Полный текст (301 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَمَغَارِبهَا برهَا وبحرها وكل نَاحيَة مِنْهَا أقرب إِلَى ملك الْمَوْت من الرجل على مائدته وَإِن مَعَه أعوانا الله أعلم بِعدَّتِهِمْ لَيْسَ مِنْهُم ملك إِلَّا لَو أذن الله لَهُ أَن يلتقم السَّمَوَات السَّبع وَالْأَرضين السَّبع فِي لقْمَة وَاحِدَة لفعل وَمَا تقرب ملك الْمَوْت من حَملَة الْعَرْش إِلَّا ازدادوا فَزعًا مِنْهُ حَتَّى يرعدوا وَإِن غصه من غصص الْمَوْت أَشد من ألف ضَرْبَة بِالسَّيْفِ وَفِي كل مَا خلق الله الْبركَة إِلَّا فِي الْأَجَل فَإِنَّهُ مُؤَقّت لوفاء الْعدة وانقضاء الْمدَّة
وأنشدوا
(للمنايا رحى عَلَيْك تَدور ... كلنا جَاهِل بهَا مغرور)
(رحم الله من بَكَى للخطايا ... كل باك فذنبه مغْفُور)
يَا ابْن آدم مَا أغفلك وَعَن الصَّوَاب مَا أبعدك كَأَنَّك بِالْمَوْتِ قد فاجأك وَملك الْمَوْت قد وافاك فيئس مِنْك الطَّبِيب وفارقك الحبيب وتفجع لفقدك كل قريب
فَوَقَعت فِي الْحَسْرَة وجفتك الْعبْرَة وَبَطل مِنْك اللِّسَان بعد الفصاحة وَالْبَيَان وأدرجت فِي الأكفان وأزعجت عَن الأوطان وَصَارَ الْقَبْر مأواك وَإِلَى يَوْم الْقِيَامَة مثواك
وفارقك الْأَهْل والإخوان وَوَقع بهم عَنْك السلو وَالنِّسْيَان فَإِن كَانَ لَك منزل سكنوه أَو كنت ذَا مَال اقتسموه
وأنشدوا
(يَا عجبا للْأَرْض مَا تشبع ... وكل حَيّ فَوْقهَا يفجع)
(ابتلعت عادا فأفنتهم ... وَبعد عَاد أهلكت بتبع)
(وَقوم نوح أدخلت بَطنهَا ... فظهرها من جمعهم بلقع)
(يَا أَيهَا الراضي بِمَا قد مضى ... هَل لَك فِيمَا قد مضى مطمع)
٢٥٨ - اذكر الْمَوْت
يَا هَذَا اذكر مَا وَصفته واحفظ مَا حكيته وَعَلَيْك بِالصَّوْمِ وَالِاجْتِهَاد وَالطَّاعَة لرب الْعباد ومراقبته فِي اللَّيْل وَالنَّهَار والتضرع إِلَيْهِ فِي ظلمات الأسحار
يَا هَذَا عمرك أنفاس مَعْدُودَة وَعَلَيْك رَقِيب يحصيها لَا تنس الْمَوْت فَإِنَّهُ لَا ينساك
الْمُبَادرَة الْمُبَادرَة إِنَّمَا هِيَ أنفاس لَو حبست عَنْك لانقطع عَنْك عَمَلك آخر الْأَبَد وَخُرُوج نَفسك آخر الأمد وفراق أهلك آخر الْعدَد
وأنشدوا
(إِذا مَا الْمَوْت جر على أنَاس ... كلا كُله أَنَاخَ بآخرينا)
(فَقل للشامتين بِنَا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كَمَا لَقينَا)
стр. 142
فاذكر حالك أَيهَا الغافل يَوْم تقلبك على المغتسل يَد الْغَاسِل قد زَالَ عزك عَنْك وسلب مَالك مِنْك وأخرجت من بَين أحبابك وجهزت لترابك وَأسْلمت إِلَى الدُّود وصرت رهنا بَين اللحود وَبكى عَلَيْك الباكون قَلِيلا ثمَّ نسوك دهرا طَويلا فتغيرت مِنْك المحاسن والمحلى وتحكم فِي أعضائك البلى وَقطعت فِي الأكفان وسعى إِلَيْك الديدان فبلى مِنْك اللِّسَان وسالت الحدق كَأَنَّك لم تكن قطّ مِمَّن رأى وَلَا نطق
وأنشدوا
(فَلَو أَنا إِذا متْنا تركنَا ... لَكَانَ الْمَوْت رَاحَة كل حَيّ)
(وَلَكنَّا إِذا متْنا بعثنَا ... ونسأل بعْدهَا عَن كل شَيْء)
ابْن آدم كَأَنَّك بِالْمَوْتِ قد حل بساحتك وَحَال بَيْنك وَبَين مَا تُرِيدُ وَأَنت فِي النزع وَالْكرب الشَّديد لَا وَالِد يدْفع عَنْك وَلَا وليد وَلَا عدَّة تنجيك وَلَا عديد وَلَا عشيرة تحميك وَلَا قصر مشيد
أَلَيْسَ ذَلِك نَازل بك على كل حَال أَي وَعزة الْكَبِير المتعال فَإنَّك الْآن حِين ينفعك الْبكاء والاستكانة قبل حُلُول الْحَسْرَة والندامة
وأنشدوا
(يَا من يَمُوت وَيسْأل ... عَمَّا يَقُول وَيفْعل)
(إِن الْمُوكل بالنفوس ... إِذا أَتَى لَا يُمْهل)
(وَالنَّار منزل من عصى ... وَالنَّار بئس الْمنزل)
٢٥٩ - موعظة حَسَنَة
يَا ابْن آدم بَادر إِلَى حسن الْعَمَل بَينا أَنْت فِي فسحة ومهل وَتب إِلَى مَوْلَاك من قَبِيح الْخَطَايَا والزلل قبل أَن يُقَال فلَان عليل أَو مدنف ثقيل فَهَل إِلَى دوائه سَبِيل أَو على طَبِيب من دَلِيل فَتُدْعَى لَك الْأَطِبَّاء وَيجمع لَك الدَّوَاء فَلَا يزيدك ذَلِك إِلَّا بلَاء
وَقد اجتمعه عنْدك الإخوان والأحباء والأهل والأقرباء وَكثر حولك الْبكاء ثمَّ يُقَال حشرج وَنَفسه توشك أَن تخرج وَأَنت تعاين الْأَمر الْعَظِيم بعد اللَّذَّة وَالنَّعِيم وَعدلت ببصرك عَن الْقَرِيب وَالْحَمِيم وَحل بك الْقَضَاء وَخرجت الرّوح من الْأَعْضَاء ثمَّ عرج بهَا إِلَى السَّمَاء فيا لَهَا من سَعَادَة أَو شقاء
وأنشدوا
(فَلَو يكن شَيْء سوى الْمَوْت والبلى ... وتفريق أَعْضَاء وَلحم مبدد)
стр. 143
(لَكُنْت حَقِيقا يَا ابْن آدم بالبكا ... على نائبات الدَّهْر مَعَ كل مسعد)
فاستعذ من ذنوبك يَا مِسْكين قبل عرق الجبين وانتشار العرقين وَقبل مد الشمَال وَقبض الْيَمين وتضعيف قوتك بالأنين وَيكثر حواليك البكا والحنين وَجَرت دموعك لمفارقة الْأَهْل والبنين وَلَا ينفعك مَا جمعت من الْأَمْوَال فِي الشُّهُور والسنين ثمَّ أَنْت فِي قبرك لعملك رهين إِلَى يَوْم عرضك على أسْرع الحاسبين
قد تغير جسمك فِي الجنادل وَالتُّرَاب بعد تنعمك بدقائق الشَّبَاب
وأنشدوا
(من لم يطَأ منا التُّرَاب بِرجلِهِ ... وطئ التُّرَاب بنضرة الخد)
(لَو كشفت للنَّاس أغطية البلى ... لم يعرفوا الْمولى من العَبْد)
(من كَانَ بَيْنك فِي التُّرَاب وَبَينه ... شبران كَانَ بِموضع الْبعد)
٢٦٠ - أَسمَاء الْعباد
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن لله شَجَرَة فرعها تَحت الْعَرْش مَكْتُوب على كل ورقة من أوراقها اسْم عبد من عبيده فَإِذا جَاءَ أجل العَبْد سَقَطت تِلْكَ الورقة الَّتِي فِيهَا اسْمه فِي حجر ملك الْمَوْت فَأخذ روحه فِي الْوَقْت
وأنشدوا
(إِنِّي لعبت وحادي الْمَوْت فِي طلبي ... وَإِن فِي الْمَوْت شغل لي عَن اللّعب)
(لَو شمرت مهجتي فِيمَا خلقت لَهُ ... مَا اشْتَدَّ حرصي على الدُّنْيَا وَلَا كَلْبِي)
(سُبْحَانَ رَبِّي فَلَا شَيْء يعادله ... إِن الْحَرِيص على الدُّنْيَا لفي تَعب)
(لَا تغترر بديار لَا مقَام بهَا ... واقصد لدارك إِن الْمَوْت فِي الطّلب)
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (مَا من يَوْم إِلَّا وملكان يناديان يَا أهل الدُّنْيَا ولدتم للْمَوْت وتبنون للخراب وَأَنْتُم محاسبون ومعذبون عِنْد ربكُم)
وأنشدوا
(عجبت لجازع باك مصاب ... بِأَهْل أَو حميم ذِي اكتئاب)
(شَقِيق الجيب دَاعِي الويل جهلا ... كَأَن الْمَوْت كالشيء العجاب)
(وَسوى الله فِيهِ الْخلق حَتَّى ... نَبِي الله فِيهِ لم يحابي)
(لَهُ ملك يُنَادي كل يَوْم ... لدوا للْمَوْت وَابْنُوا للخراب)
(لمن نَبْنِي وَنحن إِلَى تُرَاب ... نعود كَمَا خلقنَا من تُرَاب)
стр. 144
(أَلا يَا موت لم أر مِنْك بدا ... أتيت فَلَا تحيف وَلَا تحابي)
(كَأَنَّك قد هجمت على مشيبي ... كَمَا هجم المشيب على الشَّبَاب)
قيل مر رجل على خراب فَسمع إنْسَانا ينشد هَذِه الأبيات
(قل للَّذين بنوا ديارًا عالية ... وتنافسوا وَالْمَوْت مِنْهُم دانية)
(شيدتموها راغبين وَأَنْتُم ... تردوا الْقُبُور وتتركوها خَالِيَة)
(أَيْن الْمُلُوك وَأَيْنَ مَا قد جمعُوا ... وجيوشهم وعبيدهم وزبانية)
(تَحت التُّرَاب تقطعت أوصالهم ... وأكفهم بعد الأعنة بالية
ثمَّ قَرَأَ ﴿قل هُوَ نبأ عَظِيم أَنْتُم عَنهُ معرضون﴾ ص: ٦٨
٢٦١ - نوح وزهده
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن جِبْرِيل ﵇ هَبَط على نوح ﵇ قَالَ فَوَجَدَهُ قد عمل خصا على الْبَحْر فَقَالَ أيش هَذَا يَا نوح فَقَالَ يَا جِبْرِيل هَذَا لمن يَمُوت كثير فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل ﵇ لتأتين أمة أعمارهم من السِّتين إِلَى السّبْعين يبنون بالحصى والآجر وَالْحجر فَقَالَ نوح ﵇ مَا كَانَ على هَؤُلَاءِ إِنَّهُم يستفون الرماد حَتَّى يموتوا
وأنشدوا
(لَو كنت تعقل يَا مغرور مَا برقتْ ... عَيْنَاك للنَّاس من خوف وَمن حذر)
(مَا بَال قوم سِهَام الْمَوْت تخطفهم ... يفاخرون بِرَفْع الطين والمدر)
٢٦٢ - عِيسَى والجمجمة
رُوِيَ أَن عِيسَى ﵇ مر بجمجمة فقذفها بِرجلِهِ وَقَالَ تكلمي بِإِذن الله تَعَالَى قَالَت يَا روح الله أَنا مَالك زِمَام كَذَا وَكَذَا بَينا أَنا جَالس فِي ملكي وعَلى رَأْسِي تاجي وحولي جنودي وحشمي إِذْ بدا لي ملك الْمَوْت فأزال مني كل عُضْو على حياله ثمَّ خرجت نَفسِي فيا لَيْت مَا كَانَ من ذَلِك الْجمع كَانَ فرقة وَمَا كَانَ من ذَلِك الْأنس كَانَ وَحْشَة
فَمَا ظَنك يَا عاصي بصفحة ملك الْمَوْت إِذا بَدَت وعاينتها عِنْد كشف الغطاء فتنظر إِلَيْهَا بِطرف كليل وقلب وَجل ثمَّ تسل الرّوح لِلْخُرُوجِ فَلَا تخرج حَتَّى تسمع نَغمَة ملك الْمَوْت بِإِحْدَى البشارتين اُبْشُرْ يَا عَدو الله بالنَّار أَو اُبْشُرْ يَا ولي الله بِالْجنَّةِ
وأنشدوا
стр. 145
(يخيل لي بكاء الْقَوْم حَولي ... وَقَوْلهمْ أَلا أزف الرحيل)
(وَمَا يُغني الْبكاء إِذا تقضى ... لَدَى عمري وَإِن كثر العويل)
(فَخذ للْمَوْت أهبته فَأَما ... نجاة بعد أَو هول طَوِيل)
٢٦٣ - عَمْرو بن الْعَاصِ عِنْد مَوته
رُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ أَنه قَالَ لإبنه عِنْد الْمَوْت لَيْتَني ألقِي رجلا عَاقِلا عِنْد نزُول الْمَوْت يُخْبِرنِي بِمَا يجد فَقَالَ لَهُ ابْنه قد نزل بك الْمَوْت فَصف لي الَّذِي تَجِد فَقَالَ لي يَا بني كَأَن فِي تَحت وَكَأن غُصْن شوك يخرج من قدمي إِلَى هامتي وَكَأَنِّي أتنفس من سم إبرة
ثمَّ مد يَده وَقَالَ اللَّهُمَّ لَا قوي فأنتصر وَلَا بَرِيء فأعتذر اللَّهُمَّ إِنِّي مقرّ مذنب مُسْتَغْفِر
ثمَّ مَاتَ ﵁
وأنشدوا
(للْمَوْت فاعمل بجد أَيهَا الرجل ... وَاعْلَم بأنك من دنياك مرتحل)
(إِلَى مَتى أَنْت فِي لَهو وَفِي لعب ... تمسي وتصبح فِي اللَّذَّات مشتغل)
(كأنني بك يَا ذَا الشيب فِي كرب ... بَين الْأَحِبَّة قد أودى بك الْأَجَل)
(لما رأوك صَرِيعًا بَينهم جزعوا ... وودعوك وَقَالُوا قد مضى الرجل)
(فاعمل لنَفسك يَا مِسْكين فِي مهل ... مَا دَامَ ينفعك التذْكَار وَالْعَمَل)
(إِن التقي جنان الْخلد مَسْكَنه ... ينَال حورا عَلَيْهَا التَّاج وَالْحلَل)
(والمجرمين بِنَار لَا خمود لَهَا ... فِي كل وَقت من الْأَوْقَات تشتعل)
٢٦٤ - سُلَيْمَان وَملك الْمَوْت
رُوِيَ أَن ملك الْمَوْت كَانَ صديقا لِسُلَيْمَان ﵇ وَكَانَ يزوره أبدا فَدخل عَلَيْهِ يَوْمًا وَعِنْده رجل يكلمهُ سُلَيْمَان فَجعل ملك الْمَوْت ينظر إِلَى الرجل الَّذِي مَعَ سُلَيْمَان نظرا مُنْكرا فَقَالَ الرجل لِسُلَيْمَان بعد خُرُوج ملك الْمَوْت يَا نَبِي الله من هَذَا الدَّاخِل عَلَيْك آنِفا فَقَالَ ملك الْمَوْت فَقَالَ لَهُ لقد رايته يجد النّظر إِلَيّ وَلَكِن لي إِلَيْك حَاجَة قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ تَأمر الرّيح أَن تحملنِي إِلَى الْهِنْد
فَأمر سُلَيْمَان الرّيح فَحَملته إِلَى الْهِنْد ثمَّ قَالَ سُلَيْمَان بعد أَيَّام لملك الْمَوْت وجدت عِنْدِي مُنْذُ أَيَّام رجلا فَنَظَرت إِلَيْهِ نظرا مُنْكرا فَقَالَ ملك الْمَوْت كنت
стр. 146
أعجب مِنْهُ أمرت بِقَبض روحه فِي ذَلِك الْيَوْم بجزائر الْهِنْد وَهُوَ عنْدك بِالشَّام
فَقبض روحه فِي ذَلِك الْيَوْم بِالْهِنْدِ
وأنشدوا
(الْمَوْت بَحر يهاب الْمَرْء مورده ... وكل يَوْم لَهُ من كأسه جرع)
