Полный текст (301 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
تبَارك وَتَعَالَى جعل للمعروف أَعدَاء من خلقه بغض إِلَيْهِم الْمَعْرُوف وَبَعض إِلَيْهِم فعاله وحظر على طلاب الْمَعْرُوف الطّلب إِلَيْهِم وحظر عَلَيْهِم إعطاءه كَمَا حظر الْغَيْث عَن الأَرْض المجدبة ليهلكها وَيهْلك أَهلهَا وَمَا يغْفر الله أَكثر فَالله الله يَا أَوْلِيَاء الله يَا أهل الْمَعْرُوف
فكونوا من أهل الْمَعْرُوف وأعينوا الْفَقِير وأغيثوا الملهوف فَعَسَى الله أَن يغيثكم يَوْم الْبَعْث إِنَّه رَحِيم رؤوف
٤٠٣ - إِخْرَاج الزَّكَاة
وَهَذَا الْيَوْم الْمُبَارك الشريف يَوْم عَاشُورَاء لما جعل الله فِيهِ من الْخلف والخيرات وَاعْلَمُوا أَنه لما عظم الله تَعَالَى يَوْم عَاشُورَاء وَجعل فِيهِ الْخلف والخيرات اسْتحبَّ للْمُؤْمِنين فِيهِ إِخْرَاج الزَّكَاة وَمَا من أحد من الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات لم تجب عَلَيْهِ زَكَاة مَاله فَأعْطى فِي يَوْم عَاشُورَاء أَو تصدق من الْيَسِير الَّذِي مَعَه رَغْبَة فِي فضل يَوْم عَاشُورَاء إِلَّا كتب من أهل الزَّكَاة وَلم يخرج من الدُّنْيَا حَتَّى يُعْطي مَالا حَلَالا يُزكي عَلَيْهِ
فإياكم يَا معشر الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات أَن يخدعكم الشَّيْطَان اللعين لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي الْخَبَر أَن العَبْد إِذا هم بِإِخْرَاج دِرْهَم لوجه الله تَعَالَى فتح الشَّيْطَان فِي قلبه سبعين بَابا من الْفقر حَتَّى يحول بَينه وَبَين إِخْرَاجه فَإِن من الله تَعَالَى على العَبْد وأعانه حَتَّى يغلب عدوه وشيطانه كَانَ كمن هزم عسكرا من الْمُشْركين وقتلهم
وَيدل على صِحَة هَذَا القَوْل أَن عليا بن أبي طَالب ﵁ كَانَ إِذا آن أَوَان الزَّكَاة وعزم على إخْرَاجهَا لبس درعه وتقلد بِسَيْفِهِ وَأخذ رمحه وَركب فرسه فَتَقول الصَّحَابَة ﵃ مَالك يَا أَبَا الْحسن لبست آلَة حربك فَيَقُول أَنا خَارج إِلَى محاربة الشَّيْطَان أَخَاف أَن يَمْنعنِي إِخْرَاج الزَّكَاة فجهاد الشَّيْطَان هُوَ الْجِهَاد الْأَكْبَر والشيطان لَعنه الله يُرِيد أَن يردك إِلَى فقر نَفسك ويصدك عَمَّا وَعدك رَبك ﷻ حِين قَالَ ﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر ويأمركم بالفحشاء وَالله يَعدكُم مغْفرَة مِنْهُ وفضلا وَالله وَاسع عليم﴾ الْبَقَرَة ٢٦٨ وَالله وَاسع الْعَطاء لِأَنَّهُ جلّ وَتَعَالَى لَا ينقص من ملكه مَا يخلف على العَبْد الْمُؤمن الَّذِي يُؤَدِّي الزَّكَاة وَيتَصَدَّق من فضل مَاله
وَقَوله تَعَالَى ﴿عليم﴾ أَي عليم بِمَا يَفْعَله الْعباد من الْخَيْر وَالشَّر فَمن أنْفق من مَال الله ووسع مِنْهُ على عِيَاله وَعباد الله كَانَ لَهُ الْخلف من الله تَعَالَى يَقُول الْمولى ﷻ ﴿وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه وَهُوَ خير الرازقين﴾ سبأ ٣٩ فَالله الله عباد الله ثقوا بمولاكم
стр. 247
جلّ جَلَاله فِي الْخلف وَلَا تطيعوا الشَّيْطَان الَّذِي يَعدكُم الْفقر والتلف
٤٠٤ - اللَّعْنَة على مَانع الزَّكَاة
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (ينزل من السَّمَاء فِي كل يَوْم اثْنَان وَسَبْعُونَ لعنة على مانعي الزَّكَاة من هَذِه الْأمة وَقد سماهم الْجَلِيل ﷻ كفَّارًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وويل للْمُشْرِكين الَّذين لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة وهم بِالآخِرَة هم كافرون﴾ فصلت ٦ وَقد ذكر بعض الْعلمَاء أَن الله تَعَالَى لما أخرج الذُّرِّيَّة من ظهر آدم ﵊ عزل مِنْهُم الْأَغْنِيَاء من أهل البدو الْحَضَر وعزل أَمْوَالهم ثمَّ قَالَ ﷻ هَذِه أَمْوَال أعطيتهَا لكم وجعلتكم عَلَيْهَا أُمَنَاء فَلَا تشتغلوا بهَا عَن أَدَاء فرائضي وحقوقي ثمَّ قَالَ للْفُقَرَاء من أهل البدو والحضر وحرر أَرْزَاقهم على قدر آجالهم وأخرها وَجعلهَا وَدِيعَة فِي أَمْوَال الْأَغْنِيَاء وَقَالَ لَهُم هَذِه أرزاق الْفُقَرَاء من عبَادي وَدِيعَة فِي أَمْوَالكُم إيَّاكُمْ أَن تقتروا وتمسكوا عَنْهُم أَمْوَالهم وأرزاقهم فَيحل عَلَيْكُم غَضَبي وسخطي فَإِنِّي قد ائتمنتكم عَلَيْهَا
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا من يَوْم إِلَّا وملكان يناديان تَحت الْعَرْش المَال مَال الله والعباد عباد الله فَإِن جَاع الْفُقَرَاء عذب الله الْأَغْنِيَاء)
فَالله الله عباد الله أَوْفوا لَدَيْهِ بالعهود وارغبوا فِي دَار النَّعيم وَالْخُلُود ومجاورة الْملك المعبود
٤٠٥ - من شبع وجاع جَاره
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مَا آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر من بَات شبعانا وجاره جائعا) وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث إِن الْجَار الْفَقِير يتَعَلَّق بجاره الْغَنِيّ يَوْم الْقِيَامَة وَيَقُول يَا رب سل هَذَا الْغَنِيّ لم مَنَعَنِي معروفه وسد بَابه دوني وَفِي حَدِيث آخر يَقُول يَا رب سل هَذَا لم بَات طاعما وَبت إِلَى جنبه طاويا
وَمِمَّا يصدق هَذَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لأسامة بن زيد فِي وَصيته يَا أُسَامَة
стр. 248
إياك وكل كبد جائعة تخاصمك عِنْد الله فَإِنَّهُ يَقُول مَا آمن بِي من بَات شبعانا وجاره طاويا إِلَى جنبه
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (أَيّمَا رجل كَانَ لَهُ جَار مُسلم بَات جائعا وَهُوَ يعلم بجوعه وَعِنْده فضل وَلم يشبعه فقد برِئ من ذمَّة الله تَعَالَى وَذمَّة رَسُول الله ﷺ فيا لَهَا من خسارة لم نتدبرها بعقولنا فكم بَين أظهرنَا من مِسْكين وَضَعِيف وزمن لَا يمتلكون قيمَة رغيف فَالله الله لَا تغتروا بالعز وَالْمَال وتضيعوا للْفُقَرَاء وَأهل الإقلال فَإِن غَايَة كل شَيْء الانقلاب والانتقال والنفاد والزوال
وَقد ذكر فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة ﴿وَضربت عَلَيْهِم الذلة والمسكنة﴾ الْبَقَرَة ٦١ قيل يحرص العَبْد على جمع الحطام والسحت وَالْحرَام وكل من أدّى زَكَاة مَاله فَهُوَ كريم قد برِئ من وعد الشَّيْطَان الرَّجِيم ووثق بوعد الْعَزِيز الرَّحِيم وَنَجَا من الْعَذَاب الْأَلِيم
٤٠٦ - حَدِيث فِي ذمّ الشُّح
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (اتَّقوا الشُّح فَإِنَّهُ أهلك من كَانَ قبلكُمْ حملهمْ على أَن سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمهمْ) وأنشدوا
(صافي الْكَرِيم فَخير من صافيته ... من كَانَ ذَا كرم وَكَانَ عفيفا)
(إِن الْكَرِيم وَإِن تضعضع حَاله ... فالفعل مِنْهُ لَا يزَال شريفا)
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يطوف بِالْبَيْتِ فَإِذا هُوَ بِرَجُل مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول بِحرْمَة هَذَا الْبَيْت إِلَّا غفرت لي
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا ذَنْبك صفه لي فَقَالَ الرجل هُوَ أعظم من أَن أصفه لَك يَا رَسُول الله ﷺ قَالَ رَسُول الله ﷺ (ذَنْبك أعظم أم الأرضون قَالَ بل ذَنبي يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول الله ﷺ ذَنْبك أعظم أم الْجبَال قَالَ بل ذَنبي يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول الله ﷺ ذَنْبك أعظم أم السَّمَوَات قَالَ بل ذَنبي يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول الله ﷺ ذَنْبك أعظم أم الله قَالَ بل الله أعظم وَأجل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (وَيحك فَصف لي ذَنْبك قَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي ذُو ثروة من المَال وَإِن السَّائِل ليأتيني يسألني شَيْئا فَكَأَنَّمَا يستقبلني
стр. 249
بشعلة من نَار قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِلَيْك عني لَا تحرقني بنارك وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْهدى والكرامة لَو أَقمت بَين الرُّكْن وَالْمقَام ثمَّ صليت ألف عَام وَألف عَام حَتَّى تجْرِي من دموعك الْأَنْهَار وتسقي بهَا الْأَشْجَار ثمَّ مت وَأَنت لئيم لأكبك الله فِي النَّار وَيحك أما علمت أَن الْبُخْل كفر وَالْكفْر فِي النَّار وويحك أما علمت أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ الْحَشْر ٩
وأنشدوا
(إِن الْبَخِيل إِذا مَا مَاتَ يتبعهُ ... سوى الثَّنَاء ويحوي الْوَارِث الإبلا)
(يرى الْبَخِيل سَبِيل المَال وَاحِدَة ... إِن الْجواد يرى فِي مَاله سبلا)
٤٠٧ - عظة فِي الحض على الزَّكَاة
فَالله الله يَا معشر الْمُؤمنِينَ كونُوا من الأسخياء الصَّالِحين وَلَا تَكُونُوا من البخلاء الْفَاسِقين فالبخيل هُوَ شريك الشَّيْطَان اللعين قَالَ الله تَعَالَى ﴿وشاركهم فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد وعدهم وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا﴾ الْإِسْرَاء ٦٤ فَكل مَال لَا تُؤدِّي زَكَاته فصاحبه خَازِن الشَّيْطَان وكل مَال أخرجت زَكَاته فصاحبه عَدو الشَّيْطَان حبيب الرَّحْمَن وَعمل بِالسنةِ وَالْقُرْآن وناج من عَذَاب النيرَان وداخل فِي نعيم الْجنان
