← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6948

بستان الواعظين ورياض السامعين

ابن الجوزي

Полный текст (301 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَتَعَالَى أَن يخرج لَهُ مِنْبَر من جَهَنَّم من نَار فينصب لَهُ ويصعد عَلَيْهِ وتبدو كل قبيحة عَملهَا فِي الدُّنْيَا ويلعنه كل من فِي الْموقف ويعبره حَتَّى يود لَو أَمر بِهِ إِلَى النَّار ثمَّ يَقُول الله ﵎ للْمَلَائكَة ﴿خذوه فغلوه ثمَّ الْجَحِيم صلوه ثمَّ فِي سلسلة ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا فاسلكوه﴾ الحاقة ٣٠، ٣١،، ٣٢ فيبتدره سَبْعُونَ ألف ملك خلقُوا من نَار السمُوم مَعَ كل ملك مِنْهُم من الْعَذَاب خلاف مَا مَعَ الآخر فيأخذونه بَينهم فيلقونه فِي الهاوية من النَّار الحامية ويدخلون بسلسلة فِي فِيهِ وَيخرجُونَ طرفها من دبره كَمَا تصنع الخرزة فِي السلك ثمَّ يطعم الغسلين وَهُوَ شَيْء أسود نَتن لَو أَن قَطْرَة من الغسلين أخرجت إِلَى الدُّنْيَا لمات جَمِيع أَهلهَا من النتن ١٩٣ - طَعَام أهل النَّار وَإِنَّمَا يطعم أهل النَّار الغسلين لأَنهم كَانُوا فِي الدُّنْيَا لَا يرَوْنَ أَن يغتسلوا من الْجَنَابَة وَلَا يتوضؤوا للصَّلَاة فيحرق الغسلين مَوَاضِع الْوضُوء والاغتسال وَمَا سقط مِنْهُ أطعموه إِيَّاه جَزَاء بِمَا ضيعوا فِي الدُّنْيَا من حُقُوق الله تَعَالَى وَهَذَا الْعَذَاب كُله للأسود بن عبد الْأسد وَكَذَلِكَ لكل من كَانَ فِي الشَّرّ رَأْسا يَأْمر بِهِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ يفعل بِهِ كَمَا فعل بالأسود بن عبد الْأسد وكل من كَانَ فِي الدُّنْيَا فِي الْخَيْر رَأْسا يَأْمر بِهِ إِلَيْهِ يفعل بِهِ كَمَا بالأسود بن عبد الْأسد وكل من كَانَ فِي الدُّنْيَا فِي الْخَيْر رَأْسا يَأْمر ويدعوا إِلَيْهِ يفعل بِهِ كَمَا فعل بِعَبْد الله ابْن عبد الْأسد يَجْزِي الله تَعَالَى النَّاس كلهم على هَذَا الْمِنْهَاج فِي الْخَيْر وَالشَّر وَالله يفعل مَا يَشَاء لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل فنعوذ بِاللَّه من أَعمال أَصْحَاب الشمَال

стр. 107

٨ - مجْلِس فِي قَوْله ﵎ ﴿وَوضع الْكتاب﴾ الْآيَة ١٩٤ - يَا أهل الذُّنُوب مثلي يَا أهل الْعُيُوب مثلي يَا من يَعْصِي وَلَا يَتُوب يَا من ألغي والمحال لَهُ صحوب يَا من ضيع غَايَة المنى والمرغوب يَا من سود كِتَابه بِمَعْصِيَة علام الغيوب اعلموا عصمنا الله وَإِيَّاكُم أَن للعباد غَدا صَحَائِف يقرؤون فِيهَا الْحَسَنَات والقبائح فَمن كتب لَهُ حافظاه خيرا فِي الدَّار الفانية فَهُوَ خير لَهُ فِي الدَّار الْبَاقِيَة وَمن كَانَ خَائفًا فِي الدُّنْيَا من الْعَذَاب متحفظا مِمَّا يثبت عَلَيْهِ فِي الْكتاب متجنبا لمعصية رب الأرباب وَفقه الله مَوْلَاهُ للحق وَالصَّوَاب وَيسر عَلَيْهِ برحمته الْحساب ومحيت أوزاره من الْكتاب وَرَضي عَنهُ الْملك الْوَهَّاب وَأمر بِهِ إِلَى الْجنَّة وَحسن المآب وَمن علم أَن عمله يثبت عَلَيْهِ فِي الدِّيوَان وَهُوَ يَقْرَؤُهُ لَا محَالة بَين يَدي الرَّحْمَن فَكيف يألف الْعِصْيَان وَكَيف يَتَحَرَّك مِنْهُ اللِّسَان بالزور والبهتان وَمُخَالفَة كتاب الْملك الديَّان ١٩٥ - الْفرق بَين الْحَسَنَة والسيئة ذكر فِي بعض الحكم أَن رجلا كَانَ يَسُوق دَابَّته فَعَثَرَتْ فَقَالَ الرجل: تعست الدَّابَّة يَعْنِي عثرت فَقَالَ ملك الْيَمين لملك الشمَال: لَيست بحسنة فاكتبها فَأُوحي الله تعالي لملك الشمَال مَا ترك صَاحب الْيَمين فاكتبه أَنْت فَكتب صَاحب الشمَال قَول الرجل تعست الدَّابَّة واعظم من هَذَا انه مَا من عبد وَلَا أمة يتنفس نفسا إِلَّا اثْبتْ عَلَيْهِ فِي الْكتاب فان خرج النَّفس فِي طَاعَة الله تَعَالَى أثْبته صَاحب الْيَمين وان خرج النَّفس فِي غير طَاعَة الله أثْبته صَاحب الشمَال حَتَّى يحكم الله تبَارك وتعالي يَوْم الْحساب فِيهِ بِحكمِهِ فَمن علم هَذَا يَقِينا فَلَا يحْتَاج أَن تمر عَلَيْهِ سَاعَة من ساعاته وَلَا وَقت من أوقاته وَلَا لَحْظَة من لحظاته إِلَّا فِي ذكر الله وَفِي الفكرة فِي عَظمَة الله

стр. 108

١٩٦ - النجَاة فِي ذكر الله رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لَيْسَ شَيْء أنجى لِلْمُؤمنِ من عَذَاب الله من ذكر الله وَأكْثر مَا يجد الْمُؤمن فِي صَحِيفَته يَوْم الْقِيَامَة الاسْتِغْفَار فِي اللَّيْل وَالنَّهَار فَكل من كَانَ فِي الدُّنْيَا من قِرَاءَة كِتَابه خَائفًا مشفقا كَانَ الله ﵎ بِهِ عِنْد قِرَاءَته إِيَّاه رحِيما مرفقا وَمن كَانَ فِي الدُّنْيَا من الغافلين كَانَ عِنْد قِرَاءَته من النادمين فَلَو رَأَيْتُمْ يَا أهل الذُّنُوب مَا قد أثبت عَلَيْكُم فِي الدُّيُون من الْخَطَايَا والعصيان والزور والبهتان وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان والغفلة وَالنِّسْيَان لعظمت مِنْكُم المصائب وَكَثُرت مِنْكُم النوائب ولسارعتم إِلَى الثَّوَاب والرغائب ولثبتم إِلَى رب الْمَشَارِق والمغارب وأنشدوا (مَا بَال عَيْنك لَا تبْكي لما سلفا ... ذكر الذُّنُوب وَخَوف النَّار والتلفا) (يَا أَيهَا المذنب المحصى جرائمه ... لَا تنس ذَنْبك وَاذْكُر مِنْهُ مَا سلفا) (من الذُّنُوب الَّتِي لم تبل جدَّتهَا ... كَيفَ تبلى وَقد أودعتها صحفا) (أما تخَاف أما تخشى فضائحها ... إِذا الغطاء انجلى عَنْهُن وانكشفا) اعلموا معاشر المذنبين لَو أَن الله تَعَالَى اطلع بَعْضنَا على صَحَائِف بعض وكشف لَهُ مَا فِيهَا من الذُّنُوب لَكَانَ النَّاس يشتغلون عَن مَعَايشهمْ بتعيير بَعضهم لبَعض ولعنة بَعضهم لبَعض فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ١٩٧ - حِكَايَة عَن رقة بن وَاسع حُكيَ عَن مُحَمَّد بن وَاسع ﵀ أَنه مَا رَآهُ أحد قطّ ضَاحِكا وَإِن كَانَ ليبكي حَتَّى ترحمه النَّاس فَذكر لَهُ ذَلِك فَقَالَ يَا أحبائي وَكَيف يضْحك من لَا يدْرِي مَا أثبت عَلَيْهِ فِي كِتَابه وَلَا يدْرِي بِمَا يخْتم لَهُ اللَّهُمَّ اختم لنا بِخَير وَكَانَ رجل يكلم مُحَمَّد بن وَاسع فِي حَاجَة فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن وَاسع ادن مني فَلَو كَانَت للذنوب رَائِحَة لما قدرت أَن تَدْنُو مني فيا معشر المذنبين مثلي وَنَفْسِي أَعنِي وكلنَا مذنب لَا تغتروا بستر الله تَعَالَى عَلَيْكُم فَإِن لَهُ يَوْمًا يهتك فِيهِ الأستار وَيُحَاسب عباده على مَا عمِلُوا فِي اللَّيْل وَالنَّهَار فقوم إِلَى الْجنَّة وَقوم إِلَى النَّار فالخير وَالشَّر قد حصل عَلَيْكُم الْكتاب الَّذِي يوضع لكم يَوْم الْعرض والحساب بَين يَدي رب الأرباب قَالَ الْملك الْوَهَّاب ﴿وَوضع الْكتاب فترى الْمُجْرمين مشفقين مِمَّا فِيهِ﴾

стр. 109

) الْكَهْف ٤٩ وضع الْكتاب للْمُؤْمِنين وَوضع الْكتاب للمجرمين وضع الْكتاب لأهل الْإِيمَان وَوضع الْكتاب لأهل الضلال والطغيان وَوضع الْكتاب لأهل الْجنان وَوضع الْكتاب لأهل النيرَان وَوضع الْكتاب لأهل الثَّوَاب وَوضع الْكتاب لأهل الْعقَاب وَوضع الْكتاب للطائعين وَوضع الْكتاب للعاصين وَوضع الْكتاب لأهل الْإِخْلَاص والوفاق وَوضع الْكتاب لأهل الرِّيَاء والنفاق وَوضع الْكتاب لأهل الْوَفَاء وَوضع الْكتاب لأهل الْجفَاء وَوضع الْكتاب للعاملين وَوضع الْكتاب للباطلين وَوضع الْكتاب للقائمين وضع الْكتاب للنائمين وَوضع الْكتاب للمستغفرين وَوضع الْكتاب للغافلين وضع الْكتاب للسعداء وضع الْكتاب للأشقياء وضع الْكتاب لأهل الْجنَّة وضع الْكتاب لأهل المحنة وَوضع الْكتاب للأبرار وضع الْكتاب للفجار وضع الْكتاب لأهل التَّوْبَة وَوضع الْكتاب لأهل الحوبة وضع الْكتاب لأهل الْكَرَامَة وضع الْكتاب لأهل الندامة وَوضع الْكتاب لأهل الرشاد وَوضع الْكتاب لأهل الْفساد وضع الْكتاب لأهل الْحَسَنَات وضع الْكتاب لأهل السَّيِّئَات وضع الْكتاب لأهل النَّعيم وَالسُّرُور وضع الْكتاب لأهل الويل وَالثُّبُور فَكتب تبشر بِالْجنَّةِ وَكتب آخرهَا باللعنة والمحنة جعلنَا الله وَإِيَّاكُم مِمَّن يبشره كِتَابه بِالْجنَّةِ برحمته ١٩٨ - إحاطة الْكتاب بِكُل شَيْء وَاعْلَمُوا يَا معشر المذنبين أَن الله تَعَالَى لم يدع شَيْئا من القَوْل إِلَّا وَقد فسره لِعِبَادِهِ وَأنزل بذلك كِتَابه الْعَزِيز فَقَالَ فِيهِ ﵎ ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء ثمَّ إِلَى رَبهم يحشرون﴾ الْإِسْرَاء ٣٨ وَقد أعلمنَا إلهنا ومولانا أَن ﴿وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره﴾ الْإِسْرَاء ١٣ وَأَن كل إِنْسَان لَا بُد لَهُ من السُّؤَال وَلَا بُد لَهُ من حِسَاب وَلَا بُد من ثَوَاب أَو عَذَاب ومولانا قد أمرنَا بِالْعَمَلِ الصَّالح ووعدنا عَلَيْهِ بِالْجنَّةِ ونهانا عَن الْمعاصِي وتوعدنا عَلَيْهَا بالنَّار وَمَا قدمتم من خير وَشر قد أثبت عَلَيْكُم فِي كتاب مَكْتُوب بِالْحَسَنَاتِ والذنُوب ١٩٩ - حِكَايَة فِي كِتَابَة الْكتب رُوِيَ عَن الْحسن ﵀ أَنه قَالَ مَا من عبد وَلَا أمة يدْفن إِلَّا دخل عَلَيْهِ ملك فِي قَبره مَعَه دَوَاة وَقِرْطَاس فَيَأْخُذ الْملك بِرَأْس الْمَيِّت ويقعده وَيرْفَع إِلَيْهِ

стр. 110

ذَلِك القرطاس ويناوله قَلما وَيَقُول لَهُ اكْتُبْ جَمِيع مَا عملت فِي عمرك الَّذِي وَجَبت عَلَيْك فِيهِ الْحُدُود من خير وَشر فَيَأْخُذ الْمَيِّت الْقَلَم فَيكْتب وَإِن لم يكن فِي الدُّنْيَا كَاتبا فَإِن كَانَ العَبْد من أهل السَّعَادَة فَأول مَا يجْرِي الْقَلَم بِيَدِهِ بِإِذن الله ﵎ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لِأَن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لَا تكون فِي كتاب الشقاوة وَإِنَّمَا تكون فِي كتاب أهل الْإِيمَان وَالسّنة والأمان والغفران لِأَن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هِيَ آيَة الْإِيمَان وَهِي إِخْبَار عَن رَحْمَة الله ولطفه ﷻ يَا أهل السّنة من هَذِه الْأمة فَإِذا ثَبت العَبْد فِي كِتَابه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فقد أَمن فِي قَبره من الْعَذَاب والضيقة ٢٠٠ - الْبَسْمَلَة وبركتها وَإِذا لم يثبت فِي كِتَابه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فقد حل بِهِ الْعَذَاب فِي قَبره فَإِذا كتب العَبْد مَا عمل من خير وَشر شقيا كَانَ أَو سعيدا يطوي الْملك الْكتاب ويعلقه فِي عُنُقه فَإِذا خرج العَبْد من قَبره يَوْم الْقِيَامَة جَاءَهُ ذَلِك الْملك فَأخذ الْكتاب وناوله إِيَّاه وَقَالَ يَا ولي الله أَو يَا عَدو الله أتعرف هَذَا فَيَقُول نعم أَنا كتبته وَأَنا عملته فَيَقُول لَهُ فاقرأه فيستقبله مِنْهُ مَا سبق لَهُ من سَعَادَة أَو شقاوة فَالله الله معشر المذنبين مثلي الْمُؤمنِينَ لَا تضيعوا أيامكم بالقبائح وَلَا تهملوا أعماركم فِي الذُّنُوب والفضائح فَإِن جَمِيع أَعمالكُم قد حصيت عَلَيْكُم فِي الصحائف والصحائح وستقرؤوها بَين يَدي مولاكم وَتشهد عَلَيْكُم الْجَوَارِح بالقبيح وَالْحسن من أَعمالكُم وأنشدوا (سَوف يَأْتِي عَلَيْك سَاعَة خوف ... حِين تُعْطى صَحَائِف الْأَعْمَال) (وَكَأَنِّي أرى فضائح قوم ... قد تجلى لكشفها ذُو الْجلَال) (لَيْت شعري إِذا قَرَأت كتابي ... بيميني أعطَاهُ أم بشمالي)