(لَا صِحَة الْمَرْء فِي الدُّنْيَا تؤخره ... وَلَا يقدم يَوْمًا مَوته الوجع)
(وكل يَوْم علينا فِي فجائعه ... طير يحوم فَلَا نَدْرِي بِمن يَقع)
٢٦٥ - سعيد بن الْمسيب والجني
رُوِيَ أَن سعيد بن الْمسيب دخل يَوْمًا مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فَجعل يلْتَفت فِي أَرْكَان الْمَسْجِد يتفكر فِيمَن أدْرك من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ثمَّ بَكَى وَجعل يَقُول
(أَلا ذهب الحماة واسلموني ... فوا اسفا على فقد الحماة)
(توَلّوا للقبور فاسقموني ... فوا اسفا على فقد الثقاة)
فَأَجَابَهُ هَاتِف من ركن الْمَسْجِد بِصَوْت محزون من كبد مشجون وَهُوَ يَقُول
(فدع عَنْك الثقاة فقد توَلّوا ... ونفسك فابكها حِين الْمَمَات)
(فَكل جمَاعَة لَا بُد يَوْمًا ... يفرق بَينهم وَقع الشتات)
فَقَالَ سعيد من أَنْت فقد زدتني حزنا فَقَالَ أَنا من مؤمني الْجِنّ كُنَّا فِي هَذَا الْمَسْجِد سبعين رجلا فَأتى الْمَوْت على جماعتنا كَمَا أَتَى على جماعتك وَلم يبْق مِنْهُم غَيْرِي كَمَا لم يبْق من الْإِنْس غَيْرك وَإِنَّا بهم لاحقون فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وأنشدوا
(جرت الرِّيَاح على جَمِيع دِيَارهمْ ... فَكَأَنَّمَا كَانُوا على ميعاد)
(فَأرى النَّعيم وكل مَا يلهى بِهِ ... يَوْمًا يصير إِلَى بلَى ونفاد)
٢٦٦ - صلحاء الْجِنّ
وَذكر عَن بعض الْعباد أَنه كَانَ يُصَلِّي فَقَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ آل عمرَان ١٨٥ الْأَنْبِيَاء ٣٥ العنكبوت ٥٧
وَجعل يتدبرها ويرددها فَسمع قَائِلا يَقُول يَا هَذَا كم تردد هَذِه الْآيَة فوَاللَّه لقد قتلت بهَا أَرْبَعَة من الْجِنّ مَا رفعوا رؤوسهم إِلَى السَّمَاء قطّ حَيَاء من الله تَعَالَى وَلَقَد مَاتُوا من ترديدك هَذِه الْآيَة
وأنشدوا
стр. 147
(لَيْسَ ينجو المقصوص من ملك الْمَوْت ... إِذا جَاءَهُ وَلَا الطيار)
(للمنايا وَإِنَّمَا للمنايا ... خلق الطِّفْل والشيوخ الْكِبَار)
(كم رَأينَا من سادة وملوك ... مَا على الأَرْض مِنْهُم ديار)
٢٦٧ - العَبْد وربه
حُكيَ عَن بعض العارفين أَنه قَالَ إِن الله سُبْحَانَهُ يسر إِلَى عَبده سِرين يُخبرهُ ذَلِك بإلهام يلهمه أَحدهمَا إِذا ولد وَخرج من ظلمَة بطن أمه يَقُول لَهُ عَبدِي قد أخرجتك إِلَى الدُّنْيَا طَاهِرا نقيا نظيفا وسر عِنْد خُرُوج روحه يَقُول لَهُ عَبدِي مَا صنعت فِي أمانتي عنْدك هَل حَفظتهَا حَتَّى تَلقانِي على الْوَفَاء والعهد وَالرِّعَايَة فألقاك بِالْوَفَاءِ وَالْجَزَاء أَو ضيعتها فألقاك بالمطالبة وَالْعَذَاب وأنشدوا
(يَا من تقدم جده وابوه ... وَصديقه سكن الثرى وَأَخُوهُ)
(وَغدا إِلَى دَار البلى أترابه ... وَمضى إِلَى حفر الْقُبُور بنوه)
(وَرَأى مصَارِع إخْوَة وقرابة ... بَين الثرى فِي برزخ سكنوه)
(أَلا أتيت قُبُورهم فسألتها ... عَنْهُم وَعَن مَا فِي الْقُبُور لقوه)
(فلتخبرنك أَن أَحْكَام البلى ... تجْرِي عَلَيْهِم هموا وطنوه)
(وليخبرنك أَنهم وجدوا الَّذِي ... عملوه مَكْتُوبًا كَمَا عملوه)
(مَا زَادَت الحفظاء فِي أَعْمَالهم ... مِثْقَال خردلة وَلَا نقصوه)
(يَا معشر الإخوان إِن سبيلكم ... كسبيلهم فِي كل مَا سلكوه)
(وَلكم نصيب فِي البلى كنصيبهم ... وَكَأَنَّهُ قد حل فانتظروه)
(ومحجب قد غرهم بحجابه ... لما أَتَاهُ الْمَوْت مَا حجبوه)
(لكِنهمْ سجوه فَوق سَرِيره ... وتكفلوه بِأَرْبَع حملوه)
(سَارُوا بِهِ حَتَّى إِلَى دَار البلى ... بَيت لَهُ تَحت الثرى قَبره)
(حَتَّى إِذا مَا غيبته أكفهم ... بَين الجنادل فِي الثرى تَرَكُوهُ)
(وَتَفَرَّقُوا على بَابه وتبدلوا وتبدلوا ... بَابا سواهُ وغيروا ونسوه)
٢٦٨ - عمر بن الْخطاب وعظته
رُوِيَ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ أَكْثرُوا من ذكر هازم اللَّذَّات فَإِنَّكُم لَا تذكرونه فِي قَلِيل إِلَّا كفى وأجزى وَلَا فِي كثير إِلَّا قلله
стр. 148
فَالله الله عباد الله اجتهدوا واستعدوا للْمَوْت وَبَادرُوا آجالكم قبل الْفَوْت تفوزوا بالجنان فِي دَار الرَّحْمَن
وأنشدوا
(لملك الْمَوْت فِي الدُّنْيَا دُيُون ... تحل فَلَيْسَ يمطلها المطول)
(وكل الْعَالمين بهَا ملي ... فَلَيْسَ لَهُ على أحد جميل)
(سَوَاء إِذْ يحل على غَرِيم ... عَلَيْهِ ذُو التعزز والذليل)
فَالله الله معاشر المسرفين لَا تغتروا بالعز وَالْمَال فَإِن الْمَوْت لَا يهاب الْكَبِير الْجَلِيل وَلَا يرحم الحقير الذَّلِيل فكونوا مِنْهُ على حذر وَأَعدُّوا لَهُ صَالح الْأَعْمَال من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا حِيلَة فِيهِ لمحتال
يَا إخْوَانِي إِلَى كم هَذِه الْغَفْلَة إِلَى كم هَذَا التَّمَادِي فِي البطالة والاغترار بالمهلة وأنشدوا
(يَا أَيهَا النَّاس كَانَ لي أمل ... قصر عَن بُلُوغه الْأَجَل)
(مَا أَنا وحدي نقلت حَيْثُ تروا ... كل إِلَى مثله ينْتَقل)
(فليتق الله ربه رجل ... أمكنه فِي حَيَاته الْعَمَل)
٢٦٩ - حث النَّبِي أَصْحَابه على ذكر الْمَوْت
رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ فِي بَيت بعض نِسَائِهِ إِذْ سمع صَوتا فِي مجْلِس من مجَالِس أَصْحَابه وَقد استعلى على حَدِيثهمْ الضحك فَخرج عَلَيْهِم صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ حَتَّى قَامَ على رؤوسهم فَقَالَ أرى الضحك قد غلب على مجلسكم هَذَا أَفلا تذكرُونَ مكدر اللَّذَّات فِي أثْنَاء حديثكم قَالُوا وَمَا مكدر اللَّذَّات يَا نَبِي الله قَالَ ذكر الْمَوْت فَبكى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بأجمعهم
فَإِذا كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ مصابيح الْإِسْلَام وقادة الْأَنَام السَّادة الْكِرَام رَجَعَ ضحكهم بكاء من هول يَوْم الْحمام وَقد أفنوا أعمارهم فِي طَاعَة ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام وَقَطعُوا أيامهم فِي الْعَمَل بِالسنةِ وَالْأَحْكَام فَكيف بِمن تَمَادى فِي الْمعاصِي والإجرام والطغيان والآثام وأكلوا الرِّبَا وَالْحرَام وأموال الضُّعَفَاء والأيتام
وأنشدوا
(الْمَوْت فِي كل حِين ينشر الكفنا ... وَنحن فِي غَفلَة عَمَّا يُرَاد بِنَا)
(لَا تطمئِن إِلَى الدُّنْيَا وزهرتها ... وَإِن توشحت من أثوابها المحنا)
(أَيْن الْأَحِبَّة وَالْجِيرَان مَا فعلوا ... أَيْن الَّذين همو كَانُوا لنا سكنا)
стр. 149
(سقاهم الدَّهْر كأسا غير صَافِيَة ... فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا)
فَالله الله معاشر المذنبين لَا تشْغَلُوا عَمَّن يطلبكم وَلَا تنسوا من لَا ينساكم وَقد خَلقكُم الله تَعَالَى وَخلق آجالكم من قبل أَن تَأتي سَاعَة السكرات والندم على مَا فَاتَ فهيهات هَيْهَات ثمَّ هَيْهَات هَيْهَات
وأنشدوا
(إسمع فقد أسمعك الصَّوْت ... إِن لم تبادر فَهُوَ الْفَوْت)
(بل كَانَ مَا شِئْت وعش سالما ... آخر هَذَا كُله الْمَوْت)
يَا أخي إِذا جَاءَك الْمَوْت لَا ينفعك مَا جمعته وَلَا ينجيك مَا اكتسبته فامهد لنَفسك قبل مُفَارقَة الأحباب وَالْجِيرَان وَالْأَصْحَاب وَالْخُرُوج من الديار إِلَى منَازِل الدُّود وَالتُّرَاب وبيوت الوحشة وَالْعَذَاب إِلَّا أَن يعْفُو الْملك الْوَهَّاب فتفكروا يَا أولي الْأَلْبَاب يَا معشر الشيب والشباب
وأنشدوا
(مضى أمسك الْمَاضِي شَهِيدا معدلا ... وأعقبه يَوْم عَلَيْك شَهِيد)
(فَإِن تَكُ بالْأَمْس اجترحت إساءة ... فبادر بِإِحْسَان وَأَنت حميد)
(وَلَا تبْق فعل الصَّالِحَات إِلَى غَد ... لَعَلَّ غَدا يَأْتِي وَأَنت فقيد)
(إِذا مَا المنايا أَخْطَأتك وصادفت ... حميمك فَاعْلَم أَنَّهَا ستعود)
٢٧٠ - ذكر الْمَوْت وَالْعَمَل
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (مَا أَكثر رجل ذكر الْمَوْت إِلَّا زَاد ذَلِك فِي عمله) فيا إخْوَانِي أَكْثرُوا ذكره لَعَلَّ الله أَن يهونه عَلَيْكُم ويرحمكم عِنْد نُزُوله بكم وَاجْعَلُوا الْمَوْت عِنْد منامكم مهادا وَعند قيامكم سهادا
واستعدوا بِكَثِير الْحَسَنَات وَاجْتنَاب الأوزار والسيئات
فرحم الله امْرأ رحم نَفسه وَنظر إِلَيْهَا وَذكر رمسه
وأنشدوا
(نغص الْمَوْت وَيحكم كل طيب ... ودهاني بفقد كل حبيب)
(كم وَكم قد رَأَيْت من حدث السن ... عَزِيز كغصن بَان رطيب)
(حس بِالْمَوْتِ فانثنى بانكسار ... وَاضِعا خَدّه بذل عَجِيب)
(قَائِلا إخوتي سَلام عَلَيْكُم ... إِذْ دنت شمس مدتي بالمغيب)
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مَا أَكثر رجل ذكر الْمَوْت إِلَّا ترك الْفَرح
стр. 150
والحيد وَالرَّغْبَة) يَا أخي لَو كَانَ عندنَا علم أَنه لَا يَمُوت منا إِلَّا رجل وَاحِد لَا يعلم من هُوَ فِينَا لَكَانَ الْوَاجِب علينا أَن لَا ترقأ لنا دمعة خوفًا من الْمَوْت فَكيف وَنحن على يَقِين أَنه لَا يبْقى منا أحد
وانشدوا
(يلقى الْفَتى حذر الْمنية كَارِهًا ... مِنْهَا وَقد حدقت بِهِ لَو يشْعر)
(نصبت حبائلها لَهُ من حوله ... فَإِذا أَتَاهُ يَوْمه لَا ينذر)
(إِن امْرأ أَمْسَى أَبوهُ وَأمه ... تَحت التُّرَاب لواجب يتفكر)
(تُعْطِي صحيفتك الَّتِي أمليتها ... فترى الَّذِي فِيهَا إِذا مَا تنشر)
(حسناتها محشوة قد أحصيت ... والسيئات فَأَي ذَلِك أَكثر)
فابكوا معاشر المذنبين على سَاعَة لَا بُد مِنْهَا أما ترَوْنَ الْمَوْت قد أفنى الْأُمَم الْمَاضِيَة وَقتل الْقُرُون الخالية وَهدم الْقُصُور الْعَالِيَة عطل عشارهم وَخرب دِيَارهمْ وَهدم مَنَازِلهمْ وَقطع آثَارهم وقطف أعمارهم وَلم يَنْفَعهُمْ مَا جمعُوا وَلم يحصنهم مَا بنوا وصنعوا قد صَارُوا فِي الْقُبُور رميما ولقوا من الْمَوْت والأهوال أمرا عَظِيما فَهَذَا دَلِيل على أَن الْمَوْت لَا يتْرك أحدا من المخلوقين حَتَّى يتوفاهم وينقلهم إِلَى التُّرَاب أَجْمَعِينَ
٢٧١ - حِكَايَة فِي الزّهْد
رُوِيَ عَن عَمْرو بن مرّة أَنه قَالَ ذكر عِنْد رَسُول الله ﷺ رجل فَأَثْنوا عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ كَيفَ زهده فِي الدُّنْيَا وَتَركه لما يَشْتَهِي مِنْهَا قَالُوا إِنَّه ليصيب مِنْهَا
قَالَ فَكيف ذكره للْمَوْت قَالُوا مَا سمعناه يكثر ذكره
قَالَ لَيْسَ صَاحبكُم هُنَاكَ فَمن لم يكثر ذكر الْمَوْت وَلَا يتْرك الرَّغْبَة فِي حطام الدُّنْيَا فَلَا خير فِيهِ وَالله أعلم
وأنشدوا
(إِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغ ... لَيْسَ فِي الدُّنْيَا ثُبُوت)
(إِنَّمَا الدُّنْيَا كبيت ... نسجته العنكبوت)
(لَيْسَ للطَّالِب فِيهَا ... كل يَوْم غير قوت)
(كل من كَانَ عَلَيْهَا ... عَن قَلِيل سيموت)
فَالله الله بَادرُوا الْعُمر الْيَسِير وَالْأَجَل الْقصير قبل نزُول ملك الْمَوْت بالهول الْعَظِيم الْكَبِير فالموت يقصم الأصلاب ويذب الرّقاب وَيرد كل مَخْلُوق إِلَى
стр. 151
التُّرَاب وَيقرب الْمُؤمن الطائع إِلَى الْجنَّة المآب ويسوق الْفَاجِر العَاصِي إِلَى أَلِيم الْعَذَاب فتفكروا فِي الْمَوْت يَا أهل الفناء والذهاب
وأنشدوا
(هَل للفتى من عثار الدَّهْر من واق ... أم هَل لَهُ من حمام الْمَوْت من راق)
(قد رجلوني وَمَا بالشعر من شعث ... ولبسوني ثيابًا غير أَخْلَاق)
(وكفنوني وَقَالُوا أَيّمَا رجل ... وأدرجوني كَأَنِّي طي مِخْرَاق)
