Полный текст (276 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وأنشدني مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل لعلي بْن حجر السعدي ... زمانك ذا زمان دخول بيت ... وحفظ للسان وخفض صوت
فقد مرجت عهود الناس إلا ... أقلهم فبادر قبل فوت
فما يبقى على الأيام شيء ... وما خلق امرؤ إلا لموت ...
أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ وَفِيمَا قَرَأْتُ عَلَى نَافِعٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أنه بلغه عن أبي ذرقال كَانَ النَّاسُ وَرَقًا لا شَوْكَ فِيهِ فَهُمُ الْيَوْمَ شَوْكٌ لا وَرَقَ فِيهِ
أنبأنا مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حَدَّثَنَا جنيد بْن حكيم الدقاق حَدَّثَنَا سليمان ابن أَبِي شيخ قَالَ كان القحذمي ينشد كثيرا ... ذهب الحسن والجمال من الناس ... ومات الذين كانوا ملاحا
وبقى الأسمجون من كل صنف ... إن في الموت من أولئك راحا ...
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يعلم أن البشر مجبولون على أخلاق متباينة وشيم مختلفة فكل واحد يحب اتباع مساعدته وترك مباعدته فمتى رام من أخيه ضد مَا وطن نفسه عَلَيْهِ قلاه وإذا تبين له منه خلاف مَا أضمر عَلَيْهِ قلبه مله ومن الملال يكون الاستثقال ومن الاستثقال يكون البغض ومن البغض تهيج العداوة فالآشتغال هذا بمن نعته للعاقل حمق ولقد أحسن النباجي حيث يقول ... أرفض الناس وكل مشغله ... قد بخل الناس بمثل خردله
لا تسأل الناس وسل من أنت له ...
стр. 72
وأنشدني ابن أَبِي علي قَالَ أنشدني مُحَمَّد بْن يعقوب العبدي ... إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرت به عيناي بدلت آخرا
وذلك أني لا أصاحب صاحبا ... من الناس إلا خانني وتغيرا ...
أخبرنا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن مسلم حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي الحواري حَدَّثَنَا أَبُو مسهر عَن سَعِيد بْن عَبْد العزيز قَالَ قَالَ مكحول إن كان في مخالطة الناس خير فالعزلة أسلم
أنبأنا علي بْن سَعِيد العسكري حَدَّثَنَا شعيب بْن يَحْيَى حَدَّثَنَا أَحْمَد النسائي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن عَبْد الأعلى أن مالك بْن دينار كان يقول من لم يأنس بحديث اللَّه عَن حديث المخلوقين فقد قل علمه وعمي قلبه وضيع عمره
أنبأنا القطان حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي الحواري حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن روح قَالَ سمعت إِبْرَاهِيم البخاري يقول دخلت المسجد الحرام بعد المغرب فإذا فضيل جالس فجئت فجلست إليه فقال من هذا فقلت إِبْرَاهِيم قَالَ مَا جاء بك قلت رأيتك وحدك فجلست إليك قَالَ تحب أن تغتاب أو تتزين أو ترائي قلت لا قَالَ قم عني
ذكر استحباب المؤاخاة للمرء مع الخاص
أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى بِالْمَوْصِلِ حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَآخَى بَيْنَ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَبَيْنَ الصَّعْبِ بْن جَثَّامَةَ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن لا يغفل عَن مؤاخاة الإخوان وإعداده إياهم للنوائب والحدثان لأن من تعزى عَن موضع سلوته
стр. 73
بأخيه عند الهموم والغموم كان عقله إلى التقديح أقرب ومن النماء أنقص
ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا الفضل بْن عَبْد الصمد الأصبهاني حَدَّثَنَا يزيد بْن خالد الرملي حَدَّثَنَا سهيل أَبُو عمرو قَالَ قَالَ مُحَمَّد بْن واسع لم يبق من العيش إلا ثلاث الصلاة في الجماعة ترزق فضلها وتكفي سهوها وكفاف من معاش ليست لأحد من الناس عليك فيه منة ولا لله عليك فيه تبعة وأخ محسن العشرة زغت قومك
أنبأنا عَبْد الرحمن بْن عَبْد المحسن بجرجان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه القصار أَنْبَأَنَا عَبْد الرزاق عَن ابن المقفع قَالَ ثلاث من اللذات محادثة الإخوان وأكل القديد وحك الجرب
أنبأنا مُحَمَّد بْن أَبِي علي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن هريم الشيباني أنشدنا محمد بن عمران الضيى ... وما المرء إلا بإخوانه ... كما نقبض الكف بالمعصم
ولا خير في الكف مقطوعة ... ولا خير في الساعد الأجذم ...
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن لا يعد في الأدواء إخاء من لم يواته الضراء ولم يشاركه في السراء ورب أخي إخاء خير من أخي ولادة ومن أتم حفاظ الأخوة تفقد الرجل أمور من يوده
والود الصحيح هو الذي لا يميل إلى نفع ولا يفسده منع والمودة أمن كما أن البغضاء خوف
стр. 74
والعاقل لا يواخي إلا من خالفه على الهوى وأعانه على الرأي ووافق سره علانيته لأن خير الإخوان من لم يناقش كما أن خير الثناء مَا كان على أفواه الأخيار والمستوخم لا يؤلف كما أن غير الثقة لا يود فمتى مَا آخى المرء من لم يصافه بالوفاء يجب الاستظهار عَلَيْهِ بمن يسليه عنه لأن التودد ممن لا يود يعد ملقا ولا يفوت الإنسان في الأخوة أحد رجلين إما أريب قصر في حقوقه فاغتاله بمكر وإما جاهل لم يصافه فيؤذيه بسوء معاشرته وصيانة الأخوة ليست إلا في الاستغناء عَن الإخوان
ولقد أحسن العباس بْن عُبَيْد بْن يعيش حيث يقول ... كم من أخ لك لم يلده أبوكا ... وأخ أبوه أبوك قد يجفوكا
صاف الكرام إذا أردت إخاءهم ... وأعلم بأن أخا الحفاظ أخوكا
كم إخوة لك لم يلدك أبوهم ... وكأنما آباءهم ولدوكا
لو كنت تحملهم على مكروهة ... تخشى الحتوف بها لما خذلوكا
وأقارب لو أبصروك معلقا ... بنياط قلبك ثم مَا نصروكا
الناس ما استغنيت كنت أخالهم ... وإذا افتقرت إليهم فضحوكا ...
أخبرنا القطان بالرقة حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل السني حَدَّثَنَا عَبْد الرزاق عَن معمر قَالَ دخلت على قَتَادَة وأنا ظمآن وفي الحجرة حب ماء فقلت أشرب من مائكم هذا قَالَ أنت لنا صديق
قال أَحْمَد قَالَ عَبْد الرزاق يتأول القرآن (أَوْ صَدِيقِكُمْ) يقول لا يستأذن
أنبأنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا علان بْن المغيرة البصري حَدَّثَنَا عمرو
стр. 75
الناقد حَدَّثَنَا ابن عيينة عَن أيوب السختياني أنه قَالَ يزيدني حرصا على الحج لقاء إخوان لي لا ألقاهم بغير الموسم
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن يعلم أن الغرض من المؤاخاة ليس الاجتماع والمؤاكلة والمشاربة والسراق يداخلون الرجال على التقارف ولا يزدادون بذلك مودة ولكن من أسباب المؤاخاة التي يجب على المرء لزومها مشي القصد وخفض الصوت وقلة الإعجاب ولزوم التواضع وترك الخلاف
ولا يجب للمرء أن يكثر على إخوانه المؤونات فيبرمهم لأن المرضع إذا كثر مصه ربما ضجرت أمه فتلقيه
ولا ينبغي لمن قدر أن يمنع أخاه شيئا يحتاج إليه ليجبر به مصيبته أو يفرج به كربته والعاقل لا يؤاخي لئيما لأن اللئيم كالحية الصماء لا يوجد عندها إلا اللدغ والسم ولا يصل اللئيم ولا يؤاخي إلا عَن رغبة أو رهبة والكريم يود الكريم على لقية واحدة ولو لم يلتقيا بعدها أبدا
ولقد أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن يونس حدثنا إسماعيل
стр. 76
ابن محمود عَن ابن المبارك عَن سُفْيَان عَن يونس بْن عُبَيْد أنه أصيب بمصيبة فقيل له ابن عوف لم يأتك فقال إنا إذا وثقنا بمودة أخينا لم يضره أن لا يأتينا
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يتفقد ترك الجفاء مع الإخوان ويراعي محوها إن بدت منه ولا يجب أن يستضعف الجفوة اليسيرة لأن من استصغر الصغير يوشك أن يجمع إليه صغيرا فإذا الصغير كبير بل يبلغ مجهوده في محوها لأنه لا خير في الصدق إلا مع الوفاء كما لا خير في الفقه إلا مع الورع وإن من أخرق الخرق التماس المرء الإخوان بغير وفاء وطلب الأجر بالرياء ولا شيء أضيع من مودة تمنح من لا وفاء له وصنيعة تصطنع عند من لا يشكرها وأنشدني الخلادي قَالَ أنشدني مُحَمَّد بْن مُحَمَّد البكري ... أحذر مودة ماذق ... خلط المرارة بالحلاوة
يحصي الذنوب عليك ... أيام الصداقة للعداوه ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم البصري بصور لنفسه ... لا يغرنك صديق أبدا ... لك في المنظر حتى تخبره
كم صديق كنت منه في عمى ... غرني منه زمانا منظره
كان يلقاني بوجه طلق ... وكلام كاللآلي ينثره
فإذا فتشته عَن غيبه ... لم أجد ذاك لود يضمره
فدع الإخوان إلا كل من ... يضمر الود كما قد يظهره
فإذا فزت بمن يجمع ذا ... فاجعلنه لك ذخرا تذخره ...
