Полный текст (301 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الْقِيَامَة أنتن من الْجِيَف يتَأَذَّى بِهِ أهل الْجمع ثمَّ يُؤمر بِهِ إِلَى النَّار فَإِذا دخل النَّار أَمر بِهِ فَأدْخل تَابُوت من نَار فيسمر عَلَيْهِ مسامير فَوق صَفَائِح التابوت حَتَّى يشد فِي تِلْكَ المسامير فَلَو وضع مَا على عرق من عروقه من الآلام والأوجاع على أَرْبَعمِائَة ألف أمة لماتوا جَمِيعًا وَهُوَ أَشد من فِي النَّار عذَابا
وَمن تَابَ وَرجع فِي حَيَاته فَإِن الله يغْفر لَهُ وَلَا يسْأَله عَن ذَلِك بعد وَفَاته
فَهَذَا صِيَام الْجَوَارِح وَهُوَ فرض على كل مُسلم أَبَد الدَّهْر فِي رَمَضَان وَفِي غَيره
فَالله الله عباد الله صُومُوا جوارحكم عَن الْمُنْكَرَات واستعملوها فِي الطَّاعَات تفوزوا بنعيم الْأَبَد فِي قَرَار الجنات والتمتع بِالنّظرِ إِلَى جَبَّار الأَرْض وَالسَّمَوَات
٣٤٩ - الصَّوْم الشَّرْعِيّ
وَالصَّوْم الشَّرْعِيّ هُوَ الْإِمْسَاك عَن الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع بنية من قبل الْفجْر وَيجوز صَوْم رَمَضَان بنية فِي أَوله
فَهَذَا حد الصّيام فِي اللُّغَة والشريعة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ﴾ الْبَقَرَة ١٨٣ فِيهِ أَقْوَال كَثِيرَة وأصحها إِن الْمَعْنى فرض عَلَيْكُم الصّيام كَمَا فرض على الْأُمَم الْمَاضِيَة الَّتِي سلفت من قبلكُمْ قَالَ مُجَاهِد هم أهل الْكتاب
رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير ﵁ أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ﴾ الْبَقَرَة ١٨٣ أَنه كَانَ كتب عَلَيْهِم إِذا نَام أحدهم قبل الْأكل وَلم يطعم شَيْئا إِلَى اللَّيْلَة الْمُقبلَة وَحرم عَلَيْهِم أَن يقربُوا النِّسَاء تِلْكَ اللَّيْلَة وَرخّص الله تَعَالَى فِي ذَلِك لهَذِهِ الْأمة
وَقيل إِشَارَة الله تَعَالَى بقوله ﴿كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ﴾ الْبَقَرَة ١٨٣ إِلَى الْأُمَم الخالية وَهَذِه الْآيَة مدح لأمة مُحَمَّد ﷺ لِأَن مَا من أمة وَلَا نَبِي إِلَّا وَقد فرض الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى أمته صِيَام شهر رَمَضَان فآمنت بِهِ هَذِه الْأمة وكفرت بِهِ سَائِر الْأُمَم
وَقيل إِشَارَة الله تَعَالَى بِهَذَا إِلَى النَّصَارَى وَكَانُوا قد فرض عَلَيْهِم إِذا نَام أحدهم من بعد غرُوب الشَّمْس حرم عَلَيْهِ الطَّعَام وَالشرَاب وَكَانَ وَطْء النِّسَاء عَلَيْهِم حرَام حَتَّى بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَة لهَذِهِ الْأمة وَفرض عَلَيْهِم شهر رَمَضَان فَبَقيَ الْأَمر على تَحْرِيم الطَّعَام وَالشرَاب بعد النّوم وَكَذَلِكَ تَحْرِيم وَطْء النِّسَاء حَتَّى وَقع
стр. 212
أَرْبَعُونَ رجلا فِي الْأَمر مِنْهُم عمر بن خطاب ﵁ جامعوا نِسَاءَهُمْ بعد النّوم
٣٥٠ - حِكَايَة الْأنْصَارِيّ
وَجَاء رجل من الْأَنْصَار يكنى أَبَا قيس واسْمه صرمة بن قيس من بني النجار فَصلي مَعَ رَسُول الله صَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء ثمَّ أُتِي منزله فَقَالَت امْرَأَته: عَليّ رسلك حَتَّى أسخن طَعَاما صَنعته فَذَهَبت ثمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ وَقد نَام من تَعبه فَقَالَت لَهُ الخيبة الخيبة حرم عَلَيْك الله الطَّعَام وَالشرَاب فَبَاتَ طاويا واصبح صَائِما وَعمل فِي أرضه فَأَصَابَهُ من التَّعَب مَا غشي عَلَيْهِ فَرَآهُ رَسُول الله ﷺ يهادي بَين رجلَيْنِ فَقَالَ لَهُ مَالِي أَرَاك أَبَا قيس طليحا والطليح هُوَ الضَّعِيف وَفِي لُغَة أخري هُوَ التمايل فَأخْبرهُ بِخَبَرِهِ فرق لَهُ رَسُول الله ﷺ حَتَّى دَمَعَتْ عَيناهُ وَكَانَت قصَّة الْأنْصَارِيّ أَولا وَكَانَت قصَّة عمر وَالْأَرْبَعِينَ رجلا رضوَان الله عَلَيْهِم آخرا فَأنْزل الله تَعَالَى فِي قصَّة عمر وَبَدَأَ بهَا لِأَن الْجنَاح فِي الْوَطْء هُوَ أَكثر مِنْهُ فِي الْأكل
٣٥١ - قصَّة عمر بن الْخطاب وَغَيره
فَأنْزل الله فِي قصَّة عمر ﵁ وَفِي الْأَرْبَعين رجلا الَّذين وَقَعُوا فِي الوط هَذِه الْآيَة ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُم﴾ الْبَقَرَة: ١٨٧ إِلَى قَوْله ﴿وابتغوا مَا كتب الله لكم﴾ الْبَقَرَة ١٨٧ وَقَالَ الله تَعَالَى فِي قصَّة صرمة بن قيس ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ الْبَقَرَة ١٨٧ وَهَذِه رَحْمَة من الله تَعَالَى لأمة مُحَمَّد ﷺ
وَقيل إِن الْأنْصَارِيّ فرض عَلَيْهِم صِيَام شهر رَمَضَان فِي الْإِنْجِيل فَكَانُوا يَصُومُونَ شهرا فَمَرض ملك من مُلُوكهمْ فَجعل عَلَيْهِم إِن أَفَاق أَن يزِيدُوا فِيهِ عشرَة أَيَّام فبرأ فزادوا فِيهِ عشرَة أَيَّام فَكَانُوا يَصُومُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَهَلَك ذَلِك الْملك وَجَاء ملك آخر فَأكل لَحْمًا فأوجع فَاه فاشتكى فَجعل عَلَيْهِ إِن برِئ يزِيد فِي سَبْعَة أَيَّام فبرأ فزادوا فِيهِ ثمَّ إِنَّه هلك وَجَاء بعده ملك آخر فَقَالُوا اجعلوه فِي حِين لَا حر وَلَا قر فحجبهم الله تَعَالَى عَن فضل الشَّهْر الْعَظِيم للإله الْكَرِيم الْحَكِيم وجعلهم من أَصْحَاب الْجَحِيم وَجعل ثوابهم لأمة النَّبِي الرؤوف الرَّحِيم
стр. 213
٣٥٢ - الْأَعرَابِي الْمُجْتَهد
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه جَاءَهُ رجل من أهل نجد ثَائِر الرَّأْس يسمع دوِي صَوته وَلَا يفقه مَا يَقُول حَتَّى دنا فَإِذا هُوَ يسْأَل عَن الْإِسْلَام فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة) فَقَالَ هَل عَليّ غير هَذَا فَقَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع قَالَ رَسُول الله وَصِيَام شهر رَمَضَان قَالَ هَل عَليّ غَيره قَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع وَذكر لَهُ رَسُول الله ﷺ الزَّكَاة فَقَالَ لَهُ هَل عَليّ غَيرهَا قَالَ لَا إِلَّا أَن تطوع فَأَدْبَرَ الرجل وَهُوَ يَقُول وَالله لَا أَزِيد على هَذَا وَلَا أنقص مِنْهُ
فَقَالَ النَّبِي ﷺ (أَفْلح وَإِن صدق)
٣٥٣ - ثَوَاب الصّيام
وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (من صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) فارغبوا رحمكم الله فِي هَذَا الثَّوَاب الْعَظِيم وَالْملك الجسيم وصوموا واحتسبوا ثَوَابه عِنْد الرب الرَّحِيم فَإِنَّهُ شهر أنزل فِيهِ الْقُرْآن من عِنْد الْملك الرَّحْمَن على النَّبِي مُحَمَّد ﵊
فارغبوا فِي فَضله وسارعوا إِلَى الْقيام بِحقِّهِ يَا أولي الْعُقُول والألباب وَلَا تعملوا أَعمال من خَالف السّنة وَالْكتاب فَمَا تَدْرُونَ أَتَرَوْنَ غَيره أم لَا
٣٥٤ - فضل الصَّلَاة على النَّبِي
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَخْبرنِي جِبْرِيل ﵇ قَالَ يَا مُحَمَّد من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَمَاتَ فَلم يغْفر الله لَهُ فَدخل النَّار أبعده الله
فَقَالَ النَّبِي ﷺ آمين ثمَّ قَالَ جِبْرِيل ﵇ من أدْرك وَالِديهِ أَو أَحدهمَا فَلم يغْفر لَهُ فِيهِ فَدخل النَّار أبعده الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ آمين ثمَّ قَالَ جِبْرِيل يَا مُحَمَّد من أدْرك شهر رَمَضَان فَمَاتَ فَلم يغْفر لَهُ فَدخل النَّار فَأَبْعَده الله قلت آمين
فَالله إيَّاكُمْ وَالْمَوْت أَن يفاجأكم وَقد حيل بَيْنكُم وَبَين صِيَام غَيره وَقد فَازَ الْعَامِلُونَ وخسر المبطلون
٣٥٥ - صِيَام الدَّهْر
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صَامَ رَمَضَان وَأتبعهُ بست من شَوَّال فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر كُله) وفقنا الله وَإِيَّاكُم لأعمال الْبر برحمته
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ الْبَقَرَة ١٨٣ سماهم باسمه ورسمهم برسمه وشرفهم حِين عرفهم فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ سهل عَلَيْكُم بذلك وَارِد الْخطاب
فَلَمَّا أَرَادَ الله ﷻ أَن يكفلهم الصّيام الشاق عَلَيْهِم بَدَأَ الله بأخص أَسمَاء الْمُؤمنِينَ وَأجل صِفَات العارفين وأعلا مقَام المحبين فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ ثمَّ زَاد بَيَانا فَقَالَ ﴿أَيَّامًا﴾ ثمَّ زَاد بَيَانا فَقَالَ ﴿معدودات﴾ ثمَّ زَاد بَيَانا فَقَالَ ﴿شهر﴾ ثمَّ بَين أَي شهر فَقَالَ ﴿شهر رَمَضَان﴾ ثمَّ بَين ورقق وَيسر فَقَالَ ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر﴾ الْبَقَرَة ١٨٧ ثمَّ بَين تَمَامه فَقَالَ ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ كتب عَلَيْكُم الصّيام أَيَّامًا فِي السّنة ووعدتكم عَلَيْهَا الْمقَام فِي الْجنَّة كتب عَلَيْكُم الصّيام شهرا ووعدتكم الثَّوَاب دهرا
كتب الله الصّيام على عبيده وَكتب الرَّحْمَة على نَفسه كتب الصّيام أَيَّامًا معدودات وَكتب لكم على نَفسه الْحُصُول فِي الدَّرَجَات كتب عَلَيْكُم أَن تَصُومُوا شهرا وَكتب لكم بِالْحَسَنَة عشرا
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صَامَ رَمَضَان فِي إنصات وسكوت وكف سَمعه وبصره وَلسَانه وَيَده وجوارحه عَن الْحَرَام وَالْكذب والغيبة والأذى اقْترب من الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى تمس ركبته ركبة إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَلم يكن بَينه وَبَين الْعَرْش إِلَّا فَرسَخ أَو ميل) شكّ عَطاء بن يسَار فِي هَذَا الحَدِيث
وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (لَو أذن الله للسماوات وَالْأَرْض أَن تتكلما لشهدتا لمن صَامَ رَمَضَان بِالْجنَّةِ) الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَيَّامًا معدودات﴾ الْبَقَرَة ١٨٤ كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُول فريضتي عَلَيْكُم مَعْدُودَة وعطيتي لكم غير محدودة عبادتكم لي بارة ونعمتي عَلَيْكُم بارة طاعتكم من الْحِين إِلَى الْحِين وثابت لكم أَبَد الآبدين صِيَامكُمْ لي من الْعَام إِلَى الْعَام وإباحتي لكم من الْجنَّة أحسن الْمقَام
اعلموا عباد الله أَن مولاكم ﷻ حياكم بِشَهْر الصّيام وشرفكم بِملَّة الْإِسْلَام وجعلكم من خير أمة أخرجت للأنام بِمُحَمد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
فَلَا تدنسوا شهركم بالإفك والزور وَأَطيعُوا مولاكم الْكَرِيم الغفور تفوزوا فِي الْجنان بالولدان والحور
стр. 214
الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) الْبَقَرَة ١٨٣ سماهم باسمه ورسمهم برسمه وشرفهم حِين عرفهم فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ سهل عَلَيْكُم بذلك وَارِد الْخطاب
فَلَمَّا أَرَادَ الله ﷻ أَن يكفلهم الصّيام الشاق عَلَيْهِم بَدَأَ الله بأخص أَسمَاء الْمُؤمنِينَ وَأجل صِفَات العارفين وأعلا مقَام المحبين فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ ثمَّ زَاد بَيَانا فَقَالَ ﴿أَيَّامًا﴾ ثمَّ زَاد بَيَانا فَقَالَ ﴿معدودات﴾ ثمَّ زَاد بَيَانا فَقَالَ ﴿شهر﴾ ثمَّ بَين أَي شهر فَقَالَ ﴿شهر رَمَضَان﴾ ثمَّ بَين ورقق وَيسر فَقَالَ ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر﴾ الْبَقَرَة ١٨٧ ثمَّ بَين تَمَامه فَقَالَ ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ كتب عَلَيْكُم الصّيام أَيَّامًا فِي السّنة ووعدتكم عَلَيْهَا الْمقَام فِي الْجنَّة كتب عَلَيْكُم الصّيام شهرا ووعدتكم الثَّوَاب دهرا
كتب الله الصّيام على عبيده وَكتب الرَّحْمَة على نَفسه كتب الصّيام أَيَّامًا معدودات وَكتب لكم على نَفسه الْحُصُول فِي الدَّرَجَات كتب عَلَيْكُم أَن تَصُومُوا شهرا وَكتب لكم بِالْحَسَنَة عشرا
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صَامَ رَمَضَان فِي إنصات وسكوت وكف سَمعه وبصره وَلسَانه وَيَده وجوارحه عَن الْحَرَام وَالْكذب والغيبة والأذى اقْترب من الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى تمس ركبته ركبة إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَلم يكن بَينه وَبَين الْعَرْش إِلَّا فَرسَخ أَو ميل) شكّ عَطاء بن يسَار فِي هَذَا الحَدِيث
وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (لَو أذن الله للسماوات وَالْأَرْض أَن تتكلما لشهدتا لمن صَامَ رَمَضَان بِالْجنَّةِ) الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَيَّامًا معدودات﴾ الْبَقَرَة ١٨٤ كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُول فريضتي عَلَيْكُم مَعْدُودَة وعطيتي لكم غير محدودة عبادتكم لي بارة ونعمتي عَلَيْكُم بارة طاعتكم من الْحِين إِلَى الْحِين وثابت لكم أَبَد الآبدين صِيَامكُمْ لي من الْعَام إِلَى الْعَام وإباحتي لكم من الْجنَّة أحسن الْمقَام
