Полный текст (276 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الصَّيْدَاوِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ المدائني قَالَ كان يقال أصبر الناس الذي لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شيء فيفشيه وأنشدني البغدادي ... صن السر بالكتمان يرضيك غبه ... فقد يظهر المرء المضيع فيندم
فلا تلجئن سرا إلى غير حرزه ... فيظهر حرز السوء مَا كنت تكتم ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي ... إذا المرء لم يحفظ سريرة نفسه ... وكان لسر الأخ غير كتوم
فبعدا له من ذي أخ ومودة ... وليس على ود له بمقيم ...
قال أَبُو حاتم ﵁ من حصن بالكتمان سره تم له تدبيره وكان له الظفر بما يريد والسلامه من العيب والضرر وإن أخطأه التمكن والظفر والحازم يجعل سره في وعاء ويكتمه عَن كل مستودع فإن اضطره الأمر وغلبه أودعه العاقل الناصح له لأن السر أمانة وإفشاؤه خيانة والقلب له وعاؤه فمن الأوعية مَا يضيق بما يودع ومنها مَا يتسع لما استودع وأنشدني الكريزي ... اجعل لسرك من فؤادك منزلا ... لا يستطيع له اللسان دخولا
إن اللسان إذا استطاع إلى الذي ... كتم الفؤاد من الشئون وصولا
ألفيت سرك في الصديق وغيره ... من ذي العداوة فاشيا مبذولا ...
وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري ... سأكتمه سري وأكتم سره ... ولا غرني أني عَلَيْهِ كريم
حليم فيفشي أو جهول يذيعه ... وما الناس إلا جاهل وحليم ...
أخبرني مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد حدثني علي بْن عيسى عن محمد عن ابن الأعرابي قَالَ كان يقال العاقل من حذر صديقه
стр. 177
وأنشدني بعض إخواننا ... لعمرك كتمان الفتى سر مَا نوى ... أعف وأدنى للرشاد وأكرم
وأجمل في بث الحديث مقالة ... وأحسن في الأخلاق دوما وأحزم ...
وأنشدني الكريزي ... إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فأنت إذا حملته الناس أضيع
ويضحك في وجهي إذا ما لقيته ... وينهشني بالغيب يوما ويلسع ...
قال أَبُو حاتم ﵁ الإفراط في الاسترسال بالأسرار عجز وما كتمه المرء من عدوه فلا يجب أن يظهره لصديقه وكفى لذوي الألباب عبرا مَا جربوا ومن استودع حديثا فليستر ولا يكن مهتاكا ولا مشياعا لأن السر إنما سمي سرا لأنه لا يفشى
فيجب على العاقل أن يكون صدره أوسع لسره من صدر غيره بأن لا يفشيه ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن يعقوب الأعلم قَالَ أنشدني مُحَمَّد بْن سليمان بْن سلام الجمحي لرجل من عَبْد شمس ... إذا مَا ضاق صدرك عَن حديث ... فأفشاه الرجال فمن تلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثي ... وسري عنده فأنا الظلوم
وإني يوم أسأم حمل سري ... وقد ضمنته صدري سؤوم
فلست محدثنا سري خليلي ... ولا نفسي إذا حضرت هموم
وأطوي السر دون الناس إني ... لما استودعت من سر كتوم ...
وأنشدني علي بْن حيدة الكاتب قَالَ أنشدنا عَبْد الرحمن بْن بندار لشيطان الطاق ... أمت السر بكتمان ولا ... يسمعن منك إذا استودعت سر
فإذا ضقت به ذرعا فلا ... تضعن سرك إلا عند حر ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا الرمادي حَدَّثَنَا مسدد قَالَ سمعت ابن
стр. 178
داود يقول سمعت الأعمش يقول يضيق صدر أحدهم بسره حتى يحدث به ثم يقول اكتمه علي
وأنشدني إِبْرَاهِيم بْن علي الظفري أنشدني الحسين بْن عُبَيْد اللَّه ... لا يكتم السر إلا من له شرف ... والسر عند كرام الناس مكتوم
السر عندي في بيت له غلق ... ضلت مفاتيحه والباب مختوم ...
أنبأنا الخلادي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن شجاع البياضي قَالَ أنشدنا عَبْد الرحمن بْن مُحَمَّد ... وإني لأنسى السر كيما أصونه ... فيامن رأى شيئا يصان بأن ينسى
مخافة أن يجري ببالي ذكره ... فيخلسه قلبي إلى منطقي خلسا ...
قال أَبُو حاتم ﵁ الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي والرأي بتحصين الأسرار ومن كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي يده ومن أنبأ الناس بأسراره هان عليهم وأذاعوها ومن لم يكتم السر استحق الندم ومن استحق الندم صار ناقص العقل ومن دام على هذا رجع إلى الجهل
فتحصين السر للعاقل أولى به من التلهف بالندم بعد خروجه منه ولقد أحسن الذي يقول ... خشيت لساني أن يكون خؤونا ... فأودعته قلبي فكان أمينا
فقلت ليخفى دون شخصي وناظري ... أيا حركاتي كن في سكونا ...
أنبأنا إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق الأنماطي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سليمان المصيصي حَدَّثَنَا ابن عيينة عَن ابن شبرمة عَن الحسن في قوله تعالى (٣ ١٥٩) ﴿وشاورهم في الأمر﴾ قَالَ مَا كان يحتاج إليهم ولكن أحب أن يستن به من بعده
قال أَبُو حاتم ﵁ المستشار مؤتمن وليس بضامن والمستشير متحصن من السقط متخير للرأي
стр. 179
والواجب على العاقل السالك سبيل ذوي الحجى أن يعلم أن المشاورة تفشي الأسرار فلا يستشير إلا اللبيب الناصح الودود الفاضل في دينه وإرشاد المشير المستشير قضاء حق النعمة في الرأي والمشورة لا تخلو من البركة إذا كانت مع مثل من وصفنا نعته
ولقد أَنْبَأَنَا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ قَالَ قَالَ الحسن مَا حزب قوما قط أمر فاجتمعوا فتشاوروا فيه إلا أرشدهم الله لأصوبه وأنشدني الكريزي ... دبر إذا مَا رمت أمرا بفكرة ... لتعلم مَا تأتي وما تتجنب
وشاور نقي الرأي عند التباسه ... لكي يضح الأمر الذي هو أصوب ...
وأنشدني المنتصر بْن بلال ... لا تسبقن الناس بالرأي واتئد ... فإنك إن تعجل إلى القول تزلل
ولكن تصفح رأي من كان حاضرا ... وقل بعدهم رسلا وبالحق فاعمل ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حدثني يحيى بن زيد بْن مُحَمَّد الأبلي حدثني إِسْمَاعِيل بْن حبيب أَبُو حميد الأبلي عن عبد الله بن الايلمي عَن وهب بْن منبه أنه قَالَ في التوراة أربعة أحرف مكتوبة من لم يشاور يندم ومن استغنى استأثر والفقر الموت الأحمر وكما تدين تدان
قال أَبُو حاتم ﵁ لا أَنَس آنس من استشارة عاقل ودود ولا وحشة أوحش من مخالفته لأن المشاورة والمناظرة بابا بركة ومفتاحا رحمة من استشير فليشر بالنصيحة وليجتهد بالرأي وليلزم الحق وقصد السبيل وليجعل المستشير كنفسه بترك الخيانة وبذل النصيحة وليكن كما أنشدني علي ابن محمد البسامي
стр. 180
.. ومن الرجال إذا زكت أحلامهم ... من يستشار إذا استشير فيطرق
حتى يجول بكل واد قلبه ... فيرى ويعرف مَا يقول وينطق
إن الحليم إذا تفكر لم يكد ... يخفى عَلَيْهِ من الأمور الأوفق ...
أَنْبَأَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن ثابت عن إياس ابن دَغْفَلٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا شَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلا هدوا الى رشدهم
أخبرني مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن خالد السيرافي حَدَّثَنَا شيبان حَدَّثَنَا أَبُو الأشهب قَالَ قَالَ الحسن لا يندم من شاور مرشدا
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل إذا استشير قوم هو فيهم أن يكون آخر من يشير لأنه أمكن من الفكر وأبعد من الزلل وأقرب من الحزم وأسلم من السقط ومن استشار فلينفذ الحزم بأن لا يستشير عاجزا كما أن الحازم لا يستعين كسلا وفي الاستشارة عين الهداية ومن استشار لم يعدم رشدا ومن ترك المشاورة لم يعدم غيا ولا يندم من شاور مرشدا وقد أنشدني الواسطي ... الهم مالم تمضه لسبيله ... سقم القلوب وآفة الأبدان
ومعول الرجل الموفق رأيه ... عند اعتراض طوارق الأحزان
وإذا الحوادث سددت أسبابه ... كان التبصر أنجد الأعوان ... وإذا أضل سبيله تدبيره ... طلب الهدى بتشاور الإخوان ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا مطروح بْن شاكر حَدَّثَنَا أصبغ عَن ابن وهب عَن إِبْرَاهِيم بْن نشيط عَن ابن أَبِي حسين قَالَ كان يقال مَا هلك امرؤ عَن مشورة ولا سعد بتوحد
قال أَبُو حاتم ﵁ إن من شيم العاقل عند النائبة تنوبه أن يشاور عاقلا ناصحا ذا رأي ثم يطيعه وليعترف للحق عند المشورة ولا يتمادى في الباطل بل يقبل الحق ممن جاء به ولا يحقر الرأي الجليل إذا أتاه به الرجل الحقير لأن
стр. 181
اللؤلؤة الخطيرة لا يشينها قلة خطر غائصها الذي استخرجها ثم ليستخر اللَّه وليمض فيما أشار عليه وقد أنشدني البغدادي ... أطع الحليم إذا الحليم عصاكا ... إن الحليم إذا عصاك هداكا
وإذا استشارك من تود فقل له ... أطع الحليم إذا الحليم نهاكا
ولئن أبيت لتأتين خلافه ... أربا يحوطك أو يكون هلاكا
واعلم بأنك لن تسود ولن ترى ... سبل الرشاد إذا أطعت هواكا ...
