← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6948

بستان الواعظين ورياض السامعين

ابن الجوزي

Полный текст (301 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وهوامها ودوابها من حر نَفسه قَالَ لَهُ وَمَا الزَّبَانِيَة وَمَا جَهَنَّم قَالَ الزَّبَانِيَة خلقُوا من النَّار هم مَلَائِكَة الْعَذَاب وجهنم دَار الْعَذَاب أوقد عَلَيْهَا النَّار أَرْبَعَة آلَاف سنة السّنة أَرْبَعَة آلَاف شهر الشَّهْر أَرْبَعَة آلَاف يَوْم الْيَوْم أَرْبَعَة آلَاف سَاعَة السَّاعَة أَرْبَعَة آلَاف نظرة النظرة الْوَاحِدَة مِقْدَار سَبْعمِائة ألف سنة من سِنِين الدُّنْيَا وَهِي سَوْدَاء مظْلمَة من دَخلهَا طَال بلاؤه وحزنه قَالَ لَهُ الزنديق لقد عجبت من قلَّة عقلك هَذَا كُله تعتقده وَأَنت سمين فوَاللَّه مَا اصدق أَنا بِشَيْء من هَذَا الَّذِي ذكرته إِلَّا بِالْمَوْتِ وَحده وَقد أَطَالَ حزني وذاب جسمي وَإِنَّمَا أَنْت من عداد الْأَنْعَام الَّتِي لَا تعقل فَالله الله إخْوَانِي اشكروا الله على مَا بِهِ أنعم عَلَيْكُم من جزيل نعمه إِذْ بعث إِلَى جَمِيع خلقه مُحَمَّد ﷺ أخرجكم بِهِ من الضَّلَالَة وأيقظكم بِهِ من سكرة الْجَهَالَة ثمَّ أتحفكم بطيبات رزقه وفضلكم على كثير من خلقه فَلَا تستعينوا بنعمه على مَعَاصيه فَإِن الْمَوْت لَا بُد مِنْهُ وَقد وعظكم الله وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (كفى بِالْمَوْتِ واعظا) فَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فليجعل الْمَوْت نصب عَيْنَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يدْرِي مَتى يقدم عَلَيْهِ وأنشدوا (وَالْمَوْت سُلْطَان عَلَيْك مسلط ... إِذا حم لم يصرف بنهي وَلَا أَمر) (ودارك إِمَّا شقوة أَو سَعَادَة ... وَمَالك من بَاب إِلَيْهَا سوى الْقَبْر) (كفى عظة بِالْمَوْتِ إِن ركابه ... على سفر يهوي إِلَى حَيْثُ لَا يدْرِي) ٣١٠ - رفق ملك الْمَوْت بِالْمُؤمنِ رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ جَالِسا عِنْد مَرِيض فَرَأى ملك الْمَوْت عِنْد رَأسه فَقَالَ لَهُ (يَا ملك الْمَوْت ارْفُقْ بصاحبي) فَقَالَ لَهُ يَا مُحَمَّد أَنا بِكُل مُؤمن رَفِيق فَالله الله لَا تغفلوا عَمَّن لَيْسَ يغْفل عَنْكُم وَلَا تنسوا الْمَوْت فَإِنَّهُ لَا ينساكم وفقنا الله وَإِيَّاكُم لحسن الْعَمَل والفعال وهدانا وَإِيَّاكُم لصالح الْأَعْمَال إِنَّه الْجواد الْكَرِيم المفضال

стр. 177

١٢ - مجْلِس فِي ذكر الْقُبُور ٣١١ - قَالَ الله ﴿أَلْهَاكُم التكاثر حَتَّى زرتم الْمَقَابِر﴾ التكاثر ١، ٢ السُّورَة مَكِّيَّة التكاثر يَعْنِي فِي الدُّنْيَا رَوَت زَيْنَب بنت جحش عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِذا قَرَأَ قَارِئ أَلْهَاكُم التكاثر يدعى فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض بمؤدي الشُّكْر لله) ٣١٢ - حِكَايَة فِي الْخَوْف من الله رُوِيَ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ كَانَ رجل بِالْيمن يُقَال لَهُ يعلى وَكَانَ مُشْركًا لَيْسَ لَهُ من الدُّنْيَا إِلَّا قطيفة تواري عَوْرَته ويأوي بِالنَّهَارِ إِلَى ظلّ شَجَرَة وبالليل إِلَى جُحر كجحر الْكَلْب فَسمع بِخُرُوج النَّبِي ﷺ فَأقبل إِلَى النَّبِي ﷺ وَكَانَ شَابًّا ترفعه أَرض وتضعه أُخْرَى حَتَّى قدم على رَسُول الله ﷺ فَأسلم وَقعد مَعَ أهل الصّفة يطعم القبضة من الْعَجْوَة وَالْكَسْر من خبز الشّعير وَكَانَ لَا يُفَارق مجْلِس النَّبِي ﷺ حَتَّى تعلم أَربع سور من الْقُرْآن فَسمع النَّبِي ﷺ يَقُول لَا فاقة بعد الْقُرْآن وَلَا غَنِي بعد النَّار فَقَالَ يَا رَسُول الله زَوجنِي قَالَ أعندك مَال قَالَ عِنْدِي أَربع سور من الْقُرْآن وَمن كَانَ عِنْده الْوَحْي وَكَلَام الله فَهُوَ غَنِي قَالَ النَّبِي ﷺ (صدقت فَانْطَلق إِلَى بني سَلمَة حَيّ من الْأَنْصَار واستخر الله فَأول جَارِيَة تستقبلك فَهِيَ زَوجتك فَانْطَلق الشَّاب لَا يدْرِي إِلَى أَيْن يتَوَجَّه فَاسْتَقْبلهُ جَارِيَة جميلَة فَقَالَ يَا جَارِيَة أَي حَيّ هَذَا قَالَت بَنو سَلمَة قَالَ الشَّاب الله أكبر أَنْت امْرَأَتي تعالي قَالَت مَا أسفهك قَالَ لست بسفيه وَلَكِن أَمرنِي

стр. 178

إِذا دخلتموها قَالَ الْفراء هَذَا تكْرَار التَّغْلِيظ وَيُقَال ﴿لترون الْجَحِيم﴾ التكاثر ٦ أَي لترونها رُؤْيَة علم ﴿ثمَّ لترونها عين الْيَقِين﴾ التكاثر ٧ بِالْمُشَاهَدَةِ ﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ التكاثر ٨ يسْأَلُون عَن شكر مَا كَانُوا فِيهِ من النعم والحياة وَالنَّعِيم فَزعم قوم أَن الْآيَة فِي الْكفَّار وَقَالَ آخَرُونَ بل هِيَ على الْعُمُوم فِي الْمُؤمنِينَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (نعمتان مغبون فيهمَا كثير من النَّاس الصِّحَّة والفراغ) روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ (أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة أَن يُقَال لَهُ ألم أصح جسمك وأروك من المَاء الْبَارِد) وَعَن مَحْمُود بن لبيد قَالَ لما نزلت ﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ التكاثر ٨ قَالَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَي نعيم وَإِنَّمَا هما الأسودان التَّمْر وَالْمَاء وسيوفنا على عواتقنا قَالَ أما إِنَّه سَيكون ابْن مَسْعُود وَقَتَادَة وَسَعِيد قَالُوا الْأَمْن وَالصِّحَّة مُجَاهِد قَالَ الْخبز وَالْمَاء وَالْملح إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ من سمي الله تَعَالَى على الطَّعَام حِين يَأْكُل ويحمد الله حِين يفرغ فقد أدّى شكره الْحسن قَالَ كَانُوا يعدون من النَّعيم فِي الدُّنْيَا أَن يتغدى الرجل ويتعشى عَليّ ﵁ النَّعيم الرطب وَالْمَاء الْبَارِد أَبُو أُمَامَة قَالَ النَّعيم خبز الْبر وَالْمَاء العذب وَقَالَ النَّبِي ﷺ (طيب النَّفس من النَّعيم) أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ النَّعيم الشّعير وَالْمَاء العذب مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ النَّعيم الْعَافِيَة وَقَالَ أَبُو عسيب مولى رَسُول الله ﷺ مر بِنَا رَسُول الله ﷺ لَيْلًا فدعاني فَخرجت إِلَيْهِ ثمَّ مر بِأبي بكر فَدَعَاهُ فَخرج إِلَيْهِ ثمَّ مر بعمر ﵁ فَدَعَاهُ فَخرج إِلَيْهِ ثمَّ انْطلق بِنَا

стр. 179

رَسُول الله ﷺ حَتَّى دخل حَائِطا لبَعض الْأَنْصَار فَقَالَ لصحابه أطعمنَا بسرا فجَاء بعذق فَوَضعه فَأكل رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه ثمَّ دَعَا بِمَاء بَارِد فَشرب وَشَرِبُوا ثمَّ قَالَ لتسألن عَن هَذَا يَوْم الْقِيَامَة فَأخذ عمر العذق وَضرب بِهِ الأَرْض حَتَّى تناثر الْبُسْر وَقَالَ لَهُ يَا رَسُول الله إِنَّا لمسئولون عَن هَذَا يَوْم الْقِيَامَة قَالَ نعم إِلَّا كسرة تسد بهَا جوعتك وخرقة تلف بهَا عورتك وجحر تدخل فِيهِ من القر وَالْحر عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ النَّعيم صِحَة الْأَبدَان والأسماع والأبصار يسْأَل الله الْعباد فِيمَا استعملوها وَهُوَ أعلم بذلك مِنْهُم وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا﴾ الْإِسْرَاء ٣٦ قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ التكاثر ١ قيل مَعْنَاهَا أَلْهَاكُم التكاثر فِي الدُّنْيَا بِجمع الحطام واكتساب الآثام والتمادي فِي الإجرام وأنشدوا (أرضيت دَارا لَا بَقَاء لَهَا ... تعد الشرور وتنصب الفتنا) (مَا يَسْتَقِيم سروره صَاحبهَا ... حَتَّى يعود سوره حزنا) (عجبا لَهَا لَا بل لموطنها الْمَغْرُور ... حِين يعدها وطنا) (فَالْحَمْد لله اللَّطِيف بِنَا ... ستر الْقَبِيح وَأظْهر الحسنا) (مَا تَنْقَضِي عَنَّا لَهُ منن ... حَتَّى يجدد بعْدهَا مننا) يَا أخي اشتغلت باللذات وأفنيت عمرك بالترهات وعصيت إِلَه الأَرْض وَالسَّمَوَات ونسيت بيُوت الوحشة والحيرات فيا لَهُ من بَيت مَا أظلمه وَمن صندوق مَا أغمه منزل الوحشة وَبَيت الْغُمَّة والوحدة وأنشدوا (وَرُبمَا عوقص ذُو صِحَة ... أصح مَا كَانَ وَلم يسقم) (يَا وَاضِعا للْمَيت فِي قَبره ... خاطبك الْقَبْر وَلم تفهم) ﴿حَتَّى زرتم الْمَقَابِر﴾ التكاثر ٢ بيُوت الوحشة ومنازل الضّيق والغمة فِي ضيق وكربات وغم وحسرات وأهوال مقطعات من ظلمات الْقُبُور وسؤال مُنكر وَنَكِير وَالْخُلُود فِي البرزخ إِلَى يَوْم النشور فَانْظُر لنَفسك أَيهَا الْمَغْرُور فَإِن الْقَبْر لَهُ شَأْن يتلوه شؤون وأنشدوا (لَا تغرنك الْحَيَاة وَقدم ... وَاحْذَرْ الْقَبْر إِن للقبر شانا) (إِن فِيهِ لما يحاذر ذُو اللب ... إِذا كَانَ ذَا تقى ومعانا)

стр. 180

بذلك رَسُول الل هـ ﷺ قَالَت الْجَارِيَة إِن كَانَ أَمرك بذلك رَسُول الله ﷺ فسمعا وَطَاعَة لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلَكِن حَتَّى أسمع مِنْهُ فَانْطَلق الشَّاب وَالْجَارِيَة ليأتيا النَّبِي ﷺ فَإِذا أَبوهَا وأخوها فَقَالَا أَيْن تذهبين فَقَالَت إِن الشَّاب تعلق بِي وَزعم أَنِّي امْرَأَته فانكرت ذَلِك عَلَيْهِ فَقَالَ كَذَا أَمرنِي رَسُول الله ﷺ فَأَنا مَعَه إِلَى رَسُول الله ﷺ حَتَّى أسمع مِنْهُ فَقَالَا سمعا وَطَاعَة لله وَلِرَسُولِهِ ﷺ فَانْطَلقُوا جَمِيعًا حَتَّى دخلُوا على رَسُول الله ﷺ فَتكلم والدها فَقَالَ يَا رَسُول الله زعم هَذَا الشَّاب الْغَرِيب إِنَّك امرته بِمَا صنع بِابْنَتي فَقَالَ النَّبِي ﷺ (نعم فَزَوجهُ ابْنَتك على اسْم الله وبركته قَالَ قد فعلت فَزَوجهُ الشَّيْخ ابْنَته وَأشْهد النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فَقَالَ النَّبِي ﷺ (يَا معشر الْمُسلمين أعينوا أَخَاكُم فَجمعُوا لَهُ أَرْبَعَة أَوَاقٍ فضَّة فَقَالَ النَّبِي ﷺ (لَك أوقيتان ولزوجتك أوقيتان فَقَالَ يَا رَسُول الله قد جعلت أوقيتي لَهَا أَيْضا فَقَالَ النَّبِي ﷺ للشَّيْخ والدها جهزوا هَذِه الْجَارِيَة للشاب من يَوْمه هَذَا قَالَ الشَّيْخ سمعا وَطَاعَة لله وَلِرَسُولِهِ فجَاء الشَّاب إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأمره أَن ينْصَرف إِلَى أَهله فجَاء إِلَى منزله فَدخل إِلَى فرَاش مفروش وَإِلَى بِسَاط مَمْدُود وَإِلَى زَوْجَة جالسة وَإِلَى سراج يزهر وَإِلَى طَعَام قد هيء لَهُ فَلَمَّا نظر إِلَى ذَلِك بَادر إِلَى مَكَان فِي مَجْلِسه فصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ شكرا لله لما رأى ثمَّ قَامَ وَصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وشكر نعْمَته ثمَّ جعل يقوم فِي خلال ذَلِك فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يقوم إِلَى مثل حَاله من الثَّنَاء فالشكر لله لما رأى فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى أصبح ثمَّ غَدا إِلَى الْمَسْجِد فصلى مَعَ رَسُول الله ﷺ الْغَدَاة وَالظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء الْآخِرَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى منزله فَلَمَّا عاين أَهله وَمَا هيء لَهُ بَادر إِلَى مَسْجده فصلى مثل صلَاته فِي اللَّيْلَة الأولى وَجعل يحمد الله ويشكره بَين كل رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أصبح فغدا إِلَى الْمَسْجِد فصلى مَعَ رَسُول الله ﷺ فَفعل مثل ذَلِك حَتَّى تمت لَهُ ثَلَاث لَيَال فجَاء الشَّيْخ فِي الْيَوْم الرَّابِع فَدخل على ابْنَته فَسَأَلَهَا عَن زَوجهَا وحالها مَعَه فَقَالَت لَا أَدْرِي مَا زَوجي مَا يعرف غير الصَّلَاة وَهُوَ يقوم اللَّيْل كُله يحمد الله ويثني عَلَيْهِ وَيُصلي فجَاء الشَّيْخ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ بذلك فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ مَا مَنعك من أهلك فَقَالَ يَا رَسُول الله تذكرت شأني وَكنت مُشْركًا بِالْيمن لم يكن لي مأوى إِلَّا جُحر كجحر الْكَلْب آوي إِلَيْهِ اللَّيْل وَالنَّهَار أتبع ظلال الشّجر