أَنْبَأَنَا الْقَطَّانُ بِالرَّقَّةِ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الْمَكِّيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
стр. 77
رضى الله عنه للناس ثمانية عشر كَلِمَةً كَلُّهَا حِكَمٌ قَالَ مَا كَافَأْتَ مَنْ يَعْصِي اللَّهَ فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ فِيهِ وَضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مِنْهُ مَا يَغْلِبُكَ وَلا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ مُسْلِمٍ شَرًّا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمَلا وَمَنْ تَعَرَّضَ لِلتُّهْمَةِ فَلا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ وَمَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي يَدَيْهِ وَعَلَيْكَ بإخوان الصدق فعش فِي أَكْنَافِهِمْ فَإِنَّهُمْ زِينَةٌ فِي الرَّخَاءِ وَعُدَّةٌ فِي الْبَلاءِ وَعَلَيْكَ بِالصِّدْقِ وَإِنْ قَتَلَكَ الصِّدْقُ وَلا تَعْرِضْ لِمَا لا يَعْنِيكَ وَلا تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ فَإِنَّ فِيمَا كَانَ شُغْلا عَمَّا لَمْ يَكُنْ وَلا تَطْلُبَنَّ حَاجَتَكَ إِلَى مَنْ لا يُحِبُّ لَكَ نَجَاحَهَا وَلا تَصْحَبَنَّ الْفَاجِرَ فَتَعْلَمَ فُجُورَهُ وَاعْتَزِلْ عَدُّوَكَ وَاحْذَرْ صَدِيقَكَ إِلا الأَمِينَ وَلا أَمِينَ إِلا مَنْ خشي الله وتخشع عند القول وَذَلَّ عِنْدَ الطَّاعَةِ وَاعْتَصَمَ عِنْدَ المعصية واستشر في أمرك الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ (٣٥ ٣٨) ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يواخي إلا ذا فضل في الرأي والدين والعلم والأخلاق الحسنة ذا عقل نشأ مع الصالحين لأن صحبة بليد نشأ مع العقلاء خير من صحبة لبيب نشأ مع الجهال
ورأس المودة الاسترسال وآفتها الملالة ومن أضاع تعهد الود من إخوانه حرم ثمرة إخائهم وآيس الإخوان من نفسه ومن ترك الإخوان مخافة تعاهد الود بوشك أن يبقى بغير أخ كما أن من ترك نزع الماء إشفاقا على رشائه يوشك أن يموت عطشا
والعاقل يستخبر أمور إخوانه قبل أن يؤاخيهم ومن أصح الخبرة للمرء
стр. 78
وجود حالته بعد هيجان الغضب
أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الضحاك الهدادي حَدَّثَنَا هشام بْن مُحَمَّد عَن عوانة بْن الحكم قَالَ قَالَ لقمان لابنه يا بني إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلا فدعه
أنبأنا مُحَمَّد بْن صالح الطبري حَدَّثَنَا أَبُو هشام الرفاعي حَدَّثَنَا داود بْن يَحْيَى ابن اليمان عَن أبيه عَن سُفْيَان قَالَ اصحب من شئت ثم أغضبه ثم دس إليه من يسأله عنك
قال أَبُو حاتم ﵁ من لم ينصفك عند غضبه لم تودك أيامه وليس الصديق كالمرأة يطلقها المرء إذا شاء والجارية يبيعها متى أحب لكنه عرضه ومروءته فالتثبت والاتئاد أولى به من التهاجر والانقطاع ومن غاب عنه أخوه فلا يغب عما يجب له عَلَيْهِ وليكثر منهم عدة للشدائد لأن
стр. 79
الشعر مع دقته إذا جمع عمل منه الحبل الغليظ الذي يقهر الفيل المغتلم ولا يصلح أن يكون رفيقا من لم يزدرد ريقا
وأنشدني الخلادي قَالَ أنشدني مُحَمَّد بْن مُحَمَّد البكري لصالح بْن عَبْد القدوس ... إذا كان ود المرء ليس بزائد ... على مرحبا أو كيف أنت وحالكا
أو القول إني وامق لك حافظ ... وأفعاله تبدي لنا غير ذلكا
ولم يك إلا كاشرا أو محدثا ... فأف لود ليس إلا كذلكا
ولكن إخاء المرء من كان دائما ... لذي الود منه حيثما كان سالكا ...
أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَنْتُمْ جَلاءُ حَزَنِي
أخبرني مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا هلال بْن العلاء حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن الضيف عَن شيبة بْن أَبِي مسهر عَن الحكم بْن هشام قَالَ خالد بْن صفوان لم يبق من لذات الدينا إلا ثلاث مجالسة النسوان وشم الولدان ولقي الإخوان
حدثنا مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا مسعدة بْن حازم المصري حَدَّثَنَا خالي هارون ابن سعيد حدثنا خالد بن بزار حَدَّثَنَا سُفْيَان عَن موسى بْن عقبة قَالَ إن كنت لألقى الأخ من إخواني فأكون بلقيه عاقلا أياما
قال أَبُو حاتم ﵁ قد ذكرت مَا يشاكل هذه الحكايات في كتاب مراعاة العشرة فأغنى ذلك عَن تكرارها في هذا الكتاب فالواجب على العاقل أن يعلم أنه ليس من السرور شيء يعدل صحبة الإخوان ولا غم يعدل غم فقدهم ثم يتنوقى جهده مفاسدة من صافاه
стр. 80
ولا يسترسل إليه فيما يشينه وخير الإخوان من إذا عظمته صانك ولا يعيب أخاه على الزلة فإنه شريكه في الطبيعة بل يصفح ويتنكب محاسدة الإخوان لأن الحسد للصديق من سقم المودة كما أن الجود بالمودة أعظم البذل لأنه لا يظهر ود صحيح من قلب سقيم وليحذر المرء في إخائه ألم التثقيل على أخيه لأن من ثقل على صديقه خف على عدوه وإن من أعظم المعونة على تسلية الهم الرضا بالقضاء ولقي الإخوان
أنبأنا مُحَمَّد بْن هلال العقبي حدثني يونس بن إبراهيم العزي حدثنا إبراهيم ابن عَبْد اللَّه العدني عَن سُفْيَان أنه قِيلَ له مَا ماء العيش قَالَ لقاء الإخوان
حدثنا الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحواري حَدَّثَنَا المسيب بْن واضح عَن ابن المبارك قَالَ قَالَ سُفْيَان لربما لقيت الأخ من إخواني فأقيم شهرا عاقلا بلقائه
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... ستكثرن من الإخوان إنهم ... خير لكانزهم كنزا من الذهب
كم من أخ لك لو نابتك نائبة ... وجدته لك خيرا من أخي النسب ...
وأنشدني الكريزي ... من خير مَا حزته ود لذي كرم ... يجزيك مَا عشت بالإحسان إحسانا
تلقى بشاشته في قربه وإذا ... أنال نالك منه البر مَا كانا ...