أنبأنا أَبُو مُحَمَّد عَبْد الرحمن بْن عَبْد المؤمن بجرجان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حميد البزاز حدثنا جرير عَن ابن المقفع عَن وزير كسرى قَالَ ثلاثة ليس لهم رأي فلا تستشيروهم صاحب الخف الضيق وحاقن البول وصاحب المرأة السوء السليطة
ذكر الحث على لزوم النصيحة للمسلمين كافة
أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَعْشَرٍ بِحَرَّانَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ الَّليْثِيِّ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدِّينُ النَّصِيحَةُ قِيلَ لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل لزوم النصيحة للمسلمين كافة وترك الخيانة لهم بالإضمار والقول والفعل معا إذ المصطفى ﷺ كان يشترط على من بايعه من أصحابه النصح لكل مسلم مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْخَلادِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الذُّهْلِيُّ عَنْ أَبِي السَّائِبِ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لا تَعْمَلْ بِالْخَدِيعَةِ فَإِنَّهَا خُلُقُ اللِّئَامِ وَامْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً وَزُلْ مَعَهُ حَيْثُ زَالَ
стр. 182
وأنشدني الكريزي ... قل للنصيح الذي أهدى نصيحته ... سرا إلينا وسامته التكاليف
النصح ليس له حد فتعرفه ... والنصح مستوحش منه ومألوف
حتى إذا صرحت عنا عواقبه ... كانت لنا عظة منه وتعنيف
لو كان للنصح حد يستبان به ... مَا نالنا حسرة منه وتلهيف
لكن له سبل شتى مخالفة ... بعض لبعض فمجهول ومعروف
والناس غاو وذو رشد ومختلط ... والنصح ممضي ومردود وموقوف ...
قال أَبُو حاتم ﵁ خير الإخوان أشدهم مبالغة في النصيحة كما أن خير الأعمال أحمدها عاقبة وأحسنها إخلاصا وضرب الناصح خير من تحية الشانىء
ويجب أن يكون للعاقل نصيحة مبذولة للعامة مكتوما من العام والخاص مَا قدر عَلَيْهِ وليس الناصح بأولى بالنصيحة من المنصوح له
وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ التَّيْمِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ لَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ الْكُوفَةَ لَقِيَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ لَهُ إِنِّي أُشِيرُ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ فَاقْبَلْهُ قَالَ هَاتِ قال أقر مُعَاوِيَةَ عَلَى الشَّامِ يُسْمِحْ لَكَ طَاعَتَهُ فَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَدْ ذَاقُوهُ فَاسْتَعْذَبُوهُ وَوَلِيَهُمْ عِشْرِينَ سَنَةً لم يعتبوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْتِبُوهُ فِي عِرْضٍ وَلا مَالٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لَوْ سألني قرية ماوليته إِيِّاهَا قَالَ فَقَالَ الْمُغَيرَةُ أَرَاهُ سَيَلِي أَرَضِينَ وَقُرَيَّاتٍ
أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر حَدَّثَنَا ابن أَبِي شيبة حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا ابن المبارك عَن معمر عَن يَحْيَى بْن المختار عَن الحسن قال المؤمن شعبة من المؤمن وهو مرآة أخيه إن رأى منه مالا يعجبه سدده وقومه ونصحه السر والعلانية وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... أمنت على السر أمرءا غير حازم ... ولكنه في النصح غير مريب ...
стр. 183
.. فذاع به في الناس حتى كأنما ... بعلياء نار أوقدت بثقوب
فما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا مَا استجمعا عند واحد ... فحق له من طاعة بنصيب ...
سمعت مُحَمَّد بْن نصر بْن نوفل المروزي يقول سمعت أبا داود السنجي يقول سمعت ابن الأعرابي يقول رجل أهديت له النصيحة فاتخذها ذنبا ورجل وسع له في مكان ضيق فجلس متربعا
قال أَبُو حاتم ﵁ النصيحة محاطة بالتهمة وليست النصيحة إلا لمن قبلها كما أن الدنيا ليست إلا لمن تركها ولا الآخرة إلا لمن طلبها وليس على كل ذي نصح إلا الجهد ولو لم يقبل من نصحائه مَا يثقل عَلَيْهِ لم يحمد غب رأيه ومشاورة الأصم أَحْمَد من الناصح المعرض عنه ومن بذل نصيحة لمن لا يشكر كان كالباذر في السباخ وأكثر مَا يوجد ترك قبول النصيحة من المعجب برأيه وأنشدني الأبرش ... إذا نصحت لذي عجب لترشده ... فلم يطعك فلا تنصح له أبدا
فإن ذا العجب لا يعطيك طاعته ... ولا يجيب إلى إرشاده أحدا
وما عليك وإن غاو غوى حقبا ... إن لم يكن لك قربى أو يكن ولدا ...
قال أَبُو حاتم ﵁ النصيحة تجب على الناس كافة على مَا ذكرنا قبل ولكن إبداؤها لا يجب إلا سرا لأن من وعظ أخاه علانية فقد شانه ومن وعظه سرا فقد زانه فإبلاغ المجهود للمسلم فيما يزين أخاه أحرى من القصد فيما يشينه
ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا الرمادي حَدَّثَنَا علي بْن المديني حَدَّثَنَا سُفْيَان قَالَ قلت لمسعر تحب أن يخبرك رجل بعيوبك قَالَ أما أن يجيء إنسان فيوبخني بها فلا وأما أن يجيء ناصح فنعم
أخبرنا مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن المغيرة النوفلي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن
стр. 184
علي الشقيقي حَدَّثَنَا أَبِي عَن ابن المبارك قَالَ كان الرجل إذا رأى من أخيه مَا يكره أمره في ستر ونهاه في ستر فيؤجر في ستره ويؤجر في نهيه فأما اليوم فإذا رأى أحد من أحد ما يكره أستغضب أخاه وهيتك ستره
أخبرنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن منصور حدثني علي بْن المديني عَن سُفْيَان قَالَ جاء طلحة إلى عَبْد الجبار بْن وائل وعنده قوم فساره بشيء ثم انصرف فقال أتدرون مَا قَالَ لي قَالَ رأيتك التفت أمس وأنت تصلي قال أَبُو حاتم ﵁ النصيحة إذا كانت على نعت مَا وصفنا تقيم الألفة وتؤدي حق الأخوة
وعلامة الناصح إذا أراد زينة المنصوح له أن ينصحه سرا وعلامة من أراد شينة أن ينصحه علانية فليحذر العاقل نصحه الأعداء في السر والعلانية ولقد أنشدني ابن زنجي البغدادي ... فكم من عدو معلن لك نصحه ... علانية والغش تحت الأضالع
وكم من صديق مرشد قد عصيته ... فكنت له في الرشد غير مطاوع
وما الأمر إلا بالعواقب إنها ... سيبدو عليها كل سر وذائع ...
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي ... وصاحب غير مأمون غوائله ... يبدي لي النصح منه وهو مشتمل
على خلاف الذي يبدي ويظهره ... وقد أحطت بعلمي أنه دغل
عفوت عنه انتظارا أن يثوب له ... عقل إليه من الزلات ينتقل
دهرا فلما بدا لي أن شيمته ... غش وليس له عَن ذاك منتقل
تركته ترك قَالَ لا رجوع له ... إلى مودته ما حنت الإبل ...