стр. 111

حِكَايَة عَن عِيسَى ﵇ رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن اللباد ﵀ أَنه قَالَ دخل عِيسَى بن مَرْيَم ﵊ وعَلى نَبينَا مُحَمَّد ﷺ مَدِينَة خربة فَدخل قصرا من قُصُورهَا فَنَادَى يَا خراب الآخر بَين أَيْن أهلك وعمارك فَأَجَابَهُ شَيْء من آخر الْقصر يَا ابْن مَرْيَم بادوا وسيعودوا فاجتهد يَا أخي لَا تفرط فَإِن الْعِظَام قد بليت وَبقيت أَعْمَالهم فِي رقابهم وأنشدوا

стр. 112

(لَا تحقرن من الذُّنُوب صغيرها ... إِن الصَّغِير غَدا يعود كَبِيرا) (كل الذُّنُوب وَإِن تقادم عهدها ... عِنْد الْإِلَه مسطرا مسطورا) (أَيهَا الرجل الْمقنع بالمشيب الملبس حلَّة الْمعاصِي الْمُرِيب قد خسرت أَيَّام الشَّبَاب وبذلت مهجتك للعذاب بغفلتك عَمَّا فِي الْكتاب وإتباعك اللعين الْكذَّاب وتهاونك بِالْحِسَابِ وصدودك عَن الصَّوَاب ومعصيتك لرب الأرباب مَا حبلتك يَا مكروب مثلي سودت كتابك بِالذنُوبِ وعصيت مَوْلَاك علام الغيوب وبعت الْحَظ الجزيل بِالْكَذِبِ المشوب وضيعت الْجنَّة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نصب وَلَا لغوب وَاعْلَمُوا يَا معشر المذنبين أَن العَبْد إِذا وَفقه مَوْلَاهُ وَأَعْطَاهُ الفكرة فِي قِرَاءَة كِتَابه كَانَ عِنْد مَوْلَاهُ مستجاب الدُّعَاء ٢٠٢ - حِكَايَة فِي الِاعْتِمَاد على الله حُكيَ عَن مطرف بن الشخير ﵀ أَنه أرسل رَسُولا عَن عوز مَاء وَكَانَ فِي زمَان الْحر فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ الرَّسُول وَكَانَ عِنْده جمَاعَة قد عطشوا وَكَانَ مَعَه قَلِيل مَاء فَقَامَ فَتَوَضَّأ بذلك المَاء ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ دَعَا فيهمَا مَوْلَاهُ سُبْحَانَهُ فَأرْسل الله ﵎ سَحَابَة حَتَّى شرب هُوَ وَأَصْحَابه فَقيل لَهُ بِمَ بلغت هَذِه الْمنزلَة فَقَالَ جعلت كتابي نصب عَيْني فِي ليلِي ونهاري حَتَّى كَأَنِّي أقرؤه بَين يَدي رَبِّي ﷻ ٢٠٣ - حِكَايَة عَن مَالك بن دِينَار قَالَ عبد الْوَاحِد بن زيد ﵀ كُنَّا عِنْد مُحَمَّد بن وَاسع وَمَعَهُ مَالك بن دِينَار فجَاء رجل فَكلم مَالِكًا وَأَغْلظ عَلَيْهِ فِي الْكَلَام فِي قسْمَة قسمهَا وَقَالَ وَضَعتهَا فِي غير حَقّهَا وفضلت بهَا أهل مجلسك ليكثروا جمعك ولتصرف وُجُوه النَّاس إِلَيْك قَالَ فَبكى مَالك بن دِينَار وَقَالَ مَا أردْت بِهَذَا هَذَا الَّذِي تَقول قَالَ بلَى وَالله لقد أردته فَلَمَّا أَكثر على مَالك الْكَلَام رفع جيب يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ إِن هَذَا قد شغلنا عَن ذكرك فَأَرِحْنَا مِنْهُ كَيفَ شِئْت فَسقط الرجل مَيتا بِإِذن الله ٢٠٤ - دُعَاء ابْن وَاسع وَكَانَ مُحَمَّد بن وَاسع إِذا جن عَلَيْهِ اللَّيْل يبكي وَيَقُول فِي بكائه ويلي من ذنُوب قد أحصيت وَمن صحيفَة قد ملئت وربي قد علم ذَلِك وَلم يخف عَلَيْهِ من

стр. 113

ذَلِك شَيْء فأورثه الله تَعَالَى ببكائه على كِتَابه وعَلى حيائه من ربه الاستجابة فِي الدُّعَاء وتنور الْقلب وأنشدوا (أرى المشيب بالعذار قد ألم ... كَأَن موتِي عَن قريب قد هجم) (خطّ المشيب أسطرا فِي مفرقي ... فراعني مَا خطه وَمَا رقم) (هَل الْفَتى إِذا انْقَضى شبابه ... إِلَّا كزرع هاج سَوف ينحطم) (شَاب الْفُؤَاد قبل شيب لمتي ... واعتادني ضعف الْقوي قبل الْهَرم) (ويحي من التوبيخ من رَبِّي غَدا ... من ذَلِك الْأَمر الشَّديد المستهم) (ويحي إِذا نَادَى الْمُنَادِي بِي أَلا ... قُم عبد سوء مسرع للعرض قُم) (ويحي إِذا مَا قَالَ لي مقررا ... وَخص شَيْئا بعد شَيْء ثمَّ عَم) (مَا قد صنعت فِي فروضي وَالَّذِي ... قضيت مِنْهَا هَل صفا لي هَل سلم) (فَجئْت رَبِّي خاسرا قد أثقلت ... ظَهْري ذنُوب كالسحاب المرتكم) قَالَ الله ﵎ ﴿وَوضع الْكتاب فترى الْمُجْرمين مشفقين مِمَّا فِيهِ﴾ الْكَهْف ٤٩ وضع الْكتاب لفصل الْقَضَاء وَوضع الْكتاب للحزن والبكاء وضع الْكتاب لتبدو الفضائح وضع الْكتاب لتظهر القبائح وَوضع الْكتاب لتصح الصحائح الله الله يَا معشر المذنبين حاسبوا أَنفسكُم قبل يَوْم الْحساب وارحموا أَنفسكُم قبل نزُول الْعَذَاب وَبَادرُوا بِالتَّوْبَةِ قبل غلق الْبَاب واجتهدوا فِي بَقِيَّة أعماركم قبل وضع الْكتاب وسارعوا إِلَى الْمَغْفِرَة من ربكُم قبل الخجل بَين يَدي رب الأرباب وَقبل أَن تَطْلُبُوا برد الْجَواب وتحبس الْأَلْسِنَة عَن النُّطْق وَالْخطاب وَتشهد الْجَوَارِح بِمَا عملت من عصيان أَو ثَوَاب وأنشدوا (أبْكِي لذنبك طول الدَّهْر مُجْتَهدا ... إِن الْبكاء معول الأحزان) (لَا تنس ذَنْبك فِي الْكتاب وعظمه ... إِن الذُّنُوب تحيط بالإنسان) مَسَاكِين أهل الذُّنُوب أطاعوا الشَّيْطَان وعصوا الرَّحْمَن مَسَاكِين أهل الذُّنُوب جلت كروبهم وعظمت خطوبهم وَكَبرت عيوبهم وأحصيت عَلَيْهِم فِي الْكتاب ذنوبهم مَسَاكِين أهل الذُّنُوب عصوا الْجَبَّار فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وبذلوا مهجتهم لعذاب النَّار وسودوا صُحُفهمْ بالخطايا والأوزار مَسَاكِين أهل الذُّنُوب غفلوا عَن الطَّاعَة وخالفوا السّنة وَالْجَمَاعَة وخسروا أنفسهم قبل قيام السَّاعَة وأنشدوا

стр. 114

(من كَانَ يخْشَى الله ﷻ ... فليكثر العبرات فِي الخلوات) (فَلَعَلَّهُ بعد التَّذَكُّر والبكا ... بدلت لَهُ العبرات بِالْحَسَنَاتِ) (وتخفف الأوزار عَن منشوره ... يَوْم الْحساب وموقف الحسرات) ٢٠٥ - عجائب الْكتب قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَوضع الْكتاب فترى الْمُجْرمين مشفقين مِمَّا فِيهِ﴾ الْكَهْف ٤٩ عباد الله عِنْد وضع الْكتاب عجائب وأحزان ومصائب وكروب ونوائب فواحد يوضع لَهُ الْكتاب فيبكي وَآخر يوضع لَهُ الْكتاب فيفرح ويبكي وَآخر يوضع لَهُ الْكتاب فتجري على وَجهه نَضرة النَّعيم وَآخر يوضع لَهُ الْكتاب فتعلو وَجهه ظلمَة الْجَحِيم وَآخر يوضع لَهُ الْكتاب مَخْتُومًا بسخط الرب الْجواد وَآخر يوضع لَهُ الْكتاب مَخْتُومًا بالتوفيق والسداد اللَّهُمَّ وفقنا للطاعة وأمتنا على السّنة وَالْجَمَاعَة ونجنا من أهوال يَوْم السَّاعَة وأدخلنا فِي جملَة أهل الشَّفَاعَة وَاعْلَمُوا معشر المذنبين أَن المَاء يمحو الْكتاب من أَلْوَاح الصّبيان والدمع يمحو من كتبكم الأوزار والعصيان والهموم والغموم وَالْأَحْزَان فاجتهدوا فِي الْبكاء معشر الإخوان وَأَكْثرُوا الندامة فَإِنَّهَا توجب الغفران وأنشدوا (دَعونِي على نَفسِي أنوح وأندب ... بدمع غزير وأكف يتصبب) (دَعونِي على نَفسِي أنوح فإنني ... أَخَاف على نَفسِي الضعيفة تعطب) (وَإِنِّي حقيق بالتضرع والبكا ... إِذا مَا هدا النوام وَاللَّيْل غيهب) (وجالت دواعي الْحزن من كل جَانب ... وَغَارَتْ نُجُوم اللَّيْل وانقض كَوْكَب) (كفى أَن عَيْني بالدموع بخيلة ... وَإِنِّي بآفات الذُّنُوب معذب) (فَمن لي إِذا نَادَى الْمُنَادِي بِمن عصى ... إِلَى أَيْن إلجائي إِلَى أَيْن أهرب) (وَقد ظَهرت تِلْكَ الفضائح كلهَا ... وَقد قرب الْمِيزَان وَالنَّار تلهب) (فيا طول حزني ثمَّ يَا طول حسرتي ... لَئِن كنت فِي قاع الْجَحِيم أعذب) (فقد فَازَ بِالْملكِ الْعَظِيم عِصَابَة ... تبيت قيَاما فِي دجى اللَّيْل ترهب) (إِذا أشرف الْجَبَّار من فَوق عَرْشه ... وَقد زينت حور الْجنان الكواعب) (فناداهم سهلا وَأهلا ومرحبا ... أبحت لكم دَاري وَمَا شِئْتُم أطلبوا)

стр. 115

فبادروا رحمكم الله فِي هَذِه الْأَيَّام الشَّرِيفَة إِلَى محو السَّيِّئَات من الصَّحِيفَة ٢٠٦ - ضرب مثل فِي رقة الْقلب يَا أخي الْخَشَبَة الْيَابِسَة إِذا دخل طرفها الْوَاحِد فِي النَّار عرق طرفها الآخر وَكَذَلِكَ الْقلب إِذا كَانَت فِيهِ حرقة ندامة الذُّنُوب الَّتِي حصلت فِي الْكتاب الْمَكْتُوب الْمَوْضُوع جَادَتْ العينان بواكف الدُّمُوع ولانت الْجَوَارِح بالخضوع وَالْقلب بالإنابة والخشوع وأنشدوا (كتبت بأدمعي فِي صحن خدي ... كتابا بالتذلل والخضوع) (فَقَالُوا قد عَفَوْنَا عَنْك لما ... محوت قَبِيح فعلك بالدموع) ٢٠٧ - حِكَايَة عَن التَّوْبَة ذكر عَن بعض الْخَائِفِينَ أَنه قَالَ رَأَيْت رجلا وافقا على صبي من الصّبيان فِي الْمكتب وَهُوَ يمحو لوحا وَكَانَ اللَّوْح قد كتبه بالحبر وَكَانَت الْكِتَابَة قد ثبتَتْ وَلَا تَزُول بِالْمَاءِ فَجعل الصَّبِي يحك اللَّوْح بالحبل وَالتُّرَاب فَقَالَ الرجل الْوَاقِف عَلَيْهِ يَا بني مَالك تحك اللَّوْح بالحبل فَقَالَ ليزول الحبر الَّذِي ثَبت فِيهِ فَقَالَ لَهُ الرجل وَالْحَبل يَا بني يزِيل الحبر قَالَ نعم أَلا ترى أَن الْحَبل إِذا حك فِي تنور الْبِئْر يُؤثر فِيهِ وَهُوَ حجر فَيصير فِيهِ من أثر الْحَبل شبه الْخَنَادِق فَقَالَ الرجل ذَلِك بطول الْمدَّة فَقَالَ الصَّبِي لَا يَا نعم الرجل إِلَّا بالحزم وَالِاجْتِهَاد وَإِيَّاك يَا نعم الرجل بعيد الذِّهْن قَالَ الرجل كَيفَ ذَلِك يَا بني قَالَ لِأَنِّي قد قلت لَك إِشَارَة لَو ألقيتها على قَلْبك لأفاق وامتحى الحبر الَّذِي عَلَيْهِ فَقَالَ الرجل يَا بني كَانَ على قلبِي حبرًا قَالَ يَا عَم وَأي لون هُوَ الحبر قَالَ هُوَ أسود قَالَ الصَّبِي يَا عَم ألم أقل لَك إِنَّك بعيد الذِّهْن وَأي سَواد أَشد من سَواد الذُّنُوب على الْقُلُوب فصاح الرجل صَيْحَة وخر مغشيا على وَجهه ثمَّ أَخذ فِي الْبكاء فَقَالَ لَهُ الصَّبِي أما الْآن فقد وجدت الدَّوَاء لذنوبك ومحوها من كتابك وقلبك فَقَالَ الرجل يَا بني وَمَا الدَّوَاء فَقَالَ لَهُ الْبكاء فَقَالَ يَا بني والبكاء يمحو الذُّنُوب من الْكتاب وَالْقلب قَالَ لَهُ نعم وَالدَّلِيل على ذَلِك قَول النَّبِي ﷺ إِن الدُّمُوع تطفيء بحار النَّار يَوْم الْقِيَامَة عَن الباكي