أنبأنا القطان حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ سمعت أبا سليمان يقول كنت أنظر إلى أخ من إخواني بالعراق فأعمل على رؤيته شهرا
حدثنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا سويد بْن سَعِيد حَدَّثَنَا مسلم بْن عُبَيْد أَبُو فراس قَالَ قَالَ ربيعة المروءة مروءتان فللسفر مروءة وللحضر مروءة فأما مروءة السفر فبذل الزاد وقلة الخلاف على أصحابك وكثرة المزاح في
стр. 81
غير مساخط اللَّه وأما مروءة الحضر فالإدمان إلى المساجد وكثرة الإخوان في اللَّه وتلاوة القرآن
ذكر كراهية المعاداة للناس
أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْدِ السَّلامِ بِبَيْرُوتَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ وَحَدَّثَنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ عَن عَمْرِو بْنِ وَاقِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال أَوَّلَ شَيْءٍ نَهَانِي عَنْهُ رَبِّي بعد عبادة الأوثان لعن الحمير وَمُلاحَاةِ الرِّجَالِ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن يعلم أن من يوده لم يحسده ومن لم يحسده لم يعاده فيكون للعدو المكاتم أشد حذرا منه للعدو المبارز ومن وجد عنده مغترا وكان ممن لا يعفو ثم لا ينتصف منه أصابته الندامة والرأي إذا كان من الأريب كان أبلغ في هلاك العدو من العدد الكثير من الجنود وترك العداوة على الأحوال كلها أحوط للعاقل من الخوض في سلوكها
أَنْبَأَنَا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا حبان بْن موسى أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن هارون هو الأعور عَن إِسْمَاعِيل قَالَ لا تشترين عداوة رجل بمودة ألف رجل
وأنشدني عمرو بْن مُحَمَّد قَالَ حدثنا الغلابي قال أنشدني مهدي ابن سابق ... تكثر من الإخوان مَا استطعت إنهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهور
وليس كثيرا ألف خل لصاحب ... وإن عدوا واحدا لكثير ...
قال أَبُو حاتم ﵁ لا يجب على العاقل أن يكافيء الشر بمثله وأن يتخذ اللعن والشتم على عدوه سلاحا إذ لا يستعان على العدو بمثل إصلاح العيوب وتحصين العورات حتى لا يحد العدو إليه سبيلا
стр. 82
والعاقل لا يرحم من يخافه ولا يترك إحصاء معائب العدو ويتفقد عثراتهم مع السكوت عَن ثلبه ولا يستضعف عدوا بحيلة فإن من استضعف الأعداء اغتر ومن اغتر لم يسلم اللهم إلا أن يكون العدو ذليلا فإذا كان كذلك عطف عَلَيْهِ بالإغضاء لأن العدو الذليل أهل أن يرحم كما أن المستجير الخائف أهل أن يؤمن والمماداة للعاقل خير من المصافاة للجاهل
وأنشدني الخلادي أنشدني أَحْمَد بْن مُحَمَّد البكري ... وولمن يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق
فارغب بنفسك أن تصادق أحمقا ... إن الصديق على الصديق مصدق ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي ... أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
أبصر لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا قلة عَن غرة زلجا ...
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يبصر موضع خطواته قبل أن يضعها ثم يقارب عدوه بعض المقاربة لينال حاجته ولا يقاربه كل المقاربة فيجترأ عَلَيْهِ والعاقل لا يعادي مَا وجد إلى المحبة سبيلا ولا يعادي من ليس له منه بد ولا العدو الحنق الذي لا يطاق فإنه ليس له حيلة إلا الهرب منه وحيلة السبيل إلى القدرة على العدو وجود الغرة فيه وأن يرى العدو أنه لا يتخذه عدوا ثم يصادق أصدقاءه فيدخل بينه وبينهم
وأحزم الأمور في أمر العدو أن لا يذكره بسوء إلا عند الفرصة وإن من أيسر الظفر بالأعداء اشتغال بعضهم ببعض وإن مما يستعين به المرء على عدوه مجانبة من يعاشره ويصحب عدوه
стр. 83
أخبرني مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حدثني أَحْمَد بْن زهير بْن حرب قَالَ سمعت يَحْيَى بْن معين يقول قَالَ ابن السماك لا تخف ممن تحذر ولكن احذر ممن تأمن
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... تمنيت أن أبقى معافى وأن أرى ... على من يناويني تدور الدوائر
فيصبح مخذولا وأمسي سالما ... إلى اللَّه داع بالكفاية ناصر ...
سمعت مُحَمَّد بْن محمود يقول سمعت علي بْن خشرم يقول سمعت الفضل ابن موسى الشيباني يقول كان صياد يصطاد العصافير في يوم ريح قَالَ فجعلت الرياح تدخل في عينيه الغبار فتذرفان فكلما صاد عصفورا كسر جناحه وألقاه في ناموسه فقال عصفور لصاحبه مَا أرقه علينا ألا ترى إلى دموع عينيه فقال له الآخر لا تنظر إلى دموع عينيه ولكن انظر إلى عمل يديه
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يأمن عدوه على كل حال إن كان بعيدا لم يأمن مغادرته وإن كان قريبا لم يأمن مواثبته والعاقل لا يخاطر بنفسه في الانتقام من عدوه لأنه إن هلك في قصده قِيلَ أضاع نفسه وإن ظفر قِيلَ القضاء فعله
والمعاداة بعد الخلة فاحشة عظيمة لا تليق بالعاقل ارتكابها فإن دفعه الوقت إلى ركوبها ترك للصلح موضعا
وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي الأسود الدؤلي ... وأحبب إذا أحببت حنا مقاربا ... فإنك لا تدري متى أنت نازع ...
стр. 84
.. وأبغض إذا أبغضت غير مجانب ... فإنك لا تدري متى أنت راجع
وكن معنا للحلم واصفح عن الأذى ... فإنك لاراء مَا عملت وسامع ...
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي ... إذا أنت عاديت أمرءا بعد خلة ... فدع في غد للعود والصلح موضعا
فإنك إن نابذت من زل زلة ... ظللت وحيدا لم تجد لك مفزعا ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الثقفي حَدَّثَنَا أَبُو همام حَدَّثَنَا ابن وهب أخبرني يونس ابن يزيد عَن ابن شهاب قَالَ اجتمع مروان بْن الحكم وابن الزبير يوما عند عائشة فجلسا في حجرتها وبينها وبينهما الحجاب فسألا عائشة شعرا وحديثا ثم قَالَ مروان ... ومن يشإ الرحمن يخفض بقدره ... وليس لمن لم يرفع اللَّه رافع ...
وقال ابن الزبير ... وفوض إلى اللَّه الأمور إذا اعترت ... وبالله لا بالأقربين تدافع ...
وقال مروان ... وداو ضمير القلب بالبر والتقى ... ولا يستوي قلبان قاس وخاشع ...
وقال ابن الزبير ... ولا يستوي عبدان عَبْد مكلم ... عتل لأرحام الأقارب قاطع ...
وقال مروان ... وعبد يجافي جنبه عَن فراشه ... يبيت يناجي ربه وهو راكع ...
وقال ابن الزبير ... وللخير أهل يعرفون بهديهم ... إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع ...
وقال مروان
стр. 85
.. وللشر أهل يعرفون بشكلهم ... تشير إليهم بالفجور الأصابع ...
قال فسكت ابن الزبير فلم يجب مروان بشيء
فقالت عائشة يا عَبْد اللَّه مالك لم تجب صاحبك والله مَا سمعت تجاوب رجلين تجاولا نحو مَا تجاولتما فيه أعجب إلي من مجاولتكما
قال ابن الزبير اني خفت عول القول فكففت فقالت عائشة إن لمروان في الشعر مَا ليس لك
أنبأنا مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا عصام بْن الفضل الداري حدثني الزبير بْن بكار عَن مُحَمَّد بْن حرب قَالَ قَالَ عَبْد اللَّه بْن حسن لابنه مُحَمَّد إياك ومعاداة الرجال فإنها لا تعدمك مكر حليم أو مباذاة جاهل
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يعادي على الحالات كلها لأن العداوة لا تخلو من أن تكون لأحد رجلين إما حليم لا يؤمن مكره أو جاهل لا يؤمن شتمه ولا يجب على العاقل إذا عادى أن يغره إحسانه الى عدوه ما يرى من سكونه إليه فإن الماء وإن أطيل إسخانه ليس بمانعه ذلك من إطفاء النار إذا صب عليها ولا يجب أن يعظم عَلَيْهِ حمله عدوه على عاتقه إذا وثق بحسن عاقبته لأن اللين والمكر أنكى في العدو من الفظاظة والمكابرة ألا ترى النار مع حرها لا تحرق من الشجر إلا مَا ظهر والماء مع برده ولينه يستأصلها ومجانبة المرء عدوه في العشرة أحد الأعوان عليه عند الفرصة
كما أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا العتبي عَن أبيه قَالَ قَالَ الأحنف بْن قيس من جالس عدوه حفظ عَلَيْهِ عيوبه
وأنشدني الأبرش ... لا تخافن إن رماك عدو ... بعيوب إذا تكون بريا ...
стр. 86
.. إنما العيب أن يكون محقا ... في الذي قاله ولست نقيا
فإذا كان كاذبا كنت بالصدق ... على العائب الكذوب جريا
ولقد يلزق العدو بجنب ... السمراء عيبا تخاله مكويا ...