стр. 181

والحيطان حِين أخرج من جحري فهداني الله لِلْإِسْلَامِ وَعَلمنِي أَربع سور من الْقُرْآن فشرح الله صَدْرِي بهَا وَنور بهَا قلبِي فَلَمَّا زوجتني هَذِه الْجَارِيَة نظرت إِلَى فراشها وَإِلَى حسنها وجمالها وَلم أر فراشا قطّ مُنْذُ كنت وَنظرت إِلَى سراج يزهر وَلم يكن لي سراج قطّ وَنظرت إِلَى هَذِه الْحَالة فتدبرت إِحْدَى سوري الْأَرْبَع فزهدني الله فِيهَا وَمَا عِنْدهَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَأي سُورَة هِيَ قَالَ ﴿أَلْهَاكُم التكاثر حَتَّى زرتم الْمَقَابِر كلا سَوف﴾ التكاثر ١، ٢ ثمَّ بَكَى وَبكى رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه فَلَمَّا هدؤوا قَالَ الشَّاب يَا رَسُول الله خصني مِنْك بدعوة فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ الْكثير وأشكره على الْيَسِير واغنه بِرَحْمَتك فَلم تأت عَلَيْهِ جمعه حَتَّى قيل للنَّبِي ﷺ أَن الشَّاب قد مَاتَ فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا إِلَه إِلَّا الله إِذا فَرَغْتُمْ من غسله أخبروني فأخبروه ﷺ فَقَالَ ﷺ هَنِيئًا لَك الْجنَّة ثمَّ سَأَلَ زَوجته هَل نَالَ مِنْهَا شَيْئا قَالَت لَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ نَبيا مَا نَالَ مني شَيْئا ٣١٣ - حكايات عَن الصَّالِحين فِي الخشية من الله قَالَ مَيْمُون بن مهْرَان دخلت على عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ وَهُوَ يقْرَأ ﴿أَلْهَاكُم التكاثر حَتَّى زرتم الْمَقَابِر﴾ التكاثر ١، ٢ فَقَالَ إِنَّمَا يزورون الْمَقَابِر بِالْمَوْتِ وَلَا بُد لكل زائر أَن يعود لوطنه من جنَّة أَو نَار وَقَالَ زر بن جبيش عَن عَليّ ﵁ فال كُنَّا نشك فِي عَذَاب الْقَبْر حَتَّى نزلت ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ التكاثر ١ يَقُول شغلكم التكاثر بالأموال وَالْأَوْلَاد عَن ذكر الله وطاعته وَاللَّهْو مَا شغل وَأكْثر مَا يُقَال فِي البطالة ﴿حَتَّى زرتم الْمَقَابِر﴾ التكاثر ٢ بُيُوتكُمْ وَيُقَال إِن حيين من قُرَيْش تفاخرا وتعاددا بالأموات كَانَ منا فلَان وَكَانَ منا فلَان ﴿كلا سَوف تعلمُونَ﴾ التكاثر ٣ يَقُول سَوف تعلمُونَ إِذا متم ﴿ثمَّ كلا﴾ التكاثر ٤ يَقُول ثمَّ كلا سَوف تعلمُونَ فِي قبوركم وَهُوَ وَعِيد مَعَ وَعِيد فَمَعْنَى الأول غير معنى الثَّانِي وَلَيْسَ ذَلِك بتكرير قَالَ الْفراء والكلمة قد تكررها الْعَرَب على التَّغْلِيظ والتخويف فَهَذَا من ذَلِك ثمَّ قَالَ ﴿كلا﴾ أَي كلا لَا يُؤمنُونَ بالوعيد ثمَّ اسْتَأْنف وَقَالَ ﴿لَو تعلمُونَ علم الْيَقِين﴾ التكاثر ٥ يَقُول مَحْض الْيَقِين وَهُوَ الَّذِي لَا شكّ أعلمكُم أَنكُمْ سَتَرَوْنَ الْجَحِيم فِي الْآخِرَة كَقَوْلِه ﴿وبرزت الْجَحِيم لمن يرى﴾ النازعات ٣٦ فالتكرار فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لترون الْجَحِيم﴾ التكاثر ٦ فِي الْقِيَامَة إِذا برزت ﴿ثمَّ لترونها عين الْيَقِين﴾ التكاثر ٧

стр. 182

(إِنَّنِي موقن بِمَا فِي كتابي ... عَاجلا تسوني الأكفانا) (فَإِذا مَا وضعت فِي ظلمَة اللَّحْد ... وبدلت من مَكَان مَكَانا) (وَإِذا لم يدركني رَبِّي بِعَفْو ... ألق فِي الْقَبْر ذلة وَهَوَانًا) ٣١٤ - صفة الْقَبْر رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْقَبْر رَوْضَة من رياض الْجنَّة أَو حُفْرَة من حفر النَّار إِلَّا وَإنَّهُ ليَتَكَلَّم فِي كل يَوْم ثَلَاث مَرَّات فَيَقُول أَنا بَيت الظلمَة أَنا بَيت الوحشة أَنا بَيت الدُّود الله الله يَا إخْوَانِي اعْمَلُوا لهَذَا الضّيق وجدوا فِي الْعَمَل بِاجْتِهَاد وَتَحْقِيق وأنشدوا (كَأَنِّي بإخواني على حافة الْقَبْر ... يهيلونه فَوقِي وأدمعهم تجْرِي) عفى الله عني حِين أترك ثاويا ... أزار فَلَا أَدْرِي وأجفى فَلَا أَدْرِي) فانتبهوا عباد الله من نومَة الْغَفْلَة وَاعْمَلُوا ليَوْم النقلَة واستعدوا لظلمة الْقَبْر مَا دمتم فِي فسحة ومهلة وَلَا تقطعوا أيامكم بالمحال وجنبوا أعماركم سوء الفعال فَإِن الْمَوْت نَازل بكم والقبر أمامكم وأنشدوا (ني أَنِّي من حَدِيثي ... والْحَدِيث لَهُ شجون) (ضيعت مَوضِع مضجعي ... وقتا ففارقني السّكُون) (قل لي فَأول لَيْلَة ... فِي الْقَبْر كَيفَ ترى أكون) ٣١٥ - أَشد مَا على الْمَيِّت قيل إِنَّه لَا يَأْتِي على الْمَيِّت فِي قَبره أَشد وأصعب من أول لَيْلَة يبيت فِيهِ فَمن تفقد ميته فِي أول لَيْلَة بِشَيْء من الصَّدَقَة وَإِلَّا فَليصل رَكْعَتَيْنِ وليهد ثوابهما لميته يرفع الله تَعَالَى عَن ميته مَا يجد من الْغم والوحشة وَيكْتب الله للمصلين عبَادَة سِتِّينَ سنة بقيامها وصيامها وأنشدوا (بِاللَّه يَا عين بِوَحْي ... وابكي عَليّ ونوحي) (غَدا أُوَسَّد قَبْرِي ... غَدا أَزور ضريحي)

стр. 183

(غَدا نزوح الْأَحِبَّة ... وتمنعي أَن تروحي) ذكر أَن الْمَيِّت إِذا وضع فِي قَبره وَقَالَ المشيعون انصرفوا آجركم الله يَقُول الْمَيِّت إِن كَانَ من أهل الشَّقَاء يَا لَيْتَني مَعَ من انْصَرف لعظم مَا يعاين من هول المطلع يَا أحبابي فَإِذا كَانَ لأحدكم بَيت وَلم يبسط فِيهِ على مَا يجلس جلس على التُّرَاب وَالْأَرْض كَذَلِك من لم يقدم لقبره عملا صَالحا لنَفسِهِ بَقِي مستوحشا وحيدا فريدا فِي رمسه وأنشدوا (أَنا فِي الْقَبْر رهين ... قد تبرا الْأَهْل مني) (اسلموني بذنوبي ... خبت إِن لم يعف عني) (فَارْحَمْ الْيَوْم مشيبي ... وَارْحَمْ اللَّهُمَّ سني) (وَارْحَمْ اللَّهُمَّ ضعْفي ... لَا يخيب الْيَوْم ظَنِّي) ٣١٦ - عظة للنَّبِي ﷺ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ يعظنا أَحْيَانًا فَيَقُول تجهزوا لقبوركم فَإِن الْقَبْر يُنَادي كل يَوْم سبع مَرَّات فَيَقُول يَا ابْن آدم الضَّعِيف ارْحَمْ نَفسك فِي حياتك قبل أَن تَلقانِي فَإنَّك إِذا لقيتني وَكنت عَاملا بِطَاعَة مَوْلَاك رحمتك وَرَأَيْت مني السرُور وَإِن لم ترحم نَفسك لم أرحمك أَنا بَيت الدُّود مَعَ الندامة الطَّوِيلَة وَأَنا بَيت الوحشة مَعَ الْجُوع الشَّديد والشدة أَنا بَيت الْعَطش مَعَ الظلمَة أَنا بَيت الضّيق مَعَ العقارب يَا ابْن آدم إياك أَن تغرك الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِن ممرك عَليّ وَأَنا أول منازلك إِلَى الْآخِرَة فَإِن نجوت مني نجوت من كل شدَّة تتخوف مِنْهَا يَا ابْن آدم أَنا بَيت الْغَضَب لَا أرْحم شَابًّا لشبابه وَلَا صَغِيرا لصغره وَلَا كهلا وَلَا شَيخا لكبره وَلَا أرْحم إِلَّا من رحم نَفسه وأنشدوا (عجبت لمن يتم لَهُ السرُور ... بدار كل مَا فِيهَا غرور) (وَكَيف يلذ ساكنها بعيش ... وَيعلم أَن مَسْكَنه الْقُبُور) يَا ابْن آدم لقد خلقت لأمر عَظِيم لَو كنت تعقل لظهر قنوعك ولبان خشوعك وثارت دموعك خوفًا من الْقَبْر ووحشته وَمن اللَّحْد وضغطته وَمن هول المطلع وروعته فامهد لنَفسك يَا مِسْكين بَيْنَمَا أَنْت حَيّ وبينما يقبل مِنْك

стр. 184

كل شَيْء قبل طي الْكتاب وغلق الْبَاب ونزول الْحجاب والرحيل إِلَى التُّرَاب وأنشدوا ٠ - لَا تأتمن وَإِن أمسيت فِي حرم ... إِن المنايا تفاجئ كل إِنْسَان) (واسلك طريقك واثبت غير منحرف ... حَتَّى تلاقي الجزا من عِنْد رَحْمَن) (فَكل خل وَإِن أشفقت تتركه ... وكل مَال وَإِن أكثرته فان) (وَالْخَيْر وَالشَّر مقرونان فِي قرن ... بِكُل ذَلِك يَأْتِيك الجديدان) ففكروا رحمكم الله فِي أحبابكم وجيرانكم وأصحابكم وَإِخْوَانكُمْ وآبائكم وأمهاتكم وأخواتكم والأباعد والأقارب وَذَوي الْمَوَدَّة والأجانب قد استوحشت من أَنفسكُم الديار وانقطعت بَينهم الْآثَار وبقوا رهنا فِي الْأَحْدَاث بالأوزار قد هجرهم الحبيب وسلا عَنْهُم الْقَرِيب قد ضيقت عَلَيْهِم اللحود وسالت عيونهم على الخدود وتمزقت عَنْهُم الْجُلُود ودبت فِي أَجْسَادهم الْهَوَام والدود وَبقيت أَرْوَاحهم فِي البرزخ إِلَى الْيَوْم الهائل الْمَوْعُود لم يَنْفَعهُمْ مَا جمعُوا وَلَا حصنهمْ مَا بنوا وشيدوا وَلَا مَنعهم كلما صَنَعُوا صَارَت الْقُبُور لَهُم قرارا وفرت الأحباب عَنْهُم فِرَارًا فانتبهوا يَا معشر الإخوان واجتهدوا فِي طَاعَة الرَّحْمَن من قبل مُفَارقَة الأحباب والأوطان وأنشدوا (هِيَ الْأَحْدَاث تطرق أَو تُعَاد ... وكل للمنية فِي مهاد) (وَمَا يبْقى الْحمام إِذا يوافي ... شَدِيد الْبَطْش جَبَّار القياد) (فكم أسرى إِلَى لَيْث هصور ... وجبار من الأجناد عَاد) (فَقل لأخي السَّلامَة عش مَلِيًّا ... فَإِن الْكَوْن دَاعِيَة الْفساد) (وَكن فِي الْعُمر لُقْمَان بن عَاد ... وهاك حمام لُقْمَان بن عَاد) (فَإِن الْمَرْء فِي أَيدي المنايا ... أَسِير مَا لَهُ مِنْهُنَّ فاد) ٣١٧ - الْعبْرَة بالقبور يَا أخي إِذا أردْت أَن تَدْرِي كَيفَ حالك من بعْدك فَأخْرج إِلَى الْقُبُور وانظرها وَقد عفت وَمثل قبرك بَين الْقُبُور ثمَّ انْظُر مَاذَا تحْتَاج إِلَيْهِ فِي قبرك فَأكْثر مِنْهُ لطول مدتك فِيهِ وَهُوَ الْعَمَل الصَّالح فَأَما مَا سوى ذَلِك فَمَا لَك حَاجَة فِي شَيْء من أُمُور الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يصير عَلَيْك وبالا فِي قبرك وحسرة وَانْظُر حالك الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ

стр. 185

إِن كَانَ يصلح للْمَوْت والقبر فتمادى عَلَيْهِ وَإِن كَانَ لَا يَصح لهذين فتب إِلَى الله تَعَالَى مِنْهَا وأرجع إِلَى مَا يصلح وأنشدوا (كم تناسى الْقُبُور يَا مغرور ... حفر مَا بهَا لعاص سرُور) (وتعامى عَنْهَا وَأَنت ترَاهَا ... ورحاها على الْأَنَام تَدور) (فَاتق الله حق تقواه وَاحْذَرْ ... كل هول يخافه المقبور) (ودع اللَّهْو والبطالة واعمل ... للَّتِي عَاجلا إِلَيْهَا تصير) (تِلْكَ دَار الْبَقَاء فَكل تَقِيّ ... فِي رباها مكرم محبور) (ولعاص مصر إِن لم تنله ... رَحْمَة الله مبعد مثبور) ٣١٨ - دُعَاء لأهل الْقُبُور كَانَ بعض الْخَائِفِينَ إِذا خرج إِلَى الْقُبُور لَا ترقأ دمعته وَلَا يَأْكُل وَلَا يشرب ثَلَاثَة أَيَّام وَيَقُول ترى يَا أحبائي مَا لَقِيتُم فِي بيُوت الحسرات آنس الله غربتكم ورحم الله وحشتكم وَبرد الله مضاجعكم وهون مَا قدر عَلَيْكُم مولاكم إِنَّه سميع قريب نعم الْمولى وَنعم النصير ثمَّ يَأْخُذ فِي الْبكاء والنحيب فَالله الله أبكوا قبل أَيَّام الْبكاء واندبوا قبل يَوْم الأسى وأنشدوا (لاه بدنياه وَالْأَيَّام تنعاه ... والقبر غَايَته واللحد مَأْوَاه) (يلهو وَلَو كَانَ يدْرِي مَا أعد لَهُ ... إِذا لأحزنه مَا كَانَ ألهاه) (أَو مَا جنت يَده لَو قد تعرفه ... ويلاه مِمَّا جنت كَفاهُ ويلاه) اعلموا عباد الله أَن الْقُبُور على الْأَمْوَات توابيت مقفولة والأعمال فِي أَعْنَاقهم قلائد مجعولة وأرواحهم بِالْغَدَاةِ والعشي إِلَى الْجنَّة أَو النَّار مَحْمُولَة وأنشدوا (يَا أَيهَا الرجل المزخرف قَبره ... وَلَعَلَّه فِي جَوْفه مغلول) (يَا أَيهَا الرجل الْمُقِيم بمنزل ... فِيهِ الْحَوَادِث مَا أَقَامَ نزُول) (أَلا يغرك ملكه ونعيمه ... فالملك يفنى وَالنَّعِيم يَزُول) (وَإِذا حملت إِلَى الْقُبُور جَنَازَة ... فَاعْلَم بأنك بعْدهَا مَحْمُول) يَا إِخْوَاننَا مضى الإخوان وَنحن على آثَارهم فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون قد عميت أبصارنا عَن حقائق الْأُمُور وغفلنا عَن الْحمام ونسينا الْقُبُور