стр. 116

٢٠٨ - الدُّمُوع تمحو الذُّنُوب فَإِذا محت الدُّمُوع بحار النَّار فأحرى أَن تمحو من الْكتاب القبائح والأوزار وَإِذا زَالَت من الْكتاب الفضائح والأوزار رَضِي عَنْك الْملك الْغفار وَأمر بك إِلَى دَار الرَّاحَة والقرار وخلصت من عَذَاب الْبَوَار فأبكوا يَا جمَاعَة الْمُسلمين على مَا أذنبتم فِي الشُّهُور والأعوام وَفِي السَّاعَات وَالْأَيَّام من الْخَطَايَا والأجرام واكتساب الرِّبَا وَالْحرَام وظلم الضُّعَفَاء والأرامل والأيتام وَمَا فرطتم فِيهِ من أَدَاء حُقُوق الْملك العلام وأنشدوا (وددت أَن دموعي بَحر فاسفحها ... من مقلتي على مَا فَاتَ من زمني) (واها على أَسف مني على وَهل ... يجني التأسف إِلَّا غلَّة الشجن) (وَالله لَو صَحَّ تَحْقِيق التأسف مَا ... ألفيت إِلَّا مَعَ النوام فِي الْحزن) (يَا لَيْت لي عينا فِي كل جارحة ... تبْكي عَليّ بدمع مَانع الوسن) ٢٠٩ - فضل الْبكاء فَالْوَاجِب وَالله يَا أهل الْإِسْلَام على كل مُسلم علم من نَفسه ذَنبا أَن يكثر الْبكاء عَلَيْهِ عساه يمحوه من كِتَابه مَوْلَاهُ ويتفضل عَلَيْهِ وَيغْفر لَهُ مَا قد جناه فَهُوَ المنان الْكَرِيم المتفضل الْعَظِيم اللَّهُمَّ يَا أكْرم الأكرمين وَيَا آخر الغافرين تفضل علينا بتوبة وعَلى جَمِيع المذنبين تنقلنا بهَا من ذل الْمعْصِيَة إِلَى عز الطَّاعَة وثبتنا عَلَيْهَا حَتَّى تخرجنا من الدُّنْيَا بِلَا ذَنْب وَلَا تباعة على منهاج أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الَّذين أوجبت لَهُم الرَّحْمَة والشفاعة اللَّهُمَّ إِن الطَّاعَة والمعاصي بقدرك وَفِي يدك الْقُلُوب والنواصي فطهر قُلُوبنَا بِمَاء التَّوْبَة واغسلها من دنس الحوبة وَمَتعْنَا بالسلامة فِي ديننَا ودنيانا وَفِي أسماعنا وأبصارنا وَجَمِيع جوارحنا مَا أبقيتنا وَلَا تردنَا على أعقابنا بعد إِذْ هديتنا فَإنَّك على كل شَيْء قدير وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم

стр. 117

٩ - مجْلِس فِي ذكر الْجنَّة وأوصافها وَمَا أعد الله لأوليائه من النَّعيم فِيهَا ٢١٠ - أَيهَا المريد إِنَّه يَنْبَغِي لَك أَن تشغل قَلْبك وتعمل فكرك بالتطلع إِلَى مَا أعد الله لأوليائه فِي جنته والاشتياق إِلَى مَا وصف الله لنا من نعيمها فَمن اشْتغل بذكرها واشتاق إِلَى نعيمها لهى عَن الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا والحرص عَلَيْهَا والترجح بأمانيها وَترك طلب الْعُلُوّ فِيهَا ٢١١ - آيَات فِي الْجنَّة وَقد قَالَ الله ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ الْقَصَص ٨٣ وَقَالَ من قَائِل ﴿مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار أكلهَا دَائِم وظلها﴾ الرَّعْد ١٣ وَقَالَ عز من قَائِل ﴿جنَّات عدن يدْخلُونَهَا يحلونَ فِيهَا من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فِيهَا حَرِير﴾ فاطر ٣٣ وَقَالَ ﴿الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن إِن رَبنَا لغَفُور شكور﴾ فاطر ٣٤ الْآيَة إِلَى ﴿لغوب﴾ قَالَ عز من قَائِل ﴿فِي جنَّات النَّعيم على سرر مُتَقَابلين يُطَاف عَلَيْهِم بكأس من معِين﴾ الصافات ٤٥ الْآيَة إِلَى ﴿مَكْنُون﴾ وَقَالَ ﴿يُطَاف عَلَيْهِم بصحاف من ذهب وأكواب﴾ ٧١ الْآيَة إِلَى ﴿خَالِدين﴾ ٢١٢ - أَحَادِيث فِي الْجنَّة رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا رَأَيْت مثل الْجنَّة نَام طالبها وَلَا مثل النَّار نَام هَارِبهَا

стр. 118

رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من اشتاق إِلَى الْجنَّة سارع إِلَى الْخيرَات وَمن أشْفق من النَّار لهى عَن الشَّهَوَات وَمن ترقب الْمَوْت هَانَتْ عَلَيْهِ المصيبات) رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لما خلق الله الْجنَّة قَالَ لجبريل اذْهَبْ فَانْظُر إِلَيْهَا فَذهب فَنظر إِلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ يَا رب لَا يسمع بهَا أحد إِلَّا دَخلهَا ثمَّ حفها بالمكاره فَقَالَ الله اذْهَبْ فَانْظُر إِلَيْهَا فَذهب إِلَيْهَا فَقَالَ يَا رب وَعزَّتك لقد خشيت أَن لَا يدخلهَا أحد فَلَمَّا خلق الله النَّار قَالَ يَا جِبْرِيل اذْهَبْ فَانْظُر إِلَيْهَا فَذهب إِلَيْهَا فَقَالَ جِبْرِيل يَا رب لَا يسمع بهَا أحد فيدخلها ثمَّ حفها بالشهوات فَقَالَ يَا جِبْرِيل اذْهَبْ فَانْظُر إِلَيْهَا فَذهب فَنظر إِلَيْهَا فَقَالَ يَا رب وَعزَّتك لقد خشيت أَن لَا يبْقى أحد إِلَّا دَخلهَا فيا معشر المشتاقين جاهدوا عَدوكُمْ اللعين بترك الشَّهَوَات ونافسوا فِي أَفعَال الْخيرَات وتحملوا فِي طَاعَة مولاكم المكروهات يسكنكم مولاكم الجنات وبيوئكم أعلا الغرفات وَيرْفَع لكم الدَّرَجَات ٢١٣ - شَجَرَة طُوبَى رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة يُقَال لَهَا طُوبَى لَو يسير الرَّاكِب فِي ظلها مائَة عَام لم يقطعهَا) بطحاؤها ياقوت وترابها مسك أَبيض ووحلها عنبر أَشهب وكثبانها كافور أصفر وبسرها زمرد أَخْضَر وأفناؤها سندس واستبرق وزهرها رياض أصفر وورقها برود

стр. 119

خضر وَثَمَرهَا حلل صفر وسقيها زنجبيل وَعسل وعبقها زعفران مبهج والألنجوج يتأجج من غير وقود يتفجر من أَصْلهَا أَنهَار السلسبيل والرحيق وظلها مجَالِس أهل الْجنَّة يألفونه ومتحدث يجمعهُمْ تحتهَا ٢١٤ - وصف الْجنَّة فَبَيْنَمَا هم ذَات يَوْم يتحدثون فِي ظلها إِذْ جَاءَتْهُم الْمَلَائِكَة بنجائب مزمومة بسلاسل من ذهب كَأَن وجوهها المصابيح نضارة وحسنا وبرها خَز أَحْمَر وعبقري أَبيض مختلطان الْحمرَة بالبياض وَالْبَيَاض بالحمرة لم ينظر الناظرون إِلَى مثله حسنا وبهاء ذللا من غير محنة نجب من غير رياضة رِحَالهَا من الْيَاقُوت الْأَخْضَر ملبسة بالعبقري والأرجوان ولجمها ذهب وكسوتها سندس واستبرق فأناخوا إِلَيْهِم تِلْكَ الرَّوَاحِل وحيوهم بِالسَّلَامِ من عِنْد الرب السَّلَام وَقَالُوا لَهُم أجِيبُوا ربكُم ﷻ فَإِنَّهُ يستزيركم فزوروه وليسلم عَلَيْكُم وتسلموا عَلَيْهِ وَينظر إِلَيْكُم وتنظروا إِلَيْهِ ويكلمكم وتكلموه ويحييكم وتحيوه ويزيدكم من فَضله فَإِنَّهُ ذُو رَحْمَة وَاسِعَة وَذُو فضل عَظِيم ٢١٥ - رواحل الْجنَّة فيتحول كل رجل مِنْهُم على رَاحِلَته ثمَّ يسير بهم صفا وَاحِدًا معتدلا الرجل إِلَى جنب أَخِيه عَن يَمِينه لَا يفوت ركبة نَاقَة ركبة صاحبتها وَلَا تعدو أذن نَاقَة أذن صاحبتها يَمرونَ بِالشَّجَرَةِ من أَشجَار الْجنَّة فتميل لَهُم عَن طريقهم كَرَاهِيَة أَن يفرق بَينهم فَإِذا وقفُوا بالجبار ﵎ أَسْفر لَهُم عَن وَجهه الْكَرِيم وتجلى لَهُم فِي عَظمته الْعَظِيمَة فيسلمون عَلَيْهِ ويرحب بهم وسلامهم وتحيتهم أَن يَقُولُوا رَبنَا أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام وَلَك حق الْجلَال والإجلال فَيَقُول لَهُم الرب ﷻ عبَادي عَلَيْكُم السَّلَام مني وَعَلَيْكُم رَحْمَتي ومحبتي مرْحَبًا وَأهلا بعبادي الَّذين أطاعوني بِالْغَيْبِ وَالَّذِي حفظوا وصيتي ورعوا عهدي وَكَانُوا مني على كل حَال مشفقين فَيَقُولُونَ وَعزَّتك وجلالك وعظمتك وعلو مَكَانك مَا قدرناك حق قدرك وَلَا أدينا إِلَيْك كل حَقك فَأذن لنا بِالسُّجُود لَك فَيَقُول لَهُم رَبهم إِنِّي قد رفعت عَنْكُم مُؤنَة الْعِبَادَة فَهَذَا حِين أرحت لكم أبدانكم وَهَذَا حِين أفضيتم إِلَى روحي ورحمتي وجنتي وكرامتي ومبلغ الْوَعْد وعدتكم فاسألوني مَا شِئْتُم وتمنوا

стр. 120

على أُعْطِيكُم أمانيكم فَإِنِّي لن أجزيكم الْيَوْم بِقدر أَعمالكُم وَلَكِن أجزيكم بِقدر رَحْمَتي وكرامتي ورأفتي وعزي وَجَلَالِي وعلو مَكَاني وعظمة شأني فاسألوني مَا شِئْتُم فَمَا يزالون فِي الْأَمَانِي حَتَّى ان المقصر فِي أمْنِيته يَقُول رَبنَا تنافس أهل الدُّنْيَا فِي دنياهم وفخر بَعضهم إِلَى بعض فَاجْعَلْ حظي من الْجنَّة كل شَيْء كَانَ فِيهِ أهل الدُّنْيَا من يَوْم خلقتها إِلَى يَوْم أفنيتها فَإنَّا رفضناها وزهدنا فِيهَا وصغرت فِي أَعيننَا تشاغلا بِأَمْرك وإعظاما لَك وإجلالا وإعزازا ٢١٦ - إكرام الله تَعَالَى فَيَقُول لَهُم رَبهم لقد قصرتم فِي أمنيتكم ورضيتم بِدُونِ حظكم وبأقل من حقكم فقد أوجبت لكم مَا سَأَلْتُم وتمنيتم حَتَّى تعرفه أَنفسكُم وألحقت بكم مَا قصرت عَنهُ أمانيكم فانظروا إِلَى مَا أَعدَدْت لكم إِلَى مَا لَا تبلغه أمانيكم وَلم يخْطر على قُلُوبكُمْ فيؤتون ذَلِك فَيَقُولُونَ رَبنَا أَنْت أَحَق بالأمن وَالرَّحْمَة وَلَو وكلتنا إِلَى أَنْفُسنَا وأمانينا لضبعنا حظنا وَإِذا بقباب فِي الرفيع الْأَعْلَى قد نصبت وغرف من الدّرّ والمرجان قد رفعت أَبْوَابهَا من ذهب ومنابرها من نور وسررها من ياقوت وفرشها من سندس واستبرق يفور من أعراصها وأفواهها مَاء نور شُعَاع الشَّمْس عِنْده كنوز الْكَوْكَب الدُّرِّي فَإِذا هم بقصور شامخة فِي أعلا عليين من الْيَاقُوت يزهر نورها فَلَو أَنَّهَا متخذة إِذا لامتثعت الْأَبْصَار من شدَّة صفائها وَعتق جوهرها فَمَا كَانَ مِنْهَا أَبيض فَمن الْيَاقُوت الْأَبْيَض مفروشا بالحرير الْأَبْيَض وَمَا كَانَ مِنْهَا أَحْمَر فَمن الْيَاقُوت الْأَحْمَر مفروشا بالعبقري الْأَحْمَر وَمَا كَانَ مِنْهَا أَخْضَر فَمن الْيَاقُوت الْأَخْضَر مفروشا بالسندس الْأَخْضَر وَمَا كَانَ مِنْهَا أصفر فَمن الْيَاقُوت الْأَصْفَر مفروشا بالأرجوان الْأَصْفَر مبوبة بِالذَّهَب الْأَحْمَر وَالْفِضَّة الْبَيْضَاء قواعدها من جَوْهَر وأركانها من ذهب وشفوفها قباب من لُؤْلُؤ وبروجها غرف من مرجان ٢١٧ - براذين الْجنَّة فهم كَذَلِك وَإِذا براذين مقربة من الْيَاقُوت الْأَحْمَر مصنوعا فِيهَا الرّوح بجنبها الْولدَان المخلدون وبيد كل وليد حِكْمَة برذون من تِلْكَ البراذين على كل أَرْبَعَة مِنْهَا مرتبَة من مَرَاتِب الْجنَّة كالرحالة أَسْفَلهَا سَرِير من ياقوتة وعَلى كل سَرِير مِنْهَا قبَّة من ذهب مفرغة فِي كل قبَّة مِنْهَا فرَاش من فرش الْجنَّة لَيْسَ فِي الْجنَّة لون حسن إِلَّا