اعلموا عباد الله أَن مولاكم ﷻ حياكم بِشَهْر الصّيام وشرفكم بِملَّة الْإِسْلَام وجعلكم من خير أمة أخرجت للأنام بِمُحَمد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
فَلَا تدنسوا شهركم بالإفك والزور وَأَطيعُوا مولاكم الْكَرِيم الغفور تفوزوا فِي الْجنان بالولدان والحور
стр. 215
٣٥٦ - التَّوْبَة فِي رَمَضَان
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (للجنة ثَمَانِيَة أَبْوَاب كلهَا تفتح وتغلق إِلَّا بَاب التَّوْبَة فَإِن الله تَعَالَى قد وكل بِهِ مَلَائِكَة لَا يغلقونه مَا دَامَ الصائمون يَصُومُونَ)
٣٥٧ - أَحَادِيث عدَّة فِي فضل رَمَضَان
وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ (للجنة بَاب يُقَال لَهُ بَاب الريان يدْخل مِنْهُ الصائمون يَوْم الْقِيَامَة لَا يدْخل مِنْهُ أحد غَيرهم يُقَال أَيْن الصائمون فَيقومُونَ فَإِذا دخلُوا غلق فَلم يدْخل مِنْهُ أحد)
وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِذا دخل شهر رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنَّة وغلقت أَبْوَاب النَّار وصفدت الشَّيَاطِين ونادى مُنَاد يَا باغي الْخَيْر هَلُمَّ وَيَا باغي الشَّرّ أقصر)
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن لله ملكا رَأسه تَحت الْعَرْش عرش رب الْعَالمين وَرجلَاهُ فِي تخوم الْأَرْضين لَهُ جَنَاحَانِ أَحدهمَا بالمشرق وَالْآخر بالمغرب أَحدهمَا من ياقوتة حَمْرَاء وَالْآخر من زبرجدة خضراء يُنَادي كل لَيْلَة من شهر رَمَضَان هَل من تائب فيتاب عَلَيْهِ هَل من مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ هَل من طَالب حَاجَة فيسعف بحاجته
يَا طَالب الْخَيْر أبشر وَيَا طَالب الشَّرّ أقصر وَأبْصر)
فَأَيْنَ أَنْتُم يَا إِخْوَاننَا من هَذَا النَّعيم الْمُقِيم وَهَذَا الثَّوَاب الْعَظِيم من عِنْد الْإِلَه الْكَرِيم ثمَّ اجتهدوا فِي هَذَا الشَّهْر تسعدوا فِي بَاقِي الدَّهْر واجتهدوا فِي هَذِه الْأَيَّام القليلة تفوزوا بِالنعَم الجزيلة والراحة الدائمة الطَّوِيلَة
اجتهدوا فِي شهر رَمَضَان تفوزوا بجنات الرضْوَان مَعَ الْحور الحسان
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (أَتَاكُم شهر رَمَضَان شهر خير وبركة يغشيكم الله فِيهِ بِالرَّحْمَةِ وَيغْفر فِيهِ الْخَطَايَا ويستجيب فِيهِ الدُّعَاء وَينظر فِيهِ إِلَى تنافسكم
стр. 216
ويناهى بكم الْمَلَائِكَة فأدوا فِيهِ أَنفسكُم خيرا فَإِن الشقي كل الشقي من حرم فِيهِ رَحْمَة الله تَعَالَى) فَالله الله عباد الله إيَّاكُمْ والحرمان وابلتمادي فِي الْعِصْيَان وَلَا ترضوا فِي أديانكم بِالنُّقْصَانِ فِي الشَّهْر الْفَاضِل شهر رَمَضَان
٣٥٨ - عَظِيم فضل رَمَضَان
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لَو يعلم النَّاس مَالهم فِي شهر رَمَضَان لتمنوا أَن تكون السّنة كلهَا رَمَضَان فَقَالُوا يَا رَسُول الله حَدثنَا بِهِ فَقَالَ (إِن الْجنَّة لتزين من الْحول إِلَى الْحول لدُخُول شهر رَمَضَان فَإِذا كَانَت أول لَيْلَة من رَمَضَان هبت ريح من تَحت الْعَرْش يُقَال لَهَا المثيرة فتصفق ورق الْجنان وَخلق المصارح فَيسمع لذَلِك طنين لم يسمع السامعون أحسن مِنْهُ فتتزين الْحور الْعين ثمَّ يَقِفن بَين شرف الْجنَّة فينادين هَل من خَاطب لنا إِلَى الله فيزوجه ثمَّ يقلن يَا رضوَان مَا هَذِه اللَّيْلَة فيجيبهن بِالتَّلْبِيَةِ يَا خيرات حسان هَذِه أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان فتفتحت أَبْوَاب الْجنان للصائمين والقائمين من أمة مُحَمَّد ﷺ وَيَقُول الله تَعَالَى يَا رضوَان افْتَحْ أَبْوَاب الْجنان للصائمين والقائمين من أمة مُحَمَّد ﷺ وَلَا تغلقها حَتَّى يَنْقَضِي شهرهم هَذَا فَإِذا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي أوحى الله تَعَالَى إِلَى مَالك خَازِن النَّار يَا مَالك أغلق أَبْوَاب النيرَان عَن الصائمين والقائمين من أمة مُحَمَّد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلَا تفتحها حَتَّى يَنْقَضِي شهرهم هَذَا فَإِذا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث أَمر الله جِبْرِيل ﵇ أَن أهبط إِلَى الأَرْض فصفد مَرَدَة الشَّيَاطِين وعتاة الْجِنّ وغلهم فِي الأغلال ثمَّ اقذف بهم فِي لجج الْبحار كي لَا يفسدو على أمة مُحَمَّد حَبِيبِي صِيَامهمْ فَإِذا غلقت فِي شهركم أَبْوَاب النيرَان وَفتحت أَبْوَاب الْجنان وصفد فِيهِ الملعون الشَّيْطَان فَأولى أَن لَا يسكنكم مولاكم دَار الْعقُوبَة والهوان وَأَن يمنحكم بمنه وفضله دَار الخلود والرضوان كَمَا فضلنَا بِشَهْر التجاوز والغفران وَهُوَ الْكَرِيم المتفضل المنان
٣٥٩ - الصّيام وَالْقُرْآن شفيعان
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (الصّيام وَالْقُرْآن يشفعان للْعَبد يَوْم الْقِيَامَة يَقُول الصّيام رب عَبدك منعته الطَّعَام وَالشرَاب والشهوات بِالنَّهَارِ شفعني فِيهِ وَيَقُول الْقُرْآن رب عَبدك منعته النّوم بِاللَّيْلِ وتلاني وَحرم النّوم من أَجلي فشفعني فِيهِ فيشفعان)
стр. 217
وَيَا أخي إِذا كَانَ شهر رَمَضَان فِي الْقِيَامَة شَفِيعًا فَكُن لمولاك فِيهِ عبدا سَامِعًا مُطيعًا وَليكن قَلْبك عَن مَعْصِيَته رفيعا
٣٦٠ - الصّيام بَاب الْعِبَادَة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لكل شَيْء بَاب وَبَاب الْعِبَادَة الصّيام) وَإِذا كَانَ الصّيام لعبادة الرَّحْمَن بَابا فَأولى أَن يكون بَيْنكُم وَبَين النَّار حِجَابا
أَيْن من يدل على طَرِيق السَّعَادَة عَسى أصل بعد النُّقْصَان إِلَى الزِّيَادَة وألزم نَفسِي الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة
وأنشدوا
(أَلا خيرا لمقترح النواح ... أطير إِلَيْهِ منشور الْجنَاح
(فأسأله وألطفه عساه ... سيسلي مَا بقلبي من جراح)
(ويجلو مَا دجا من ليل جهلي ... بِنور هدى كمنسلخ الصَّباح)
(سأصرف همتي بِالْكُلِّ عَمَّا ... نهاني الله من أَمر المزاح)
(إِلَى شهر الخضوع مَعَ الْخُشُوع ... إِلَى شهر العفاف مَعَ الصّلاح)
(يجازي الصائمون إِذا استقاموا ... بدار الْخلد والحور الملاح)
(وبالغفران من رب عَظِيم ... وبالملك الْكَبِير بِلَا براح)
(فيا أحبابنا اجتهدوا وجدوا ... لهَذَا الشَّهْر من قبل الرواح)
(عَسى الرَّحْمَن أَن يمحو ذُنُوبِي ... وَيغْفر زلتي قبل افتضاحي)
٣٦١ - فضل السّحُور
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (تسحرُوا فَإِن الله يحب المتسحرين وَالْمَلَائِكَة تصلي على المتسحرين وَتَسْتَغْفِر لَهُم)
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لَا تزَال أمتِي بِخَير مَا عجلوا الْفطر وأخروا السّحُور)
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن العَبْد الْمُؤمن إِذا قَامَ فِي رَمَضَان إِلَى السّحُور فَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ جعل الله تَعَالَى خَلفه سبع صُفُوف من الْمَلَائِكَة فَإِذا فرغ ودعا آمنُوا على دُعَائِهِ وَيكْتب الله تَعَالَى لَهُ بعددهم حَسَنَات وَيرْفَع لَهُ فِي الْجنَّة بعددهم دَرَجَات ويمحو عَنهُ بعددهم سيئات ثمَّ لَا يزالون يدعونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
فَالله الله اغتنموا فِي هَذَا الشَّهْر المكرم هَذَا الثَّوَاب الْمُعظم وَلَا تقطعوا
стр. 218
نَهَاره بالغيبة وقبح الْكَلَام وتغفلوا فِي ليله عَن طول الْقيام وتفطروا فِيهِ على السُّحت وَالْحرَام
وتصوموا بجارحة وَاحِدَة وتهملوا سَائِر جوارحكم فِي الْمعاصِي والآثام فَاتَّقُوا الله إِن الله عَزِيز ذُو انتقام
وأنشدوا
(أتعصي بعد شيب الراس جهلا ... كَمَا قد كنت تعصيه غُلَاما)
(أَرَاك من التهاون لَا تبالي ... وَلَا ترعي الصَّلَاة وَلَا الصياما)
(وتفرح بالفطور وَلَا تبالي ... حَلَالا كَانَ كسبك أم حَرَامًا)
عباد الله اغتنموا بركَة هَذَا الشَّهْر الْعَظِيم الْمَخْصُوص بالتفضيل والتكريم الَّذِي بلغنَا الله إِلَيْهِ فِي صِحَة من الْأَجْسَام وسلامة من عوارض الأسقام فَالْوَاجِب على من عرف قدر هَذِه النِّعْمَة الَّتِي سوغها وَفضل هَذِه الْأَيَّام الَّتِي بلغَهَا أَن يحفظها من التَّخْلِيط والالتباس وَأَن يكف أَذَاهُ عَن جَمِيع النَّاس وَأَن يحذر لَغْو الْكَلَام وَلَا يبطل فضل الصّيام عِنْد الْملك العلام
٣٦٢ - شدَّة الْعقُوبَة فِي رَمَضَان
وَفِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من سرق فِي رَمَضَان أَو زنا أَو غصب أَو انتهك حَرَامًا أَو شرب خمرًا أَو تعدى ظلما لم يتَقَبَّل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا ولعنه هُوَ وَمَلَائِكَته إِلَى مثله من الْحول
فَكل من يُؤْذِي فِي رَمَضَان وَيظْلم على مثل مَا يقدم ويندم حَيْثُ لَا يَنْفَعهُ النَّدَم
فكم من صَائِم عَن الطَّعَام مفطر بالْكلَام دائب على الْقيام مؤذ للأنام فَهُوَ من لِسَانه وَفعله موزور وعَلى صِيَامه وقيامه غير مأجور
أَيْن من زاغ عَن الْهدى ودال على سَبِيل الردى بل أَيْن من رانت الذُّنُوب على قلبه وَلم يُبَادر بِالتَّوْبَةِ من ذَنبه وَلم يخف من عَذَاب ربه وَيحك يَا مِسْكين اغتنم شهر رَمَضَان المتضمن بِالرَّحْمَةِ والغفران وَانْظُر لنَفسك يَا مِسْكين قبل أَن تصل إِلَى حلقك السكين وانتبه من نومك يَا مغرور فَإِن رَبك كريم غَفُور
إِلَى أَي وَقت تعانق حوبتك
ولأي يَوْم تُؤخر توبتك إِلَى حول حَائِل أَو إِلَى عَام قَابل كلا وَالله مَا إِلَيْك الأقدار وَلَا بِيَدِك الْمِقْدَار لَعَلَّك إِذا انْقَضى عَنْك شهر الصَّوْم لم يبْق من عمرك إِلَّا يَوْم يَا هَذَا إِذا أَنْت صمت فلتصم جوارحك كلهَا بَطْنك من الْحَرَام وَلِسَانك من قبح الْكَلَام وبصرك ويدك وسمعك من الإجرام واكتساب الآثام
стр. 219
٣٦٣ - كف الْجَوَارِح عَن الشرور
عباد الله يَنْبَغِي لمن أصبح صَائِما أَن يَقُول لِلِسَانِهِ إِنَّك الْيَوْم صَائِم من الْكَذِب والنميمة وَقَول الزُّور وَالْبَاطِل والغيبة ولعينيه إنَّكُمَا الْيَوْم صائمتان عَن النّظر إِلَى مَا لَا يحل لَكمَا وللأذنين إنَّكُمَا الْيَوْم صائمتان من الِاسْتِمَاع إِلَى مَا يكره رَبكُمَا ولليدين إنَّكُمَا الْيَوْم صائمتان من الْبَطْش فِيمَا حرم عَلَيْكُمَا من الْغِشّ فِي البيع وَالشِّرَاء وَالْأَخْذ وَالعطَاء وللبطن إِنَّك الْيَوْم صَائِمَة عَن الْمطعم فانظري على مَاذَا تفطري وتجنبي الْمطعم الْخَبيث الَّذِي تدعين إِلَيْهِ فَإِن الله طيب وَلَا يقبل إِلَّا الطّيب وللقدمين إنَّكُمَا الْيَوْم صائمتان من السَّعْي إِلَى مَا يكْتب عَلَيْكُمَا وزره وَيبقى قبلكما تباعته وإثمه
وَمن وقف لهَذَا وصبر عَلَيْهِ فقد أوفى بِعَهْد نبيه ﷺ
ومخاطبة ابْن آدم لجوارحه بِمَا تقدم وَصفه يجب على العَبْد اسْتِعْمَاله أَيَّام صَوْمه وَغَيرهَا مَا دَامَ حَيا وَهَكَذَا كلما أصبح صباح أَو أقبل مسَاء وفقنا الله وَإِيَّاكُم لاستعمال ذَلِك وَأَمْثَاله بتوبة صَادِقَة مخلصة عاجلة بكرمه
فَالله الله عباد الله امتثلوا فِي هَذَا الشَّهْر المكرم وَفِي غَيره لأوامر الله تَعَالَى وانتهوا عَن نواهيه
٣٦٤ - أصل رَمَضَان فِي اللُّغَة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿شهر رَمَضَان الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن هدى للنَّاس وبينات من الْهدى وَالْفرْقَان﴾ الْبَقَرَة ١٨٥ فَمَا جعله هدى فَلَا يكون ضَلَالَة وَمَا جعله بَيَانا فَلَا يكون جَهَالَة وَمَا ضعف فِيهِ الْأجر فَلَا تجعلوه بطالة
شهر رَمَضَان قيل سمي شهر رَمَضَان لشدَّة الْحر فِيهِ وَقيل أَخذ من حرارة الْحِجَارَة لما يَأْخُذ الْقُلُوب من حرارة الموعظة والفكرة وَالِاعْتِبَار بِأَمْر الْآخِرَة
قَالَ الْخَلِيل الرمضاء الْحِجَارَة الحارة ورمض الْإِنْسَان إِذا مَشى على الرمضاء فَسُمي رَمَضَان بذلك لِأَنَّهُ يرمض الذُّنُوب أَي يحرقها وَقيل سمي بذلك لِأَنَّهُ شهر يغسل الْأَبدَان غسلا ويطهر الْقُلُوب تَطْهِيرا
وَهُوَ مَأْخُوذ من الرمض وَهُوَ مطر يَأْتِي قبل الخريف
وَقيل رمض ورفض بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ من الْحُرُوف المتعاقبة يرفض قوما إِلَى مَحل الْقرْبَة والزلفى ويرفض آخَرين إِلَى مَحل الْبعد والسخطة
وَقيل سمي شهرا لشهرته
