... أتيتك تائبا من كل ذنب ... وخير الناس من أخطأ فتابا
أليس اللَّه يستعفى فيعفو ... وقد ملك العقوبة والثوابا ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي ... عصيت وتبت كما قد عصى ... وتاب إلى ربه آدم
فقل قول يُوسُف لا تثربا ... لكم يغفر الغافر الراحم ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الجرزي عن حميد ابن سنان الخالدي وكان نديما لأبي دلف قَالَ دخلت على أَبِي دلف يوما وبين يديه كتاب وهو يضحك فقال هذا كتاب عَبْد اللَّه بْن طاهر وفيه أبيات أحب أن أنشدك إياها وذلك أني كنت استبطأته في بعض المؤامرات فكتبت إليه
стр. 173
أرى ودكم كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد
وودي بكم كالآس حسنا وبهجة ... له نضرة تبقى إذا فني الورد ...
فكتب إلي بهذه الأبيات ... شبهت ودي الورد فهو مشاكلي ... وهل زهر إلا وسيدها الورد
وشبهت منك الود بالآس في البقا ... ولم تخلف التشبيه فيك ولم تعد
فودك كالآس المرير مذاقه ... وليس له في الريح قبل ولا بعد ...
أخبرنا عَبْد الكبير بْن عمر الخطابي بالبصرة حَدَّثَنَا أَبُو حاتم السجستاني عَن الأصمعي قَالَ حَدَّثَنَا عيسى بْن عمر قَالَ كان لأبي الأسود الدؤلي صديق فرأى منه بعض مَا يكره فقال أبو الأسود ... رأيت امرءا لم أكن أبله ... أتاني فقال اتخذني خليلا
فخاللته ثم صافيته ... فلم ينقص الود منه فتيلا
فراجعته ثم عاتبته ... عتابا رفيقا وقولا جميلا
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر اللَّه إلا قليلا
ألست حقيقا بتوديعه ... وأتبع ذلك هجرا طويلا ...
قال أَبُو حاتم ﵁ الاعتذار يذهب الهموم ويجلي الأحزان ويدفع الحقد ويذهب الصد والإقلال منه تستغرق فيه الجنايات العظيمه والذنوب الكثيرة والإكثار منه يؤدي إلى الاتهام وسوء الرأي فلو لم يكن في اعتذار المرء إلى أخيه خصلة تحمد إلا نفى التعجب عَن النفس في الحال لكان الواجب على العاقل أن لا يفارقه الاعتذار عند كل زلة ولقد أنشدني الكريزي ... فانظر إلي بطرف غير ذي مرض ... فطال ما صح لي من طرفك النظر ...
стр. 174
أدرك بفضلك عظما كنت تجبره ... واجمع برفقك مَا قد كاد ينتشر ...
أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مهدي بْن سابق حَدَّثَنَا عطاء بْن مصعب قَالَ قدم عَبْد الرحمن بْن عنبسة بْن سَعِيد على معن بْن زائدة باليمن وكانت بينهما عداوة فلما رآه قَالَ له يا عَبْد الرحمن بأي وجه أتيتني ولأي خير أملتني قَالَ أصلح اللَّه الأمير اسمع مني حتى أنشدك بيتين قالهما نصيب في عَبْد العزيز بْن مروان قَالَ وما هما فأنشده ... لو كان فوق الأرض حي فعاله ... كفعلك أو للفعل منك مقارب
لقلت له هذا ولكن تعذرت ... سواك على المستعتبين المذاهب ...