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يغيره إلزاق العدو به العيوب والقبائح لأن ذلك لا يكون له وقع ولا لكثرته ثبات ولا يلتذ المرء مَا كان عدوه باقيا كما لا يجد السقيم طعم النور والطعام حتى يبرأ
وأشد مكيدة العدو وما يعمل فيك من سبيل مأمنك والغالب بالشر مغلوب وإن من أعظم الأعوان على الأعداء تعاهد المرء ولده وعياله وخدمه وتوقيه إياهم على المعائب والزلات
أنبأنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الصباح حَدَّثَنَا الوليد عَن الأوزاعي عَن يَحْيَى بْن أَبِي كثير قَالَ قَالَ سليمان بْن داود لابنه يا بني إذا أردت أن تغيظ عدوك فلا ترفع عَن ابنك العصا
ذكر الحث على صحبة الأخيار والزجر عَن عشرة الأشرار
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ النَّسَائِيُّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ مِثْلُ الْعَطَّارِ إِنْ لَمْ يَنَلْكَ مِنْهُ أَصَابَكَ من ريحه ومثل جليس السُّوءِ مِثْلُ الْقَيْنِ إِنْ لَمْ تصبك نَارُهُ أَصَابَكَ شَرَرُهُ
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يلزم صحبة الأخيار ويفارق صحبة الأشرار لأن مودة الأخيار سريع اتصالها بطيء انقطاعها ومودة الأشرار
стр. 87
سريع انقطاعها بطيء اتصالها وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار ومن خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم
فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب لئلا يكون مريبا فكما أن صحبة الأخيار تورث الخير كذلك صحبة الأشرار تورث الشر
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي ... عليك بإخوان الثقات فإنهم ... قليل فصلهم دون من كنت تصحب
ونفسك أكرمها وصنها فإنها ... متى مَا تجالس سفلة الناس تغضب ...
سمعت أبا يعلى يقول سمعت إِسْحَاق بْن أَبِي إسرائيل يقول سمعت سُفْيَان ابن عيينة يقول من أحب رجلا صالحا فإنما يحب اللَّه ﵎
أنبأنا مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الصقر السكري حَدَّثَنَا وهب بْن مُحَمَّد بْن منبه البناني قَالَ سمعت الحارث بْن وجيه يقول سمعت مالك بْن دينار يقول إنك أن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص مع الفجار
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يدنس عرضه ولا يعود نفسه أسباب الشر بلزوم صحبة الأشرار ولا يغضي عَن صيانة عرضه ورياضة نفسه بصحبة الأخيار على أن الناس عند الخبرة يتبين منهم أشياء ضد الظاهر منها
أنشدني علي بْن محمد البسامي ... وقل ما احلولي كلام امريء ... ولان إلا كان مر الفعال
وربما احلولي كلام الفتى ... وكان محمودا على كل حال
فكل هذا أنت راء إذا ... تصاحب الناس وتبلوا الرجال ...
حدثنا بكر بْن أَحْمَد بْن سَعِيد الطاحي حَدَّثَنَا نصر بن علي أنبأنا نوح
стр. 88
ابن قيس حَدَّثَنَا حوشب عَن الحسن في قوله (٢٥ ٦٣) ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يمشون على الأرض هونا﴾ قَالَ حلماء علماء صبر ثبت إن ظلموا لم يظلموا وإن بغي عليهم لم يبغوا قد براهم الخوف كأنهم القداح
أنبأنا حامد بْن مُحَمَّد بْن شعيب البلخي حَدَّثَنَا سريج بْن يونس حَدَّثَنَا شجاع بْن أَبِي نصر أَبُو نعيم القاري عَن أَبِي عمرو بْن العلاء قَالَ رآني سعيد ابن جبير وأنا جالس مع الشباب قال مَا يجلسك مع الشباب عليك بالشيوخ
أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الْمُحَجَّلِ عَنِ ابْنِ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لصاحب صالح خَيْرٌ مِنَ الْوَحْدَةِ وَالْوَحْدَةُ خَيْرٌ من صاحب السُّوءِ وَمُمْلِي الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنَ السَّاكِتِ وَالسَّاكِتُ خَيْرٌ مِنْ مُمْلِي الشَّرِّ
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يصاحب الأشرار لأن صحبة صاحب السوء قطعة من النار تعقب الضغائن لا يستقيم وده ولا يفي بعهده وإن من سعادة المرء خصالا أربعا أن تكون زوجته موافقة وولده أبرارا وإخوانه صالحين وأن يكون رزقه في بلده
وكل جليس لا يستفيد المرء منه خيرا تكون مجالسة الكلب خيرا من عشرته ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم كما أن من يدخل مداخل السوء يتهم وما أشبه صحبة الأشرار إلا بما أنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي ... فلو كان منه الخير إذ كان شره ... عتيدا ضربت الخير يوما مع الشر
стр. 89
.. ولو كان لا خيرا ولا شر عنده ... رضيت لعمري بالكفاف مع الأجر
ولكنه شر ولا خير عنده ... وليس على شر إذا طال من صبر ...
أخبرنا إسحاق بن إبرهيم القاضي حَدَّثَنَا الحسن بْن مُحَمَّد بْن الصباح حَدَّثَنَا ابن علية عَن يونس عَن الحسن قَالَ أيها الرجل إن أشد الناس عليك فقدا لرجل إذا فزعت إليه وجدت عنده رأيا ووجدت عنده نصيحة بينا أنت كذلك إذ فقدته فالتمست منه خلفا فلم تجده
أنبأنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا خطاب بْن عَبْد الرحمن الجندي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سليمان قَالَ قَالَ جعفر بْن مُحَمَّد من كان فيه ثلاث فقد وجب له على الناس أربع إذا خالطهم لم يظلمهم وإذا حدثهم لم يكذبهم وإذا وعدهم لم يخلفهم وعلى الناس أن يظهروا عدله وأن تكمل فيهم مروءته وأن يجب عليهم أخوته وأن يحرم عليهم غيبته
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي ... اصحب خيار الناس أين لقيتهم ... خير الصحابة من يكون ظريفا
والناس مثل دراهم ميزتها ... فرأيت فيها فضة وزيوفا ...
أخبرنا ابن قحطبة حَدَّثَنَا عباس بْن عَبْد العظيم حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الكريم حَدَّثَنَا عَبْد الصمد بْن معقل أنه سمع وهبا يقول إن اللَّه ليحفظ بالعبد الصالح القبيل من الناس
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن يستعيذ بالله من صحبة من إذا ذكر اللَّه لم يعنه وإن نسي لم يذكره وإن غفل حرضه على ترك الذكر ومن كان أصدقاؤه أشرارا كان هو شرهم وكما أن الخير لا يصحب إلا البررة كذلك الردى لا يصحب إلا الفجرة فإن المرء إذا اضطره الأمر فليصحب أهل المروءات لأن مُحَمَّد بن عثمان العقبي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن داود البصري حَدَّثَنَا ابن عائشة قَالَ قَالَ عَبْد الواحد بْن زيد جالسوا أهل الدين من أهل الدنيا
стр. 90
ولا تجالسوا غيرهم فإن كنتم لابد فاعلين فجالسوا أهل المروءات فإنهم لا يرفثون في مجالسهم
ذكر كراهية التلون في الوداد بين المتآخين
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قتيبة بعسقلان حدثنا ابراهيم الحوارني حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ شُعَيْبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لا يَرَى لَكَ مِنَ الْحَقِّ مِثْلَ مَا تَرَى لَهُ
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل إذا رزقه الله ود امريء مسلم صحيح الوداد محافظ عَلَيْهِ أن يتمسك به ثم يوطن نفسه على صلته إن صرمه وعلى الإقبال عَلَيْهِ إن صد عنه وعلى البذل له إن حرمه وعلى الدنو منه إن باعده حتى كأنه ركن من أركانه وإن من أعظم عيب المرء تلونه في الوداد
وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري ... وكم من صديق وده بلسانه ... خؤون بظهر الغيب لا يتندم
يضاحكني كرها لكيما أوده ... وتتبعني منه إذا غبت أسهم ...
أخبرنا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حدثني ابن أَبِي شيبة قَالَ قَالَ الأصمعي قال رجل من الأعراب من أعجز الناس من قصر عَن طلب الإخوان وأعجز منه من ظفر بذلك منهم فأضاع مودتهم وإنما يحسن الاختيار لغيره من أحسن الاختيار لنفسه
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يقصر في تعاهد الوداد ولا يكون ذا لونين وذا قلبين بل يوافق سره علانيته وقوله فعله ولا خير في متآخيين ينمو بينهما الخلل ويزيد في حاليهما الدغل
стр. 91
كما أنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... لحا اللَّه من لا ينفع الود عنده ... ومن حبله إن مد غير متين
ومن هو ذو لونين ليس بدائم ... على الوصل خوان لكل أمين
ومن هو ذو قلبين أما لقاؤه ... فحلو وأما غيبه فظنين
ومن هو إن تحدث له العين نظرة ... يقطع بها أسباب كل قرين ...