وَهُوَ شهر الإيقان وَشهر الْقُرْآن وَشهر الْإِحْسَان وَشهر الرضْوَان وَشهر الغفران وَشهر إغاثة اللهفان وَشهر التَّوسعَة على الضيفان
стр. 220
وَشهر تفتح فِيهِ أَبْوَاب الْجنان ويصفد فِيهِ كل شَيْطَان وَهُوَ شهر الْأمان وَالضَّمان
شهر يُخَفف فِيهِ عَن الْمَمْلُوك
تزهر فِيهِ الْقَنَادِيل وَينزل فِيهِ بِالرَّحْمَةِ جِبْرِيل ويتلى فِيهِ التَّنْزِيل ويسمح فِيهِ للْمُسَافِر والعليل شهر رَمَضَان للعباد مثل الْحرم فِي أم الْبِلَاد الْحرم يمْنَع مِنْهُ الدَّجَّال اللعين ورمضان يصفد فِيهِ مَرَدَة الشَّيَاطِين
شهر رَمَضَان فِي الدُّنْيَا مثل الْجنان فِي العقبى سدر مخضود وطلح منضود وظل مَمْدُود ومكله خُلُود مُتَّصِل لَيْسَ يبيد وَفِي رَمَضَان بذل المجهود ورضى طلب المعبود وَحفظ الْحُدُود وَإِظْهَار الْكَرم والجود
أقبل الصَّوْم يَا مِسْكين وكلنَا مَسَاكِين وَأَنت عاكف على مَا يسْخط الْجَبَّار مصر على الآثام والأوزار عَامل بأعمال أهل النَّار متشبه بالنساك والأخيار وَأَنت فِي جملَة الْفُسَّاق والفجار وَقد أطلع على سرك وضميرك عَالم الضمائر والأسرار
وَشهر الصَّوْم شَاهد عَلَيْك وَالْمَلَائِكَة تلعنك وَالله لَا ينظر إِلَيْك وَهُوَ ﷻ بإعراضك عَن الطَّاعَة معرض عَنْك غاضب عَلَيْك فَلَا تجْعَل أَيهَا الصَّائِم شهرك هَذَا كَسَائِر الشُّهُور
وَالله سُبْحَانَهُ ينظر من عَبده إِذا لم ير أثرا لشهر رَمَضَان من ملكه لجوارحه يَقُول ﷻ هَذَا عَبدِي لَا يعرف لشهري هَذَا فضلا وَأَنا لَا أعلم الْآن لَهُ عِنْدِي فضلا
٣٦٥ - عظة بليغة
افق يَا ذَا الغي والمحال واستيقظ يَا ذَا السَّهْو والإغفال وانتبه من السكرات الطوَال
أترضى يَا مِسْكين أَن يرد صومك فِي وَجهك من غير قبُول من الله أتستحسن أَن تكون جائعا عطشان وَلَيْسَ لَك جاه عِنْد الله أَيْن النِّيَّة الْمُجَرَّدَة أَيْن التَّوْبَة المجددة أَيْن الندامة الْمُؤَكّدَة أَيْن الْحَلَال من الطَّعَام أَيْن اجْتِنَاب الطعمة الْحَرَام أَيْن حجر الأوزار والآثام أَيْن الرَّحْمَة لِذَوي الْفقر والضعفاء والأيتام أَيْن الْإِخْلَاص للْملك العلام أَيْن الْتِزَام شَرِيعَة الْإِسْلَام أَيْن الأسوة بِالنَّبِيِّ ﵊ انْظُر يَا مِسْكين إِذا قطعت نهارك بالعطش والجوع وأحييت ليلك بطول السُّجُود الرُّكُوع إِنَّك فِيمَا تظن صَائِم وَأَنت فِي جهالتك جازم وَفِي صَلَاتك دَائِم وَفِي بحار سكراتك هائم
أَيْن أَنْت من التَّوَاضُع والخشوع أَيْن أَنْت من الذلة لمولاك والخضوع أتحسب أَنَّك عِنْد الله من أهل الصّيام والأمان الفائزين فِي شهر رَمَضَان كلا وَالله حَتَّى تخلص النِّيَّة وتجردها وتطهر الطوية وتجودها
стр. 221
وتجتنب الْأَعْمَال الدنية وَلَا تردها وتكثر الْبكاء وَالْحَسْرَة وتسيل الدُّمُوع وَالْعبْرَة وَتلْزم الفكرة وَالْعبْرَة وتسأل مَوْلَاك إِقَالَة العثرة فَحِينَئِذٍ يكون صيامك لَك من الذُّنُوب شِفَاء وَمن الْعُيُوب ستْرَة وجلبابا
أَيْن الصائمون أَيْن القائمون أَيْن الطائعون أَيْن الْعَامِلُونَ أَيْن السَّابِقُونَ أَيْن الخاشعون أَيْن الذاكرون أَيْن القانتون أَيْن الصادقون أَيْن الصَّابِرُونَ أَيْن المتصدقون أَيْن الآمرون بِالْمَعْرُوفِ أَيْن المغيثون الملهوف أَيْن التهاون عَن الْمُنكر أَيْن المستشعرون للفكر أَيْن السامعون للعبر بادوا وَالله مَعَ الصَّالِحين وانقلبوا مَعَ الْمُؤمنِينَ ونزلوا مَعَ النَّبِيين وَسَكنُوا مَعَ الصديقين وَبَقينَا وَالله مَعَ الْجَاهِلين وسكنا مَعَ الْفَاسِقين وتأسينا بالغافلين واصطلحنا على مَعْصِيّة رب بالعالمين
فصيامك يَا مِسْكين فِي وَجهك مَرْدُود وَأَنت عَن رشدك مغيب مَفْقُود وَعَن صلاحك ونجاحك غير مَوْجُود وَأَنت عَن بَاب مَوْلَاك مبعد مطرود وأعمالك بِالْفِسْقِ مَوْصُولَة وجوارك للعصيان مبذولة وألفاظك فِي الْغَيْبَة مجعولة وعزيمتك للطاعة محلولة وعبادتك فِي هَذَا الشَّهْر غير مَقْبُولَة وفرائض مَوْلَاك بِالْمَعَاصِي مهمولة
وأنشدوا
(الصَّوْم جنَّة أَقوام من النَّار ... وَالصَّوْم حصن لمن يخْشَى من النَّار)
(وَالصَّوْم ستر لأهل الْخَيْر كلهم ... الْخَائِفِينَ من الأوزار والعار)
(والشهر شهر آله الْعَرْش من بِهِ ... رب رَحِيم لثقل الْوزر ستار)
(فصَام فِيهِ رجال يربحون بِهِ ... ثوابهم من عَظِيم الشَّأْن غفار)
(فَأَصْبحُوا فِي جنان الْخلد قد نزلُوا ... من بَين حور وأشجار وأنهار)
فهنيئا لمن أطَاع الْملك الرَّحْمَن فِي شهر الرَّحْمَة شهر رَمَضَان لقد فَازَ بالحور والولدان فِي دَار السَّلَام والرضوان
صَبَرُوا الْأَيَّام القليلة فأعقبهم الرَّاحَة الطَّوِيلَة وَالنعْمَة الجزيلة كلما تعودت من الْخَيْر وَمَا تعْمل فِي هَذَا الشَّهْر جوزيت إِلَى آخر الْعُمر فَإِن الْخَيْر عَادَة وَالشَّر لجاجة
أَيْن أَنْت يَا صَائِم يَا قَائِم اقبل على الْخَيْر تفوز بسرور دَائِم
تَاجر مَوْلَاك فَإنَّك تربح وعامله فَإنَّك تفلح وَاعْتذر إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يقبل عذرك وَاسْتَغْفرهُ فَإِنَّهُ يغْفر ذَنْبك وارغب إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يكْشف كربك واسأله من فَضله فَإِنَّهُ يُوسع رزقك وَتب إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يعظم حظك يَا أخي هَذَا شهر تستر فِيهِ القبائح والعيوب وتلين فِيهِ النُّفُوس والقلوب وَتغْفر فِيهِ الأوزار
стр. 222
والذنُوب وينفس الله عَن الحزين المكروب يَقُول الْمولى ﷻ لملائكته يَا ملائكتي انْظُرُوا إِلَى الألسن الْيَابِسَة كَيفَ تبتل بذكري انْظُرُوا إِلَى الأحداق الصلبة كَيفَ تَدْمَع من خوفي انْظُرُوا إِلَى الْأَقْدَام المنعمة تنصب فِي المحاريب ابْتِغَاء وَجْهي يَا أخي مَتى أطعمت فِي هَذَا الشَّهْر لله رب الأَرْض وَالسَّمَوَات رفعت إِلَى الدَّرَجَات الْعَالِيَة فِي قَرَار الجنات وحصلت مَعَ مَوْلَاك مكسيا من الْحَسَنَات عُريَانا من السَّيِّئَات
٣٦٦ - تَقْسِيم الصَّوْم والصائمين
وَالصَّوْم ثَلَاثَة صَوْم الرّوح وَهُوَ قصر الأمل وَصَوْم الْعقل وَهُوَ مُخَالفَة الْهوى
وَصَوْم الْجَوَارِح وَهُوَ الْإِمْسَاك عَن الطَّعَام وَالشرَاب وَالْجِمَاع
يَا أخي من صَامَ عَن الطَّعَام وَالشرَاب فصومه عَادَة وَمن صَامَ عَن الرِّبَا وَالْحرَام وَأفْطر على الْحَلَال من الطَّعَام فصومه عدَّة وَعبادَة وَمن صَامَ عَن الذُّنُوب والعصيان وَأفْطر على طَاعَة الرَّحْمَن فَهُوَ صَائِم رَضِي وَمن صَامَ عَن القبائح وَأفْطر على التَّوْبَة لعلام الغيوب فَهُوَ صَائِم تَقِيّ وَمن صَامَ عَن الْغَيْبَة والبهتان وَأفْطر على تِلَاوَة الْقُرْآن فَهُوَ صَائِم رشيد وَمن صَامَ عَن الْمُنكر والإغيار وَأفْطر على الفكرة وَالِاعْتِبَار فَهُوَ صَائِم سعيد وَمن صَامَ عَن الرِّيَاء والانتقاص وَأفْطر على التَّوَاضُع وَالْإِخْلَاص فَهُوَ صَائِم سَالم وَمن صَامَ على خلاف النَّفس والهوى وَأفْطر على الشُّكْر وَالرِّضَا فَهُوَ صَائِم غَانِم وَمن صَامَ عَن قَبِيح أَفعاله وَأفْطر على تَقْصِير آماله فَهُوَ صَائِم مشَاهد وَمن صَامَ عَن طول أمله وَأفْطر على تقريب أَجله فَهُوَ صَائِم زاهد
قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ الْبَقَرَة ١٨٤ يَا أخي هَذِه رَحْمَة مَوْلَاك رَضِي أَن ينقص من حَقه لِئَلَّا ينقص من نَفسك وَهَذِه غَايَة اللطف من مَوْلَاك
رخص لَك أَن تفطر الْأَيَّام الطوَال بالعذر وَرخّص لَك أَن تفطر مُتَتَابِعًا وتقضي إِن شِئْت مُتَفَرقًا ليسهل عَلَيْك وتصوم الْأَيَّام الْقصار عوضا عَن الْأَيَّام الطوَال وَهَذَا الرِّفْق
٣٦٧ - تَمْثِيل الشُّهُور كأخوة يُوسُف
قبل الشُّهُور الإثني عشر كَمثل أَوْلَاد يَعْقُوب عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم السَّلَام
وَشهر رَمَضَان بَين الشُّهُور كيوسف بَين إخْوَته فَكَمَا أَن يُوسُف أحب الْأَوْلَاد إِلَى يَعْقُوب كَذَلِك رَمَضَان أحب الشُّهُور إِلَى علام الغيوب
стр. 223
٣٦٨ - نكت فِي ذَلِك
نُكْتَة حَسَنَة لأمة مُحَمَّد ﷺ إِن كَانَ فِي يُوسُف من الْحلم وَالْعَفو مَا غمر جفاهم حِين قَالَ ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم﴾ يُوسُف ٩٢ فَذَلِك شهر رَمَضَان فِيهِ من الرأفة والبركات وَالنعْمَة والخيرات وَالْعِتْق من النَّار والغفران من الْملك القهار مَا يغلب جَمِيع الشُّهُور وَمَا اكتسبنا فِيهِ من الآثام والأوزار
نُكْتَة حَسَنَة الْإِشَارَة فِيهِ جَاءَ إخْوَة يُوسُف معتمدين عَلَيْهِ فِي سد الْخلَل وإزاحة الْعِلَل بعد أَن كَانُوا أَصْحَاب الْخَطَايَا وزلل
فَأحْسن لَهُم الْإِنْزَال وَأصْلح لَهُم الْأَحْوَال وبلغهم غَايَة الآمال وأطعمهم فِي الْجُوع وَأذن لَهُم فِي الرُّجُوع وَقَالَ لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فِي رحالهم لَعَلَّهُم يعرفونها فسد الْوَاحِد خلل أحد عشر
كَذَلِك شهر رَمَضَان وَاحِد والشهور أحد عشر وَفِي أَعمالنَا خلل وَأي خلل وتقصير وَأي تَقْصِير وتفريط فِي طَاعَة الْعَلِيم الْخَبِير
وَنحن نرجو أَن نتلافى فِي شهر رَمَضَان مَا فرطنا فِيهِ فِي سَائِر الشُّهُور ونصلح فِيهِ فَاسد الْأُمُور ويختمه علينا بالفرح وَالسُّرُور ونعتصم فِيهِ بِحَبل الْملك الغفور
إِن شَاءَ الله تَعَالَى بمنه وإحسانه وعفوه وغفرانه إِنَّه سميع بَصِير وَهُوَ نعم أولى وَنعم النصير
٣٦٩ - أَوْلَاد يَعْقُوب ورمضان
وَإِشَارَة أُخْرَى كَانَ ليعقوب أحد عشرا ولدا ذُكُورا وَبَين يَدَيْهِ حاضرين ينظر إِلَيْهِم ويراهم ويطلع على أَحْوَالهم وَمَا يبدوا من أفعالهم وَلم يرْتَد بَصَره بِشَيْء من ثِيَابهمْ وارتد بقميص يُوسُف بَصيرًا وَصَارَ بَصَره منيرا وَصَارَ قَوِيا بعد الضعْف بَصيرًا بعد الْعَمى فَكَذَلِك المذنب العَاصِي إِذا شم رَوَائِح رَمَضَان وَجلسَ فِيهِ مَعَ المذكرين وَقَرَأَ الْقُرْآن وصحبهم بِشَرْط الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَترك الْغَيْبَة وَقَول الْبُهْتَان يصير إِن شَاءَ الله مغفورا لَهُ بعد مَا كَانَ عَاصِيا وقريبا بعد مَا كَانَ قاصيا ينظر بِقَلْبِه بعد الْعَمى ويسعد بِقُرْبِهِ بعد الشقا ويقابل بِالرَّحْمَةِ بعد السخط ويرزق بِلَا مؤونة وَلَا تَعب ويوفق طول حَيَاته ويرفق بِقَبض روحه عِنْد الْوَفَاة ويفضل بالمغفرة عِنْد اللِّقَاء ويحظى فِي الْجنان بدرجات الالتقاء
فَالله الله اغتنموا هَذِه الْفَضِيلَة فِي هَذِه الْأَيَّام القليلة تعقبكم النِّعْمَة الجزيلة والدرجة الجليلة والراحة الطَّوِيلَة إِن شَاءَ الله
هَذِه وَالله الرَّاحَة الوافرة
стр. 224
والمنزلة السائرة وَالْحَالة الرضية وَالْجنَّة السّريَّة وَالنعْمَة الهنية والعيشة الرضية لَا تنَال إِلَّا بالوقار لهَذَا الشَّهْر الَّذِي عظمه الْجَبَّار وَفضل بِهِ مُحَمَّد الْمُخْتَار وَمن لَا يوقره كَانَ مصيره إِلَى النَّار
٣٧٠ - رَمَضَان فِي الْقِيَامَة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ بمنى (إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بَيْنَمَا أَنا وَاقِف عِنْد الْمِيزَان فَيُؤتى بشاب من أمتِي وَالْمَلَائِكَة يضربونه وَجها ودبرا فَيتَعَلَّق بِي وَيَقُول يَا مُحَمَّد المستغاث المستغاث بك فَأَقُول يَا مَلَائِكَة رَبِّي مَا ذَنبه فَيَقُولُونَ أدْرك شهر رَمَضَان فعصى الله فِيهِ وَلم يتب فَأَخذه الله فَجْأَة فَأَقُول هَل قَرَأت الْقُرْآن فَيَقُول تعلمته ونسيته فَأَقُول بئس الشَّاب أَنْت فَلَا هُوَ يتركني وَلَا الْمَلَائِكَة يتركونه ثمَّ أشفع لَهُ من الله تَعَالَى فَأَقُول إلهي شَاب من أمتِي فَيَقُول الله تَعَالَى إِن لَهُ خصما قَوِيا يَا أَحْمد فَأَقُول وَمن خَصمه يَا رب حَتَّى أرضيه فَيَقُول الله تَعَالَى خَصمه شهر رَمَضَان فَأَقُول أَنا بَرِيء مِمَّن خَصمه شهر رَمَضَان
وَمن يشفع لمن لم يعرف حُرْمَة رَمَضَان فَيَقُول الله تَعَالَى وَأَنا بَرِيء مِمَّن أَنْت بَرِيء مِنْهُ فَينْطَلق بِهِ إِلَى النَّار فَالله الله عباد الله لَا تهونوا شهرا أعظم الله حرمته وَأوجب حَقه وَقد فَضلكُمْ بِهِ عَن سَائِر الْأُمَم وَهُوَ هَدِيَّة من الله تَعَالَى إِلَيْكُم وكرامة تفضل بهَا عَلَيْكُم ليغفر لكم ذنوبكم وَيسْتر عَن النَّار عيوبكم ويغشيكم مِنْهُ الرَّحْمَة وَيرْفَع عَنْكُم فِيهِ النقمَة
ويفضلكم بجزيل النِّعْمَة ويشرح صدوركم بِنور الْحِكْمَة
٣٧١ - خسران العَاصِي فِي رَمَضَان