(هون عَلَيْك وَلَا تولع بإشفاق ... فَإِنَّمَا مالنا للْوَارِث الْبَاقِي)
٢٧٢ - عظة ابْن مَسْعُود
رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ لَيْسَ بغافل وَلَا ذَاكر للْمَوْت من عد غَدا من أَجله فَرب مُسْتَقْبل يَوْمًا لَا يستكمله ومؤمل غَدا لَا يبلغهُ لَو أبصرتم الْأَجَل ومروره لأبغضتم الأمل وغروره
فيا عجبا للفروع ذهبت أُصُولهَا وللنجوم قد آن أفولها
٢٧٣ - الدَّاء والدواء
رُوِيَ أَن رجلا جَاءَ إِلَى عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ فَقَالَ يَا أم الْمُؤمنِينَ إِن بِي دَاء فَهَل عنْدك دَوَاء قَالَت وَمَا داؤك قَالَ الْقَسْوَة قَالَت بئس الدَّاء داؤك عد المرضى واشهد الْجَنَائِز وتوقع الْمَوْت
فَالله الله يَا اعراض الْمنية وَيَا أَبْوَاب الرزية لَا تنسوا الْمَوْت الَّذِي كتبه الله على الْعباد المخرب الأقطار والبلاد وَكُونُوا مِنْهُ على حذر واستعداد يَا أبدان الأسقام وَيَا أَعْرَاض الْحمام
أنشدوا
(من كَانَ يعلم أَن الْمَوْت مدرجه ... والقبر منزله والبعث مخرجه)
(وَأَنه بَين حيات ستنهشه ... يَوْم الْقِيَامَة أَو نَار تنضجه)
(فَكل شَيْء سوى التَّقْوَى بِهِ سمج ... وَمَا اقام عَلَيْهِ من أسمجه)
(ترى الَّذِي اتخذ الدُّنْيَا لَهُ وطنا ... لم يدر أَن المنايا سَوف تزعجه)
٢٧٤ - عظة عمر بن عبد الْعَزِيز
رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ أَنه كَانَ يَقُول أَيهَا النَّاس مَا الْجزع مِمَّا لَا بُد مِنْهُ وَمَا الطمع فِيمَا لَا يُرْجَى وَمَا الْحِيلَة فِيمَا لَا يَزُول وَإِنَّمَا
стр. 152
الشَّيْء من أَصله وَقد مَضَت من قبلنَا أصُول نَحن فروعها فَمَا بَقَاء الْفُرُوع بعد الأَصْل فَكل مَا هُوَ آتٍ قريب
أَيهَا النَّاس إِنَّمَا أَنْتُم فِي الدُّنْيَا أغراض تتنصل فِيكُم المنايا وَنهب للمصائب ومعدن للنوائب مَعَ كل أَكلَة غصص وَمَعَ كل شربة شَرق أَلا تنالون نعْمَة إِلَّا بِفِرَاق أُخْرَى وَلَا يعمر فِيكُم معمر لَا بهدم آخر من أَجله وَأَنْتُم أعوان الحتوف على أَنفسكُم فَأَيْنَ الْمَهْرَب مِمَّا هُوَ كَائِن فَالله الله يَا إخْوَانِي لَا تركنوا إِلَى طول الأمل وَلَا تنسوا اقتراب الْأَجَل فالموت لَا بُد مِنْهُ
وأنشدوا
(آه على سفرة بِغَيْر إياب ... آه من حسرة على الأحباب)
(آه من سكرة بِغَيْر سراب ... آه من ركبة بِغَيْر ركاب)
(آه من مضجعي وحيدا فريدا ... بَين فرش من الْحَصَى وَالتُّرَاب)
يَا إخْوَانِي هَل رَأَيْتُمْ أحدا خلد فِي الدُّنْيَا حَتَّى تَكُونُوا مخلدين أم أَنْتُم من الرحيل إِلَى الْآخِرَة على شكّ فتكونوا بِالْقُرْآنِ كَافِرين فوَاللَّه لَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك لخلد خَاتم النَّبِيين لقد رانت على قُلُوبكُمْ ستْرَة الغافلين واستحوذ على نفوسكم كيد الشَّيْطَان اللعين حَتَّى نسيتم الْمَوْت المفرق لجمع الجامعين
وأنشدوا
(لَيْسَ دوَام الْبَقَاء لِلْخلقِ لَكِن ... دوَام الْبَقَاء للخلاق)
(غلب الْمَوْت حِيلَة كل محتال ... واعي بدائه كل راق)
(عطفت شدَّة الزَّمَان فأدته ... إِلَى فاقة وضيق خناق)
(لَا يغرنك الْغرُور من الدُّنْيَا ... فَمِنْهَا شَدَائِد بسياق)
٢٧٥ - الْقُرْآن وَالْمَوْت واعظان
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (تركت فِيكُم واعظين ناطقا وصامتا فالناطق الْقُرْآن والصامت الْمَوْت مَسَاكِين فَلَا بِالْقُرْآنِ عملتم وَلَا فِي الْمَوْت تفكرتم تمسون وتصبحون وقلوبكم معلقَة بعلائق الدُّنْيَا مَا عنْدكُمْ من الْمَوْت خبر وَلَا أَنْتُم مِنْهُ على حذر قُلُوبكُمْ خَالِيَة من خوف الرَّحْمَن عامرة بخدوع الشَّيْطَان كأنكم قد أمنتم الْمَوْت وطوارق الْحدثَان
وأنشدوا
(ركبت جموح الغي فِي سبل الصِّبَا ... لم تدر أَن النائبات تنوب)
стр. 153
(وجررت أذيال البطالة لاهيا ... كَأَنَّك لم يكْتب عَلَيْك ذنُوب)
(أمليت كتاب الشمَال صحائفا ... بِكَثْرَة مَا تَأتي وَلست تتوب)
(وَمهما يغب عَنْك الْحمام لمُدَّة ... ستبلغها حتما وَأَنت كئيب)
(فَقل لي إِذا وافى على غير أهبة ... بِأَيّ جَوَاب إِن دعيت تجيب)
فَالله الله عباد الله عظوا أَنفسكُم بِآبَائِكُمْ وأحبابكم وجيرانكم وَإِخْوَانكُمْ فَإِن فِي ذَلِك بلاغا لم تذكر وعبرة لم تفكر إخْوَانكُمْ كَانُوا بالْأَمْس مَعكُمْ يَأْكُلُون مَا تَأْكُلُونَ وَيلبسُونَ مِمَّا تلبسُونَ فاصبحوا الْيَوْم وَقد صَارَت الْقُبُور لَهُم بُيُوتًا وصاروا بَين أطباق الثرى خفوتا قد قسم الْوَارِث أَمْوَالهم ونكح الْعَدو وَالصديق عِيَالهمْ وأهان الْعَدو أطفالهم
قد هتكت مِنْهُم الأستار وَاسْتَوْحَشْت مِنْهُم الديار وتحدثت عَنْهُم الْأَخْبَار
وأنشدوا
(رَأَيْت الْمَوْت لَا يبقي خَلِيلًا ... على خل وَإِن عاشا زَمَانا)
(فَكُن مِنْهُ على حذر فَإِنِّي ... رَأَيْت الْمَوْت لَا يُعْطي أَمَانًا)
(أنسنا غرَّة مِنْهُ كأنا ... بِمَا نعني بِهِ يَعْنِي سوانا)
(وَكم للْمَوْت من دَار وَدَار ... أبان عميرها عَنْهَا فبانا)
(فكم ذِي نخوة وعزيز قوم ... أذلّ الْمَوْت عزته فهانا)
(كأنا قد نَظرنَا عَن قريب ... إِلَى مَا قد وعدناه عيَانًا)
٢٧٦ - شدَّة الْمَوْت
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه ذكر الْمَوْت وغمه وكربه فَقَالَ (هُوَ أَشد من ثَلَاثمِائَة ضَرْبَة بِالسَّيْفِ) فيا معشر الموقنين بنزوله مَا هَذِه الفترة وَمَا هَذِه السكرة من ذكر الْمَوْت قل فرحه وحسده ورغبته
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ إِذا رأى فَتْرَة أَو غَفلَة من النَّاس وقف بِبَاب الْمَسْجِد فَأخذ بأعضاد الْبَاب ثمَّ صَاح بأعلا صَوته يَا أَيهَا النَّاس الْمَوْت الْمَوْت جَاءَكُم الْمَوْت بالوحية سَعَادَة أَو شقوة جَاءَكُم الْمَوْت بِمَا جَاءَ بِهِ بِالروحِ والراحة والكرامة الرابحة فِي جنَّة عالية لأولياء الله من أهل دَار الخلود الَّذين سَعْيهمْ لَهَا ورغبتهم فِيهَا أَلا إِن لكل ساع غَايَة وَغَايَة كل ساع الْمَوْت جَاءَكُم الْمَوْت بِمَا جَاءَ بِهِ بالخزي والندامة والمكرمة الخاسرة فِي نَار حامية لأولياء الشَّيْطَان من أهل
стр. 154
دَار الْغرُور الَّذين سَعْيهمْ لَهَا ورغبتهم فِيهَا أَلا إِن لكل ساع غَايَة وَغَايَة كل ساع الْمَوْت فسابق ومسبوق
فَالله الله يَا إخْوَانِي كونُوا من السَّابِقين وَلَا تَكُونُوا من الخاسرين وَكُونُوا من الْمَوْت على تَحْقِيق ويقين
وأنشدوا
(أَرَاك بِمَا ترْضى بِهِ النَّفس والهوى ... ويغضب مِنْهُ الله صرت تدين)
(وقلبك لَا يزْدَاد إِلَّا قساوة ... فداركه بالذكرى عساه يلين)
(فَإِن كنت فِي شكّ من الْمَوْت فَاعْتبر ... بِمن قد مضى يزْدَاد مِنْك يَقِين)
(كَأَنِّي بك استغرقت فِي غمراته ... وجاءك من بعد الحراك سُكُون)
(وَقد حشرجت فِي الصَّدْر مِنْك وأسلبت ... بأدمعها تجْرِي عَلَيْك عُيُون)
(فَقل لي إِذا وسدت وَيحك فِي البلى ... وهيل عَلَيْك الترب كَيفَ تكون)
٢٧٧ - تمني الْمَوْت
عباد الله تَذَاكَرُوا أعماركم قبل الْفَوْت وتأهبوا لأهوال غصص الْمَوْت
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لَا تَتَمَنَّوْا الْمَوْت فَإِن هول المطلع شَدِيد وَإِن من سَعَادَة الْمَرْء أَن يرزقه الله تَعَالَى الْإِنَابَة إِلَيْهِ ويطيل عمره فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على من طَال عمره وساء عمله وَلَا تَنْفَعهُ الموعظة فَمن كَانَ منا كَذَلِك فقد عظمت خسارته وَمَا ربحت تِجَارَته
وأنشدوا
(نُودي بِصَوْت أَيّمَا صَوت ... مَا أقرب الْحَيّ من الْمَوْت)
(كَأَن أهل الْحَيّ فِي غيهم ... قد أخذُوا أمنا من الْمَوْت)
(كم من صَحِيح عَامر بَيته ... لم يمس إِلَّا خارب الْبَيْت)
(كم وَكم حَيّ بَكَى مَيتا ... فَأصْبح الْحَيّ مَعَ الْمَيِّت)
٢٧٨ - دُعَاء مجرب
اللَّهُمَّ يَا أكْرم الأكرمين تفضل علينا وعَلى جَمِيع المذنبين بتوبة تنقلنا من ذل الْمعْصِيَة إِلَى عز الطَّاعَة وثبتنا عَلَيْهَا حَتَّى تخرجنا من الدُّنْيَا بِلَا ذل وَلَا تباعه على منهاج أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الَّذين أوجبت لَهُم الرَّحْمَة والشفاعة اللَّهُمَّ إِن الطَّاعَة بقدرك والمعاصي وَفِي قبضتك الْقُلُوب والنواصي فطهر قُلُوبنَا بِمَاء
стр. 155
التَّوْبَة واغسلها من دنس الحوبة وَمَتعْنَا بالسلامة فِي ديننَا ودنيانا مَا أبقيتنا وَلَا تردنَا على أعقابنا بعد إِذْ هديتنا وَصلى الله على مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وَخير الْمُرْسلين واحشرنا تَحت لوائه أَجْمَعِينَ على منهاجه وسنته غير مبدلين وَلَا مغيرين موفقين معصومين غير مغضوب علينا وَلَا ضَالِّينَ يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ ﴿وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ يُونُس ١٠ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
وَالله أعلم
стр. 156
١١ - مجْلِس فِي موت الْأَنْبِيَاء والأولياء الصَّالِحين
٢٧٩ - وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ آل عمرَان ١٨٥ معاشر الْمَوْتَى وَأَبْنَاء الْمَوْتَى أَنْتُم موتى بِلَا محَالة وَإِنَّمَا سبقكم إخْوَانكُمْ إِلَى مناخ الْقُبُور فَإِذا اسْتكْمل ولد آدم من أَوَّلهمْ وَآخرهمْ قَامَ الْكل للعرض والنشور على الْملك الغفور فَاسْتَعدوا لذَلِك الْمقَام وَاجْتَنبُوا الأوزار والآثام وَبَادرُوا بِالتَّوْبَةِ قبل نزُول الْحمام
٢٨٠ - صفة الْمَوْت
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (الْمَوْت غُصْن كثير الشوك أَدخل فِي جَوف رجل أخذت كل شَوْكَة بعرق ثمَّ جذبه رجل شَدِيد الجذب فَأخذ مَا أَخذ وابقى مَا أبقى)
وأنشدوا
(يَا من سينأى مسرعا ... كَمَا نأى عَنهُ ابوه)
(مثل بقلبك قَوْلهم ... جَاءَ الْيَقِين فلقنوه)
(وتحللوا من ظلمه ... قبل الْفِرَاق وودعوه)
فَالله الله عباد الله لَا تضيعوا أعماركم فِي الباطلات وَلَا تفنوا أيامكم فِي الجهالات واذْكُرُوا الْمَوْت مفرق الأحباب وقاطع الْأَنْسَاب ومذب الرّقاب وقاصم الْجَبَابِرَة والأرباب مهلك الْآبَاء والأمهات وَقَاتل الْأُخوة وَالْأَخَوَات ومبيد الْجِيرَان والقرابات الْمَوْت يقطع أَمْوَالكُم ويغير أحوالكم ويرمل نساءكم وييتم أطفالكم فَلَا يبْقى مِنْكُم خَلِيلًا وَلَا حبيبا وَلَا جَاهِلا وَلَا أديبا
وأنشدوا
(الْمَوْت أفنى من مضى ... وَالْمَوْت يفني من بَقِي)
(وَالْمَوْت يجمع فِي الثرى ... بَين الْمُنعم والشقي)
стр. 157
يَا مِسْكين أنفقت مَالك فِي بُنيان الدّور وتشييد الْقُصُور ونسيت الْمَوْت والتحول إِلَى ظلمَة الْقُبُور ثاويا فِيهَا إِلَى يَوْم النشور وأنشدوا
(أَلا للخراب بنى العامرونا ... وللموت مَا ولد الوالدونا)
(وَعَما قَلِيل يرى الْآخرُونَ ... عجائب مَا قد رأى الأولونا)
(ويشقى أنَاس بِمَا جمعُوا ... ويسعد بالقلة الزاهدونا)
(وَلَا يرحمون إِذا مَا بكوا ... وَلَا يرتجي الرَّحْمَة الظالمونا)
(وَيسْأل قوم هُنَاكَ الرُّجُوع ... فَلَا يرجعُونَ وَلَا يكرمونا)
اعْلَم يَا مِسْكين أَن الْمنية خير من الْحَيَاة الدنية يَا ابْن آدم الرقاد وَالله تَحت التُّرَاب خير لمعصيتك لرب الأرباب
٢٨١ - عظة الْمَوْت