стр. 121

وَهُوَ فِيهَا وَلَا ريحة طيبَة إِلَّا عبق بهما ينفذ ضوء وُجُوههمَا غلظ الْقبَّة حَتَّى يظنّ من ينظر إِلَيْهِمَا أَنَّهُمَا من دون الْقبَّة يتَبَيَّن مخها فِي عظامها كَمَا يتَبَيَّن السلك الْأَبْيَض فِي الياقوتة الصافية ثمَّ يَأْمر الله رجلا مِنْهُم فيتحول فِي مركبه مَعَ صاحبته فتعانقه وتقبله وتمنيه بكرامة الله والقبة إِمَّا لؤلؤة وَإِمَّا زمردة وَإِمَّا ياقوتة وَإِمَّا درة وَإِذا فِي قبَّة من تِلْكَ الْقُصُور مَنَابِر من نور عَلَيْهَا مَلَائِكَة قعُود ينتظرونهم ليهنئوهم ويحيوهم فيتحول كل رجل مِنْهُم على مركبة تزف تِلْكَ البراذين وبجنبها الْولدَان المخلدون تشيعهم الْمَلَائِكَة المقربون يقطعون بهم رياض الْجنَّة فَلَمَّا رفعوا إِلَى قصورهم نهضت الْمَلَائِكَة فِي أعراضهم فاستنزلوهم وصافحوهم وشبكوا أَيْديهم ثمَّ أجلسوهم بَينهم ثمَّ أَقبلُوا على الضحك والمداعبة حَتَّى علت أَصْوَاتهم ٢١٨ - مصافحة الْمَلَائِكَة تَقول الْمَلَائِكَة أما وَعزة وربنا وجلاله مَا ضحكنا مُنْذُ خلقنَا إِلَّا مَعكُمْ وَلَا هزلنا إِلَّا مَعكُمْ فهنيئا لكم هَنِيئًا بكرامة ربكُم فَلَمَّا ودعوهم وَانْصَرفُوا عَنْهُم دخلُوا قصورهم فَلَيْسَ أحد مِنْهُم إِلَّا وَقد وجد الله قد جمع لَهُ فِي قصره أمْنِيته الَّتِي تمنى وَإِذا على كل قصر مِنْهَا بَاب يُفْضِي إِلَى وَاد أفيح من أَوديَة الْجنَّة محفوفة تِلْكَ الأودية بجبال من الكافور الْأَبْيَض وَكَذَلِكَ جبال الْجنَّة وَهِي معادن الْجَوْهَر والياقوت وَالْفِضَّة فارغة أفواهها فِي بطُون تِلْكَ الأودية فِي بطن كل وَاحِد مِنْهَا أَربع جنَّات جنتان ذواتا أفنان فيهمَا عينان تجريان فيهمَا من كل فَاكِهَة زوجان وجنتان مداهامتان فيهمَا عينان نضاختان وَفِيهِمَا فَاكِهَة ونخل ورمان وحور مقصورات فِي الْخيام لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان كأنهن الْيَاقُوت والمرجان فَلَمَّا تبؤوا الْمنَازل وَاسْتقر قرارهم زارهم رَبهم ﵎ فِي مَلَائكَته فَيَقُول لَهُم ﴿فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا﴾ الْأَعْرَاف ٤٤ قَالُوا نعم قَالَ كَيفَ وجدْتُم ثَوَاب ربكُم قَالُوا رَضِينَا فارض عَنَّا فَيَقُول لَهُم الْجَلِيل ﷻ برضائي عَنْكُم نظرتم إِلَى وَجْهي وسمعتم كَلَامي وحللتم دَاري وصافحتم ملائكتي فهنيئا هَنِيئًا عطائي لكم لَيْسَ فِيهِ نكد وَلَا تكدير فَقَالُوا ﴿الَّذِي أحلنا دَار المقامة من فَضله لَا يمسنا فِيهَا نصب وَلَا يمسنا فِيهَا لغوب﴾ فاطر ٣٥ ٢١٩ - عدد الجنات وأسماؤها رُوِيَ عَن وهب بن مُنَبّه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما خلق الله تبَارك وَتَعَالَى

стр. 122

الجنات يَوْم خلقهَا وَفضل بَعْضهَا على بعض فَهِيَ سبع جنَّات دَار الْخلد وَدَار السَّلَام وجنة عدن وَهِي قَصَبَة الْجنَّة وَهِي مشرفة على الْجنان كلهَا وَهِي دَار الرَّحْمَن ﵎ لَيْسَ كمثله شَيْء وَلَا يشبه شَيْء ولباب جنَّات عدن مصراعان من زمرد وَزَبَرْجَد من نور كَمَا بَين الْمشرق الْمغرب وجنة المأوى وجنة الْخلد وجنة الفردوس وجنة النَّعيم سبع جنَّات خلقهَا الله من النُّور كلهَا مدائنها وقصورها وبيوتها وشرفها وأبوابها ودرجها وأعلاها وأسافلها وآنيتها وحليها وَجَمِيع أَصْنَاف مَا فِيهَا من الثِّمَار المتدلية والأنهار المطرزة بألوان الْأَشْرِبَة والخيام المشرفة وَالْأَشْجَار الناضرة بألوان الْفَاكِهَة والرياحين العبقة والأزهار الزاهرة والمنازل البهية المعجبة ٢٢٠ - الْحور الْعين فِيهَا الْأزْوَاج المطهرة وَالْعين الغنجات بريط النُّور مُعْتَجِرَات بوشح الْكَرَامَة متزينات بالمسك متزملات حدق أعينهن كاحلات وأطرافهن خاشعات وفروقهن مكللة بالدر مركبة بالياقوت ينادين بِأَصْوَات غنجة رخيمة لذيذة يقلن نَحن خالدات فَلَا نموت أبدا وَنحن الغانجات فَلَا نبأس أبدا وَنحن المقيمات فَلَا نظعن أبدا وَنحن الراضيات فَلَا نسخط أبدا وَنحن الْحور الحسان أَزوَاج أَقوام كرام وَنحن الْأَبْكَار السوام للعباد الْمُؤمنِينَ طُوبَى لمن كَانَ لنا وَكُنَّا لَهُ فَذَلِك قَوْله ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاء فجعلناهن أَبْكَارًا عربا﴾ الْوَاقِعَة ٣٥، ٣٧ عاشقات لِأَزْوَاجِهِنَّ ﴿أَتْرَابًا﴾ مستويات فِي الْأَسْنَان ﴿وحور عين﴾ الْوَاقِعَة ٢٢ حسان جمال ﴿كأمثال اللُّؤْلُؤ الْمكنون﴾ الْوَاقِعَة ٢٣ كأنهن الْيَاقُوت والمرجان مشيها هرولة ونغمتها شهية بهية فائقة وامقة لزَوجهَا عاشقة وَعَلِيهِ محبوسة وَعَن غَيره محجوبة فَذَلِك قَوْله ﴿فِيهِنَّ قاصرات الطّرف﴾ الرَّحْمَن ٥٦ يَقُول قصرت أطرافهن عَن الرِّجَال فَلَا ينظرن إِلَى غير أَزوَاجهنَّ ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان﴾ الرَّحْمَن ٥٦ وَكلما أَصَابَهَا زَوجهَا وجدهَا عذراء عَلَيْهَا سَبْعُونَ حلَّة مُخْتَلفَة الوشي والألوان حملهَا أَهْون عَلَيْهَا وأخف من شعرهَا ٢٢١ - صفة الْحور فِي نحرها مَكْتُوب أَنْت حبي وَأَنا حبك لست أبغي بك بَدَلا وَلَا عَنْك

стр. 123

معدلا كَبِدهَا مرآته وكبده مرآتها يرى مخ سَاقهَا من وَرَاء لَحمهَا وحليها كَمَا ترى الشَّرَاب الْأَحْمَر فِي الزجاجة الْبَيْضَاء وكما يرى السلك الْأَبْيَض فِي جَوف الياقوتة الصافية ٢٢٢ - دَار السَّلَام وَخلق دَار السَّلَام من الْيَاقُوت كلهَا أزواجها وخدمها وآنيتها وأسرتها وحجالها وقصورها وخيامها ومدائنها ودرجها وغرفها وأبوابها وثمارها من اللُّؤْلُؤ والياقوت ٢٢٣ - جنَّة عدن وَخلق جنَّة عدن من الزبرجد كلهَا على هَذِه الصّفة وَخلق جنَّة المأوى من الذَّهَب الْأَحْمَر بِجَمِيعِ مَا فِيهَا على هَذِه الصّفة ٢٢٤ - جنَّة الْخلد وَخلق جنَّة الْخلد من الْفضة الْبَيْضَاء بِجَمِيعِ مَا فِيهَا على هَذِه الصّفة والجنات كلهَا مائَة دَرَجَة مَا بَين الدرجتين خَمْسمِائَة عَام حيطانها لبنة من ذهب ولبنة من فضَّة ولبنة من ياقوت ولبنة من زبرجد ملاطها الْمسك وقصورها الْيَاقُوت وغرفها اللُّؤْلُؤ ومصارعها الذَّهَب وأرضها الْفضة وحصباؤها المرجان وترابها الْمسك أعدهَا الله لأوليائه يَقُول الله ﵎ يَا أوليائي جوزوا الصِّرَاط بعفوي وأدخلوا الْجنَّة برحمتي واقتسموها بأعمالكم فلكم صنعت ثمار الفردوس وَلكم نصبت شَجَرَة الْخلد وَلَكِن بنيت الْقُصُور الَّتِي أسست بالنعيم وشرفت بِالْملكِ وَالْخُلُود ٢٢٥ - دَرَجَات أهل الْجنَّة قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فأسفل أهل الْجنَّة دَرَجَة من لَهُ من الْجنَّة مسيرَة خَمْسمِائَة عَام ويزوج خَمْسمِائَة حوراء وَأَرْبَعَة بكر وَثَمَانِية آلَاف بَيت وَإنَّهُ ليعانق الزَّوْجَة عمر الدُّنْيَا فَلَا يتَأَخَّر وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه وَإنَّهُ لتوضع الْمَائِدَة بَين يَدَيْهِ فَلَا يَنْقَضِي شبعة عمر الدُّنْيَا وَإنَّهُ ليوضع الْإِنَاء على فِيهِ فَلَا يَنْقَضِي ريه عمر الدُّنْيَا وَإنَّهُ ليَأْتِيه ملك بَين إصبعيه مائَة حلَّة تَحِيَّة من ربه ﵎ فيلقيها على بدنه فَيَقُول العَبْد الْحَمد لله وتبارك رَبِّي وَتَعَالَى فَمَا عجبت

стр. 124

كإعجابي بِهَذِهِ الْهَدِيَّة فَيَقُول الْملك أعجبتك فَيَقُول نعم فيبادر الْملك أدنى شَجَرَة من جنَّة الْخلد فَيَقُول أَنا رَسُول رَبك إِلَيْك تَكُونِي لوَلِيّ الله مَا أحب فتتلون لَهُ على مَا يَشْتَهِي ٢٢٦ - طَعَام الْجنَّة ويبلغ غداؤه سبعين ألف صفحة من ألوان لُحُوم الطير كَأَنَّهَا البخت لَا ريش لَهَا وَلَا زغب وَلَا عظم فَلَا تطبخ بالنَّار وَلَا تقليها الْقُدُور ولذتها لَذَّة الزّبد وحلاتها حلاوة الْعَسَل ورائحتها رَائِحَة الْمسك يَأْكُل من كلهَا يجد لآخرها من الطّعْم كَمَا يجد لأولها وَفِي عشائه مثل ذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتفكهون يصير طعامهم وشرابهم رشحا كَرَشْحِ الْمسك يخرج من أَجْسَادهم وَيبْعَث الله ﵎ إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة بهدية من لدن الْعَرْش) ٢٢٧ - دلال الْحور رُوِيَ عَن الْحسن ﵁ أَنه قَالَ بَيْنَمَا ولي الله فِي الْجنَّة مَعَ زَوجته من الْحور الْعين على سَرِير من ياقوت أَحْمَر وَعَلِيهِ قبَّة من نور إِذْ قَالَ لَهَا قد اشْتقت إِلَى مشيتك قَالَ فتنزل من سَرِير ياقوت أَحْمَر إِلَى رَوْضَة مرجان أَخْضَر وينشئ الله لَهَا فِي تِلْكَ الرَّوْضَة طَرِيقين من نور أَحدهمَا نبت الزَّعْفَرَان وَالْآخر نبت الكافور فتمشي فِي نبت الزَّعْفَرَان وَترجع فِي نبت الكافور وتمشي بسبعين ألف لون من الغنج وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (يسطع نور فِي الْجنَّة فيرفعون رؤوسهم فَإِذا هُوَ نور حوراء ضحِكت فِي وَجه زَوجهَا) وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن أهل الْجنَّة يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَلَا يتمخطون وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلكنه رشح كَرَشْحِ الْمسك قد

стр. 125

ألهموا التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس وَالتَّكْبِير والتحميد) ٢٢٨ - لِبَاس أهل الْجنَّة وَرُوِيَ عَن بعض الْعلمَاء أَنه قَالَ بَلغنِي أَن ولي الله فِي الْجنَّة يلبس حلَّة ذَات وَجْهَيْن يتجاوبان بِصَوْت مليح تَقول الَّتِي تلِي جسده أَنا أكْرم على ولي الله مِنْك أَنا أمس بدنه وَأَنت لَا تمسين بدنه فَتَقول الَّتِي تلِي وَجهه بل أَنا أكْرم على ولي الله مِنْك أَنا أرى وَجهه وَأَنت لَا تَرين وَجهه وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (يبْعَث أهل الْجنَّة على صُورَة آدم ﵇ فِي مِيلَاد ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة جردا مردا مُكَحَّلِينَ ثمَّ يذهب بهم إِلَى شَجَرَة فِي الْجنَّة فيلبسون مِنْهَا ثيابًا لَا تبلى ثِيَابهمْ وَلَا يفنى شبابهم) ٢٢٩ - أول من يدْخل الْجنَّة وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن أول زمرة تدخل الْجنَّة على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَالَّذين على آثَارهم كأشد كَوْكَب دري فِي السَّمَاء إضاءة قُلُوبهم على قلب وَاحِد لَا اخْتِلَاف بَينهم وَلَا تباغض يسبحون الله بكرَة وعشيا لَا يسقمون فِيهَا وَلَا يموتون وَلَا ينزفون آنيتهم من الذَّهَب وَالْفِضَّة وأمشاطهم الذَّهَب ووقود مجامرهم الألوة ورشحهم الْمسك) ٢٣٠ - مسَاكِن الْجنَّة وَقَالَ الْحسن ﵀ فِي قَوْله ﴿ومساكن طيبَة فِي جنَّات عدن﴾ التَّوْبَة ٧٢ قيل سَأَلَهُ ابْن أَخِيه فِي ذَلِك فَقَالَ يَا ابْن أخي على الْخَبِير وَقعت سَأَلت عَنْهَا أَبَا هُرَيْرَة وَعمْرَان بن حُصَيْن فَقَالَا على الْخَبِير وَقعت سَأَلنَا عَنْهَا رَسُول الله ﷺ كَمَا سألتنا فَقَالَ هِيَ قصر فِي الْجنَّة من لؤلؤة بَيْضَاء فِيهَا سَبْعُونَ