فَكل من مَاتَ وَترك مَالا قد أدّى زَكَاته فَإِن صَاحبه لَا تزَال الْمَلَائِكَة تكْتب لَهُ الْحَسَنَات إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وكل من مَاتَ وَترك مَالا لم يؤد زَكَاته فَلَا يزَال وزره يجْرِي عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِن وَصله وَقع المَال عِنْد من يُزَكِّيه وَمَا من عبد أدّى زَكَاة مَاله بِطيب من نَفسه إِلَّا جعل الله ذَلِك المَال يَوْم الْقِيَامَة طوقا من نور الْجنَّة يضيء لأهل الْجمع من الْمُؤمنِينَ حَتَّى يجوزوا الصِّرَاط وَيدخل بِهِ الْجنَّة وَمَا من عبد لَا يُؤَدِّي زَكَاة مَاله إِلَّا طوقه الله يَوْم الْقِيَامَة بطوق من نَار جَهَنَّم لَو أَن ذَلِك الطوق وضع فِي الدُّنْيَا لاحترقت الدُّنْيَا كلهَا وتقطعت جبالها وجفت بحارها
فوَاللَّه لَو لم يكن فَخر الْكَرِيم السخي إِلَّا ذكر الله تَعَالَى لَهُ فِي كِتَابه لكفي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ الْحَشْر ٩ فاغتنموا هَذَا الْيَوْم الْفَاضِل فَهُوَ يَوْم تعرف فِيهِ الْكِرَام وتفضح فِي اللئام
وَهَذَا يَوْم عَاشُورَاء يَوْم تَوَاتَرَتْ فِيهِ الْأَخْبَار عَن رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يَوْم النَّفَقَة فِي الله فِيهِ مخلوفة
стр. 250
وَالنَّفقَة فِيهِ فِي غير الله متلوفة
فَإِذا كَانَ هَذَا الْيَوْم تخلف فِيهِ النَّفَقَات فَأولى أَن تغْفر فِيهِ الخطيئات وتتضاعف فِيهِ الْحَسَنَات وينجي الله فِيهِ الْمُؤمنِينَ من الْعَذَاب والعقوبات يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَوَات وَتظهر فِيهِ السرائر والخفيات
وأنشدوا
(يَا جَامع المَال يَرْجُو أَن يَدُوم لَهُ ... كل مَا اسْتَطَعْت وَقدم للموازين)
(وَلَا تكن كَالَّذي قد قَالَ إِذْ حضرت ... وَفَاته ثلث مَالِي للْمَسَاكِين)
رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ أَي الصَّدَقَة أفضل فَقَالَ (أَن تَتَصَدَّق وَأَنت صَحِيح حَرِيص شحيح تَأمل الْعَيْش وتخشى الْفقر وَلَا تمهل حَتَّى إِذا بلغت الْحُلْقُوم قلت لفُلَان كَذَا وَلفُلَان كَذَا
٤٠٨ - من خلف ثروة لبيت المَال
ذكر أَن رجلا مَاتَ بِالْمَدِينَةِ من أهل الْيمن وَخلف مَالا كثيرا فَأخْبر بِخَبَرِهِ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ هَل من وَارِث فَقَالُوا لَا يَا رَسُول الله فَقَالَ ﷺ (من لَا وَارِث لَهُ فَمَاله لبيت مَال الْمُسلمين) فَأمر رَسُول الله ﷺ أَن يحضر المَال فَيَجِيء بِالْمَالِ إِلَى الْمَسْجِد فَوضع حَتَّى غَابَ رَسُول الله ﷺ من الْجَانِب وَغَابَ النَّاس من الْجَانِب الآخر من حلي وَذهب وورق وَثيَاب
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (ارْفَعُوا المَال إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين) فَرفع كَمَا أَمر رَسُول الله ﷺ فَالْتَفت عبد الله بن عمر ﵁ فِي الْمَسْجِد فَوجدَ فرْصَة من ذهب فِيهَا قِيرَاط فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذِه من ذَلِك المَال فَأَخذهَا رَسُول الله ﷺ ووضعها فِي كَفه وَجعل يقلبها فِي يَده ثمَّ قَالَ ﷺ (لَو تصدق بهَا فِي حَيَاته حِين كَانَ صَحِيحا شحيحا يأمل الْعَيْش ويخشى الْفقر كَانَت أحب إِلَيْهِ من هَذَا المَال كُله يُعْطي من بعده فِي سَبِيل الله فَالله الله عباد الله اسمعوا صَوَاب الْمقَال وَبَادرُوا إِلَى حسن الفعال وَلَا تغتروا بالعز وَالْمَال
فَإِن المَال يذهب وَالدُّنْيَا تخرب ونفسك تَمُوت والمرد غَدا إِلَى الْحَيّ الدَّائِم الْبَاقِي الَّذِي لَا يَمُوت وَاعْلَم يَا أخي أَنَّك مُرْتَهن بِالذنُوبِ وَأَنت محاسب مَطْلُوب مسئول بَين يَدي علام الغيوب فاستعد للسؤال وتهيأ للجدال فِي يَوْم تشيب فِيهِ الرؤوس وتضيق من فظاعة هولة النُّفُوس ذَلِك يَوْم هائل عبوس
يَوْم تضع فِيهِ الْحَوَامِل أحمالها وتزلزل الأَرْض زِلْزَالهَا وَتخرج
стр. 251
بِأَمْر الله بعد ذَلِك أثقالها
يَا مغرور يَا مِسْكين ظلمت الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَتركت مَالك للوارثين وَلم تخف من عُقُوبَة رب الْعَالمين يَوْم يقْتَصّ للمظلومين من الظَّالِمين
وأنشدوا
(وَلَا تكن كَالَّذي قد قَالَ إِذْ حضرت ... وَفَاته ثلث مَالِي للْمَسَاكِين)
رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ أَي الصَّدَقَة أفضل فَقَالَ (أَن تَتَصَدَّق وَأَنت صَحِيح حَرِيص شحيح تَأمل الْعَيْش وتخشى الْفقر وَلَا تمهل حَتَّى إِذا بلغت الْحُلْقُوم قلت لفُلَان كَذَا وَلفُلَان كَذَا)
(يَا جَامع المَال لأولاده ... يخْشَى عَلَيْهِم شمت حساده)
(وَلَا يُبَالِي كَيفَ كَانَ الْغَنِيّ ... يغتر بِاللَّه وإيعاده)
(اسْمَع مقَالا سَوف تحظى بِهِ ... إِن أَنْت لم تعْمل بأضداده)
(بنوك إِن لاذوا بمولاهم ... وتابعوا منهاج إرشاده)
(فَالله يكفيهم ويحميهم ... وَالله لَا خلف لميعاده)
(وَإِن يحيدوا عَن سَبِيل الْهدى ... وَقَابَلُوا الدّين بإفساده)
(فقد يكن مَالك عونا لَهُم ... فِي طَاعَة اللَّهْو وأجناده)
قيل وقف رجل فِي حَلقَة مَنْصُور بن عمار فِي يَوْم عَاشُورَاء فَقَالَ أَيهَا النَّاس رحم الله من تصدق من فضل وَأنْفق من كفاف وآثر فِي فاقة
فَقَالَ لَهُم مَنْصُور معشر النَّاس مَا ترك مِنْكُم أحدا
فَلم يكن أحد فِي الْمجْلس إِلَّا واساه قَالَ مَنْصُور بن عمار اللَّهُمَّ عجل لَهُم بالخلف فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب الجزيل فِي الْآخِرَة قَالَ مَنْصُور فَلَقَد افتقدت أهل مجلسي كلهم وَاحِدًا بعد وَاحِد بعد ذَلِك بعام فَمَا مِنْهُم إِلَّا من قَالَ أخلف الله عَليّ سبعين ضعفا مِمَّا أَعْطَيْت
قَالَ مَنْصُور فَأَخَذَتْنِي عَيْنَايَ فَنمت فَرَأَيْت قَائِلا يَقُول أبشر يَا مَنْصُور قد غفر الله لجَمِيع من كَانَ فِي ذَلِك الْمجْلس فَأخْبرهُم بذلك وَقد غفرت لَك فَأَنت الَّذِي دللتهم على الْخَيْر فَالله الله يَا عباد الله تفضلوا على أَنفسكُم بأموالكم فَلَيْسَ أحد مِنْكُم أَحَق بهَا من نَفسه
٤٠٩ - تحذير من الْبُخْل
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن ملكا يُنَادي كل يَوْم تَحت الْعَرْش الويل ثمَّ الويل لمن ترك عِيَاله بِخَير وَقدم على الله بشر
وأنشدوا
стр. 252
(لَا تؤثرن بِمَا جمعت سواكا ... الْمَوْت لَا تَدْرِي مَتى يغشاكا)
(إِن الْبَنِينَ مَعَ الْبَنَات رَأَيْتهمْ ... يتطلعون ويشتهون فناكا)
(من كَانَ يعلم أَن مَالك مَاله ... بعد الْمَمَات فَلَا يحب بقاكا)
فَالله الله عباد الله اجتهدوا وارغبوا فِي ثَوَاب يَوْم فَضله الرَّحْمَن ووعد من أدّى زَكَاة مَاله جنَّة الرضْوَان وأناب مؤدي الزَّكَاة إخلاص الْإِيمَان وذم مَانع الزَّكَاة وَجعله من أهل الْكفْر والخذلان وَبَين ذَلِك فِي الْقُرْآن
وأنشدوا
(يَا جَامع المَال فِي الدُّنْيَا لوَارِثه ... هَل أَنْت بِالْمَالِ بعد الْمَوْت تنْتَفع)
(قدم لنَفسك قبل الْمَوْت فِي مهل ... فَإِن حظك بعد الْمَوْت يَنْقَطِع)
٤١٠ - من أقْرض الله فضاعفه لَهُ
ذكر أَن رجلا دخل بعض الْأَسْوَاق فِي يَوْم عَاشُورَاء فَسمع سَائِلًا يَقُول ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفه لَهُ وَله أجر كريم﴾ الْحَدِيد ١١ قَالَ فَقَامَ إِلَيْهِ رجل من التُّجَّار فَأعْطَاهُ عشرَة دَنَانِير فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْقَابِل إِذا بِالرجلِ السَّائِل قد جَاءَ وَحَوله فُقَرَاء يتبعونه وَهُوَ يفرق عَلَيْهِم الصَّدَقَة فَقَالَ الرجل الَّذِي رَآهُ حِين أعطَاهُ الرجل الْعشْرَة دَنَانِير يَا أخي أَقْسَمت عَلَيْك أما أَنْت الَّذِي أَعْطَاك فلَان التَّاجِر الْعشْرَة دَنَانِير عَام أول فِي يَوْم عَاشُورَاء قَالَ نعم قَالَ قلت ألم تَكُ فَقِيرا ذَلِك الْيَوْم قَالَ بلَى قَالَ قلت لَهُ فَمَا أَغْنَاك قَالَ لما علم الله صدق نيتي وَأَنِّي مَا أخذت الصَّدَقَة إِلَّا وَأَنا مُحْتَاج وَعلم الله تَعَالَى طيب نفس الْمُتَصَدّق بإعطائها بَارك لي فِي تِلْكَ الْعشْرَة دَنَانِير وأنماها لي حَتَّى وَجَبت عَليّ الْيَوْم عشرَة دَنَانِير زَكَاة فِي مَالِي قَالَ فَلَمَّا سَمِعت مِنْهُ ذَلِك مضيت إِلَى الرجل الَّذِي كَانَ تصدق عَلَيْهِ بِالْعشرَةِ دَنَانِير فَقلت صف لي قصتك فِي الْعَام الْمَاضِي فِي يَوْم عَاشُورَاء إِذْ جَاءَ الرجل الَّذِي قَالَ ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفه لَهُ وَله أجر كريم﴾ الْحَدِيد ١١ فَقَالَ الرجل الْمُتَصَدّق إِنَّه لما قَرَأَ هَذِه الْآيَة وَقع فِي نَفسِي أَن الله سُبْحَانَهُ سيخلف عَليّ فِي الدُّنْيَا ويوفيني فِي الْآخِرَة الْأجر الْكَرِيم فَبت على هَذِه النِّيَّة فَرَأَيْت رَبِّي ﷻ فِي مَنَامِي وَهُوَ يَقُول يَا عَبدِي قد أنجزت الْأَمريْنِ وَقد أوجبت لَك الْجنَّة
стр. 253
٤١١ - يَوْم عَاشُورَاء وَقتل الْحُسَيْن