وأنشدني عمرو بْن مُحَمَّد النسائي لابن الأعرابي ... العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من الشناءة أو ود إذا كانا
إن البغيض له عين يصد بها ... لا يستطيع لما في الصدر كتمانا
العين تنطق والأفواه ساكنة ... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا ...
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... وجار لا تزال تزور منه ... قوارص لا تنام ولا تنيم
قريب الدار نائي الود منه ... معاندة أبت لا تستقيم
يبادر بالسلام إذا التقينا ... وتحت ضلوعه قلب سقيم ...
أنبأنا مُحَمَّد بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْخَلادِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن بكر الأنباوي عَن هشام بْن عَبْد الملك اليزني قَالَ المقنع الكندي
стр. 92
.. أبل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن أمورهم وتفقد
فإذا ظفرت بذي اللبابة والتقى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد
ومتى يزل ولا محالة زلة ... فعلى أخيك بفضل رأيك فاردد
وإذا الخنا نقض الحبى في موضع ... ورأيت أهل الطيش قاموا فاقعد ...
أخبرنا عَبْد اللَّه بْن قحطبة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الصباح حَدَّثَنَا الوليد عَن الأوزاعي عَن يَحْيَى بْن أَبِي كثير قَالَ قَالَ سليمان بْن داود لابنه يا بني عليك بالحبيب الأول فإن الآخر لا يعدله
أنبأنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن بكر بْن سيف حدثني محمد ابن حسين قَالَ كان أعرابي بالكوفة وكان له صديق وكان يظهر له مودة ونصيحة فاتخذه الأعرابي من عدده للشدائد إذ حزب الأعرابي أمر فأتاه فوجده بعيدا مما كان يظهر للأعرابي فأنشأ يقول ... إذا كان ود المرء ليس بزائد ... على مرحبا أو كيف أنت وحالكا
ولم يك إلا كاشرا أو محدثا ... فأف لود ليس إلا كذلكا
لسانك معسول ونفسك بشة ... وعند الثريا من صديقك مالكا
وأنت إذا همت بمينك مرة ... لتفعل خيرا قاتلتها شمالكا ...
سمعت مُحَمَّد بْن المنذر يقول سمعت عَبْد العزيز بْن عَبْد اللَّه يقول قَالَ مُحَمَّد بْن حازم ... وإن من الإخوان كشرة ... وإخوان حياك الإله ومرحبا
وإخوان كيف الحال والأهل كله ... وذلك لا يسوى نقيرا متربا
جواد إذا استغنيت عنه بماله يقول إلي القرض والقرض فاطلبا
فإن أنت حاولت الذي خلف ظهره ... وجدت الثريا منه في البعد أقربا ...
стр. 93
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل لا يصادق المتلون ولا يؤاخي المتقلب ولا يظهر من الوداد إلا مثل مَا يضمر ولا يضمر إلا فوق مَا يظهر ولا يكون في النوائب عند القيام بها إلا ككونه قبل إحداثها والدخول فيها لأنه لا يحمد من الإخاء مَا لم يكن كذلك
وأنشدني محمد بن المنذر وأنشدني مُحَمَّد بْن خلف التيمي أنشدني رجل من خزاعة ... وليس أخي من ودني بلسانه ... ولكن أخي من ودني في النوائب
ومن ماله مالي إذا كنت معدما ... ومالي له إن عض دهر بغارب
فلا تحمدن عند الرخاء مؤاخيا ... فقد تنكر الإخوان عند المصائب
وما هو إلا كيف أنت ومرحبا ... وبالبيض رواغ كروغ الثعالب ...
أخبرنا ابن قحطبة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الصباح حَدَّثَنَا أَبُو معاوية عَن هشام ابن عروة عَن أبيه قَالَ مكتوب في الحكمة أحبب خليلك وخليل أبيك
قال أَبُو حاتم ﵁ إن من أعظم الأمارات على معرفة صحة الوداد وسقمه ملاحظة العين إذا لحظت فإنها لا تكاد تبدي إلا مَا يضمر القلب من الود ولا يكاد يخفى ما يجنه الضمير من الصد فالعاقل يعتبر الود بقلبه وعين أخيه ويجعل له بينهما مسلكا لا يرده عَن معرفة صحته شيء تخيله
ولقد أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الذُّهْلِيُّ حَدَّثَنَا علي بْن مُحَمَّد المذهبي عَن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم العباسي عَن عَبْد اللَّه بْن الحجاج مولى المهدي وعن إِبْرَاهِيم بْن شكلة قَالَ اعلم أن من أظهر مَا تحب أو مَا تكره فإنما لك أن تقيس مَا أضمر قلبه بالذي أظهر لسانه وليس لك أن تعرف مَا أسر ضميره فعامله على نحو مَا يبدي لك لسانه وفي ذلك أقول
стр. 94
.. ليس المسيء إذا تغيب سوءه ... عني بمنزلة المسيء المعلن
من كان يظهر مَا أحب فإنه ... عندي بمنزلة الأمين المحسن
والله أعلم بالقلوب وإنما ... لك مَا بدا لك منهم بالألسن
ولقد يقال خلاف ذلك إنما ... لك مَا بدا لك منهم بالأعين ...
غير أن خالي خالفني في ذلك وزعم أن الأعين أبين شهادة على مَا في القلوب من الألسن وكتب في ذلك رسالة أما بعد فقد بدا لي من صدك مَا آيسني من ودك ولم يزل يخبرني لحظك مَا تضمر لي من بغضك وكتب في أسفل ذلك ... وما أحب إذا أحببت مكتتما ... يبدي العداوة أحيانا ويخفيها
تظل في قلبه البغضاء كامنة ... فالقلب يكتمها والعين تبديها
والنفس تعرف في عيني محدثها ... من كان من سلمها أو من أعاديها
عيناك قد دلتا عيني منك على ... أشياء لولاهما مَا كنت أدريها ... ٤
أخبرنا الخلادي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصوفي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن صالح البغدادي قَالَ سمعت إِبْرَاهِيم الحجني يقول دلائل الحب تعرف في المحب وإن لم ينطق لسانه
ذكر ائتلاف الناس واختلافهم
أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنِ مُجَاشِعٍ السَّخْتِيَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ
حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سفيان الثوري عن حبيب ابن أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ
стр. 95
قال أَبُو حاتم ﵁ سبب ائتلاف الناس وافتراقهم بعد القضاء السابق هو تعارف الروحين وتناكر الروحين فإذا تعارف الروحان وجدت الألفة بين نفسيهما وإذا تناكر الروحان وجدت الفرقة بين جسميهما
وَلَقَدْ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مهران حدثنا يوسف ابن يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ رَأَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلا فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَيُحِبُّنِي قَالُوا وَمَا عِلْمُكَ قَالَ إِنِّي لأُحِبُّهُ وَالأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تناكر منها اختلف
أنشدني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي أنشدني أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن بكر الأبناوي ... إن القلوب لأجناد مجندة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف
فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف ...
أنبأنا ابن مكرم بالبصرة حَدَّثَنَا بشر بن الوليد حدثنا الحكم ابن عَبْد الملك عَن قَتَادَة في قول اللَّه تعالى (١١ ١٢) ﴿إِلا مَنْ رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ قال للرحمة والطاعة فأما أهل طاعة اللَّه فقلوبهم وأهواؤهم مجتمعة وإن تفرقت ديارهم وأهل معصية اللَّه قلوبهم مختلفة وإن اجتمعت ديارهم
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي ... فما تبصر العينان والقلب آلف ... ولا القلب والعينان منطبقان
ولكن هما روحان تعرض ذي لذى ... فيعرف هذا ذي فيلتقيان ...
قال أَبُو حاتم ﵁ إن من أعظم الدلائل على معرفة مَا فيه المرء من تقلبه وسكونه هو الأعتبار بمن يحادثه ويوده لأن المرء على دين خليله وطير السماء على أشكالها تقع
وما رأيت شيئا أدل على شيء ولا الدخان على النار مثل الصاحب على الصاحب وأنشدني الأبرش
стр. 96
.. يقاس المرء بالمرء ... إذا مَا هو مَا شاه
وذو العر إذا احتك ... ذا الصحة أعداه
وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه
وللروح على الروح ... دليل حين يلقاه ...