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (كفى بِالْمَوْتِ واعظا وَكفى بِالْعبَادَة شغلا وَكفى بالقين غناء) وَاعْلَمُوا عباد الله أَنه لَا أمة بعد أمتكُم وَلَا نَبِي بعد نَبِيكُم وَإِنَّمَا ينْتَظر بأولكم أَن يلْحق آخركم ثمَّ يجمعُونَ فِي عَرصَة الْقِيَامَة لوُقُوع الْحَسْرَة والندامة عِنْد ذَلِك لَا ينفعكم مَال وَلَا بنُون ويحال بَيْنكُم وَبَين مَا تشتهون ويحيق بكم مَا كُنْتُم بِهِ تستهزؤون
وأنشدوا
(كل حَيّ وَإِن بَقِي ... فَمن الْمَوْت يَسْتَقِي)
(فاعمل الْيَوْم واجتهد ... بَادر الْيَوْم يَا شقي)
٢٨٢ - أَبُو الْعَتَاهِيَة الشَّاعِر
ذكر عَن أبي الْعَتَاهِيَة ﵀ أَنه دخل يَوْمًا على الرشيد فَقَالَ لَهُ الرشيد أَنْشدني فَقَالَ اجْعَل لي الْأمان قَالَ أَنْت آمن فَأَنْشَأَ وَأنْشد
(لَا تأمن الْمَوْت فِي طرف وَلَا نفس ... وَإِن تسترت بالحجاب والحرس)
(وَاعْلَم بِأَن سِهَام الْمَوْت قاصدة ... لكل مدرع منا ومترس)
(مَا بَال دينك ترْضى أَن تدنسه ... وثوبك الدَّهْر مغسول من الدنس)
стр. 158
(ترجو النجَاة وَلم تسلك مسالكها ... إِن السَّفِينَة لَا تجْرِي على اليبس)
فاعلموا يَا معشر بني آدم أَن الْمَوْت لَا يتْرك مِنْكُم أحدا وَلَا يرحم والدا وَلَا ولدا فَاجْعَلُوهُ بَين أعينكُم مَنْصُوبًا فَإِنَّهُ لَا يتْرك الْفَرح كئيبا مكروبا فيقيننا يَقِين من يَمُوت وأعمالنا أَعمال من لَا يَمُوت كَأَن يقيننا بِالْمَوْتِ مشوبا بِالشَّكِّ وَكَأن إيمَاننَا بِالْبَعْثِ ممزوجا بالإفك مَا هَذِه حَال من أَيقَن بالحمام يَعْصِي مَوْلَاهُ فِي اللَّيَالِي وَالْأَيَّام
وأنشدوا
(نَحن من الْعُمر فِي ظنون ... وَفِي يَقِين من الْمنون)
(ثمت لَا نذْكر المنايا ... أَلَيْسَ ذَا غَايَة الْجُنُون)
٢٨٣ - مثل الدُّنْيَا وَالْمَوْت
ذكر عَن بعض الصَّالِحين أَنه قَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام رجلا وَهُوَ فِي بَريَّة وأمامه غزالة وَهُوَ يجْرِي خلفهَا وَهِي تَفِر مِنْهُ وَأسد كأعظم مَا يكون خلقَة وَقد هم أَن يلْحقهُ وَالرجل يرد رَأسه وَينظر إِلَى الْأسد فَلَا يجزع مِنْهُ ثمَّ يجْرِي خلف الغزالة حَتَّى لحق بِهِ الْأسد فَقتله فوقفت الغزالة تنظر إِلَيْهِ وَهُوَ مقتول إِذْ جَاءَ رجل آخر قد فعل مَا فعله الْمَقْتُول فَقتله الْأسد وَلم يدْرك الغزالة فَخرج آخر فَفعل كَذَلِك قَالَ فَمَا زلت أعد وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى عددت مائَة رجل صرعى والغزالة واقفة فَقلت إِن هَذَا لعجب فَقَالَ الْأسد مِم تعجب أَو مَا تَدْرِي من أَنا وَمن هَذِه الغزالة فَقلت لَا فَقَالَ أَنا ملك الْمَوْت وَهَذِه الغزالة الدُّنْيَا وَهَؤُلَاء أَهلهَا يَجدونَ فِي طلبَهَا وَأَنا أقتلهم وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى آتِي على آخِرهنَّ فَاسْتَيْقَظت فَزعًا مَرْعُوبًا وأنشدوا
(حَتَّى مَتى وَإِلَى مَتى نتوانى ... وأظن هَذَا كُله نِسْيَانا)
(وَالْمَوْت يطلبنا حثيثا مسرعا ... إِن لم يزرنا بكرَة مسانا)
(إِنَّا لنوعظ بكرَة وَعَشِيَّة ... وكأنما يَعْنِي بِذَاكَ سوانا)
(غلب الْيَقِين على التشكك فِي الردى ... حَتَّى كَأَنِّي قد أرَاهُ عيَانًا)
(يَا من يصير غَدا إِلَى دَار البلى ... وَيُفَارق الإخوان والخلانا)
(إِن الْأَمَاكِن فِي الْمعَاد عزيزة ... فاختر لنَفسك إِن عقلت مَكَانا)
(وَانْظُر لنَفسك إِن أردْت تعزها ... قبل الْمَمَات وَلَا تكن مهوانا)
стр. 159
وَاعْلَمُوا عباد الله أَن مَا من جمَاعَة وَإِن كثرت إِلَّا وَالْمَوْت يقللها حَتَّى يفنيها عَن آخرهَا وَإِنَّمَا أعمارها عوار وَالْعَارِية لَا تبقى يرجع الْكل إِلَى الله تَعَالَى يفصل بَينهم بِالْحَقِّ وَهُوَ خير الفاصلين فشقي وَسَعِيد وَمِنْهُم ومعذب
وأنشدوا
(وَمَا أهل الْحَيَاة لنا بِأَهْل ... وَلَا دَار الفناء لنا بدار)
(وَمَا أَمْوَالنَا إِلَّا عوار ... سيأخذها الْمُعير من المعار)
٢٨٤ - ملاقاة الْأَرْوَاح
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِذا عرج بِروح الْمُؤمن تَلَقَّتْهُ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ بِالرَّحْمَةِ والبشرى كَمَا يتلَقَّى الْغَائِب فِي الدُّنْيَا ثمَّ يقبلُونَ عَلَيْهِ فيسألونه فَيَقُولُونَ مَا فعل فلَان وَمَا حَاله فَيَقُول بِخَير تركته وَالله على طَريقَة حَسَنَة
فَيَقُولُونَ يَا رَبنَا أَنْت هديته لذَلِك فثبته عَلَيْهِ حَتَّى تقبضه وَإِن سَأَلُوهُ عَن إِنْسَان قد مَاتَ فَيَقُول قد هلك فَيَقُولُونَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون عمل وَالله بِغَيْر عَملنَا فسلك بِهِ غير طريقنا ذهب وَالله بِهِ إِلَى أمة الهاوية بئست الْأُم وبئست المربية
٢٨٥ - أَعمال الْأَحْيَاء والأموات
قَالَ رَسُول الله ﷺ (تعرض على الْمَوْتَى أَعمالكُم فَإِن رَأَوْا خيرا اسْتَبْشَرُوا بِهِ وَقَالُوا اللَّهُمَّ هَذِه نِعْمَتك فأتممها على عَبدك وَإِن رَأَوْا سَيِّئَة اغتموا لَهَا وَقَالُوا اللَّهُمَّ رَاجع بعبدك قَالَ رَسُول الله ﷺ (فَلَا تحزنوا أمواتكم بأعمالكم السَّيئَة فَإِن أَعمالكُم تعرض عَلَيْهِم) فَالله الله عباد الله اجتهدوا فِي اكْتِسَاب الْحَسَنَات وَاجْتَنبُوا فِي ليلكم ونهاركم السَّيِّئَات فَإِن ذَلِك محزن الْأَهْل والأقربين من الْأَمْوَات
وأعملوا فِي صحتكم قبل السقم وَقدمُوا فِي شبابكم قبل الْهَرم فَإِن الْمَوْت إِذا جَاءَ لَا يرجع وسهامه إِذا فَوْقهَا لَا تدفع وكأسه إِذا أدارها لاتنزع حياضه مورودة وساعاته مَعْدُودَة وأهواله مَشْهُودَة وَالْحِيلَة عِنْد نُزُوله مفقودة غير مَوْجُودَة
وأنشدوا
(الْمَوْت حتم حَوْضه مورود ... وَالْمَوْت يفني جَمعنَا ويبيد)
(وَالْمَوْت يحكم فِي النُّفُوس بحتفها ... وَله على تَنْفِيذ ذَاك جنود)
(وَالْمَوْت يفْسد مهجة الْملك الَّذِي ... قد عززته عَسَاكِر وجنود)
(وقلوبنا فِي كل ذَا مشغوفة ... حبا لدار زهرها مَعْقُود)
стр. 160
(وَإِلَى مَتى تهوى الَّذِي هُوَ هلكها ... وَإِلَى مَتى لَا تنثني وتعود)
الله الله يَا أَعْرَاض الْمنية وَيَا أَبْوَاب البلية وَيَا معادن الرزية
أفيقوا من هَذَا الوسن قبل أَن تزودوا من أَمْوَالكُم بحنوط وكفن
إِذا تَبرأ مِنْكُم الحبيب وَأنكر معرفتكم الْقَرِيب وَصَارَ كل وَاحِد مِنْكُم كَأَنَّهُ أَجْنَبِي وغريب
وأنشدوا
(الْمَوْت بَاب وكل النَّاس دَاخله ... فليت شعري بعد الْبَاب مَا الدَّار)
(الدَّار دَار نعيم إِن عملت بِمَا ... يرضى الْإِلَه وَإِن خَالَفت فَالنَّار)
٢٨٦ - المثابرة
يَا أخي بِاللَّه عَلَيْك لَو أَتَاك الْحمام وَلَك ملك الدُّنْيَا أما كنت تخْتَار عَيْش يَوْم بِالْجَمِيعِ فبادر مَا دمت فِي فسحة من الْعُمر قبل أَن يضيق عَلَيْك الْأَمر لَو صِيحَ بك اللَّيْلَة أجب الدَّاعِي أما كنت نَادِما على مَا قدمت وباكيا على مَا فرطت وأنشدوا
(الْمَوْت بَحر طامح موجه ... تذْهب فِيهِ حِيلَة السابح)
(يَا نفس إِنِّي قَائِل فاسمعي ... مقَالَة من مُشفق نَاصح)
(مَا يعجب الْإِنْسَان فِي قَبره ... مثل التقي وَالْعَمَل الصَّالح)
فَالله الله عباد الله اسْتَعدوا للْمَوْت فَكَأَنَّهُ قد نزل بكم فأرمل النسوان وأيتم الْولدَان وَفرق الإخوان فوَاللَّه يَا أَيهَا الْإِنْسَان وَإِنَّمَا أَنا وَأَنْتُم ذَلِك الْإِنْسَان لَو لم يكن مَاء وَلَا ظلال وَلَا جَوَاب وَلَا سُؤال وَلَا نعيم وَلَا ثَوَاب وَلَا جحيم وَلَا عِقَاب لَكَانَ فِي الْمَوْت وسكرته والقبر وظلمته واللحد وضغطته مَا يمْنَع الْعَاقِل اللبيب عَن كسب الْخَطَايَا والذنُوب فَكيف وَمن وَرَاء ذَلِك هول مهول وَشرح يطول من الصُّور ونفخته والنشور وروعته والصراط ورقته ومساءلة الله تَعَالَى للْعَبد وتوبيخه
فَمَا يكون جوابك أَيهَا الْمَغْرُور إِذا وقفت بَين يَدي الْعَالم الغفور لذِي يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور فأظهر لَك قبائحك وَنشر لَك فضائحك وَاسْتشْهدَ عَلَيْك جوارحك فَإِن عَفا عَنْك فَأَنت من الفائزين وَإِن طالبك بِمَا قدمت يداك فَأَنت من الخاسرين
عَفا الله عَنَّا أَجْمَعِينَ وَغفر لنا ذنوبنا فَهُوَ خير الغافرين آمين رب الْعَالمين
وأنشدوا
(من كَانَ يَرْجُو أَن يعِيش فإنني ... أَصبَحت أَرْجُو أَن أَمُوت فأعتقا)
стр. 161
(فِي الْمَوْت ألف فَضِيلَة لَو أَنَّهَا ... عرضت لَكَانَ سَبيله أَن يعشقا)
٢٨٧ - قبض أَرْوَاح الصَّالِحين
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار عَن بعض السّلف الأخيار عَن النَّبِي الْمُصْطَفى الْمُخْتَار أَن الله إِذا أَرَادَ قبض روح عَبده الْكَرِيم عَلَيْهِ وَهُوَ التقي لِأَنَّهُ بالتقوى كرم عَلَيْهِ دَعَا بِملك الْمَوْت فَقَالَ اذْهَبْ يَا ملك الْمَوْت إِلَى عَبدِي فلَان فأتني بِرُوحِهِ ليرتاح عِنْدِي فحسبي من عمله أَنِّي قد بلوته فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء فَوَجَدته حَيْثُ أحب فَيذْهب ملك الْمَوْت فَيَأْخُذ من مسك الْجنَّة الأذفر وحريرها الْأَبْيَض فيهبط بِهِ ويهبط فِي أَثَره خَمْسمِائَة ملك لَيْسَ مِنْهُم ملك إِلَّا وَمَعَهُ بِشَارَة من الله تَعَالَى إِلَى ذَلِك الْوَلِيّ وَلَيْسَ مِنْهُم ملك يدْرِي مَا مَعَ صَاحبه من الْبشَارَة وَلَيْسَ مِنْهُم ملك إِلَّا وَمَعَهُ صبائر فِي الريحان يَعْنِي حزما من الريحان من ريحَان الْجنَّة فَإِذا هَبَطُوا أَحدقُوا بولِي الله وَجلسَ ملك الْمَوْت عِنْد رَأسه وَنَفث فِي وَجهه سم الْمَوْت فصرعه وَيَقُول لَهُ يَا ولي الله ارتحل من الدُّنْيَا فَلَيْسَتْ لَك دَار وَلَيْسَت لَك بوطن وَلَا بُد لَك يَا ولي الله أَن تذوق كَمَا ذاق إخوانك من قبلك قَالَ فَملك الْمَوْت ألطف باستخراج نَفسه من الوالدة بِوَلَدِهَا
فَإِذا أَذِنت نَفسه بِالْخرُوجِ وَكَانَت عِنْد ذقنه أكب عَلَيْهِ الَّذين جاؤوا مَعَ ملك الْمَوْت وهم خَمْسمِائَة ملك يخبرونه بالبشارة الَّتِي أرسلهم الله بهَا إِلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْهُم ملك إِلَّا وَهُوَ يضع على كل طَائِفَة من جسده من صبائر الريحان الَّذِي جاؤوا بِهِ فَإِذا خرجت نَفسه لفها ملك الْمَوْت فِي ذَلِك الْأَبْيَض والمسك الأذفر ثمَّ يعرج بهَا إِلَى السَّمَاء وَتثبت الْمَلَائِكَة الَّذين بشروه عِنْد جسده عِنْد أَهله
٢٨٨ - مَلَائِكَة الرَّحْمَة
فَإِذا دنا من السَّمَاء تَلقاهُ جِبْرِيل ﵇ فِي سبعين ألف موكب من الْمَلَائِكَة فَأخذ الرّوح مِنْهُ جِبْرِيل ﵇ فعرج بِهِ حَتَّى يَضَعهُ بَين يَدي الْجَبَّار ﵎ فَيَقُول ﷻ وَتَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء لجبريل ﵇ اذْهَبْ فدع ولي الله فِي سدر مخضود وطلح منضود
فَإِذا حمل الرجل إِلَى سَرِيره هَبَط خَمْسمِائَة ملك آخَرُونَ سوى الَّذين جاؤوا مَعَ ملك الْمَوْت فيجلسوا صفّين مَا بَين منزله إِلَى قَبره يستقبلون جنَازَته بالاستغفار وَإِذا أدلي فِي قَبره وحثي عَلَيْهِ التُّرَاب وَولى الْقَوْم جَاءَتْهُ الصَّلَاة فَكَانَت عَن يَمِينه وجاءه الصَّوْم فَكَانَ عَن شِمَاله
стр. 162