فالعجب كل الْعجب من بعض جهلة النَّاس الَّذِي يذمون يَوْم عَاشُورَاء ويسمونه يَوْم النحس لقتل الْحُسَيْن ﵁ فِيهِ وَهَذِه غَايَة السخافة فِي الْجَهَالَة وَفِي معاندة الْأَخْبَار عَن رَسُول الله ﷺ ومبالغة فِي الرَّد على صَاحب الشَّرِيعَة فِي قَوْله بفضائل يَوْم عَاشُورَاء وَلَوْلَا الْبَغي والعداوة لعدوا ذَلِك من فَضَائِل الْحُسَيْن ﵁ إِذا اسْتشْهد فِي مثل هَذَا الْيَوْم الشريف كَمَا أَن الْوَاحِد منا يَمُوت لَهُ قريب فِي لَيْلَة الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْقدر أَو يستشهد يَوْم الْجُمُعَة أَو يَوْم عَرَفَة فَيكون من فضائله أَو يعد من مناقبه فَكَذَا الْحُسَيْن
هَذَا وَرَسُول الله ﷺ أخبرهُ جِبْرِيل ﵇ بقتْله
٤١٢ - الْحُسَيْن وجده
قَالَت أم سَلمَة ﵂ كَانَ رَسُول الله ﷺ مَعَ الْحُسَيْن فِي منزلي إِذْ دخل عَلَيْهِمَا فطالعتهما من الْبَاب فَإِذا الْحُسَيْن على صدر رَسُول الله ﷺ يلْعَب وَفِي يَد رَسُول الله ﷺ قِطْعَة من طين ودموعه تجْرِي على خديه فَلَمَّا خرج الْحُسَيْن دخلت إِلَيْهِ وَقلت لَهُ بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله اطَّلَعت عَلَيْك وَفِي يدك طِينَة وَالصَّبِيّ على صدرك وَأَنت تبْكي فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ إِنِّي لما فرحت بِهِ وَهُوَ على صَدْرِي يلْعَب إِذْ أَتَانِي جِبْرِيل ﵇ وناولني الطينة الَّتِي يقتل عَلَيْهَا الْحُسَيْن فَلذَلِك بَكَيْت
٤١٣ - رُؤْيا ابْن عَبَّاس لمقتل الْحُسَيْن
وَقيل رأى ابْن عَبَّاس ﵁ فِي مَنَامه يَوْم قتل الْحُسَيْن رَسُول الله ﷺ وَبِيَدِهِ قَارُورَة وَهُوَ يلتقط شَيْئا من الأَرْض قَالَ فَقلت لَهُ مَا هَذَا يَا رَسُول الله قَالَ قتل وَلَدي الْحُسَيْن وَلم أزل مُنْذُ ذَلِك الْيَوْم ألتقط دَمه من الأَرْض وأجمعه فِي القارورة وأرفعه إِلَى الله تَعَالَى
فَكَانَ كَمَا رأى ﵁
وَقيل لما خرج الْحُسَيْن إِلَى الْعرَاق خَوفه أَهله وجزعوا فَلَمَّا رأى جزعهم أنشأ يَقُول
(سأمضي فَمَا فِي الْمَوْت عَار على الْفَتى ... إِذا مَا نوى حَقًا وَحَارب مجرما)
(وواسى الرِّجَال الصَّالِحين بِنَفسِهِ ... وَخَالف مثبورا وَوَافَقَ مُسلما)
(وجاهد فِي الرَّحْمَن حق جهاده ... كفى بك ذلا أَن تعيش فتغرما)
стр. 254
فَلَمَّا قدم الْكُوفَة استقبله الفرزدق فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن مَا وَرَاءَك يَا أَبَا فراس قَالَ أصدقك أم لَا قَالَ الصدْق أُرِيد قَالَ أما الْقُلُوب فمعك وَأما السيوف فَمَعَ بني أُميَّة عَلَيْك
قَالَ لَهُ الْحُسَيْن مَا أَرَاك إِلَّا صدقت إِن النَّاس عبيد لِلْمَالِ فالدين نفق على ألسنتهم يحوطونه مَا ردَّتْ بِهِ معائشهم فَإِذا تحولوا للإبتلاء قل الديانون
ثمَّ التفتت إِلَى أَصْحَابه وَقَالَ على الْخَبِير سقطنا
٤١٤ - آيَات ظَهرت لمقتل الْحُسَيْن
وَقَالَ الْحسن لم نر هَذِه الْحمرَة فِي السَّمَاء إِلَّا حِين قتل الْحُسَيْن وَوجد على حَائِط قسطنطين
(أترجو أمة قتلت حُسَيْنًا ... شَفَاعَة جده يَوْم الْحساب)
وَيُقَال ناحت الْجِنّ على قتل الْحسن سَبْعَة أَيَّام حَتَّى سَمِعت من تَحت السَّبع أَرضين وأبكت الْمَلَائِكَة أَجْمَعِينَ
٤١٥ - حِكَايَة غَرِيبَة
وَقَالَ الْحذاء بن رَبَاح القَاضِي رَأَيْت رجلا مكفوفا قد شهد قتل الْحُسَيْن وَكَانَ النَّاس يأتونه ويسألونه عَن ذهَاب بَصَره قَالَ فَكَانَ يَقُول شهِدت قتل الْحُسَيْن وَلَكِنِّي لم اضْرِب بِسيف وَلم أرم بِسَهْم فَلَمَّا قتل الْحُسَيْن رجعت إِلَى الْمنزل وَصليت الْعشَاء الْأَخِيرَة ونمت فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ لي أجب رَسُول الله ﷺ فَقلت مَا لي وَله فأخذني وجذبني جذبة شَدِيدَة وَانْطَلق بِي إِلَيْهِ فَإِذا رَسُول الله ﷺ جَالِسا فِي الْمِحْرَاب مغتما حاسرا عَن ذِرَاعَيْهِ آخِذا بخده وَبَين يَدَيْهِ نطع وَملك قَائِم بَين يَدَيْهِ وَبَين يَدي الْملك سيف من نَار وَكَانَ لي تِسْعَة من الْأَصْحَاب فَقتل أَصْحَابِي التِّسْعَة كلما ضرب الْملك أحدا التهبت نَفسه نَارا فَكلما قَامَ الْملك صَارُوا أَحيَاء فَقَتلهُمْ مرّة بعد أُخْرَى حَتَّى قَتلهمْ سبع مَرَّات فدنوت من النَّبِي ﷺ وحبوت إِلَيْهِ فَقلت السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَالله مَا ضربت بِسيف وَلَا طعنت بِرُمْح وَلَا رميت بِسَهْم فَقَالَ لي صدقت وَلَكِن كثرت السوَاد أدن مني فدنوت مِنْهُ فَإِذا طشت مَمْلُوء دَمًا من دِمَاء الْحُسَيْن فكحلني من ذَلِك الدَّم فانتبهت أعمى لَا أبْصر شَيْئا
стр. 255
٤١٦ - حِكَايَة عَن قتلة الْحُسَيْن
وَقَالَ الْفضل بن الزبير كنت قَاعِدا عِنْد السّديّ فَجَاءَهُ رجل فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَإِذا مِنْهُ ريح قطران فَقَالَ لَهُ السّديّ أتبيع قطرانا فَقَالَ لَا
قَالَ لَهُ مَا هَذِه الرَّائِحَة قَالَ شهِدت عَسْكَر عمر بن سعد فَكنت أبيع مِنْهُم الْأَوْتَاد الْحَدِيد فَلَمَّا قتل الْحُسَيْن يَوْم عَاشُورَاء بت فِي الْعَسْكَر فرايت رَسُول الله ﷺ فِي النّوم وَالْحُسَيْن وَعلي مَعَهم وَهُوَ يسْقِي المَاء من قتل من أَصْحَاب الْحُسَيْن فاستسقيته فَأبى أَن يسقيني قَالَ فَقَالَ لي أَلَسْت مِمَّن أعَان علينا فَقلت بل كنت أبيعهم أوتاد الْحَدِيد قَالَ فَقَالَ لعَلي أسقه قطرانا قَالَ فناولني قدحا فَشَرِبت مِنْهُ فَكنت ثَلَاثَة أَيَّام أبول القطران ثمَّ ذهب ذَلِك عني وَبقيت هَذِه الرَّائِحَة عَليّ
قَالَ فَقَالَ لَهُ السّديّ كل خبز الْبر وكل من كل النَّبَات واشرب من مَاء الْفُرَات فَمَا أَرَاك تعاين الْجنَّة وَلَا مُحَمَّدًا أبدا
٤١٧ - من استخف بالحسين
حُكيَ أَن رجلا مِمَّن شهد قتل الْحُسَيْن يَوْم عَاشُورَاء قَالَ وعَلى وَجهه الاستخفاف مَا أَكثر مَا يكذب أهل الْعرَاق وَيَقُولُونَ إِنَّه لم يشْهد قتل الْحُسَيْن أحد إِلَّا أُصِيب ببلاء وَإِنِّي حضرت يَوْم قَتله وَلم يُصِبْنِي بلَاء وَلَا شَيْء قَالَ وَكَانَ ضيفا عِنْد قوم فَقَامَ ليصلح السراج فتعلقت بِهِ شرارة من الْمِصْبَاح فاشتعل نَارا وَمَات على الْمَكَان
٤١٨ - بر سُلَيْمَان بن عبد الْملك للحسين
وَحكي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ رأى سُلَيْمَان بن عبد الْملك فِي النّوم أَنه يبره ويلاطفه فَسَأَلَ الْحسن عَن ذَلِك فَقَالَ لَعَلَّك فعلت إِلَى أهل بَيته مَعْرُوفا قَالَ نعم إِنِّي وجدت راس الْحُسَيْن فِي خزانَة يزِيد بن مُعَاوِيَة فكسوته خمْسا من الديباج وَصليت عَلَيْهِ فِي جمَاعَة من أَصْحَابِي وقبرته
فَقَالَ الْحسن إِن رَسُول الله ﷺ قد رَضِي عَنْك بِسَبَب ذَلِك فَأحْسن إِلَى الْحسن الْبَصْرِيّ وَأمر لَهُ بالجوائز
فَعَلَيْكُم بِحِفْظ مقَام الْأَشْرَاف وَلَو كَانُوا فِي غَايَة الْإِسْرَاف
٤١٩ - فِي قتل الْحُسَيْن
وَرَأَيْت فِي كتاب التعازي والعزاء من وضع أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد البللوري أَن الْحُسَيْن رضوَان الله عَلَيْهِ استسقى مَاء حِين قتل فَمنع مِنْهُ وَقتل وَهُوَ
стр. 256
عطشان وأتى الله حَتَّى سقَاهُ من شراب الْجنَّة وَذبح ذبحا وسبيت حرمه وحملن مكشفات الرؤوس على الأكف بِغَيْر وطاء حَتَّى دخلن دمشق وَرَأس الْحُسَيْن بَينهُنَّ على رمح إِذا بَكت إِحْدَاهُنَّ عِنْد رُؤْيَته ضربهَا حارس بِسَوْطِهِ ووقف أهل الذِّمَّة لَهُنَّ فِي سوق دمشق يبصقون فِي وجوههن حَتَّى وقفن بِبَاب يزِيد فَأمر براس الْحُسَيْن فنصب على الْبَاب وَجَمِيع حرمه حوله ووكل بِهِ الحرس وَقَالَ إِذا بَكت مِنْهُنَّ باكية فالطموها
فظللن وَرَأس الْحُسَيْن بَينهُنَّ مصلوب تسع سَاعَات من النَّهَار وَإِن أم كُلْثُوم رفعت رَأسهَا فرأت رَأس الْحُسَيْن فَبَكَتْ وَقَالَت يَا جداه تُرِيدُ رَسُول الله ﷺ هَذَا رَأس حَبِيبك الْحُسَيْن مصلوب وبكت فَرفع يَده بعض الحرس ولطمها لطمة حصر وَجههَا وشلت يَده مَكَانَهُ وَفِي هَذَا يَقُول الْأَزْدِيّ
(لقد ضل قوم أَصْبحُوا فِي تلدد ... سباياهم فِي الْحَرْب آل مُحَمَّد)
(كَمَا ضل سعي الناكبين بعجلهم ... فأعقبهم لعنا بدين التهود)
(ومُوسَى وَعِيسَى بشرا بِمُحَمد ... عَلَيْهِ سَلام الله من متهجد)
(أيا أمة الْإِسْلَام يَا أمة الَّذِي ... هدى الله منا بِالنَّبِيِّ كل مهتد)
(وثوب لأبناء النَّبِي فَلَو ترى ... بَنو اللَّعْن إِذْ عنوا لَهُم بالتهدد)
(بسوق دمشق يبصقون وُجُوههم ... فدَاء لَهَا نَفسِي وَمَا ملكت يَدي)
(فَمَا جرى دمعي يَا حَبِيبِي بناضب ... وَلَا زند ودي للحسين بمصلد)
٤٢٠ - عَمْرو بن اللَّيْث
وَقيل إِن عَمْرو بن اللَّيْث عرض عَلَيْهِ جُنُوده يَوْمًا فَرَأى كَثْرَة عسكره وَكَانَ يحمل بَين يَدَيْهِ إثنا عشر ألف عَمُود من ذهب تَحت كل عَمُود قَائِد من حشمه تَحت يَده ألف فَارس فَلَمَّا رأى ذَلِك اغرورقت عَيناهُ بالبكاء وَقَالَ فِي نَفسه يَا لَيْتَني وَقت قتل الْحُسَيْن بن عَليّ مَعَ هَؤُلَاءِ فَكنت أفديه بنفسي وَمَالِي وحشمي فَرَأى بعض الصَّالِحين فِي مَنَامه رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ قل لعَمْرو بن اللَّيْث أطْلعنَا على مَا خطر بقلبك وَقَبلنَا مِنْك وأعطاك الله تَعَالَى على نيتك وقولك الثَّوَاب الجزيل فَجَاءَهُ فَأخْبرهُ فَبكى بكاء شَدِيدا
٤٢١ - من فَضَائِل عَاشُورَاء
وَمن فَضَائِل يَوْم عَاشُورَاء مَا ذكره وهب بن مُنَبّه قَالَ وهب بن مُنَبّه أنزل
стр. 257