стр. 126

دَارا من ياقوتة حَمْرَاء فِي كل دَار سَبْعُونَ بَيْتا من زمردة خضراء فِي كل بَيت سَبْعُونَ سريرا على كل سَرِير فرَاش لون على لون على كل سَرِير امْرَأَة من الْحور الْعين فِي كل بَيت مائدة على كل مائدة سَبْعُونَ قَصْعَة وعَلى كل مائدة سَبْعُونَ وصيفا ووصيفة يُعْطي الله الْمُؤمن فِي غَدَاة وَاحِدَة مَا يَأْكُل ذَلِك الطَّعَام وَيَطوف على تِلْكَ الْأزْوَاج ٢٣١ - طيور الْجنَّة وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِنَّه لينْظر إِلَى الطير فِي الْجنَّة فيخر بَين يَدَيْهِ مشويا وَالطير أَمْثَال الْإِبِل فَيَقُول الطير مِنْهَا يَا ولي الله أما أَنا فقد رعيت فِي وَادي كَذَا وَكَذَا وأكلت من ثمار كَذَا وَكَذَا وشربت من مَاء عين كَذَا وَكَذَا وسني كَذَا وريحي كَذَا فَكل مني فَإِذا اشْتهى حسن الطير واشتهى صفته فَوَقع فِي نَفسه وَقع الطَّائِر على مَا يُرِيد قبل أَن يتَكَلَّم نصفه قديدا وَنصفه شواء كلما شبع ألْقى الله عَلَيْهِ ألف بَاب من الشَّهْوَة فِي الْأكل ثمَّ يُؤْتى بِالشرابِ على برد الكافور وَلَيْسَ بِهَذَا الكافور وَطعم الزنجبيل وَلَيْسَ بِهَذَا الزنجبيل وعَلى ريح الْمسك وَلَيْسَ بِهَذَا الْمسك فَإِذا شرب هضم مَا أكل من الطَّعَام وَيَأْكُل مِقْدَار أَرْبَعِينَ عَاما وَيُعْطِي قُوَّة مائَة شَاب فِي الْجِمَاع ويجامع مِقْدَار أَرْبَعِينَ سنة لَهُ فِي كل يَوْم مائَة عذراء بِذكر لَا يمل وَلَا ينثني وَفرج لَا يحثى وَلَا يمنى ٢٣٢ - أَنهَار الْجنَّة قَالَ وهب بن مُنَبّه ﵁ إِن فِي رياض الْجنَّة نهر من أنهارها فَهُوَ أصل أَنهَار الْجنَّة كلهَا أظهره الله حَيْثُ مَا أَرَادَ وَأَن النّيل نهر الْعَسَل ودجلة نهر اللَّبن فِي الْجنَّة والفرات نهر الْخمر فِي الْجنَّة وسيحان نهر المَاء فِي الْجنَّة وجيجان كَذَلِك وهما بِأَرْض الْهِنْد وهما نَهرا المَاء فِي الْجنَّة وَصفهم الله فِي الدُّنْيَا حَتَّى يصيرهم إِلَى الْجنَّة وَذكر وهب عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (مَكْتُوب على بَاب الْجنَّة إِنِّي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا لَا أعذب من قَالَهَا إِنِّي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا مُحَمَّد رَسُول الله لَا أعذب من قَالَهَا)

стр. 127

وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (لشبر فِي الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) قَالَ الله ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ السَّجْدَة ١٧ ٢٣٣ - سرر الْجنَّة قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ وَذَلِكَ أَن ولي الله فِي الْجنَّة على سَرِير والسرير ارتفاعه خَمْسمِائَة عَام وَهُوَ قَول الله ﴿وفرش مَرْفُوعَة﴾ الْوَاقِعَة ٣٤ قَالَ والسرير من ياقوت أَحْمَر وَله جَنَاحَانِ من زمرد أَخْضَر وعَلى السرير سَبْعُونَ فراشا حشوها النُّور وظواهرها السندس وبطائنها من استبرق وَلَو دلى أَعْلَاهَا فراشا مَا وصل إِلَى آخرهَا مِقْدَار أَرْبَعِينَ عَاما ٢٣٤ - أرائك الْجنَّة وعَلى السرير أريكة وَهِي الحجلة وَهِي من لؤلؤة عَلَيْهَا سَبْعُونَ سترا من نور وَذَلِكَ قَوْله ﴿هم وأزواجهم فِي ظلال على الأرائك متكئون﴾ يس ٥٦ يَعْنِي ظلال الْأَشْجَار على الأرائك يَعْنِي الأسرة فِي الحجال فَبَيْنَمَا هُوَ معانقها لَا تمل مِنْهُ وَلَا يمل مِنْهَا والمعانقة أَرْبَعِينَ عَاما فَإِذا رفع رَأسه فَإِذا هُوَ بِأُخْرَى متطلعة عَلَيْهِ تناديه يَا ولي الله أما لنا فِيك من دولة فَيَقُول حبيبتي من أَنْت فَتَقول أَنا من اللواتي قَالَ فِيهِنَّ الله ﴿ولدينا مزِيد﴾ ق ٣٥ قَالَ فيطير سَرِيره أَو قَالَ كرْسِي من ذهب لَهُ جَنَاحَانِ فَإِذا رَآهَا فَهِيَ تضعف على الأولى بِمِائَة ألف جُزْء من النُّور فيعانقها مِقْدَار أَرْبَعِينَ عَاما لَا تمل مِنْهُ وَلَا يمل مِنْهَا فَإِذا رفع رَأسه رأى نورا ساطعا فِي دَاره فيعجب فَيَقُول سُبْحَانَ الله أملك كريم زارنا أم رَبنَا أشرف علينا فَيَقُول الْملك وَهُوَ على كرْسِي من نور بَينه وَبَين الْملك سَبْعُونَ عَاما وَالْملك فِي حَجَبته فِي الْمَلَائِكَة لم يزرك ملك وَلم يشرف عَلَيْك رَبك فَيَقُول مَا هَذَا النُّور ٢٣٥ - زَوْجَة الدُّنْيَا فَيَقُول الْملك لزوجتك الدُّنْيَوِيَّة وَهِي مَعَك فِي الْجنَّة إِنَّهَا طلعت عَلَيْك ورأتك معانقا لهَذِهِ فتبسمت فَهَذَا النُّور الساطع الَّذِي ترَاهُ فِي دَارك هُوَ نور ثناياها فيرفع رَأسه إِلَيْهَا فَتَقول يَا ولي الله أما لنا فِيك من دولة فَيَقُول حبيبتي من أَنْت

стр. 128

فَتَقول لَهُ يَا ولي الله أما أَنا فَمن اللواتي قَالَ الله فِيهِنَّ ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾ السَّجْدَة ١٧ الْآيَة فيطير سَرِيره إِلَيْهَا فَإِذا لقيها فَهِيَ تضعف عَن هَذِه الْأُخْرَى بِمِائَة ألف جُزْء من النُّور لِأَن هَذِه صَامت وصلت وعبدت الله فَهِيَ إِذا دخلت الْجنَّة أفضل من نسَاء الْجنَّة لِأَن أُولَئِكَ أنبتن نباتا فيعانق هَذِه مقادر أَرْبَعِينَ عَاما لَا تمل مِنْهُ وَلَا يمل مِنْهَا ثمَّ إِنَّهَا تقوم بَين يَدَيْهِ وخلالها من يَوَاقِيت فَإِذا وطِئت يسمع من خلالها صفير كل طير فِي الْجنَّة فَإِذا مس كفها كَانَ أَلين من المخ ويشم من كفها رَائِحَة كل طيب فِي الْجنَّة وَعَلَيْهَا سَبْعُونَ حلَّة من نور لَو نشر الرِّدَاء مِنْهَا لأضاء مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب خلقت من نور وَالْحلَل عَلَيْهَا أسورة من ذهب وأسورة من فضَّة وأسورة من لُؤْلُؤ وَتلك الْحلَل أرق من نسج العنكبوت وَهُوَ أخف عَلَيْهَا من النقش وانه يرى مخ سَاقهَا من صفائها ورقتها من وَرَاء الْعظم وَاللَّحم وَالْجَلد وَالْحلَل مَكْتُوب على ذراعها الْيَمين بِالنورِ ﴿الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده﴾ الزمر ٧٤ وعَلى الذِّرَاع الآخر مَكْتُوب بِالنورِ ﴿الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن﴾ فاطر ٣٤ ٢٣٦ - تبادل الْحبّ ومكتوب على كَبِدهَا بِالنورِ حَبِيبِي أَنا لَك لَا أُرِيد بك بَدَلا وكبدها مرآته وَهِي على صفاء الْيَاقُوت وَحسن المرجان وَبَيَاض الْبيض الْمكنون ﴿عربا أَتْرَابًا﴾ الْوَاقِعَة ٣٧ الْعَرَب العاشقات لِأَزْوَاجِهِنَّ والأتراب بَنَات خمس وَعشْرين سنة مفلجة لَو ضحِكت لأضاء نور ثناياها وَلَو سمع الْخَلَائق منطقها لافتتن كل بر وَفَاجِر فَهِيَ قَائِمَة بَين يَدَيْهِ فساقها يضعف على قدميها بِمِائَة ألف جُزْء من النُّور وفخدها يضعف على سَاقهَا بِمِائَة ألف جُزْء من النُّور وعجزها يضعف على فخدها بِمِائَة ألف جُزْء من النُّور وبطنها يضعف على عجزها بِمِائَة ألف جُزْء من النُّور وصدرها يضعف على بَطنهَا بِمِائَة ألف جُزْء من النُّور ووجهها يضعف على نحرها بِمِائَة ألف جُزْء من النُّور وَلَو تفلت فِي بحار الدُّنْيَا لعذبت كلهَا وَلَو أطلعت من سقف بَيتهَا إِلَى الدُّنْيَا لأخفى نورها نور الشَّمْس وَالْقَمَر عَلَيْهَا تَاج من ياقوت أَحْمَر مكلل بالدر والمرجان على يَمِينهَا مائَة ألف قرن من قُرُون شعرهَا ٢٣٧ - ضفائر الْجمال وَتلك الْقُرُون قرن من نور وَقرن من ياقوت وَقرن من لُؤْلُؤ وَقرن من زبرجد

стр. 129

وَقرن من مرجان وَقرن من در مكلل بالزمرد الْأَخْضَر والأحمر مفضص بألوان الْجَوْهَر موشح بألوان الرياحين لَيْسَ فِي الْجنَّة طيب إِلَّا وَهُوَ تَحت شعرهَا الْوَاحِدَة تضيء مسيرَة أَرْبَعِينَ عَاما وعَلى يسارها مثل ذَلِك وعَلى مؤخرها مائَة ألف ذؤابة من ذوائب شعرهَا فَتلك الْقُرُون والذوائب إِلَى نحرها ثمَّ تتدلى إِلَى عجزها ثمَّ تتدلى إِلَى قدميها حَتَّى تجره بالمسك وَعَن يَمِينهَا مائَة ألف وصيفة كل قرن بيد وصيفة وَعَن يسارها مثل ذَلِك وَمن وَرَائِهَا مائَة ألف وصيفة كل وصيفة آخذة بذؤابة من ذوائب شعرهَا ٢٣٨ - الوصائف وَمن بَين يَديهَا مائَة ألف وصيفة مَعَهُنَّ مجامر من در فِيهَا بخور من غير نَار وَيذْهب رِيحه فِي الْجنَّة مسيرَة مائَة عَام حولهَا ولدان مخلدون شباب لَا يموتون كأنهن اللُّؤْلُؤ المنثور كَثْرَة فِيهِ قَائِمَة بَين يَدي ولي الله ترى إعجابه وسروره بهَا وَهِي مسرورة عاشقة لَهُ فَتَقول لَهُ يَا ولي الله لتزدادن غِبْطَة وسرورا فتمشي بَين يَدَيْهِ بِمِائَة ألف لون من الْمَشْي فِي كل مشْيَة تجلى فِي سبعين حلَّة من النُّور وان الماشطة مَعهَا فَإِذا مشت تتمايل وتنعطف وتتكاسر وتدور وتبتهج بذلك وتبتسم فَإِذا مَالَتْ مَالَتْ الْقُرُون من الشّعْر مَعهَا ومالت الذوائب مَعهَا ومالت الوصفان مَعهَا فَإِذا دارت درن مَعهَا فَإِذا أَقبلت أقبلن مَعهَا خلقهَا الرَّحْمَن ﵎ خلقَة إِذا أَقبلت فَهِيَ مُقَابِله وَإِذا ولت فَهِيَ مقبلة الْوَجْه لَا تفارق وَجهه وَلَا تغيب عَنهُ وَيرى كل شَيْء مِنْهَا إِذا جَلَست بعد مائَة ألف لون من الْمَشْي خرجت عجزتها من السرير وتدلي قُرُونهَا وذوائبها فيضطرب ولي الله لَوْلَا أَن الله سُبْحَانَهُ قضى أَن لَا موت فِيهَا لمات طَربا فلولا أَن الله ﵎ قدرهَا لَهُ مَا اسْتَطَاعَ أَن ينظر إِلَيْهَا مَخَافَة أَن يذهب بَصَره فَتَقول لَهُ يَا ولي الله تمتّع فَلَا موت فِيهَا وأنشدوا (بحسبك يَا عمار من دَار بلغَة ... جنان بهَا الْخيرَات يزلفن فِي الْحلَل) (ويمشين هونا فِي الْجنان أمامهم ... خيام من الدّرّ المجوف فِي الكلل) (إِذا برزت حوراء حف بهَا البها ... وأشرقت الفرودس وَالْقَوْم فِي شغل) (يعانقن أَزْوَاجًا لكل مطهر ... على فرش الديباج والعيش قد كمل)

стр. 130

(وَطَاف بهَا الْولدَان من كل جَانب ... وَنُودِيَ ولي الله يَجْزِي بِمَا فعل) وَقَالَ غَيره (يَا خَاطب الْحَوْرَاء فِي خدرها ... وطالبا ذَاك على قدرهَا) (انهض بعزم لَا تكن دانيا ... وجاهد النَّفس على صبرها) (وجانب النَّاس وارفضهم ... وحالف الْوحدَة فِي ذكرهَا) (وقم إِذا اللَّيْل بدا وَجهه ... وصم نَهَارا فَهُوَ من مهرهَا) (فَلَو رَأَتْ عَيْنَاك إقبالها ... وَقد بَدَت رمانتا صدرها) (وَهِي تماشي بَين أترابها ... وعقدها يشرق فِي نحرها) (لهان فِي نَفسك هَذَا الَّذِي ... ترَاهُ فِي دنياك من زهرها) ٢٣٩ - ضِيَافَة الله روى أنس بن مَالك ﵁ أَن الله ﵎ إِذا سكن أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأهل النَّار النَّار هَبَط رَبنَا الْجَلِيل ﷻ بِلَا تكييف وَلَا تَمْثِيل يتعالى رَبنَا عَن ذَلِك إِلَى مرج أفيح فَمد بَينه وَبَين خلقه حِجَابا من لُؤْلُؤ وحجابا من نور ثمَّ وضعت مَنَابِر النُّور وسرر النُّور وكراسي النُّور ثمَّ أذن لرجل كريم على الله بَين يَدَيْهِ أَمْثَال الْجبَال من النُّور يسمع دوِي تَسْبِيح الْمَلَائِكَة مَعَه وصفق أجنحتهم فَمد أهل الْجنَّة أَعْنَاقهم فَقيل من هَذَا الَّذِي قد أذن لَهُ الله فَقيل هَذَا المجبول بِيَدِهِ والمعلم والأسماء وَالَّذِي أمرت الْمَلَائِكَة فسجدت لَهُ وَالَّذِي أبيحت لَهُ الْجنَّة آدم ﷺ أذن لَهُ على الله قَالَ ثمَّ أذن لرجل آخر على الله بَين يَدَيْهِ أَمْثَال الْجبَال من النُّور يسمع تَسْبِيح الْمَلَائِكَة مَعَه وصفق أجنحتهم فَمد أهل الْجنَّة أَعْنَاقهم فَقيل من هَذَا الَّذِي أذن الله فَقيل هَذَا الَّذِي اتَّخذهُ الله خَلِيلًا وَجعل النَّار عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا إِبْرَاهِيم ﵊ قد أذن لَهُ على الله قَالَ ثمَّ أذن لرجل آخر على الله بَين يَدَيْهِ أَمْثَال الْجبَال من النُّور يسمع تَسْبِيح الْمَلَائِكَة مَعَه وصفق أجنحتهم فَمد أهل الْجنَّة أَعْنَاقهم فَقيل من هَذَا قد أذن لَهُ على الله فَقيل هَذَا الَّذِي اصطفاه الله برسالته وقربه نجيا وَكلمَة تكليما مُوسَى ﵊ قد أذن لَهُ على الله ثمَّ أذن لرجل آخر مَعَه مثل جَمِيع مراكب النَّبِيين قبله بَين يَدَيْهِ أَمْثَال الْجبَال من النُّور وَيسمع دوِي تَسْبِيح الْمَلَائِكَة وصفق أجنحتهم فَقيل من هَذَا الَّذِي قد أذن لَهُ