حدثنا أَبُو خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثير العبدي أَنْبَأَنَا سُفْيَان عَن أَبِي إِسْحَاق عَن هبيرة قَالَ اعتبر الناس بأخدانهم
أنبأنا مُحَمَّد بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ موسى الأخباري حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن صالح العدوي حَدَّثَنَا الحسين بْن جعفر بْن سليمان الضبعي قَالَ سمعت أَبِي يقول سمعت مالكا يقول الناس أشكال كأجناس الطير الحمام مع الحمام والغراب مع الغراب والبط مع البط والصعو مع الصعو وكل إنسان مع شكله
وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري ... يزين الفتى في قومه ويشينه ... وفي غيرهم أخدانه ومداخله
لكل امريء شكل من الناس مثله ... وكل امريء يهوى إلى من يشاكله ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي ... إن كنت حلت وبي استبدلت مطرحا ... ودا فلم تأت مكروها ولا بدعا
فكل طير إلى الأشكال موقعها ... والفرع يجري إلى الأعراق منتزعا ...
قال أَبُو حاتم ﵁ العاقل يجتنب مماشاة المريب في نفسه ويفارق صحبة المتهم في دينه لأن من صحب قوما عرف بهم ومن عاشر أمرأ نسب
стр. 97
إليه والرجل لا يصاحب إلا مثله أو شكله فإذا لم يجد المرء بدا من صحبة الناس تحرى صحبة من زانه إذا صحبه ولم يشنه إذا عرف به وإن رأى منه حسنة عدها وإن رأى منه سيئة سترها وإن سكت عنه ابتدأه وإن سأله أعطاه
فأما اليوم فأكثر أحوال الناس تكون ظواهرها بخلاف بواطنها وما أشبه عشرتهم إلا بما أخبرني مُحَمَّد بْن يعقوب البغلاني حدثني عَبْد الصمد ابن الفضل حَدَّثَنَا الحسين بْن سهل التياس عَن أَبِي عبيدة قَالَ تكلم عصفور في بني إسرائيل مع فخ فقال العصفور انحناؤك لماذا قَالَ من العبادة قَالَ دفنك في التراب لماذا قَالَ من التواضع قَالَ فما هذا الشعر قَالَ هذا لباسي قَالَ مَا هذا الطعام قَالَ هذا أعددته لعابر السبيل قال فتأذن لي فيه قَالَ نعم قَالَ فنقر العصفور نقرة فأخذ بعنقه فجعل العصفور يقول شغ شغ شغ وقال والله لا يغرني قارئ بعدك أبدا
وأنشدني مُحَمَّد بْن أَبِي علي لابن أَبِي اللقيش ... إن كنت تبغي العلم أو نحوه ... أو شاهدا يخبر عَن غائب
فاعتبر الأرض بأسمائها ... واعتبر الصاحب بالصاحب ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي ... تعارف أرواح الرجال إذا التقوا ... فمنهم عدو يتقى وخليل
كذاك أمور الناس والناس منهم ... خفيف إذا صاحبته وثقيل ...
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... اجعل قرينك من رضيت فعاله ... واحذر مقارنة القرين الشائن
كم من قرين شائن لقرينه ... ومهجن منه لكل محاسن ...
قال أَبُو حاتم ﵁ إن من الناس من إذا رآه المرء يعجب به
стр. 98
فإذا ازداد به علما ازاد به عجبا ومنهم من يبغضه حين يراه ثم لا يزداد به علما إلا ازداه له مقتا فاتفاقهما يكون باتفاق الروحين قديما وافتراقهما يكون بافتراقهما وإذا ائتلفا ثم افترقا فراق حياة من غير بغض حادث أو فراق ممات فهنالك الموت الفظيع والأسف الوجيع ولا يكون موقف أطول غمة وأظهر حسرة وأدوم كآبة وأشد تأسفا وأكثر تلهفا من موقف الفراق بين المتواخيين وما ذاق ذائق طعما أمر من فراق الخلين وانصرام القرنين
حدثنا مُحَمَّد بْن يعقوب الخطيب قَالَ سمعت معمر بْن سهل يقول سمعت جعفر بْن عون يقول سمعت مسعر بْن كدام يقول ... لن يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد بْن حماد البربري حَدَّثَنَا الزبير بْن بكار حدثني مُحَمَّد بْن موسى أَبُو غزية قَالَ كان أَبُو العتاهية إذا قدم المدينة يجلس إلي فأراد مرة الخروج فودعني وقال ... إن نعش نجتمع وإلا فما ... أشغل من مات عن جميع الأنام ...
حدثنا مُحَمَّد بْن أَبِي علي قَالَ أنشدنا مُحَمَّد بْن موسى السمري أنشدنا أَحْمَد بن عبد الأعلى الشيباني ... فياعجبا ممن يمد يمينه ... إلى إلفه عند الفراق فيسرع ... ضعفت عَن التوديع لما رأيته ... فصافحته بالقلب والعين تدمع ...
وأنشدني ابن فياض للبحتري ... الله جارك في انطلاقك ... تلقاه شامك أو عراقك
لا تعذلني في مسيري ... حيث سرت ولم ألاقك
إني خشيت مواقفا ... للبين تفسح غرب ماقك ...
стр. 99
.. وعلمت مَا يخشى المودع ... عند ضمك واعتناقك
فتركت ذاك تعمدا ... وخرجت أهرب من فراقك ...
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي ... أفي كل يوم حية البين تقرع ... وعيني لبين من ذوي الود تدمع
فلا النفس من تهيامها مستفيقة ... ولا بالذي يأتي به الدهر تقنع ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن بندار بْن أصرم ... أيا قلب لا تجزع من البين واصطبر ... فليس لما يقضى عليك بدافع
توكل على الرحمن إن كنت مؤمنا ... يجرك ودعني من نحوس الطوالع
وكل الذي قد قدر اللَّه واقع ... وما لم يقدره فليس بواقع ...
وأنشدني عَبْد الرحمن بْن يَحْيَى بْن حبيب الأندلسي لنفسه ... نطقت مدامعه بما في قلبه ... وعن الجواب لسانه لا ينطق
فكأنه مما يقاسي قلبه ... دنف مريض أو أسير موثق
وكأنما الأشجان في أحشائه ... لفراق أهل الود نار تحرق
كيف السلو وهل له من سلوة ... من بان عَن أحبابه يتفرق ...
قال أَبُو حاتم ﵁ السبب المؤدي إلى إظهار الجزع عند فراق المتواخين هو ترك الرضا بما يوجب القضاء ثم ورود الشيء على مضمر الحشا بعدما انطوى عَلَيْهِ قديما فمن وطن نفسه في ابتداء المعاشرة على ورود ضد الجميل عليها من صحبته وتأمل ورود المكروه منه على غفلته لا يظهر الجزع عند الفراق ولا يشكو الأسف والاحتراق إلا بمقدار مَا يوجب العلم إظهاره
ولقد أولع بجماعه الفراق حتى إنهم خرجوا إلى ثلب الطيور ومدح الدمن وتأولوا لعن نوح ﵇ الغراب
стр. 100
أنبأنا جعفر بْن أَحْمَد بْن سنان القطان بواسط حَدَّثَنَا عمرو بْن مُحَمَّد بْن عيسى الضبعي حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأعلى حَدَّثَنَا الجريري عَن أَبِي السليل عن أبي مراوح قَالَ بعث نوح الغراب والحمامة حيث استقرت السفينة على الجودي يلتمسان له الجد يعني الأرض فأما الغراب فرأى جيفة فوقع عليها فأكل منها وأما الحمامة فجاءت عاضة على غصن شجرة بطين أحمر قَالَ فدعا للحمامة بالبركة وأما الغراب فلعنه وقال له قولا شديدا
أنبأنا مُحَمَّد بْن جعفر بْن الحسن البغدادي حدثنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الحسين البغوي قَالَ قَالَ سليم بن منصور أمرت لبنى فاشتري لها أربعة غربان فلما رأتهن صرخت وبكت وكتفتهن وجعلت تضربهن بالسوط حتى قتلتهن جميعا وأنشأت تقول ... لقد نادى الغراب ببين لبنى ... فطار القلب من حذر الغراب
وقال غدا تباين دار لبنى ... وتنأى بعد ود واقتراب
فقلت تعست ويحك من غراب ... أكل الدهر سعيك في تباب
لقد أولعت لا لقيت خيرا ... بتفريق المحب عَن الحباب ...
وأنشدني إبراهيم بن على الطرفي قَالَ أنشدني علي بْن إِسْحَاق ... غراب البين ويحك صح بقرب ... كما قد صحت ويحك بالبعاد
تنادي بالتفرق كل يوم ... فمالك بالتواصل لا تنادي
أراني اللَّه ريشك عَن قريب ... تمرطه البزاة بكل وادي
كما أسخنت يوم البين عيني ... وألقيت الحزازة في فؤادي ...
أنبأنا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بن يعقوب بهمذان حَدَّثَنَا عَبْد الكبير بْن مُحَمَّد الأنسي حَدَّثَنَا بعض أصحابنا قَالَ مررت بالبصرة على باب دار فإذا
стр. 101
بصوت غراب يجلد فدنوت من الدار فإذا صاحبة الدار وبين يديها جوار وهي تأمر بجلده فقلت أما تتقون اللَّه في هذا الغراب فقلن لي هذا الغراب الذي قيل فيه ... ألا يا غراب البين قد طرت بالذي ... أحاذر من لبنى فهل أنت واقع ...