стр. 186

٣١٩ - حِكَايَة عَن الْأَصْمَعِي يحْكى عَن الْأَصْمَعِي ﵁ أَنه قَالَ مَرَرْت بأعرابي وَهُوَ وَاقِف على مَقْبرَة فَقلت لَهُ يَا أَخا الْعَرَب مَا هَذَا الْموضع الَّذِي أَنْت فِيهِ فَقَالَ (هذي منَازِل أَقوام عهدتهم ... فِي رغد عَيْش نَفِيس مَا لَهُ خطر) (صاحت بِهن نائبات الدَّهْر فانقلبوا ... إِلَى الْقُبُور فَلَا عين وَلَا أثر) عباد الله من كَانَ مصيره إِلَى الْقَبْر مَا للفرح إِلَيْهِ سَبِيل والقبر يُنَادِيه كل يَوْم يَقُول لَهُ لَا بُد لَك مني فَمَاذَا قدمت لي من عمل صَالح وأنشدوا (أَجَارَ الدَّهْر لَيْسَ لَهُ جوَار ... وَحسن الظَّن بالدنيا اغترار) (إِذا مَا رمت يَوْمًا كَانَ يَوْمًا ... وَنقص الْبَدْر غَايَته السرَار) (ودع حرص الجبان على حَيَاة ... وأجمل إِن عمرك مستعار) (وَذُو الآمال مِنْهَا فِي غمار ... وَعند الْمَوْت ينْكَشف الغمار) (ويرجو الْمَرْء أَن يبْقى سليما ... ويأبى اللَّيْل ذَلِك وَالنَّهَار) (وَهل تخطي الْمنية نفس حَيّ ... وهاديها رواح وابتكار) ٣٢٠ - حِكَايَة عَن الْحُسَيْن قيل كَانَ الْحُسَيْن ﵁ إِذا رأى الْقُبُور قَالَ مَا أحسن ظواهرها وَإِنَّمَا الدَّوَاهِي فِي بطونها فَالله الله عباد الله لَا تشتغلوا بالدنيا فَإِن الْقَبْر بَيت الْعَمَل فاعملوا وَلَا تغفلوا وأنشدوا (يَا من بدنياه اشْتغل ... وغره طول الأمل) (الْمَوْت يَأْتِي بَغْتَة ... والقبر صندوق الْعَمَل) أخي لَو رَأَيْت الْمَيِّت فِي قَبره بعد ثَلَاثَة أَيَّام لاستوحشت من فَقده بعد طول الْأنس بناحيته وَلَو رَأَيْت كَيفَ تجول فِيهِ الْهَوَام وَيجْرِي فِيهِ الصديد وتخرقه الديدان مَعَ تغير الرّيح وبلاء الأكفان بعد حسن الهيأة وَطيب الرّيح ونقاء الثَّوْب وأنشدوا (باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرِّجَال فَلم تنفعهم القلل) (واستنزلوا من أعالي عز معقلهم ... واسكنوا حفرا يَا بئس مَا سكنوا)

стр. 187

(ناداهم صارخ من بعد مَا دفنُوا ... ايْنَ الأسرة والتيجان وَالْحلَل) أَيْن الْوُجُوه الَّتِي كَانَت محجبة ... من دونهَا تضرب الأستار والكلل) (فافصح الْقَبْر عَنْهُم حِين سَاءَ لَهُم ... تِلْكَ الْوُجُوه عَلَيْهَا الدُّود يقتتل) (قد طَال مَا أكلُوا دهرا وَمَا نعموا ... فَأَصْبحُوا بعد طول الْأكل قد أكلُوا) فيا معشر الشَّبَاب تأهبوا للغدو إِلَى التُّرَاب فَإِن الشَّيْخ يَكْفِيهِ مُصِيبَة الشيب فَإِنَّهُ يمهد للقبر وأنشدوا (مَا للشيوخ وللغد ... وَإِلَى الملاهي والبكور) (وهم غَدا أَو قبله ... أَو بعده حَشْو الْقُبُور) ٣٢١ - نِدَاء الْقَبْر لساكنيه عباد الله مَا من أحد لَا مُؤمن وَلَا فَاجر إِلَّا وقبره يُنَادِيه بكرَة وَعَشِيَّة إِمَّا بالبشرى وَالسُّرُور وَإِمَّا بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور فَمن فكر فِيهِ وَفِي وحشته وضيقه وغمته كَانَ عَلَيْهِ أوسع من الدُّنْيَا وَأَفْرج مِنْهَا وأبدله الله خيرا من دَاره وَأهلا خيرا من أَهله وَجعل الْقَبْر خيرا من دَاره فَأَكْثرُوا ذكره فِي الآناء والأوقات وَأَطيعُوا جَبَّار الْأَرْضين وَالسَّمَوَات عساه يَجعله لكم رَوْضَة من رياض الجنات ويقيكم فِيهِ الذل والحسرات وأنشدوا (قف بالمقابر وَاذْكُر وَإِن وقفت بهَا ... لله دَرك مَاذَا تستر الْحفر) (ففيهم لَك يَا مغرور موعظة ... وَفِيهِمْ لَك يَا مغرور مُعْتَبر) (كَانُوا ملوكا تواريهم قصورهم ... دهرا فوارتهم من بعْدهَا الْحفر) (الدُّود يَأْكُل أَقْوَامًا منعمة ... نعم وَمن دونهَا الألواح والمدر) (أعن رِضَاهُ ذَاك عَنْهُم أم على سخط ... هَيْهَات ضلت وحارت فيهم الْفِكر) ٣٢٢ - بكر بن حَمَّاد يحْكى عَن بكر بن حَمَّاد ﵀ أَنه خرج يَوْمًا إِلَى الْقُبُور وَجعل ينظر إِلَى امتداد الْقُبُور ويفكر فِي الأحباب والإخوان وَالْأَصْحَاب وَالْجِيرَان ثمَّ بَكَى حَتَّى طَال بكاؤه وبلت دُمُوعه لحيته ثمَّ جعل يَقُول (زرنا منَازِل قوم لَا يزورونا ... إِنَّا لفي غَفلَة عَمَّا يقاسونا)

стр. 188

(لَو ينطقون لقالوا الْجد وَيحكم ... جدوا الرحيل فقد آوى المقيمونا) (الْمَوْت أحدق بالدنيا وعزتها ... وَفعلنَا فعل قوم لَا يموتونا) (فابكوا كثيرا فقد حق الْبكاء لكم ... فالحاملون لعرش الله باكونا) فَالله الله جدوا فِي الْعَمَل فَإِن الْقَبْر أمامكم وَالْمَوْت يطلبكم يفرق مَا جمعتم وَيخرب مَا قد بنيتم بِقطع الأنفاس وينقلكم إِلَى ضيق اللحود والأرماس فَمن قدم إِلَى الْقَبْر عملا صَالحا وجده رَوْضَة من رياض الْجنان وَمن لم يكن لَهُ عملا وجده حفره من حفر النيرَان فَاسْتَعدوا لَهُ يَا معشر الْأَصْحَاب والإخوان رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن السماك ﵀ أَنه قَالَ مَرَرْت بالمقابر فَإِذا مَكْتُوب على قبر (تمر أقاربي جنبات قَبْرِي ... كَأَن أقاربي لم يعرفوني) (وَذُو الْمِيرَاث يقتسمون مَالِي ... وَمَا يألون إِن جَحَدُوا ديوني) (وَقد أخذُوا سِهَامهمْ وراحوا ... فيا لله أسْرع مَا نسوني) عباد الله أفيقوا من سكرتكم من دَار الْغرُور وَطَاعَة الشَّيْطَان المثبور وَاعْمَلُوا لضيق اللحود والقبور ٣٢٣ - حِكَايَة عَن أَحْمد بن أبي الْحوَاري حُكيَ عَن أَحْمد بن أبي الْحوَاري ﵀ أَنه قَالَ خرجت يَوْمًا للقبور فَذكرت الْمَوْت فِي نَفسِي وَالْبَلَاء فَرَأَيْت شَابًّا بَين الْقُبُور قد استفرغه الْخَوْف والبكاء وَهُوَ بَين الْقُبُور منصرف فَقلت لَهُ من أَيْن أَقبلت أَيهَا الْفَتى فَقَالَ من هَذَا المبرز قلت وَأي شَيْء قلت لَهُم قَالَ قلت لَهُم مَتى ترحلون فَقَالُوا حِين تقدمون ثمَّ ولى عني وَهُوَ يبكي فتبعته فَقلت لَهُ أَيْن تُرِيدُ فَقَالَ ألتمس الْعَيْش فَقلت لَهُ كَيفَ تلتمس الْعَيْش بَين الْقُبُور فَقَالَ وَأي شَيْء هُوَ الْعَيْش عنْدكُمْ قلت المَال والبنون وَأَشْبَاه ذَلِك من اللَّذَّات بِالنسَاء وَالصبيان فولى عني وَهُوَ يَقُول أُفٍّ لعيش يعقب أحزانا وندامة وأشجانا فَقلت وَأي شَيْء هُوَ الْعَيْش عنْدكُمْ قَالَ إِنَّمَا الْعَيْش عندنَا هُوَ الْإِقْرَار بتوحيد الله وَالْوُقُوف بِفنَاء الله والخضوع بَين يَدي الله والتلذذ بحلاوة مُنَاجَاة الله فهناك تزدحم عَلَيْك أَعْلَام الْفَوَائِد من الله تَعَالَى وَجَمِيل العوائد قلت لَهُ أَخْبرنِي عَن الصَّادِق لله فِي حبه مَتى يشتاق إِلَى لِقَائِه قَالَ إِذا نزع

стр. 189

الله حب الدُّنْيَا من قلبه وتبرم بِبَقَائِهِ بَين خلقه فَحِينَئِذٍ يشتاق إِلَى لِقَائِه قَالَ قلت لَهُ أَخْبرنِي عَن غَايَة الزّهْد فِي الدُّنْيَا قَالَ ترك الْحَلَال حَتَّى لَا يَقع فِي الْحَرَام قَالَ قلت أَخْبرنِي عَن غَايَة الرِّضَا بِاللَّه تَعَالَى قَالَ إِذا كنت رَاضِيا بِكُل مَا قدر الله تَعَالَى وقضاه وأحكمه وأمضاه وَأَنه هُوَ المتفضل على الْمُتَّقِينَ بفضله والخاذل لمن شَاءَ بعدله قلت لَهُ أَخْبرنِي عَن غَايَة الْعِبَادَة قَالَ تجمع الهموم فتجعلها هما وَاحِدًا حَتَّى يَسْتَوِي عنْدك الْعمرَان والخراب وَتَكون خَائفًا من الله تَعَالَى كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك قلت لَهُ كَيفَ النجَاة من مُخَالفَة النَّاس قَالَ إِنَّمَا النَّاس رجلَانِ عَاقل وجاهل فالعاقل اشْتغل بعيوب نَفسه عَن عُيُوب غَيره وَقَامَ مُجْتَهدا بِطَاعَة ربه فَهُوَ لَا يلْتَفت إِلَيْك وَلَا إِلَى غَيْرك وَأما الْجَاهِل فَلَا يُبَالِي كَيفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَعَلَيْك بالبراري والقفار والاستئناس بِالْوَاحِدِ القهار قلت فَمن أَيْن الْقُوت قَالَ تهرب إِلَى الله تَعَالَى وَقد فتح لَك بَاب التَّوَكُّل عَلَيْهِ ويضيعك حَتَّى تتهمه فِي رزقك إِنَّه رؤوف رَحِيم لَا يسلمك ثمَّ تصافحنا وتفرقنا ودعا لي فَمَا رَأَيْت أنور قلبا مِنْهُ وَوجد على قبر مَكْتُوب (تناجيك أجداث وَهن سكُوت ... وسكانها تَحت التُّرَاب خفوت) (فيا جَامع الدُّنْيَا لغير بلاغة ... لمن تجمع الدُّنْيَا وَأَنت تَمُوت) عباد الله ارحموا أَنفسكُم قبل نزُول الْعَذَاب فَإِن الْقَبْر لَا يرحم من لَيْسَ لَهُ عمل وَلَا يشفق على من غره طول الأمل وَلَا يحن على من ضيع أَيَّام الْمهل وأنشدوا (مَا حَال من سكن الثرى مَا حَاله ... أَمْسَى وَقد صرمت هُنَاكَ حباله) (أَمْسَى وَلَا روح الْحَيَاة تصيبه ... يَوْمًا وَلَا لطف الحبيب يَنَالهُ) (أضحى وَقد درست محَاسِن وَجهه ... وَتَفَرَّقَتْ فِي قَبره أوصاله) (واستبدلت مِنْهُ المحاسن غبرة ... وتقسمت من بعده أوصاله) (مَا زَالَت الْأَيَّام تلعب بالفتى ... وَالْمَال يذهب صَفوه وَحَلَاله) ٣٢٤ - عِيسَى وَالْمَدينَة الخربة رُوِيَ أَن عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ دخل مَدِينَة خربة فَدخل قصرا من قُصُورهَا فَنَادَى يَا خراب الْأُخَر بَين أَيْن أهلك فَأَجَابَهُ شَيْء من آخر الْقصر يَا ابْن

стр. 190

مَرْيَم بادوا فاجتهد وَلَا تفرط فَإِن الْعِظَام قد بليت وَبقيت أَعْمَالهم فِي رقابهم وأنشدوا (قف بالقبور وَقل على ساحاتها ... من مِنْكُم المغموم فِي ظلماتها) (وَمن المكرم مِنْكُم فِي قفرها ... قد ذاق برد الْأَمْن من روعاتها) (أما السّكُون لَدَى الْعُيُون فواحد ... لَا يستبين الْفضل فِي درجاتها) (لَو جاوبوك لأخبروك بألسن ... تصف الْحَقَائِق بعد من حالاتها) (أما الْمُطِيع فنازل فِي رَوْضَة ... يُفْضِي إِلَى مَا شَاءَ من راحاتها) (والمجرم الطاغي بهَا متقلب ... فِي حُفْرَة يأوى إِلَى حَيَاتهَا) (وعقارب تسْعَى إِلَيْهِ فروحة ... فِي شدَّة التعذيب من لذعاتها) عباد الله مَا لكم لَا تفيقون من غفلاتكم وتنتهون من نوماتكم وتصحون من سكراتكم وتملون من شهواتكم وتدعون الْكثير من لذاتكم وتذكرون هول الْمَقَابِر والمصير إِلَى ضيق الحفائر فَإِن ملك الْمَوْت لَا يأتيكم إِلَّا على ألذ مَا تَكُونُونَ من طيب عيشكم وَلَذَّة دنياكم فبادروا قبل مبادرته بكم وأنشدوا (بِنَاء الْفَتى فِي لهوه وعنائه ... متبختر يختال فِي لذاته) (قد غره الأمل الكذوب ... فهمه فِي كل مَا يُدْنِيه من شهواته) (إِذْ جَاءَهُ ملك النُّفُوس بسكرة ... تَركه ملقى الْجِسْم بَين ثقاته) (فتقطعت أَسبَابه وتخرمت ... وتنكر الْمَعْرُوف فِي حالاته) (لَا يستجيب لمن دَعَاهُ وَلَا يرى ... شقّ الْجُيُوب عَلَيْهِ حِين وَفَاته) ٣٢٥ - ابْن عَبَّاس وَابْن الْخطاب ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ دخل على عمر بن الْخطاب ﵁ يَوْم قتل فَقَالَ أبشر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ بِمَاذَا قَالَ آمَنت برَسُول الله ﷺ حِين كفر بِهِ النَّاس وجاهدت مَعَ رَسُول الله ﷺ حِين خذله النَّاس وَمَات رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنْك رَاض وَلم يخْتَلف فِي خلافتك إثنان وَقتلت شَهِيدا فَقَالَ لَهُ عمر ﵁ أعد عَليّ مَا قلت فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره لَو أَن لي مَا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وغربت لاقتديت بِهِ من هول المطلع فَإِذا كَانَ هَذَا قَول عمر ﵁ إِمَام السّنة وحبِيب الْأمة

стр. 191

وسراج أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة قَالَ هَذَا عِنْد الْفِرَاق والانقطاع وأشفق من هول المطلع فَكيف بِأَهْل اللَّهْو واللعب والبهتان وَالْكذب أمثالنا الَّذين قطعُوا أعمارهم فِي الذُّنُوب وأفنوا أيامهم فِي مَعْصِيّة علام الغيوب وغفلوا عَن الْقُبُور وَلم يتفكروا فِي هول يَوْم النشور وَالله أعلم وأنشدوا (أَرَانِي كل يَوْم فِي انتقاص ... وَبعد لَا يَزُول وَطول هجر) (وأيامي تمر بِغَيْر شَيْء ... وَعمر الْمَرْء فِي الْأَيَّام يسري) (أَلا خطوا على قَبْرِي كتابا ... وَقُولُوا قبر ذِي ظلم وغدر) (أَتَى الدُّنْيَا وفارقها فَقِيرا ... وكل فَتى على ذَا النهج يجْرِي) (وَقُولُوا حِين أدفن أَي عبد ... أَتَى مَوْلَاهُ فِي ذل وفقر) حُكيَ عَن دَاوُد الطَّائِي ﵀ أَنه مر على امْرَأَة تبْكي على قبر وَهِي تَقول (عدمت الْحَيَاة وَلَا نلتها ... إِذا أَنْت فِي الْقَبْر قد الحدوكا) (فَكيف أَذُوق لذيذ الْكرَى ... وَأَنت بيمناك قد وسدوكا) قَالَ دَاوُد فَلَمَّا سَمِعت تذكرت فِي الأحباب والأخدان وَالْأَصْحَاب والأخدان لَا يرى لَهُم آثَار وَلَا على الأَرْض مِنْهُم ديار (أَمر على الْقُبُور وأرتقيها ... كَأَنِّي لَيْسَ لي فِيهَا حبيب) (وأكره أَن أسائلها فَإِنِّي ... أَرَاهَا حِين تسْأَل لَا تجيب) ٣٢٦ - عظة نفيسة عباد الله مَا مضى من مضى إِلَى الْقُبُور الحالية من الْأُمَم الخالية لتبقوا بعدهمْ إِلَّا النّذر الْيَسِير الَّذِي بَقِي من أعماركم ثمَّ تنتبهون إِلَى الْقُبُور وتخرجون من سَعَة الْقُصُور والدور وَالْحَمْد لله يَا معشر الْمُؤمنِينَ وَجَمَاعَة إخْوَانِي الْمُسلمين جدوا واجتهدوا وبالعمل الصَّالح فَاسْتَعدوا وَقدمُوا لأنفسكم مَا تَجِدُوهُ فِي الْمَقَابِر وابكوا عَلَيْهَا قبل حلولها فِي الحفائر وأنشدوا (لكل أنَاس مقبر بفنائهم ... فهم فِي انتقاص والقبور تزيد) (وَفِي محشر الْمَوْتَى أَمَام قُبُورهم ... فَمَا مِنْهُم من للحياة يعود)