стр. 131

على الله فَقيل هَذَا أول شَافِع وَأول مُشَفع وَسيد ولد آدم وَأول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض وَصَاحب لِوَاء الْحَمد أَحْمد ﷺ قد أذن لَهُ على الله قَالَ فيجلس النَّبِيُّونَ على مَنَابِر النُّور وَالصِّدِّيقُونَ على سرر النُّور وَالشُّهَدَاء على كراسي النُّور وَجلسَ سَائِر النَّاس على كُثْبَان من الْمسك الْأَبْيَض الأذفر ٢٤٠ - وَفد الله ثمَّ ناداهم الرب ﷻ من وَرَاء الْحجب مرْحَبًا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي يَا ملائكتي انهضوا إِلَى عبَادي فَأَطْعِمُوهُمْ قَالَ فتقرب الْمَلَائِكَة إِلَيْهِم لحم طير كَأَنَّهَا البخت لَا ريش مَعهَا وَلَا عظم فَأَكَلُوا ثمَّ ناداهم الرب ﷻ من وَرَاء الْحجب مرْحَبًا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلُوا أسقوهم يَا ملائكتي قَالَ فَنَهَضَ إِلَيْهِم غلْمَان كَأَنَّهُمْ اللُّؤْلُؤ المنثور بأباريق الذَّهَب بأشربة مُخْتَلفَة تَجِد لَذَّة آخرهَا كلذة أَولهَا ﴿لَا يصدعون عَنْهَا وَلَا ينزفون﴾ الْوَاقِعَة ١٩ قَالَ ثمَّ ناداهم الرب ﵎ من وَرَاء الْحجب مرْحَبًا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلُوا وَشَرِبُوا فكهوهم فقربت إِلَيْهِم أطباق مكللة بالياقوت من الرطب الجنى الَّذِي أسماه الله أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأطيب من عذوبة الشهد فطعموا وَشَرِبُوا وفكهوا ثمَّ ناداهم الرب ﷻ من وَرَاء الْحجب مرْحَبًا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلُوا وَشَرِبُوا وفكهوا أكسوهم ٢٤١ - كَرَامَة الله لِعِبَادِهِ قَالَ ففتحت لَهُم أَشجَار الْجنَّة بحلل مصقولة بِنور الرَّحْمَن فألبسوا ثمَّ ناداهم الرب من وَرَاء الْحجب مرْحَبًا بعبادي وزواري ووفدي أكلُوا وَشَرِبُوا وفكهوا وكسوا طيبوهم قَالَ فهاجت عَلَيْهِم ريح من تَحت الْعَرْش يُقَال لَهَا المثيرة بأنابيب الْمسك الْأَبْيَض الأذفر فنضحت على وُجُوههم من غير غُبَار وَلَا قتار ثمَّ الرب ﵎ من وَرَاء الْحجب مرْحَبًا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلُوا وَشَرِبُوا وفكهوا وكسوا وطيبوا وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأتجلين لَهُم حَتَّى ينْظرُوا إِلَيّ فَذَلِك مُنْتَهى العطايا وَفضل الْمَزِيد فيتجلى الرب ﵎ فَيَقُول السَّلَام عَلَيْكُم عبَادي انْظُرُوا إِلَيّ فقد رضيت عَنْكُم قَالَ فتداعت قُصُور الْجنَّة وأشجارها واهتزت تَقول سُبْحَانَكَ سُبْحَانَكَ أَربع مَرَّات وخر الْقَوْم سجدا

стр. 132

فناداهم الرب جلّ وَعز عبَادي ارْفَعُوا رؤوسكم فَإِنَّهَا لَيست بدار عمل وَلَا بدار نصب وَإِنَّمَا هِيَ دَار جَزَاء وَدَار ثَوَاب وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خلقتها إِلَّا لأجلكم وَمَا من سَاعَة ذكرتموني فِيهَا فِي دَار الدُّنْيَا إِلَّا ذكرتكم فَوق عَرْشِي ٢٤٢ - سوق الْجنَّة وَرُوِيَ عَن سعيد بن الْمسيب أَنه أَتَى أَبَا هُرَيْرَة ﵁ فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَة أسأَل الله أَن يجمع بيني وَبَيْنك فِي سوق الْجنَّة فَقَالَ لَهُ سعيد أَو فِيهَا سوق قَالَ نعم أخبرنَا رَسُول الله ﷺ أَن أهل الْجنَّة إِذا دخلوها فنزلوا بِفضل أَعْمَالهم فَيُؤذن لَهُم فِي مِقْدَار يَوْم الْجُمُعَة من أَيَّام الدُّنْيَا فيزورون الله ويبرز لَهُم من عرش هـ ﵎ فِي رَوْضَة من رياض الْجنَّة وتوضع لَهُم مَنَابِر من نور ومنابر من لُؤْلُؤ ومنابر من زبرجد ومنابر من ياقوت ومنابر من ذهب ومنابر من فضَّة يكون أَدْنَاهُم وَمَا فِيهَا أدنى على كُثْبَان الْمسك والكافور وَمَا يرَوْنَ أَصْحَاب المنابر أفضل مِنْهُم مَجْلِسا ٢٤٣ - رُؤْيَة الله تَعَالَى قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ فَقلت يَا رَسُول الله هَل نرى رَبنَا قَالَ نعم هَل تضَامون فِي رُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر فَقُلْنَا لَا قَالَ فَكَذَلِك لَا تضَامون فِي رُؤْيَة ربكُم ﵎ وَلَا يبْقى فِي ذَلِك الْمجْلس أحد إِلَّا حاضره الله محاضرة حَتَّى إِنَّه ليقول لرجل يَا فلَان أَتَذكر يَوْم عملت كَذَا وَكَذَا يذكرهُ عذلاته فِي الدُّنْيَا فَيَقُول يَا رب ألم تغْفر لي قَالَ بلَى فبسعة مغفرتي نلْت منزلتك هَذِه قَالَ فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك إِذْ غشيتهم سَحَابَة من فَوْقهم فأمطرت عَلَيْهِم طيبا لم يَجدوا مثل رِيحه شَيْئا قطّ فَيَقُول رَبنَا قدمُوا إِلَيّ مَا أَعدَدْت لكم من الْكَرَامَة قَالَ فنأتي سوقا من أسواق الْجنَّة قد حفت بِهِ الْمَلَائِكَة لم تسمع بِهِ الآذان وَلم تنظر إِلَيْهِ الْعُيُون وَلم يخْطر على الْقُلُوب قَالَ فَيحمل لنا فِيهَا مَا اشتهينا لَيْسَ يُبَاع فِيهَا شَيْء وَلَا يَشْتَرِي وَفِي ذَلِك السُّوق يلقى أهل الْجنَّة بَعضهم

стр. 133

بَعْضًا قَالَ فَيلقى الرجل ذُو الْمنزلَة المرتفعة من هُوَ دونه فيروعه مَا عَلَيْهِ من اللبَاس فَمَا يَنْقَضِي حَدِيثه حَتَّى يتَمَثَّل عَلَيْهِ أحسن مِنْهُ وَذَلِكَ أَنه لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يحزن فِيهَا قَالَ ثمَّ ننصرف إِلَى مَنَازلنَا فيتلقانا أَزوَاجنَا فيقلن مرْحَبًا وَأهلا بحبيبنا لقد جِئْت وَأَن بك من الْجمال وَالطّيب أفضل مِمَّا فارقتنا عَلَيْهِ فَنَقُول إِنَّا جالسنا الْيَوْم رَبنَا الْجَبَّار ﷻ ويحق لما أَن نقلب بِمثل مَا انقلبنا ٢٤٤ - المتحابون فِي الله وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (المتحابون فِي الله فِي الدُّنْيَا هم فِي الْجنَّة على عَمُود من ياقوتة حَمْرَاء فِي رَأس العمود سَبْعُونَ ألف غرفَة يشرفون على أهل الْجنَّة إِذا اطلع أحدهم مَلأ حسنه بيُوت أهل الْجنَّة نورا كَمَا تملأ الشَّمْس بيُوت أهل الدُّنْيَا قَالَ فَيَقُول أهل الْجنَّة أخرجُوا بِنَا نَنْظُر إِلَى المتحابين فِي الله فَيخْرجُونَ فَيَنْظُرُونَ فِي وُجُوههم مثل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر عَلَيْهِم ثِيَاب خضر مَكْتُوب فِي جباههم بِالنورِ هَؤُلَاءِ المتحابون فِي اله وَقَالَ ﵊ (إِن أهل الْجنَّة إِذا زاروا رَبهم وَأَرَادُوا الِانْصِرَاف يُعْطي كل رجل مِنْهُم رمانة خضراء فِيهَا سَبْعُونَ حلَّة لكل حلَّة سَبْعُونَ لونا لَيْسَ مِنْهُم حلَّة تشبه الْأُخْرَى فَإِذا انصرفوا عَن رَبهم مروا فِي أسواق الْجنَّة لَيْسَ فِيهَا بيع وَلَا شِرَاء وفيهَا من الْحلَل والسندس والإستبرق وَالْحَرِير والرفرف والعبقري من در وَيَاقُوت وأكاليل معلقَة فَيَأْخُذُونَ من تِلْكَ الْأَسْوَاق من هَذِه الْأَصْنَاف مَا شاؤوا وَلَا ينقص من تِلْكَ الْأَسْوَاق شَيْئا وفيهَا صور كصور النَّاس من أحسن مَا يكون من الصُّور مَكْتُوب فِي نحر كل صُورَة مِنْهَا من تمنى أَن يكون مثل صُورَتي جعل الله حسنه على صُورَتي فَمن تمنى أَن يكون حسن وَجهه مثل حسن تِلْكَ الصُّورَة جعله الله على تِلْكَ الصُّورَة قَالَ ثمَّ يَنْصَرِفُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ ٢٤٥ - خَوَاتِم الْجنَّة وَقَالَ النَّبِي ﷺ (إِن أهل الْجنَّة يعطيهم الله خَوَاتِم من ذهب يلبسونها وَهِي خَوَاتِم الْخلد ثمَّ يعطيهم خَوَاتِم من در وَيَاقُوت ولؤلؤ وَذَلِكَ إِذا رَأَوْا رَبهم فِي دَاره دَار السَّلَام)

стр. 134

٢٤٦ - نُوق الْجنَّة وَرُوِيَ عَن بعض الْعلمَاء أَنه قَالَ بَينا أهل الْجنَّة يتحدثون فِي ظلّ طُوبَى إِذْ يَأْتِيهم الْمَلَائِكَة بِنُوق مزمومة بسلاسل الذَّهَب كَأَن وجوهها المصابيح من حسنها ذَلِك من غير تهيئة نجب من غير رباية عَلَيْهَا رحائل الذَّهَب وكسوتها سندس واستبرق حَتَّى ترفع إِلَيْهِم ثمَّ يسلمُوا عَلَيْهِم فَيَقُولُونَ إِن ربكُم بعث إِلَيْكُم بِهَذِهِ الرَّوَاحِل لتركبوها فتزوره وتسلمون عَلَيْهِ قَالَ فيتحول كل وَاحِد مِنْهُم على رَاحِلَته ثمَّ يَسِيرُونَ بهَا صفا فِي الْجنَّة الرجل مِنْهُم إِلَى جنب صَاحبه لَا يُجَاوز أذن نَاقَة مِنْهَا أذن صاحبتها وَلَا ركبة نَاقَة مِنْهَا ركبة صاحبتها وَإِنَّهُم ليمرون بِالشَّجَرَةِ من شجر الْجنَّة فتتأخر من مَكَانهَا فَإِذا وقفُوا بَين يَدي الرَّحْمَن ﵎ أَسْفر لَهُم عَن وَجهه الْكَرِيم وتجلى لَهُم فيسلمون عَلَيْهِ ويرحب بهم وَيُقَال إِن سلامهم عَلَيْهِ أَن يَقُولُوا رَبنَا أَنْت السَّلَام وَمن عنْدك السَّلَام وَلَك حق الْجلَال وَالْإِكْرَام فَيَقُول لَهُم الْجَلِيل ﷻ وَعَلَيْكُم سَلام مني وَعَلَيْكُم رَحْمَتي وكرامتي مرْحَبًا وَأهلا بعبادي الَّذين أطاعوني بِالْغَيْبِ وحفظوا وصيتي فَيَقُولُونَ لَا وَعزَّتك مَا قدرناك حَتَّى قدرك وَمَا أدينا إِلَيْك كل حَقك ائْذَنْ لنا أَن نسجد لَك فَيَقُول إِنِّي قد رفعت عَنْكُم مُؤنَة الْعِبَادَة وأفضيتم إِلَيّ كَرَامَتِي ٢٤٧ - أماني أهل الْجنَّة وَبلغ الْوَعْد الَّذِي وعدت لكم فتمنوا فَإِن لكل إِنْسَان مِنْكُم مَا تمنى فيتمنون فيعطي كل وَاحِد مِنْهُم مَا يمني ثمَّ يزيدهم ﵎ من فَضله وَكَرمه مَا لم تبلغ إِلَيْهِ أمانيهم وأنشدوا (يَا رَاغِب الْحور الجمم ... والدل والشكل وَحسن الشيم) (الناعمات الدائمات الرضى ... فِي جنَّة الفردوس مأوى النعم) (أرفض بدار زهرها زائل ... واغتنم الصِّحَّة قبل السقم) (وابدر إِلَى الرُّؤْيَة مستبصرا ... واعتنق التشهيد عِنْد الظُّلم) (واستغفر الله لما قد مضى ... واستشعر الْخَوْف وَطول النَّدَم) (تفز بِمَا تطلب من لَذَّة ... وتأمن الْبلوى وعقبى النقم)