وجاءه ذكر الله تَعَالَى وتلاوة الْقُرْآن فَكَانَا عِنْد رَأسه وجاءه مَشْيه إِلَى الْجمع وَإِلَى مجَالِس الْعلم وعيادة المرضى وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَالصَّدَََقَة فَكَانُوا عِنْد رجلَيْهِ وجاءه الصَّبْر على مَا يكره وعَلى مَا يحب فَلم يجد مَجْلِسا فيجلس فِي نَاحيَة من نواحي قَبره فَيخرج لَهُ من قَبره عنق من الْعَذَاب فَيَأْتِي عَن يَمِينه فَتَقول هله الصَّلَاة إِلَيْك عني لَا سَبِيل لَك عَلَيْهِ إِنَّمَا استراح ولي الله من الإقبال والإدبار هَذِه السَّاعَة ثمَّ يَأْتِي عَن شِمَاله فَيَقُول الصّيام إِلَيْك عني لَا سَبِيل لَك إِلَيْهِ إِنَّمَا استراح ولي الله من الإقبال والإدبار هَذِه السَّاعَة ثمَّ يَأْتِي عِنْد رجلَيْهِ فَيَقُول لَهُ مَشْيه إِلَى الْجمع وَإِلَى مجَالِس الْعلمَاء وعيادة المرضى وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَالصَّدَََقَة إِلَيْك عَنَّا لَا سَبِيل لَك عَلَيْهِ إِنَّمَا استراح ولي الله من الإقبال والإدبار هَذِه السَّاعَة قَالَ فَلَمَّا لم ير شيا انقمع وَدخل فِي الْموضع الَّذِي خرج مِنْهُ فَيَقُول الصَّبْر لهَؤُلَاء أما إِذا كفيتموني عَذَاب الْقَبْر فسأكفيكموه عِنْد الْمِيزَان إِذا نصب
٢٨٩ - سُؤال الْملكَيْنِ
قَالَ ثمَّ يخرج الله إِلَيْهِ مُنْكرا ونكيرا وهما ملكا الْقَبْر أسودان أزرقان يبحثان الْقُبُور بأنيابهما ويطآن فِي اشفارهما
كِلَاهُمَا مثل الرَّعْد القاصف وأبصارهما مثل الْبَرْق الخاطف وأنفاسهما مثل لَهب النَّار وألوانهما مثل اللَّيْل المظلم
فَيَقُولَانِ لَهُ من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك فَيَقُول الله رَبِّي وديني الْإِسْلَام ونبيي مُحَمَّد ﵊ وَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَيَقُولَانِ لَهُ قد علمنَا أَنَّك سَتَكُون مُؤمنا فيفتحان لَهُ بَابا إِلَى النَّار فَينْظر إِلَى مَا أعد الله فِيهَا لأهل الْمعْصِيَة من النقمَة وَالْعَذَاب قَالَ فيرفعان ذَلِك الْبَاب دونه ثمَّ يَقُولَانِ لَهُ لَا تخف يَا ولي الله من هَذَا الْبَاب أبدا ثمَّ يفتحان لَهُ بَابا إِلَى الْجنَّة فَينْظر إِلَى مَا أعد الله لأهل طَاعَته من الْخَيْر الدَّائِم الْمُقِيم الَّذِي لَا زَوَال لَهُ وَلَا انْقِطَاع فَيَقُولَانِ لَهُ يَا ولي الله هَذَا دَارك وقرارك ومنزلك
٢٩٠ - نعيم الْقَبْر
قَالَ فَذَلِك الْبَاب مَفْتُوح إِلَى قَبره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة يخرج من ذَلِك الْبَاب إِلَى قَبره ريح الْجنَّة وروحها وبردها يوسعان لَهُ قَبره مد بَصَره ثمَّ يَقُولَانِ لَهُ يَا ولي الله نم فينام نوم الْعَرُوس فِي حجالها حَتَّى يَبْعَثهُ الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَى أَزوَاجه وَحرمه أَلا ترى أَيهَا الغافل عَن طَاعَة ربه الْمصر على ذَنبه إِلَى هَذَا الْوَلِيّ الَّذِي
стр. 163
صَار إِلَى قَبره وَخرج عَلَيْهِ نوع من عَذَاب ربه وَأَن أَعماله الصَّالِحَة كَانَت جُنُودا حوله فَلم يجد الْعَذَاب دونهَا مدخلًا إِلَيْهِ وَلَوْلَا قِيَامهَا حواليه لَكَانَ عَذَاب الله واصلا إِلَيْهِ فَلَو لم يكن بِطَاعَة الله عَاملا لم يَجْعَل الْمولى بَينه وَبَين عَذَابه حَائِلا وَمن لم يكن بَينه وَبَين النَّار حَائِل فالهلاك والخزق لَهُ حَاصِل وَالْعَذَاب والذل إِلَيْهِ وَاصل فَكل من زعم أَنه مُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله وَكتابه وَلم يَجْعَل الْعَمَل الصَّالح وقاية بَينه وَبَين عَذَابه فقد تعرض لهلاكه وعقابه لِأَنَّهُ لم يَجْعَل حَائِلا بَينه وَبَين جسده وكل مَوضِع أَمر الله باتقائه فِي كِتَابه فَإِنَّمَا هُوَ تحذير من عَذَابه
وأنشدوا
(الْمَوْت أهنأ للمطيع وَأصْلح ... وَالْمَوْت أطيب للتقي وأنجح)
(وَالْمَوْت أقرب للجنان طَريقَة ... وَالْعَبْد يُكرمهُ الْإِلَه ويمنح) (
٢٩١ - سُلَيْمَان وَملك الْمَوْت
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن سُلَيْمَان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسّلم دَعَا الله تَعَالَى وَسَأَلَهُ أَن يرِيه ملك الْمَوْت وَأَن يلْبسهُ من الْقُوَّة حَتَّى يكلمهُ فَبَيْنَمَا هُوَ قَاعد ذَات يَوْم على سَرِيره إِذْ خرج رجل من جنب السرير لَيْسَ يرَاهُ أحد إِلَّا سُلَيْمَان لم ير سُلَيْمَان قطّ أتم خلقا مِنْهُ فَقَالَ يَا عبد الله مَا أدْخلك دَاري قَالَ أدخلنيها رَبهَا أدخلني من هُوَ أملك لَهَا مِنْك ومني فَعلم عِنْد ذَلِك أَنه من مَلَائِكَة الله فَقَالَ لَهُ من أَنْت من مَلَائِكَة رَبِّي قَالَ أَنا ملك الْمَوْت قَالَ فَسَمِعُوا من كَلَامه جلبة فَصعِقَ سُلَيْمَان من خَوفه وَمن كَانَ مَعَه فِي الْبَيْت فَقَالَ ملك الْمَوْت يَا رب إِن عَبدك سُلَيْمَان وَنَبِيك سَأَلَك أَن تَأذن لي بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ وَقد بلغ من خَوفه وَمن مَعَه مَا ترى فألبسه من الْقُوَّة مَا يُطيق النّظر إِلَيّ فَأوحى الله تَعَالَى إِلَى ملك الْمَوْت أَن ضع يدك فِي صدر سُلَيْمَان فَفعل فأفاق سُلَيْمَان وَمن مَعَه بِإِذن الله تَعَالَى قَالَ سُلَيْمَان يَا ملك الْمَوْت أَتَرَى خلق الله فِي السَّمَوَات والارض مثلك فَقَالَ ملك الْمَوْت يَا نَبِي الله وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ إِن رجْلي السَّاعَة على مَنْكِبي ملك وَذَلِكَ الْملك هُوَ الْمَوْت قد خرق قرناه السَّمَوَات السَّبع وارتفع فَوق ذَلِك مسيرَة ألف عَام وَرجلَاهُ قد جاوزا الثرى بِخَمْسِمِائَة عَام فاتحا فَاه رَافعا صَوته بالتهليل وَالتَّقْدِيس وَالتَّسْبِيح باسطا يَدَيْهِ لَو أذن الله لَهُ أَن يقبضهما إِلَى صَدره لضم السَّمَوَات وَمَا فِيهِنَّ وَمَا عَلَيْهِنَّ مَا خلا الْعَرْش وَأَن فَوْقه ملكا قَائِما قد أَدخل رجلَيْهِ تَحت مَنْكِبي هَذَا الْملك وَهَذَا من فَوْقه
стр. 164
مسيرَة ألف عَام فاتحا فَاه وَأَن شفته الْعليا ملتصقة بالعرش والسفلى تَحت الثرى لَو أذن الله تَعَالَى لَهُ أَن يضع شفته الْعليا على السُّفْلى لأطبق مَا بَينهمَا فِي جَوْفه وَأَن لله ملكا عُنُقه فثني تَحت الْعَرْش وَرجلَاهُ قد جاوزتا رجْلي هذَيْن الْملكَيْنِ مسيرَة ألف عَام يخرج الرّيح من أَنفه
لَو أذن الله أَن يتنفس لأدخل جَمِيع مَا خلق الله فِي السَّمَوَات وَالْأَرضين فِي أَنفه سوى الْعَرْش وَأَن هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة الَّذين وصفت لَك يكون خلقهمْ عِنْد خلق غَيرهم من الْمَلَائِكَة الَّذين فَوْقهم كجناح ذُبَابَة عِنْد الْفِيل وَأَن لله ملكا باسطا كَفه الْيُمْنَى مُنْذُ خلقه الله تَعَالَى رَافعا صَوته بالتهليل وَالتَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس والتحميد لَو أذن الله لَهُ أَن يقبض كَفه لقبض جَمِيع الْخَلَائق مَا خلا الْعَرْش
فَقَالَ سُلَيْمَان ﷺ ياملك الْمَوْت أكفف عني فَلَقَد وصفت أمرا أَتَخَوَّف أَن تطير روحي وَلَا تثبت نَفسِي وَلَا أُطِيق سَمَاعه فَكف ملك الْمَوْت فَعندهَا قَالَ سُلَيْمَان ﵇ يَا رب مَتى ألتقي مَعَ الْأَحِبَّة يَا رب قد أَحْبَبْت لقاءك والراحة من الدُّنْيَا
فَهَذَا كَانَ سَبَب موت سُلَيْمَان ﵇
وأنشدوا
(الْمَوْت مر والعيش هم ... فَأَي هذَيْن لزم)
(وَقد تعجبت إِذْ هُنَا لي ... عَيْش وَعِنْدِي بِالْمَوْتِ علم)
(أنقل رجْلي من كل دَار ... خوف المنايا وَالْأَرْض سم)
(وَالروح مستوفز بجسمي ... لَهُ على الِانْتِقَال عزم)
فكأنكم وَالله بِالْمَوْتِ قد فاجأكم وأزعجكم عَن لذاتكم ونغص عَلَيْكُم شهواتكم ونقلكم إِلَى بيُوت الوحشة والضيق حَيْثُ لَا ينفعكم حميم وَلَا صديق وَلَا أَخ شَقِيق وَلَا وَالِد شفيق
٢٩٢ - نِدَاء الْمَوْت
رُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي ﵁ أَنه قَالَ مَا من يَوْم إِلَّا وَملك الْمَوْت يُنَادي يَا أهل الدُّنْيَا عجلوا عجلوا لِأَن أهل الْقُبُور محبوسون من أجلكم اتْرُكُوا مَا جمعتم وخربوا مَا بنيتم الويل لكم إِن أدرككم الْمَوْت على هَذِه الْحَالة زينتم الدّور ونسيتم الْقُبُور
اذْكروا الْقَبْر ووحشته وَالْمَوْت وسكرته والصراط ودقته
وَالْمَوْت سكرة فِي سكرة وحيرة فِي حيرة وجذبة يَا لَهَا من
стр. 165
جذبة
فالمسكين يكابد غصص الْمنون داهش الْعقل كالمحزون
فَالله الله عباد الله أفيقوا من سكراتكم
وانتبهوا من نوماتكم واستيقظوا من غفلاتكم قبل نزُول الْمنية وحلول الرزية وَوَقع البلية
حَيْثُ لَا مَال نَافِع وَلَا حميم شَافِع وَلَا فَرح وَاقع وَلَا رَجَاء طامع وَلَا حَسَنَة تزاد وَلَا حَيَاة تُعَاد ويزودك أحبابك بالصراخ ويكثرون عَلَيْك الْبكاء والنواح فَلَا عَثْرَة تقال وَلَا رَجْعَة تنَال
وأنشدوا
(أَلا إِن أَيَّام الْحَيَاة مراحل ... طَرِيق الْفَتى مِنْهَا إِلَى الْمَوْت سَاحل)
(يسر بِمَا يمْضِي لما هُوَ آمل ... وَيَأْتِي الردي من دون مَا هُوَ آمل)
(وَمَا يَوْمه إِلَّا غَرِيم مُحكم ... إِذا مَا اقْتَضَاهُ نَفسه لَا يماطل)
(عجبت لمن يَبْغِي السَّلامَة جاهدا ... وَمر اللَّيَالِي كُلهنَّ غوائل)
(وَنحن بَنو الْأَيَّام نظلم نفوسنا ... وَنَرْجِع وَهِي القاتلات الثواكل)
(وَمن لحظ الدُّنْيَا بِعَين بَصِيرَة ... رأى عينهَا فِي نَفسه وَهُوَ شائل)
٢٩٣ - عظة من الْغَفْلَة
أَيهَا الْإِنْسَان وكلنَا ذَلِك الْإِنْسَان اسْتَيْقَظَ من غفلتك وهب من رقدتك
قد آن أَن يَدعِي إِلَيْك الطَّبِيب بِجمع الدَّوَاء فَلَا يُرْجَى لَك مِمَّا نزل بك الشِّفَاء
ثمَّ يُقَال فلَان قد أوصى وَجَمِيع مَا لَهُ قد أحصى
قد تَبرأ من الدُّنْيَا وعلائقها وَأَقْبل إِلَى الْآخِرَة وحقائقها
ثمَّ ضعف جنانك وَثقل لسَانك وَانْقطع عَن كلامك فَلَا تكلم إخوانك وَكَثُرت خطوبك وعظمت كروبك إِذا عرضت عَلَيْك عِنْد كشف الغطاء ذنوبك واشتدت الأحزان وَعلا صُرَاخ النسوان وحزن الصّديق الْوَدُود وَفَرح الْعَدو الحسود ثمَّ يُقَال لَك هَذَا ولدك الصَّغِير وَهَذَا الْكَبِير وَهَذِه بنتك الْكُبْرَى وَهَذِه شقيقتها الصُّغْرَى فَلَا ترد عَلَيْهِم جَوَابا وَلَا يَسْتَطِيع لسَانك خطابا ثمَّ اشْتَدَّ بك النزع والسياق إِذا الْتفت السَّاق بالساق وانتزع ملك الْمَوْت روحك الضَّعِيف وعرج بِهِ إِلَى مَوْلَاك الرب اللَّطِيف يجازيك على مَا قدمت فِي سالف الْأَيَّام ويسألك عَمَّا اكْتسبت من الْحَلَال وَالْحرَام
وَأمر بك إِمَّا إِلَى جنَّة عالية ذَات نعيم وخلود وَإِمَّا إِلَى نَار حامية ذَات جحيم ووقود وزودت من مَالك حنوطا وكفنا وَنزلت فِي رمسك بعملك مرتهنا
وَانْصَرف أهلك لقسمة مَا خلفت من الْأَمْوَال وَمَا سعيت فِيهِ من الْحَرَام والحلال
وأنشدوا
стр. 166
(أبقيت مَالك مِيرَاثا لوَارِثه ... فليت شعري مَا أبقى لَك المَال)
(الْقَوْم بعْدك فِي حَال يسرهم ... فَكيف بعدهمْ صَارَت بك الْحَال)
(ملوا الْبكاء فَمَا يبكيك من أحد ... واستحكم القيل فِي الْمِيرَاث والقال)
(مَالَتْ بهم عَنْك دنيا أَقبلت لَهُم ... وأدبرت عَنْك وَالْأَيَّام أَحْوَال)
قَالَ رجل من الصَّالِحين رَأَيْت رجلا قد مَاتَ ووراثه يختصمون فِي مِيرَاثه قبل أَن تخرج جنَازَته فَقلت هَذِه الأبيات الْمُتَقَدّمَة
٢٩٤ - نِدَاء الْملك
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن تَحت الْعَرْش ملكا يُنَادي كل يَوْم وَلَيْلَة الويل ثمَّ الويل لمن ترك عِيَاله بِخَير وَقدم على الله بشر