الله خَاتم سُلَيْمَان ﵊ فِي يَوْم عَاشُورَاء وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أسكن آدم الْجنَّة وختمه بِخَاتم الْعِزّ وَقَالَ يَا آدم هَذَا خَاتم عهدي فَإِذا نسيت عهدي يَا آدم اخلعه مِنْك ثمَّ ألبسهُ من أنبيائي من لَا ينسى عهدي وأورثه خلافتك فَفَزعَ آدم وَقَالَ يَا رَبِّي من هَذَا الَّذِي تورثه خلافتي قَالَ الله تَعَالَى ولدك سُلَيْمَان أسلمه من الْكبر وأجعله مثلا للمردة من ولدك الَّذين يفسدون فِي أَطْرَاف الأَرْض ويسمون أنفسهم ملوكا فِي أكنافها
فَأَخذه آدم ﵇ فتختم بِهِ فَكَانَ يضيء لنوره أَشجَار الْجنَّة وتضحك حور الْجنان وتميل الخزنة لرُؤْيَته عجبا مِنْهُ وَمن حسنه وجماله فسبحان من أكْرمه واصطفاه ﷺ حَتَّى عصى ربه وَنسي عَهده طَار الْخَاتم من أُصْبُعه طيرانا فَزعًا مذعورا حَتَّى استجار بِرُكْن من أَرْكَان الْعَرْش وأنطق الله الْخَاتم فَقَالَ إلهي وسيدي هَذَا آدم قد رفضني وَأَنت قد طهرتني بِهِ وجعلتني لأهل الطَّهَارَة فَقَالَ الله ﷻ اسْتَقر فلك الْأمان وسنجعلك لمن نسلمه من الْكبر ونعزه بك على أَن لَا يملكك أحد بعده أبدا فَلَمَّا اصْطفى الله سُبْحَانَهُ سُلَيْمَان ﵇ بالخلافة وَالْولَايَة وَأحب أَن يرى عباده قدرته جعل عَن سُلَيْمَان ﵊ فِي ذَلِك الْخَاتم وأنزله الله سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ يَوْم عَاشُورَاء صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة وَسليمَان قَائِم فِي محرابه وَخَلفه إثني عشر سبطا فِي كل سبط إثني عشر ألفا من الْعلمَاء والحكماء والقضاة من أهل التَّوْرَاة وَالزَّبُور ودراسة الْكتب إِلَّا أَصْحَاب البرانيس والعكاكيز فقد أظلهم الطير من فَوْقهم فَبَيْنَمَا سُلَيْمَان ﵇ فِي قِرَاءَة الزبُور إِذا ناداه جِبْرِيل ﵇
٤٢٢ - خَاتم سُلَيْمَان
وَقَالَ لَهُ السَّلَام عَلَيْك يَا سُلَيْمَان هَذِه هَدِيَّة الله إِلَيْك خُذ هَذَا الْخَاتم فتختم بِهِ فَسجدَ سُلَيْمَان لله رب الْعَالمين شكرا وَسجد من خَلفه من أول النَّهَار إِلَى آخِره تَعْظِيمًا لله وتحميدا لَهُ حَتَّى إِذا رفع رَأسه صعد كرسيه واستقبل النَّاس بِوَجْهِهِ وَرفع إِلَيْهِم الْخَاتم فلمع فِي يَده كالبرق الخاطف فَقَالَ لَهُم هَذَا خَاتم جمع الله لي فِيهِ سلطاني وَعِزَّتِي وفضلني بِهِ على الْعَالمين وَهُوَ خَاتم الطَّاعَة لَا يمسهُ إِلَّا عَزِيز تَقِيّ نقي قَالُوا لَهُ قد أدينا لَك طاعتنا وَأَنت الْعَزِيز التقي النقي الْأمين وَكَانَ على تربيع الْخَاتم مَكْتُوب على الْجَانِب الأول أَنا الله لم أزل وعَلى الثَّانِي أَنا الله الْحَيّ القيوم وعَلى الثَّالِث أَنا الله الْعَزِيز لَا عَزِيز غَيْرِي وعزيز من
стр. 258
ألبسته إِيَّاه وعَلى الرَّابِع آيَة الْكُرْسِيّ مُحِيط بِهِ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله خَاتم الْأَنْبِيَاء
فَهَذِهِ صفة خَاتم سُلَيْمَان ﵇
٤٢٣ - كَيفَ نجا أَسِير
وَحكى أَن أَسِيرًا كَانَ بأيدي الْكفَّار وَكَانُوا يعذبونه فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْم عَاشُورَاء قَالَ اللَّهُمَّ بِحرْمَة هَذَا الْيَوْم عَلَيْك إِلَّا مَا فرجت عني قَالَ فلطف الله بِهِ وَعطف عَلَيْهِ قُلُوب الْكفَّار حَتَّى خلصوه وأفرجوا عَنهُ وَقيل خرج أَسِير فِي يَوْم عَاشُورَاء من بلد الْكفَّار فطلبوه فَلَمَّا رأى الفرسان خَلفه وأيقن أَنه مَأْخُوذ مدرك رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَقَالَ إلهي وسيدي ومولاي بِحرْمَة هَذَا الْيَوْم أَسأَلك أَن تنجيني وتحفظني مِنْهُم فَأعمى الله أَبْصَارهم عَنهُ فنجا وَصَامَ ذَلِك الْيَوْم فَلم يجد شَيْئا يفْطر عَلَيْهِ عِنْد اللَّيْل فَنَامَ وَأطْعم وَسَقَى فِي النّوم لفضل يَوْم عَاشُورَاء
فَعَاشَ بعد ذَلِك عشْرين سنة لم يكن لَهُ حَاجَة إِلَى الطَّعَام وَالشرَاب
وَهَذَا رحمكم الله من فضل يَوْم عَاشُورَاء فاعرفوا حَقه وارغبوا فِي فَضله لَا حرمنا الله فَضله وَغفر لنا فِيهِ مَا أسلفنا من الأوزار والذنُوب وَستر علينا مَا أَتَيْنَا من القبائح والعيوب
٤٢٤ - دعوات صَالِحَة
اللَّهُمَّ كَمَا تبت على آدم فِي عَاشُورَاء فتب علينا وكما نجيت عِيسَى من الْأَعْدَاء فنجنا وكما رفعت إِدْرِيس مَكَانا عَالِيا فارفعنا وكما لعنت فِيهِ إِبْلِيس فأعذنا من سخطك وجنبنا مَعَاصِيك بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ
اللَّهُمَّ ارزقنا الشَّهَادَة والسعادة كَمَا فعلت بهابيل واجعلنا يَا رب من أحبابك كَمَا فعلت بالخليل
اللَّهُمَّ برد علينا نَار الْآخِرَة كَمَا بردت النَّار على خَلِيلك إِبْرَاهِيم وَأهْلك أعداءنا كَمَا أهلكت أَعدَاء مُوسَى فِي اليم
اللَّهُمَّ نجنا من طوفان الشَّهَوَات والهوى وَانْزِلْ علينا السكينَة وَالْوَقار فِي دَار الدُّنْيَا
اللَّهُمَّ اكشف الضّر عَنَّا والبلوى ورد علينا أبصار الْقُلُوب بعد التحير والعمى
стр. 259
اللَّهُمَّ وَإِذا أخرجتنا من سجن الدُّنْيَا فَأَكْرَمَنَا بِملك الْبَقَاء ورد علينا مَا فَاتَ منا من طَيّبَات التقى
اللَّهُمَّ اغْفِر لنا مَا تقدم من ذنوبنا وَمَا تَأَخّر وَمَا أعلنا وَمَا أسررنا وَمَا أَنْت أعلم بِهِ منا بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ
اللَّهُمَّ يَا عماد من لَا عماد لَهُ وَيَا ذخر من لَا ذخر لَهُ وَيَا حرز من لَا حرز لَهُ وَيَا نَاصِر من لَا نَاصِر لَهُ يَا مؤيد قُلُوب العارفين وَيَا مستراح مَذَاهِب المتوكلين وَيَا شَاهد مجَالِس الْخَائِفِينَ وَيَا مقيل عَثْرَة العاثرين وَيَا أرْحم الرَّاحِمِينَ أجب دعاءنا وَلَا تَحْرِمنَا خير مَا عنْدك بشر مَا عندنَا
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّن شملته رحمتك وناله عفوك وعد على مَا تعلم من ذنوبنا بِرَحْمَتك وعَلى مَا سلف من تقصيرنا عَن طَاعَتك مَا وعدتنا من الْإِحْسَان من نَفسك يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام
اللَّهُمَّ يَا سيدنَا كرمت أفعالك بِنَا فعصيناك ووجدناك كَرِيمًا فدعوناك ولقيناك رحِيما فسألناك
اللَّهُمَّ فَكَمَا مننت علينا بالستر والعافية فِي حَال الذَّنب وَالْمَعْصِيَة لَا تَحْرِمنَا الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة فِي حَال التضرع والاستكانة سيدنَا ومولانا ارْحَمْ فِي هَذِه الدُّنْيَا غربتنا وَارْحَمْ عِنْد الْمَوْت صرعتنا وآنس فِي اللحود وحشتنا وَارْحَمْ بَين يَديك ذل موقفنا واغفر لنا مَا خَفِي على النَّاس من أَعمالنَا
اللَّهُمَّ انْظُر إِلَيْنَا النظرة الرِّضَا وأعذنا من نظرة الخزي والعلل
اللَّهُمَّ لَا تجعلنا مِمَّن صرفت عَنهُ وَجهك ومحوت عَنهُ عفوك وأغلقت عَنهُ بَاب التَّوْبَة وَقطعت من يَدَيْهِ أَسبَاب الْعِصْمَة وطبعت على قلبه وأعميته لذنبه ووكلته إِلَى نَفسه إِنَّك على كل شَيْء قدير
اللَّهُمَّ رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار
اللَّهُمَّ يَا رَبنَا وَسَيِّدنَا ومولانا لَا تكلنا إِلَى أَنْفُسنَا طرفَة عين واحفظنا واحفظ علينا مَا رزقتنا وَبَارك لنا فِيمَا أَعطيتنَا وَلَا تجْعَل لأحد من خلقك علينا سُلْطَانا وَلَا سَبِيلا يَا ارْحَمْ الرَّاحِمِينَ
стр. 260
اللَّهُمَّ يسرنَا لليسرى وجنبنا للعسرى
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك من فضلك وعطياك رزقا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ
اللَّهُمَّ إهدنا للهدى وقنا بالتقوى واغفر لنا مغْفرَة واقية فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى
اللَّهُمَّ لَا تدع لنا فِي مقامنا هَذَا ذَنبا إِلَّا غفرته وَلَا دينا إِلَّا قَضيته وَلَا هما إِلَّا فرجته وَلَا مَرِيضا إِلَّا شفيته وَلَا غَائِبا إِلَّا أدنيته وَلَا حَاجَة من حوائج الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مِمَّا يُصْلِحنَا ويرضيك إِلَّا قضيتها
اللَّهُمَّ أد دين المدينين وَفرج عَن المهمومين والمكروبين واكتب سَلامَة الْمُسَافِرين فِي الْبر وَالْبَحْر أَجْمَعِينَ وَجَاز اللَّهُمَّ خير الْمُحْسِنِينَ
اللَّهُمَّ إِن نواصينا بِيَدِك وقلونا فِي قبضتك تعلم منقلبنا ومثوانا وسرنا ونجوانا إِلَيْك مردنا ومصيرنا أَنْت فَوق الْعباد بعزتك أَنْت الْخَالِق وَنحن المخلوقون وَأَنت الْمَالِك وَنحن المملوكون أَنْت الرب وَنحن العبيد أَنْت الْغَنِيّ وَنحن الْفُقَرَاء إسمع دعاءنا وَلَا تقطع منا فِي كل مَا سألناك ورغبنا إِلَيْك رجاءنا فَإِن ذَلِك عَلَيْك يسير وَأَنت نعم الْمولى وَنعم النصير وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله وأزواجه الطاهرات أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب
стр. 261
١٦ - مجْلِس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾
٤٢٥ - مثل ضربه الله الْمولى الْبَصِير السَّمِيع لقلب العَبْد الْمُؤمن الْمُطِيع وَمَا أودعهُ من الْإِيمَان والمعرفة فِي الْقُرْآن من نور الْملك الرَّحْمَن
فَقَالَ خَالق الطول وَالْعرض الَّذِي عبد بالنوافل وَالْفَرْض ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ النُّور ٣٥ أَي بنوره ﷻ يَهْتَدِي من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض
ثمَّ قَالَ ﵎ ﴿مثل نوره﴾ النُّور ٣٥ يَعْنِي النُّور الَّذِي جعل فِي قلب الْمُؤمن وَهَذَا قَول جُمْهُور الْمُفَسّرين ﴿كمشكاة﴾ النُّور ٣٥ يَعْنِي قلب الْمُؤمن والمشكاة هِيَ الكوة غير نَافِذَة وَذَلِكَ أَن الكوة إِن كَانَت غير نَافِذَة وَكَانَ فِيهَا قنديل الزّجاج وَلَا يُقَال للزجاجة قنديل حَتَّى يكون فِيهَا مِصْبَاح وَهُوَ السراج فَإِذا كَانَ الْمِصْبَاح فِي زجاجة صَافِيَة فِي كوَّة غير نَافِذَة انْضَمَّ النُّور وَاجْتمعَ وَلم يجد لَهُ منفذا فَتكون الكوة أَكثر نورا مِمَّا لَو كَانَت نَافِذَة وَهَذِه مُبَالغَة من الله فِي وصف قلب الْمُؤمن ثمَّ إِن الله تَعَالَى خلق الْخلق ضروبا مُخْتَلفَة فَإِذا كَانَت أنوار الْمعرفَة وَالْإِيمَان فِي قلب العَبْد اسْتدلَّ وَنظر بِنور الله تَعَالَى وأخذته الفكرة فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَفِي عَظمَة الله ﵎ فَإِذا كَانَ العَبْد كَذَلِك تمكن من قلبه الْخَوْف فَعِنْدَ ذَلِك يتبع الْقُرْآن وَالْأَحْكَام ويتجنب الْفَوَاحِش والآثام من كَثْرَة النُّور الَّذِي جعله فِي قلبه الْملك العلام
فَهَذَا الصِّنْف الَّذِي أثنى عَلَيْهِ الله فِي كِتَابه الْعَزِيز
فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لآيَات لأولي الْأَلْبَاب﴾ آل عمرَان ١٩٠ ثمَّ نعتهم الْمولى بالتذكير والتفكير فَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين يذكرُونَ الله قيَاما وقعودا وعَلى جنُوبهم ويتفكرون فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ آل عمرَان ١٩١ إِلَى قَوْله ﴿عَذَاب النَّار﴾ فَلَمَّا جعل الله ﵎ نور الْإِيمَان فِي قُلُوبهم أيقنوا أَن الله خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس
стр. 262
وَالْقَمَر وَعَلمُوا بِنور الْهدى إِنَّمَا خلق الله ذَلِك ليطاع وَلَا يعْصى وَعَلمُوا أَن الْجنَّة جَزَاء لمن أطاعه وَالنَّار جَزَاء لمن عَصَاهُ
فاستعملوا قُلُوبهم بالفكرة وجالت أَبْصَارهم فِي مصنوعات الله بالعبرة فَلَا يقدر وَاحِد مِنْهُم أَن يُبَاشر شَيْئا من الْمُنْكَرَات وَلَا يضيع شَيْئا من الطَّاعَات
٤٢٦ - النُّور هُوَ الْهدى
قَالَ بعض أهل الْعلم أَرَادَ الله ﵎ بِهَذَا النُّور الْهدى وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ نور شُعَاع وَلَا ضِيَاء لِأَن الله ﵎ لَا يُوصف بلون من الألوان وَلَا يشبه بِملك وَلَا إِنْسَان ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ الشورى ١١ وَقَالَ بعض الْعلمَاء هَذَا مثل ضربه الله بَارك وَتَعَالَى فِي وصف نور مُحَمَّد ﷺ الَّذِي هدى بِهِ الْمُؤمنِينَ واستنقذهم بِهِ من موارد الهالكين لِأَن الله تَعَالَى رحم بِمُحَمد ﷺ الْعباد وأنقذهم بِهِ من جَهَنَّم وَبئسَ المهاد
وَأوجب لَهُم الِاقْتِدَاء بِنور الْجنَّة وَأعظم عَلَيْهِم بِهِ الْمِنَّة
ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فِيهَا مِصْبَاح﴾ النُّور ٣٥ أَي وَلَو لم يسرج بِهِ من شدَّة صفائه تمّ الْكَلَام ثمَّ ابْتَدَأَ تَعَالَى فَقَالَ ﴿نور على نور﴾ النُّور ٣٥ يَعْنِي سِرَاجًا ﴿الْمِصْبَاح فِي زجاجة الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَب دري يُوقد من شَجَرَة مباركة زيتونة لَا شرقية وَلَا غربية﴾ النُّور ٣٥ الْآيَة
فَشبه الله تَعَالَى الْقنْدِيل فِي شدَّة بياضه وتلألؤه بكوكب دري يُوقد ذَلِك الْمِصْبَاح بِزَيْت من شَجَرَة لَا شرقية وَلَا غربية أَي لَا بارزة للشمس كل النَّهَار فتحرقها الشَّمْس بحرها وَلَا غربية أَي وَلَا مستترة بالظل فيؤذيها الظل بِبرْدِهِ كل النَّهَار وَلكنهَا شرقية غربية تصيبها الشَّمْس بعض النَّهَار وَإِذا كَانَت الشَّجَرَة كَذَلِك فَهُوَ أَنْضَرُ لَهَا وَأَجد لحملها وأنور لزيتها
ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار﴾ النُّور ٣٥ يَعْنِي نور الْمِصْبَاح على نور الزجاجة وصفاء الزَّيْت
وَهَذَا مثل ضربه الْملك الْجَبَّار لقلوب الْمُؤمنِينَ الْأَبْرَار قَالَ ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه﴾ الزمر ٢٢ فنور الْهدى إِذا دخل الْقلب اِنْفَسَحَ وانشرح وزالت عَنهُ الْأَسْبَاب الْمَانِعَة عَنهُ الضَّلَالَة وَالْمَعْصِيَة فَعِنْدَ ذَلِك ذكر الْجَوَارِح بِالْأَعْمَالِ الْمُوجبَة لدار
стр. 263
الْقَرار والمنجية من سخط الْملك الْجَبَّار ومدار ذَلِك كُله على الْقلب وَالْقلب هُوَ سُلْطَان الْبدن فَإِذا صلح صلح جَمِيع الْجَسَد وَإِذا فسد فسد جَمِيع الْجَسَد وصلاحه إِنَّمَا هُوَ بِنور الْإِيمَان وبنظر الْملك الرَّحْمَن وفساده إِنَّمَا هُوَ بظلمة الْعِصْيَان ووسواس الْعَدو الشَّيْطَان وَلذَلِك ورد الْخَبَر عَن سيد الْبشر إِن فِي ابْن آدم لمضغة إِذا صلحت صلح الْجَسَد وَإِذا فَسدتْ فسد سَائِر الْجَسَد أَلا وَهِي الْقلب
٤٢٧ - شَجَرَة الزَّيْتُون
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿قد جَاءَكُم من الله نور وَكتاب مُبين﴾ الْمَائِدَة ١٥ وَقَالَ ﴿وأنزلنا إِلَيْكُم نورا مُبينًا﴾ النِّسَاء ١٧٤ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نورا نهدي بِهِ من نشَاء من عبادنَا﴾ الشورى ٥٢ وَقَوله تَعَالَى ﴿زيتونة لَا شرقية وَلَا غربية﴾ النُّور ٣٥ لَا شرقية تطلع عَلَيْهَا الشَّمْس كل النَّهَار فتحرقها وَلَا غربية يُصِيبهَا الظل كل النَّهَار فيظلها وَهِي أفضل مَا يكون من الشّجر
وَهَذَا مثل ضربه الله تَعَالَى فِي وصف نبيه مُحَمَّد ﷺ والنور الَّذِي أنزل عَلَيْهِ هُوَ الْقُرْآن
فَالله تَعَالَى قد وصف الشَّجَرَة بِأَنَّهُ حفظهَا من الشَّمْس والظل فَكَذَلِك حفظ لنا الْقُرْآن فَلم يَقع فِيهِ تَحْرِيف وَلَا بهتان وَلَا زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَلَو جعل الله حفظه إِلَيْنَا وَقع فِيهِ التحريف والتبديل كَمَا وَقع فِي الْكتب الْمُتَقَدّمَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿بِمَا استحفظوا من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء﴾ الْمَائِدَة ٤٤ ثمَّ أخبرنَا عَنْهُم أَنهم حرفوا وبدلوا فَقَالَ تَعَالَى ﴿يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه ونسوا حظا مِمَّا ذكرُوا بِهِ﴾ الْمَائِدَة ١٣ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله﴾ الْبَقَرَة ٧٩ فاخبرنا الْملك الرَّحْمَن فِي مُحكم الْقُرْآن أَنهم أوقعوا فِي كتبهمْ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان والتحريف والبهتان
وخبرنا مَوْلَانَا عَن الْقُرْآن أَنه الْحَافِظ لَهُ بقوله ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ الْحجر ٩ وَمَا حفظ الْملك الديَّان فَلَا يَقع فِيهِ زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَلَا تَحْرِيف وَلَا بهتان
فكتابنا قد حفظه الْملك الْجَلِيل فَسلم من التحريف والتبديل وَكَذَلِكَ حفظ نبيه مُحَمَّدًا ﷺ وَعَصَمَهُ وهداه فَقَالَ تَعَالَى فِي عصمته لنَبيه حَبِيبه وَصفيه ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ الْمَائِدَة ٦٧ وَقَالَ ﵎ فِي هدايته لنَبيه ﴿ويهديك صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ الْفَتْح ٢ فَأخْبرنَا مَوْلَانَا الْعَزِيز الْحَكِيم عَن
стр. 264
مُحَمَّد النَّبِي الرؤوف الرَّحِيم أَنه قد هداه إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وأعاذه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَحفظه الْملك الرَّحْمَن من الشّرك والكفران والعوج والبهتان فَقَالَ لَهُ الديَّان فِي مُحكم الْقُرْآن ﴿قل إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دينا قيمًا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ الْأَنْعَام ١٦١ فهداه الله ﵎ إِلَى الْحق الْمَعْلُوم وَعلمه مَا لم يكن يعلم من دقائق الْعُلُوم فَأدى رِسَالَة ربه غير مقصر وَلَا مَذْمُوم وَلَا مفرط وَلَا ملوم فَأخْبرنَا الْحَيّ القيوم عَن النَّبِي الصَّادِق المرحوم أَنه قد بلغ كتاب ربه الْمَعْلُوم وَقَالَ لَهُ ﴿فتول عَنْهُم فَمَا أَنْت بملوم﴾ الذاريات ٥٤ وَقد أخبرنَا الْملك الْجَبَّار أَنه أَمر نبيه الْمُخْتَار بتبليغ الرسَالَة ليستنقذ الْمُؤمنِينَ من النَّار فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك﴾ الْمَائِدَة ٦٧ فَأمره تَعَالَى بالتبليغ وَأخْبر عَنهُ أَنه قد بلغ
وَمَا حفظ الْملك القهار لقلوب الْمُؤمنِينَ الْأَبْرَار فَقَوله تَعَالَى ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ الْحجر ٤٢ فَصَارَ الْمُؤمن فِي عصمَة الله ﵎ وَحفظه لما دخل نور الْهدى فِي قلبه
فَهَذَا مثل ضربه الله الْعَزِيز الْحَكِيم المنان المتفضل الْكَرِيم لنَبيه الصَّادِق الْأمين ولكتابه النُّور الْمُبين
ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ النُّور ٣٥ فَهُوَ تَعَالَى عَالم بِمَا كَانَ وَمَا يكون وَمَا لم يكن وَلَا يكون أَن لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون
ثمَّ إِن الله ﵎ أثنى على الْمُؤمنِينَ المحافظين على أَدَاء الصَّلَوَات الذَّاكِرِينَ لله فِي الْمَسَاجِد فِي جَمِيع الآناء والأوقات الْخَائِفِينَ من عُقُوبَة رب الْأَرْضين وَالسَّمَوَات فَقَالَ رب الأرباب وَسيد السادات فِي مُحكم الْكتاب ﴿بيُوت أذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه يسبح لَهُ فِيهَا﴾ النُّور ٣٦ الْآيَة