стр. 135

١٠ - مجْلِس فِي قَوْله ﵎ ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ ٢٤٨ - قيل لما نزلت هَذِه الْآيَة قَالَت الْمَلَائِكَة متْنا وَعزة الله فَعِنْدَ ذَلِك أَيقَن كل ذِي عقل وروح أَنه هَالك وأنشدوا (أيضحك من للْمَوْت فِيهِ نصيب ... وينعم عَيْشًا إِن ذَا لعجيب) (وَيَأْكُل وَالْأَيَّام تَأْكُل عمره ... وَلَيْسَ لَهُ جسم لذاك يذوب) (وَمن عرف الرَّحْمَن لم يهن قلبه ... نعيم وَلم يَنْفَكّ عَنهُ نحيب) (بَعدت عَن الْورْد الرضي بزلة ... وَبِي قطعت دون الْوُصُول ذنُوب) قَالَ الله تَعَالَى ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ آل عمرَان ١٨٥ يَمُوت كل صَغِير وكبير يَمُوت كل أَمِير ووزير يَمُوت كل عَزِيز وحقير يَمُوت كل غَنِي وفقير يَمُوت كل نَبِي وَولي يَمُوت كل نجي وتقي يَمُوت كل زاهد وعابد يَمُوت كل مقرّ وجاحد يَمُوت كل صَحِيح وَسَقِيم يَمُوت كل مَرِيض وسليم كل نفس تَمُوت غير ذِي الْعِزَّة والجبروت وأنشدوا (أَلا كل مَوْلُود فللموت يُولد ... وَلست أرى حَيا عَلَيْهَا يخلد) (تجرد من الدُّنْيَا فَإنَّك إِنَّمَا ... خرجت من الدُّنْيَا وَأَنت مُجَرّد) (وَأَنت وَإِن خولت مَالا وَكَثْرَة ... فَإنَّك فِي الدُّنْيَا على ذَاك أوحد) (وَأفضل شَيْء نلْت مِنْهَا فَإِنَّهُ ... مَتَاع قَلِيل يضمحل وينفد) (فكم من عَزِيز أعقب الذل عزه ... فَأصْبح مذموما وَقد كَانَ يحمد) (فَلَا تحمد الدُّنْيَا وَلَكِن فذمها ... وَمَا بَال شَيْء ذمه الله يحمد) ٢٤٩ - ذكر الْمَوْت رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أَكْثرُوا ذكر هازم اللَّذَّات ومفرق الْجَمَاعَات

стр. 136

وتوسدوه إِذا نمتم واجعلوه نصب أعينكُم إِذا قُمْتُم واعمروا بِهِ مجالسكم فَإِنَّهُ مَعْقُود بنواصيكم يَعْنِي بِمَا وكل بِهِ مِنْكُم وَيفْسد نعيمكم وَيخرب مصانعكم ويفنيكم كَمَا أفنى من كَانَ قبلكُمْ فَلَا تنسوه فَإِنَّهُ لَا ينساكم وَلَا تغفلوا عَنهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بغافل عَنْكُم وأنشدوا (يَا جَار أحبابه شهورا ... وجار أمواته دهورا) (لَيْسَ سُرُورًا يعود حزنا ... إِذا تأملته سُرُورًا) وَرُوِيَ عَن عِيسَى ﵇ أَنه قَالَ مَا من مَوْلُود يُولد إِلَّا وَفِي سرته من تُرَاب الأَرْض الَّتِي يَمُوت فِيهَا وأنشدوا (أَمر على الْمَقَابِر كل حِين ... وَلَا أَدْرِي بِأَيّ الأَرْض قَبْرِي) (وأفرح بالغني إِن زَاد مَالِي ... وَلَا ابكي على نُقْصَان عمري) مَا أحسن حَال من ذكر الْمَوْت فَعمل لخلاصه قبل الْفَوْت وأشغل نَفسه بِخِدْمَة مَوْلَاهُ وَقدم من دُنْيَاهُ لأخراه وَرغب فِي دَار لَا يَزُول نعيمها وَلَا يهان كريمها وأنشدوا (الْمَوْت لَا شكّ آتٍ فاستعد لَهُ ... إِن اللبيب بِذكر الْمَوْت مَشْغُول) (فَكيف يلهو بعيش أَو يلذ بِهِ ... من التُّرَاب على عَيْنَيْهِ مجعول) رُوِيَ عَن أبي ذَر ﵁ أَنه قَالَ يَا رَسُول الله أَي الْمُؤمنِينَ أَكيس قَالَ أَكْثَرهم للْمَوْت ذكرا وَأَحْسَنهمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا ٢٥٠ - حِكَايَة عَن الرّبيع وَقيل للربيع ﵀ أَلا تجْلِس مَعنا نتحدث فَقَالَ إِن ذكر الْمَوْت إِذا فَارق قلبِي سَاعَة فسد على قلبِي وأنشدوا (مَا أغفل النَّاس عَن وَعِيد ... قربه اللَّيْل وَالنَّهَار)

стр. 137

(والعار مَا جرت الْمعاصِي ... وَلَيْسَ فِي النائبات عَار) (وَيحك مَا تصنع المنايا ... تَأتي فتخلى لَهَا الديار) (فَلَا قُلُوب لَهَا عُيُون ... وَلَا عُيُون لَهَا اعْتِبَار) عباد الله اسْعوا فِي فكاك رِقَابكُمْ وأجهدوا أَنفسكُم فِي خلاصها قبل أَن تزهق فوَاللَّه مَا بَين أحدكُم وَبَين النَّدَم وَالْعلم بِأَنَّهُ قد زلت بِهِ الْقدَم إِلَّا أَن يحوم عِقَاب الْمنية عَلَيْهِ ويفوق سهامها إِلَيْهِ فَإِذا النَّدَم لَا ينفع وَإِذا الْعذر لَا يصنع وَإِذا النصير لَا يدْفع وَإِذا الشَّفِيع لَا يشفع وَإِذا الَّذِي فَاتَ لَا يسترجع وَإِذا البائس المحابي بِهِ فِي النجَاة لَا يطْمع فَكَأَنِّي بك يَا أخي وَقد صرخَ عَلَيْك النسوان وَبكى عَلَيْك الْأَهْل والإخوان وفقدك الْولدَان وَنفخ لفرقتك الْجِيرَان ونادى عَلَيْك الْمُنَادِي قد مَاتَ فلَان بن فلَان ثمَّ نقلت عَن الأحباب وحملت إِلَى أرماس التُّرَاب وأضجعوك فِي مَحل ضنك قصير السّمك مهول منظره كثير وعره مغشى بالوحشة عَرفته مهول الصَّرِيح مطبق الصفيح على غير مهاد وَلَا وداد وَلَا مُقَدّمَة زَاد وَلَا استعداد وأنشدوا (الْمَرْء يخدعه مناه ... والدهر يسْرع فِي بلاه) (يَا ذَا الشبية لَا تكن ... مِمَّن تعبده هَوَاهُ) (وَاعْلَم بِأَن الْمَرْء مُرْتَهن ... بِمَا كسبت يَدَاهُ) (وَالنَّاس فِي غفلاتهم ... وَالْمَوْت دَائِرَة رحاه) (الْحَمد لله الَّذِي ... يبْقى وَيهْلك مَا سواهُ) ٢٥١ - سَكَرَات الْمَوْت رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه لما احْتضرَ جعل يَقُول (لَا إِلَه إِلَّا الله إِن للْمَوْت

стр. 138

لسكرات وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه كَانَ يَقُول وَعِنْده قدح مَاء عِنْد مَوته وَكَانَ يدْخل يَده فِيهِ وَيمْسَح بِالْمَاءِ على وَجهه وَيَقُول مرّة بعد مرّة اللَّهُمَّ هون عَليّ سَكَرَات الْمَوْت وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (لَو أَن ألم شَعْرَة من شعر الْمَيِّت وضع على أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض لماتوا أَجْمَعِينَ) لِأَن فِي كل شَعْرَة ألم الْمَوْت وَلَا يَقع الْمَوْت وَلَا يحل فِي شَيْء إِلَّا مَاتَ وَرُوِيَ أَنه قَالَ لَو أَن قَطْرَة وضعت على جبال الدُّنْيَا كلهَا لزالت وأنشدوا (تيقظ للَّذي لَا بُد مِنْهُ ... فَإِن الْمَوْت مِيقَات الْعباد) (يَسُرك أَن تكون رَفِيق قوم ... لَهُم زَاد بِغَيْر زَاد) ٢٥٢ - آلام الْمَوْت رُوِيَ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ لكعب يَا كَعْب حَدثنَا عَن الْمَوْت فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هُوَ غُصْن كثير الشوك ادخل فِي جَوف رجل حَتَّى إِذا أخذت كل شَوْكَة بعرق ثمَّ جذبه رجل شَدِيد الجذب فَقطع مَا قطع وَأبقى مَا أبقى وأنشدوا (أَلا أَيهَا الْمَغْرُور وَالْمَوْت نَحوه ... خلقت لَهُ تحدو إِلَيْهِ الركائب) (أغرك حلم الله أم لست موقنا ... بأنك مَبْعُوث غَدا ومحاسب) (بأيسر من مِثْقَال حَبَّة خَرْدَل ... وَإنَّك مَجْزِي بِمَا أَنْت كاسب) رُوِيَ عَن الْحسن ﵀ أَنه قَالَ لما مَاتَ خَلِيل الرَّحْمَن اجْتمعَا إِلَيْهِ أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَقَالُوا إِن الله تَعَالَى اتخذك خَلِيلًا من بَين سَائِر الْأَنْبِيَاء وَالرسل فَإِن كَانَ الْمَوْت خفف عَن وَاحِد فَأَنت هُوَ فَأخْبرنَا كَيفَ وجدت طعم الْمَوْت

стр. 139

٢٥٣ - طعم الْمَوْت فَقَالَ أَواه وجدته وَالله شَدِيدا وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره هُوَ أَشد من الطَّبْخ فِي الْقُدُور وَالْقطع بالمناشير أقبل ملك الْمَوْت نحوي بكلوب من حَدِيد فَأدْخلهُ فِي كل عُضْو مني ثمَّ استل الرّوح من كل عُضْو حَتَّى جعله فِي الْقلب ثمَّ طعن فِي الْقلب طعنة بحربته المسمومة بِسم الْمَوْت فَلَو أَنِّي طبخت فِي الْقُدُور سبعين مرّة لَكَانَ أَهْون عَليّ فَقَالُوا يَا إِبْرَاهِيم لقد هون الله عَلَيْك الْمَوْت فَإِذا كَانَ هَذَا حَال الْأَنْبِيَاء فَمَا يصنع بالمخطئين كفى بِالْمَوْتِ طامة وَإِذا بِجِبْرِيل ﷺ عِنْدهم يسمعهم فَقَالَ لَهُم يَا أَرْوَاح الطيبين مَا بعد الْمَوْت أَشد وأطم وَأعظم من الْمَوْت وأنشدوا (وَمَا النَّاس إِلَّا هَالك وَابْن هَالك ... وَذُو نسب فِي الهالكين عريق) (إِذا امتحن الدُّنْيَا لَبِيب تكشفت ... لَهُ عَن عَدو فِي ثِيَاب صديق) ٢٥٤ - دَاوُد والذرة ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن دَاوُد ﵊ كَانَ فِي محرابه فَإِذا بدودة كالذرة فَقَالَ دَاوُد فِي نَفسه مَا يعبأ الله بِهَذِهِ الدودة فأنطقها سُبْحَانَهُ وَقَالَت وَالله يَا دَاوُد إِنِّي أعبد الله وأخافه وأسأله أَن يهون عَليّ الْمَوْت وأنشدوا (يحب الْفَتى طول الْبَقَاء وَإنَّهُ ... على ثِقَة أَن الْبَقَاء فنَاء) (زِيَادَته فِي الْجِسْم نقص حَيَاته ... وَلَيْسَ على نقص الْحَيَاة نَمَاء) (إِذا مَا طوى يَوْمًا طوى الْيَوْم بعضه ... ويطويه من بعد الصَّباح مسَاء) (جديدان لَا يبْقى الْجَمِيع عَلَيْهِمَا ... وَلَا لَهما بعد الْجَمِيع بَقَاء) ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن الله قَالَ لإِبْرَاهِيم ﷺ لما مَاتَ (يَا خليلي مت قَالَ يَا الهي مت قَالَهَا ورددها عَلَيْهِ ثَلَاثًا قَالَ يَا خليلي كَيفَ وجدت طعم الْمَوْت قَالَ كسفود محمي جعل فِي صوف رطب ثمَّ جذب قَالَ أما أَنْت فقد هونا عَلَيْك الْمَوْت وأنشدوا (أرى الْمَرْء يبكي للَّذي مَاتَ قبله ... وَمَوْت الَّذِي يبكي عَلَيْهِ قريب) (وَمَا الْمَوْت إِلَّا فِي كتاب مُؤَجل ... إِلَى سَاعَة يدعى لَهُ فيجيب)

стр. 140

٢٥٥ - مُوسَى وموعظته وَرُوِيَ أَن مُوسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ لما صَارَت روحه إِلَى الله سُبْحَانَهُ قَالَ يَا مُوسَى كَيفَ وجدت الْمَوْت قَالَ وجدت نَفسِي كالعصفور حِين يقلى على المقلاة لَا يَمُوت فيستريح وَلَا ينجو فيطير وَفِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَ وجدت نَفسِي كشاة حَيَّة تسلخ بيد القصاب وأنشدوا (الْمَوْت لَا والدا يبقي وَلَا ولدا ... هُوَ السَّبِيل إِلَى أَن لَا ترى أحدا) (مَاتَ النَّبِي فَلم يخلد لأمته ... لَو خلد الله حَيا قبله خلدا) (للْمَوْت فِينَا سِهَام غير مخطئة ... من فَاتَهُ الْيَوْم سهم لم يفته غَدا) (مَا ضرّ من عرف الدُّنْيَا وغدرتها ... أَلا ينافس فِيهَا أَهلهَا أبدا) رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لَو علمت الطير والبهائم من الْمَوْت مَا تعلمُونَ مَا أكلْتُم مِنْهَا سمينا) ٢٥٦ - نوح وخوفه وَرُوِيَ عَن وهب بن مُنَبّه أَنه قَالَ قَامَ نوح ﵇ خَمْسمِائَة عَام لَا يقرب النِّسَاء وجلا من الْمَوْت وَهُوَ المطلع وَرُوِيَ أَن عِيسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ قَالَ للحواريين أدعوا الله أَن يُخَفف عني سَكَرَات الْمَوْت وأنشدوا (قد سقاك الْهوى شراب الْأَمَانِي ... فاستطبت الْمقَام تَحت التداني) (وتصاممت عَن نِدَاء الْأَمَانِي ... لاهيا عَن وقائع الْحدثَان) (وَإِذا عارضتك خطرة ذكر ... بادأتك الطباع بِالنِّسْيَانِ) ٢٥٧ - سَكَرَات الْمَوْت وَفِي بعض الْأَخْبَار للْمَوْت ثَلَاثَة آلَاف سكرة كل سكرة مِنْهَا أَشد من ألف ضَرْبَة بِالسَّيْفِ وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن الدُّنْيَا كلهَا بَين يَدي ملك الْمَوْت كالمائدة بَين يَدي الرجل يمد يَده إِلَى مَا شَاءَ مِنْهَا فيتناوله ويأكله بل الدُّنْيَا كُله مشارقها