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ٠ سَمِعت جِبْرِيل يَقُول سَمِعت الله يَقُول يُؤْتى بشاب يَوْم الْقِيَامَة باكيا حَزينًا وَالْمَلَائِكَة تسوقه بمقامع من حَدِيد وَمن نَار وَهُوَ يَقُول الْأمان الْأمان ألف سنة وَلَا أَمَان لَهُ ثمَّ يساق فَيُوقف بَين يَدي الله تَعَالَى فيأمر الله مَلَائِكَة الْعَذَاب أَن تسحبه على وَجهه إِلَى النَّار قلت يَا جِبْرِيل من هُوَ قَالَ شَاب من أمتك قلت وَمَا ذَنبه قَالَ أدْرك شهر رَمَضَان فعصى الله فِيهِ وَلم يسْتَغْفر الله وَلم يتب إِلَيْهِ كي يغْفر الله فَأَخذه الله بَغْتَة فَالله الله عباد الله اسمعوا بآذانكم وتدبروا بقلوبكم فَلَعَلَّ الله يبلغكم مرغوبكم وَيغْفر الْعَظِيم من ذنوبكم
стр. 225
هَذَا شهر كريم وثوابه كريم والموقر لَهُ عِنْد الله كريم يُكرمهُ الله بجنات النَّعيم والمستخف بِحقِّهِ عِنْد الله لئيم مَأْوَاه فِي قَرَار الْجَحِيم مَعَ الشَّيْطَان الرَّجِيم
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بِشَهْر رَمَضَان وَالنَّاس فِي الْموقف فَيَقُولُونَ من هَذَا نَبِي أم رَسُول أم ملك مَا رَأينَا مثل هَذَا وَلَا مثل جماله وَحسنه فَيقوم بَين يَدي الْجَبَّار ﷻ فَيَقُول من كَانَ لَهُ قبلي حق فَليقمْ فَيَقُولُونَ من أَنْت فَيَقُول أَنا رَمَضَان قَالَ النَّبِي ﷺ فتقوم أمتِي إِلَيْهِ وَبِيَدِهِ قضبان من نور تضيء مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب فَمنهمْ من يُعْطي قَضِيبًا يضيء لَهُ مسيرَة شهر وَآخر يضيء لَهُ مسيرَة جُمُعَة وَآخر مسيرَة يَوْم وَآخر مسيرَة سَاعَة وَآخر مَوضِع قَدَمَيْهِ فَمن شَاءَ فليوقره وَمن لَا يوقره فيسام عذَابا يُصِيبهُ عِنْد الْأَنْوَار من الْحَسْرَة والندامة فيا معشر أهل رَمَضَان وقروا شهرا تنعموا فِيهِ دهرا ووقروا الْخطر الْيَسِير تجاوزا بِالْملكِ الْكَبِير ووقروا الْأَيَّام القلائل تصيروا إِلَى الْكَرَامَة والفضائل وقروا الْيَسِير من الْأَيَّام تنْظرُون إِلَى وَجه ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام
٣٧٢ - موعظة لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ
رُوِيَ أَن الْحسن الْبَصْرِيّ مر بِقوم يَضْحَكُونَ فَوقف عَلَيْهِم وَقَالَ إِن الله تَعَالَى قد جعل شهر رَمَضَان مضمارا لخلقه يَسْتَبقُونَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ فَسبق أَقوام ففازوا وتخلف أَقوام فخابوا فالعجب للضاحك اللاعب فِي الْيَوْم الَّذِي فَازَ فِيهِ المسارعون وخاب فِيهِ الباطلون أما وَالله لَو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته
فَالله الله عباد الله اجتهدوا أَن تَكُونُوا من السَّابِقين وَلَا تَكُونُوا من الخائبين فِي شهر شرفه رب الْعَالمين
فَالله الله اصرفوا ضيفكم رَمَضَان بالكرامة واحرصوا فِيهِ على طلب طَرِيق الاسْتقَامَة إِلَى أَن يقْضِي بكم إِلَى دَار الْكَرَامَة والخلد والمقامة وسرمد الْعِزّ والكرامة وينجيكم من هول يَوْم الطامة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (أحب الصَّلَاة إِلَى الله صَلَاة دَاوُد عَلَيْهِ
стр. 226
الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأحب الصّيام إِلَى الله تَعَالَى صِيَام دَاوُد ﵇ كَانَ ينَام من اللَّيْل نصفه وَيقوم ثلثه وينام سدسه وَكَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا
٣٧٣ - الصّيام بَاب الْعِبَادَة
رُوِيَ عَن كَعْب الْأَحْبَار ﵁ أَنه قَالَ لَيْسَ فِي الْعِبَادَات أفضل من الصّيام لِأَنَّهُ بَاب الْعِبَادَة
وَقد جعل الله ﵎ هَذَا الشَّهْر الْعَظِيم كَفَّارَة للذنب وَلَيْسَ فِي الذُّنُوب إِلَّا عَظِيم لأننا إِنَّمَا نعصي بهَا الرب الْعَظِيم
وَقد قَالُوا لَا تنظر إِلَى صَغِير ذَنْبك وَلَكِن انْظُر من عصيت تَابَ الله علينا حَتَّى لَا نعصيه
فَالله الله عباد الله غضوا أبصاركم فِي هَذَا الشَّهْر الْعَظِيم وَفِي غَيره عَن النّظر إِلَى الْمَحْظُورَات واحبسوا أَلْسِنَتكُم عَن أَخذ أَعْرَاض الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَأَكْثرُوا فِيهِ من الصَّدَقَة على أهل المسكنة من ذَوي الْحَاجَات وَقومُوا فِي لياليكم فِيهِ بِكَثْرَة الصَّلَوَات واسكبوا من أعينكُم واكف العبرات وَتَضَرَّعُوا إِلَى الله فِي إِقَالَة العثرات
عساه يُبدل سَيِّئَاتكُمْ بِالْحَسَنَاتِ
فَإِن قيل مَا الْحِكْمَة فِي فرض شهر رَمَضَان فَفِيهِ أَقْوَال أَحدهَا أَن الله تَعَالَى أمرنَا أَن نَصُوم فِيهِ ونجوع لِأَن الْجُوع ملاك السَّلامَة فِي بَاب الْأَدْيَان والأبدان عِنْد الْأَطِبَّاء والحكماء
وَقيل مَا مَلأ ابْن آدم وعَاء شَرّ من بَطْنه وَالْحكمَة ملك لَا يسكن إِلَّا فِي بَيت خَال
٣٧٤ - فضل الْجُوع
رُوِيَ عَن يحيى بن معَاذ ﵁ أَنه قَالَ من شبع من الطَّعَام عجز عَن الْقيام وَمن عجز عَن الْقيام افتضح بَين الخدام وَإِذا امْتَلَأت الْمعدة رقدت الْأَعْضَاء عَن الطَّاعَات وَقَعَدت الْجَوَارِح عَن الْعِبَادَات
وأنشدوا
(تجوع فَإِن الْجُوع يُورث أَهله ... عواقب خير عَمها الدَّهْر دَائِم)
(وَلَا تَكُ ذَا بطن رغيب وشهوة ... فَتُصْبِح فِي الدُّنْيَا وقلبك هائم)
وَرُوِيَ عَن ذِي النُّون الْمصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَنه قَالَ تجوع بِالنَّهَارِ وقم بالأسحار تَرَ عجبا من الْملك الْجَبَّار
وَرُوِيَ عَن يحيى بن معَاذ ﵁ أَنه قَالَ لَو كَانَ الْجُوع يُبَاع فِي
стр. 227
السُّوق لَكَانَ المريد محقوقا إِذا دخل السُّوق أَن لَا يَشْتَرِي شَيْئا غَيره وَالله تَعَالَى قد فَضلكُمْ بدين الْإِسْلَام وَمن عَلَيْكُم بِشَهْر الصّيام وَالله أعلم
وأنشدوا
(وَرَبك لَو أَبْصرت يَوْمًا تَتَابَعَت ... عزائمهم حَتَّى لقد بلغُوا الجهدا)
(لأبصرتم قد حَاربُوا النّوم وَارْتَدوا ... بأردية السهاد واستعملوا الكدا)
(وصاموا نَهَارا دَائِما ثمَّ أفطروا ... على بلغ الأقوات واستقربوا البعدا)
(أُولَئِكَ قوم حسن الله فعلهم ... وأورثهم من حسن فعلهم الخلدا)
قيل أَمرهم الْمولى ﷻ بالصيام لِأَنَّهُ لَيْسَ على أهل النَّار شَيْء أَشد من الْجُوع وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى يلقِي عَلَيْهِم حَتَّى ينسوا كل الْعَذَاب من شدَّة الْجُوع
فيستطعمون مَالك خَازِن النَّار فيأتيهم بِطَعَام الغصة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن لدينا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّة وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ المزمل ١٢ فيعبر فِي حُلُوقهمْ فَيَقُولُونَ إِنَّا كُنَّا نبتلع الْغصَص فِي الدُّنْيَا بِالْمَاءِ فيستسقون الْمهل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن يستغيثوا يغاثوا بِمَاء كَالْمهْلِ﴾ الْكَهْف ٢٩ الْآيَة
فَأمر الله تَعَالَى أمة مُحَمَّد ﷺ بصيام هَذَا الشَّهْر ليصرف عَنْهُم ذَلِك الْجُوع وَكَذَلِكَ أَمر الله تَعَالَى بصيامه سَائِر الْأُمَم فآمنت بِهِ هَذِه الْأمة وكفرت بِهِ سَائِر الْأُمَم وَهَذَا من لطف الله تَعَالَى على أمة مُحَمَّد ﷺ
وأنشدوا
(إِذا الْمَرْء لم يتْرك طَعَاما يُحِبهُ ... وَلم يعْص قلبا غاويا حَيْثُ يمما)
(قضى وطرا مِنْهُ يَسِيرا وأصبحت ... إِذا ذكرت أَمْثَاله تملأ الفما)
وَقيل فرض عَلَيْهِم صِيَام شهر رَمَضَان لِأَن الزّهْد زهدان زهد فِي الْحَلَال وزهد فِي الْحَرَام وَأَشْرَفهَا الزّهْد فِي الْحَلَال فَأَمرهمْ الله تَعَالَى بِصَوْم هَذَا الشَّهْر حَتَّى يعطيهم ثَوَاب زهد الْحَلَال وَالْحرَام
وَقيل أَرَادَ الله تَعَالَى بذلك انتباه الْأَغْنِيَاء ليعلموا حَال الْفُقَرَاء فيصوموا مَعَهم وَقيل حَتَّى يذكرُوا بِشدَّة الصَّوْم شدَّة الْقِيَامَة لِأَنَّهُ لَيْسَ على أهل الْقِيَامَة أَشد من الْجُوع وليعلموا أَنه إِذا كَانَت فِي طَاعَة الله تَعَالَى شدَّة فَإِن الْجُوع فِي النَّار أعظم شدَّة
فَالله الله عباد الله اجتهدوا فِي حفظ هَذَا الشَّهْر الْعَظِيم يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين يَوْم يفوز فِيهِ الصَّائِم ويحشر فِيهِ المتأني المتهاون الظَّالِم إِذا عرضت عَلَيْهِ الأوزار والجرائم وانتهاك المحذورات والمحارم
стр. 228
٣٧٥ - سَبَب فَرِيضَة الصّيام
فَإِن قيل لم فرض رَمَضَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَالْجَوَاب أَنه قيل إِن الْوُقُوف على الصِّرَاط ثَلَاثِينَ سنة فَإِذا صمت ثَلَاثِينَ يَوْمًا أعانك الله فِي الْموقف بالعافية والسلامة والسعادة والكرامة ثَلَاثِينَ سنة
فَالله الله جدوا واجتهدوا فِي هَذَا الشَّهْر بِلَا إفراط وخذوا لأنفسكم بِالِاحْتِيَاطِ واحذروا من الْمكْث الطَّوِيل على الصِّرَاط
٣٧٦ - رَمَضَان رَسُول من الله
قيل مثل هَذَا الشَّهْر كَمثل رَسُول أرْسلهُ سُلْطَان إِلَى قوم فَإِن أكْرمُوا شَأْنه وعظموا مَكَانَهُ وشرفوا مَنْزِلَته وَعرفُوا فضيلته رَجَعَ الرَّسُول إِلَى السلطات شاكرا لأفعالهم مادحا لأحوالهم رَاضِيا لأعمالهم فيحبهم السُّلْطَان على ذَلِك فَيحسن إِلَيْهِم كل الْإِحْسَان
وَإِن استخفوا برعايته وهونوا لعنايته وَلم ينزلوه مَنْزِلَته من الْإِكْرَام وفعلوا بِهِ فعل اللئام فَيرجع الرَّسُول إِلَى السُّلْطَان وَقد غضب عَلَيْهِم من قَبِيح أفعالهم وسيء أَعْمَالهم فيغضب السُّلْطَان لغضبه
كَذَلِك يغْضب الله على من استخف بِحرْمَة شهر رَمَضَان
فيا أَيهَا الْإِنْسَان هَذَا شهر رَمَضَان شهر التَّوْبَة والغفران وَهُوَ رَسُول من عِنْد الْملك الديَّان فَمن أكْرمه مِنْكُم حَقِيقَة الْإِكْرَام وَحفظ فِيهِ لِسَانه من قَبِيح الْكَلَام وبطنه من أكل الرِّبَا وَالْحرَام وأموال الأرامل والأيتام غفر لَهُ الْملك العلام وَأدْخلهُ الْجنَّة مَعَ مُحَمَّد ﵊
٣٧٧ - أَحَادِيث فِي فضل الصّيام
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (مَا من مُؤمن يصبح صَائِما إِلَّا فتحت لَهُ الْجنَّة واستغفر لَهُ أهل السَّمَاء الدُّنْيَا حَتَّى يتَوَارَى بالحجاب فَإِن صلى رَكْعَتَيْنِ تَطَوّعا أَضَاءَت لَهُ السَّمَوَات نورا وَإِن سبح وَهَلل تَلقاهُ سَبْعُونَ ألف ملك يَكْتُبُونَ تسبيحه إِلَى أَن يتَوَارَى بالحجاب)
فَالله الله عباد الله يَا أهل الذُّنُوب يَا أهل الْمعاصِي والعيوب يَا من عصى مَوْلَاهُ علام الغيوب اعْمَلُوا فِي بَقِيَّة شهركم ليَوْم وفاتكم وفقركم إِذا وقفتم بَين يَدي ربكُم
روى أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول إِذا دخل شهر رَمَضَان (إِن الله فرض عَلَيْكُم
стр. 229
شهر رَمَضَان وسننت لكم قِيَامه فَمن صَامَهُ وأقامه إِيمَانًا واحتسابا خرج من الذُّنُوب كَيَوْم وَلدته أمه) وَقَالَ فِي حَدِيث آخر وَمن صَامَهُ وأقامه إِيمَانًا واحتسابا وَجَبت لَهُ الْجنَّة فَالله الله ارغبوا فِيمَا رغبكم فِيهِ نَبِيكُم وَمَا عرفكم بِهِ من ثَوَاب ربكُم وَرَحمته عَسى أَن يغْفر لكم ربكُم ويتقبل مِنْكُم سعيكم
وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول إِذا دخل رَمَضَان مرْحَبًا بالمطهر قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا المطهر قَالَ مطهر من الذُّنُوب والخطايا اللَّهُمَّ اكْتُبْ لنا فِيهِ برَاء من النَّار وَشَرِيعَة من الْإِيمَان
فَالله الله تطهروا من ذنوبكم للحلول فِي جوَار ربكُم واحفظوا العهود فِي صِيَام شهركم فأدوا زَكَاة فطركم
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من صَامَ رَمَضَان وَلم يؤد زَكَاة الْفطر كَانَ صِيَامه مُعَلّقا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى يُؤَدِّيهَا فَالله الله عباد الله اتبعُوا مَا أَمركُم بِهِ النَّبِي الرَّسُول وَأَطيعُوا رَبًّا لَا يحول وَلَا يَزُول وَلَا تغيره الْأَيَّام وَلَا الدهور لَا إِلَه إِلَّا الله هُوَ الْعَزِيز الغفور
стр. 230
١٤ - مجْلِس فِي تَحْرِيم الْخمر وَمَا جَاءَ فِيهَا
٣٧٨ - قَالَ عبد الْملك بن حبيب ﵀ ذكر الله الْخمر فِي كِتَابه فِي ثَلَاث آيَات فذمها فِي الإثنتين وحرمها فِي الثَّالِثَة
فالإثنتان الأولتان منسوختان وَالثَّالِثَة الناسخة وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَت تشرب فِي أول الْإِسْلَام حَتَّى نزل تَحْرِيمهَا بِالْمَدِينَةِ وَبعد الْهِجْرَة فالناسخة قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ الْمَائِدَة ٩٠ فَهَذَا تَحْرِيم وَكَذَلِكَ نهى الله فِي كِتَابه كُله تَحْرِيم فِي كل مَا نهى عَنهُ كَمَا كل مَا أَمر بِهِ فرض مفترض أَلا ترى أَنه قرن تَحْرِيم الْخمر بالأنصاب وَهِي الْأَصْنَام الَّتِي كَانَت تعبد من دون الله وَقد قَالَ تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ الْحَج ٣٠ فقد قرن فِي نَهْيه بَين الْخمر والأصنام الَّتِي كَانَت تعبد من دون الله تَعَالَى فَلَمَّا نزل تَحْرِيمهَا بعث رَسُول الله ﷺ مُنَاد يُنَادي فِي الْمَدِينَة أَلا إِن الله قد أنزل تَحْرِيم الْخمر إِن الله وَرَسُوله يحرمان الْخمر