أَي يذكر فِيهَا جَمِيع مَا أنزل الْمولى من أَسْمَائِهِ الْحسنى وَصِفَاته العلى لَا يذكر فِيهَا زور وَلَا بهتان وَلَا غيبَة وَلَا عصيان وَلَا نميمة على اللِّسَان وَإِنَّمَا جعلهَا الله تَعَالَى للسّنة وَالْقُرْآن وَعبادَة الْملك الديَّان لَا يذكر فِيهَا لَغْو وَلَا تأثيم لِأَنَّهَا إِنَّمَا جعلت لأَدَاء فرض الْعَزِيز الْحَكِيم
٤٢٨ - الْمَسَاجِد لذكر الله
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (إِذا سَمِعْتُمْ الْأَصْوَات قد علت فِي الْمَسَاجِد فِي غير ذكر الله فَلَا تُجَالِسُوهُمْ فَلَيْسَ لله فيهم حَاجَة)
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (إِذا علت الْأَصْوَات فِي الْمَسَاجِد فِي ذكر
стр. 265
الدُّنْيَا تقف عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة فَيَقُولُونَ لَهُم اسْكُتُوا يَا أَوْلِيَاء الله اسْكُتُوا يَا أَعدَاء الله اسْكُتُوا عَلَيْكُم لعنة الله وَقَوله ﴿وَيذكر فِيهَا اسْمه﴾ النُّور ٣٦ يذكر فِيهَا جَمِيع مَا أنزل الْعَلِيم الْخَبِير فِي كِتَابه الْمُبين وَجَمِيع مَا أَمر بِهِ الصَّادِق البشير النذير
قَالَ الله مَوْلَانَا الَّذِي بِيَدِهِ ضلالنا وهدانا ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ الْحَشْر ٧ وَقد نَهَانَا مُحَمَّد ﷺ عَن فضول الْكَلَام فِي كل مَكَان
فَإِذا كَانَ فضول الْكَلَام وبالا على الْعباد فِي غير الْمَسَاجِد فَأولى أَن يتحفظ العَبْد عَن الْكَلَام فِي غير ذكر الله فِي الْمَسَاجِد
٤٢٩ - كلمة السوء
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (إِن العَبْد ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ فَينزل بهَا فِي النَّار أبعد مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب)
فَهَذَا ثَنَاء من أسْرع الحاسبين على عمار الْمَسَاجِد الْمُؤمنِينَ
وَقد أثنى عَلَيْهِم الْملك الرَّحْمَن فِي مُحكم الْقُرْآن حَيْثُ أوجب لَهُم الْإِيمَان ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَلم يخْش إِلَّا الله﴾ التَّوْبَة ١٨
وَجَاء فِي الْخَبَر عَن سيد الْبشر ﷺ أَنه قَالَ (إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يَقُول الْجَبَّار ﵎ أَيْن جيراني فَتَقول الْمَلَائِكَة مَوْلَانَا وَمن يَنْبَغِي أَن يكون جَارك فَيَقُول الله ﵎ يَا ملائكتي أَيْن عمار الْمَسَاجِد فِي الدُّنْيَا)
وَأنْشد يحيى بن معَاذ بِعَرَفَات
(إِلَيْك جِئْنَا وانت جِئْت بِنَا ... وَلَيْسَ شَيْء سواك يغنينا)
(فناك رحب وَأَنت ذُو كرم ... تَدْعُو إِلَى بابك المساكينا)
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يخَافُونَ يَوْمًا تتقلب فِيهِ الْقُلُوب والأبصار﴾ النُّور ٣٧ يُرِيد أَن الْقُلُوب يَوْم الْقِيَامَة تعرف أمره يَقِينا فتتقلب وَمَا كَانَت عَلَيْهِ من الْكفْر وَالشَّكّ فِي الْحساب والبعث وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالنَّعِيم وَالْعَذَاب فترى الْأَبْصَار يَوْمئِذٍ مَا كَانَ عَنْهَا مغطى بقوله تَعَالَى ﴿لقد كنت فِي غَفلَة من هَذَا فكشفنا عَنْك غطاءك فبصرك الْيَوْم حَدِيد﴾ ق ٢٢ وَقيل تتقلب الْأَبْصَار من الكحولة إِلَى الزرقة وَمن الْبَصَر إِلَى الْعَمى وَمن بَيَاض الْوَجْه إِلَى السوَاد والقلوب تتقلب من الشَّك إِلَى الْيَقِين وَمن الْأَمْن إِلَى الْخَوْف ثمَّ لم يوقنوا بِالْبَعْثِ حَتَّى عاينوه وَلم
стр. 266
يصدقُوا بِالْعَذَابِ حَتَّى شاهدوه
ثمَّ ضرب الله ﵎ مثلا للْكَافِرِينَ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين كفرُوا أَعْمَالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مَاء﴾ النُّور ٣٩ يرَاهُ من الْبعد ﴿حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا﴾ النُّور ٣٩ كَذَلِك الْكَافِر بِحَسب مَا قدم من عمله فِي الدُّنْيَا يَنْفَعهُ بل وجده بلَاء وحسرة عَلَيْهِ لِأَن الله ﵎ محقه وأبطله بالنفاق وَالْكفْر لِأَنَّهُ عمل لم يعمله لوجه الله ﵎ وَلَا ينفع من الْأَعْمَال كلهَا إِلَّا مَا كَانَ لوجه الله خَالِصا وَالْكَافِر وَالْمُنَافِق لم يرد بِعَمَلِهِ وَجه الله تَعَالَى فنعوذ بِاللَّه من النِّفَاق وَالْكفْر بعد الْإِيمَان وَمن زَوَال النِّعْمَة بعد الْإِحْسَان وَمن القطيعة والحرمان وَمن ترك الزِّيَادَة وَلُزُوم النُّقْصَان وَمن ترك الْعِزّ وَاتِّبَاع الهوان وَترك الْمولى الْكَرِيم وصحبة الشَّيْطَان
ثمَّ وصف الْجَبَّار ﷻ وتقدست أسماؤه الرِّجَال الَّذين يسبحون لَهُ بالمساجد فَقَالَ ﵎ ﴿يسبح لَهُ فِيهَا﴾ النُّور ٣٦ يَعْنِي الْمَسَاجِد ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله﴾ النُّور ٣٦ فسبحان من لَو سجدنا لَهُ على جمر الغضا وحرارة الرمضاء مَا بلغنَا جُزْءا وَاحِدًا من فنَاء الْأَعْدَاء من حق الْملك الْجواد الَّذِي أنعم علينا بِنِعْمَة الْإِسْلَام وفضلنا بِمُحَمد ﵊ خير نَبِي وَأكْرم إِمَام شَاهدا علينا فِي جَمِيع الْأَحْكَام وَجعل هَذِه الْأمة شُهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة على النَّاس يَوْم تشقق فِيهِ السَّمَاء بالغمام
فَمن كَانَت هَذِه النِّعْمَة من بعض نعمه عَلَيْهِم كَيفَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَة أَو بيع عَن ذكر الله وتجارتهم مَعَ الله رابحة ومحاسنهم لِذَوي الْأَلْبَاب لائحة
ثناؤهم عطر الْأَنَام فَهُوَ بَين لناس كالأعلام بهم يستمطرون الْغَيْث إِذا حجب وَفِي جُمْلَتهمْ يحْشر السعيد والنجيب وَمن فاخرهم يخب وَمن حاربهم نكب وَمن أقلع إِلَيْهِم بِغَيْر ريح عطب بدعائهم يستمطر الْغَمَام فَهُوَ دَوَاء الآلام وشفاء الأسقام وبهم يستنقذ المغلوب وبهم يفرج الله عَن المكروب كروبهم كشف الْعَمى عَن الْقُلُوب وبهم تغْفر الْخَطَايَا والذنُوب وَمن اقْتدى بهم تجنب الآثام والذنُوب وأقلع عَن القبائح والعيوب وَبلغ من رَحْمَة مَوْلَاهُ المنى والمرغوب وبهم يتَوَصَّل إِلَى غَايَة المحبوب
وأنشدوا
(وَرَبك لَو أَبْصرت يَوْمًا تَتَابَعَت ... عزائمهم حَتَّى لقد بلغُوا الجهدا)
(لأبصرت قوما جانبوا النّوم وَارْتَدوا ... بأردية التسهاد واستقربوا البعدا)
стр. 267
(وصاموا نَهَارا دَائِما ثمَّ أفطروا ... على بلغ الأقوات واستعملوا الكدا)
(أُولَئِكَ قوم حسن الله فعلهم ... وأورثهم من حسن فعلهم الخلدا)
رجال جالت قُلُوبهم فِي الملكوت رجال تَفَكَّرُوا فِي العظمة والجبروت رجال استقاموا على عبَادَة الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت رجال خطرت على قُلُوبهم الأشجان وأتعبوا النُّفُوس والأبدان وتسربلوا الْخَوْف وَالْأَحْزَان وَأَقْبلُوا على مَوْلَاهُم كورود الظمآن
شربوا بكأس الزلَال مَعَ الْيَمين وتأسوا بِسَيِّد الْمُرْسلين وَعمِلُوا أَعمال الصَّالِحين وأتبعوا سيرة الْمُؤمنِينَ واستقاموا على طَرِيق الْهدى وَالدّين
رجال شربوا بكأس الوداد وَالْحب فكشف لَهُم حجب الْغَيْب وَغفر لَهُم مَا عمِلُوا من ذَنْب فأشعلوا فِي قُلُوبهم نيران خوف الْملك الرب
رجال أقلقهم خوف الْوَعيد وأنحل أجسامهم التفكر الشَّديد رجال تجنبوا الْفَوَاحِش والآثام ولذيذ الشَّرَاب وَالطَّعَام رجال ليلهم قيام ونهارهم صِيَام يطْلبُونَ رضَا ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام
وأنشدوا
(سقوا كأس الْمحبَّة فاطمأنت ... قُلُوبهم وهيجها الْيَقِين)
(إِلَى ملك تحن إِلَيْهِ شوقا ... وَلَيْسَ لَهَا إِلَى أحد حنين)
(يمِيل بهم هبوب الْقرب ميلًا ... كَمَا مَالَتْ مَعَ الرّيح الغصون)
رجال كحلوا أَعينهم بالسهر وغضوها عَمَّا لَا يحل من النّظر وشغلوا خواطرهم بالفكر وأشغلوا قُلُوبهم بالعبر رجال أزعجوا أنفسهم عَن الأوطان ولزموا مَسَاجِد الْملك الرَّحْمَن وجالت قُلُوبهم فِي عُلُوم الْقُرْآن وَمَا واعدهم وتواعدهم بِهِ الْمَاجِد الديَّان
وأنشدوا
اخْتصم الطّرف مَعَ فُؤَادِي ... فِي وصارا إِلَى عناد)
(فَقَالَ طرفِي أَن ابْتليت ... بطول ليلِي وبالسهاد)
(وَقَالَ قلبِي أَنا المقلا ... بالكرب الصعبة الشداد)
(فَقَالَ جسمي قتلتماني ... أَنا الَّذِي ذبت فِي الْجِهَاد)
٤٣٠ - الزهاد
رجال قد نحلت مِنْهُم الْأَبدَان وتغيرت مِنْهُم المحاسن والألوان وَخَوف الْعَذَاب والنيران وشوقا إِلَى نعيم الْجنان
رجال صحبوا الْقُرْآن بِحسن الْعَمَل وَلم
стр. 268
يغتروا بطول الأمل ونصبوا لأعينهم تقريب الْأَجَل وسمت هممهم إِلَى الرفيع من الْمحل واشتاقت نُفُوسهم إِلَى الْملك الْأَعْلَى الْأَجَل فَلَو رَأَيْتهمْ لرأيت قوما يَتلون كتاب الله بشفاه ذابلة ودموع وابلة وزفرات قاتلة وأجسام ناحلة وعقول زائلة وخواطر فِي عَظمته ﷻ جائلة
وأنشدوا
(لله قوم شروا لله أنفسهم ... فأتعبوها بزجر الله أزمانا)
(أما النَّهَار فقد وافوا صِيَامهمْ ... وَفِي الظلام تراهم فِيهِ رهبانا)
(أبدانهم أَتعبت فِي الله أنفسهم ... وأنفس أَتعبت فِي الله أبدانا)
(ذَابَتْ لحومهم خوف الْعَذَاب غَدا ... وَقَطعُوا اللَّيْل تسبيحا وقرآنا)