стр. 192

٣٢٧ - وأنشدوا (الْمَرْء رهن مصائب لَا تَنْتَهِي ... حَتَّى يوارى جِسْمه فِي رمسه) (فمؤخر يلقى الردى فِي أَهله ... ومقدم يلقى الردى فِي نَفسه) تذكر أَيهَا الْمَغْرُور أَبَاك وإخوانك وتذكر أهلك وَجِيرَانك وتذكر أحبابك وأخدانك أَيْن الَّذين كَانُوا لَك فِي الدُّنْيَا أحبابا وَفِي أَيَّام حياتك أصحابا صحبتهم وصحبوك وذهبوا عَنْك وَتَرَكُوك وأوحشوا الْأَهْل والأحباب وفارقوا الْقَرَابَة وَالْأَصْحَاب قد ضمت أَجْسَادهم الْمَقَابِر وغيرت أبشارهم الحفائر وَبقيت أَرْوَاحهم تنْتَظر يَوْمًا تبلى فِيهِ السرائر فَمنهمْ من يجازى بنعيم وخلود وَمِنْهُم من يرد النَّار وَبئسَ الْورْد المورود أَيْن لُقْمَان بن عَاد أَيْن ثَمُود وَشَدَّاد أَيْن فِرْعَوْن ذِي الْأَوْتَاد وَأَيْنَ من طَغى فِي الْبِلَاد وَأظْهر فِيهَا الْفساد ذهبت وَالله تِلْكَ الأجناد وصاروا إِلَى ظلم الْقُبُور على غير مهاد وَلَا وساد تذكر أَيهَا الغافل أَيْن الْمُلُوك الأكابر وَأَيْنَ الطغاة الجبابر وَأَيْنَ الَّذين جمعُوا الْأَمْوَال والذخائر وقادوا الجيوش والعساكر وَكَانَت الخطباء تذكرهم على المنابر حولتهم وَالله النوائب إِلَى الحفائر وبقوا مرتهنين بأعمالهم فِي ظلمات الْمَقَابِر ونزلوا على مَا قدمُوا من ذخائر الْأَعْمَال قد قطعت الديدان أوصالهم وَغير الْبلَاء أَحْوَالهم قد سَالَتْ الْعُيُون مِنْهُم على الخدود وَصَارَت لحومهم قوتا للهوام والدود وَقسمت من بعد دفنهم فِي التُّرَاب أَمْوَالهم ونكحت من عدوهم عِيَالهمْ وأنشدوا (هَل كَانَ قبلك للذات مرتاحا ... لَو شفه ذكر ذَنْب قد مضى ناحا) (لله عبد جنى ذَنبا فأحزنه ... فظل حيران يذري الدمع سِفَاحًا) (فاسفح دموعك عَن ذَنْب أصبت بِهِ ... فَرب دمع جرى للخير مفتاحا) (وَرب عين رَآهَا الله باكية ... خوف الْقُبُور ستلقى الرّوح والراحا) (مستعبر قلق مستيقظ فطن ... كَأَن فِي قلبه للنور مصباحا) (يَا صَاحِبي دَعَا التسويف ويحكما ... واستبدلا بِفساد الدّين إصلاحا) (لَا تأمنن وُقُوع الْمَوْت إِن لَهُ ... لأنفسا من جَمِيع الْخلق مجتاحا) (إِن لم يبيتهم ناداهم سحرًا ... وَإِن تَأَخّر عَن تبكيرهم رَاحا) (لَا يتْرك الْمَوْت بَيْتا حشوه فَرح ... إِلَّا أعاضهم ذلا وأتراحا) (أهل الْقُبُور أبينوا عَن قبوركم ... هَل تَسْتَطِيعُونَ لي بِالرَّدِّ إفصاحا)

стр. 193

(مَاذَا لَقِيتُم وماذا بعد قيل لكم ... لما فقدتم من الأجساد أرواحا) (يعزز عَليّ بأبدان منعمة ... أَمْسَى بهَا الدُّود جوالا وسواحا) (النَّاس فِي غَفلَة عَمَّا يُرَاد بهم ... من كَانَ ذَا بصر فالصبح قد لاحا) ٣٢٨ - حِكَايَة عَن ابْن السماك حُكيَ عَن ابْن السماك ﵀ أَنه حضر يَوْمًا جَنَازَة فَلَمَّا نظر إِلَى الْقُبُور بَكَى وَقَالَ لأَصْحَابه معشر الإخوان أَلا متأهب لمَوْت يُوصف لَهُ يرَاهُ أَمَامه أَلا مستعد ليَوْم فقره ونزوله إِلَى حفرته وقبره أَلا شَاب عازم قد بارز لمنيته أَلا من لَيْسَ يُغَيِّرهُ شباب مَتنه وَلَا شدَّة قوته إِلَّا شيخ قد بَادر لانقضاء مدَّته فشمر السّير فِيمَا بَقِي من رمقه مَاذَا ينْتَظر من دفن أَبَاهُ وقر أمه وأخاه مَا فَرح من الْقَبْر مَأْوَاه وَالتُّرَاب فرَاشه وغطاه وأنشدوا (أَلا إِنَّمَا الدُّنْيَا بلَاء وفتنة ... وَبينا الْفَتى فِيهَا مهاب مسود) (إِذا انقلبت عَنهُ وَزَالَ نعيمها ... فاصبح من ترب الْقُبُور يمهد) (فَكُن خَائفًا للْمَوْت والقبر بعده ... وَلَا تَكُ مِمَّن غره الْيَوْم أَو غَد) حُكيَ عَن بعض الصَّالِحين ﵀ أَنه قَالَ دخلت على مَرِيض وَهُوَ فِي شدَّة السكرات فَقلت لَهُ كَيفَ تجدك فَبكى ثمَّ قَالَ (رحلت عَن الدُّنْيَا وَقَامَت قيامتي ... غَدَاة أقل الحاملون جنازتي) (وَعجل أَهلِي حفر قَبْرِي وصيروا ... خروجي وتعجيلي إِلَيْهِ كَرَامَتِي) (كَأَنَّهُمْ لم يعرفوا قطّ صُورَتي ... غَدَاة أَتَى يومي عَليّ وساعتي) إخْوَانِي مَا هَذَا لمن مضى بل وَالله لمن مضى وَلم بَقِي لَا بُد من الْقَبْر ووحشته وَمن الْمَوْت وسكرته فانظروا لأنفسكم مَا دَامَ ينفعكم وتفكروا فِي وَحْشَة الْقَبْر مَا دَامَ التفكر يُبَاح لكم من قبل وُقُوع السكرة ونزول الْحَسْرَة وَحَيْثُ لَا تقال العثرة فَإِن الْأَيَّام غرور وَهِي طَرِيق إِلَى الْقُبُور وأنشدوا (مَا للمقابر لَا تجيب ... إِذا دعاهن اللبيب) (حفر يستر فوقهن من ... الجنادل والكثيب) (فِيهِنَّ أَطْفَال وولدان ... وشبان وشيب) كم من حميم لم يكن ... نَفسِي بفرقته تطيب)

стр. 194

(غادرته فِي بَعضهنَّ ... مجندلا وَهُوَ الحبيب) ٣٢٩ - حِكَايَة عَن بعض الصَّالِحين حُكيَ أَن رجلا من الصَّالِحين ﵀ حضر جَنَازَة فَلَمَّا وضعوها فِي قبرها وَانْصَرف أَهلهَا وقف على قبر صديق لَهُ فناداه يَا حبيب يَا فلَان الصّديق فَلم يجبهُ أحد فَأَنْشَأَ يَقُول (أحبيب مَالك لَا تجيب مناديا ... أنسيت بعدِي جملَة الأحباب) فَأَجَابَهُ مُجيب يسمع صَوته وَلَا يرى شخصه وَهُوَ يَقُول (قَالَ الحبيب وَكَيف لي بجوابكم ... وَأَنا رهين جنادل وتراب) (أكل التُّرَاب محاسني ونسيتكم ... وحجبت عَن أَهلِي وَعَن أحبابي) (فَعَلَيْكُم مني السَّلَام تقطعت ... مني ومنكم عقدَة الْأَنْسَاب) يَا مِسْكين فَهَذِهِ صفتكم وَصفَة إخْوَانكُمْ وأحبابكم وجيرانكم وأصحابكم فاعتبروا بهم وعظوا أَنفسكُم وأبكوا طول حَيَاتكُم أَيَّام وحشتكم وَبعد رقدتكم وَطول غربتكم وانفرادكم فِي قبوركم ووحدتكم فَعَسَى الله مولاكم أَن يَرْحَمكُمْ فيؤنسكم فِيهَا بأنس كرامته وينورها بِنور مغفرته ويجعلها لكم أول منزلَة من منَازِل الْجنَّة وينجيكم فِيهَا من كل عَذَاب ومحنة إِنَّه المنان الْكَرِيم المتفضل الرَّحِيم ٣٣٠ - موعظة ابْن عَبَّاس رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ ارْحَمْ مَا يكون الْمولى ﷻ بِعَبْدِهِ إِذا دخل قَبره وتفرق النَّاس وَأَهله فَمن أَكثر من ذكره وجده رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَمَا من يَوْم إِلَّا وَالْأَرْض تنادي بِخمْس كَلِمَات يَا ابْن آدم تمشي على ظَهْري ومصيرك إِلَى بَطْني يَا ابْن آدم تضحك على ظَهْري وسوف تبْكي فِي بَطْني يَا ابْن آدم تفرح على ظَهْري سَوف تحزن فِي بَطْني يَا ابْن آدم تذنب على ظَهْري وسوف تعذب فِي بَطْني يَا ابْن آدم تَأْكُل الْحَرَام على ظَهْري وسوف يَأْكُلك الدُّود فِي بَطْني يَا ابْن آدم كم من مَحْسُود فِي حَيَاته يود إِذا نزل فِي حفرته لَو كَانَ كل مَا جمعه وَخَلفه لأعدائه وحساده فكم من تَارِك لِعِيَالِهِ مَا يصلحهم لمعادهم

стр. 195

وَيكون هُوَ فِي قَبره أَو فِي رمسه مثبورا وأنشدوا (أخلق الْمَوْت جدتي ... ومحا حسني البلى) (صرت بَين النَّعيم فِي ... منزل الْبعد والقلى) (وجفاني أحبتي ... حِين غيبت فِي الفلا) يَا أخي تفكر فِي تِلْكَ الأكفان وَتغَير الروائح وصولة الديدان ونهش العقارب والحيات والكون تَحت أطباق الثرى والظلمات وانظروا إِلَى أحبابكم فِي بسط الأرماس كَيفَ عدموا الأناس والحراس وانقطعت عَنْهُم الحركات وسكنت مِنْهُم الأنفاس وأنشدوا (أتعمى عَن الدُّنْيَا وَأَنت بَصِير ... وتجهل مَا فِيهَا وَأَنت خَبِير) (وتصبح تبنيها كَأَنَّك خَالِد ... لقد كَانَ فِيمَا قد بلوت نَذِير) (مَتى أَبْصرت عَيْنَاك أَمر وَلم يكن ... يخبرنا أَن الْبَقَاء يسير) (فدونك فَاصْنَعْ كلما أَنْت صانع ... فَإِن بيُوت الْمُتَّقِينَ قُبُور) ٣٣١ - حِكَايَة عَن الْحسن الْبَصْرِيّ يحْكى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ أَنه نظر إِلَى جَنَازَة قد وضعت فِي لحدها فَقَالَ يَا لَهَا من موعظة بليغة لَو صادفت قلوبا حَيَّة وَالله لقد فَضَح الْمَوْت الدُّنْيَا وَلم يتْرك فِيهَا لذِي نسب فَرحا ثمَّ أَشَارَ إِلَى امتداد الْقُبُور فَبكى وَقَالَ هَؤُلَاءِ أهل محلّة قد كفى من جلس إِلَيْهِم شرهم وَإِن ترحم عبد عَلَيْهِم وصل إِلَيْهِم مَا ترحم بِهِ عباد الله اعلموا أَن الْقُبُور منزلَة بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فاعملوا لمثل هَذَا الْيَوْم فَإِنَّمَا هم إخْوَانكُمْ تقدمُوا وَأَنْتُم فِي الْأَثر أَيهَا المتخلف من بعد أَخِيه أَنْت الْمَيِّت من بعده غَدا وَالْبَاقِي بعْدك هُوَ الْمَيِّت فِي أثرك الأول فَالْأول حَتَّى يتوفوا جَمِيعًا فكأنا بكم قد عمكم الْمَوْت واستويتم جَمِيعًا فِي سكراته وحللتم جَمِيعًا فِي الْقُبُور إِلَى يَوْم النشور فَالله الله تَفَكَّرُوا فِي طول الْبلَاء فِي ظلمات بَين أطباق الثرى وأنشدوا (أخي مَا بَال قَلْبك لَيْسَ ينقي ... كَأَنَّك لَا تظن الْمَوْت حَقًا) (أيا ابْن الَّذين فنوا وبادوا ... اما وَالله مَا بادوا وَتبقى) (وَمَا أحد بزادك مِنْك أحصى ... وَمَا أحد بزادك مِنْك أَشْقَى)

стр. 196

(وَمَا للنَّفس عنْدك مُسْتَقر ... إِذا مَا استكملت أَََجَلًا وَرِزْقًا) تَفَكَّرُوا فِي الْمُلُوك العتاة والجبابرة والطغاة الَّذين عمروا الدُّنْيَا وملكوها وأقطارها وَسَكنُوا المشيد من قُصُورهَا كَانُوا أَشد مِنْكُم قُوَّة وآثارا واقوى أجساما وأطول أعمارا خلفوا مَا كسبوا للأهل والأحباب وَعمر دِيَارهمْ من بعدهمْ الْأَصْحَاب وانصرم عَنْهُم اللَّيْل وَالنَّهَار ونزلوا على مَا عمِلُوا من الأوزار فَلَو أبصرتموهم بعد قَلِيل فِي ظلمات الْقُبُور وَقد تقطعت مِنْهُم الْجُلُود وتمزقت الخدود وضيقت على أبدانهم اللحود وَاتخذ الْخَلِيل من بعدهمْ خَلِيلًا وَصَارَت أبدانهم للدود مقيلا فتفكر يَا أخي وَكن إِلَى التَّوْبَة مسرعا عجولا وَلَا تُطِع الشَّيْطَان إِنَّه كَانَ للْإنْسَان خذولا وكو نوا أَوْلِيَاء الرَّحْمَن وَلَا تَكُونُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَان فَعَسَى الله أَن ينجيكم من عَذَاب النيرَان ويدخلكم برحمته الْجنان وأنشدوا (اعْمَلْ لمثواك فِي الضريح ... واندم على فعلك الْقَبِيح) (وَلَا تقصر وفيك روح ... فَسَوف تبقى بِغَيْر روح) (واقرح الخد من دموع ... بالجد من قَلْبك القريح) (وَالْتمس الصفح قبل يَوْم ... تنقل فِيهِ إِلَى الصفيح) (يَا نفس إِنِّي غَدا طريح ... والترب يحثى على الطريح) (نوحي فَلَو قد حواك قبر ... لم تقدري فِيهِ أَن تنوحي) أحبابي قومُوا بِنَا إِلَى الْحزن والبكاء وَإِلَى طول الأسف والأسى لَعَلَّ الله يَرْحَمنَا فِي ظلمات الْقَبْر وَعَسَى فَإِن الْقَبْر يُنَادي فِي الصَّباح والمسا قيل وقف بعض الصَّالِحين فِي الْمَقَابِر وَأَنْشَأَ يَقُول (أغضاب أحبابنا أم رقود ... فَإلَى كم يكون هَذَا الصدود) (إِن تَكُونُوا قوما نياما فهبوا ... كم تناموا عَنَّا وَنحن قعُود) (أَو تَكُونُوا هجرتمونا بذنب ... كَانَ منا فإننا لَا نعود) حُكيَ عَن بَعضهم ﵁ أَنه قَالَ مَاتَ لي صديق فاغتممت عَلَيْهِ لما كَانَ فِيهِ من الصّلاح وَالْخَيْر وَحسن الطَّرِيقَة فرأيته بعد مَوته فِي الْمَنَام فَسَأَلته عَن حَاله فَأَنْشَأَ يَقُول