فَقَالَ بَعضهم وهم يشربونها صه صه حِين سمعُوا الْمُنَادِي
يَقُول اسْكُتُوا حَتَّى تسمعوا مَا يَقُول هَذَا الْمُنَادِي فَلَمَّا تبينوا مِنْهُ قَوْله قَالُوا سمعنَا وأطعنا غفرانك رَبنَا وَإِلَيْك الْمصير
فكفوا عَنْهَا وأهريقوا مَا بَقِي عِنْدهم مِنْهَا ثمَّ ندموا على مَا شربوا مِنْهَا وتخوفوا أَن يكون الله قد سخط عَلَيْهِم فَأنْزل الله سُبْحَانَهُ ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا إِذا مَا اتَّقوا وآمنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ الْمَائِدَة ٩٣
٣٧٩ - تَحْرِيم الْخمر
اعلموا أَن أول مَا عَابَ الله ﵎ الْخمر فِي سُورَة النَّحْل فِي قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَمن ثَمَرَات النخيل وَالْأَعْنَاب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا وَرِزْقًا حسنا﴾
стр. 231
النَّحْل ٦٧ قَالَ الشَّيْخ وَهَذَا ظَاهره تعداد النِّعْمَة وباطنه تعيير وتقريع وتوبيخ يَقُول الله تَعَالَى رزقتكم ثَمَرَات النخيل وَالْأَعْنَاب فاتخذتم مِنْهُ السكر وعدلتم عَن الرزق الْحسن
فالمفهوم من هَذَا القَوْل أَن الله تبَارك اسْمه عرفكم بمنه ونعمه عَلَيْكُم ووبخكم بتغييركم لنعمه فَكَأَنَّهُ ﵎ قَالَ ﴿وَمن ثَمَرَات النخيل وَالْأَعْنَاب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا وَرِزْقًا حسنا﴾ النَّحْل ٦٧ فَالْمَعْنى تَتَّخِذُونَ من الرزق الْحسن سكرا وبدلتم الطّيب بالخبيث وَهَذِه غَايَة الْكفْر بنعم الله تَعَالَى أَن تسْتَعْمل فِي معاصي الله تَعَالَى فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة وَقد أعاب الله تَعَالَى فِي الْخمر ثمَّ امْتنع نَاس من شربهَا وَبَقِي على شربهَا الْأَكْثَرُونَ حَتَّى هَاجر رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة
٣٨٠ - حَمْزَة عَم النَّبِي وَالْخمر
فَخرج حَمْزَة بن عبد الْمطلب ﵁ وَقد شرب الْخمر حَتَّى سكر مِنْهَا فَلَقِيَهُ رجل من الْأَنْصَار وَبِيَدِهِ نَاضِح لَهُ والأنصاري يتَمَثَّل ببيتين من شعر لكعب بن مَالك فِي مدح قومه وَذكر مفاخرهم وهما
(جَمعنَا مَعَ الإيواء نصرا وهجرة ... فَلم يرج حَيّ مثلنَا فِي المعاشر)
(فأحياؤنا من خير أَحيَاء من مضى ... وأمواتنا من خير أهل الْمَقَابِر)
٣٨١ - حَمْزَة والأنصاري
فَقَالَ حَمْزَة ﵁ أُولَئِكَ الْمُهَاجِرُونَ فَقَالَ الْأنْصَارِيّ بل نَحن الْأَنْصَار فتنازعا فَجرد حَمْزَة سَيْفه وَعدا على الْأنْصَارِيّ فَلم يُمكن الْأنْصَارِيّ أَن يقوم بِهِ فَانْهَزَمَ وَترك نَاضِحَهُ فقصد حَمْزَة إِلَى الناضح فَضَربهُ بِالسَّيْفِ فَقَطعه وَمضى الْأنْصَارِيّ مستعديا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ بِخَبَر حَمْزَة وفعاله بالناضح فَأعْطى النَّبِي ﷺ الْأنْصَارِيّ ناضحا
٣٨٢ - عمر بن الْخطاب وَالْخمر
فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ أما ترى مَا نلقى من أَمر الْخمر يَا رَسُول الله إِنَّهَا مذهبَة لِلْعَقْلِ متلفة لِلْمَالِ فَأنْزل الله تَعَالَى بِالْمَدِينَةِ ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قل فيهمَا إِثْم كَبِير﴾ الْبَقَرَة ٢١٩ وَقُرِئَ كثير والمعنيان متقاربنا ﴿وَمَنَافع للنَّاس﴾ الْبَقَرَة ٢١٩ وعَلى هَذَا مُعَارضَة لقَائِل أَن يَقُول أَيْن
стр. 232
الْمَنْفَعَة وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن الله لم يَجْعَل شِفَاء أمتِي فِيمَا حرم عَلَيْهَا) فَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَنهم كَانُوا يتبايعونها من الشَّام بِالثّمن الْيَسِير ويبيعونها بالحجاز بِالثّمن الْكثير وَكَانَت الْمَنَافِع الَّتِي فِيهَا من الأرباح
وَكَذَلِكَ قَالَ الله ﴿قل فيهمَا إِثْم كَبِير﴾ الْبَقَرَة ٢١٩ فَانْتهى عَن شربهَا قوم وَبَقِي قوم على شربهَا حَتَّى دَعَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ قوما فأطعمهم وسقاهم الْخمر حَتَّى سَكِرُوا فَلَمَّا حضر وَقت الصَّلَاة قدمُوا رجلا مِنْهُم يُصَلِّي بهم
٣٨٣ - ابْن أبي جَعونَة وَالْخمر
وَكَانَ أَكْثَرهم قُرْآنًا رجل يُقَال لَهُ أَبُو بكر بن أبي جَعونَة وَكَانَ حَلِيف الْأَنْصَار فَقَرَأَ فَتْحة الْكتاب وَقل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ فَمن أجل سكره خلط فَقَرَأَ قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ أعبد مَا تَعْبدُونَ وخلط أول السُّورَة بخاتمتها حَتَّى ختم السُّورَة على ذَلِك فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فشق عَلَيْهِ ذَلِك
فَأنْزل الله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ﴾ النِّسَاء ٤٣ فَكَانُوا يشربونها بعد صَلَاة الْعشَاء الْآخِرَة ثمَّ ينامون ثمَّ يقومُونَ عِنْد صَلَاة الْفجْر فيصحون مِنْهَا ثمَّ يشربونها بعد صَلَاة الصُّبْح فيصحون مِنْهَا عِنْد صَلَاة الظّهْر ثمَّ لَا يشربون بعد ذَلِك حَتَّى يصلونَ الْعشَاء الْآخِرَة
٣٨٤ - سعد بن أبي وَقاص وَالْخمر
حَتَّى دَعَا سعد بن أبي وَقاص الزُّهْرِيّ رجلا لوليمة عَملهَا على رَأس جزور فَدَعَا أُنَاسًا من الْمُهَاجِرين فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا الْخمر حَتَّى سَكِرُوا مِنْهَا فافتخروا فَعمد رجل من الْأَنْصَار إِلَى أحد لحيى الْجَزُور فَضرب بِهِ أنف سعد ففزه فجَاء مستعديا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ الْمَائِدَة ٩٠ الْآيَة فَاخْتلف الْعلمَاء من أهل التَّفْسِير فِي مَوضِع التَّحْرِيم هَل وَقع فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ الْمَائِدَة ٩١ أَو فِي غير هَذَا الْموضع
وَقَالَ قوم من الْمُفَسّرين إِن التَّحْرِيم وَقع فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْتَنبُوهُ﴾ الْمَائِدَة ٩٠ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم بل وَقع فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ الْمَائِدَة ٩١ وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بقوله تَعَالَى فِي سُورَة الْفرْقَان فِي قَوْله تَعَالَى (أَتَصْبِرُونَ) الْفرْقَان ٢ وَالْمعْنَى اصْبِرُوا وَكَذَلِكَ فِي الشُّعَرَاء ﴿قوم فِرْعَوْن أَلا يَتَّقُونَ﴾
стр. 233
الشُّعَرَاء ١١ وَالْمعْنَى اتَّقوا
وَكَذَلِكَ فِي سُورَة يُوسُف ﷺ وعَلى نَبينَا مُحَمَّد وَسلم قَوْله ﴿تزرعون سبع سِنِين دأبا﴾ يُوسُف ٤٧ وَالْمعْنَى ازرعوا
وَفِي سُورَة الْوَاقِعَة قَوْله ﴿فلولا إِن كُنْتُم غير مدينين ترجعونها﴾ الْوَاقِعَة ٨٩ يَعْنِي الرّوح وَالْمعْنَى ارجعوها وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الْخمر ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ الْمَائِدَة ٩١ وَالْمعْنَى انْتَهوا فَقَالُوا عِنْد ذَلِك انتهينا انتهينا يَا رَسُول الله وَهَذِه من الْأَخْبَار الَّتِي مَعْنَاهَا الْأَمر
وَقَالَ بعض أهل الْعلم إِن تَحْرِيم الْخمر فِي الْآيَة الَّتِي فِي الْأَعْرَاف قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم﴾ الْأَعْرَاف ٣٣ وَالْإِثْم هِيَ الْخمر قَالَ الشَّاعِر
(شربت الْإِثْم حَتَّى ضل عَقْلِي ... كَذَاك الْإِثْم يذهب بالعقول)
وَقَالَ آخر
(نشرب الْإِثْم بالكؤوس جهارا ... نَتْرُك الهتك بَيْننَا مستعارا)
والهتك الأترج
فَهَذِهِ جمل تَحْرِيم الْخمر وانتقاله فِي مواطنه وَأما تَحْرِيمهَا فِي الْأَنْعَام فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا أَو لحم خِنْزِير﴾ الْأَنْعَام ١٤٥ فَإِنَّهُ رِجْس وَالدَّم رِجْس وَالْميتَة رِجْس وَالْخمر بل الْخمر أَكثر رجسا بل الْميتَة أحلّت للْمُضْطَر وَلم تحل الْخمر لأحد وَالْخمر مَا خامر الْعقل فغطاه وَإِذا غَابَ الْعقل حضر الْجَهْل وَإِذا حضر الْجَهْل كفر العَبْد وَلَا يُبَالِي
وَأما قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ الْحَشْر ٧
٣٨٥ - أَحَادِيث فِي تَحْرِيم الْخمر
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كل مُسكر حرَام وَمَا أسكر كَثِيره من جَمِيع الْأَشْرِبَة فقليله حرَام
وَفِي حَدِيث آخر قَالَ ﷺ كل شراب أسكر فَهُوَ حرَام وَاعْلَمُوا أَن أمكن مَا يكون الشَّيْطَان من العَبْد إِذا شرب الْمُسكر فَإِذا تمكن الشَّيْطَان من العَبْد أمره بالْكفْر وصده عَن الْإِيمَان وَعَن طَاعَة الرَّحْمَن وأغلق فِي وَجهه أَبْوَاب الْخَيْر كُله
وأنشدوا
(الْخمر دَاعِيَة إِلَى الْعِصْيَان ... وَالْخمر قائدة إِلَى النيرَان)
стр. 234
(وَالْخمر شاربها يصد عَن الْهدى ... ويبدل الطَّاعَات بالعصيان)
(وَالْخمر شاربها حَلِيف ضَلَالَة ... ويبدل الْإِيمَان بالكفران)
(شرب المدامة للإله عَدَاوَة ... ومحبة للمارد الشَّيْطَان)
(فبادروا التَّوْبَة يَا أهل الزِّنَا ... وتقربوا للْوَاحِد الديَّان)
(وتباعدوا عَن شرب مِفْتَاح الردى ... ومغالف الْخيرَات فِي الْإِيمَان)
(فَهِيَ الْمُحرمَة الَّتِي تَحْرِيمهَا ... فِي مُحكم الْآيَات وَالْقُرْآن)
رُوِيَ عَن رَسُول الله أَنه قَالَ (الْخمر جماع الْإِثْم) وَهَذَا الحَدِيث يخرج مِنْهُ قَول النَّبِي ﷺ لَيْسَ بَين العَبْد وَالْكفْر إِلَّا ترك الصَّلَاة) وشارب الْخمر لَا يقبل مِنْهُ صَلَاة فَإِذا لم يقبل الله مِنْهُ حَسَنَة وَاحِدَة وَاجْتمعت عَلَيْهِ الآثام فَهِيَ جَامِعَة للآثام قائدة إِلَى الْحَرَام قَاطِعَة عَن طَاعَة الْملك العلام
٣٨٦ - الْخمر شَرّ كُله
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (الْخمر مِفْتَاح كل شَرّ وَأَن خطيئتها تعلو كل الْخَطَايَا كَمَا أَن شجرتها تعلو كل الشّجر) فَهُنَا قد قَالَ رَسُول الله ﷺ (الْخمر مِفْتَاح كل شَرّ) وَمَا كَانَ مفتاحا للشر كُله كَانَ مغلاقا للخير كُله
فَإِذا شربتم القهوات وعصيتم رب الْأَرْضين وَالسَّمَوَات وانغلقت عَنْكُم أَبْوَاب الْخيرَات وانفتحت لكم أَبْوَاب الْمُنْكَرَات وحلت بكم عظائم المصيبات وَغَضب عَلَيْكُم رب الأرباب وَسيد السادات عاقبكم بأشد الْعُقُوبَات فِي دَار المصائب والحسرات وَمحل الْعَذَاب والبليات
وأنشدوا
(أهل الْخُمُور من الرَّحْمَن قد بعدوا ... وَفِي الْعَذَاب على الخسران قد وردوا)
(بشربهم من إِلَه الْعَرْش قد بعدوا ... وَفِي الصُّدُور مَعَ الشَّيْطَان قد قعدوا)
(دع المدامة لَا تسلك طريقتها ... فأهلها لنعيم الرب قد جَحَدُوا)
(وَقد تواعدهم رب السَّمَاء على ... شرب الْخُمُور بِنَار جمرها يقد)
(غَدا ترى أهل شرب الْخمر كلهم ... بدار ويل على النيرَان قد وردوا)
٣٨٧ - قَول ابْن عَبَّاس فِي السَّكْرَان
رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه قَالَ من بَات سكرانا بَات للشَّيْطَان عروسا وللعروس حبيبا فَإِذا كنت بيب الشَّيْطَان فَأَنت عَدو الرَّحْمَن وَإِذا كنت
стр. 235
عَدو الرَّحْمَن فَأَنت من أهل الهوان وَفِي سموم النيرَان
عباد الله مولاكم قد أَمركُم بأَمْره ونهاكم بنهيه وَمن عَلَيْكُم برفقه ووسع عَلَيْكُم من سَعَة رزقه
وجعلكم من خير الْأُمَم وأسبل عَلَيْكُم جزيل النعم فَلَا تستعينوا بنعمه على مَعَاصيه فَإِنَّهُ ذُو انتقام وَعَذَاب وَرَحْمَة وثواب فأطيعوا مولاكم فِي جَمِيع الْأُمُور وَلَا تهتكوا أستاركم بِشرب الْخُمُور وَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور
وأنشدوا
(يَا شَارِب الْخمر ترجو أَن تنَال بِهِ ... عَفْو الْإِلَه وَأَنت الْيَوْم مطرود)
(وَأَنت تشرب طول الدَّهْر منهمكا ... وَأَنت عَن طَاعَة الرَّحْمَن مَفْقُود)
شربتم الْخُمُور وعصيتم الرب الغفور وهتكتم الستور وركبتم الْفَوَاحِش والفجور وتهاونتم بصعاب الْأُمُور وَلم تَفَكَّرُوا فِي الْعرض والنشور وَالْوُقُوف بَين يَدي من يعلم مَا تخفي الصُّدُور
٣٨٨ - ثمن الْخمر خسارة