رجال إِذا نظرُوا اعتبروا وَإِذا سكتوا تَفَكَّرُوا وَإِذا ابتلوا استرجعوا وَإِذا جهل عَلَيْهِم حلموا وَإِذا علمُوا تواضعوا وَإِذا عمِلُوا رفقوا وَإِذا سئلوا بذلوا عونا للوارد وتفضيلا للقاصد حلفاء صدق وكهوف ودق قد عمِلُوا بِالسنةِ وَالْكتاب ونطقوا بالحكمة وَالصَّوَاب وحاسبوا أنفسهم قبل يَوْم الْحساب وخافوا من عُقُوبَة رب الأرباب
رجال لزموا الْبكاء والعويل وَرَضوا من الدُّنْيَا بِالْقَلِيلِ فأزمعوا إِلَى الْآخِرَة التَّحْوِيل وَرَغبُوا فِي ثَوَاب الْملك الْجَلِيل وحنوا إِلَى النَّعيم الدَّائِم الجزيل وتمسكوا بِالسنةِ والتنزيل وَمنعُوا أنفسهم التسويف وَالتَّعْلِيل وَأَشْفَقُوا من هول الْيَوْم العبوس الثقيل الهائل المنظر الطَّوِيل
وأنشدوا
(لله قوم لدار الْخلد أخلصهم ... وخصهم بجزيل الْملك مَوْلَانَا)
(فَلَو تراهم غَدا فِي دَار ملكهم ... قد توجوا من حلي الْكَوْن تيجانا)
(وَقد دعاهم إِلَى الفردوس سيدهم ... إِلَى الزِّيَارَة وَالتَّسْلِيم ركبانا)
(على نَجَائِب دركى تطير بهم ... وَالْخَيْل من جَوْهَر والسرج مرجانا)
(حَتَّى إِذا جاوزوا دَار السَّلَام وَقد ... أبدى لَهُم وَجهه الرَّحْمَن سبحانا)
(خروا سجودا فناداهم بعزته ... إِنِّي رضيت بكم قربا وجيرانا)
(إِنِّي خلقت لكم دَار النَّعيم فَلَا ... ترَوْنَ بؤسا وَلَا تخشون أحزانا)
(هَذَا النَّعيم الَّذِي لَا يَنْقَضِي أبدا ... وَلَا تغيره الْأَزْمَان ألوانا)
(وَهُوَ الْجَزَاء لكم مني على عمل ... أخلصتموه وكنتم فِي إخْوَانًا)
رجال ركبُوا فلك السَّلامَة وجروا برِيح الاسْتقَامَة فَقطعُوا بحار العطب
стр. 269
٢٧٧ - والندامة ونجوا من الْأَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة فحظوا فِي دَار المقامة وأرسوا فِي سرمد الْكَرَامَة
٤٣١ - خِيَار الْأمة
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (خِيَار أمتِي الْمَلأ الْأَعْلَى فِي الدَّرَجَات العلى) قوم ضحكوا جَهرا من سَعَة رَحْمَة الله وَبكوا سرا من خوف عَذَاب الله
هم بِالْغَدَاةِ والعشي فِي بيُوت الطّيبَة يدعونَ بألسنتهم رغبا ورهبا ويسألونه بِأَيْدِيهِم خفضا ورفعا ويشتاقون إِلَيْهِ بقلوبهم غدوا وعشيا
مؤنتهم على النَّاس قَليلَة وعَلى أنفسهم ثَقيلَة يدبون على الأَرْض حُفَاة أَقْدَامهم دَبِيب النَّمْل بِغَيْر مرح وَلَا ميل وَلَا ترح
يَمْشُونَ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار ويتقربون بالوسيلة إِلَى الْملك الْجَبَّار
يلبسُونَ الخلقان ويعبدون الرَّحْمَن ويتلون الْقُرْآن ويشفقون من عَذَاب النيرَان وَيَخَافُونَ يَوْمًا يكثر فِيهِ الويل وَالْأَحْزَان قد تجنبوا كل رِيبَة وبهتان وَلم يأمنوا مكر الْملك الديَّان رجال تعوقوا ريب الْمنون وجزعوا من السَّابِقَة فِي الْغَيْب الْمكنون فحال بَينهم وَبَين مَا يشتهون ينتظرون الخاتمة كَيفَ تكون أُولَئِكَ أَوْلِيَاء الله الصالحون ﴿أُولَئِكَ حزب الله أَلا إِن حزب الله هم المفلحون﴾ المجادلة ٢٢ رجال الْمَسَاجِد مأواهم وَالله ﷻ معبودهم ومولاهم تركُوا الْمعاصِي خوفًا من الْحساب وَالسُّؤَال وَبَادرُوا إِلَى الطَّاعَة وَحسن الْأَعْمَال وتنزهوا عَن الغي وَاللَّهْو والمحال وحادوا عَن طَرِيق كل مطرود بطال وَأَشْفَقُوا من عُقُوبَة ذِي الْمجد والجلال وَعمِلُوا ليَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلال
وأنشدوا
(لله قوم أَخْلصُوا فِي حبه ... اختصهم ورضى بهم خداما)
(قوم إِذا هجم الظلام عَلَيْهِم ... قَامُوا فَكَانُوا سجدا وقياما)
(يتلذذون بِذكرِهِ فِي ليلهم ... ونهارهم لَا يفترون صياما)
(خمص الْبُطُون من الْحَرَام أعفة ... لَا يعفرون سوى الْحَلَال طَعَاما)
(فسيفرحون بورد حَوْض مُحَمَّد ... وسيسكتون من الْجنان خياما)
رجال تحولوا عَن الدُّنْيَا تحويلا وبدلوها تبديلا وَلم يشتروا بِعَهْد الله ثمنا قَلِيلا وَعَلمُوا أَن وَرَاءَهُمْ يَوْمًا عبوسا هائلا ثقيلا وَأَن أمامهم من الْمَوْت خطبا جَلِيلًا وبدلت عيونهم وَقُلُوبهمْ بكاء ونوحا وعويلا حِين سمعُوا مَوْلَاهُم يَقُول ﴿كَانَ وعده مَفْعُولا﴾ المزمل ١٨ رجل قطعُوا الْأَيَّام والليالي بالتفكير وخافوا
стр. 270
من هول يَوْم عبوس قمطرير وجالت قُلُوبهم خوف الْعلي الْكَبِير فعما قَلِيل ينجون من الْفَزع الهائل الخطير ويجاورون السَّيِّد النذير البشير فِي جنَّة لَيْسَ فِيهَا شمس وَلَا زمهرير رجال اطمأنت قُلُوبهم بِذكر الرَّحْمَن ولزموا الطَّاعَة وتجنبوا الْعِصْيَان وحفظوا ألسنتهم من الْعَيْب والبهتان وَاتبعُوا السّنة وَأَحْكَام الْقُرْآن وَلم يقبلُوا من خدع الْعَدو الشَّيْطَان وطلبوا الزِّيَادَة وَلم يرْضوا بِالنُّقْصَانِ فأثابهم الْجَبَّار بجنة الرضْوَان ومتعهم بالحور الغنجات الحسان كأنهن الْيَاقُوت والمرجان فَأخْبرنَا الْجَلِيل ﷻ فِي مُحكم الْقُرْآن عَمَّا أَتَاهُم بِهِ من الْجُود والامتنان فَقَالَ تَعَالَى ﴿هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان﴾ الرَّحْمَن ٦٠ فالإحسان من العَبْد فِي الدُّنْيَا قَول لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْإِحْسَان من الله فِي الْآخِرَة الْجنَّة
فَمن أحسن الرِّضَا عَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ جازاه الله بِالرِّضَا عَنهُ فقابل الرِّضَا بِالرِّضَا وَهَذَا غَايَة الْجَزَاء وَنِهَايَة الْعَطاء
٤٣٢ - صفة الْمُؤمنِينَ
رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لطائفة من الْمُؤمنِينَ مَا أَنْتُم قَالُوا نَحن الْمُؤْمِنُونَ فَقَالَ مَا عَلامَة إيمَانكُمْ قَالُوا نصبر عِنْد الْبلَاء ونشكر عِنْد الرَّجَاء وَنرْضى بمواقع الْقَضَاء
فَقَالَ مُؤمنُونَ وَرب الْكَعْبَة وَقيل أحسن الْأَشْيَاء أَن يكون العَبْد رقيبا على بَاطِنه وَظَاهره لِأَن الله تَعَالَى رَقِيب عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمَن هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت﴾ الرَّعْد ٣٣ فَتكون أَنْت أَيهَا العَبْد تراقبه فِي سرائرك وعلانيتك وظاهرك وباطنك وحركاتك وسكناتك وَتعلم أَنه رَقِيب عَلَيْك وتستحي مِمَّن هُوَ مَعَك وَلَا تَسْتَحي مِمَّن هُوَ أقرب إِلَيْك من حَبل الوريد
وَقيل الْمَحْمُود من الدُّنْيَا الْمَسَاجِد والمحاريب وَذَلِكَ أَن شركاءك فِيهَا الْمَلَائِكَة والنبيون وَالصِّدِّيقُونَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا
والمذموم من الدُّنْيَا الْبَطن والفرج والكنيف والمزابل وشركاؤنا فِيهَا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالْمُشْرِكُونَ والزنادقة وَغَيرهم
فيدعوك الرب ﷻ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾ يُونُس ٢٥ الْآيَة
وتأبى أَنْت عَلَيْهِ فَيَقُول الله سُبْحَانَهُ يَا عَبدِي لَا تذنب فِي الدُّنْيَا رأفة مِنْهُ لعَبْدِهِ فَيَقُول العَبْد لَا بُد لي من الذُّنُوب فَيَقُول الرب ﷻ عَبدِي فتب إِلَيّ أقبلك على مَا كَانَ مِنْك فَيَقُول العَبْد لَا أفعل لأنني مبتلي بالأهل والبطن والفرج فَيَقُول الرب ﷻ عَبدِي فَكُن مَكَانك حَتَّى أوتيك
стр. 271
فَيَقُول العَبْد رَبِّي أَي شَيْء تؤتين فَيَقُول الله الْجُوع والفقر والعرى وَالْمَرَض فَيَقُول العَبْد لَا حَاجَة لي فِي هَذَا
ثمَّ يَدْعُو ويتضرع ويصرخ إِذا نزل بِهِ ذَلِك
قَالَ فَتَقول الْمَلَائِكَة عِنْد ذَلِك يَا رب أما اتستجيب لعبدك هَذَا أما ترحمه فَيَقُول الله سَوف يحمدني عَبدِي إِذا أدخلته الْجنَّة
قَالَ فَإِذا قبض روح العَبْد على ذَلِك أدخلهُ الْجنَّة
فَيَقُول العَبْد ﴿الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله﴾ الْأَعْرَاف ٤٣ ﴿الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن﴾ فاطر ٣٤ الْآيَة
فَيَقُول الرب ﷻ الْآن يحمدني عَبدِي وَكَانَ فِي دَار الدُّنْيَا يلومني ويشكو إِلَيّ نَظَرِي إِلَيْهِ وَكَانَ أصلح لَهُ مِمَّا كَانَ يُريدهُ لنَفسِهِ
فَالْآن قد أبحت لَهُ الْجنَّة وأدنيته مني ووصلته جنتي فادن مني يَا عَبدِي بِلَا نِهَايَة وعَلى الْمَزِيد بمشاهدتي لَهُ وَالنَّظَر إِلَى وَجْهي
لَا أحرمنا الله النّظر إِلَى وَجهه الْكَرِيم وأدخلنا برحمته جنَّات النَّعيم
стр. 272
١٧ - مجْلِس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾
٤٣٣ - اعلموا عباد الله وأحباب الله رحمكم الله أَن الله ﵎ لطف بعباده الْمُؤمنِينَ وَأمرهمْ بِالصَّلَاةِ على سيد الْمُرْسلين ليستنقذهم بهَا من الْعَذَاب الدَّائِم المهين فصلى عَلَيْهِ رَبنَا ومولانا تَشْرِيفًا وتكريما وصلت عَلَيْهِ مَلَائكَته تَفْضِيلًا وتعظيما وَأمر عباده أَن يصلوا عَلَيْهِ ليبيح لَهُم من الْجنَّة مقَاما كَرِيمًا فَقَالَ من لم يزل سميعا عليما عليا عَظِيما ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ الْأَحْزَاب ٥٦ فاجتهدوا بِنَا يَا معاشر الْإِسْلَام فِي الصَّلَاة وَالسَّلَام على مُحَمَّد خير الْأَنَام فَعَسَى أَن يشفعه فِينَا يَوْم تشقق السَّمَاء بالغمام
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن مَا من ملك وَلَا نَبِي وَلَا ولي وَلَا صفي وَلَا صديق وَلَا شَهِيد وَلَا تَقِيّ وَلَا سعيد إِلَّا وَهُوَ يَقُول يَوْم الْقِيَامَة بِحرْمَة مُحَمَّد أَن تنجيني من عذابك وَمَا من عبد سَأَلَ ﷺ وَسَأَلَ الله مَوْلَاهُ حَاجَة لَهُ فِيهَا ﵁ إِلَّا قضى الله حَاجته وَصرف عَنهُ عِنْد صلَاته على مُحَمَّد ﷺ سبعين نوعا من الْبلَاء فِي بدنه وَفِي دينه وَفِي مَاله وَفِي أَهله