فَالله الله ارحموا أَنفسكُم قبل أَن لَا ترحموا وأكرموها قبل أَن لَا تكرموا
واذْكُرُوا الْمَوْت وَمَا بعده من عَظِيم الْأَهْوَال واستعدوا لَهُ بذخائر الْأَعْمَال وأنشدوا
(أرى الدَّهْر لَا يصفى إِلَى من لَا يعاتبه ... وأعتب دُنْيَاهُ على من يثالبه)
(وَنحن نرجي الْخلد فِي غير دَارنَا ... وَأَيْنَ خُلُود الْمَرْء إِن مَاتَ صَاحبه)
(كأنا عطاشى والمنية منهل ... نسير إِلَيْهِ والليالي ركائبه)
(كفى سالبا للمرء يَوْم وَلَيْلَة ... وَمن يلبسن الْأَيَّام فَهِيَ سوالبه)
(فَلَا تأمن الدَّهْر الخئون فَإِنَّمَا ... هُوَ الْيَوْم سلم ثمَّ حَرْب عواقبه)
أَيهَا النَّاس اسْتَعدوا لما خلقْتُمْ لَهُ فَإِن الله لم يخلقكم عَبَثا وَإِنَّمَا خَلقكُم لتعبدوه وتوحدوه وليميتكم ويبعثكم بعد الْمَوْت وَمَا رزقكم رزقه إِلَّا لتستعينوا بِهِ على طَاعَته
وَمَا خلق الدُّنْيَا إِلَّا للزوال وَجعلهَا دَار ابتلاء واختبار وسجنا لأوليائه وجنة لأعدائه
فراحة الْأَوْلِيَاء الْمَوْت وَعَذَاب أعدائه الْمَوْت لِأَن الْأَوْلِيَاء إِذا مَاتُوا صَارُوا إِلَى جنَّة النَّعيم والعيش الْمُقِيم والأعداء إِذا مَاتُوا صَارُوا
стр. 167
إِلَى الْعَذَاب الْأَلِيم
فَالله الله عباد الله لَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور وأنشدوا
(ومنتظر للْمَوْت فِي كل سَاعَة ... يشيد وَيَبْنِي دَائِما ويحصن)
(لَهُ حِين تبلوه حَقِيقَة موقن ... وأفعاله أَفعَال من لَيْسَ يُوقن)
(عيان كأنكار وكالجهل علمه ... بمذهبه فِي كل مَا يتَيَقَّن)
٢٩٥ - حِكَايَة عَن واعظ
ذكر أَن شَيخا من تيماء كَانَ يجلس إِلَيْهِ أَصْحَابه فَإِذا كَانَ عِنْد قيامهم عَنهُ قَالَ قومُوا قيام من قد يئسوا من المعاودة حذرا من القاطف للنَّفس ملك الْمَوْت ثمَّ يبكي ويبكوا حوله
وأنشدوا
(وَكن مستعدا لداعي الْمنون ... فَكل الَّذِي هُوَ آتٍ قريب)
(وقبلك داوي الْمَرِيض الطَّبِيب ... فَعَاشَ الْمَرِيض وَمَات الطَّبِيب)
(يخَاف على نَفسه من يَتُوب ... فَكيف ترى حَال من لَا يَتُوب) إِن من الشّعْر لحكمه
٢٩٦ - خشيَة عِيسَى من الْمَوْت
رُوِيَ أَن عِيسَى ﵇ كَانَ إِذا ذكر عِنْده الْمَوْت أَو ذكره تقطر جسده مَاء من خوف هوله يَا أخي يَا غافل مثلي يَا مِسْكين فعيسى صلوَات الله عَلَيْهِ يخَاف وَهُوَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ من الطَّاعَة لرَبه فَكيف بك يَا مِسْكين على مَا أَنْت عَلَيْهِ من الْمعْصِيَة لمولاك فَالله الله يَا إخْوَانِي لَا تغتروا بِصِحَّة الْأَجْسَام ومداومة الْأَيَّام فَإِن الْمَوْت يَأْتِي فِي ألهى مَا أَنْت عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وألذ مَا كنت فِيهِ فَلَا الصَّحِيح يَدعه لصِحَّته وَلَا الصَّغِير يرحمه لصغره وَلَا الْكَبِير يهابه لكبره
وأنشدوا
(وَكم من صَحِيح بَات للْمَوْت آمنا ... أَتَتْهُ المنايا بَغْتَة بعد مَا هجع)
(فَلم يسْتَطع إِذْ جَاءَهُ الْمَوْت بَغْتَة ... فِرَارًا وَلَا مِنْهُ بحيلته امْتنع)
(وَقرب من قبر فَصَارَ مقِيله ... وَفَارق من قد كَانَ بالْأَمْس قد جمع)
(فَلَا يتْرك الْمَوْت الْغَنِيّ لمَاله ... وَلَا معدما فِي المَال ذَا حَاجَة يدع)
٢٩٧ - حَدِيث فِي ملك الْمَوْت
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن ملك الْمَوْت ينظر لوجه الْعباد فِي كل يَوْم
стр. 168
سبعين مرّة فَإِذا ضحك العَبْد الَّذِي بعث لقبض روحه يَقُول لَهُ يَا عجبا لَك يَا فلَان أمرت بِقَبض روحك وَأَنت تضحك فالعجب كل الْعجب بِمن الْمَوْت يَطْلُبهُ والمنية تعاجله وَهُوَ من ذَلِك على يَقِين وَهُوَ يضْحك ويلهو
وأنشدوا
(ضحك الْفَتى من عجبه جَهَالَة ... وَالْمَوْت يَطْلُبهُ حثيثا مسرعا)
(وَالْمَوْت لَا يدع الجهول لضحكه ... إِلَّا رَمَاه بسهمه فتفجعا)
(فتفلقت أوصاله لنزوله ... وتفتت الْعظم الصَّلِيب توجعا)
(وَبكى لفرقة مَاله وَعِيَاله ... وَمضى إِلَى دَار البلى متضرعا)
فَالله الله عباد الله لَا يَغُرنكُمْ طول الأمل وجدوا واجتهدوا وَكُونُوا من الْمَوْت على وَجل فَإِن للْمَوْت غاد ورائح وماس وصابح وَأَنت يَا أخي مِنْهُ على يَقِين وَتَحْقِيق فَلم تحد عَن منهاج الطَّرِيق
٢٩٨ - نِدَاء للْمَيت
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن الْمَيِّت يُنَادي إِذا وضع على المغتسل أَيْن لسَانك الفصيح مَا أسكتك أَيْن صَوْتك الشجي مَا أخرسك أَيْن رِيحك الْعطر مَا أنتنك أَيْن حركاتك مَا أسكنك أَيْن أموالك الْكَثِيرَة مَا أفقرك الويل لَك إِن كنت عَاصِيا والبشرى لَك إِن كنت طَائِعا وتناديه الْمَلَائِكَة إِذا وضع فِي الْقَبْر يَا عبد الله أَنْت تركت الدُّنْيَا أم الدُّنْيَا تركتك أَنْت جمعت الدُّنْيَا أم الدُّنْيَا جمعتك أَنْت استعددت للمنية أم الْمنية عافصتك خلقت من التُّرَاب وأعدت للتراب
وأنشدوا
(خلقت من التُّرَاب بِغَيْر ذَنْب ... وعدت إِلَى التُّرَاب ولي ذنُوب)
(فَمَالِي لَا أجاهد فِي خلاصي ... بعزم للمعاصي لَا أَتُوب)
(وَمَالِي أثقلت ظَهْري ذنُوب ... وَمِنْهَا لَا أمل وَلَا أنيب)
(وَمَالِي لَا أرق لسوء حَالي ... وَمن نَفسِي عَليّ غَدا رَقِيب)
(وَمَالِي مبعد مقصى طريد ... وَفِي كل القبائح لي ضروب)
(وَكم بِالْبرِّ تسويفي ومطلي ... وَلَا أَدْرِي مَتى تَأتي شعوب)
(فيا من لَيْسَ لي رب سواهُ ... عليم بِالَّذِي أَدْعُو يُجيب)
(تجَاوز يَا إلهي عَن ضَعِيف ... بغفران لعَلي عَسى أَتُوب)
(وهب لي ذلتي وعظيم جُرْمِي ... فَأَنت الْوَاحِد الْفَرد الْقَرِيب)
стр. 169
عباد الله لَا تغفلوا عَن ذكر الْمَوْت وتفكروا فِيهِ قبل الْفَوْت فوَاللَّه مَا بَين أحدكُم وَبَين طول الأسف والندامة على مَا قد سلف إِلَّا أَن تنزل بِهِ الْمنية غدْوَة أَو عَشِيَّة فعظ نَفسك قبل حُلُول الرزية
وَقيل فِي قَول الله تَعَالَى ﴿وأنفقوا من مَا رزقناكم من قبل أَن يَأْتِي أحدكُم الْمَوْت فَيَقُول رب لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب﴾ المُنَافِقُونَ ١٠ قيل الْأَجَل الْقَرِيب عِنْد كشف الغطاء يَقُول العَبْد عِنْد الْمَوْت يَا ملك الْمَوْت أخرني يَوْمًا أعمل فِيهِ صَالحا لنَفْسي فَيَقُول ملك الْمَوْت فنيت الْأَيَّام فَلَا يَوْم فَيَقُول أخرني سَاعَة فَيَقُول فنيت السَّاعَات فَلَا سَاعَة فَيَقُول اتركني أَتكَلّم فَيَقُول فرغ كلامك فَلَا كَلَام
فتبلغ الرّوح الْحُلْقُوم فَيُؤْخَذ بكظمه فتقطع الْأَوْقَات والأعمال وَيبقى عدد الأنفاس ليشهد فِيهَا المعاينة عِنْد كشف الغطاء فيحتد بَصَره فَإِذا كَانَ فِي آخر نفس زهقت نَفسه فيدركه مَا سبقت لَهُ من شقاوة أَو سَعَادَة
٢٩٩ - سُؤال الرُّجُوع للدنيا
وَقيل أول من يسْأَل الرّجْعَة من لم يكن أدّى زَكَاة مَاله كَقَوْلِه ﴿فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين﴾ المُنَافِقُونَ ١٠ فَالله الله بَادرُوا قبل حُلُول الْأَجَل وَانْقِطَاع الأمل من صَالح الْعَمَل وفراغ الأنفاس وورود الأرماس وَلَا ينفعك حبيب وَلَا حميم وَلَا ولد وَلَا وَالِد رَحِيم قد أحاطت بك الخطوب وَكَثُرت عَلَيْك الكروب وَأخذ الْوَارِث مَالك ونكح الْعَدو أَو الصّديق عِيَالك
وأنشدوا
(أرى الْأزْوَاج تنْكح إِن هَلَكت ... وَيقسم وارثي مَا قد تركت)
(وَلَا يبْقى الوداد بقلب خل ... إِذا انْقَطع الرجا مني ومت)
(وينساني الصّديق فَمَا يُبَالِي ... أَمر بِهِ ويعرض إِن ذكرت)
(ويشمت بِي رجال من سفاه ... وَمَا قد كنت قطّ بهم شمت)
(وَلست بحاصل إِلَّا على مَا ... من الْأَعْمَال فِي الدُّنْيَا عملت)
(فياذا الْعَرْش عفوا عَن ذُنُوبِي ... وَعَن زللي وَمَا كنت اجترمت)
(وشفع فِي نبيك حِين أدعى ... غَدَاة الْعرض إِن تفعل نجوت)
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه عرض عَلَيْهِ مَا يُصِيب أمته من بعده فَمَا رُؤِيَ ضَاحِكا مُسْتَبْشِرًا حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى
стр. 170
(٣٠٠) ٤٨٠٠٠ قَبيلَة
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن الله تَعَالَى خلق فِي الأَرْض مِمَّا برأَ وذرأ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين ألف قَبيلَة فَجعل فِي الْبَحْر ثَمَانِيَة آلَاف قَبيلَة وَجعل بَين السَّمَوَات وَالْأَرْض أَرْبَعِينَ ألف قَبيلَة تحملهَا الرّيح لَيْسَ مِنْهَا دَابَّة صغرت أَو كَبرت فِي الأَرْض أَو بَين السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَّا وَمَعَهَا ملكان من قبل الله تَعَالَى فَملك يهيء لَهَا رزقها بِإِذن الله ويسوقها إِلَيْك وَملك آخر يَقُودهَا بِإِذن رَبهَا إِلَى مستقرها ومنقلبها حَتَّى الذّرة والقملة والدودة والبعوضة والذبابة فَإِذا استوفت أَثَرهَا وَرِزْقهَا وَبَلغت أجلهَا قبض ملك الْمَوْت روحها
فسبحان من لَهُ الْملك وَالتَّدْبِير
عباد الله فَالله اله لَا تغفلوا عَن طَاعَة مولاكم فَإِن الْمَوْت يطلبكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار والعشى وَالْإِبْكَار فاجتهدوا فِي الْحَسَنَات وَاجْتَنبُوا فِي ليلكم ونهاركم السَّيِّئَات
قبل نزُول الْمَوْت والندم فالموت لَا يتْرك ملكا وَلَا أَمِيرا وَلَا حاجبا وَلَا وزيرا
وأنشدوا
(قد صرف البواب والحاجب ... وقهرمان الدَّار وَالْكَاتِب)
(وَأصْبح الصاحب من بَينهم ... بِحَيْثُ لَا جَار وَلَا صَاحب)
(واعتاضت الناهد من بعده ... ألفا سواهُ وَكَذَا الكاعب)
(وجد فِي تَفْرِيق مَا لم يزل ... يجمعه وَارثه اللاعب)
(فَكُن من الدُّنْيَا على أهبة ... يَا زاهدا فِيهَا وَيَا رَاغِب)
(فَإِنَّهَا أم لأبنائها ... مِنْهَا عَدو قَاتل سالب)
٣٠١ - رَحْمَة الله بالمسرفين
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَنه مَاتَ رجل من أهل الْمَدِينَة وَكَانَ مُسْرِفًا على نَفسه فدعي لجنازته مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ﵀ فَأبى أَن يحضر جنَازَته ثمَّ حضرها فعوتب فِي ذَلِك فَقَالَ لقد استحيت من الله أَن أرى أَن رَحمته تضيق عَلَيْهِ وَلَا تسعه فَصليت عَلَيْهِ
يَا مِسْكين مثلي أعلم أَنه إِذا نزل ملك الْمَوْت بِالْعَبدِ المذنب فَيرجع إِلَى مَوْلَاهُ بالذل وَالصغَار
فنرجو إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَن يعف عَنهُ ويرحمه وَيجْعَل الْمَوْت كَفَّارَة لذنوبه
وأنشدوا
(أَفِي كل يَوْم للمنية اقْربْ ... وكل الَّذِي آتيه يُحْصى وَيكْتب)
стр. 171
(فيا سوأتا قد آن وَقت ترحلي ... وَهَا أَنا فِي الميدان ألهو وألعب)
(فَإِن لم تَجِد بِالْعَفو مِنْك عَن الَّذِي ... جنته يَدي إِنِّي إِذا لمخيب)
ذكر أَنه كَانَ بِالْبَصْرَةِ فَتى وَكَانَ مُسْرِفًا على نَفسه مَا ترك ذَنبا إِلَّا ارْتَكَبهُ وَلَا شرا إِلَّا اكْتَسبهُ فَلَمَّا مرض لم يعده أحد من جِيرَانه فَدَعَا بَعضهم وَقَالَ إِنَّه قد نزل بِي مَا ترى فَإِذا مت فادفني فِي زَاوِيَة من زَوَايَا بَيْتِي فقد أذيت جيراني فِي حَياتِي وَمَا أحب أَن أضرّ بالموتى بعد وفاتي
فرؤي بعد مَوته فِي الْمَنَام فِي حَالَة حَسَنَة فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ أوقفني بَين يَدَيْهِ وَقَالَ يَا عَبدِي هجروك جيرانك حنقا عَلَيْك وضيقوا مسالك الرَّحْمَة بَين يَديك فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي وجودي ومجدي وارتفاعي فَوق علو مَكَاني مَا ضَاقَتْ رَحْمَتي عَنْك عَبدِي هَذِه خلع مغفرتي ومنازل جنتي وَخَاتم أماني وسجل إحساني وَأَنا الغفور الرَّحِيم