أخبرنا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد القيراطي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزيد الملقب يحمش حَدَّثَنَا يعلى بْن عُبَيْد حَدَّثَنَا أَبُو حيان عَن أبيه قَالَ كتب الربيع بْن خيثم وصيه
стр. 185
بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا مَا أوصى به الربيع بْن خيثم وأشهد عَلَيْهِ وكفى بالله شهيدا وجازيا لعباده الصالحين مثيبا إني رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا وأن يعبد الله من أطاعني في العابدين ويحمده في الحامدين وينصح لجماعة المسلمين
وصية الخطاب بْن المعلى المخزومي ابنه
أخبرني مُحَمَّد بْن المنذر بْن سَعِيد حَدَّثَنَا أَبُو حاتم مُحَمَّد بْن إدريس الحنظلي حدثني عَبْد الرحمن بْن أَبِي عطية الحمصي عَن الخطاب بْن المعلى المخزومي القرشي أنه وعظ ابنه فقال يا بني عليك بتقوى اللَّه وطاعته وتجنب محارمه باتباع سنته ومعالمه حتى تصح عيوبك وتقر عينك فإنها لا تخفى على اللَّه خافية وإني قد وسمت لك وسما ووضعت لك رسما إن أنت حفظته ووعيته وعملت به ملأت أعين الملوك وانقاد لك به الصعلوك ولم تزل مرتجى مشرفا يحتاج إليك ويرغب إلى مَا في يديك فأطع أباك واقتصر على وصية أبيك وفرغ لذلك ذهنك واشغل به قلبك ولبك واياك وهذر الكلام وكثرة الضحكك والمزا ح ومهازلة الإخوان فإن ذلك يذهب البهاء ويوقع الشحناء وعليك بالرزانة والتوقر من غير كبر يوصف منك ولا خيلاء تحكي عنك والق صديقك وعدوك بوجه الرضى وكف الأذى من غير ذلة لهم ولا هيبة منهم وكن في جميع أمورك في أوسطها فإن خير الأمور أوساطها وقلل الكلام وأفش السلام وامش متمكنا قصدا ولا تخط برجلك ولا تسحب ذيلك ولا تلو عنقك ولا ردائك ولا تنظر في عطفك ولا تكثر الالتفاف ولا تقف على الجماعات ولا تتخذ السوق مجلسا ولا الحوانيت متحدثا ولا تكثر المراء ولا تنازع السفهاء فإن تكلمت فاختصر وإن مزحت فاقتصر وإذا جلست فتربع وتحفظ من تشبيك أصابعك وتفقيعها والعبث بلحيتك وخاتمك وذؤابة سيفك
стр. 186
وتخليل أسنانك وإدخال يدك في أنفك وكثرة طرد الذباب عنك وكثرة التثاؤب والتمطي وأشباه ذلك مما يستخفه الناس منك ويغتمزون به فيك
وليكن مجلسك هاديا وحديثك مقسوما وأصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك بغير إظهار عجب منك ولا مسألة إعادة وغض عَن الفكاهات من المضاحك والحكايات ولا تحدث عَن إعجابك بولدك ولا جاريتك ولا عَن فرسك ولا عن سفيك وإياك وأحاديث الرؤيا فإنك إن أظهرت عجبا بشيء منها طمع فيها السفهاء فولدوا لك الأحلام واغتمزوا في عقلك ولا تصنع تصنع المرأة ولا تبذل تبذل العبد ولا تهلب لحيتك ولا تبطنها وتوق كثرة الحف ونتف الشيب وكثرة الكحل والإسراف في الدهن وليكن كحلك غبا ولا تلح في الحاجات ولا تخشع في الطلبات ولا تعلم أهلك وولدك فضلا عَن غيرهم عدد مالك فإنهم إن رأوه قليلا هنت عليهم وإن كان كثيرا لم تبلغ به رضاهم وأخفهم في غير عنف ولن لهم قي غير ضعف ولا تهازل أمتك وإذا خاصمت فتوقر وتحفظ من جهلك وتجنب عَن عجلتك وتفكر في حجتك وأر الحاكم شيئا من حلمك ولا تكثر الإشارة بيدك ولا تحفز على ركبتيك وتوق حمرة الوجه وعرق الجبين وإن سفه عليك فاحلم وإذا هدأ غضبك فتكلم وأكرم عرضك وألق الفضول عنك وإن قربك سلطان فكن منه على حد السنان وإن استرسل إليك فلا تأمن من انقلابه عليك وارفق به رفقك بالصبي وكلمه بما يشتهي ولا يحملنك مَا ترى من إلطافه إياك وخاصته بك أن تدخل بينه وبين أحد من ولده وأهله وحشمه وإن كان لذلك منك مستمعا وللقول منك مطيعا فإن سقطة الداخل بين الملك وأهله صرعة لا تنهض وزلة لا تقال وإذا وعدت
стр. 187
فحقق وإذا حدثت فاصدق ولا تجهر بمنطقك كمنازع الأصم ولا تخافت به كتخافت الأخرس وتخير محاسن القول بالحديث المقبول وإذا حدثت بسماع فانسبه إلى أهله وإياك الأحاديث العابرة المشنعه التي تنكرها القلوب وتفق لها الجلود وإياك ومضعف الكلام مثل نعم نعم ولا لا وعجل عجل وما أشبه ذلك وإذا توضأت فأجد عرك كفيك وليكن وضعك الحرض من الأشنان في فيك كفعلك بالسواك ولا تنخع في الطست وليكن طرحك الماء من فيك مترسلا ولا تمج فتنضح على أقرب جلسائك ولا تعض نصف اللقمة ثم تعيد مَا بقى منها منصبغا فإن ذلك مكروه ولا تكثر الاستسقاء على مائدة الملك ولا تعبث بالمشاش ولا تعب شيئا مما يقرب إليك على مائدة بقلة خل أو تابل أو عسل فإن السحابة قد صيرت لنفسها مهابة ولا تمسك إمساك المثبور ولا تبذر تبذير السفيه المغرور واعرف في مالك واجب الحقوق وحرمة الصديق واستغن عَن الناس يحتاجوا إليك واعلم أن الجشع يدعو إلى الطبع والرغبة كما قِيلَ تدق الرقبة ورب أكلة تمنع أكلات والتعفف مال جسيم وخلق كريم ومعرفة الرجل قدره تشرف ذكره ومن تعدى القدر هوى في بعيد القعر والصدق زين والكذب شين ولصدق يسرع عطب صاحبه أحسن عاقبة من كذب يسلم عَلَيْهِ قائله ومعاداة الحليم خير من مصادقة الأحمق ولزوم الكريم على الهوان خير من صحبة اللئيم على الإحسان ولقرب ملك جواده خير من مجاورة بحر طراد وزوجة السوء الداء العضال ونكاح العجوز يذهب بماء الوجه وطاعة النساء تزري بالعقلاء
تشبه بأهل العقل تكن منهم وتصنع للشرف تدركه
стр. 188
وأعلم أن كل امريء حيث وضع نفسه وإنما ينسب الصانع إلى صناعته والمرء يعرف بقرينه وإياك وإخوان السوء فإنهم يخونون من رافقهم ويحزنون من صادقهم وقربهم أعدى من الجرب ورفضهم من استكمال الأدب واستخفار المستجير لؤم والعجلة شؤم وسوء التدبير وهن
والإخوان اثنان فمحافظ عليك عند البلاء وصديق لك في الرخاء فاحفظ صديق البلاء وتجنب صديق العافية فإنهم أعدى الأعداء
ومن اتبع الهوى مال به الردى ولا يعجبنك الجهم من الرجال ولا تحقر ضئيلا كالخلال فإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه ولا ينتفع به بأكثر من أصغريه
وتوق الفساد وإن كنت في بلاد الأعادي ولا تفرش عرضك لمن دونك ولا تجعل مالك أكرم عليك من عرضك ولا تكثر الكلام فتثقل على الأقوام وامنح البشر جليسك والقبول ممن لاقاك
وإياك وكثرة التبريق والتزليق فإن ظاهر ذلك ينسب إلى التأنيث وإياك والتصنع لمغازلة النساء وكن متقربا متعززا منتهزا في فرصتك رفيقا في حاجتك متثبتا في حملتك والبس لكل دهر ثيابه ومع كل قوم شكلهم
واحذر مَا يلزمك اللائمة في آخرتك ولا تعجل في أمر حتى تنظر في عاقبته ولا ترد حتى ترى وجه المصدر
وعليك بالنورة في كل شهر مرة وإياك وحلاق الإبط بالنورة وليكن السواك من طبيعتك وإذا استكت فعرضا وعليك بالعمارة فإنها أنفع التجارة وعلاج الزرع خير من اقتناء الضرع ومنازعتك اللئيم تطمعه فيك ومن أكرم عرضه أكرمه الناس وذم الجاهل إياك أفضل
стр. 189
من ثنائه عليك ومعرفة الحق من أخلاق الصدق والرفيق الصالح ابن عم ومن أيسر أكبر ومن افتقر احتقر قصر في المقالة مخافة الإجابة والساعي إليك غالب عليك وطول السفر ملالة وكثرة المنى ضلالة وليس للغائب صديق ولا على الميت شفيق وأدب الشيخ عناء وتأديب الغلام شقاء والفاحش أمير والوقاح وزير والحليم مطية الأحمق والحمق داء لا شفاء له والحلم خير وزير والدين أزين الأمور والسماجه سفاهة والسكران شيطان وكلامه هذيان والشعر من السحر والتهدد هجر والشح شقاء والشجاعة بقاء والهدية من الأخلاق السرية وهي تورث المحبة ومن ابتدأ المعروف صار دينا ومن المعروف ابتداء من غير مسألة وصاحب الرياء يرجع إلى السخاء ولرياء بخير خير من معالنة بشر والعرق نزاع والعادة طبيعة لازمة إن خير فخير وإن شرا فشر ومن حل عقدا احتمل حقدا ومراجعة السلطان خرق بالإنسان والفرار عار والتقدم مخاطرة وأعجل منفعه إيسار في دعة وكثرة العلل من البخل وشر الرجال الكثير الاعتلال وحسن اللقاء يذهب بالشحناء ولين الكلام من أخلاق الكرام
يا بني إن زوجة الرجل سكنه ولا عيش له مع خلافها فإذا هممت بنكاح امرأة فسل عَن أهلها فإن العروق الطيبة تنبت الثمار الحلوة
واعلم أن النساء أشد اختلافا من أصابع الكف فتوق منهن كل ذات بذا مجبولة على الأذى فمنهن المعجبة بنفسها المزرية ببعلها إن أكرمها رأته لفضلها عَلَيْهِ لا تشكر على جميل ولا ترضى منه بقليل لسانها عَلَيْهِ سيف صقيل قد كشفت القحة ستر الحياء عَن وجهها فلا تستحي من إعوارها ولا تستحي من جارها كلبة هرارة مهارشة عقارة فوجه زوجها مكلوم
стр. 190
وعرضه مشتوم ولا ترعى عَلَيْهِ لدين ولا الدنيا ولا تحفظه لصحبة ولا لكثرة بنين حجابه مهتوك وستره منشور وخيره مدفون يصبح كئيبا ويمسي عاتبا شرابه مر وطعامه غيظ وولده ضياع وبيته مستهلك وثوبه وسخ ورأسه شعث إن ضحك فواهن وإن تكلم فمتكاره نهاره ليل وليله ويل تلدغه مثل الحية العقارة وتلسعه مثل العقرب الجرارة
ومنهن شفشليق شعشع سلفع ذات سم منقع وإبراق واختلاق تهب مع الرياح وتطير مع كل ذي جناح إن قَالَ لا قالت نعم وإن قَالَ نعم قالت لا مولدة لمخازيه محتقرة لما في يديه تضرب له الأمثال وتقصر به دون الرجال وتنقله من حال الى حال حتى قلا بيته ومل ولده وغث عيشه وهانت عَلَيْهِ نفسه وحتى أنكره إخوانه ورحمه جيرانه
ومنهن الورهاء الحمقاء ذات الدل في غير موضعها الماضغة للسانها الآخذة في غير شأنها قد قنعت بحبه ورضيت بكسبه تأكل كالحمار الراتع تنتشر الشمس ولما يسمع لها صوت ولم يكنس لها بيت طعامها بائت وإناؤها وضر وعجينها حامض وماؤها فاتر ومتاعها مزروع وماعونها ممنوع وخادمها مضروب وجارها محروب
ومنهن العطوف الودود المباركة الولود المأمونة على غيبها المحبوبة في جيرانها المحمودة في سرها وإعلانها الكريمة التبعل الكثيرة التفضل الخافضة صوتا النظيفة بيتا خادمها مسمن وابنها مزين وخيرها دائم وزوجها ناعم موموقه مألوفة وبالعفاف والخيرات موصوفة
стр. 191
جعلك اللَّه يا بني ممن يقتدي بالهدى ويأتم بالتقى ويجتنب السخط ويحب الرضى
والله خليفتي عليك والمتولي لأمرك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى اللَّه على مُحَمَّد نبي الهدى وعلى آله وسلم تسليما كثيرا
ذكر الزجر عَن تهاجر المسلمين كافة
حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تَبَاغَضُوا وَلا تَنَافَسُوا وَلا تَحَاسَدُوا وَلا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا
قال أَبُو حاتم ﵁ لا يحل التباغض ولا التنافس ولا التحاسد ولا التدابر بين المسلمين والواجب عليهم أن يكونوا إخوانا كما أمرهم اللَّه ورسوله فإذا تألم واحد منهم تألم الآخر بألمه وإذا فرح فرح الآخر بفرحه ينفي الغش والدغل مع استسلام الأنفس لله مع الرضا بما يوجب القضاء في الأحكام كلها ولا يجب الهجران بين المسلمين عند وجود زلة من أحدهما بل يجب عليهما صرفها إلى الإحسان والعطف عَلَيْهِ بالإشفاق وترك الهجران
ولقد حدثني مُحَمَّد بْن المهاجر حدثني موسى بْن مُحَمَّد الأخباري عَن النميري حدثني مُحَمَّد بْن يَحْيَى النكتاني قَالَ أنشدني أَبُو غزية لمعاوية بْن عَبْد اللَّه بْن جعفر ... لا يزهدنك في أخ ... لك أن تراه زل زله
والمرء يطرحه الذين ... يلونه في شر أله
ويخونه من مأمن ... أهل البطانة والدخله ...