стр. 197

(أَنا لكم إخوتي نَذِير ... من هول مَا ضمت الْقُبُور) (عَايَنت مَا لم تعاينوه ... وَإِنَّمَا يبتلى الْخَبِير) (إِن الَّذِي حل بِي جليل ... جدا فقد أعذر النذير) (فَإِنَّمَا أَنْت فِي غرور ... فَلَا يغرنك الْغرُور) (فَإِن قدامك المنايا ... والقبر والبعث والنشور) (إِمَّا إِلَى جنَّة وَإِمَّا ... إِلَى جحيم لَهَا سعير) فَالله الله يَا معشر الْإِسْلَام انتبهوا من ثقل هَذَا الْمَنَام فَإِن أمامكم وَحْشَة الْقُبُور بعد سَكَرَات هول الْحمام فَمن ضيع فِي البطالة والجهالة أَيَّامه وَكَثُرت فِي صَحِيفَته أوزاره وآثامه فمقام الْحَسْرَة غَدا فِي الْقَبْر مقَامه وأنشدوا (أبْصر وَتب يَا رجل ... قد أزف التنقل) (إِلَى مَحل ضيق ... تذْهب فِيهِ الْحِيَل) (مَالك فِيهِ مؤنس ... إِلَّا التقي وَالْعَمَل) (أَي غُلَام قَامَ فِي ... محرابه يبتهل) (يَقُول فِي سجدته ... ودمعه ينهمل) (يَا ظَاهر يَا بَاطِن ... يَا مَالك لَا تعجل) (اغْفِر ذُنُوبِي كلهَا ... فشأنك التفضل) (وَتب عَليّ تَوْبَة ... فَهِيَ المنى والأمل) ٣٣٢ - نباش الْقُبُور رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير ﵁ أَنه قَالَ بَيْنَمَا نَحن جُلُوس فِي مجْلِس ابْن عَبَّاس ﵄ إِذْ وقف رجل بَين يَدَيْهِ فَقَالَ يَا ابْن عَبَّاس مَا أذلّ العاصين بَين يَدي الله تَعَالَى وَمَا أحسن المبادرين إِلَى طَاعَة الله تَعَالَى يَا ابْن عَبَّاس مَا أغفل المذنبين عَن قرب الْجَلِيل وَأَشد تَخْلِيط من لم يوفق بالرحيل قَالَ ثمَّ خرج فَقَامَ إِلَى ابْن عَبَّاس بعض جُلَسَائِهِ فَقَالَ لَهُ يَا ابْن عَبَّاس إِن هَذَا الْفَتى نباش وَإِنَّمَا يتستر بِهَذِهِ الْمقَالة فَإِذا جن عَلَيْهِ اللَّيْل خرج إِلَى الْمَقَابِر فنبش فيعري الْمَوْتَى من أكفانهم قَالَ ابْن عَبَّاس لَا أصدق مثل هَذَا حَتَّى أرَاهُ بعيني وألمسه بكفي فَقَالَ لَهُ الرجل إِن شِئْت لأرينك ذَلِك فَقَالَ قد شِئْت فَلَمَّا هجم اللَّيْل إِذا الْفَتى قد

стр. 198

أقبل وَفِي يَده الْيُمْنَى قنديل وَفِي الْيُسْرَى غل حَتَّى توَسط الْمَقَابِر ثمَّ رمى بطرفه شاخصا وَقَالَ سَلام عَلَيْكُم أهل مضايق اللحود ومطعم الْبلَاء والدود مَا أبعد سفركم وَمَا أوحش طريقكم فليت شعري مَا حالكم ارتهنتم بأعمالكم وقطعتم دون آمالكم بل لَيْت شعري أندم الْحَيَاة حل بكم أم فَرح الْبُشْرَى بالقدوم على ربكُم سبقتمونا فلبيتم وأجبتم قبلنَا إِذْ دعيتم وَنحن للقدوم عَلَيْكُم منتظرون وللمنهل الَّذِي وردتموه وَارِدُونَ فَبَارك الله لنا وَلكم على الْقدوم عَلَيْهِ ورحمنا إِذا صرنا إِلَى مَا صرتم إِلَيْهِ ثمَّ نزل فِي قبر قد احتفره لنَفسِهِ فَوضع خَدّه على شَفير اللَّحْد وَجعل يُنَادي يَا ويلتى إِذا دخلت فِي قَبْرِي وحدي ونطقت الأَرْض من تحتي فَتَقول لي لَا مرْحَبًا وَلَا أَهلا وَلَا سَعَة وَلَا سهلا بِمن كنت أمقته وَهُوَ على ظَهْري فَكيف وَقد صرت الْيَوْم فِي بَطْني لأضيقن عَلَيْك أرجائي ولأذيقنك مَكْرُوه بلائي ويلي إِذا خرجت من لحدي حَامِلا وزري على ظَهْري وَقد تَبرأ مني أبي وَأمي بل ويل من طول كذبي إِذا أسمعني مُنَادِي رَبِّي أَيْن فلَان بن فُلَانَة فأبرزت من بَين جيرتي وَقد بَدَت إِلَى النَّاس سريرتي وَقمت عُريَانا ذليلا وقاسيت كربا طَويلا ثمَّ أساق إِلَى أَرض القيامه للعرض وَالْوُقُوف بَين يَدي جَبَّار السَّمَوَات وَالْأَرْض ويلي إِذا وقفت أَمَام رَبِّي فَقَالَ لي عَبدِي استترت بمعصيتي عَن المخلوقين وبارزتني بهَا وَأَنا عَلَيْك من أكبر الشَّاهِدين أفكنت عَلَيْك من أَهْون الناظرين إِلَيْك ثمَّ خر مغشيا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ يَا ذخري وَيَا ذخيرتي وَمن هُوَ أعلم بطويتي وسريرتي يَا من عَلَيْهِ اعتمادي فِي حَياتِي وَمن إِلَيْهِ ألجأ بعد مماتي لَا تخذلني بعد الْمَوْت وَلَا توحشني فِي قَبْرِي يَا سامع كل صَوت فَلَمَّا سمع ابْن عَبَّاس مقَالَته لم يَتَمَالَك أَن سعى حَتَّى وقف على شَفير الْقَبْر وَجعل يُنَادي لبيْك لبيْك حَبِيبِي مَا أنبشك للذنوب والخطايا هَكَذَا تنبش الذُّنُوب وتمزق الْخَطَايَا ثمَّ الْتفت إِلَى الَّذِي سعى بِهِ وَقَالَ لَهُ يَا عبد الله هَكَذَا فَاصْنَعْ كلما علمت بِمثل هَذَا النباش فأرشده إِلَى ابْن عَبَّاس فَمَا أحبه وآثره لَدَيْهِ يَا لَيْت كل النابشين مثله وَأَنْشَأَ يَقُول (قف بِنَا بالقبور نبكي طَويلا ... ونداوي بالدمع دَاء جَلِيلًا) (فَعَسَى الدمع أَن يبرد منا ... بعض لوعاتنا ويشفى الغليلا) (وننادي الأحباب كَيفَ وجدْتُم ... سكرة الْمَوْت بَعدنَا والمقيلا)

стр. 199

(لَو أطاقوا الْجَواب قَالُوا وجدنَا ... سكرة تتْرك الْعَزِيز ذليلا) (بدلُوا بعد الْقُصُور قبورا ... ثمَّ بعد اللبَاس ردما ثقيلا) عباد الله اعْمَلُوا لظلمة الْقَبْر قبل فَوَات الْعَمَل وَبَادرُوا بِالتَّوْبَةِ قبل انْقِضَاء الْأَجَل واشعلوا فِي قُلُوبكُمْ نيران الْخَوْف والوجل وتزودوا للقبر بَيْنَمَا أَنْتُم فِي فسحة ومهل فَإِن الْمَوْت آتٍ والعمر فَاتَ وَالطَّرِيق طَوِيل والزاد قَلِيل وهول الْقَبْر ثقيل وأنشدوا (تضرع فِي دجى اللَّيْل ... إِلَى مَوْلَاك يكفيكا) (وَلَا تأمن هجوم الْمَوْت ... إِن الْمَوْت يأتيكا) (كَأَنِّي بِالَّذِي يهواك ... فِي الْقَبْر يدليكا) (وَقد أفردت فِي لحدك ... فَردا بمساويكا) (واسلمك الَّذِي قد كَانَ ... فِي الدُّنْيَا يصافيكا) (فيا سؤلي وَيَا ذخري ... وكل الْخلق راجيكا) (وَيَا من لَيْسَ منا ... أحد يُحْصى اياديكا) تجَاوز عَن مقَال ثمَّ ... حقق أملي فيكا) يَا أخي قُم بَين يَدي مَوْلَاك إِذا دخل اللَّيْل البهيم واسأله لَعَلَّه يَكْفِيك فِي قبرك الْعَذَاب الْأَلِيم ٣٣٣ - حِكَايَة عَن ابْن الْأسود حُكيَ عَن الْحجَّاج بن الْأسود أَنه قَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي دخلت فِي الْمَقَابِر فَإِذا أَهلهَا نيام فِي قُبُورهم وَقد تشققت الأَرْض عَنْهُم فَمنهمْ النَّائِم على التُّرَاب وَمِنْهُم النَّائِم على الْقبَاطِي وَمِنْهُم النَّائِم على السندس وَمِنْهُم النَّائِم على الإستبرق وَمِنْهُم النَّائِم على الْحَرِير وَمِنْهُم النَّائِم على الديباج وَمِنْهُم النَّائِم على الياسمين وَالريحَان وَمِنْهُم النَّائِم كالمبتسم فِي نَومه وَمِنْهُم حَائِل اللَّوْن وَمِنْهُم من قد أشرق نوره وَمِنْهُم قد اشْتَدَّ كربه وَمِنْهُم من قد اغتم فِي ضيق الْقَبْر ووحشته فَبَكَيْت فِي مَنَامِي مِمَّا رَأَيْت ثمَّ قلت يَا رب لَو شِئْت لسويت بَينهم فِي الْكَرَامَة فناداني مُنَاد من بَينهم يَا حجاج هَذَا الَّذِي ترَاهُ من تفاضل الْأَحْوَال إِنَّمَا هِيَ منَازِل الْأَعْمَال وَلكُل امْرِئ مِنْهُم مَا قدم فَاسْتَيْقَظت فَزعًا مَرْعُوبًا وأنشدوا

стр. 200

(تحرّك إِن قدرت وقم طَويلا ... فَسَوف يطول نومك فِي التُّرَاب) (وحقق مَا تَقول فَأَنت عبد ... تساءل ثمَّ تطلب بِالْجَوَابِ) (وَكفر مَا عملت وَكن مجدا ... وَتب لله تسعد بالمتاب) عباد الله لَيْسَ لكم دَوَاء من جَمِيع أمراض الشَّهَوَات إِلَّا التَّوْبَة والندم على مَا سلف وَحسن الأوبة لَعَلَّ الله يغْفر لكم مَا عقدتم عَلَيْهِ من الضمائر وَمَا طويتم عَلَيْهِ خفيات السرائر وينور لكم فِي ظلمات الأجداث وضيق الْقُبُور ووحشة الحفائر وأنشدوا (نعت نَفسهَا الدُّنْيَا إِلَيْنَا فأسمعت ... وَنَادَتْ أَلا جدوا الرحيل وودعت) (وزمت مطايانا إِلَى برزخ البلى ... وساقت بِنَا سوقا حثيثا فأسرعت) (سَلام على أهل الْقُبُور أحبتي ... لقد بليت أجسامهم وتقطعت) (فَمَا موت الْأَحْيَاء إِلَّا ليبعثوا ... يَقِينا وتجزى كل نفس بِمَا سعت) عباد الله فَمَا لكم تدعون إِلَى الرُّجُوع إِلَى الله فَلَا تجيبون وَالْمَوْت والقبر فَلَا تذكرُونَ فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ذهب السامعون والواعظون وَبَقِي الجاهلون والغافلون فَلَا سامع يعي وَيسمع وَلَا واعظ يداوي وينفع كل قد شغل بالأماني والغرور وَنسي الرحيل إِلَى الْقُبُور وَوجد على قبر مَكْتُوبًا (لَا تثق بِالْحَيَاةِ من بعد قَبْرِي ... كل حَيّ مصيره كمصيري) (كنت فِي نعْمَة وَفِي خفض عَيْش ... فَمضى وانقضى كَيَوْم قصير) (ثمَّ افردت فِي الْقُبُور وحيدا ... وجفاني الصّديق فَوق الْقُبُور) حَدِيث فِي مُنكر وَنَكِير رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لجبريل ﵇ لَيْلَة الْإِسْرَاء كفى بِالْمَوْتِ طامة فَقَالَ جِبْرِيل ﵇ مَا بعد الْمَوْت أَطَم مِنْهُ وَأعظم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَمَا ذَاك يَا جِبْرِيل قَالَ الْملكَانِ الأزرقان الأسودان يطآن فِي شعورهما ويخرقان الأَرْض بأنيابهما بيد كل وَاحِد مِنْهُمَا عَمُود لَو ضرب بِهِ الْجبَال لقلعها من أُصُولهَا أعينهما كالبرق الخاطف واصواتهما كالرعد القاصف يَبْتَلِي بهما كل مُؤمن وَكَافِر فيأتيانه فِي قَبره فيروعانه ويقعدانه ويعرضان عَلَيْهِ عمله ويريانه مَقْعَده من الْجنَّة أَو النَّار فَقَالَ ﷺ أما الْكَافِر لَهما أَن

стр. 201

يروعانه ويفعلان بِهِ ذَلِك وَأما الْمُؤمن فَكيف قَالَ جِبْرِيل ﵇ كَذَلِك أَمر رَبك يَا مُحَمَّد فَأَما الْكَافِر فَلَا يجد من عَذَاب الله فَتْرَة من حِين يدْخل قَبره وَأما الْمُؤمن فَتكون لَهُ تِلْكَ الروعة كَفَّارَة لما مضى من ذنُوبه فِي الدُّنْيَا فَإِذا خرج من قَبره خرج مغفورا لَهُ ثمَّ لَا يدْرِي روعة بعْدهَا أبدا ٣٣٥ - غرور ذكر أَن بعض الْمُلُوك بنى قصرا وشيده فأعجب بذلك وسر بِهِ فَلَمَّا كَانَ فِي بعض اللَّيْل سمع قَائِلا يَقُول (كَأَنِّي بِهَذَا الْقصر قد باد أَهله ... وأوحش مِنْهُ أَهله ومنازله) (وَصَارَ مشيد الْقصر من بعد بهجة ... وَملك إِلَى قبر عَلَيْهِ جنادله) (وَلم يبْق إِلَّا ذكره وَحَدِيثه ... تنادي بلَيْل معولات حلائله) (فَخذ عدَّة للْمَوْت إِنَّك ميت ... وَإنَّك مسؤول فَمَا أَنْت قَائِله) فَأَجَابَهُ الْملك وَهُوَ يَقُول (أَقُول بِأَن الله حق شهدته ... فَذَلِك قَول لَيْسَ تخفى فضائله) فَأَجَابَهُ الْهَاتِف وَهُوَ يَقُول (فوَاللَّه يَا فدم إِنَّك ميت ... وَقد أزف الْأَمر الَّذِي أَنْت نازله) فَأَجَابَهُ الْملك وَهُوَ يَقُول (مَتى ذَاك حَدثنِي هديت فإنني ... سأفعل مَا قد قلته وأعاجله) فَأَجَابَهُ الْهَاتِف وَهُوَ يَقُول (تقيم ثَلَاثًا بعد عشْرين لَيْلَة ... إِلَى مُنْتَهى شهر وَمَا أَنْت كَامِله) قَالَ فَلم يتم الشَّهْر حَتَّى مَاتَ وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي هَذَا الْمَعْنى (تمنت نَفسه قصرا مشيدا ... يلد بِهِ ليعمره جَدِيدا) (فَلَمَّا تمّ عاجله حمام ... فَأخْرجهُ إِلَى جدث فريدا) (فَقل لِذَوي الترجح فِي الْأَمَانِي ... وَلَا يَبْغُونَ فِي التَّقْوَى مزيدا) (تهابوا الْمَوْت إِن لَهُ مجالا ... فَمَا يبْقى الْكَبِير وَلَا الوليدا) ويختطف الْمُلُوك ذَوي الْمَعَالِي ... وَلَا يخْشَى الجيوش وَلَا الجنودا)