٣٠٢ - حِكَايَة عَن الْحسن
قَالَ الْحسن ﵀ قد علم الله منا قبل أَن يخلقنا أننا نذنب ونعصيه وَلم يمنعهُ ذَلِك منا أَن جعلنَا مُسلمين
فَالله الله يَا أهل الذُّنُوب مثلي بَادرُوا قبل نزُول السكرات وَوُقُوع الحسرات واجتهدوا فَإِن الْمَوْت آتٍ وكل آتٍ فَهُوَ قريب
قد آن وَكلما آن فقد حَان
وأنشدوا
(أآمل أَن أخلد والمنايا ... يثبن إِلَيّ من كل النواحي)
(وَلَا أَدْرِي إِذا أمسيت حَيا ... لعَلي لَا أعيش إِلَى الصَّباح)
عباد الله أيامكم مراحل تقطعونها وساعاتكم مناهل تردونها وَالْمَوْت يطوف عَلَيْكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار لَا يُؤَخر من فقدت ساعاته وفرغت أَيَّامه وأوقاته
٣٠٣ - حِكَايَة عَن بعض الصَّالِحين
يحْكى عَن بعض السَّادة الأخيار أَنه قَالَ خرجت يَوْمًا لزيارة الْقُبُور فَإِذا بِقوم يحملون جَنَازَة فتقدمت إِلَيْهَا وَصليت بهم ثمَّ شهِدت دَفنهَا فنعست نعسه فَأَتَانِي آتٍ فَقَالَ لي قد غفر الله لهَذَا الْمَيِّت على ظلمَة ذنُوبه فانتبهت مَرْعُوبًا فَأخْبرت بذلك أم الْمَيِّت فَقَالَت الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالله لقد كَانَ مُسْرِفًا على نَفسه فَلَمَّا نزل بِهِ الْمَوْت بَكَى وَقَالَ لي يَا أُمَّاهُ ضعي خدي على الأَرْض وَالتُّرَاب فَفعلت ذَلِك فَقَالَ ضعي قدمك على خدي وادعي الله واستوهبيني مِنْهُ فَلَعَلَّهُ يرحمني وإقلعي
стр. 172
فص خَاتمِي وتصدقي بِثمنِهِ فَعَسَى الله يرحمني
فَقلت لَهَا قد غفر الله لَهُ ورحمه ثمَّ أخْبرتهَا بِالَّذِي رَأَيْت فَالله الله معشر المخلصين تضرعوا إِلَى ربكُم قبل يَوْم موتكم فعساه أَن يَرْحَمكُمْ ويتجاوز عَن سَيِّئَاتكُمْ
فَذَلِك عَلَيْهِ يسير وَهُوَ على كل شَيْء قدير وأنشدوا
(رَأَيْت الْمَرْء تَأْكُله اللَّيَالِي ... كَأَكْل الأَرْض سَاقِطَة الْحَدِيد)
(وَلَا تَجِد الْمنية حِين تَأتي ... على نفس ابْن آدم من مزِيد) (
(فَلَا تغفل فديتك عَن منون ... تَدور رحاه بالهول الشَّديد)
فكأ نكم بِالْأَعْمَالِ قد انْقَضتْ وبالدنيا قد مَضَت فَاسْتَعدوا بذخائر الْأَعْمَال لما تلقوا من عَظِيم الْأَهْوَال وَقد نُودي فِيكُم بالتحويل وَقد قرب مِنْكُم الرحيل
٣٠٤ - شَاب عَاص غفر لَهُ
حُكيَ عَن بعض الْخَائِفِينَ أَنه قَالَ كَانَ فِي جواري شَاب وَكَانَ يتشاغل بالبطالة والجهالة مَا رَأَيْته صَاحِيًا من السكر قطّ وعهدي بِهِ البارحة وَقد رفع صَوته على أمه فِي سَاعَتِي هَذِه
فأخبرتني أَنه أصبح مَيتا من غير عِلّة وَلَا مرض وَسَأَلتنِي فِي كَفنه فزجرتها وَقلت الْحَمد لله الَّذِي أراحنا مِنْهُ فمضت مدحورة فرق لَهَا قلبِي وَقلت إِن الرَّحْمَة لَا تضيق على المذنبين من أمة مُحَمَّد ﷺ فَبعثت من سَاعَتِي فِي طلبَهَا وعزيتها وصبرتها واشتريت لَهَا كفنا وَحَضَرت جنَازَته
فعرفني بعض أَصْحَابنَا أَنه رَآهُ فِي الْمَنَام وَأَنه سَأَلَهُ مَا فعل الله بِهِ فَقَالَ قدمت على الله تَعَالَى وَكنت قد دخلت قبل وفاتي الْحمام فَرَأَيْت شخصا مَيتا مقْعدا فتوليت غسله ونظافته وَحمله إِلَى بَيته فَقَالَ غفر الله لَك ذنوبك كلهَا فصادفت دَعوته إِجَابَة فغفر الله تَعَالَى لي وَأَنا فِي الْجنَّة مَعَ التَّعَلُّق بِالسنةِ غفر الله لنا أَجْمَعِينَ وأماتنا مُسلمين وَختم لنا بخواتيم الصَّالِحين إِنَّه على ذَلِك قدير
وأنشدوا
(لَا تأسفن على الدُّنْيَا وحليها ... فالموت لَا شكّ يفنينا ويفنيها)
(واعمل لدار يكن رضوَان خازنها ... وَالْجَار أَحْمد والرحمن عاليها)
(أَرض لَهَا ذهب والمسك طينتها ... والزعفران حشيش نابت فِيهَا)
(أنهارها لبن مَحْض وَمن عسل ... وَالْخمر يجْرِي رحيقا فِي مجاريها)
(وَالطير تجْرِي على الأغصان عاكفة ... تسبح الله جَهرا فِي مغانيها)
стр. 173
أَحْمد دلالها والرب بَائِعهَا ... وَجِبْرِيل يُنَادي فِي نَوَاحِيهَا)
(من يَشْتَرِي الدَّار فِي الفردوس يغمرها ... بِرَكْعَة فِي ظلام اللَّيْل يُحْيِيهَا)
(أَيْن الْمُلُوك الَّذِي عَن حظها غفلت ... حَتَّى سقاهم بكأس الْمَوْت سَاقيهَا)
(أفنى الْقُرُون وأفنى كل ذِي عمر ... كَذَلِك الْمَوْت يفني كل من فِيهَا)
(وَالْمَوْت أحدق بالدنيا وزخرفها ... وَالنَّاس فِي غَفلَة عَن ترك مَا فِيهَا)
(لَو أَنَّهَا عقلت مَاذَا يُرَاد بهَا ... مَا طَابَ عَيْش لَهَا يَوْمًا ويلهيها)
(تلهو وَتَأمل آمالا تسر بهَا ... شَرِيعَة الْمَوْت تطوينا وتطويها)
(وَالله لَو قنعت نفس بِمَا رزقت ... من الْمَعيشَة إِلَّا كَانَ يكفيها)
(وَالله وَالله ايمانا مكررة ... ثَلَاثَة من يَمِين بعد ثَانِيهَا)
(لَو أَن فِي صَخْرَة صمًّا ململه ... فِي الْبَحْر راسية ملس نَوَاحِيهَا)
(رزقا لعبد يرَاهُ الله لانفلقت ... حَتَّى تُؤدِّي إِلَيْهِ كل مَا فِيهَا)
(أَو كَانَ تَحت طباق السَّبع مسلكها ... لسهل الله فِي المرقى مراقيها)
(حَتَّى ينَال الَّذِي فِي اللَّوْح خطّ لَهُ ... فَإِن أَتَتْهُ وَإِلَّا سَوف يَأْتِيهَا)
(أَمْوَالنَا لِذَوي الْمِيرَاث نجمعها ... ودورنا لخراب الدَّهْر نبنيها)
(تِلْكَ الْمنَازل فِي الْآفَات خاوية ... أضحت خرابا وذاق الْمَوْت بانيها)
٣٠٥ - عظة للاستعداد للْمَوْت
عباد الله قد آن وَقت التَّحْوِيل إِلَى الْوُقُوف بَين يَدي الْملك الْجَلِيل فأنفاسكم مَعْدُودَة عَلَيْكُم وَملك الْمَوْت قَاصد إِلَيْكُم يركبكم بكلكله وَلَا بُد لكم من منهله
يقطع آثَاركُم وَيخرب دِيَاركُمْ
فرحم الله عبدا نظر لنَفسِهِ وَقدم لغده من أمسه قبل حُلُوله فِي رمسه
وَعمل فِي الْعُمر الْيَسِير لليوم العبوس القمطرير وَسَأَلَ الْمَغْفِرَة من السَّمِيع الْبَصِير الَّذِي هُوَ على كل شَيْء قدير وَهُوَ مَوْلَانَا ومولاكم وَنعم الْمولى وَنعم النصير
٣٠٦ - الْمَوْت ينتقي الْخِيَار
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِذا تقَارب الزَّمَان انتقى الْمَوْت خِيَار أمتِي كَمَا ينتقي أحدكُم خِيَار الرطب من الطَّبَق) فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون الَّذِي ذهب عَنَّا الأخيار وَبَقينَا فِي غمار مَعَ الأشرار فَلَا للْمَوْت نعمل قبل إِتْيَانه وَلَا أحد منا يقطع
стр. 174
عَن عصيانه
مَا هَذِه أَفعَال الْمُؤمنِينَ وَلَا هَذِه سيرة الموقنين قد أضلنا عدونا الشَّيْطَان اللعين وخدعنا بمكره وأغوانا أَجْمَعِينَ
٣٠٧ - عمل الْملكَيْنِ
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِذا قبض الله روح عَبده الْمُؤمن صعد ملكاه إِلَى السَّمَاء فَقَالَا رَبنَا وكلتنا بعبدك الْمُؤَن فلَان نكتب عمله وَقد قَبضته إِلَيْك فَأذن لنا أَن نصعد إِلَى السَّمَاء فَيَقُول الله سمائي مَمْلُوءَة بملائكتي يسبحوني فَيَقُولَانِ فَأذن لنا أَن نسكن الأَرْض فَيَقُول أرضي مَمْلُوءَة من خلقي فَيَقُولَانِ يَا رَبنَا أَيْن نَكُون فَيَقُول قوما عِنْد قبر عَبدِي فسبحاني وأحمداني وهللالني واكتبا ثَوَاب ذَلِك لعبدي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَالْحَمْد لله الَّذِي جعلنَا من أمة مُحَمَّد الْمُصْطَفى وحسبنا بِهَذَا فضلا وَكفى بِكِتَاب مَوْلَانَا لأمواتنا الْحَسَنَات وَيجْعَل الْمَوْت لَهُم كَفَّارَة لما سلف من السَّيِّئَات
وأنشدوا
(على كل حَال وشريكون ... فقد مَاتَ مثلك فِي مثلهَا)
(فَمَا لَك تلعب بالتراهات ... وتخدع نَفسك من عقلهَا)
(من الرشد فِي برهَا بالعقوق ... وترضى بذلك من جهلها)
(وَأَنت تخَالف فِيهَا العذول ... وتطوي لسَانك عَن عذلها)
(وَسيف الْمنية قد سلها ... وَأَنت تنام على قَتلهَا)
ودولة ذِي الْعِزّ مَقْطُوعَة ... وَأَنت تغفل عَن عذلها)
إِلَى مَتى هَذَا الصدود عَن طَاعَة الْملك المعبود والغفلة عَن بَحر الْمَوْت المورود فارحموا أَنفسكُم قبل التّلف وأبكوا عَلَيْهَا قبل الأسف فَإِن السّفر بعيد وهول المطلع فظيع شَدِيد والزاد قَلِيل والهم والحزن طَوِيل وَبعد ذَلِك الْيَوْم العبوس الثقيل يَا أخي لكل حَيّ قوت وَأَنت يَا مِسْكين قوت الْمَوْت فاعمل للْمَوْت قبل الْفَوْت
وأنشدوا
стр. 175
(أَرَانِي فِي انتقاص كل يَوْم ... وَلَا يبقي على النُّقْصَان شَيْء)
(طوى العصران مَا نشراه مني ... فأتلف جثتني نشر وطي)
(فَإِن أك قد فنيت وَمَات بَعْضِي ... فَإِن الْحِرْص بَاقٍ فِي حَيّ)
(وطير الْمَوْت حائمة لقتلي ... مدلاة عَليّ وَفِي عي)
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من أَكثر الفكرة فِي الْمَوْت هون الله عَلَيْهِ سكراته وَجعله مِنْهُ على حذر وَمن غفل عَن ذكره يُوشك أَن يَأْتِيهِ فَجْأَة على غير أهبة وَلَا استعداد) فَالله الله قد انصرمت عَنْكُم أعماركم وَأَنْتُم لَا تشعرون فَإِن اتبعتم هموم الدُّنْيَا حَتَّى تفرغ فَإِنَّهَا لَا تفرغ أبدا وَلَو عشتم إِلَى أَن تنقرض الدُّنْيَا
فتفرغ يَا مِسْكين فِي الْيَسِير من الْأَيَّام ودارك أَمرك مَعَ مَوْلَاك قبل نزُول الْحمام
٣٠٨ - الْمُبَادرَة بِالتَّوْبَةِ
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (أَيهَا النَّاس بَادرُوا بِالتَّوْبَةِ قبل أَن تَمُوتُوا وَبَادرُوا بِالْأَعْمَالِ الزاكية قبل أَن تشْغَلُوا وصلوا الَّذِي بَيْنكُم وَبَينه بِكَثْرَة ذكركُمْ إِيَّاه)
٣٠٩ - السّني والزنديق
ذكر فِي بعض الحكايات أَن رجلا من أهل السّنة لَقِي رجلا زنديقا قد نحل جِسْمه وَتغَير لَونه واذابه الْخَوْف وَكَانَ السّني قَوِيا سمينا فَقَالَ لَهُ الزنديق يَا هَذَا صف لي بعض مَا تعتقده فَقَالَ أعتقد الْمَوْت وغصصه وَسَكَرَاته وأهواله
فَلَمَّا سمع الزنديق مقَالَته صَاح صَيْحَة عَظِيمَة ثمَّ وَقع على وَجهه مغشيا عَلَيْهِ فَمَكثَ مَا شَاءَ الله ثمَّ أَفَاق فَقَالَ لَهُ زِدْنِي فَقَالَ ثمَّ من بعد الْمَوْت الْقَبْر وظلمته واللحد وضجعته ومنكرا ونكيرا قَالَ وَمَا مُنكر وَنَكِير فَقَالَ ملكان أسودان أزرقان يطآن فِي شعورهما ويحفران الأَرْض بأنيابهما وبيد كل ملك مِنْهُمَا عَمُود من حَدِيد جَهَنَّم لَو ضرب بِهِ جبال الدُّنْيَا لقلعها من أُصُولهَا يسألان العَبْد فِي قَبره قَالَ وَثمّ مَا بعد ذَلِك قَالَ هول الْبَعْث والنشور والحساب وَالْمِيزَان والصراط قَالَ وَمَا الصِّرَاط قَالَ هُوَ جسر مَنْصُوب على جَهَنَّم أرق من الشعرة وَأحد من السَّيْف وأحر من الْجَمْر عَلَيْهِ حسك وكلاليب قد تعلق بِكُل كَلوب عدد نُجُوم السَّمَاء من الزَّبَانِيَة لَو أذن الله لوَاحِد مِنْهُم أَن يخرج إِلَى الدُّنْيَا لاحرق بحارها وجبالها وإنسها وجنها
стр. 176
وهوامها ودوابها من حر نَفسه قَالَ لَهُ وَمَا الزَّبَانِيَة وَمَا جَهَنَّم قَالَ الزَّبَانِيَة خلقُوا من النَّار هم مَلَائِكَة الْعَذَاب وجهنم دَار الْعَذَاب أوقد عَلَيْهَا النَّار أَرْبَعَة آلَاف سنة السّنة أَرْبَعَة آلَاف شهر الشَّهْر أَرْبَعَة آلَاف يَوْم الْيَوْم أَرْبَعَة آلَاف سَاعَة السَّاعَة أَرْبَعَة آلَاف نظرة النظرة الْوَاحِدَة مِقْدَار سَبْعمِائة ألف سنة من سِنِين الدُّنْيَا
وَهِي سَوْدَاء مظْلمَة من دَخلهَا طَال بلاؤه وحزنه