стр. 192
.. والموت أعظم حادث ... مما يمر على الجبله ...
أنشدني مُحَمَّد بْن الحسن بن قتيبة أنشدني حميد بْن عياش ... ولا تك في حب الأخلاء مفرطا ... فإن أنت أبغضت البغيض فأجمل
فإنك لا تدري متى أنت مبغض ... حبيبك أو تهوى البغيض فاعقل ...
وأنشدني عمرو بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه النسوي لثعلب ... وما صدود ذوات الدل يرمضني ... لكنما الموت عندي صد إخواني
إني لأصبر من عود به جلب ... عند الملمات إلا عند هجران
إذا رأيت أزورارا من أخي ثقة ... ضاقت علي برحب الأرض أوطانى ...
وأنشدني الأبرش ... أبل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن أمورهم وتفقد
فإذا ظفرت بذي اللبابة والتقى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد
فمتى يزل ولا محالة زلة ... فعلى أخيك بفضل حلمك فاردد
وإذا الخنى نقض الحبى في مجلس ... ورأيت أهل الطيش قاموا فاقعد ...
قال أَبُو حاتم ﵁ لا يجب للمرء أن يدخل في جملة العوام والهمج بإحداث الود لإخوانه وتكديره لهم بالخروج بالسبب الذي يؤدي إلى الهجران الذي نهى المصطفى ﷺ عنه بينهم بل يقصد قصده الإغضاء عَن ورود الزلات ويتحرى ترك المناقشة على الهفوات ولا سيما إذا قِيلَ في أحدهم الشيء الذي يحتمل أن يكون حقا وباطلا معا فإن الناس ليس يخلو وصلهم من رشق أسهم العذال فيه
ولقد سمعت مُحَمَّد بْن عثمان العقبي يقول سمعت عَبْد العزيز بْن عَبْد اللَّه يقول قَالَ مُحَمَّد بْن حميد ... ومن ذا من عيوب الناس ناج ... بحق قِيلَ فيه أو قراف ...
стр. 193
.. قبيح بي إذا خاللت خلا ... ولازم خلتي أن لا أكافي
وكل مودة لا خير فيها ... إذا لم تحتمل حق المصافي
فأما في الكلام فكم وفي ... ولكن في الشدائد لا يوافي
إذا أحببت لم أنقض إخائي ... ولم أبن الإخاء على اعتساف
ولكن أمنح الكرماء ودا ... ولا أدعو اللئام إلى العطاف
متى تقطع صديقك بعد وصل ... ولا تثبت فعهدك غير واف
إذا مَا المرء أدبر لم تطقه ... وصار المستقيم إلى خلاف ...
سمعت مُحَمَّد بْن المنذر يقول سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد الرحمن يقول سمعت أبا عمار الحسين بْن حريث يقول قِيلَ لرجل ألك عيوب قَالَ لا قِيلَ له فلك من يلتمسها قَالَ نعم قَالَ فما أكثر عيوبك
قال أَبُو حاتم ﵁ السبب المؤدي إلى الهجران بين المسلمين ثلاثة أشياء إما وجود الزلة من أخيه ولا محالة يزل فلا يغضي عنها ولا يطلب لها ضدها وإبلاغ واش يقدح فيه ومشي عاذل بثلب له فيقبله ولا يطلب لتكذيبه سببا ولا لأخيه عذرا وورود ملل يدخل على أحدهما فإن الملالة تورث القطع ولا يكون لملول صديق
ولقد أخبرني مُحَمَّد بْن أَبِي عَلِيٍّ الْخَلادِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن إِبْرَاهِيم اليعمري حدثني عَبْد الرحمن بن إبراهيم الأصبهاني أنشدني بعض أهل الأدب ... إن الملولة وده ... مثل السراب يذم ورده
أو كالسحاب الزائد البراق ... لم يصدقك وعده
أو كالحسام هززته ... عند الضراب فكل حده
لا تقبلن إخاءه ... فوعيده كذب ووعده
بينا يودك رأى ... عينيك إذ بدا لك منه صده ...
стр. 194
.. وتغيرت أخلاقه ... وازور حتى مال خده ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن يعقوب الخطيب بالأهواز حَدَّثَنَا معمر بْن سهل حدثنا إبراهيم ابن بشار عَن سُفْيَان قَالَ كان لابن شبرمة أخ فجفاه فكتب إليه ... كلانا غني عَن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا ...
قال أَبُو حاتم ﵁ لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام فمن فعل ذلك كان مرتكبا لنهي النَّبِيّ ﷺ وخيرهما الذي يبدأ بالسلام والسابق بالسلام يكون السابق إلى الجنه ومن هجر أخاه سنة كان كسفك دمه ومن مات وهو مهاجر أخاه دخل النار إن لم يتفضل الله عَلَيْهِ بعفو منه ورحمة وغاية مَا أبيح من الهجران بين المسلمين ثلاثة أيام ولقد أنشدني عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد الأنماطي قَالَ أنشدني مُحَمَّد بْن الحسن ... يا سيدي عندك لي مظلمه ... فاستفت فيها ابن أَبِي خيثمه ... فإنه يرويه عن شيحه ... قَالَ روى الضحاك عَن عكرمه
عن ابن عباس عَن المصطفى ... نبينا المبعوث بالمرحمه
أن صدود الخل عَن خله ... فوق ثلاث ربنا حرمه ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن شاه الأبيوردي بالموصل ... ماودني أحد إلا بذلت له ... صفو المودة مني آخر الأبد
ولا جفاني وإن كنت المحب له ... إلا دعوت له الرحمن بالرشد
ولا ائتمنت على سر فبحت به ... ولا مددت إلى غير الجميل يدي
ولا أخون خليلي في خليلته ... حتى أغيب في الأكفان واللحد ...
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن شجاع حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سماعة
стр. 195
قَالَ جئت يوما إلى أَبِي علي المصري أسلم عَلَيْهِ قَالَ فبش بي واحتملني في حجرة ثم قَالَ ... حسبي بوصلك في حياتي لذة ... ورضيت في ذاك المعاد ثوابا
لو كنت رزقي مَا أردت زيادة ... ولقلت أحسن خالقي وأطابا ...