стр. 202

٣٣٦ - الْملك الزَّاهِد حُكيَ عَن عباد المهلبي أَنه قَالَ كَانَ رجل من مُلُوك الْبَصْرَة ترك الدُّنْيَا وَتعبد ثمَّ بعد ذَلِك مَال إِلَى الدُّنْيَا وغرورها فَبنى دَارا وشيدها وَأمر بفرشها ففرشت الدَّار ونجدت وَأمر أَن يصنع طَعَام ودعا النَّاس إِلَيْهِ فَجعلُوا يدْخلُونَ ويأكلون وَيَشْرَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَى بنائِهِ ويعجبون مِنْهُ ثمَّ يدعونَ لَهُ ويتفرقون عَنهُ فَمَكثَ بذلك زَمَانا حَتَّى فرغ من أَمر النَّاس ثمَّ أَجْلِس نَفرا من خَاصَّة إخوانه فَقَالَ لَهُم أَتَرَوْنَ سروري بداري هَذِه وَقد حَدَّثتنِي نَفسِي أَن أَتَّخِذ لكل وَاحِد من أَوْلَادِي مثل هَذِه فأقيموا عِنْدِي أَيَّامًا استمتع بحديثكم فأقاموا عِنْده أَيَّامًا يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويلهون ويلعبون وشاورهم كَيفَ يُرِيد أَن يَبْنِي إِذْ سمعُوا ذَات لَيْلَة هاتفا يَقُول بِصَوْت جهير (يَا أَيهَا الرجل النَّاسِي منيته ... لَا تأمنن فَإِن الْمَوْت مَكْتُوب) (على الْخَلَائق إِن سروا وَإِن كَرهُوا ... فالموت حتم لذِي الآمال مَنْصُوب) (لَا تبنين ديارًا لست ساكنها ... وراجع النّسك كَيْمَا يغْفر الْحُوب) قَالَ فَخرج وَخرج أَصْحَابه وراعهم مَا سمعُوا ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه هَل تَجِدُونَ مَا أجد قَالُوا وَمَا تَجِد قَالَ أجد مسكة على فُؤَادِي وَمَا أَرَاهَا إِلَّا عِلّة الْمَوْت ثمَّ أَمر بِالشرابِ فأهريق وَأمر بالملاهي فأخرجت ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أشهدك واشهد ملائكتك وَمن حضر من عِبَادك أَنِّي تائب إِلَيْك من جَمِيع ذُنُوبِي نادم على مَا فرطت فِي أَيَّام مهلتي ثمَّ اشْتَدَّ بِهِ الْأَمر فَلم يزل يَقُول الْمَوْت حَتَّى خرجت روحه وتفرق أحبابه عَنهُ وَأَصْحَابه وأنشدوا (يَا عجبا للنَّاس لَو أبصروا ... وحاسبوا النَّفس وَقد فَكروا) (واعتبروا الدُّنْيَا إِلَى غَيرهَا ... فَإِنَّمَا الدُّنْيَا لَهُم معبر) (والموعد الْمَوْت وَمَا بعده ... حشر فَذَاك الْموعد الْأَكْبَر) (عجبت للْإنْسَان فِي فخره ... وَهُوَ غَدا فِي وَحْشَة يقبر) (مَا بَال من أَوله نُطْفَة ... وجيفة آخِره يفخر) (أصبح لَا يملك تَعْجِيل مَا ... يَرْجُو وَلَا تَأْخِير مَا يحذر) (وَأصْبح الْأَمر إِلَى ربه ... فِي كل مَا يقْضِي وَمَا يقدر)

стр. 203

(لَا فَخر إِلَّا فَخر أهل التقى ... غَدا إِذا ضمهم الْمَحْشَر) ٣٣٧ - موعظة للبهلول حُكيَ عَن بعض السادات أَنه قَالَ نظر إِلَيّ بهْلُول وَأَنا أبني دَارا فَقَالَ لمن هَذَا الدَّار فَقلت لرجل من كبار أهل الْكُوفَة فَقَالَ أرنيه فأريته إِيَّاه فناداه يَا هَذَا لقد تعجلت الْجِنَايَة قبل الْعِنَايَة إسمع إِلَى صفة دَار كَونهَا الْعَزِيز أساسها الْمسك وبلاطها العنبر اشْتَرَاهَا عبد أزعج للرحيل كتب على نَفسه كتابا وَأشْهد على عقد ضمائره شُهُودًا هَذَا مَا اشْترى العَبْد الجافي من الرب الوافي اشْترى مِنْهُ هَذِه الدَّار بِالْخرُوجِ من ذل الطمع إِلَى عز الْوَرع فَمَا أدْرك المُشْتَرِي من دَرك فِيمَا اشْتَرَاهُ فعلى الْمولى خلاص ذَلِك شهد على لَك العقد وَهُوَ الْأَمْن والخواطر وَذَلِكَ فِي إدبار الدُّنْيَا وإقبال الْآخِرَة وَلِهَذَا الدَّار حُدُود أَربع فالحد الأول يَنْتَهِي إِلَى مبادئ الصَّفَا وَالْحَد الثَّانِي إِلَى ترك أَخْلَاق الجفا وَالْحَد الثَّالِث يَنْتَهِي إِلَى مدارج أهل الوفا وَالْحَد الرَّابِع يَنْتَهِي إِلَى السّكُون وَالتَّسْلِيم وَالرِّضَا فِي جوَار من على الْعَرْش اسْتَوَى وَلِهَذَا الدَّار شَارِع يَنْتَهِي إِلَى دَار الْخلد وَالسَّلَام وخيام قد ملئت بالولدان والخزام لَيْسَ فِيهَا أسقام وَلَا ضرّ وَلَا آلام وَلَا يَذُوق سَاكن هَذِه الْأَمَاكِن سَكَرَات الْحمام يَا لَهَا من دَار لَا يَنْقَضِي نعيمها وَلَا يبيد كريمها دَار أسست فَجعل من الدّرّ والياقوت شرف تِلْكَ الْحُدُود وَجعل بلاطها من الْبَهَاء والنور ومليء خيامها من جوَار بِهن كمل السرُور من الْعين الْحور لَيْسَ لَهُنَّ سوى الدّين وَالتَّقوى مُهُور فَترك الرجل قصره وَتَابَ إِلَى الله وهام على وَجهه وَجعل البهلول يُنَادي خَلفه وَيَقُول (يَا ذَا الَّذِي طلب الْجنان لنَفسِهِ ... لَا تهربن فَإِنَّهُ يعطيكا) وأنشدوا (طَابَ الْمقَام وطاب فِيهِ نعيمه ... فِي دَار عدن والجليل يرَاهُ) فَالله الله يَا عباد الله لَا تغتروا بِبِنَاء الدّور وتشييد الْقُصُور فعما قَلِيل تخرب وتخرجون مِنْهَا إِلَى ضيق اللحود وظلمات الْقُبُور وأنشدوا (سَلام على أهل الْقُبُور الداورس ... كَأَنَّهُمْ لم يجلسوا فِي الْمجَالِس)

стр. 204

(وَلم يشْربُوا من بَارِد المَاء شربة ... وَلم يَأْكُلُوا من كل رطب ويابس) فيا معشر أهل الدُّنْيَا تفقدوا أهل الْقُبُور بِالدُّعَاءِ الْحسن وتلاوة الْقُرْآن ٣٣٨ - حَدِيث فِي هَدِيَّة أهل الْقُبُور فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من دخل الْمَقَابِر وَقَرَأَ قل هُوَ الله أحد عشر مرّة وَأهْدى ثَوَابهَا للموتى غفر الله تَعَالَى للموتى وَأدْخل فِي قُبُورهم النُّور وَالسُّرُور وَيكْتب الله تَعَالَى للقارئ بِكُل ميت مَاتَ من يَوْم أهبط الله آدم إِلَى الأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة عشر حَسَنَات) ٣٣٩ - الصَّدَقَة وَالدُّعَاء للْمَيت وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (أهدوا إِلَى مَوْتَاكُم) قيل وَمَا نهدي يَا رَسُول الله إِلَى الْمَوْتَى قَالَ الصَّدَقَة وَالدُّعَاء وَمَا من أهل بَيت يَمُوت مِنْهُم ميت يتصدقون عَنهُ بعد مَوته إِلَّا أهداها لَهُ جِبْرِيل ﵇ على طبق من نور فيقف على شَفير الْقَبْر فَيَقُول يَا صَاحب الْقَبْر هَدِيَّة أهداها إِلَيْك أهلك اقبلها فَتدخل عَلَيْهِ فيفرح بهَا ويستبشر ويحزن جِيرَانه الَّذين لَا يهدي إِلَيْهِم شَيْء فَالله الله لَا تغفلوا عَن مَوْتَاكُم وَلَا تنسوهم من الصَّدَقَة وَالدُّعَاء فَإِنَّكُم تدخلون عَلَيْهِم بذلك السرُور ويغتبطون بهَا فِي الْقُبُور ٣٤٠ - رَجَاء الْأَمْوَات للأحياء وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث أَن الْمَوْتَى يرجون الْأَحْيَاء من الأحباب إِلَى رَأس أَرْبَعِينَ سنة فَمن أيأسهم أيأسه الله رَحمته وَمن فَرَحهمْ أكْرمه تَعَالَى بتحيته وفقنا الله وَإِيَّاكُم للأعمال الصَّالِحَة وأعاننا وَإِيَّاكُم على طلب الرغائب والخيرات آمين برحمته فَإِنَّهُ مُجيب الدَّعْوَات وقاضي الْحَاجَات ومقيل العثرات وَصلى الله على من أخرجنَا من الظُّلُمَات إِلَى النُّور المطهر من الْآفَات المجتنى من أطيب الثمرات وَعَلِيهِ منا أطيب السَّلَام والتحيات مَا دَامَت الأَرْض وَالسَّمَوَات آمين آمين فَهُوَ مُجيب الدَّعْوَات وقاضي الْحَاجَات وغافر الذُّنُوب والزلات آنس الله وحشتي ووحشتكم فِي الْقُبُور وآنس روعتي وروعتكم يَوْم النشور وأحلنا وَإِيَّاكُم برحمته دَار السرُور آمين آمين

стр. 205

١٣ - مجْلِس فِي فضل الصّيام ٣٤١ - قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ الْبَقَرَة ١٨٣ أَيهَا الغافل عَن الثَّوَاب الْكثير والساهي عَن الْملك الْكَبِير واللاهي عَن لِبَاس السندس وَالْحَرِير المتقاعد عَن الْيَوْم العبوس القمطرير النَّائِم عَمَّا أُتِي بِهِ مُحَمَّد البشير النذير الَّذِي أنقذنا الله بِهِ من جَهَنَّم وحر السعير يَا غافل يَا ساهي أَتَاك شهر رَمَضَان المتضمن للرحمة والغفران وَأَنت مصر على الذُّنُوب والعصيان مُقيم على الآثام والعداون متمادي فِي الْجَهَالَة والطغيان متكل م بالغيبة والبهتان متعرض لسخط الرَّحْمَن قد تمكن من قَلْبك الشَّيْطَان فألقي فِيهِ الْغَفْلَة وَالنِّسْيَان فأنساك نعيم الْخلد والجنان فظللت تعْمل أَعمال أهل النيرَان فَإِن كنت يَا مِسْكين كَذَلِك فَكيف ترجو الْفَوْز بالرضوان والحلول فِي دَار الْخلد والأمان والخلاص من دَار الْعقُوبَة والهوان وَأَنت مطعمك حرَام ولباسك حرَام وَلِسَانك لَا يفتر عَن قَبِيح الْكَلَام وبصرك حَدِيد إِلَى مَا حرم من الْحَرَام عَلَيْك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام ويدك ممدودة إِلَى مَا نهاك عَنهُ الْملك العلام وقدمك تسْعَى إِلَى مَا هُوَ إِثْم وَحرَام وَأَنت فِي جَمِيع أمورك وأفعالك مُخَالف لِلْقُرْآنِ وَالْأَحْكَام تَارِك لسنة مُحَمَّد ﵊ فجسمك من الْجُوع متعوب من الْفجْر إِلَى الْغُرُوب ويلحقك النصب واللغوب وصومك عَن مَوْلَاك بالطرد مَحْجُوب وأخاف أَن تكون فِي النَّار على وَجهك مكبوب لمخالفتك لعلام الغيوب فخمص وَيحك بَطْنك عَن أكل الرِّبَا وَالْحرَام وأحبس لسَانك عَن الْوُقُوع فِي جمَاعَة الْإِسْلَام وغض طرفك عَمَّا هُوَ عَلَيْك أعظم من أعظم الآثام وَهُوَ النّظر إِلَى مَا لَا يحل لَك من حرم الْأَنَام وامتثل مَا أَمرك بِهِ أحكم الْحُكَّام وقم بَين يَدَيْهِ فِي اللَّيْل البهيم إِذا هجع النوام وتضرع إِلَيْهِ إِذا أدهم

стр. 206

اللَّيْل بداجي الظلام وَحِينَئِذٍ يَصح لَك الْقبُول لشهر رَمَضَان وتفوز بالنعيم الأبدي فِي دَار السَّلَام وتنجو من الْأَهْوَال وَالْعَذَاب الغرام فَلْيَكُن وَيحك بَصرك من النّظر إِلَى الْمَحَارِم معدولا وسمعك عَن سَماع الْقَبِيح من القَوْل معزولا وبطنك من أكل الْحَرَام مَحْمُولا وقلبك بالفكرة فِي الْحَسَنَات والمعاد مَشْغُولًا وَذكر مَوْلَاك وسيدك فِي لسَانك مجعولا وَمَالك فِي طَاعَة الْعَزِيز الْجَبَّار مبذولا ﴿إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا﴾ الْإِسْرَاء ٣٦ وَقد أعلمك مَوْلَاك أَن الشَّيْطَان كَانَ للْإنْسَان خذولا فَلم خُنْت عهد مَوْلَاك وأمانته وَكنت لنَفسك ظلوما جهولا وأنشدوا (قل لأهل الذُّنُوب والآثام ... قابلوا بالمتاب شهر الصّيام) (إِنَّه فِي الشُّهُور شهر جليل ... وَاجِب حَقه وَكيد الزِّمَام) (واقلوا الْكَلَام فِيهِ نَهَارا ... واقطعوا ليله بطول الْقيام) (واطلبوا الْعَفو من إِلَه عَظِيم ... لَيْسَ يخفى عَلَيْهِ فعل الْأَنَام) (كم لَهُ فِيهِ من إزاحة ذَنْب ... وخطايا من الذُّنُوب عِظَام) (كم لَهُ فِيهِ من أياد حسان ... عِنْد عبد يرَاهُ تَحت الظلام) (كم لَهُ فِيهِ من عَتيق شَهِيد ... آمن فِي الْقيام خزي الْمقَام) (إِن دَعَاهُ مذلل بخضوع ... وخشوع ودمعه ذُو سجام) (أَيْن من يحذر الْعَذَاب ويخشى ... أَن يُصَلِّي الْجَحِيم مأوى اللئام) (أَيْن من يَشْتَهِي التذاذا بحور ... فِي جنان الخلود بَين الْخيام) (التمس فِيهِ لَيْلَة الْقدر واترك ... التماسا لَهَا لذيذ الْمَنَام) (واجتهد فِي عبَادَة الله واسأل ... فَضله عِنْد غَفلَة النوام) (يَا لَهَا خيبة لمن خَابَ فِيهِ ... عَن بُلُوغ المنى بدار السَّلَام) (يَا لَهَا حسرة لمن كَانَ فِيهِ ... ساترا شَره بِثَوْب الظلام) (يَا إِلَه الْجَمِيع أَنْت بحالي ... عَالم فاهدني سَبِيل القوام) (وأمتني على اعْتِقَاد جميل ... وَاتِّبَاع لملة الْإِسْلَام) ٣٤٢ - فضل رَمَضَان فَالله الله عباد الله اغتنموا شهر المتاب وَمَا وَعدكُم فِيهِ من جزيل الثَّوَاب وَمن الْعَفو عَن الأوزار وَعتق الرّقاب وَهُوَ شهر لياليه أنور من الْأَيَّام وأيامه