فقال أقم فإني لا أواخذك فيما مضى ولا أعنفك فيما بقى
أنبأنا الخلادي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن موسى السمري عَن حماد بْن إِسْحَاق قَالَ ابن السماك لمحمد بْن سليمان أو حماد بْن موسى لكاتبه ورآه كالمعرض عنه مالي أراك كالمعرض عني قَالَ بلغني عنك شيء كرهته قال إذا لا أبالي قَالَ ولم قَالَ لأنه إن كان ذنبا غفرته وإن كان باطلا لم تقبله قَالَ فعاد إلى المؤانسة
قال أَبُو حاتم ﵁ قد ذكرت ما يشا كل هذه الحكايات في كتاب مراعاة العشرة فأغنى ذلك عَن تكرارها في هذا الكتاب
ذكر الحث على لزوم كتمان السر
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ فَارِسٍ الدَّلالُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا الهيثم بن أيوب العطار السلمي حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ أَبِي غَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَعِينُوا عَلَى الحوائج بكتمان السر فَإِنَّ لِكُلِّ نِعْمَةٍ حَاسِدًا
стр. 175
قال أَبُو حاتم ﵁ هذا إساند حسن وطريق غريب إن كان عروة هذا هو ابن الزبير بْن العوام وسعيد بْن سلام مَا أرى حفظ حديثه فلذلك تنكبت عَن ذكره
فالواجب على من سلك سبيل ذوي الحجى لزوم مَا انطوى عَلَيْهِ الضمير بتركه إبداء المكنون فيه لا إلى ثقة ولا إلى غيره فإن الدهر لا بد من أن يضرب ضرباته فيوقع ضد الوصل بينهما بحالة من الأحوال فيخرجه وجود ضد مَا انطوى عَلَيْهِ قديما من وفائه إلى صحة الخروج بالكلية إلى جفائه بإبداء مكتوماته والكشف عَن مخبآته
وَلَقَدْ أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حدثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ بَكِيرٍ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ عَجِبْتُ مِنَ الرَّجُلِ يَفِرُّ مِنَ الْقَدَرِ وَهُوَ مُوَاقِعُهُ وَمِنَ الرَّجُلِ يَرَى الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ وَيَدَعُ الْجِذْعَ في عينه ومن الرجل يحرج الضِّغْنَ مِنْ مَوْضِعٍ وَيَدَعُ الضِّغْنَ فِي نَفْسِهِ وَمَا نَدِمْتُ عَلَى أَمْرٍ قَطُّ فَلُمْتُ نَفْسِي عَلَى تَنَدُّمِي عَلَيْهِ وَمَا وَضَعْتُ سِرِّي عِنْدَ أَحَدٍ فَلُمْتُهُ عَلَى أَنْ يفشيه كيف ألومه وقد حنقت بِهِ وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... تبيح بسرك ضيقا به ... وتبغي لسرك من يكتم
وكتمانك السر ممن تخاف ... ومن لا تخافنه أحزم
إذا ذاع سرك من مخبر ... فأنت وإن لمته ألوم ...
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان ... إذا ضاق صدر المرء عَن بعض سره ... فألقاه في صدري فصدري أضيق
ومن لامني في أن أضيع سره ... وضيعه قبلي فذو السر أخرق ...
стр. 176
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الصَّيْدَاوِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ المدائني قَالَ كان يقال أصبر الناس الذي لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شيء فيفشيه وأنشدني البغدادي ... صن السر بالكتمان يرضيك غبه ... فقد يظهر المرء المضيع فيندم
فلا تلجئن سرا إلى غير حرزه ... فيظهر حرز السوء مَا كنت تكتم ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي ... إذا المرء لم يحفظ سريرة نفسه ... وكان لسر الأخ غير كتوم
فبعدا له من ذي أخ ومودة ... وليس على ود له بمقيم ...
قال أَبُو حاتم ﵁ من حصن بالكتمان سره تم له تدبيره وكان له الظفر بما يريد والسلامه من العيب والضرر وإن أخطأه التمكن والظفر والحازم يجعل سره في وعاء ويكتمه عَن كل مستودع فإن اضطره الأمر وغلبه أودعه العاقل الناصح له لأن السر أمانة وإفشاؤه خيانة والقلب له وعاؤه فمن الأوعية مَا يضيق بما يودع ومنها مَا يتسع لما استودع وأنشدني الكريزي ... اجعل لسرك من فؤادك منزلا ... لا يستطيع له اللسان دخولا
إن اللسان إذا استطاع إلى الذي ... كتم الفؤاد من الشئون وصولا
ألفيت سرك في الصديق وغيره ... من ذي العداوة فاشيا مبذولا ...
وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري ... سأكتمه سري وأكتم سره ... ولا غرني أني عَلَيْهِ كريم
حليم فيفشي أو جهول يذيعه ... وما الناس إلا جاهل وحليم ...
أخبرني مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد حدثني علي بْن عيسى عن محمد عن ابن الأعرابي قَالَ كان يقال العاقل من حذر صديقه
стр. 177
وأنشدني بعض إخواننا ... لعمرك كتمان الفتى سر مَا نوى ... أعف وأدنى للرشاد وأكرم
وأجمل في بث الحديث مقالة ... وأحسن في الأخلاق دوما وأحزم ...
وأنشدني الكريزي ... إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فأنت إذا حملته الناس أضيع
ويضحك في وجهي إذا ما لقيته ... وينهشني بالغيب يوما ويلسع ...
قال أَبُو حاتم ﵁ الإفراط في الاسترسال بالأسرار عجز وما كتمه المرء من عدوه فلا يجب أن يظهره لصديقه وكفى لذوي الألباب عبرا مَا جربوا ومن استودع حديثا فليستر ولا يكن مهتاكا ولا مشياعا لأن السر إنما سمي سرا لأنه لا يفشى
فيجب على العاقل أن يكون صدره أوسع لسره من صدر غيره بأن لا يفشيه ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن يعقوب الأعلم قَالَ أنشدني مُحَمَّد بْن سليمان بْن سلام الجمحي لرجل من عَبْد شمس ... إذا مَا ضاق صدرك عَن حديث ... فأفشاه الرجال فمن تلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثي ... وسري عنده فأنا الظلوم
وإني يوم أسأم حمل سري ... وقد ضمنته صدري سؤوم
فلست محدثنا سري خليلي ... ولا نفسي إذا حضرت هموم
وأطوي السر دون الناس إني ... لما استودعت من سر كتوم ...
وأنشدني علي بْن حيدة الكاتب قَالَ أنشدنا عَبْد الرحمن بْن بندار لشيطان الطاق ... أمت السر بكتمان ولا ... يسمعن منك إذا استودعت سر
فإذا ضقت به ذرعا فلا ... تضعن سرك إلا عند حر ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا الرمادي حَدَّثَنَا مسدد قَالَ سمعت ابن
стр. 178
داود يقول سمعت الأعمش يقول يضيق صدر أحدهم بسره حتى يحدث به ثم يقول اكتمه علي
وأنشدني إِبْرَاهِيم بْن علي الظفري أنشدني الحسين بْن عُبَيْد اللَّه ... لا يكتم السر إلا من له شرف ... والسر عند كرام الناس مكتوم
السر عندي في بيت له غلق ... ضلت مفاتيحه والباب مختوم ...
أنبأنا الخلادي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن شجاع البياضي قَالَ أنشدنا عَبْد الرحمن بْن مُحَمَّد ... وإني لأنسى السر كيما أصونه ... فيامن رأى شيئا يصان بأن ينسى
مخافة أن يجري ببالي ذكره ... فيخلسه قلبي إلى منطقي خلسا ...
قال أَبُو حاتم ﵁ الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي والرأي بتحصين الأسرار ومن كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي يده ومن أنبأ الناس بأسراره هان عليهم وأذاعوها ومن لم يكتم السر استحق الندم ومن استحق الندم صار ناقص العقل ومن دام على هذا رجع إلى الجهل
فتحصين السر للعاقل أولى به من التلهف بالندم بعد خروجه منه ولقد أحسن الذي يقول ... خشيت لساني أن يكون خؤونا ... فأودعته قلبي فكان أمينا
فقلت ليخفى دون شخصي وناظري ... أيا حركاتي كن في سكونا ...