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار مَا من عبد أنْفق درهما فِي الْخمر إِلَّا محق الله ﵎ من رزقه سبعين درهما وَجعل الله كل دِرْهَم يُنْفِقهُ فِي الْخمر سلسلة فِي عُنُقه من نَار جَهَنَّم وَجعله تعبانا يَأْكُلهُ فِي قَبره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَإِذا خرج من قَبره خرج مَعَه الثعبان فَلَا يُفَارِقهُ حَتَّى يلقيه فِي نَار جَهَنَّم وَأعظم من هَذَا أَن شَارِب الْخمر لَا يكْتب لَهُ صَاحب الْيَمين حَسَنَة وَاحِدَة وَلَا ينظر الله إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يكْتب لَهُ صَاحب الشمَال لِأَن رَأس الْعِبَادَات هِيَ الصَّلَاة وَلَا يقبل من أحد حَسَنَة حَتَّى تقبل صلَاته وَصَاحب الْخمر لَا تقبل صلَاته فَإِذا تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ ومحا الله من صَحِيفَته كل ذَنْب عمله فِي حَال شربه وَكتب لَهُ بِكُل حَسَنَة عَملهَا وَلم تقبل مِنْهُ يثبتها الله تَعَالَى وَإِذا مَاتَ من سَاعَته مَاتَ وَلَا ذَنْب عَلَيْهِ وَيكون أفضل مِمَّن لم يشْربهَا فِي الدُّنْيَا وأنشدوا
(لَا تشرب الْخمر يَا مغرور إِن لَهَا ... وزرا عَظِيما لَدَى الرَّحْمَن فِي الْحَشْر)
(الْخمر تبعد عَن حق الْإِلَه وَعَن ... شرع االرسول الَّذِي فِي مُحكم الذّكر)
(إِن الَّذِي قطع الْأَيَّام يشْربهَا ... لَهُ عَذَاب شَدِيد كاشف السّتْر)
رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ أعَار عليا بَعِيرَيْنِ ليَأْتِي عَلَيْهِمَا بأذخر يَسْتَعِين بِهِ على زفاف
стр. 236
فَاطِمَة ﵂ فَجَاز بهما عَليّ ﵁ فأناخهما عِنْد بَاب حَمْزَة بن عبد الْمطلب ﵁ واستأجر يَهُودِيّا ليخرج مَعَه وَيَأْتِي بالأذخر وَكَانَ حَمْزَة يشرب وغنت الْمُغنيَة غناء تذكر فِي أكباد الْإِبِل فَخرج حَمْزَة فَوجدَ البعيرين على بَابه فنحرهما وَدخل بأكبادهما فجَاء عَليّ رَضِي االله عَنهُ فَوجدَ البعيرين نحيرين فَمضى إِلَى النَّبِي ﷺ فَشَكا إِلَيْهِ فجَاء مَعَه صلوَات الله عَلَيْهِ فَلَمَّا رأى حَمْزَة النَّبِي ﷺ
٣٨٩ - كَيفَ سكر حَمْزَة
وَكَانَ حَمْزَة ﵁ قد أخذت فِيهِ الْخمر قَالَ ألستم عَبِيدِي فَتَأَخر رَسُول الله ﷺ وَقَالَ لست بِعَبْد لأَبِيك فَقَالَ عمر ﵁ اللَّهُمَّ إِن الْخمر مفْسدَة لِلْعَقْلِ مذهبَة لِلْمَالِ فَأنْزل اللَّهُمَّ لنا فِي الْخمر بَيَانا فَأنْزل الله سُبْحَانَهُ ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس﴾ الْبَقَرَة ٢١٩ إِثْم أَي فِي تنَاولهَا وَمَنَافع للنَّاس فِي ترك تنَاولهَا فَإِذا تَركهَا عبد من عباد الله غفر الله لَهُ مَا قد سلف
٣٩٠ - قِرَاءَة السَّكْرَان
فَقَالَ قوم نشربها لما فِيهَا من الْمَنْفَعَة فحانت وَقت الصَّلَاة فَقدم رجل سَكرَان فصلى بِأَصْحَابِهِ فَقَرَأَ يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ أعبد مَا تَعْبدُونَ وَختم السُّورَة على هَذَا فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فشق عَلَيْهِ فَقَالَ عمر ﵁ اللَّهُمَّ أنزل علينا بَيَانا فِي الْخمر فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ﴾ النِّسَاء ٤٣ فَكَانُوا يشربونها فِي غير وَقت الصَّلَاة حَتَّى كَانَ من أَمر سعد بن أبي وَقاص مَا كَانَ مَعَ الْأنْصَارِيّ وَقد تقدم ذكره فَقَالَ عمر ﵁ اللَّهُمَّ أنزل علينا فِي الْخمر بَيَانا فَأنْزل الله عزل وَجل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان﴾ الْمَائِدَة ٩٠ إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ إِلَى قَوْله ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ الْمَائِدَة ٩١ فَقَالُوا بأجمعهم انتهينا يَا رَسُول الله انتهينا فَعِنْدَ ذَلِك بعث النَّبِي ﷺ مناديا يُنَادي فِي الْمَدِينَة أَلا إِن الْخمر قد حرمت
قَالَ أنس بن مَالك فَسمِعت النداء وَأَنا أَسْقِي طَلْحَة فِي رَهْط من الْأَنْصَار الفضيخ والبسر وَالرّطب فوَاللَّه مَا انتظروا حَتَّى قَالُوا يَا
стр. 237
أنس أخرجهَا عَنَّا فأهريقت فِي الْحِين فَانْتَهوا
فَإِذا فعل هَذَا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَبَادرُوا إِلَى التَّوْبَة وأطاعوا مَوْلَاهُم ونبيهم ﷺ فمالكم لَا تتأسوا بأفعالهم وتقتدوا بأعمالهم وتقفوا آثَارهم وتسمعوا أخبارهم وتتركوا الْخمر لوجه الله الْكَرِيم فعساه يَجْعَل الْجنَّة مأواكم وَيكرم الْآخِرَة مثواكم فراقبوه فَإِنَّهُ يراكم وَيعلم سركم ونجواكم وَالله أعلم
وأنشدوا
(لَا يشرب الْخمر إِلَّا فَاجر بطر ... قد خَالف الله وَالْقُرْآن والرسلا)
(بئس الشَّرَاب وَبئسَ الشاربون لَهَا ... لَا يسلكونه إِلَى دنياهم سبلا)
(هِيَ الدَّلِيل إِلَى دَار الْجَحِيم غَدا ... بئس الدَّلِيل وَلَا يُرْجَى لَهُم حولا ٩
(إِلَّا يَتُوب عَسى الرَّحْمَن يقبله ... فتب من الذَّنب لَا تيأس وَإِن ثقلا)
٣٩١ - من مَاتَ يدمن الْخمر
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من مَاتَ وَهُوَ يشرب الْخمر لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة) وَهِي وَالله من ألذ نعيم الْجنَّة كَمَا قَالَ ﵎ ﴿وأنهار من خمر لَذَّة للشاربين﴾ مُحَمَّد ١٥ يَا عَدو نَفسه يَا مِسْكين حرمت نَفسك اللَّذَّات وَفِي قَرَار الجنات وعصيت رب الْأَرْضين وَالسَّمَاوَات بشربك القهوات الْمُحرمَات فِي مُحكم الْآيَات وَلم تستح من عَالم السرائر والخفيات وأنشدوا
(أكثرت الْخمر من عيوبي ... وَزَاد حزني مَعَ الكروب)
(جلّ مصابي وضاق ذرعي ... واسود قلبِي من الذُّنُوب)
(يَا لَيْتَني تبت بِاجْتِهَاد ... لعالم الْجَهْر والغيوب)
(الْخمر مِفْتَاح كل شَرّ ... لكل عَاص لَهَا شروب)
٣٩٢ - عَذَاب شَارِب الْخمر
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (بَعَثَنِي الله تَعَالَى رَحْمَة وَهدى للْعَالمين وَأقسم رَبنَا بعزته وجلاله لَا يشرب عبد من عبيده جرعة خمر إِلَّا سقيته مَكَانهَا من حميم جَهَنَّم معذبا أَو مغفورا لَهُ وَلَا يَدعهَا عبد من مخافتي إِلَّا سقيته إِيَّاهَا من حَظِيرَة
стр. 238
الفردوس فيا معشر الْإِسْلَام أطِيعُوا مولاكم الْملك العلام وَلَا تخالفوا الْقُرْآن وَالْأَحْكَام واقبلوا نصيحة نَبِيكُم مُحَمَّد ﵊ يدخلكم ربكُم برحمته دَار السَّلَام وأنشدوا
(إِلَى الله أَشْكُو ضيق صَدْرِي من الضّر ... وَعظم خَطَايَا كالجبال وكالقطر)
(لَعَلَّ إلهي أَن يجود بعفوه ... وينقذ عبدا عَام فِي غمرة السكر)
(ظلمُوا غشوما لَا يُفَارق محرما ... لَا يستفيق الدَّهْر من فتْنَة الْخمر)
(فيا طول حزني ثمَّ يَا طول حسرتي ... لَئِن لم يجد لي عَالم السِّرّ والجهر)
٣٩٣ - شَارِب الْخمر فِي الْقِيَامَة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِن شَارِب الْخمر يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول الله لملائكته خذوه فيبتدرون لَهُ سَبْعُونَ ألف ملك فيسحبونه على وَجهه فتستقبله الْمَلَائِكَة مَعهَا السلَاسِل فيضربون وَجهه فَيفتح فَاه فَيلقى فِيهِ طَعَام مثل رُؤُوس الشَّيَاطِين وَلَا يكَاد يسيغه فَيخرج الدُّود مِنْهُ فيتلعق بِلِسَانِهِ ثمَّ يَقع فِي بَطْنه فَهِيَ تجْرِي فِيهِ مثل الوحوش فِي الْبَريَّة) أَيهَا المصرون على الجراع والآثام المسرفون فِي شراب الْمُسكر الْحَرَام أفنيتم أعماركم فِي الْكَذِب والزور وضيعتم أيامكم فِي الْجَهْل والغرور وقطعتم أوقاتكم فِي الْفسق والفجور واستعننتم على مَعْصِيّة الله بِشرب الْخُمُور أما علمْتُم أَن الْخمر متلفة لِلْمَالِ مذهبَة للبهاء وَالْجمال عَاقبَتهَا إِلَى وبال ويؤول شاربها إِلَى شَرّ مآل الْخمر أَولهَا لَهو ومزاح وَآخِرهَا بكاء ونياح امْرَأَة شَارِب الْخمر فِي كل وَقت مُطلقَة وثيابه فِي كل حِين ممزقة
شَارِب الْخمر خَلِيل الشَّيْطَان شَارِب الْخمر عَدو الرَّحْمَن شَارِب الْخمر بعيد من الْإِيمَان شَارِب الْخمر قريب من الضلال والخسران شَارِب الْخمر فِي بحار السخط عائم شَارِب الْخمر على عَذَاب النَّار حائم شَارِب الْخمر مُخَالف للتنزيل شَارِب الْخمر مُخَالف لسنة الرَّسُول عَدو للْملك الْجَلِيل شَارِب الْخمر مَلْعُون على لِسَان سيد الْمُرْسلين شَارِب الْخمر مُخَالف لسنة خَاتم النَّبِيين
أما علمت يَا من بعد من الْإِحْسَان وتقرب من الفسوق والعصيان وَحل فِي سخط الْمُهَيْمِن الديَّان أَن الْخمر موقعة للعداوة والشقاق قَاطِعَة للخير والأرزاق قائدة إِلَى أَلِيم الْعَذَاب يَوْم التلاق
أما علمت أَنَّهَا تحول بَين شاربها وَبَين الرشاد وتلقيه فِي الضلال وَالْفساد وتوقع الْعَدَاوَة والبغضاء بَين
стр. 239
الْعباد وتقود إِلَى الْعَذَاب الشَّديد يَوْم التناد
وأنشدوا
(الْخمر ولادَة للشر أجمعه ... وَمن وِلَادَتهَا الْعِصْيَان وَالْكفْر)
(تَعْصِي الْإِلَه إِذا مَا عِشْت تشربها ... وتبعد الْخَيْر وَالْإِحْسَان وَالشُّكْر)
(العَبْد يشْربهَا واللعن تَابعه ... والخزي شامله وَالْوَيْل والعسر)
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لعن الْخمر وشاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها وبايعها ومبتاعها وحاملها والمحمول إِلَيْهِ وآكل ثمنهَا وَالدَّال عَلَيْهِ يَا أخي قد لعن الله كل من نسب إِلَى الْخمر واللعنة هوانا للْعَبد وَإِذا أبعد الله العَبْد من جواره أصلاه عَذَابه وحر ناره فبادر يَا شاربها إِلَى المتاب فَإِن الله قد حرمهَا فِي الْكتاب وتواعد عَلَيْهَا أَشد النكال وَالْعَذَاب
وأنشدوا
(يَا من يبيت على شرب الْخُمُور وَلَا ... يخْشَى الْإِلَه وَلَا يخْشَى من النَّار)
(تَعْصِي الْإِلَه وَلَا تقضي فَرَائِضه ... عَار عَلَيْك وَمَا فِي التوب من عَار)
(فتب من الْخمر للرحمن خالقنا ... وكل ذَنْب قديم الْعَهْد أوتار)
٣٩٤ - الْخمر جريمة عَظِيمَة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من شرب شربة من مُسكر لم يقبل الله لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ من شرب من الْخمر ثَلَاث شربات لَا يقبل الله تَعَالَى صلَاته مائَة وَعشْرين يَوْمًا وَكَانَ حَقًا على الله تَعَالَى أَن يسْقِيه من الخبال) قَالَ عبد الله بن عمر ﵁ هُوَ صديد أهل النَّار وقيحهم
وَفِي بعض الْأَخْبَار لَو أَن قَطْرَة من الخبال ألقيت من السَّمَاء السَّابِعَة لمات أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض من النتن فَإِن لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على من شرب الْخُمُور وهتك الستور وَعصى الْملك الغفور وبذل مهجته لعذاب الويل وَالثُّبُور وغره بِاللَّه عدوه الْغرُور
وأنشدوا
(تَعْصِي الْإِلَه وتأتى الْخمر تشربها ... وترتجي من إِلَه الْعَرْش غفرانا)
(وَأَنت تحوي فعال الْخَيْر أجمعها ... وَقد جمعت من الْعِصْيَان ألوانا)
(فتب وَلَا تتمادى فِي الضلال عَسى ... تلقى إِلَهًا كثير الْعَفو رحمانا)
عباد الله أما تستحون مِمَّن أخرجكم من بطُون الْأُمَّهَات وأسبغ عَلَيْكُم جزيل النعم والخيرات وهداكم بفضله إِلَى الصَّوْم والصلوات ووعد من أطاعه
стр. 240
بالخيرات فِي الجنات العاليات وتواعد من عَصَاهُ بالخيبات وشدائد الْعُقُوبَات
أما علمْتُم أَن الْخمر أم الجرائم والسيئات ومفتاح الْكَبَائِر والخطيات وَبَاب المصائب والرزيات وموجبة لغضب رب الْأَرْضين وَالسَّمَوَات ومخربة الديار بِوُقُوع الشتات
فَلَا تدنسوا أَعمالكُم بِشرب الْخمر الْحَرَام فَإِنَّهَا أم الْكَبَائِر ولآثام وَمن شربهَا فقد خَالف الْقُرْآن وَالْأَحْكَام وَحل فِي سخط الْملك العلام أما تَسْتَحي يَا مطرود من بَاب الله يَا مُخَالفا لحدود الله يَا مؤالفا لأعداء الله من رب من عَلَيْك بِنِعْمَة الْإِسْلَام وجعلك من خير أمة أخرجت للأنام وفضلك بِمُحَمد عَلَيْهِ افضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فعصيت يَا مغرور مَوْلَاك وَاتَّبَعت غيك وهواك ونسيت النعم الَّتِي أولاك وَلم تَنْتَهِ عَمَّا عَنهُ نهاك
أَهَذا جَزَاء من أحسن إِلَيْك وسترك وأنعم عَلَيْك بئس مَا صنعت يَا من ظلّ فِي الْمعاصِي سرا وجهرا يَا من بدل نعمه الله كفرا يَا من هتك بعصيانه حِجَابا وسترا يَا من حرم بذنيه تَوْفِيقًا ويسرا يَا من أورثه الْعِصْيَان شرا وعسرا
أما تَسْتَحي يَا مطرود يَا من هُوَ عَن بَاب مَوْلَاهُ مَرْدُود يَا من خَالف الْأَحْكَام وَالْحُدُود من رب أخرج لَك من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود عنبا حَلَالا أخرجه من الْعود تعصر مِنْهُ خمرًا تَعْصِي بِهِ الْملك المعبود مَا أجهلك بطرِيق الْمُتَّقِينَ مَا أبعدك عَن سيرة خير الْمُرْسلين يَا قَلِيل الدّين يَا ضَعِيف الْإِيمَان وَالْيَقِين يَا خَلِيل الشَّيْطَان اللعين ستعلم غَدا إِذا وقفت بَين يَدي أسْرع الحاسبين وَأمر بك إِلَى الْعَذَاب المهين فَحِينَئِذٍ تَقول بيني وَبَيْنك بعد المشرقين فبئس القرين اللَّهُمَّ تب علينا حَتَّى لَا نَعْصِيك بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ
стр. 241
١٥ - مجْلِس فِي فضل يَوْم عَاشُورَاء وَمَا جَاءَ فِيهِ
٣٩٥ - وَفِي صِيَامه من الْفضل الْعَظِيم