стр. 207

مطهرة من دنس الآثام وصيامه أفضل الصّيام وقيامه أجل الْقيام شهر فضل الله بِهِ أمة مُحَمَّد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام شهر جعله الله مِصْبَاح الْعَام وواسطة النظام وأشرف قَوَاعِد الْإِسْلَام المشرف بِنور الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْقِيَام شهر أنزل الله فِيهِ كِتَابه وَفتح للتائبين فِيهِ أبوابه فَلَا دُعَاء فِيهِ إِلَّا مسموع وَلَا عمل إِلَّا مَرْفُوع وَلَا خير إِلَّا مَجْمُوع وَلَا ضَرَر إِلَّا مَدْفُوع شهر السَّيِّئَات فِيهِ مغفورة والأعمال الْحَسَنَة فِيهِ موفورة وَالتَّوْبَة فِيهِ مَقْبُولَة وَالرَّحْمَة من الله لملتمسها مبذولة والمساجد بِذكر الله فِيهِ معمورة وَقُلُوب الْمُؤمنِينَ بِالتَّوْبَةِ فِيهِ مسرورة وأنشدوا (أَيْن أهل الْقيام لله دأبا ... بذلوا الْجهد فِي رضَا الْجَبَّار) (أَنْتُم الْآن فِي لَيَال عِظَام ... قدرهَا زَائِد على الأقدار) (فاستزيدوا من الْعِبَادَة فِيهَا ... تأمنوا الْيَوْم من عَذَاب النَّار) أَيْن من يركب الذُّنُوب اغْتِرَارًا ... لَا يخَافُونَ سطوة القهار) (قد أهل الْهلَال من رَمَضَان ... شهر زلفى وتوبة وادكار) (فاذكروا الله فِيهِ ذكرا كثيرا ... واستجيروه من عَذَاب النَّار) (وَارْجِعُوا عَن ذنوبكم بمتاب ... صَادِق واقلعوا عَن الْإِصْرَار) (رب من كَانَ مُسْرِفًا مستمرا ... فِي خطاياه مكثر الأوزار) (ثمَّ إِن الْإِلَه تَابَ عَلَيْهِ ... فَاقْتضى حَمده سَبِيل الْخِيَار) (فاعملوا أَيهَا المسيئون وَادعوا ... ربكُم جهرة وَفِي الْإِسْرَار) (واحذروا غَفلَة الْقنُوط وداووا ... داءها بِالرُّجُوعِ للغفار) (تَجدوا الله فِي الْمعَاد كَرِيمًا ... ماحيا للذنوب والإصرار) إخْوَانِي هَذَا شهر لَيْسَ مثله فِي سَائِر الشُّهُور وَلَا فضلت بِهِ أمة غير هَذِه الْأمة فِي سَائِر الدهور الذَّنب فِيهِ مغْفُور وَالسَّعْي فِيهِ مشكور وَالْمُؤمن فِيهِ محبور والشيطان مبعد مثبور والوزر وَالْإِثْم فِيهِ مهجور وقلب الْمُؤمن بِذكر الله معمور وَقد أَنَاخَ بفنائكم وَهُوَ عَن قَلِيل راحل عَنْكُم شَاهد لكم وَعَلَيْكُم مُؤذن بشقاوة أَو سَعَادَة أَو نُقْصَان أَو زِيَادَة وَهُوَ ضَعِيف مسئول من عِنْد رب لَا يحول وَلَا يَزُول يخبر عَن المحروم مِنْكُم والمقبول فَالله الله أكْرمُوا نَهَاره بتحقيق الصّيام واقطعوا ليله بطول الْبكاء وَالْقِيَام فلعلكم أَن تفوزوا بدار الْخلد وَالسَّلَام

стр. 208

مَعَ النّظر إِلَى وَجه ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام ومرافقة النَّبِي ﵊ وأنشدوا (أَلا دَاع إِلَى الله الْمُجيب ... بقلب من مَعَاصيه معيب) (أَلا باك لأيام تقضي ... بِلَا عمل وَلَا قَول مُصِيب) (أَلا باك على أمد بعيد ... يُؤَدِّيه إِلَى أجل قريب) (فَإِن الْمَوْت يندبنا ويبغي ... نفوسا لَيْسَ تألم للذنوب) (تنادي للترحل كل يَوْم ... وَلَا تصغي إِلَى الدَّاعِي الْقَرِيب) (كَأَن يقننا بِالْمَوْتِ شكّ ... ونلغي الْحق بالإفك الْمُرِيب) (وَشهر الصَّوْم شَاهده علينا ... بأعمال القبائح والذنُوب) (فيا رباه عفوا مِنْك وألطف ... بِفَضْلِك للمحير والكئيب) (وَهَذَا الصَّوْم لَا تَجْعَلهُ صوما ... يصيرنا إِلَى نَار اللهيب) (سَلام الله مَا هبت عَلَيْهِ ... قبُول أَو شمال أَو جنوب) عباد الله هَذَا أول الصَّوْم قد أقبل عَلَيْكُم بالمغفرة وَالرَّحْمَة فَلَا تصرفوه عَنْكُم بالسخط والنقمة لِأَنَّهُ شهر عَظِيم زكي مبارك كريم من أطَاع فِيهِ الْملك الْجَبَّار وَاتبع فِيهِ السّنة والْآثَار غفر الله لَهُ مَا قد سلف من الذُّنُوب والأوزار وخاصة برحمته من عَذَاب النَّار وأباحه بِلُطْفِهِ دَار الرَّحْمَة والقرار مَعَ مجاورة النَّبِي مُحَمَّد الْمُخْتَار صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله السَّادة الأخيار وَمن عصى فِيهِ الْملك القهار وَخَالف الْقُرْآن والْآثَار وَعمل بأعمال الْفجار وَلم يوقر شهرا عظمه الْإِلَه الستار غضب عَلَيْهِ مُقَدّر الأقدار ولعنه كل شَيْء يختلج بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار هَكَذَا رُوِيَ عَن الصَّادِق المصدوق مُحَمَّد الْمُخْتَار قَالَ الله الْملك الْجَبَّار ٣٤٣ - تَقْسِيم الصَّوْم ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ الْبَقَرَة ١٨٣ الصّيام يَنْقَسِم على أحد عشر ضربا صِيَام الْفَرْض وَصِيَام الظِّهَار وَصِيَام النَّقْل وَصِيَام الْوَطْء فِي رَمَضَان وَصِيَام كَفَّارَة الْيَمين وَصِيَام فديَة الْأَذَى وَصِيَام التَّمَتُّع وَالْقُرْآن وَصِيَام إِفْسَاد الْحَج وَصِيَام كَفَّارَة قتل الصَّيْد وَصِيَام النَّوَافِل وَصِيَام النّذر

стр. 209

وَالْأَيَّام الْمنْهِي عَن صيامها سِتَّة يَوْم الْفطر وَيَوْم الْأُضْحِية وَثَلَاثَة أَيَّام بعد أَيَّام التَّشْرِيق وَيَوْم الشَّك ٣٤٤ - الصَّوْم اللّغَوِيّ (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام) الْبَقَرَة ١٨٣ الصَّوْم ضَرْبَان صَوْم لغَوِيّ وَصَوْم شَرْعِي فالصوم فِي اللُّغَة هُوَ الْإِمْسَاك وكل مُمْسك عَن شَيْء فَهُوَ صَائِم وذم أَعْرَابِي قوما فَقَالَ يَصُومُونَ عَن الْمَعْرُوف ويفطرون على الْفَوَاحِش قَالَ الله تَعَالَى إِخْبَارًا عَن مَرْيَم ﵍ ﴿فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما﴾ مَرْيَم ٢٦ يَعْنِي صمتا يُقَال صَامَ النَّهَار إِذا ارْتَفَعت الشَّمْس وَيُقَال صَامت الْخَيل وَهُوَ قِيَامهَا من غير علف وَلَا حَرَكَة قَالَ الشَّاعِر (خيل صِيَام وخيل غير صَائِمَة ... تَحت العجاج وخيل تعلك اللجما) أَي خيل تصهل وخيل لَا تصهل ٣٤٥ - صِيَام الْجَوَارِح وَكَذَلِكَ حَقِيقَة الصّيام ترجع إِلَى اللُّغَة لِأَن مَا من جارحة فِي بدن الْإِنْسَان إِلَّا وَيلْزمهُ الصَّوْم فِي رَمَضَان وَفِي غير رَمَضَان فصوم اللِّسَان ترك الْكَلَام إِلَّا فِي ذكر الله تَعَالَى وَصَوْم السّمع ترك الإصغاء إِلَى الْبَاطِل وَإِلَى مَا لَا يحل سَمَاعه وَصِيَام الْعَينَيْنِ ترك النّظر والغض عَن محارم الله تَعَالَى لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من نظر إِلَى امْرَأَة نظرة حَرَامًا حَشا الله عَيْنَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة بمسامير من نَار حَتَّى يقْضِي الله بَين الْخلق ثمَّ يُؤمر بِهِ إِلَى النَّار إِلَّا أَن يَتُوب) وعَلى كل نظرة لفحة من لفحات جَهَنَّم ٣٤٦ - عِقَاب نظرة فِي الْحَرَام ذكر عَن بعض الصَّالِحين أَنه نظر على وَجهه لمْعَة سَوْدَاء فَسئلَ عَنْهَا فَقَالَ نظرت يَوْمًا إِلَى امْرَأَة فتابعت النظرة بِأُخْرَى فَرَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن الْقِيَامَة قد قَامَت وَقد نشر الْخَلَائق فِي صَعِيد وَاحِد وَجِيء بجهنم وَنصب الصِّرَاط على متنها وَقَالَ الله تَعَالَى لي جز يَا عَبدِي فَاقْتَحَمت الصِّرَاط فَخرج لِسَان من نَار جَهَنَّم فَأحرق وَجْهي فأثر فِيهِ هَذِه اللمْعَة فَقَالَ الله تَعَالَى يَا عَبدِي نظرة بنظرة وَلَو زِدْت لزدناك هَذَا فِي الْمَنَام من نظرة فَكيف بِمن تَابع النّظر وَلم يغض الْبَصَر وَصِيَام الْيَدَيْنِ أَن تقبضهما عَمَّا لَيْسَ لَك بِحَق وَلَا ملك وَأَن لَا تبسطهما إِلَّا بِمَا هُوَ لله عز وَجل

стр. 210

رضى وَصِيَام الْبَطن أَن تخمصه عَن أكل الرِّبَا وَالْحرَام وَعَن أكل أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما وَصِيَام الْقَدَمَيْنِ أَن لَا تسْعَى بهما فِي غير طَاعَة الله لِأَنَّهُ قد قَالَ رَسُول الله ﷺ (من مَشى فِي إفشاء عيب أَو كشف عَورَة لمُسلم كَانَ أول خطْوَة يخطوها يَضَعهَا الله فِي النَّار وكشف الله عَوْرَته يَوْم الْقِيَامَة على رُؤُوس الْإِشْهَاد ثمَّ يُؤمر بِهِ إِلَى النَّار) وَصِيَام الْفرج الْقعُود عَن الْفَوَاحِش لِأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ٣٤٧ - عُقُوبَة الزِّنَا (من زنى بأمرأة يَهُودِيَّة أَو نَصْرَانِيَّة أَو مَجُوسِيَّة أَو مسلمة أَو كائنة من كَانَت من النِّسَاء فتح الله فِي قَبره ثَلَاثمِائَة بَاب من جَهَنَّم يخرج عَلَيْهِ مِنْهَا حيات وعقارب من نَار جَهَنَّم وشهب من نَار فَهِيَ تحرقه وَهُوَ معذب مِمَّا يلقى من حيات جَهَنَّم وعقاربها وَيبْعَث يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ يتَأَذَّى بِهِ النَّاس من ريح فرجه ثمَّ يُؤمر بِهِ إِلَى النَّار وَهُوَ يُؤْذِي أهل النَّار مَعَ مَا هم فِيهِ من شدَّة الْعَذَاب) وَقَالَ ﷺ (من زنى بحليلة جَاره الْمُسلم لم يرح رَائِحَة الْجنَّة وَإِن رِيحهَا يُوجد من مسيرَة خَمْسمِائَة عَام) وَقَالَ ﷺ (عفوا تعف نِسَاؤُكُمْ) من فسد بِهِ وَمَا من رجل زنى بِامْرَأَة إِلَّا جلد بَين يَدي الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة ثَمَانِينَ سَوْطًا من نَار من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه ثمَّ هُوَ فِي مَشِيئَة الله ٣٤٨ - آفَات الزِّنَا وَقَالَ ﷺ (الزِّنَا يُورث صَاحبه سِتّ خِصَال ثَلَاث معجلات يَعْنِي فِي الدُّنْيَا وَثَلَاث مؤخرات يَعْنِي فِي الْآخِرَة فَأَما الَّتِي فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهَا تذْهب بالبهاء وتورث الْفقر وتقصر الْعُمر وَأما الَّتِي فِي الْآخِرَة فَإِنَّهَا توجب سخط الله وَسُوء الْحساب وَالدُّخُول فِي النَّار) وَقَالَ ﷺ (مَرَرْت لَيْلَة أسرِي بِي على أنَاس أمامهم مَوَائِد حسان وَعَلَيْهَا لحم مشوي كأحسن مَا يكون من الشواء وحولهم جيف أنتن مَا يكون من الْجِيَف وهم يَأْكُلُون فِي الْجِيَف ويتركون الشواء فَقلت حَبِيبِي جِبْرِيل من هَؤُلَاءِ قَالَ الزناة من أمتك يَا مُحَمَّد تركُوا مَا أحل الله لَهُم واقبلوا على مَا حرم عَلَيْهِم فاليوم يطْعمُون بِمَا يكْرهُونَ ويحرمون مَا يشتهون أَلا وَإنَّهُ لَا أحد أغير من الله وَمن غيرته حرم الْفَوَاحِش وحد الْحُدُود وَكَذَلِكَ من عمل عمل قوم لوط حشره الله يَوْم

стр. 211

الْقِيَامَة أنتن من الْجِيَف يتَأَذَّى بِهِ أهل الْجمع ثمَّ يُؤمر بِهِ إِلَى النَّار فَإِذا دخل النَّار أَمر بِهِ فَأدْخل تَابُوت من نَار فيسمر عَلَيْهِ مسامير فَوق صَفَائِح التابوت حَتَّى يشد فِي تِلْكَ المسامير فَلَو وضع مَا على عرق من عروقه من الآلام والأوجاع على أَرْبَعمِائَة ألف أمة لماتوا جَمِيعًا وَهُوَ أَشد من فِي النَّار عذَابا وَمن تَابَ وَرجع فِي حَيَاته فَإِن الله يغْفر لَهُ وَلَا يسْأَله عَن ذَلِك بعد وَفَاته فَهَذَا صِيَام الْجَوَارِح وَهُوَ فرض على كل مُسلم أَبَد الدَّهْر فِي رَمَضَان وَفِي غَيره فَالله الله عباد الله صُومُوا جوارحكم عَن الْمُنْكَرَات واستعملوها فِي الطَّاعَات تفوزوا بنعيم الْأَبَد فِي قَرَار الجنات والتمتع بِالنّظرِ إِلَى جَبَّار الأَرْض وَالسَّمَوَات ٣٤٩ - الصَّوْم الشَّرْعِيّ وَالصَّوْم الشَّرْعِيّ هُوَ الْإِمْسَاك عَن الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع بنية من قبل الْفجْر وَيجوز صَوْم رَمَضَان بنية فِي أَوله فَهَذَا حد الصّيام فِي اللُّغَة والشريعة قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ﴾ الْبَقَرَة ١٨٣ فِيهِ أَقْوَال كَثِيرَة وأصحها إِن الْمَعْنى فرض عَلَيْكُم الصّيام كَمَا فرض على الْأُمَم الْمَاضِيَة الَّتِي سلفت من قبلكُمْ قَالَ مُجَاهِد هم أهل الْكتاب رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير ﵁ أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ﴾ الْبَقَرَة ١٨٣ أَنه كَانَ كتب عَلَيْهِم إِذا نَام أحدهم قبل الْأكل وَلم يطعم شَيْئا إِلَى اللَّيْلَة الْمُقبلَة وَحرم عَلَيْهِم أَن يقربُوا النِّسَاء تِلْكَ اللَّيْلَة وَرخّص الله تَعَالَى فِي ذَلِك لهَذِهِ الْأمة وَقيل إِشَارَة الله تَعَالَى بقوله ﴿كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ﴾ الْبَقَرَة ١٨٣ إِلَى الْأُمَم الخالية وَهَذِه الْآيَة مدح لأمة مُحَمَّد ﷺ لِأَن مَا من أمة وَلَا نَبِي إِلَّا وَقد فرض الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى أمته صِيَام شهر رَمَضَان فآمنت بِهِ هَذِه الْأمة وكفرت بِهِ سَائِر الْأُمَم وَقيل إِشَارَة الله تَعَالَى بِهَذَا إِلَى النَّصَارَى وَكَانُوا قد فرض عَلَيْهِم إِذا نَام أحدهم من بعد غرُوب الشَّمْس حرم عَلَيْهِ الطَّعَام وَالشرَاب وَكَانَ وَطْء النِّسَاء عَلَيْهِم حرَام حَتَّى بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَة لهَذِهِ الْأمة وَفرض عَلَيْهِم شهر رَمَضَان فَبَقيَ الْأَمر على تَحْرِيم الطَّعَام وَالشرَاب بعد النّوم وَكَذَلِكَ تَحْرِيم وَطْء النِّسَاء حَتَّى وَقع