فقلت ليس هذا ذاك الغراب فقالت والله ما نراك تأخذ البريء بالسقيم حتى تظفر بذلك الغراب
قال أَبُو حاتم ﵁ قد ذكرت مَا شاكل هذه الحكايات والأشعار على التقصي في كتاب الوداع والفراق فأغنى ذلك عَن تكرارها في هذا الكتاب إذ شرطنا فيه الإشارة إلى الشيء المحصول والإيماء إلى الشيء المقول
ذكر الحث على زيارة الإخوان وإكرامهم
أَنْبَأَنَا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ الْيَشْكُرِيُّ حَدَّثَنَا حماد ابن سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَجُلا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ فَأَرْصَدَ اللَّهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ فَقَالَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ فَقَالَ هَلْ لَهُ عَلَيْكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا قَالَ لا إِلا أَنِّي أُحِبُّهُ فِي اللَّهِ قَالَ إِنِّي رَسُولُ الله اليك إن اللَّهَ ﵎ أَحَبَّكَ كَمَا أحببته
قال أَبُو حاتم ﵁ الواجب على العاقل تعاهد الزيارة للإخوان وتفقد أحوالهم لأن الزائر في قصده الزيارة يشتمل على مصادفة معنيين أحدهما استكمال الذخر في الآجل بفعله ذلك وقد قَالَ بعض القدماء إن الرجل إذا زار أخا له في اللَّه لم يبق في السماء ملك إلا حياه بتحية مستأنفة
стр. 102
لا يحييه ملك مثله لم تبق شجرة من شجر الجنة إلا نادت صاحبتها ألا إن فلان ابن فلان زار أخا في اللَّه والآخر التلذذ بالمؤانسة بالأخ المزور مع الانقلاب بغنيمتين معا
ولقد أَنْبَأَنَا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن رجاء الغداني قَالَ كان عتبة الغلام يأوي المقابر والصحاري ثم يخرج إلى السواحل فيقيم بها فإذا كان يوم الجمعة دخل البصرة فشهد الجمعه ورأى إخوانه فسلم عليهم
حدثنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيبة حَدَّثَنَا عفان حَدَّثَنَا جعفر بْن سليمان حدثني بعض مشيختنا قال قال عامر بن قيس إنما أجدني أسف على البصرة لأربع خصال تجاوب مؤذنيها وظماء الهواجر ولأن بها إخواني ولأن بها وطني
أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بشر الخطابي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سهل التميمي قَالَ سمعت الفريابي يقول جاءني وكيع بْن الجراح من بيت المقدس وهو محرم بعمرة فقال يا أبا مُحَمَّد لم يكن طريقي عليك ولكن أحببت أن أزورك وأقيم عندك فأقام عندي ليلة وجاءني ابن المبارك وقد أحرم بعمرة من بيت المقدس فأقام عندي ثلاثا فقلت يا أبا عَبْد الرحمن أقم عندي عشرة أيام قَالَ لا الضيافة ثلاثة أيام
стр. 103
قال أَبُو حاتم ﵁ الناس في الزيارة على ضربين فمنهم من صحح الحال بينه وبين أخيه وتعرى عَن وجود الخلل وورود البغض فيه فإذا كان بهذا النعت أحببت له الإكثار من الزيارة والإفراط في الاجتماع لأن الإكثار من الزيارة بين من هذا نعته لا يورث الملالة والإفراط في الاجتماع بين من هذه صفته يزيد في المؤانسة
والضرب الآخر لم يستحكم الود بينه وبين من يواخيه ولا أداهما الحال إلى ارتفاع الحشمة بينهما فيما يبتذلان لمهنتيهما فإذا كان بهذا النعت أحببت له الإقلال من الزيارة لأن الإكثار منها بينهما يؤدي إلى الملالة وكل مبذول مملول وكل ممنوع ملذوذ وقد روي عَن النَّبِيُّ ﷺ أخبار كثيرة تصرح بنفي الإكثار من الزيارة حيث يقول زر غبا تزدد حبا إلا أنه لا يصح منها خبر من جهة النقل فتنكبنا عَن ذكرها وإخراجها في الكتاب وإليها ذهب بعض الناس حتى ذكروها في أشعارهم
من ذلك مَا أنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي ... وقد قَالَ النَّبِيّ وكان برا ... إذا زرت الحبيب فزره غبا
وأقلل زور من تهواه تزدد ... إلى من زرته مقة وحبا ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن أَبِي علي ... إني رأيتك لي محبا ... وإلى حين أغيب صبا
فقعدت لا لملالة ... حدثت ولا استحدثت ذنبا
إلا لقول نبينا ... زوروا على الأيام غبا ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا خالد بْن أَحْمَد الشيباني حَدَّثَنَا سعيد ابن عنبسة حَدَّثَنَا حميد بْن عَبْد الرحمن الرؤاسي قَالَ سمعت الحسن بْن صالح يقول كل مودة لا تزداد إلا بالالتقاء مدخولة
стр. 104
قال أَبُو حاتم ﵁ من صحح الحال بينه وبين الإخوان لم يضره قلة الاجتماع لاستحكام الحال بينهما والمودة إذا أضر بها قلة الالتقاء تكون مدخولة وأما من لم يحل في نفس صحة الحال ولم يستحكم أسباب الوداد فالتوقي من الإكثار في الزيارة أولى به لئلا يستثقل ويمل
وانشدني الخلادي أنشدني أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصيداوي ... عليك بإقلال الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت القطر يسأم دائبا ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا وأنشدني الكريزي ... أقلل زيارتك ... الحبيب تكون كالثوب استجده
إن الصديق يمله ... أن لا يزال يراك عنده ...
وأنشدني أوس بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد لأبي تمام ... وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الخلق إذ ليست عليهم بسرمد ...
أَنْبَأَنَا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَكْرَمُ النَّاسِ عَلِيَّ جَلِيسِي الَّذِي يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى يَجْلِسَ إِلَيَّ
أنبأنا مكحول ببيروت حَدَّثَنَا عُبَيْد بْن مُحَمَّد بْن هارون حَدَّثَنَا عمرو بْن أَبِي سلمة عَن سَعِيد بْن بشير عَن قَتَادَة في قوله تعالى (٤٢ ٢٦) ﴿وَيَسْتَجِيبُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ قَالَ يشفعون في إخوانهم وَيَزِيدُهُمْ من فضله قَالَ يشفعون في إخوان إخوانهم
стр. 105
ذكر صفة الإحمق والجاهل
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنْبَأَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ شُبَيْلِ بْنِ عَزْرَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ مِثْلُ الْعَطَّارِ إِنْ لَمْ يُعْطِكَ شَيْئًا يُصِبْكَ مِنْ عِطْرِهِ وَمَثَلُ الْجَلِيسِ السُّوءِ مِثْلُ الْقَيْنِ إِنْ لَمْ يَحْرِقْ ثَوْبَكَ أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ
قال أَبُو حاتم رضى الله عنه شبيل بْن عزرة هذا من أفاضل أهل البصرة وقرائهم ولكنه لم يحفظ إسناد هذا الخبر لأن أَنَس بْن مالك سمع هذا الخبر من أَبِي موسى عَن النَّبِيّ ﷺ فقصر به شبيل ولم يحفظه
والواجب على العاقل ترك صحبة الأحمق ومجانبة معاشرة النؤلى كما يجب عَلَيْهِ لزوم صحبة العاقل الأريب وعشرة الفطن اللبيب لأن العاقل وإن لم يصبك الحظ من عقله أصابك من الاعتبار به والأحمق إن لم يعدك حمقه تدنست بعشرته
وقد أنبأنا الحسين بْن مُحَمَّد السنجي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن أَبِي داود البرسلي حَدَّثَنَا زهير بْن عباد حَدَّثَنَا شهاب بْن خراش عَن أبيه عَن يسير بْن عمرو وكان قد أدرك الصحابة قَالَ اهجر الأحمق فليس للأحمق خير من هجرانه
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المهاجر المعدل حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوبَ الرَّبَعِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابن إِسْحَاقَ الْخَشَّابُ عَنِ الأِصْمَعِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ بِلالٍ قَالَ كَانَ فتى يعجب على ابن أبي طالب فَرَآهُ يَوْمًا وَهُوَ يُمَاشِي رَجُلا متهما فقال له ... لا تصحب الجاهل ... إياك وَإِيَّاهُ
فَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ أَرْدَى ... حَلِيمًا حِينَ آخَاهُ
يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ ... إِذَا مَا هُوَ مَاشَاهُ ...