ذكر الحث على لزوم الحلم عند الأذى
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لا حَلِيمَ إِلا ذُو عَثْرَةٍ وَلا حليم إِلا ذُو تَجْرِبَةٍ
قال أَبُو حاتم ﵁ هذا الخبر في الضرب الذي ذكرت في كتاب فصول السنن بأن العرب تضيف الاسم إلى الشيء للقرب من التمام وتنفي الاسم عن الشيء للنقص من الكمال فلما كان الغالب على المرء أن لا يكون حليما حتى يكون ذا عثرة نفى النَّبِيّ ﷺ اسم الحليم عمن لم يكن بذي عثرة لنقصه عَن الكمال
فالحليم عظيم الشأن رفيع المكان محمود الأمر مرضي الفعل والحلم اسم يقع على زم النفس عَن الخروج عند الورود عليها ضد مَا تحب إلى مَا نهي عنه
فالحلم يشتمل على المعرفة والصبر والأناة والتثبت ولم يقرن شيء إلى شيء أحسن من عفو إلى مقدرة
والحلم أجمل مَا يكون من المقتدر على الانتقام
ولقد حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الحسن بْن عَبْد الجبار الصوفي ببغداد حَدَّثَنَا يَحْيَى ابن معين قَالَ حَدَّثَنَا الحسن بْن واقع عَن ضمرة قَالَ الحلم أرفع من العقل لأن اللَّه ﵎ تسمى به
стр. 196
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بن زنجي البغدادي ... ألم تر أن الحلم زين مسود ... لصاحبه والجهل للمرء شائن
فكن دافنا للشر بالخير تسترح ... من الهم إن الخير للشر دافن ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي ... إذا شئت يوما أن تسود عشيرة ... فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم
وللحلم خير فاعلمن مغبة ... من الجهل إلا أن تشر سن من الظلم ...
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... فارض بما حم من قضاء ... يصبك من ذلك الخيار
وعش حميدا رخي بال ... مَا زانك الحلم والوقار ...
قال أَبُو حاتم ﵁ إن من نفاسة اسم الحلم وارتفاع قدره أن اللَّه جل وعلا تسمى به ثم لم يسم بالحلم في كتابه أحدا إلا إِبْرَاهِيم خليله وإسحاق ذبيحه حيث قَالَ ﴿إن إِبْرَاهِيم لآواه حليم﴾ وقال ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾
ولو لم يكن في الحلم خصلة تحمد إلا ترك اكتساب المعاصي والدخول في المواضع الدنسة لكان الواجب على العاقل أن لا يفارق الحلم مَا وجد إلى استعماله سبيلا
والحلم سجية أو تجربة أو هما
стр. 197
حدثنا أَبُو حمزة مُحَمَّد بْن عمر بْن يُوسُف حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سَعِيد الكندي حَدَّثَنَا أَبُو أسامه عَن هشام بْن عروة عَن أبيه قَالَ سمعت معاوية بْن أَبِي سُفْيَان يقول لا حلم إلا بالتجربة
وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري ... صاف الصديق بوده ... وإذا دنا شبرا فزده
واحلم إذا نطق السفيه ... فمن يرد جهلا يجده ...
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ وَمَنْ يَتَوَخَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ
وأنشدني الكريزي ... إذا أنا كافيت الجهول بفعله ... فهل أنا إلا مثله إذ أحاوره
ولكن إذا مَا طاش بالجهل طائش ... علي فإني بالتحلم قاهره ...
أنبأنا أَحْمَد بْن الحسن بْن عَبْد الجبار حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن معين حَدَّثَنَا عثمان ابن صالح حَدَّثَنَا ابن وهب عَن عمرو بْن الحارث أن رجلا كتب إلى أخ له اعلم أن الحلم لباس العلم فلا تعرين منه
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يلزم الحلم عَن الناس كافة فإن صعب ذلك عَلَيْهِ فليتحالم لأنه يرتقي به إلى درجة الحلم
وأول الحلم المعرفة ثم التثبت ثم العزم ثم التصبر ثم الصبر ثم الرضا ثم الصمت والإغضاء وما الفضل إلا للمحسن إلى المسيء فأما من أحسن إلى المحسن وحلم عمن لم يؤذه فليس ذلك بحلم ولا إحسان
стр. 198
ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن زكريا حدثنا عبد الصمد ابن حسان حدثنا أو عمر المازني عَن وهب بْن منبه أنه قال يا بني لا تجادلن العلماء فتهون عليهم فيرفضوك ولا تمارين السفهاء فيجهلوا عليك ويشتموك فإنه يلحق بالعلماء من صبر ورأى رأيهم وينجو من السفهاء من صمت وسكت عنهم ولا تحسبن أنك إذا ماريت الفقيه إلا زدته غيظا دائبا ولا تحمين من قليل تسمعه فيوقعك في كثير تكرهه ولا تفضح نفسك لتشفي غيظك فإن جهل عليك جاهل فلينفعن إياك حلمك وإنك إذا لم تحسن حتى يحسن إليك فما أجرك وما فضلك على غيرك فإذا أردت الفضيلة فأحسن إلى من أساء إليك واعف عمن ظلمك وانفع من لم ينفعك وانتظر ثواب ذلك من قبل الله فإن الحسنة الكاملة التي لا يريد صاحبها عليها ثوابا في الدنيا
وأنشدني مُحَمَّد بْن حبيب الواسطي ... إذا المرء لم يصرف عذابا من الأذى ... حياء ولم يغفر لأخرق مذنب
فلم يصطنع إلا قليلا صديقه ... ومن يدفع العوراء بالحلم يغلب ...
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... احفظ لسانك إن لقيت مشاتما ... لا تجرين مع اللئيم إذا جرى
من يشتري عرض اللئيم بعرضه ... يحوي الندامة حين يقبض مَا اشترى ...
أنبأنا إِبْرَاهِيم بْن نصر العنبري حَدَّثَنَا علي بْن الأزهر الرازي حدثنا إبراهيم ابن رستم قَالَ سمعت ابن المبارك يقول دعانا عَبْد اللَّه بْن عون إلى طعامه فكنا نأكل فجاءت الخادم ومعها صحفة فعثرت في ثوبها فسقطت الصحفة من يدها فقال لها ابن عون مترس آزادي
حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا ابن عائشة قَالَ قَالَ مُحَمَّد بْن
стр. 199
السعدي لابنه عروة لما ولى اليمن إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك وإلى الأرض تحتك ثم عظم خالقهما
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل إذا غضب واحتد أن يذكر كثرة حلم اللَّه عنه مع تواتر انتهاكه محارمه وتعديه حرماته ثم يحلم ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي
والناس على ضروب ثلاثة رجل أعز منك ورجل أنت أعز منه ورجل ساواك في العز فالتجاهل على من أنت أعز منه لؤم وعلى من هو أعز منك جنف وعلى من هو مثلك هراش كهراش الكلبين ونقار كنقار الديكين ولا يفترقان إلا عَن الخدش والعقر والهجر ولا يكاد يوجد التجاهل وترك التحالم إلا من سفيهين ولقد أحسن الذي يقول ... ما تم حلم ولا علم بلا أدب ... ولا تجاهل في قوم حليمان
وما التجاهل إلا ثوب ذي دنس ... وليس يلبسه إلا سفيهان ...
وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... وما شيء أسر الى لئيم ... إذا شتم الكرام من الجواب
متاركة اللئيم بلا جواب ... أشد عَلَيْهِ من مر العذاب ...
وأنشدني الكريزي ... تجرد مَا استطعت من السفيه ... بحسن الحلم إن العز فيه
فقد يعصي السفيه مؤدبيه ... ويبرم باللجاجة منصفيه
تلين له فيغلظ جانباه ... كعير السوء يرمح عالقيه ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا الحسن بْن مُحَمَّد الأزدي الكوفي حَدَّثَنَا عمر بْن حفص بْن غياث عَن أبيه قَالَ كنت جالسا عند جعفر بْن مُحَمَّد ورجل
стр. 200
يشكو رجلا عنده قال لي كذا وفعل لى كذا فقال له جعفر من أكرمك فأكرمه ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه
قال أَبُو حاتم ﵁ مَا ضم شيء إلى شيء هو أحسن من حلم إلى علم وما عدم شيء في شيء هو أوحش من عدم الحلم في العالم ولو كان للحلم أبوان لكان أحدهما العقل والآخر الصمت وربما يدفع العاقل الى الوقت بعد الوقت إلى من لا يرضيه عنه الحلم ولا يقنعه عنه الصفح فحينئذ يحتاج إلى سفيه ينتصر له لأن ترك الحلم في بعض الأوقات من الحلم
ولقد حدثني مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا يزيد بْن عَبْد الصمد حَدَّثَنَا عَبْد الرحمن ابن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا الوليد عَن سَعِيد بْن عَبْد العزيز أن رجلا استطال على سليمان بْن موسى فسكت له سليمان وانتصر له أخوه قَالَ فقال مكحول ذل من لا سفيه له
حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا محمد بن عبد الرحمن ابن القاسم عَن أبيه قَالَ قَالَ أَبُو حنيفة لشيطان الطاق مَا تقول في المتعة قَالَ حلال قَالَ فيسرك أن أمك تزوجت متعة فسكت عنه ساعة ثم قَالَ يا أبا حنيفة مَا تقول في النبيذ قَالَ حلال قال وشربه وبيعه وشاؤه قَالَ نعم قَالَ فيسرك أن أمك نباذة قَالَ فسكت عنه ابو حنيفه
أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... إذا كنت بين الحلم والجهل قاعدا ... وخيرت أنى شئت فالحلم أفضل
ولكن إذا أنصفت من ليس منصفا ... ولم يرض منك الحلم فالجهل أفضل ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن حبيب الواسطي ... إذا أمن الجهال جهلك مرة ... فعرضك للجهال غنم من الغنم
فعم عَلَيْهِ الجهل والحلم والقه ... بمرتبة بين العداوة والسلم ...
стр. 201
.. فيرجوك تارات ويخشاك تارة ... وتأخذ فيما بين ذلك بالحزم ...
حدثنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا يزيد بْن عَبْد الصمد الدمشقي حَدَّثَنَا أَبُو مسهر حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَبْد العزيز عَن مكحول قَالَ لا حلم لمن لا جاهل له
وحدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مهدي بْن سابق قَالَ قَالَ المأمون يحسن بالملوك الحلم عَن كل أحد إلا عَن ثلاثة قادح في ملك أو مذيع لسر أو متعرض لحرمة
قال أَبُو حاتم ﵁ الحلم على ضربين أحدهما مَا يرد على النفس من قضاء اللَّه من المصائب التي امتحن اللَّه بها عباده فيصبر العاقل تحت ورودها ويحلم عَن الخروج إلى مَا لا يليق بأهل العقل
والآخر مَا يرد على النفس بضد مَا تشتهيه من المخلوقين فمن تعود الحلم فليس بمحتاج إلى التصبر لاستواء العدم والوجود عنده
كما حدثنا أَبُو حمزة مُحَمَّد بْن يُوسُف بْن عمر بنسا حَدَّثَنَا يعقوب بْن إِبْرَاهِيم الدورقي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صالح العجلي قَالَ سمعت ابن أَبِي عتبة يقول قِيلَ للأحنف بْن قيس التميمي ممن تعلمت الحلم قَالَ من قيس بْن عاصم التميمي أتاه آت وهو محتب فقال ابن أخيك قتل ابنك قَالَ عصى ربه وفت عضده وقطع رحمه جهزوه وما حل حبوته فمنه تعلمت الحلم
حدثنا مُحَمَّد بْن شاذل الهاشمي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الخليل البغدادي حَدَّثَنَا علي بن الحسين بْن شقيق أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه عَن جعفر بْن سليمان قَالَ كانت امرأة بالبصرة متعبدة تصيبها المصائب فننكر من صبرها حتى أصابتها مصيبة موجعه فصبرت فذكرت ذلك لها فقالت مَا من مصيبة تصيبني فأذكر معها النار إلا صارت في عيني مثل التراب
حدثنا بَكْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الطاحي بالبصرة حَدَّثَنَا عمرو بْن إِسْحَاق بْن خلاد الجهضمي حَدَّثَنَا خالد بْن خداش حَدَّثَنَا ابن وهب عَن بكر بْن مضر
стр. 202
قَالَ كان أَبُو الهيثم مات ولده وبقى له بني صغير فمات فأتاه إخوانه يعزونه وهو في ناحية المسجد فقال لهم تركني حزن يوم القيامة لا آسى على شيء فاتني ولا أفرح لما أتاني
حدثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الثقفي حَدَّثَنَا القاسم بْن الحسن الزبيدي حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم قَالَ مات ابن لشريح فلم يصيحوا عَلَيْهِ ولم يشعر به أحد فقيل له يا أبا آمنة كيف هو قَالَ قد سكن علزه ورجاه أهله ولم يكن منذ اشتكى أسكن منه الليلة
ذكر الحث على لزوم الرفق في أمور وكراهية العجلة فيها
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الطَّبَرِيُّ بِالصَّيْمَرَةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلاءِ الْعَطَّارُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مملكة عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَنْ مُنِعَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ مُنِعَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل لزوم الرفق في الأمور كلها وترك العجله والخفة فيها إذ اللَّه تعالى يحب الرفق في الأمور كلها ومن منع الرفق منع الخير كما أن من أعطي الرفق أعطي الخير ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على حسب الذي يحب إلا بمقارنة الرفق ومفارقة العجلة
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... الرفق ممن سيلقى اليمن صاحبه ... والخرف منه يكون العنف والزلل
والحزم أن يتأنى المرء فرصته ... والكف عنها إذا ما أمكنت فشل ...
стр. 203
.. والبر لله خير الأمر عاقبة ... والله للبر عون ماله مثل
خير البرية قولا خيرهم عملا ... لا يصلح القول حتى يصلح العمل ...
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي ... الرفق أيمن شيء أنت تتبعه ... والخرق أشأم شيء يقدم الرجلا
وذو التثبت من حمد إلى ظفر ... من يركب الرفق لا ليستحقب الزللا ...
حدثنا مُحَمَّد بْن أَبِي عَلِيٍّ الْخَلادِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خلف البسامي عن أحمد ابن موسى الأزرق أنه أنشده ... وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي العقول أو العيوب المنطق
لا ألفينك ثاويا في غربة ... إن الغريب بكل سهم يرشق
لو سار ألف مدجج في حاجة ... لم يقضها إلا الذي يترفق ...
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يلزم الرفق في الأوقات والاعتدال في الحالات لأن الزيادة على المقدار في المبتغى عيب كما أن النقصان فيما يجب من المطلب عجز وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف ولا دليل أمهر من رفق كما لا ظهير أوثق من العقل ومن الرفق يكون الاحتراز وفي الاحتراز ترجى السلامة وفي ترك الرفق يكون الخرق وفي لزوم الخرق تخاف الهلكة ولقد أنشدني الأبرش ... عليك بوجه القصد فاسلك سبيله ... ففي الجور إهلاك وفي القصد مسلك
إذا أنت لم تعرف لنفسك قدرها ... تحملها مالا تطيق فتهلك ...
قال أَبُو حاتم ﵁ الرافق لا يكاد يسبق كما أن العجل لا يكاد يلحق وكما أن من سكت لا يكاد يندم كذلك من نطق لا يكاد يسلم والعجل يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم ويحمد قبل أن يجرب ويذم بعد ما يحمد يعزم قبل أن يفكر ويمضي قبل أن يعزم والعجل تصحبه الندامة وتعتزله السلامة وكانت العرب تكني العجلة أم الندامات
стр. 204
ولقد أنشدني بعض أهل العلم ... العجز ضر وما بالحزم من ضرر ... وأحزم الحزم سوء الظن بالناس
لا تترك الحزم في أمر تحاذره ... فإن أمنت فما بالحزم من باس ...
أخبرنا عمرو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عمر بْن حبيب قَالَ كان يقال لا يوجد العجول محمودا ولا الغضوب مسرورا ولا الحر حريصا ولا الكريم حسودا ولا الشره غنيا ولا الملول ذا إخوان
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي ... إذا مَا أتيت الأمر من غير بابه ... تصعب حتى لا ترى فيه مرتقى
وإن الذي يصطاده الفخ إن عتا ... على الفخ كان الفخ أعتى وأضيقا ...
قال أَبُو حاتم ﵁ العجلة تكون من الحدة وصاحب العجلة إن أصاب فرصته لم يكن محمودا وإن أخطأها كان مذموما والعجل لا يسير إلا مناكبا للقصد منحرفا عَن الجادة يلتمس مَا هو أنكد وأوعر وأخفى مسارا يحكم حكم الورهاء ويناسب أخلاق النساء
ولقد حَدَّثَنَا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مهدي بْن سابق قَالَ قَالَ خالد بْن برمك من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق أن لا ينزل به كبير مكروه العجلة واللجاجة والعجب والتواني فثمرة العجلة الندامة وثمرة اللجاجة الحيرة وثمرة العجب البغضة وثمرة التواني الذل قال أَبُو حاتم ﵁ العجلة موكل بها الندم وما عجل أحد إلا اكتسب ندامة واستفاد مذمة لأن الزلل مع العجل والإقدام على العمل بعد التأني فيه أحزم من الإمساك عنه بعد الإقدام عَلَيْهِ ولا يكون العجول محمودا أبدا والعاقل يعلم أن العجز في الأمور يقوم في النقص مقام الإفراط في السعي فيتجنبهما معا ويجعل لنفسه مسلكا بينهما
ولقد حدثنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا أَبُو الدرداء عَبْد العزيز بْن منيب
стр. 205
حدثني إِبْرَاهِيم بْن عاصم قَالَ سمعت صدقة يقول سمعت الشمردل يقول نكح العجز التواني فولد الندامة
قال أَبُو حاتم ﵁ سبب النجاح ترك التواني ودواعي الحرمان الكسل لأن الكسل عدو المروءة وعذاب على الفتوة ومن التواني والعجز أنتجت الهلكة وكما أن الأناة بعد الفرصة أعظم الخطأ كذلك العجلة قبل الإمكان نفس الخطأ والرشيد من رشد عَن العجلة والخائب من خاب عن الأناة والعجل مخطيء أبدا كما أن المتثبت مصيب أبدا
حدثني مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحسن المصري حدثني نعيم ابن حماد حَدَّثَنَا ابن المبارك حَدَّثَنَا معمر قَالَ كتب عمرو إلى معاوية يعاتبه في التأني أما بعد فإن التفهم في الخير زيادة ورشد وإنه من لا ينفعه الرفق يضره الخرق ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعاني أو قَالَ المعالي ولا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله وتصبره شهوته ولا يدرك ذلك إلا بقوة الحلم
وأنشدني مُحَمَّد بْن حبيب الواسطي ... بني إذا مَا ساقك الضر فاتئد ... فللرفق أولى بالأريب وأحرز
فلا تحمين عند الأمور تعززا ... فقد يورث الذل الطويل التعزز ...
أخبرني مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق حَدَّثَنَا سليمان بْن حرب حَدَّثَنَا حماد عَن أيوب قَالَ قَالَ أكثم بْن صيفي مَا يسرني أني نزلت بدار معجزة فأسمنت وألبنت قِيلَ له لم قَالَ لأني أخاف أن أتخذ العجز عادة
وأنشدني المنتصر بْن بلال ... وعليك في بعض الأمور صعوبة ... والرفق للمستصعبات مدان
وبحسن عقل المرء يثبت حاله ... وعلى المغارس تثمر العيدان ...