اعلموا عباد الله أَن الله سُبْحَانَهُ وَله الْحَمد والْمنَّة قد فضل هَذِه الْأمة بفضائل خص بهَا أمة مُحَمَّد ﷺ من سَائِر الْأُمَم
الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى لما جعل أمة مُحَمَّد أقصر الْأُمَم أعمارا جعل لَهُم هَذِه الْفَضَائِل وَهَذِه الدَّرَجَات وَرفع لَهُم بذلك الدَّرَجَات والمنازل فِي الْجنَّة وَهِي كالأيام الْبيض من كل شهر وكيوم عَرَفَة وَرَجَب وَشَعْبَان والستة أَيَّام بعد الْفطر وَمثلهَا كثير
فَهَذِهِ أمة قد رفق الله بهَا وَجعل لَهَا من الْيَسِير كثيرا ووعد لَهَا على ذَلِك فِي الْآخِرَة أجرا كَبِيرا فَيوم عَاشُورَاء يَوْم تغْفر فِيهِ الذُّنُوب والخطيات ويتقرب فِيهِ بالصدقات وأفعال الْخيرَات إِلَى عَالم الخفيات وصومه سنة مُسْتَحبَّة لما رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ
٣٩٦ - ثَوَاب صِيَامه
من صَامَ يَوْم عَاشُورَاء أعطَاهُ الله تَعَالَى ثَوَاب عشرَة آلَاف ملك وثواب عشرَة آلَاف شَهِيد وثواب كل حَاج ومعتمر فِي ذَلِك الْعَام وثواب تَسْبِيح مَلَائِكَة السَّبع سموات وَمن فِيهِنَّ)
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صَامَ يَوْم عَاشُورَاء كتب الله لَهُ عبَادَة سِتِّينَ سنة صِيَام أَيَّامهَا وَقيام لياليها وكأنما حج وَاعْتمر سبعين مرّة)
فَالله الله عباد الله تقربُوا إِلَى الله فِي يَوْم عَاشُورَاء أَيّمَا اسْتَطَعْتُم من نوافل الْخَيْر وسبل الْبر فَإِن يَوْم عَاشُورَاء يَوْم يُوصل فِيهِ الرَّحِم ويضاعف الْأجر لِلْمُؤمنِ السخي الْكَرِيم ومجزي الله ﷻ معطي الزَّكَاة جنَّات النَّعيم ويبذل فِيهِ السخط على الشقي اللَّئِيم
стр. 242
الَّذِي يمْنَع الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة فِي الْقُرْآن الْحَكِيم
فَالله الله معشر الْمُؤمنِينَ وَجَمَاعَة الْمُوَحِّدين ارغبوا فِي هَذِه الْفَضِيلَة الجزيلة تفوزوا بِالنعْمَةِ الدائمة الطَّوِيلَة الَّتِي لَيْسَ لَهَا زَوَال وَلَا انْقِطَاع وَلَا لصَاحِبهَا عَنْهَا صد وَلَا امْتنَاع
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (من أفطر عِنْده مُؤمن فِي يَوْم عَاشُورَاء فَكَأَنَّمَا أفطر عِنْده جَمِيع أمة مُحَمَّد ﷺ وَأَشْبع بطونهم وَمن مسح على رَأس يَتِيم فِي يَوْم عَاشُورَاء رفع الله لَهُ بِكُل شَعْرَة على رَأسه دَرَجَة فِي الْجنَّة وَمن كسا فِيهِ مِسْكينا فَكَأَنَّمَا كسا مَسَاكِين أمة مُحَمَّد ﷺ وكساه الله سبعين حلَّة من حلل الْجنَّة) فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ يَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْك لقد فضلنَا الله بِيَوْم عَاشُورَاء فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (نعم يَا عمر خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي يَوْم عَاشُورَاء وَخلق الشَّمْس وَالْقَمَر فِي يَوْم عَاشُورَاء والنجوم كمثله وَخلق الْعَرْش والكرسي فِي يَوْم عَاشُورَاء وَخلق الْقَلَم فِي يَوْم عَاشُورَاء واللوح كمثله وَخلق جِبْرِيل فِي يَوْم عَاشُورَاء وَمَلَائِكَته كمثله وَخلق آدم فِي يَوْم عَاشُورَاء وحواء كمثله وَخلق الْجنَّة فِي يَوْم عَاشُورَاء وأسكن آدم الْجنَّة فِي يَوْم عَاشُورَاء وَولد إِبْرَاهِيم ﵇ فِي يَوْم عَاشُورَاء ونجاه الله من النَّار فِي يَوْم عَاشُورَاء وهداه الله فِي يَوْم عَاشُورَاء وَأغْرقَ الله فِرْعَوْن فِي يَوْم عَاشُورَاء وَرفع عِيسَى فِي يَوْم عَاشُورَاء وَرفع الله إِدْرِيس فِي يَوْم عَاشُورَاء وَولد عِيسَى بن مَرْيَم فِي يَوْم عَاشُورَاء وَتَابَ الله على آدم فِي يَوْم عَاشُورَاء وَغفر ذَنبه فِي يَوْم عَاشُورَاء واستوت سفينة نوح على الجودي فِي يَوْم عَاشُورَاء وَأخرج يُوسُف من السجْن فِي يَوْم عَاشُورَاء وَتَابَ الله على قوم يُونُس فِي يَوْم عَاشُورَاء وَأعْطى سُلَيْمَان الْملك يَوْم عَاشُورَاء وَيَوْم الْقِيَامَة يَوْم عَاشُورَاء
ويروى أَن أول مطر ينزل من السَّمَاء يَوْم عَاشُورَاء
٣٩٧ - الْغسْل يَوْم عَاشُورَاء
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (من اغْتسل يَوْم عَاشُورَاء لم يمرض إِلَّا مرض الْمَوْت وَمن اكتحل بالاثمد يَوْم عَاشُورَاء لم ترمد عَيناهُ فِي تِلْكَ السّنة كلهَا وَمن عَاد مَرِيضا يَوْم عَاشُورَاء فَكَأَنَّمَا عَاد جَمِيع ولد آدم ﵇ وعَلى جَمِيع الْأَنْبِيَاء الْكِرَام وَمن سقى مُؤمنا شربة من مَاء يَوْم عَاشُورَاء فَكَأَنَّمَا سقى جَمِيع ذُرِّيَّة آدم وَكَانُوا عطاشا وَمن صلى يَوْم عَاشُورَاء أَربع رَكْعَات وَيقْرَأ فِي كل رَكْعَة بِفَاتِحَة
стр. 243
الْكتاب وَقل هُوَ الله أحد خمس عشرَة مرّة غفر الله لَهُ خمسين عَاما مَاضِيا وَخمسين عَاما مُقبلا وَبنى لَهُ الله ألف مِنْبَر من نور الله عباد الله ارغبوا فِي فضل هَذَا الْيَوْم المرغوب فَعَسَى الله أَن يغْفر لكم مَا أسلفتم من الأوزار والذنُوب وَيسْتر عليم مَا أتيتم من القبائح والعيوب
رُوِيَ أَن مُوسَى ﵇ قَالَ مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة من صَامَ يَوْم عَاشُورَاء فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر كُله وَمن تصدق يَوْم عَاشُورَاء فَكَأَنَّمَا لم يتْرك سَائِلًا إِلَّا أعطَاهُ وَمن كسا فِيهِ عُريَانا فَكَأَنَّمَا كسا جَمِيع خلق الله وَمن مسح على رَأس يَتِيم فَكَأَنَّمَا مسح رُؤُوس الْيَتَامَى وغرس الله لَهُ بِكُل شَعْرَة على رَأسه سَبْعمِائة شَجَرَة تحمل من الْحلِيّ وَالْحلَل عدد نُجُوم السَّمَاء وَمن أرشد فِيهِ ضَالًّا دفع الله عَنهُ ظلمَة الْقَبْر وملأ قلبه نورا وَمن كظم غيظا كتب من الراضين بقسم الله ﵎ وَمن شهد جَنَازَة يَوْم عَاشُورَاء فَلهُ بِكُل شَيْء خلقه الله وَهُوَ خالقه دَرَجَات فِي الْجنَّة وَمن ترك فِيهِ شَهْوَة وأطعمها أَخَاهُ الْمُسلم لم يقبض روحه ملك الْمَوْت حَتَّى يطعمهُ من طَعَام الْجنَّة ويسقيه من شرابها وَمن اغْتسل فِي يَوْم عَاشُورَاء كَانَ عِنْد الله طَاهِرا وَمن قَرَأَ آيَة فِي كتاب الله فِي لَيْلَة عَاشُورَاء أَو فِي يَوْمهَا أعطي من الثَّوَاب مثل مَا أعطي لإدريس ﵇ وَمن أَحْيَا لَيْلَة عَاشُورَاء فَكَأَنَّمَا عبد الله بِعبَادة الْمَلَائِكَة المقربين وَمن بَكَى يَوْم عَاشُورَاء أَو لَيْلَة عَاشُورَاء أَو فاضت عَيناهُ من خشيَة الله تَعَالَى كتب الله لَهُ نَصِيبا فِي عبَادَة الْخَائِفِينَ وَمن أَتَى عَالما فِي يَوْم عَاشُورَاء ليسمعه أَو يتَعَلَّم مِنْهُ مَسْأَلَة فِي دينه وَمَا يَنْفَعهُ لآخرته أعطي مثل ثَوَاب الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَأوجب الله لَهُ الْجنَّة وَيكْتب لَهُ الْملكَانِ الْحَسَنَات إِلَى يَوْم عَاشُورَاء من الْعَام الَّذِي يَأْتِي وَمن صَامَ يَوْم عَاشُورَاء محتسبا عَالما بفضله سخر الله لَهُ بِكُل سَاعَة من ليله ونهاره من ذَلِك الْيَوْم الَّذِي صَامَهُ مائَة ألف ملك يدعونَ لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمن أَرَادَ صِيَام يَوْم عَاشُورَاء وَأصْبح فِيهِ آكلا وَهُوَ لَا يعلم فليمسك عَن الْأكل فِي بَقِيَّته وَله فَضله كَامِلا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
٣٩٨ - النَّفَقَة على الْعِيَال
وتستحب النَّفَقَة فِي لَيْلَة عَاشُورَاء وَيَوْم عَاشُورَاء رَجَاء فضل الله وطلبا لمرضاته ولوجوب الْبركَة فِيهِ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَن من أنْفق فِيهِ درهما أخلف الله لَهُ
стр. 244
سَبْعمِائة
وكل دِرْهَم يُنْفِقهُ فِيهِ فِي طَاعَة الله فَهُوَ عِنْد الله تَعَالَى أثقل من السَّمَوَات وَالْأَرضين السَّبع
وَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يَقُول أَكْثرُوا خير بُيُوتكُمْ فِي لَيْلَة عَاشُورَاء ويومه ووسعوا فِيهِ على أهاليكم فِيمَا يحل ويجمل فَمن لم يجد فليسوع خلقه أَظُنهُ مَعَ قرَابَته وليعف عَمَّن ظلمه
٣٩٩ - بَنو إِسْرَائِيل وعاشوراء
وَكَانَ يَوْم عَاشُورَاء يَصُومهُ بَنو إِسْرَائِيل ويعظمونه وَكَانَت قُرَيْش تصومه فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة صَامَهُ وَأمر بصيامه إِلَى أَن فرض شهر رَمَضَان فَجعل الله تَعَالَى هَذَا الْخَيْر كُله لأمة مُحَمَّد ﷺ
فَيوم عَاشُورَاء يَوْم يتَقَبَّل الله فِيهِ الْحَسَنَات وترفع فغيه الدَّرَجَات المرتفعات وتخلف فِيهِ النَّفَقَات وتكثر فِيهِ البركات
ويفرح فِيهِ أهل الْفَاقَة والحاجات
يَوْم عَاشُورَاء يَوْم تظهر فِيهِ الْأَعْمَال ويوسع فِيهِ على الْعِيَال وتزكوا فِيهِ الْأَفْعَال والأقوال وَيرْحَم فِيهِ عبيده ذُو الْإِكْرَام والجلال
يَوْم عَاشُورَاء يَوْم توصل فِيهِ الْأَرْحَام وتربح فِيهِ الْكِرَام وتخسر فِيهِ اللئام لمخالفتهم الْقُرْآن وَالْأَحْكَام وعصيانهم الْملك العلام
يَوْم عَاشُورَاء تفرح فِيهِ الأرامل والأيتام وَيرْحَم فِيهِ ذُو الْجُود والأنعام وَيغْفر فِيهِ السَّيِّئَات والإجرام وَيُوجب لمن أطاعه دَار الْخلد وَالسَّلَام فَالله الله عباد الله إيَّاكُمْ أَن يضْرب الشَّيْطَان على قُلُوبكُمْ الأقفال ويصدكم عَن سَبِيل الْكَرِيم المتعال وَيفتح فِي قُلُوبكُمْ أَبْوَاب الْفقر لتمنعوا الزَّكَاة من أَمْوَالكُم ويؤول بكم إِن أطعتموه شَرّ مآل يَا أخي الْبَخِيل صَاحب الشَّيْطَان الذَّلِيل يمْنَع الزَّكَاة ويقل النَّفَقَات ويفوت نَفسه جَمِيع الْخيرَات
فعيشه فِي الدُّنْيَا عَيْش الْفُقَرَاء وحسابه فِي الْآخِرَة حِسَاب الْأَغْنِيَاء فيا معشر الْمُؤمنِينَ كونُوا كراما وَلَا تَكُونُوا لِئَامًا فَإِن الْكِرَام فِي جنَّة الْخلد وَالنَّعِيم واللئام فِي عَذَاب الْجَحِيم فتقربوا إِلَى الله فِي هَذَا الْيَوْم بأَدَاء الزَّكَاة وتطوعوا فِيهِ بالنوافل من الصَّلَوَات
فَعَسَى الله أَن يغْفر لكم مَا أسلفتم من الأوزار والسيئات
стр. 245
٤٠٠ - صِيَامهمْ لَهُ
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن الله تَعَالَى افْترض على بني إِسْرَائِيل صَوْم يَوْم فِي السّنة وَهُوَ يَوْم عَاشُورَاء الْعَاشِر من الْمحرم فصوموه ووسعوا فِيهِ على عيالكم وأهليكم فَمن وسع على أَهله من مَاله يَوْم عَاشُورَاء وسع الله عَلَيْهِ سَائِر سنته فَمن صَامَ هَذَا الْيَوْم كَانَ لَهُ كَفَّارَة أَرْبَعِينَ سنة وَمَا من أحد أَحْيَا لَيْلَة عَاشُورَاء أَو اصبح صَائِما إِلَّا مَاتَ وَلم يذقْ طعم الْمَوْت يَا أخي إِن الْعَجُوز لتغزل يَوْم عَاشُورَاء لتبقي بركَة غزلها إِلَى الْعَام الْقَابِل فاعمل أَنْت فِي هَذَا الْيَوْم من الطَّاعَات لتبقي بركتها عَلَيْك إِلَى ليَوْم الْقِيَامَة وَمَا من عبد مُؤمن أنْفق فِي يَوْم عَاشُورَاء درهما أَو مِثْقَالا إِلَّا أخلف الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي دُنْيَاهُ سبعين ضعفا مثل مَا أنْفق وَجعل نَفَقَته زَاده إِلَى الْجنَّة فَالله الله يَا عباد الله اصنعوا فِي هَذَا الْيَوْم الْمَعْرُوف وأعينوا الضَّعِيف وأغيثوا الملهوف يغيثكم الرب الرَّحِيم الرؤوف
٤٠١ - كل مَعْرُوف صَدَقَة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (كل مَعْرُوف صَدَقَة وَالْمَعْرُوف يقي سبعين نوعا من الْبلَاء ويقي ميتَة السوء) وَالْمَعْرُوف وَالْمُنكر منصوبان للنَّاس فِي الْمَحْشَر يَوْم الْقِيَامَة فالمعروف لَازم لأَهله يقودهم ويسوقهم إِلَى الْجنَّة وَالْمُنكر لَازم لأَهله يقودهم ويسوقهم إِلَى النَّار
أعاذنا الله وَإِيَّاكُم من النَّار
فَالله الله احرصوا أَن تَكُونُوا من أهل الْجنان وَلَا تَكُونُوا من أهل النيرَان واجتهدوا فِي الْخَيْر وَالزِّيَادَة وَلَا ترضوا بِالنُّقْصَانِ
٤٠٢ - أهل الْمَعْرُوف
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن الله ﵎ جعل للمعروف وُجُوهًا من خلقه حبب إِلَيْهِم الْمَعْرُوف وحبب إِلَيْهِم فعاله وَوجه طلاب الْمَعْرُوف إِلَيْهِم وَيسر عَلَيْهِم إعطاءه كَمَا يسر الْغَيْث إِلَى الأَرْض المجدبة ليحييها ويحيي أَهلهَا وَإِن الله
стр. 246
تبَارك وَتَعَالَى جعل للمعروف أَعدَاء من خلقه بغض إِلَيْهِم الْمَعْرُوف وَبَعض إِلَيْهِم فعاله وحظر على طلاب الْمَعْرُوف الطّلب إِلَيْهِم وحظر عَلَيْهِم إعطاءه كَمَا حظر الْغَيْث عَن الأَرْض المجدبة ليهلكها وَيهْلك أَهلهَا وَمَا يغْفر الله أَكثر فَالله الله يَا أَوْلِيَاء الله يَا أهل الْمَعْرُوف
فكونوا من أهل الْمَعْرُوف وأعينوا الْفَقِير وأغيثوا الملهوف فَعَسَى الله أَن يغيثكم يَوْم الْبَعْث إِنَّه رَحِيم رؤوف