стр. 141

وَمَغَارِبهَا برهَا وبحرها وكل نَاحيَة مِنْهَا أقرب إِلَى ملك الْمَوْت من الرجل على مائدته وَإِن مَعَه أعوانا الله أعلم بِعدَّتِهِمْ لَيْسَ مِنْهُم ملك إِلَّا لَو أذن الله لَهُ أَن يلتقم السَّمَوَات السَّبع وَالْأَرضين السَّبع فِي لقْمَة وَاحِدَة لفعل وَمَا تقرب ملك الْمَوْت من حَملَة الْعَرْش إِلَّا ازدادوا فَزعًا مِنْهُ حَتَّى يرعدوا وَإِن غصه من غصص الْمَوْت أَشد من ألف ضَرْبَة بِالسَّيْفِ وَفِي كل مَا خلق الله الْبركَة إِلَّا فِي الْأَجَل فَإِنَّهُ مُؤَقّت لوفاء الْعدة وانقضاء الْمدَّة وأنشدوا (للمنايا رحى عَلَيْك تَدور ... كلنا جَاهِل بهَا مغرور) (رحم الله من بَكَى للخطايا ... كل باك فذنبه مغْفُور) يَا ابْن آدم مَا أغفلك وَعَن الصَّوَاب مَا أبعدك كَأَنَّك بِالْمَوْتِ قد فاجأك وَملك الْمَوْت قد وافاك فيئس مِنْك الطَّبِيب وفارقك الحبيب وتفجع لفقدك كل قريب فَوَقَعت فِي الْحَسْرَة وجفتك الْعبْرَة وَبَطل مِنْك اللِّسَان بعد الفصاحة وَالْبَيَان وأدرجت فِي الأكفان وأزعجت عَن الأوطان وَصَارَ الْقَبْر مأواك وَإِلَى يَوْم الْقِيَامَة مثواك وفارقك الْأَهْل والإخوان وَوَقع بهم عَنْك السلو وَالنِّسْيَان فَإِن كَانَ لَك منزل سكنوه أَو كنت ذَا مَال اقتسموه وأنشدوا (يَا عجبا للْأَرْض مَا تشبع ... وكل حَيّ فَوْقهَا يفجع) (ابتلعت عادا فأفنتهم ... وَبعد عَاد أهلكت بتبع) (وَقوم نوح أدخلت بَطنهَا ... فظهرها من جمعهم بلقع) (يَا أَيهَا الراضي بِمَا قد مضى ... هَل لَك فِيمَا قد مضى مطمع) ٢٥٨ - اذكر الْمَوْت يَا هَذَا اذكر مَا وَصفته واحفظ مَا حكيته وَعَلَيْك بِالصَّوْمِ وَالِاجْتِهَاد وَالطَّاعَة لرب الْعباد ومراقبته فِي اللَّيْل وَالنَّهَار والتضرع إِلَيْهِ فِي ظلمات الأسحار يَا هَذَا عمرك أنفاس مَعْدُودَة وَعَلَيْك رَقِيب يحصيها لَا تنس الْمَوْت فَإِنَّهُ لَا ينساك الْمُبَادرَة الْمُبَادرَة إِنَّمَا هِيَ أنفاس لَو حبست عَنْك لانقطع عَنْك عَمَلك آخر الْأَبَد وَخُرُوج نَفسك آخر الأمد وفراق أهلك آخر الْعدَد وأنشدوا (إِذا مَا الْمَوْت جر على أنَاس ... كلا كُله أَنَاخَ بآخرينا) (فَقل للشامتين بِنَا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كَمَا لَقينَا)

стр. 142

فاذكر حالك أَيهَا الغافل يَوْم تقلبك على المغتسل يَد الْغَاسِل قد زَالَ عزك عَنْك وسلب مَالك مِنْك وأخرجت من بَين أحبابك وجهزت لترابك وَأسْلمت إِلَى الدُّود وصرت رهنا بَين اللحود وَبكى عَلَيْك الباكون قَلِيلا ثمَّ نسوك دهرا طَويلا فتغيرت مِنْك المحاسن والمحلى وتحكم فِي أعضائك البلى وَقطعت فِي الأكفان وسعى إِلَيْك الديدان فبلى مِنْك اللِّسَان وسالت الحدق كَأَنَّك لم تكن قطّ مِمَّن رأى وَلَا نطق وأنشدوا (فَلَو أَنا إِذا متْنا تركنَا ... لَكَانَ الْمَوْت رَاحَة كل حَيّ) (وَلَكنَّا إِذا متْنا بعثنَا ... ونسأل بعْدهَا عَن كل شَيْء) ابْن آدم كَأَنَّك بِالْمَوْتِ قد حل بساحتك وَحَال بَيْنك وَبَين مَا تُرِيدُ وَأَنت فِي النزع وَالْكرب الشَّديد لَا وَالِد يدْفع عَنْك وَلَا وليد وَلَا عدَّة تنجيك وَلَا عديد وَلَا عشيرة تحميك وَلَا قصر مشيد أَلَيْسَ ذَلِك نَازل بك على كل حَال أَي وَعزة الْكَبِير المتعال فَإنَّك الْآن حِين ينفعك الْبكاء والاستكانة قبل حُلُول الْحَسْرَة والندامة وأنشدوا (يَا من يَمُوت وَيسْأل ... عَمَّا يَقُول وَيفْعل) (إِن الْمُوكل بالنفوس ... إِذا أَتَى لَا يُمْهل) (وَالنَّار منزل من عصى ... وَالنَّار بئس الْمنزل) ٢٥٩ - موعظة حَسَنَة يَا ابْن آدم بَادر إِلَى حسن الْعَمَل بَينا أَنْت فِي فسحة ومهل وَتب إِلَى مَوْلَاك من قَبِيح الْخَطَايَا والزلل قبل أَن يُقَال فلَان عليل أَو مدنف ثقيل فَهَل إِلَى دوائه سَبِيل أَو على طَبِيب من دَلِيل فَتُدْعَى لَك الْأَطِبَّاء وَيجمع لَك الدَّوَاء فَلَا يزيدك ذَلِك إِلَّا بلَاء وَقد اجتمعه عنْدك الإخوان والأحباء والأهل والأقرباء وَكثر حولك الْبكاء ثمَّ يُقَال حشرج وَنَفسه توشك أَن تخرج وَأَنت تعاين الْأَمر الْعَظِيم بعد اللَّذَّة وَالنَّعِيم وَعدلت ببصرك عَن الْقَرِيب وَالْحَمِيم وَحل بك الْقَضَاء وَخرجت الرّوح من الْأَعْضَاء ثمَّ عرج بهَا إِلَى السَّمَاء فيا لَهَا من سَعَادَة أَو شقاء وأنشدوا (فَلَو يكن شَيْء سوى الْمَوْت والبلى ... وتفريق أَعْضَاء وَلحم مبدد)

стр. 143

(لَكُنْت حَقِيقا يَا ابْن آدم بالبكا ... على نائبات الدَّهْر مَعَ كل مسعد) فاستعذ من ذنوبك يَا مِسْكين قبل عرق الجبين وانتشار العرقين وَقبل مد الشمَال وَقبض الْيَمين وتضعيف قوتك بالأنين وَيكثر حواليك البكا والحنين وَجَرت دموعك لمفارقة الْأَهْل والبنين وَلَا ينفعك مَا جمعت من الْأَمْوَال فِي الشُّهُور والسنين ثمَّ أَنْت فِي قبرك لعملك رهين إِلَى يَوْم عرضك على أسْرع الحاسبين قد تغير جسمك فِي الجنادل وَالتُّرَاب بعد تنعمك بدقائق الشَّبَاب وأنشدوا (من لم يطَأ منا التُّرَاب بِرجلِهِ ... وطئ التُّرَاب بنضرة الخد) (لَو كشفت للنَّاس أغطية البلى ... لم يعرفوا الْمولى من العَبْد) (من كَانَ بَيْنك فِي التُّرَاب وَبَينه ... شبران كَانَ بِموضع الْبعد) ٢٦٠ - أَسمَاء الْعباد ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن لله شَجَرَة فرعها تَحت الْعَرْش مَكْتُوب على كل ورقة من أوراقها اسْم عبد من عبيده فَإِذا جَاءَ أجل العَبْد سَقَطت تِلْكَ الورقة الَّتِي فِيهَا اسْمه فِي حجر ملك الْمَوْت فَأخذ روحه فِي الْوَقْت وأنشدوا (إِنِّي لعبت وحادي الْمَوْت فِي طلبي ... وَإِن فِي الْمَوْت شغل لي عَن اللّعب) (لَو شمرت مهجتي فِيمَا خلقت لَهُ ... مَا اشْتَدَّ حرصي على الدُّنْيَا وَلَا كَلْبِي) (سُبْحَانَ رَبِّي فَلَا شَيْء يعادله ... إِن الْحَرِيص على الدُّنْيَا لفي تَعب) (لَا تغترر بديار لَا مقَام بهَا ... واقصد لدارك إِن الْمَوْت فِي الطّلب) رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (مَا من يَوْم إِلَّا وملكان يناديان يَا أهل الدُّنْيَا ولدتم للْمَوْت وتبنون للخراب وَأَنْتُم محاسبون ومعذبون عِنْد ربكُم) وأنشدوا (عجبت لجازع باك مصاب ... بِأَهْل أَو حميم ذِي اكتئاب) (شَقِيق الجيب دَاعِي الويل جهلا ... كَأَن الْمَوْت كالشيء العجاب) (وَسوى الله فِيهِ الْخلق حَتَّى ... نَبِي الله فِيهِ لم يحابي) (لَهُ ملك يُنَادي كل يَوْم ... لدوا للْمَوْت وَابْنُوا للخراب) (لمن نَبْنِي وَنحن إِلَى تُرَاب ... نعود كَمَا خلقنَا من تُرَاب)

стр. 144

(أَلا يَا موت لم أر مِنْك بدا ... أتيت فَلَا تحيف وَلَا تحابي) (كَأَنَّك قد هجمت على مشيبي ... كَمَا هجم المشيب على الشَّبَاب) قيل مر رجل على خراب فَسمع إنْسَانا ينشد هَذِه الأبيات (قل للَّذين بنوا ديارًا عالية ... وتنافسوا وَالْمَوْت مِنْهُم دانية) (شيدتموها راغبين وَأَنْتُم ... تردوا الْقُبُور وتتركوها خَالِيَة) (أَيْن الْمُلُوك وَأَيْنَ مَا قد جمعُوا ... وجيوشهم وعبيدهم وزبانية) (تَحت التُّرَاب تقطعت أوصالهم ... وأكفهم بعد الأعنة بالية ثمَّ قَرَأَ ﴿قل هُوَ نبأ عَظِيم أَنْتُم عَنهُ معرضون﴾ ص: ٦٨ ٢٦١ - نوح وزهده ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن جِبْرِيل ﵇ هَبَط على نوح ﵇ قَالَ فَوَجَدَهُ قد عمل خصا على الْبَحْر فَقَالَ أيش هَذَا يَا نوح فَقَالَ يَا جِبْرِيل هَذَا لمن يَمُوت كثير فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل ﵇ لتأتين أمة أعمارهم من السِّتين إِلَى السّبْعين يبنون بالحصى والآجر وَالْحجر فَقَالَ نوح ﵇ مَا كَانَ على هَؤُلَاءِ إِنَّهُم يستفون الرماد حَتَّى يموتوا وأنشدوا (لَو كنت تعقل يَا مغرور مَا برقتْ ... عَيْنَاك للنَّاس من خوف وَمن حذر) (مَا بَال قوم سِهَام الْمَوْت تخطفهم ... يفاخرون بِرَفْع الطين والمدر) ٢٦٢ - عِيسَى والجمجمة رُوِيَ أَن عِيسَى ﵇ مر بجمجمة فقذفها بِرجلِهِ وَقَالَ تكلمي بِإِذن الله تَعَالَى قَالَت يَا روح الله أَنا مَالك زِمَام كَذَا وَكَذَا بَينا أَنا جَالس فِي ملكي وعَلى رَأْسِي تاجي وحولي جنودي وحشمي إِذْ بدا لي ملك الْمَوْت فأزال مني كل عُضْو على حياله ثمَّ خرجت نَفسِي فيا لَيْت مَا كَانَ من ذَلِك الْجمع كَانَ فرقة وَمَا كَانَ من ذَلِك الْأنس كَانَ وَحْشَة فَمَا ظَنك يَا عاصي بصفحة ملك الْمَوْت إِذا بَدَت وعاينتها عِنْد كشف الغطاء فتنظر إِلَيْهَا بِطرف كليل وقلب وَجل ثمَّ تسل الرّوح لِلْخُرُوجِ فَلَا تخرج حَتَّى تسمع نَغمَة ملك الْمَوْت بِإِحْدَى البشارتين اُبْشُرْ يَا عَدو الله بالنَّار أَو اُبْشُرْ يَا ولي الله بِالْجنَّةِ وأنشدوا

стр. 145

(يخيل لي بكاء الْقَوْم حَولي ... وَقَوْلهمْ أَلا أزف الرحيل) (وَمَا يُغني الْبكاء إِذا تقضى ... لَدَى عمري وَإِن كثر العويل) (فَخذ للْمَوْت أهبته فَأَما ... نجاة بعد أَو هول طَوِيل) ٢٦٣ - عَمْرو بن الْعَاصِ عِنْد مَوته رُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ أَنه قَالَ لإبنه عِنْد الْمَوْت لَيْتَني ألقِي رجلا عَاقِلا عِنْد نزُول الْمَوْت يُخْبِرنِي بِمَا يجد فَقَالَ لَهُ ابْنه قد نزل بك الْمَوْت فَصف لي الَّذِي تَجِد فَقَالَ لي يَا بني كَأَن فِي تَحت وَكَأن غُصْن شوك يخرج من قدمي إِلَى هامتي وَكَأَنِّي أتنفس من سم إبرة ثمَّ مد يَده وَقَالَ اللَّهُمَّ لَا قوي فأنتصر وَلَا بَرِيء فأعتذر اللَّهُمَّ إِنِّي مقرّ مذنب مُسْتَغْفِر ثمَّ مَاتَ ﵁ وأنشدوا (للْمَوْت فاعمل بجد أَيهَا الرجل ... وَاعْلَم بأنك من دنياك مرتحل) (إِلَى مَتى أَنْت فِي لَهو وَفِي لعب ... تمسي وتصبح فِي اللَّذَّات مشتغل) (كأنني بك يَا ذَا الشيب فِي كرب ... بَين الْأَحِبَّة قد أودى بك الْأَجَل) (لما رأوك صَرِيعًا بَينهم جزعوا ... وودعوك وَقَالُوا قد مضى الرجل) (فاعمل لنَفسك يَا مِسْكين فِي مهل ... مَا دَامَ ينفعك التذْكَار وَالْعَمَل) (إِن التقي جنان الْخلد مَسْكَنه ... ينَال حورا عَلَيْهَا التَّاج وَالْحلَل) (والمجرمين بِنَار لَا خمود لَهَا ... فِي كل وَقت من الْأَوْقَات تشتعل) ٢٦٤ - سُلَيْمَان وَملك الْمَوْت رُوِيَ أَن ملك الْمَوْت كَانَ صديقا لِسُلَيْمَان ﵇ وَكَانَ يزوره أبدا فَدخل عَلَيْهِ يَوْمًا وَعِنْده رجل يكلمهُ سُلَيْمَان فَجعل ملك الْمَوْت ينظر إِلَى الرجل الَّذِي مَعَ سُلَيْمَان نظرا مُنْكرا فَقَالَ الرجل لِسُلَيْمَان بعد خُرُوج ملك الْمَوْت يَا نَبِي الله من هَذَا الدَّاخِل عَلَيْك آنِفا فَقَالَ ملك الْمَوْت فَقَالَ لَهُ لقد رايته يجد النّظر إِلَيّ وَلَكِن لي إِلَيْك حَاجَة قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ تَأمر الرّيح أَن تحملنِي إِلَى الْهِنْد فَأمر سُلَيْمَان الرّيح فَحَملته إِلَى الْهِنْد ثمَّ قَالَ سُلَيْمَان بعد أَيَّام لملك الْمَوْت وجدت عِنْدِي مُنْذُ أَيَّام رجلا فَنَظَرت إِلَيْهِ نظرا مُنْكرا فَقَالَ ملك الْمَوْت كنت
следующие страницы →