стр. 206
حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مهدي بْن سابق عن عبد الله ابن عياش عَن أبيه قَالَ شهد أعرابي عند معاوية بشهادة فقال معاوية كذبت فقال الأعرابي إن الكاذب للمتزمل في ثيابك فقال معاوية هذا جزاء من يعجل
ذكر الحث على تعلم الأدب ولزوم الفصاحة
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ الأَنْصَارِيُّ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا
قال أَبُو حاتم ﵁ قد شبه النَّبِيُّ ﷺ في هذا الخبر البيان بالسحر إذ الساحر يستميل قلب الناظر إليه بسحره وشعوذته والفصيح الذرب اللسان يستميل قلوب الناس إليه بحسن فصاحته ونظم كلامه فالأنفس تكون إليه تائقة والأعين إليه رامقة
ولقد حَدَّثَنَا أَبُو خليفة حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد التوزي النحوي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صالح حَدَّثَنَا حبان بْن علي قَالَ سمعت ابن شبرمة يقول مَا رأيت لباسا على رجل أحسن من فصاحة ولا على امرأة من شحم وإن الرجل ليتكلم فيعرب فكأن عَلَيْهِ الخز الأدكن وإن الرجل ليتكلم فيلحن فكأن عَلَيْهِ أسمالا إن أحببت أن يصغر في عينك الكبير ويكبر في عينك الصغير فتعلم النحو وأنشدني الكريزي ... أكرم بذي أدب أكرم بذي حسب ... فإنما العزم في الأحساب والأدب
والناس صنفان ذو عقل وذو أدب ... كمعدن الفضة البيضاء والذهب
وسائر الناس من بين الورى همج ... كانوا موالي أو كانوا من العرب ...
وأنشدني البسامي
стр. 207
.. ليس المسود بالمال سؤدده ... بل المسود من قد ساد بالأدب
لأن من ساد بالأموال سؤدده ... مَا دام في جمع ذا الأموال والنشب
إن قل يوما له مال يصير إلى ... هون من الأمر في ذل وفي تعب ...
قال أَبُو حاتم ﵁ الفصاحة أحسن لباس يلبسه الرجل وأحسن إزار يتزر به العاقل والأدب صاحب في الغربة ومؤنس في القلة وزين في المحافل وزيادة في العقل ودليل على المروءة ومن استفاد الأدب في حداثته انتفع به في كبره لأن من غرس فسيلا يوشك أن يأكل رطبها وما يستوي عند أولي النهى ولا يكون سيان عند ذوي الحجى رجلان أحدهما يلحن والآخر لا يلحن
وقد حَدَّثَنَا الحسين بْن مُحَمَّد بْن مصعب السمجي حَدَّثَنَا أَبُو داود حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن بكر بْن حبيب حَدَّثَنَا أَبِي عَن سالم بْن قتيبة قَالَ كنت عند ابن هبيرة فجرى الحديث حتى ذكروا العربيه فقال والله مَا استوى رجلان حسبهما واحد ومروءتهما واحدة أحدهما يلحن والآخر لا يحلن إلا أن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن قَالَ فقلت أصلح اللَّه الأمير هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته أرأيت الآخرة ما باله فضل فيها قَالَ إنه يقرأ كتاب اللَّه على مَا أنزل والذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل في كتاب اللَّه مَا ليس فيه ويخرج منه مَا هو فيه قَالَ قلت صدق الأمير وبر
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي ... أيها الطالب فخرا بالنسب ... إنما الناس لأم ولأب
هل تراهم خلقوا من فضة ... أو حديد أو نحاس أو ذهب
أو ترى فضلهم في خلقهم ... هل سوى لحم وعظم وعصب
إنما الفضل بحلم راجح ... وبأخلاق كرام وأدب ...
стр. 208
.. ذاك من فاخر في الناس به ... فاق من فاخر منهم وغلب ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن نصر بن نوفل أنشدني عَبْد العزيز بْن أَحْمَد بْن بكار إمام مسجد مكة ... ما حلة نسجت بالدر والذهب ... إلا وأحسن منها المرء بالأدب ...
حدثنا مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد المسروقي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحسين البرجلاني حَدَّثَنَا أَبُو عمر العمري حدثني عَبْد اللَّه بْن سلمة بْن مرداس عَن أبيه قَالَ قَالَ لي رجل من حكماء الفرس أقرب القرابة المودة الدائمة وأفضل مَا ورث الآباء الأبناء حسن الأدب
قال أَبُو حاتم ﵁ أفضل مَا ورث أب ابنا ثناء حسن وأدب نافع والخرس عندي خير من البيان بالكذب كما أن الحصور خير من العاهر
فيجب على العاقل أن يذكى قلبه بالأدب كما يذكى النار بالحطب لأن من لم يذك قلبه ران حتى يسود ومن تعلم الأدب فلا يتخذه للمماراة عدة ولا للمباراة ملجأ ولكن يقصد قصد الانتفاع بنفسه وليستعين به على مَا يقر به إلى بارئه
ولقد أنشدنى عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... أدب المرء كلحم ودم ... مَا حواه رجل إلا صلح
لو وزنتم رجلا ذا أدب ... بألوف من ذوي الجهل رجح ...
أنبأنا أَحْمَد بْن بشر الكرجي حَدَّثَنَا محمود بْن الخطاب حَدَّثَنَا رستة عَبْد الرحمن بْن عمر قَالَ سمعت عَبْد الرحمن بْن مهدي يقول ما ندمت على شىء ندامتى أني لم أنظر في العربية
سمعت إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل القاضي يقول سمعت ابن أخي الأصمعي يقول سمعت عمي يقول تعلموا النحو فإن بني إسرائيل كفروا بكلمة
стр. 209
واحدة كانت مشددة فخففوها قَالَ اللَّه ﴿يا عيسى إني ولدتك﴾ فقرأوا يا عيسى إني ولدتك مخفف فكفروا
حدثنا الحسن بْن إِسْحَاق الأصبهاني حَدَّثَنَا أَبُو أمية حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صالح حَدَّثَنَا أَبُو زيد النحوي قَالَ جاء رجل إلى الحسن فقال مَا تقول في رجل ترك أبيه وأخيه فقال الحسن ترك أباه وأخاه قَالَ الرجل فما لأباه ولأخاه فقال الحسن فما لأبيه ولأخيه فقال الرجل كلما تابعتك خالفت
قال أَبُو حاتم ﵁ لا زينة أحسن من زينة الحسب كما أن من أجمل الجمال إستعمال الأدب ولا حسن لمن لا أدب له ومن كان من أهل الأدب ممن لا حسب له يبلغ به أدبه مراتب أهل الأحساب لأن حسن الأدب خلف من الحسب وليست الفصاحة إلا إصابة المعنى والقصد ولا البلاغة إلا تصحيح الأقسام واختيار الكلام ومن أَحْمَد الفصاحة الاقتدار عند البداهة والغزارة عند الإطالة وأحسن البلاغة وضوح الدلالة وحسن الإشارة
ولقد سمعت مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ نَوْفَلٍ المروزي يقول سمعت أبا داود السنجي يقول سمعت الأصمعي يقول ليست البلاغة بخفة اللسان ولا كثرة الهذيان ولكن بإصابة المعنى والقصد إلى الحاجة وإن أبلغ الكلام مَا لم يكن بالقروي المجدع ولا البدوي المعرب
وأنشدني الكريزي ... ولم أر فضلا تم إلا بشيمة ... ولم أر عقلا صح إلا على أدب
ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم ... عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب ...
حدثنا عمر بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه الجشمي قَالَ قَالَ المدائني ذكر عند علي بْن عَبْد اللَّه بْن عباس بلاغة رجل فقال إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلا على مقدار علمه كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله
стр. 210
قَالَ أَبُو حاتم ﵁ الكلام مثل اللؤلؤ الأزهر والزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر إلا أن بعضه أفضل من بعض ومنه مَا يكون مثل الخزف والحجر والتراب والمدر وأحوج الناس إلى لزوم الأدب وتعلم الفصاحة أهل العلم لكثرة قراءتهم الأحاديث وخوضهم في أنواع العلوم
وَلَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ نَوْفَلٍ يقول سمعت أبا داود السنجي أو حدثني سهل بن هاني عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ النَّحْوَ أَنْ يَدْخُلَ فِيمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَذِبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ لأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَكُنْ لَحَّانًا وَلَمْ يَلْحَنْ فِي حَدَيثِهِ فَمَهْمَا رَوَيْتَ عَنْهُ وَلَحَنْتَ فِيهِ كَذَبْتَ عَلَيْهِ
وأنشدني ابن زنجي البغدادي ... ليس الفتى كل الفتى ... إلا الفتى في أدبه
وبعض أخلاق الفتى ... أولى به من نسبه
حتف امريء لسانه ... في جده أو لعبه
بين اللهي مقتله ... ركب في مركبه ...