стр. 106
.. وللشيء من الشَّيْءِ ... مَقَايِيسٌ وَأَشْبَاهُ
وَلِلْقَلْبِ عَلَى الْقَلْبِ ... دَلِيلٌ حِينَ يَلْقَاهُ ...
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... اختر ذوي التمييز واستبقهم ... وجانب النوكي وأهل الريب
فصحبة العاقل زين الفتى ... وصحبة الأنوك أخذ السبب ...
قال أَبُو حاتم ﵁ من علامات الحمق التي يجب للعاقل تفقدها ممن خفى عَلَيْهِ أمره سرعة الجواب وترك التثبت والإفراط في الضحك وكثرة الالتفات والوقيعة في الأخيار والاختلاط بالأشرار
والأحمق إذا أعرضت عنه اغتم وإن أقبلت عَلَيْهِ اغتر وإن حلمت عنه جهل عليك وإن جهلت عَلَيْهِ حلم عنك وإن أسأت إليه أحسن إليك وإن أحسنت إليه أساء إليك وإذا ظلمته انتصفت منه ويظلمك إذا أنصفته وما أشبه عشرة الحمقى إلا بما أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي ... لي صديق يرى حقوقي عَلَيْهِ ... نافلات وحقه كان فرضا
لو قطعت الجبال طولا إليه ... ثم من بعد طولها سرت عرضا
لرأى مَا صنعت غير كبير ... واشتهى ... واشتهى أن أزيد في الأرض أرضا ...
حدثنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد قَالَ قَالَ لي أَبُو طاهر ابن السرح قَالَ حدثني خالي أَبُو رجاء عَبْد الرحمن بْن عَبْد الحميد عن سعيد ابن أَبِي أيوب قَالَ لا تصاحب صاحب السوء فإنه قطعة من النار لا يستقيم وده ولا يفي بعهده
стр. 107
وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري ... لن يسمع الأحمق من واعظ ... في رفعه الصوت وفي همه
لن تبلغ الأعداء من جاهل ... مَا يبلغ الجاهل من نفسه
والحمق داء ماله حيلة ... ترجى كبعد النجم في لمسه ...
قال أَبُو حاتم ﵁ أظلم الظلمات الحمق كما أن أنفذ البصائر العقل فإذا امتحن المرء بعشرة الأحمق كان الواجب عَلَيْهِ اللزوم لأخلاق نفسه والمباينة لأخلاقه مع الإكثار من الحمد لله على مَا وهب له من الانتباه لما حرم غيره التوفيق له فإن جرى الأحمق في صحبته ميدانه في عشرته فالواجب على العاقل لزوم السكوت حينئذ في أوقاته لأن أبا حمزة مُحَمَّد بْن عمر بْن يُوسُف أَنْبَأَنَا بنسا حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيًّ الْجَهْضَمِيُّ حَدَّثَنَا ابن داود قَالَ سمعت الأعمش يقول السكوت للأحمق جواب
قال أَبُو حاتم ﵁ وإن من الحمقى من لا يصده عَن سلوكه السكوت عنه ولا يدفعه عَن دخول المكامن الإغضاء عنه ولا ينفعه
فالعاقل إذا امتحن بعشرة من هذا نعته تكلف بعض التجاهل في الأحايين لأن بعض الحلم إذعان كما أن استعماله في بعض الحالات قطب العقل
ولقد أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الواسطي ... لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج
وما كنت أرضى الجهل خدنا ولا أخا ... ولكنني أرضى به حين أحرج
فإن قَالَ بعض الناس فيه سماجة ... فقد صدقوا والذل بالحر أسمج ...
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي
стр. 108
.. لن ترضى الرذل إلا حين تسخطه ... وليس يسخط إلا حين ترضيه
ولا يسوءك إلا حين تكرمه ... ولا يسرك إلا حين تقصيه ...
حدثنا أَبُو يعلى حَدَّثَنَا سريج بْن يونس حَدَّثَنَا أَبُو سيفان المعمري عَن سُفْيَان الثوري قَالَ ابن آدم لم يخلق إلا أحمق ولولا ذلك لم ينفعه عيشه
حدثنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حَدَّثَنَا عصام بْن الفضل الرازي حَدَّثَنَا الزبير بْن بكار عَن مُحَمَّد بْن حرب قَالَ قَالَ عَبْد اللَّه بْن حسن لابنه يا بني احذر الجاهل وإن كان لك ناصحا كما تحذر العاقل إذا كان لك عدوا فيوشك الجاهل أن يورطك بمشورته في بعض اغترارك فيسبق إليك مكر العاقل
قال أَبُو حاتم ﵁ ومن شيم الأحمق العجلة والخفة والعجز والفجور والجهل والمقت والوهن والمهابة والتعرض والتحاسد والظلم والخيانة والغفلة والسهو والغي والفحش والفخر والخيلاء والعدوان والبغضاء
وإن من أعظم أمارات الحمق في الأحمق لسانه فإنه يكون قلبه في طرف لسانه مَا خطر على قلبه نطق به لسانه
والأحمق يتكلم في ساعة بكلام يعجز عنه سحبان وائل ويتكلم في الساعة الأخرى بكلام لا يعجز عنه باقل
والعاقل يجب عَلَيْهِ مجانبة من هذا نعته ومخالطة من هذه صفته فإنهم يجترئون على من عاشرهم ألا ترى الزط ليسوا هم بأشجع الناس ولكنهم يجترئون على الأسد لكثرة مَا يرونها
وأنشدني مُحَمَّد بْن يُوسُف بْن أيوب الأرمني ... ولمن يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق
فارغب بنفسك أن تصادق أحمقا ... إن الصديق على الصديق مصدق ...
стр. 109
وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي أنشدني أَبِي لصالح بْن عَبْد القدوس ... احذر الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق
كلما رقعته من جانب ... حركته الريح وهنا فانخرق
أو كصدع في زجاج فاحش ... هل ترى صدع زجاج يلتصق
كحمار السوء إن أقضمته ... رمح الناس وإن جاع نهق
وإذا جالسته في مجلس ... أفسد المجلس منه بالخرق
وإذا نهنهته كي يرعوي ... زاد شرا وتمادى في الحمق
عجبا للناس في أرزاقهم ... ذاك عطشان وهذا قد غرق ...
أنبأنا يعقوب بْن إِسْحَاق القاضي حدثنا أبو هاني عَبْد الحميد بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا عَبْد المنعم عَن أبيه عَن وهب بْن منبه قَالَ الأحمق كالثوب الخلق إن رفأته من جانب انخرق من جانب آخر مثل الفخار المكسور لا يرقع ولا يشعب ولا يعاد طينا
فهذا مثل الأحمق إن صحبته عناك وإن اعتزلته شتمك وإن أعطاك من عليك وإن أعطيته كفرك وإن أسر إليك اتهمك وإن أسررت إليه خانك وإن كان فوقك حقرك وإن كان دونك غمرك
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... اعلم بأن من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر
فطنا بكل مصيبة في ماله ... وإذا يصاب بدينه لم يشعر ...
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه البغدادي ... وإن عناء أن تفهم جاهلا ... فيحسب جهلا أنه منك أعلم
وتشخص أبصار الرعاع تعجبا ... إليه وقالوا إنه منك أفهم ...
стр. 110
قال أَبُو حاتم ﵁ الأحمق يتوهم أنه أعقل من ركب فيه الروح وأن الحمق قسم على العالم غيره والأحمق مبغض في الناس مجهول في الدنيا غير مرضى العمل ولا محمود الأمر عند اللَّه وعند الصالحين كما أن العاقل محب إلى الناس مسود في الدنيا مرضى العمل عند اللَّه في الآخرة وعند الصالحين في الدنيا
أنبأنا مُحَمَّد بْن المنذر بْن سَعِيد حَدَّثَنَا خطاب بْن عَبْد الرحمن الجندي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سليمان قَالَ كان الحسن يقول أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل
وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري ... وما الغي إلا أن تصاحب غاويا ... وما الرشد إلا أن تصاحب من رشد
ولن يصحب الإنسان إلا نظيره ... وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد ...
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... لنا جليس تارك للأب ... جليسه من نوكه في تعب
يغضب جهلا عند حال الرضا ... عمدا ويرضى عند حال الغضب
فنحن منه كلما جاءنا ... في عجب قد جاز حد العجب
كأنه من سوء تأديبه ... أسلم في كتاب سوء الأدب ...
أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الرَّبَعِيُّ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن موسى البصري حَدَّثَنَا العتبي قَالَ سمعت أعرابيا يقول العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسر منه بلين العيش مع السفهاء
قال أَبُو حاتم ﵁ وإن من شيم العاقل الحلم والصمت والوقار والسكينة والوفاء والبذل والحكمة والعلم والورع والعدل والقوة
следующие страницы →