٤٠٣ - إِخْرَاج الزَّكَاة
وَهَذَا الْيَوْم الْمُبَارك الشريف يَوْم عَاشُورَاء لما جعل الله فِيهِ من الْخلف والخيرات وَاعْلَمُوا أَنه لما عظم الله تَعَالَى يَوْم عَاشُورَاء وَجعل فِيهِ الْخلف والخيرات اسْتحبَّ للْمُؤْمِنين فِيهِ إِخْرَاج الزَّكَاة وَمَا من أحد من الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات لم تجب عَلَيْهِ زَكَاة مَاله فَأعْطى فِي يَوْم عَاشُورَاء أَو تصدق من الْيَسِير الَّذِي مَعَه رَغْبَة فِي فضل يَوْم عَاشُورَاء إِلَّا كتب من أهل الزَّكَاة وَلم يخرج من الدُّنْيَا حَتَّى يُعْطي مَالا حَلَالا يُزكي عَلَيْهِ
فإياكم يَا معشر الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات أَن يخدعكم الشَّيْطَان اللعين لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي الْخَبَر أَن العَبْد إِذا هم بِإِخْرَاج دِرْهَم لوجه الله تَعَالَى فتح الشَّيْطَان فِي قلبه سبعين بَابا من الْفقر حَتَّى يحول بَينه وَبَين إِخْرَاجه فَإِن من الله تَعَالَى على العَبْد وأعانه حَتَّى يغلب عدوه وشيطانه كَانَ كمن هزم عسكرا من الْمُشْركين وقتلهم
وَيدل على صِحَة هَذَا القَوْل أَن عليا بن أبي طَالب ﵁ كَانَ إِذا آن أَوَان الزَّكَاة وعزم على إخْرَاجهَا لبس درعه وتقلد بِسَيْفِهِ وَأخذ رمحه وَركب فرسه فَتَقول الصَّحَابَة ﵃ مَالك يَا أَبَا الْحسن لبست آلَة حربك فَيَقُول أَنا خَارج إِلَى محاربة الشَّيْطَان أَخَاف أَن يَمْنعنِي إِخْرَاج الزَّكَاة فجهاد الشَّيْطَان هُوَ الْجِهَاد الْأَكْبَر والشيطان لَعنه الله يُرِيد أَن يردك إِلَى فقر نَفسك ويصدك عَمَّا وَعدك رَبك ﷻ حِين قَالَ ﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر ويأمركم بالفحشاء وَالله يَعدكُم مغْفرَة مِنْهُ وفضلا وَالله وَاسع عليم﴾ الْبَقَرَة ٢٦٨ وَالله وَاسع الْعَطاء لِأَنَّهُ جلّ وَتَعَالَى لَا ينقص من ملكه مَا يخلف على العَبْد الْمُؤمن الَّذِي يُؤَدِّي الزَّكَاة وَيتَصَدَّق من فضل مَاله
وَقَوله تَعَالَى ﴿عليم﴾ أَي عليم بِمَا يَفْعَله الْعباد من الْخَيْر وَالشَّر فَمن أنْفق من مَال الله ووسع مِنْهُ على عِيَاله وَعباد الله كَانَ لَهُ الْخلف من الله تَعَالَى يَقُول الْمولى ﷻ ﴿وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه وَهُوَ خير الرازقين﴾ سبأ ٣٩ فَالله الله عباد الله ثقوا بمولاكم
стр. 247
جلّ جَلَاله فِي الْخلف وَلَا تطيعوا الشَّيْطَان الَّذِي يَعدكُم الْفقر والتلف
٤٠٤ - اللَّعْنَة على مَانع الزَّكَاة
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (ينزل من السَّمَاء فِي كل يَوْم اثْنَان وَسَبْعُونَ لعنة على مانعي الزَّكَاة من هَذِه الْأمة وَقد سماهم الْجَلِيل ﷻ كفَّارًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وويل للْمُشْرِكين الَّذين لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة وهم بِالآخِرَة هم كافرون﴾ فصلت ٦ وَقد ذكر بعض الْعلمَاء أَن الله تَعَالَى لما أخرج الذُّرِّيَّة من ظهر آدم ﵊ عزل مِنْهُم الْأَغْنِيَاء من أهل البدو الْحَضَر وعزل أَمْوَالهم ثمَّ قَالَ ﷻ هَذِه أَمْوَال أعطيتهَا لكم وجعلتكم عَلَيْهَا أُمَنَاء فَلَا تشتغلوا بهَا عَن أَدَاء فرائضي وحقوقي ثمَّ قَالَ للْفُقَرَاء من أهل البدو والحضر وحرر أَرْزَاقهم على قدر آجالهم وأخرها وَجعلهَا وَدِيعَة فِي أَمْوَال الْأَغْنِيَاء وَقَالَ لَهُم هَذِه أرزاق الْفُقَرَاء من عبَادي وَدِيعَة فِي أَمْوَالكُم إيَّاكُمْ أَن تقتروا وتمسكوا عَنْهُم أَمْوَالهم وأرزاقهم فَيحل عَلَيْكُم غَضَبي وسخطي فَإِنِّي قد ائتمنتكم عَلَيْهَا
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا من يَوْم إِلَّا وملكان يناديان تَحت الْعَرْش المَال مَال الله والعباد عباد الله فَإِن جَاع الْفُقَرَاء عذب الله الْأَغْنِيَاء)
فَالله الله عباد الله أَوْفوا لَدَيْهِ بالعهود وارغبوا فِي دَار النَّعيم وَالْخُلُود ومجاورة الْملك المعبود
٤٠٥ - من شبع وجاع جَاره
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مَا آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر من بَات شبعانا وجاره جائعا) وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث إِن الْجَار الْفَقِير يتَعَلَّق بجاره الْغَنِيّ يَوْم الْقِيَامَة وَيَقُول يَا رب سل هَذَا الْغَنِيّ لم مَنَعَنِي معروفه وسد بَابه دوني وَفِي حَدِيث آخر يَقُول يَا رب سل هَذَا لم بَات طاعما وَبت إِلَى جنبه طاويا
وَمِمَّا يصدق هَذَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لأسامة بن زيد فِي وَصيته يَا أُسَامَة
стр. 248
إياك وكل كبد جائعة تخاصمك عِنْد الله فَإِنَّهُ يَقُول مَا آمن بِي من بَات شبعانا وجاره طاويا إِلَى جنبه
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (أَيّمَا رجل كَانَ لَهُ جَار مُسلم بَات جائعا وَهُوَ يعلم بجوعه وَعِنْده فضل وَلم يشبعه فقد برِئ من ذمَّة الله تَعَالَى وَذمَّة رَسُول الله ﷺ فيا لَهَا من خسارة لم نتدبرها بعقولنا فكم بَين أظهرنَا من مِسْكين وَضَعِيف وزمن لَا يمتلكون قيمَة رغيف فَالله الله لَا تغتروا بالعز وَالْمَال وتضيعوا للْفُقَرَاء وَأهل الإقلال فَإِن غَايَة كل شَيْء الانقلاب والانتقال والنفاد والزوال
وَقد ذكر فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة ﴿وَضربت عَلَيْهِم الذلة والمسكنة﴾ الْبَقَرَة ٦١ قيل يحرص العَبْد على جمع الحطام والسحت وَالْحرَام وكل من أدّى زَكَاة مَاله فَهُوَ كريم قد برِئ من وعد الشَّيْطَان الرَّجِيم ووثق بوعد الْعَزِيز الرَّحِيم وَنَجَا من الْعَذَاب الْأَلِيم
٤٠٦ - حَدِيث فِي ذمّ الشُّح
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (اتَّقوا الشُّح فَإِنَّهُ أهلك من كَانَ قبلكُمْ حملهمْ على أَن سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمهمْ) وأنشدوا
(صافي الْكَرِيم فَخير من صافيته ... من كَانَ ذَا كرم وَكَانَ عفيفا)
(إِن الْكَرِيم وَإِن تضعضع حَاله ... فالفعل مِنْهُ لَا يزَال شريفا)
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يطوف بِالْبَيْتِ فَإِذا هُوَ بِرَجُل مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول بِحرْمَة هَذَا الْبَيْت إِلَّا غفرت لي
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا ذَنْبك صفه لي فَقَالَ الرجل هُوَ أعظم من أَن أصفه لَك يَا رَسُول الله ﷺ قَالَ رَسُول الله ﷺ (ذَنْبك أعظم أم الأرضون قَالَ بل ذَنبي يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول الله ﷺ ذَنْبك أعظم أم الْجبَال قَالَ بل ذَنبي يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول الله ﷺ ذَنْبك أعظم أم السَّمَوَات قَالَ بل ذَنبي يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول الله ﷺ ذَنْبك أعظم أم الله قَالَ بل الله أعظم وَأجل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (وَيحك فَصف لي ذَنْبك قَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي ذُو ثروة من المَال وَإِن السَّائِل ليأتيني يسألني شَيْئا فَكَأَنَّمَا يستقبلني
стр. 249
بشعلة من نَار قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِلَيْك عني لَا تحرقني بنارك وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْهدى والكرامة لَو أَقمت بَين الرُّكْن وَالْمقَام ثمَّ صليت ألف عَام وَألف عَام حَتَّى تجْرِي من دموعك الْأَنْهَار وتسقي بهَا الْأَشْجَار ثمَّ مت وَأَنت لئيم لأكبك الله فِي النَّار وَيحك أما علمت أَن الْبُخْل كفر وَالْكفْر فِي النَّار وويحك أما علمت أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ الْحَشْر ٩
وأنشدوا
(إِن الْبَخِيل إِذا مَا مَاتَ يتبعهُ ... سوى الثَّنَاء ويحوي الْوَارِث الإبلا)
(يرى الْبَخِيل سَبِيل المَال وَاحِدَة ... إِن الْجواد يرى فِي مَاله سبلا)
٤٠٧ - عظة فِي الحض على الزَّكَاة
فَالله الله يَا معشر الْمُؤمنِينَ كونُوا من الأسخياء الصَّالِحين وَلَا تَكُونُوا من البخلاء الْفَاسِقين فالبخيل هُوَ شريك الشَّيْطَان اللعين قَالَ الله تَعَالَى ﴿وشاركهم فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد وعدهم وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا﴾ الْإِسْرَاء ٦٤ فَكل مَال لَا تُؤدِّي زَكَاته فصاحبه خَازِن الشَّيْطَان وكل مَال أخرجت زَكَاته فصاحبه عَدو الشَّيْطَان حبيب الرَّحْمَن وَعمل بِالسنةِ وَالْقُرْآن وناج من عَذَاب النيرَان وداخل فِي نعيم الْجنان
فَكل من مَاتَ وَترك مَالا قد أدّى زَكَاته فَإِن صَاحبه لَا تزَال الْمَلَائِكَة تكْتب لَهُ الْحَسَنَات إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وكل من مَاتَ وَترك مَالا لم يؤد زَكَاته فَلَا يزَال وزره يجْرِي عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِن وَصله وَقع المَال عِنْد من يُزَكِّيه وَمَا من عبد أدّى زَكَاة مَاله بِطيب من نَفسه إِلَّا جعل الله ذَلِك المَال يَوْم الْقِيَامَة طوقا من نور الْجنَّة يضيء لأهل الْجمع من الْمُؤمنِينَ حَتَّى يجوزوا الصِّرَاط وَيدخل بِهِ الْجنَّة وَمَا من عبد لَا يُؤَدِّي زَكَاة مَاله إِلَّا طوقه الله يَوْم الْقِيَامَة بطوق من نَار جَهَنَّم لَو أَن ذَلِك الطوق وضع فِي الدُّنْيَا لاحترقت الدُّنْيَا كلهَا وتقطعت جبالها وجفت بحارها
فوَاللَّه لَو لم يكن فَخر الْكَرِيم السخي إِلَّا ذكر الله تَعَالَى لَهُ فِي كِتَابه لكفي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ الْحَشْر ٩ فاغتنموا هَذَا الْيَوْم الْفَاضِل فَهُوَ يَوْم تعرف فِيهِ الْكِرَام وتفضح فِي اللئام
وَهَذَا يَوْم عَاشُورَاء يَوْم تَوَاتَرَتْ فِيهِ الْأَخْبَار عَن رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يَوْم النَّفَقَة فِي الله فِيهِ مخلوفة
стр. 250
وَالنَّفقَة فِيهِ فِي غير الله متلوفة
فَإِذا كَانَ هَذَا الْيَوْم تخلف فِيهِ النَّفَقَات فَأولى أَن تغْفر فِيهِ الخطيئات وتتضاعف فِيهِ الْحَسَنَات وينجي الله فِيهِ الْمُؤمنِينَ من الْعَذَاب والعقوبات يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَوَات وَتظهر فِيهِ السرائر والخفيات
وأنشدوا
(يَا جَامع المَال يَرْجُو أَن يَدُوم لَهُ ... كل مَا اسْتَطَعْت وَقدم للموازين)
(وَلَا تكن كَالَّذي قد قَالَ إِذْ حضرت ... وَفَاته ثلث مَالِي للْمَسَاكِين)
رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ أَي الصَّدَقَة أفضل فَقَالَ (أَن تَتَصَدَّق وَأَنت صَحِيح حَرِيص شحيح تَأمل الْعَيْش وتخشى الْفقر وَلَا تمهل حَتَّى إِذا بلغت الْحُلْقُوم قلت لفُلَان كَذَا وَلفُلَان كَذَا
٤٠٨ - من خلف ثروة لبيت المَال
ذكر أَن رجلا مَاتَ بِالْمَدِينَةِ من أهل الْيمن وَخلف مَالا كثيرا فَأخْبر بِخَبَرِهِ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ هَل من وَارِث فَقَالُوا لَا يَا رَسُول الله فَقَالَ ﷺ (من لَا وَارِث لَهُ فَمَاله لبيت مَال الْمُسلمين) فَأمر رَسُول الله ﷺ أَن يحضر المَال فَيَجِيء بِالْمَالِ إِلَى الْمَسْجِد فَوضع حَتَّى غَابَ رَسُول الله ﷺ من الْجَانِب وَغَابَ النَّاس من الْجَانِب الآخر من حلي وَذهب وورق وَثيَاب
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (ارْفَعُوا المَال إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين) فَرفع كَمَا أَمر رَسُول الله ﷺ فَالْتَفت عبد الله بن عمر ﵁ فِي الْمَسْجِد فَوجدَ فرْصَة من ذهب فِيهَا قِيرَاط فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذِه من ذَلِك المَال فَأَخذهَا رَسُول الله ﷺ ووضعها فِي كَفه وَجعل يقلبها فِي يَده ثمَّ قَالَ ﷺ (لَو تصدق بهَا فِي حَيَاته حِين كَانَ صَحِيحا شحيحا يأمل الْعَيْش ويخشى الْفقر كَانَت أحب إِلَيْهِ من هَذَا المَال كُله يُعْطي من بعده فِي سَبِيل الله فَالله الله عباد الله اسمعوا صَوَاب الْمقَال وَبَادرُوا إِلَى حسن الفعال وَلَا تغتروا بالعز وَالْمَال
فَإِن المَال يذهب وَالدُّنْيَا تخرب ونفسك تَمُوت والمرد غَدا إِلَى الْحَيّ الدَّائِم الْبَاقِي الَّذِي لَا يَمُوت وَاعْلَم يَا أخي أَنَّك مُرْتَهن بِالذنُوبِ وَأَنت محاسب مَطْلُوب مسئول بَين يَدي علام الغيوب فاستعد للسؤال وتهيأ للجدال فِي يَوْم تشيب فِيهِ الرؤوس وتضيق من فظاعة هولة النُّفُوس ذَلِك يَوْم هائل عبوس
يَوْم تضع فِيهِ الْحَوَامِل أحمالها وتزلزل الأَرْض زِلْزَالهَا وَتخرج
следующие страницы →