قَالَ لَهُ الزنديق لقد عجبت من قلَّة عقلك هَذَا كُله تعتقده وَأَنت سمين فوَاللَّه مَا اصدق أَنا بِشَيْء من هَذَا الَّذِي ذكرته إِلَّا بِالْمَوْتِ وَحده وَقد أَطَالَ حزني وذاب جسمي وَإِنَّمَا أَنْت من عداد الْأَنْعَام الَّتِي لَا تعقل فَالله الله إخْوَانِي اشكروا الله على مَا بِهِ أنعم عَلَيْكُم من جزيل نعمه إِذْ بعث إِلَى جَمِيع خلقه مُحَمَّد ﷺ أخرجكم بِهِ من الضَّلَالَة وأيقظكم بِهِ من سكرة الْجَهَالَة ثمَّ أتحفكم بطيبات رزقه وفضلكم على كثير من خلقه فَلَا تستعينوا بنعمه على مَعَاصيه فَإِن الْمَوْت لَا بُد مِنْهُ وَقد وعظكم الله
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (كفى بِالْمَوْتِ واعظا) فَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فليجعل الْمَوْت نصب عَيْنَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يدْرِي مَتى يقدم عَلَيْهِ
وأنشدوا
(وَالْمَوْت سُلْطَان عَلَيْك مسلط ... إِذا حم لم يصرف بنهي وَلَا أَمر)
(ودارك إِمَّا شقوة أَو سَعَادَة ... وَمَالك من بَاب إِلَيْهَا سوى الْقَبْر)
(كفى عظة بِالْمَوْتِ إِن ركابه ... على سفر يهوي إِلَى حَيْثُ لَا يدْرِي)
٣١٠ - رفق ملك الْمَوْت بِالْمُؤمنِ
رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ جَالِسا عِنْد مَرِيض فَرَأى ملك الْمَوْت عِنْد رَأسه فَقَالَ لَهُ (يَا ملك الْمَوْت ارْفُقْ بصاحبي) فَقَالَ لَهُ يَا مُحَمَّد أَنا بِكُل مُؤمن رَفِيق
فَالله الله لَا تغفلوا عَمَّن لَيْسَ يغْفل عَنْكُم وَلَا تنسوا الْمَوْت فَإِنَّهُ لَا ينساكم وفقنا الله وَإِيَّاكُم لحسن الْعَمَل والفعال وهدانا وَإِيَّاكُم لصالح الْأَعْمَال إِنَّه الْجواد الْكَرِيم المفضال
стр. 177
١٢ - مجْلِس فِي ذكر الْقُبُور
٣١١ - قَالَ الله ﴿أَلْهَاكُم التكاثر حَتَّى زرتم الْمَقَابِر﴾ التكاثر ١، ٢ السُّورَة مَكِّيَّة التكاثر يَعْنِي فِي الدُّنْيَا
رَوَت زَيْنَب بنت جحش عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِذا قَرَأَ قَارِئ أَلْهَاكُم التكاثر يدعى فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض بمؤدي الشُّكْر لله)
٣١٢ - حِكَايَة فِي الْخَوْف من الله
رُوِيَ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ كَانَ رجل بِالْيمن يُقَال لَهُ يعلى وَكَانَ مُشْركًا لَيْسَ لَهُ من الدُّنْيَا إِلَّا قطيفة تواري عَوْرَته ويأوي بِالنَّهَارِ إِلَى ظلّ شَجَرَة وبالليل إِلَى جُحر كجحر الْكَلْب فَسمع بِخُرُوج النَّبِي ﷺ فَأقبل إِلَى النَّبِي ﷺ وَكَانَ شَابًّا ترفعه أَرض وتضعه أُخْرَى حَتَّى قدم على رَسُول الله ﷺ فَأسلم وَقعد مَعَ أهل الصّفة يطعم القبضة من الْعَجْوَة وَالْكَسْر من خبز الشّعير وَكَانَ لَا يُفَارق مجْلِس النَّبِي ﷺ حَتَّى تعلم أَربع سور من الْقُرْآن فَسمع النَّبِي ﷺ يَقُول لَا فاقة بعد الْقُرْآن وَلَا غَنِي بعد النَّار فَقَالَ يَا رَسُول الله زَوجنِي
قَالَ أعندك مَال قَالَ عِنْدِي أَربع سور من الْقُرْآن وَمن كَانَ عِنْده الْوَحْي وَكَلَام الله فَهُوَ غَنِي قَالَ النَّبِي ﷺ (صدقت فَانْطَلق إِلَى بني سَلمَة حَيّ من الْأَنْصَار واستخر الله فَأول جَارِيَة تستقبلك فَهِيَ زَوجتك فَانْطَلق الشَّاب لَا يدْرِي إِلَى أَيْن يتَوَجَّه فَاسْتَقْبلهُ جَارِيَة جميلَة فَقَالَ يَا جَارِيَة أَي حَيّ هَذَا قَالَت بَنو سَلمَة قَالَ الشَّاب الله أكبر أَنْت امْرَأَتي تعالي قَالَت مَا أسفهك قَالَ لست بسفيه وَلَكِن أَمرنِي
стр. 178
إِذا دخلتموها
قَالَ الْفراء هَذَا تكْرَار التَّغْلِيظ وَيُقَال ﴿لترون الْجَحِيم﴾ التكاثر ٦ أَي لترونها رُؤْيَة علم ﴿ثمَّ لترونها عين الْيَقِين﴾ التكاثر ٧ بِالْمُشَاهَدَةِ ﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ التكاثر ٨ يسْأَلُون عَن شكر مَا كَانُوا فِيهِ من النعم والحياة وَالنَّعِيم فَزعم قوم أَن الْآيَة فِي الْكفَّار وَقَالَ آخَرُونَ بل هِيَ على الْعُمُوم فِي الْمُؤمنِينَ
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (نعمتان مغبون فيهمَا كثير من النَّاس الصِّحَّة والفراغ)
روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ (أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة أَن يُقَال لَهُ ألم أصح جسمك وأروك من المَاء الْبَارِد)
وَعَن مَحْمُود بن لبيد قَالَ لما نزلت ﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ التكاثر ٨ قَالَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَي نعيم وَإِنَّمَا هما الأسودان التَّمْر وَالْمَاء وسيوفنا على عواتقنا
قَالَ أما إِنَّه سَيكون ابْن مَسْعُود وَقَتَادَة وَسَعِيد قَالُوا الْأَمْن وَالصِّحَّة
مُجَاهِد قَالَ الْخبز وَالْمَاء وَالْملح
إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ من سمي الله تَعَالَى على الطَّعَام حِين يَأْكُل ويحمد الله حِين يفرغ فقد أدّى شكره
الْحسن قَالَ كَانُوا يعدون من النَّعيم فِي الدُّنْيَا أَن يتغدى الرجل ويتعشى
عَليّ ﵁ النَّعيم الرطب وَالْمَاء الْبَارِد
أَبُو أُمَامَة قَالَ النَّعيم خبز الْبر وَالْمَاء العذب وَقَالَ النَّبِي ﷺ (طيب النَّفس من النَّعيم) أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ النَّعيم الشّعير وَالْمَاء العذب
مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ النَّعيم الْعَافِيَة
وَقَالَ أَبُو عسيب مولى رَسُول الله ﷺ مر بِنَا رَسُول الله ﷺ لَيْلًا فدعاني فَخرجت إِلَيْهِ ثمَّ مر بِأبي بكر فَدَعَاهُ فَخرج إِلَيْهِ ثمَّ مر بعمر ﵁ فَدَعَاهُ فَخرج إِلَيْهِ ثمَّ انْطلق بِنَا
стр. 179
رَسُول الله ﷺ حَتَّى دخل حَائِطا لبَعض الْأَنْصَار فَقَالَ لصحابه أطعمنَا بسرا فجَاء بعذق فَوَضعه فَأكل رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه ثمَّ دَعَا بِمَاء بَارِد فَشرب وَشَرِبُوا ثمَّ قَالَ لتسألن عَن هَذَا يَوْم الْقِيَامَة فَأخذ عمر العذق وَضرب بِهِ الأَرْض حَتَّى تناثر الْبُسْر وَقَالَ لَهُ يَا رَسُول الله إِنَّا لمسئولون عَن هَذَا يَوْم الْقِيَامَة قَالَ نعم إِلَّا كسرة تسد بهَا جوعتك وخرقة تلف بهَا عورتك وجحر تدخل فِيهِ من القر وَالْحر عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ النَّعيم صِحَة الْأَبدَان والأسماع والأبصار يسْأَل الله الْعباد فِيمَا استعملوها وَهُوَ أعلم بذلك مِنْهُم وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا﴾ الْإِسْرَاء ٣٦ قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ التكاثر ١ قيل مَعْنَاهَا أَلْهَاكُم التكاثر فِي الدُّنْيَا بِجمع الحطام واكتساب الآثام والتمادي فِي الإجرام وأنشدوا
(أرضيت دَارا لَا بَقَاء لَهَا ... تعد الشرور وتنصب الفتنا)
(مَا يَسْتَقِيم سروره صَاحبهَا ... حَتَّى يعود سوره حزنا)
(عجبا لَهَا لَا بل لموطنها الْمَغْرُور ... حِين يعدها وطنا)
(فَالْحَمْد لله اللَّطِيف بِنَا ... ستر الْقَبِيح وَأظْهر الحسنا)
(مَا تَنْقَضِي عَنَّا لَهُ منن ... حَتَّى يجدد بعْدهَا مننا)
يَا أخي اشتغلت باللذات وأفنيت عمرك بالترهات وعصيت إِلَه الأَرْض وَالسَّمَوَات ونسيت بيُوت الوحشة والحيرات
فيا لَهُ من بَيت مَا أظلمه وَمن صندوق مَا أغمه
منزل الوحشة وَبَيت الْغُمَّة والوحدة
وأنشدوا
(وَرُبمَا عوقص ذُو صِحَة ... أصح مَا كَانَ وَلم يسقم)
(يَا وَاضِعا للْمَيت فِي قَبره ... خاطبك الْقَبْر وَلم تفهم)
﴿حَتَّى زرتم الْمَقَابِر﴾ التكاثر ٢ بيُوت الوحشة ومنازل الضّيق والغمة فِي ضيق وكربات وغم وحسرات وأهوال مقطعات
من ظلمات الْقُبُور وسؤال مُنكر وَنَكِير وَالْخُلُود فِي البرزخ إِلَى يَوْم النشور فَانْظُر لنَفسك أَيهَا الْمَغْرُور فَإِن الْقَبْر لَهُ شَأْن يتلوه شؤون وأنشدوا
(لَا تغرنك الْحَيَاة وَقدم ... وَاحْذَرْ الْقَبْر إِن للقبر شانا)
(إِن فِيهِ لما يحاذر ذُو اللب ... إِذا كَانَ ذَا تقى ومعانا)
стр. 180
بذلك رَسُول الل هـ ﷺ قَالَت الْجَارِيَة إِن كَانَ أَمرك بذلك رَسُول الله ﷺ فسمعا وَطَاعَة لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلَكِن حَتَّى أسمع مِنْهُ فَانْطَلق الشَّاب وَالْجَارِيَة ليأتيا النَّبِي ﷺ فَإِذا أَبوهَا وأخوها فَقَالَا أَيْن تذهبين فَقَالَت إِن الشَّاب تعلق بِي وَزعم أَنِّي امْرَأَته فانكرت ذَلِك عَلَيْهِ فَقَالَ كَذَا أَمرنِي رَسُول الله ﷺ فَأَنا مَعَه إِلَى رَسُول الله ﷺ حَتَّى أسمع مِنْهُ فَقَالَا سمعا وَطَاعَة لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ فَانْطَلقُوا جَمِيعًا حَتَّى دخلُوا على رَسُول الله ﷺ فَتكلم والدها فَقَالَ يَا رَسُول الله زعم هَذَا الشَّاب الْغَرِيب إِنَّك امرته بِمَا صنع بِابْنَتي فَقَالَ النَّبِي ﷺ (نعم فَزَوجهُ ابْنَتك على اسْم الله وبركته قَالَ قد فعلت فَزَوجهُ الشَّيْخ ابْنَته وَأشْهد النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فَقَالَ النَّبِي ﷺ (يَا معشر الْمُسلمين أعينوا أَخَاكُم فَجمعُوا لَهُ أَرْبَعَة أَوَاقٍ فضَّة فَقَالَ النَّبِي ﷺ (لَك أوقيتان ولزوجتك أوقيتان فَقَالَ يَا رَسُول الله قد جعلت أوقيتي لَهَا أَيْضا فَقَالَ النَّبِي ﷺ للشَّيْخ والدها جهزوا هَذِه الْجَارِيَة للشاب من يَوْمه هَذَا قَالَ الشَّيْخ سمعا وَطَاعَة لله وَلِرَسُولِهِ فجَاء الشَّاب إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأمره أَن ينْصَرف إِلَى أَهله فجَاء إِلَى منزله فَدخل إِلَى فرَاش مفروش وَإِلَى بِسَاط مَمْدُود وَإِلَى زَوْجَة جالسة وَإِلَى سراج يزهر وَإِلَى طَعَام قد هيء لَهُ فَلَمَّا نظر إِلَى ذَلِك بَادر إِلَى مَكَان فِي مَجْلِسه فصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ شكرا لله لما رأى ثمَّ قَامَ وَصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وشكر نعْمَته ثمَّ جعل يقوم فِي خلال ذَلِك فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يقوم إِلَى مثل حَاله من الثَّنَاء فالشكر لله لما رأى فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى أصبح ثمَّ غَدا إِلَى الْمَسْجِد فصلى مَعَ رَسُول الله ﷺ الْغَدَاة وَالظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء الْآخِرَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى منزله فَلَمَّا عاين أَهله وَمَا هيء لَهُ بَادر إِلَى مَسْجده فصلى مثل صلَاته فِي اللَّيْلَة الأولى وَجعل يحمد الله ويشكره بَين كل رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أصبح فغدا إِلَى الْمَسْجِد فصلى مَعَ رَسُول الله ﷺ فَفعل مثل ذَلِك حَتَّى تمت لَهُ ثَلَاث لَيَال فجَاء الشَّيْخ فِي الْيَوْم الرَّابِع فَدخل على ابْنَته فَسَأَلَهَا عَن زَوجهَا وحالها مَعَه فَقَالَت لَا أَدْرِي مَا زَوجي مَا يعرف غير الصَّلَاة وَهُوَ يقوم اللَّيْل كُله يحمد الله ويثني عَلَيْهِ وَيُصلي فجَاء الشَّيْخ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ بذلك فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ مَا مَنعك من أهلك فَقَالَ يَا رَسُول الله تذكرت شأني وَكنت مُشْركًا بِالْيمن لم يكن لي مأوى إِلَّا جُحر كجحر الْكَلْب آوي إِلَيْهِ اللَّيْل وَالنَّهَار أتبع ظلال الشّجر
следующие страницы →