أنبأنا إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق الأنماطي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سليمان المصيصي حَدَّثَنَا ابن عيينة عَن ابن شبرمة عَن الحسن في قوله تعالى (٣ ١٥٩) ﴿وشاورهم في الأمر﴾ قَالَ مَا كان يحتاج إليهم ولكن أحب أن يستن به من بعده
قال أَبُو حاتم ﵁ المستشار مؤتمن وليس بضامن والمستشير متحصن من السقط متخير للرأي
стр. 179
والواجب على العاقل السالك سبيل ذوي الحجى أن يعلم أن المشاورة تفشي الأسرار فلا يستشير إلا اللبيب الناصح الودود الفاضل في دينه وإرشاد المشير المستشير قضاء حق النعمة في الرأي والمشورة لا تخلو من البركة إذا كانت مع مثل من وصفنا نعته
ولقد أَنْبَأَنَا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ قَالَ قَالَ الحسن مَا حزب قوما قط أمر فاجتمعوا فتشاوروا فيه إلا أرشدهم الله لأصوبه وأنشدني الكريزي ... دبر إذا مَا رمت أمرا بفكرة ... لتعلم مَا تأتي وما تتجنب
وشاور نقي الرأي عند التباسه ... لكي يضح الأمر الذي هو أصوب ...
وأنشدني المنتصر بْن بلال ... لا تسبقن الناس بالرأي واتئد ... فإنك إن تعجل إلى القول تزلل
ولكن تصفح رأي من كان حاضرا ... وقل بعدهم رسلا وبالحق فاعمل ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حدثني يحيى بن زيد بْن مُحَمَّد الأبلي حدثني إِسْمَاعِيل بْن حبيب أَبُو حميد الأبلي عن عبد الله بن الايلمي عَن وهب بْن منبه أنه قَالَ في التوراة أربعة أحرف مكتوبة من لم يشاور يندم ومن استغنى استأثر والفقر الموت الأحمر وكما تدين تدان
قال أَبُو حاتم ﵁ لا أَنَس آنس من استشارة عاقل ودود ولا وحشة أوحش من مخالفته لأن المشاورة والمناظرة بابا بركة ومفتاحا رحمة من استشير فليشر بالنصيحة وليجتهد بالرأي وليلزم الحق وقصد السبيل وليجعل المستشير كنفسه بترك الخيانة وبذل النصيحة وليكن كما أنشدني علي ابن محمد البسامي
стр. 180
.. ومن الرجال إذا زكت أحلامهم ... من يستشار إذا استشير فيطرق
حتى يجول بكل واد قلبه ... فيرى ويعرف مَا يقول وينطق
إن الحليم إذا تفكر لم يكد ... يخفى عَلَيْهِ من الأمور الأوفق ...
أَنْبَأَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن ثابت عن إياس ابن دَغْفَلٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا شَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلا هدوا الى رشدهم
أخبرني مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن خالد السيرافي حَدَّثَنَا شيبان حَدَّثَنَا أَبُو الأشهب قَالَ قَالَ الحسن لا يندم من شاور مرشدا
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل إذا استشير قوم هو فيهم أن يكون آخر من يشير لأنه أمكن من الفكر وأبعد من الزلل وأقرب من الحزم وأسلم من السقط ومن استشار فلينفذ الحزم بأن لا يستشير عاجزا كما أن الحازم لا يستعين كسلا وفي الاستشارة عين الهداية ومن استشار لم يعدم رشدا ومن ترك المشاورة لم يعدم غيا ولا يندم من شاور مرشدا وقد أنشدني الواسطي ... الهم مالم تمضه لسبيله ... سقم القلوب وآفة الأبدان
ومعول الرجل الموفق رأيه ... عند اعتراض طوارق الأحزان
وإذا الحوادث سددت أسبابه ... كان التبصر أنجد الأعوان ... وإذا أضل سبيله تدبيره ... طلب الهدى بتشاور الإخوان ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا مطروح بْن شاكر حَدَّثَنَا أصبغ عَن ابن وهب عَن إِبْرَاهِيم بْن نشيط عَن ابن أَبِي حسين قَالَ كان يقال مَا هلك امرؤ عَن مشورة ولا سعد بتوحد
قال أَبُو حاتم ﵁ إن من شيم العاقل عند النائبة تنوبه أن يشاور عاقلا ناصحا ذا رأي ثم يطيعه وليعترف للحق عند المشورة ولا يتمادى في الباطل بل يقبل الحق ممن جاء به ولا يحقر الرأي الجليل إذا أتاه به الرجل الحقير لأن
следующие страницы →