стр. 212

أَرْبَعُونَ رجلا فِي الْأَمر مِنْهُم عمر بن خطاب ﵁ جامعوا نِسَاءَهُمْ بعد النّوم ٣٥٠ - حِكَايَة الْأنْصَارِيّ وَجَاء رجل من الْأَنْصَار يكنى أَبَا قيس واسْمه صرمة بن قيس من بني النجار فَصلي مَعَ رَسُول الله صَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء ثمَّ أُتِي منزله فَقَالَت امْرَأَته: عَليّ رسلك حَتَّى أسخن طَعَاما صَنعته فَذَهَبت ثمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ وَقد نَام من تَعبه فَقَالَت لَهُ الخيبة الخيبة حرم عَلَيْك الله الطَّعَام وَالشرَاب فَبَاتَ طاويا واصبح صَائِما وَعمل فِي أرضه فَأَصَابَهُ من التَّعَب مَا غشي عَلَيْهِ فَرَآهُ رَسُول الله ﷺ يهادي بَين رجلَيْنِ فَقَالَ لَهُ مَالِي أَرَاك أَبَا قيس طليحا والطليح هُوَ الضَّعِيف وَفِي لُغَة أخري هُوَ التمايل فَأخْبرهُ بِخَبَرِهِ فرق لَهُ رَسُول الله ﷺ حَتَّى دَمَعَتْ عَيناهُ وَكَانَت قصَّة الْأنْصَارِيّ أَولا وَكَانَت قصَّة عمر وَالْأَرْبَعِينَ رجلا رضوَان الله عَلَيْهِم آخرا فَأنْزل الله تَعَالَى فِي قصَّة عمر وَبَدَأَ بهَا لِأَن الْجنَاح فِي الْوَطْء هُوَ أَكثر مِنْهُ فِي الْأكل ٣٥١ - قصَّة عمر بن الْخطاب وَغَيره فَأنْزل الله فِي قصَّة عمر ﵁ وَفِي الْأَرْبَعين رجلا الَّذين وَقَعُوا فِي الوط هَذِه الْآيَة ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُم﴾ الْبَقَرَة: ١٨٧ إِلَى قَوْله ﴿وابتغوا مَا كتب الله لكم﴾ الْبَقَرَة ١٨٧ وَقَالَ الله تَعَالَى فِي قصَّة صرمة بن قيس ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ الْبَقَرَة ١٨٧ وَهَذِه رَحْمَة من الله تَعَالَى لأمة مُحَمَّد ﷺ وَقيل إِن الْأنْصَارِيّ فرض عَلَيْهِم صِيَام شهر رَمَضَان فِي الْإِنْجِيل فَكَانُوا يَصُومُونَ شهرا فَمَرض ملك من مُلُوكهمْ فَجعل عَلَيْهِم إِن أَفَاق أَن يزِيدُوا فِيهِ عشرَة أَيَّام فبرأ فزادوا فِيهِ عشرَة أَيَّام فَكَانُوا يَصُومُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَهَلَك ذَلِك الْملك وَجَاء ملك آخر فَأكل لَحْمًا فأوجع فَاه فاشتكى فَجعل عَلَيْهِ إِن برِئ يزِيد فِي سَبْعَة أَيَّام فبرأ فزادوا فِيهِ ثمَّ إِنَّه هلك وَجَاء بعده ملك آخر فَقَالُوا اجعلوه فِي حِين لَا حر وَلَا قر فحجبهم الله تَعَالَى عَن فضل الشَّهْر الْعَظِيم للإله الْكَرِيم الْحَكِيم وجعلهم من أَصْحَاب الْجَحِيم وَجعل ثوابهم لأمة النَّبِي الرؤوف الرَّحِيم

стр. 213

٣٥٢ - الْأَعرَابِي الْمُجْتَهد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه جَاءَهُ رجل من أهل نجد ثَائِر الرَّأْس يسمع دوِي صَوته وَلَا يفقه مَا يَقُول حَتَّى دنا فَإِذا هُوَ يسْأَل عَن الْإِسْلَام فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة) فَقَالَ هَل عَليّ غير هَذَا فَقَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع قَالَ رَسُول الله وَصِيَام شهر رَمَضَان قَالَ هَل عَليّ غَيره قَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع وَذكر لَهُ رَسُول الله ﷺ الزَّكَاة فَقَالَ لَهُ هَل عَليّ غَيرهَا قَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع فَأَدْبَرَ الرجل وَهُوَ يَقُول وَالله لَا أَزِيد على هَذَا وَلَا أنقص مِنْهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ (أَفْلح وَإِن صدق) ٣٥٣ - ثَوَاب الصّيام وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (من صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) فارغبوا رحمكم الله فِي هَذَا الثَّوَاب الْعَظِيم وَالْملك الجسيم وصوموا واحتسبوا ثَوَابه عِنْد الرب الرَّحِيم فَإِنَّهُ شهر أنزل فِيهِ الْقُرْآن من عِنْد الْملك الرَّحْمَن على النَّبِي مُحَمَّد ﵊ فارغبوا فِي فَضله وسارعوا إِلَى الْقيام بِحقِّهِ يَا أولي الْعُقُول والألباب وَلَا تعملوا أَعمال من خَالف السّنة وَالْكتاب فَمَا تَدْرُونَ أَتَرَوْنَ غَيره أم لَا ٣٥٤ - فضل الصَّلَاة على النَّبِي وَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَخْبرنِي جِبْرِيل ﵇ قَالَ يَا مُحَمَّد من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَمَاتَ فَلم يغْفر الله لَهُ فَدخل النَّار أبعده الله فَقَالَ النَّبِي ﷺ آمين ثمَّ قَالَ جِبْرِيل ﵇ من أدْرك وَالِديهِ أَو أَحدهمَا فَلم يغْفر لَهُ فِيهِ فَدخل النَّار أبعده الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ آمين ثمَّ قَالَ جِبْرِيل يَا مُحَمَّد من أدْرك شهر رَمَضَان فَمَاتَ فَلم يغْفر لَهُ فَدخل النَّار فَأَبْعَده الله قلت آمين فَالله إيَّاكُمْ وَالْمَوْت أَن يفاجأكم وَقد حيل بَيْنكُم وَبَين صِيَام غَيره وَقد فَازَ الْعَامِلُونَ وخسر المبطلون ٣٥٥ - صِيَام الدَّهْر رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صَامَ رَمَضَان وَأتبعهُ بست من شَوَّال فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر كُله) وفقنا الله وَإِيَّاكُم لأعمال الْبر برحمته قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ الْبَقَرَة ١٨٣ سماهم باسمه ورسمهم برسمه وشرفهم حِين عرفهم فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ سهل عَلَيْكُم بذلك وَارِد الْخطاب فَلَمَّا أَرَادَ الله ﷻ أَن يكفلهم الصّيام الشاق عَلَيْهِم بَدَأَ الله بأخص أَسمَاء الْمُؤمنِينَ وَأجل صِفَات العارفين وأعلا مقَام المحبين فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ ثمَّ زَاد بَيَانا فَقَالَ ﴿أَيَّامًا﴾ ثمَّ زَاد بَيَانا فَقَالَ ﴿معدودات﴾ ثمَّ زَاد بَيَانا فَقَالَ ﴿شهر﴾ ثمَّ بَين أَي شهر فَقَالَ ﴿شهر رَمَضَان﴾ ثمَّ بَين ورقق وَيسر فَقَالَ ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر﴾ الْبَقَرَة ١٨٧ ثمَّ بَين تَمَامه فَقَالَ ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ كتب عَلَيْكُم الصّيام أَيَّامًا فِي السّنة ووعدتكم عَلَيْهَا الْمقَام فِي الْجنَّة كتب عَلَيْكُم الصّيام شهرا ووعدتكم الثَّوَاب دهرا كتب الله الصّيام على عبيده وَكتب الرَّحْمَة على نَفسه كتب الصّيام أَيَّامًا معدودات وَكتب لكم على نَفسه الْحُصُول فِي الدَّرَجَات كتب عَلَيْكُم أَن تَصُومُوا شهرا وَكتب لكم بِالْحَسَنَة عشرا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صَامَ رَمَضَان فِي إنصات وسكوت وكف سَمعه وبصره وَلسَانه وَيَده وجوارحه عَن الْحَرَام وَالْكذب والغيبة والأذى اقْترب من الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى تمس ركبته ركبة إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَلم يكن بَينه وَبَين الْعَرْش إِلَّا فَرسَخ أَو ميل) شكّ عَطاء بن يسَار فِي هَذَا الحَدِيث وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (لَو أذن الله للسماوات وَالْأَرْض أَن تتكلما لشهدتا لمن صَامَ رَمَضَان بِالْجنَّةِ) الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَيَّامًا معدودات﴾ الْبَقَرَة ١٨٤ كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُول فريضتي عَلَيْكُم مَعْدُودَة وعطيتي لكم غير محدودة عبادتكم لي بارة ونعمتي عَلَيْكُم بارة طاعتكم من الْحِين إِلَى الْحِين وثابت لكم أَبَد الآبدين صِيَامكُمْ لي من الْعَام إِلَى الْعَام وإباحتي لكم من الْجنَّة أحسن الْمقَام اعلموا عباد الله أَن مولاكم ﷻ حياكم بِشَهْر الصّيام وشرفكم بِملَّة الْإِسْلَام وجعلكم من خير أمة أخرجت للأنام بِمُحَمد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فَلَا تدنسوا شهركم بالإفك والزور وَأَطيعُوا مولاكم الْكَرِيم الغفور تفوزوا فِي الْجنان بالولدان والحور

стр. 214

الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) الْبَقَرَة ١٨٣ سماهم باسمه ورسمهم برسمه وشرفهم حِين عرفهم فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ سهل عَلَيْكُم بذلك وَارِد الْخطاب فَلَمَّا أَرَادَ الله ﷻ أَن يكفلهم الصّيام الشاق عَلَيْهِم بَدَأَ الله بأخص أَسمَاء الْمُؤمنِينَ وَأجل صِفَات العارفين وأعلا مقَام المحبين فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ ثمَّ زَاد بَيَانا فَقَالَ ﴿أَيَّامًا﴾ ثمَّ زَاد بَيَانا فَقَالَ ﴿معدودات﴾ ثمَّ زَاد بَيَانا فَقَالَ ﴿شهر﴾ ثمَّ بَين أَي شهر فَقَالَ ﴿شهر رَمَضَان﴾ ثمَّ بَين ورقق وَيسر فَقَالَ ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر﴾ الْبَقَرَة ١٨٧ ثمَّ بَين تَمَامه فَقَالَ ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ كتب عَلَيْكُم الصّيام أَيَّامًا فِي السّنة ووعدتكم عَلَيْهَا الْمقَام فِي الْجنَّة كتب عَلَيْكُم الصّيام شهرا ووعدتكم الثَّوَاب دهرا كتب الله الصّيام على عبيده وَكتب الرَّحْمَة على نَفسه كتب الصّيام أَيَّامًا معدودات وَكتب لكم على نَفسه الْحُصُول فِي الدَّرَجَات كتب عَلَيْكُم أَن تَصُومُوا شهرا وَكتب لكم بِالْحَسَنَة عشرا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صَامَ رَمَضَان فِي إنصات وسكوت وكف سَمعه وبصره وَلسَانه وَيَده وجوارحه عَن الْحَرَام وَالْكذب والغيبة والأذى اقْترب من الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى تمس ركبته ركبة إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَلم يكن بَينه وَبَين الْعَرْش إِلَّا فَرسَخ أَو ميل) شكّ عَطاء بن يسَار فِي هَذَا الحَدِيث وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (لَو أذن الله للسماوات وَالْأَرْض أَن تتكلما لشهدتا لمن صَامَ رَمَضَان بِالْجنَّةِ) الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَيَّامًا معدودات﴾ الْبَقَرَة ١٨٤ كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُول فريضتي عَلَيْكُم مَعْدُودَة وعطيتي لكم غير محدودة عبادتكم لي بارة ونعمتي عَلَيْكُم بارة طاعتكم من الْحِين إِلَى الْحِين وثابت لكم أَبَد الآبدين صِيَامكُمْ لي من الْعَام إِلَى الْعَام وإباحتي لكم من الْجنَّة أحسن الْمقَام اعلموا عباد الله أَن مولاكم ﷻ حياكم بِشَهْر الصّيام وشرفكم بِملَّة الْإِسْلَام وجعلكم من خير أمة أخرجت للأنام بِمُحَمد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فَلَا تدنسوا شهركم بالإفك والزور وَأَطيعُوا مولاكم الْكَرِيم الغفور تفوزوا فِي الْجنان بالولدان والحور

стр. 215

٣٥٦ - التَّوْبَة فِي رَمَضَان رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (للجنة ثَمَانِيَة أَبْوَاب كلهَا تفتح وتغلق إِلَّا بَاب التَّوْبَة فَإِن الله تَعَالَى قد وكل بِهِ مَلَائِكَة لَا يغلقونه مَا دَامَ الصائمون يَصُومُونَ) ٣٥٧ - أَحَادِيث عدَّة فِي فضل رَمَضَان وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (للجنة بَاب يُقَال لَهُ بَاب الريان يدْخل مِنْهُ الصائمون يَوْم الْقِيَامَة لَا يدْخل مِنْهُ أحد غَيرهم يُقَال أَيْن الصائمون فَيقومُونَ فَإِذا دخلُوا غلق فَلم يدْخل مِنْهُ أحد) وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِذا دخل شهر رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنَّة وغلقت أَبْوَاب النَّار وصفدت الشَّيَاطِين ونادى مُنَاد يَا باغي الْخَيْر هَلُمَّ وَيَا باغي الشَّرّ أقصر) رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن لله ملكا رَأسه تَحت الْعَرْش عرش رب الْعَالمين وَرجلَاهُ فِي تخوم الْأَرْضين لَهُ جَنَاحَانِ أَحدهمَا بالمشرق وَالْآخر بالمغرب أَحدهمَا من ياقوتة حَمْرَاء وَالْآخر من زبرجدة خضراء يُنَادي كل لَيْلَة من شهر رَمَضَان هَل من تائب فيتاب عَلَيْهِ هَل من مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ هَل من طَالب حَاجَة فيسعف بحاجته يَا طَالب الْخَيْر أبشر وَيَا طَالب الشَّرّ أقصر وَأبْصر) فَأَيْنَ أَنْتُم يَا إِخْوَاننَا من هَذَا النَّعيم الْمُقِيم وَهَذَا الثَّوَاب الْعَظِيم من عِنْد الْإِلَه الْكَرِيم ثمَّ اجتهدوا فِي هَذَا الشَّهْر تسعدوا فِي بَاقِي الدَّهْر واجتهدوا فِي هَذِه الْأَيَّام القليلة تفوزوا بِالنعَم الجزيلة والراحة الدائمة الطَّوِيلَة اجتهدوا فِي شهر رَمَضَان تفوزوا بجنات الرضْوَان مَعَ الْحور الحسان رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (أَتَاكُم شهر رَمَضَان شهر خير وبركة يغشيكم الله فِيهِ بِالرَّحْمَةِ وَيغْفر فِيهِ الْخَطَايَا ويستجيب فِيهِ الدُّعَاء وَينظر فِيهِ إِلَى تنافسكم
следующие страницы →