سمعت أَحْمَد بْن الخطاب بْن مهران بتستر يقول سمعت عثمان بْن خرزاد يقول سمعت علي بْن الجعد يقول سمعت شعبة يقول مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الدابة عليها المخلاة ليس فيها شيء
ذكر إباحة جمع المال للقائم بحقوقه
حدثنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الحسين ابن بِنْتِ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاسِرْجِسَ حَدَّثَنَا جَدِّي حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَا عَمْرُو نِعِمَّا الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ
стр. 211
قال أَبُو حاتم ﵁ هذا الخبر يصرح عَن النَّبِيُّ ﷺ بإباحة جمع المال من حيث يجب ويحل للقائم فيه بحقوقه لأن في تقرينه الصلاح بالمال والرجل معا بيانا واضحا لأنه إنما أباح في جمع المال الذي لا يكون بمحرم على جامعه ثم يكون الجامع له قائما بحقوق اللَّه فيه ولقد ذكرت هذه المسألة بتمامها بالعلل والحكايات في كتاب الفضل بين الغنى والفقر بما أرجو الغنية فيها لمن أراد الوقوف على معرفتها فأغنى ذلك عَن تكرارها في هذا الكتاب
أنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي ... إذا كان مَا جمعت ليس بنافع ... فأنت وأقصى الناس فيه سواء
على أن هذا خارج من أثامه ... وأنت الذي تجزي به وتساء ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن سليمان بْن فارس حَدَّثَنَا الحسن بْن مُحَمَّد بْن الصباح حَدَّثَنَا أَبُو عياد حَدَّثَنَا شعبة عَن قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْد اللَّه بْن الشخير يحدث عَنْ حَكِيمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَوْصَى بنيه عند موته فقال عليكم بالمال واصطناعه فإنه منبهة للكريم ويستغنى به عَن اللئيم وإياكم وَمَسْأَلَةَ النَّاسِ فَإِنَّهَا آخِرُ كَسْبِ الرَّجُلِ
قال أَبُو حاتم ﵁ إن من أحسن مَا ينتفع المرء به في عمره وبعد الممات تقوى اللَّه والعمل الصالح
فالواجب على العاقل أن يعمل في شبابه فيما يقيم به أوده كالشيء الذي لا يفارقه أبدا وفيما يصلح به دينه كالشيء الذي لا يجده غدا وليكن تعاهده لماله مَا يصلح به معاشه ويصون به نفسه وفي دينه مَا يقدم به لآخرته ويرضي به خالقه والفاقة خير من الغنى بالحرام والغني الذي لا مروءة له أهون من الكلب وإن هو طوق وخلخل
حدثني مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا عمران بْن موسى بْن أيوب حدثني أَبِي
стр. 212
حدثني عيسى بْن يونس عَن مُحَمَّد بْن سوقة عَن مُحَمَّد بْن المنكدر قَالَ نعم العون على تقوى اللَّه الغنى
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... أرى كل ذي مال يسود بماله ... وإن كان لا أصل هناك ولا فصل
وآخر منسوبا إلى الرأي خاملا ... وأنوك مجهولا له الجاه والنبل
فلا ذا بفضل الرأي أدرك بلغة ... ولم أر هذا ضره النوك والجهل ...
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي ليحيى بْن أكثم ... إذا قل مال المرء قل بهاؤه ... وضاقت عَلَيْهِ أرضه وسماؤه
وأصبح لا يدري وإن كان حازما ... أقدامه خير له أم وراؤه
ولم يمض في وجه من الأرض واسع ... من الناس إلا ضاق عنه فضاؤه
وأصبح مردودا عليه مقالا وكان به قد يقتدي خطباؤه
وإن يبق لم يضرر عدوا بقاؤه ... وإن يفن لم يفقد لخير فناؤه ...
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المهاجر حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد بْن حماد الْبَرْبَرِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي شيخ حدثني الزُّبَيْرِيُّ قَالَ مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَهُوَ يَغْرِسُ وديا فَقَالَ مَا تَصْنَعُ يَا ابْنَ مَسْلَمَةَ قَالَ مَا تَرَى أَسْتَغْنِى عَنِ النَّاسِ كَمَا قَالَ صَاحِبُكُمْ أُحَيْحَةُ بْنُ الْجُلاحِ ... استغن أومت فلا يغررك ذو نشب ... مِنَ ابْنِ عَمٍّ وَلا عَمٍّ وَلا خَالِ
إِنِّي أَظَلُّ عَلَى الزَّوْرَاءِ أَعْمُرُهُا ... إِنَّ الْحَبِيبَ إِلَى الإِخْوَانِ ذُو الْمَالِ ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا علي بْن عَبْد الرحمن عَن عبدان قَالَ دخلت على عبد الله المبارك وهو يبكي فقلت له مالك يا أبا عَبْد الرحمن قَالَ بضاعة لي ذهبت قَالَ قلت أو تبكي على المال قَالَ إنما هو قوام ديني
قال أَبُو حاتم ﵁ إن من أسعد الناس من كان في غناه عفيفا
стр. 213
وفي مسكنته قنعا لأن من نزل به الفقر لم يجد بدا من ترك الحياء والفقر يذهب العقل والمروءة ويذهب العلم والأدب وكاد الفقر أن يكون كفرا ومن عرف بالفقر صار معدنا للتهمة ومجمعا للبلايا اللهم إلا أن يرزق المرء قلبا نقيا قنعا يرى الثواب المدخر من الضجر الشديد فحينئذ لا يبالي بالعالم بأسرهم والدنيا وما فيها والفقر داعية إلى المهانة كما أن الغنى داعية إلى المهابة ولقد أحسن الذي يقول ... يغطي عيوب المرء كثرة ماله ... وصدق فيما قَالَ وهو كذوب
ويزري بعقل المرء قلة ماله ... يحمقه الأقوام وهو لبيب ...
أنبأنا بكر بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الطَّاحِيُّ حَدَّثَنَا النمر بْن قادم حَدَّثَنَا حماد بْن زيد عَن أيوب قَالَ قَالَ لي أَبُو قلابة يا أيوب الزم سوقك فإنك لا تزال كريما على إخوانك مَا لم تحتج إليهم
وأنشدني العقبي أنشدني مُحَمَّد بْن خلف التيمي بالكوفة ... كأن مقلا حين يغدو لحاجة ... إلى كل من يلقى من الناس مذنب
وكان بنو عمي يقولون مرحبا ... فلما رأوني معدما مات مرحب ...
وأنشدني الكريزي ... لعمرك إن المال قد يجعل الفتى ... نسيبا وإن الفقر بالمرء قد يزري
ولا رفع النفس الدنيئة كالغنى ... ولا وضع النفس الكريمة كالفقر ...
حدثنا مُحَمَّد بْن يَحْيَى العمى ببغداد حَدَّثَنَا الصلت بْن مسعود حَدَّثَنَا حماد بْن زيد حَدَّثَنَا أيوب قَالَ قَالَ لي أَبُو قلابة الزم السوق فإن الغنى من العافية
قال أَبُو حاتم ﵁ ليس خلة هي للغنى مدح إلا وهي للفقير عيب فإن كان الفقير حليما قِيلَ بليد وإن كان عاقلا قِيلَ مكار وإن كان بليغا قِيلَ مهذار وإن كان ذكيا قِيلَ حديد وإن كان صموتا قِيلَ عيي وإن
стр. 214
كان متأنيا قِيلَ جبان وإن كان عارما قِيلَ جريء وإن كان جوادا قيل مسرف وإن كان مقدار قِيلَ ممسك
وشر المال مَا اكتسب من حيث لا يحل وأنفق فيما لا يجمل ووجوده وعدمه ليسا بتجلد ولا بكثرة حيلة ولكنه أقسام ومواهب من الخلاق العليم ولقد أنشدني الأبرش ... يشقى رجال ويشقى آخرون بهم ... ويسعد اللَّه أقواما بأقوام
وليس رزق الفتى من حسن حيلته ... لكن جدود بأرزاق وأقسام
كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمي فيرزقه من ليس بالرامي ...
حدثني مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا أحمد بن داود بْن موسى العطار حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن نصر العدني حَدَّثَنَا المندني قَالَ قَالَ أَبُو قيس بْن معد يكرب وكان له أحد عشر ذكرا يا بني اطلبوا هذا المال أجمل الطلب واصرفوه في أحسن مذهب صلوا به الأرحام واصطنعوا به الأقوام واجعلوه جنة لأعراضكم تحسن في الناس قالتكم فإن جمعه كمال الأدب وبذله كمال المروءة حتى إنه ليسود غير السيد ويقوي غير الأيد وحتى إنه ليكون في أنفس الناس نبيها وفي أعينهم مهيبا ومن جمع مالا فلم يصن عرضا ولم يعط سائلا بحث الناس عَن أصله فإن كان مدخولا هتكوه وإن كان صحيحا نسبوه إما إلى عرض دنية وإما إلى لوص لئيم حتى يهجنوه
стр. 215
حدثني مطهر بْن يَحْيَى بْن ثابت بواسط حَدَّثَنَا سنان القطان حَدَّثَنَا أَبُو معاوية عَن الأعمش عَن إِبْرَاهِيم عَن علقمة قَالَ سمع رجل صوتا في غمام اذهبي الى أرض فلان فاسقيه قَالَ فقال الرجل لآتين فلانا هذا فلأنظرن مَا يعمل في أرضه فأتاه وقد مطر فيها وهو قائم يفتح الأواعي فسلم عَلَيْهِ وقال يا عَبْد اللَّه أخبرني مَا تعمل في أرضك هذه قَالَ أنظر إلى مَا أخرج اللَّه منها فأرد فيها ثلثه وأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثه قَالَ علقمة فكان ابن مسعود يبعثني إلى أرض له بزازان أفعل فيها مثل ذَلِكَ
قال أَبُو حاتم ﵁ إن شر المال مالا يخرج منه حقوقه وإن شرا منه مَا أخذ من غير حله ومنع من حقه وأنفق في غير حله واستثمار المال قوام المعاش ولا بد للمرء من إصلاح ماله وما ارتفع أحد قط عَن إصلاح ماله صالحا كان أو طالحا
ولا يجب للعاقل أن يعتمد على مجاورة نعم اللَّه عنده فلا يقضي منها حقوقها لأن من أساء مجاورة نعم اللَّه أساءت مجاورته وتحولت عنه إلى غيره
ولقد أنشدني ابن زنجي البغدادي ... فإن كنت في خير فلا تغترر به ... ولكن قل اللهم سلم وتمم
فمن لم يصن عرضا إذا مَا استفاده ... ويشكر لأهل الخير يسلب ويذمم ...
حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي أنشدنا مهدي بْن سابق ... ورب مملك مالا كثيرا ... ولكن حظه منه قليل
يعيش بفضله هذا وهذا ... وقد سالت به فيه سيول
له منه الذي يحيا عَلَيْهِ ... بعيشته وسائره فضول ...
следующие страницы →