وَرفع لَهُ سبعين دَرَجَة
اللَّهُمَّ صل على النَّبِي مُحَمَّد الْمُخْتَار وَسيد الْأَنْبِيَاء والأبرار وزين الْمُرْسلين الأخيار وَأكْرم من أظلم عَلَيْهِ اللَّيْل وأشرق النَّهَار أبي الْقَاسِم الأواب الْمُخْتَار
أنشدوا
(صلى الْإِلَه وكل عبد صَالح ... والطيبون على السراج الْوَاضِح)
(الْمُصْطَفى خير الْأَنَام مُحَمَّد ... الطَّاهِر الْعلم الضياء اللائح)
(زين الْأَنَام المرتضى علم الْهدى ... الصَّادِق الْبر الوفي الناصح)
(صلى عَلَيْهِ الله مَا هبت صبا ... وتجاوبت ورق الْحمام النائح)
стр. 273
وَذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن مَا من بقْعَة يكثر فِيهَا الصَّلَاة على مُحَمَّد ﷺ إِلَّا تصير رَوْضَة من رياض الْجنَّة وحصنا وحجابا بَين الْمُصَلِّين وَبَين حجاب النَّار
فاجتهدوا فِي الصَّلَاة على مُحَمَّد يَا معشر الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وتحصنوا بهَا من الْعَذَاب الشَّديد
٤٣٤ - الصَّلَاة على النَّبِي وشفاعته
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (أَكْثرُوا من الصَّلَاة عَليّ فَإِنِّي أشفع لكم على قدر ذَلِك
وأنشدوا
(صلى الْإِلَه على قدر الحبيب وَمن ... وسط الْمَدِينَة يَعْلُو فَوْقه النُّور)
(رفعت قُرَيْش هُنَالك نعش سَيِّدهَا ... فثم ثكل التقى وَالْبر مقبور)
(وَثمّ خير عباد الله كلهم ... وَثمّ أكْرم خلق الله محبور)
عباد الله تحَصَّنُوا من الْعَذَاب والوبل بإكثار الصَّلَاة على نَبينَا مُحَمَّد فِي النَّهَار وَاللَّيْل
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن على سَاق الْعَرْش مَكْتُوبًا من اشتاق إِلَى رَحْمَتي رَحمته وَمن سَأَلَني أَعْطيته وَمن لم يسألني لم أنسه وَمن تقرب إِلَيّ بِقدر مُحَمَّد ﷺ غفرت ذنُوبه وَلَو كَانَت مثل زبد الْبَحْر
فَالله الله يَا أمة مُحَمَّد وَيَا أحباب مُحَمَّد من أَصَابَته نائبة أَو وَقع فِي شدَّة فليتضرع إِلَى مَوْلَاهُ ويسأله بِقدر مُحَمَّد وبحرمة مُحَمَّد ﷺ فَإِنَّهُ قدره عِنْد الله عَظِيم
فَأَكْثرُوا عباد الله الْكَرِيم يَا معشر من آمن بِاللَّه الْعَظِيم الصَّلَاة على مُحَمَّد الْكَرِيم وَالنَّبِيّ السَّيِّد الرؤوف الرَّحِيم ينجيكم الله بهَا من الْعَذَاب الْأَلِيم ويدخلكم جنَّات الْخلد وَالنَّعِيم إِنَّه هُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم
٤٣٥ - الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي يَوْم الْجُمُعَة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صلى عَليّ فِي يَوْم الْجُمُعَة مائَة مرّة غفر الله لَهُ خَطِيئَة ثَمَانِينَ سنة)
فَالله الله يَا معشر الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات أَكْثرُوا من الصَّلَاة على حبيبكم مُحَمَّد فِي جَمِيع الْأَيَّام والأوقات والأحايين والساعات عَسى الله أَن يخلصكم من الْأَهْوَال والآفات وَالْعَذَاب والعقوبات ويدخلكم الجنات العاليات يَوْم تبدل الأَرْض وَالسَّمَوَات
وأنشدوا
стр. 274
(صلوا على الْمُصْطَفى زلفى تقربكم ... إِن الصَّلَاة عَلَيْهِ خير مَا اكتسبا)
(أعلا الْأَنَام على فِي جلالته ... واشرف الْخلق مَنْسُوبا إِذا انتسبا)
(وأسرع النَّاس يَوْم الْعرض مغْفرَة ... إِذا الْعقَاب بدا لِلْخلقِ وانتصبا)
حُكيَ عَن الشبلي رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ مَاتَ رجل من جيراني فرايته فِي الْمَنَام فَسَأَلته عَن حَاله
فَقَالَ يَا شبلي مرت بِي أهوال عِظَام وَذَلِكَ أَنه لما سُئِلت تلجلج لساني عِنْد السُّؤَال مِنْهُ جَاءَنِي الْملكَانِ وَأَرَادَ أَحدهمَا أَن يبادرني بِالْعَذَابِ إِذا أَنا بشخص جميل مَا رَأَيْت أجمل مِنْهُ وَجها فحال بيني وَبَينهمَا فَقلت لَهُ من أَنْت من بعد مَا لَقَّنَنِي حجتي فَقَالَ أَنا ملك خلقني الله من ثَوَاب الصَّلَاة على مُحَمَّد وَأَنت كنت تكْثر الصَّلَاة على مُحَمَّد ﷺ لأخلصنك بِإِذن الله من جَمِيع الأحزان وَمن عَذَاب النيرَان وَلَا ابارحك حَتَّى أدْخلك الْجنَّة برحمة الله
فَالله الله عباد الله لَا تملوا من الصَّلَاة على مُحَمَّد ﷺ زين الْعباد الَّذِي خلصنا بِهِ من حر جَهَنَّم وَبئسَ المهاد
وأنشدوا
(من كَانَ يكثر بِالصَّلَاةِ ... مؤملا فضل النَّبِي)
(أعطَاهُ رب مُحَمَّد ... عونا من اللطف الْخَفي)
أوحى الله ﵎ إِلَى مُوسَى ﷺ يَا مُوسَى إِن أردْت أَن أكون إِلَيْك أقرب من لسَانك إِلَى كلامك وَمن نور بَصرك إِلَى عَيْنك وَمن سَمعك إِلَى أُذُنك فَأكْثر من الصَّلَاة على حَبِيبِي مُحَمَّد ﷺ
وأنشدوا
(صلى الْإِلَه على النَّبِي مُحَمَّد ... خير الْأَنَام وجاءه التَّنْزِيل)
(وبفضله نطق الْكتاب وبينت ... بصفاته التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل)
(ذَاك النَّبِي الْهَاشِمِي الْمُصْطَفى ... قد جَاءَهُ الترفيع والتفضيل)
(أسرى بِهِ الْمولى إِلَى أفق السما ... فَوق الْبراق وَعِنْده جِبْرِيل)
٤٣٦ - عَجِيبَة
رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن النُّعْمَان ﵁ أَنه قَالَ كُنَّا عِنْد النَّبِي ﷺ فَجَاءَهُ فَتى من الْأَنْصَار فِي حَاجَة فَوسعَ لَهُ رَسُول الله ﷺ بَينه وَبَين أبي بكر الصّديق ﵁ وَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا بكر لَعَلَّك يشق عَلَيْك أَن أجلست
стр. 275
هَذَا الْفَتى بيني وَبَيْنك فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ أَي وَالله يَا رَسُول الله إِنَّه ليشق عَليّ أَن يكون بيني وَبَيْنك أحد
٤٣٧ - فضل الْمُصَلِّي وَأَبُو بكر
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا بكر إِن هَذَا الْفَتى يُصَلِّي عَليّ صَلَاة مَا يُصليهَا عَليّ أحد من أمتِي فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ كَيفَ يَقُول يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد عدد من صلى عَلَيْهِ وصل على مُحَمَّد عدد من لم يصل عَلَيْهِ وصل على مُحَمَّد كَمَا أمرت بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وصل على مُحَمَّد كَمَا تحب أَن يصلى عَلَيْهِ وصل على مُحَمَّد كَمَا يَنْبَغِي أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ وَاعْلَم يَا أخي علما يَقِينا لَا شكّ فِيهِ أَنه لَيْسَ أحد أحظى عِنْد نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَلَا عِنْد رَبنَا سُبْحَانَهُ بعد النَّبِيين من أبي بكر الصّديق ﵁ ثمَّ عمر بعده كَذَلِك عُثْمَان ثمَّ عَليّ ﵃ أَجْمَعِينَ وصلوات الله وَرَحمته عَلَيْهِم وعَلى الْعشْرَة وَجَمِيع الصَّحَابَة لَكِن خص النَّبِي ﷺ الفتي بإقعاده بَينه وَبَين أبي بكر لما ألهمه الله من تِلْكَ الصَّلَاة فَأكْرمه النَّبِي كَذَلِك صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ مَا حن مشتاق إِلَيْهِ
٤٣٨ - حِكَايَة الشَّافِعِي عَن مؤمني الْجِنّ
فَمَا يُقَوي مَا ذَكرْنَاهُ من فضل الْأَركان الْأَرْبَعَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ مَا رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن إِدْرِيس قَالَ رَأَيْت بِمَكَّة أسقفا وَهُوَ يطوف بِالْكَعْبَةِ فَقلت لَهُ مَا الَّذِي رغب بك عَن دين آبَائِك فَقَالَ تبدلت خيرا مِنْهُ فَقلت كَيفَ ذَلِك قَالَ ركبت الْبَحْر فَلَمَّا توسطنا انْكَسَرَ بِنَا الْمركب فعلوت لوحا فَلم تزل الأمواج تدفعني حَتَّى رمتني فِي جَزِيرَة من جزائر الْبَحْر فِيهَا أَشجَار كَثِيرَة وَلها ثَمَر أحلا من الشهد وألين من الزّبد وفيهَا نهر جَار عذب فحمدت الله على ذَلِك وَقلت آكل من هَذَا الثَّمر وأشرب من هَذَا النَّهر حَتَّى يأتيني الله بالفرج فَلَمَّا ذهب النَّهَار خفت على نَفسِي من الدَّوَابّ فعلوت شَجَرَة من تِلْكَ الْأَشْجَار فَنمت على غُصْن مِنْهَا فَلَمَّا كَانَ فِي جَوف اللَّيْل فَإِذا بِدَابَّة على وَجه المَاء تسبح الله وَتقول لَا إِلَه إِلَّا الله الْعَزِيز الْجَبَّار مُحَمَّد رَسُول الله النَّبِي الْمُخْتَار أَبُو بكر الصّديق صَاحبه فِي الْغَار عمر الْفَارُوق مِفْتَاح الْأَمْصَار عُثْمَان الْقَتِيل فِي الدَّار عَليّ سيف الله على الْكفَّار فعلى
стр. 276
مبغضيهم لعنة الْجَبَّار ومأواهم جَهَنَّم وَبئسَ الْقَرار
فَلم تزل تكَرر هَذِه الْكَلِمَات حَتَّى إِذا طلع الْفجْر قَالَت لَا إِلَه إِلَّا الله الصَّادِق الْوَعْد والوعيد مُحَمَّد الْهَادِي الرشيد أَبُو بكر الصّديق الْمُوفق السديد عمر بن الْخطاب سور من حَدِيد عُثْمَان الْقَتِيل الشَّهِيد عَليّ ذُو الْبَأْس الشَّديد فعلى مبغضيهم لعنة الرب الْمجِيد فَلَمَّا وصلت الْبر فَإِذا رَأسهَا رَأس نعَامَة ووجهها وَجه إِنْسَان وقوائمها قَوَائِم بعير وذنبها ذَنْب سَمَكَة فَخَشِيت على نَفسِي هالكة فهربت بنفسي أمامها فوقفت فَقَالَت مَا دينك قلت النَّصْرَانِيَّة فَقَالَت وَيلك ارْجع إِلَى الحنيفية فقد حللت بِفنَاء قوم من مؤمني الْجِنّ لَا ينجو مِنْهُم إِلَّا من كَانَ مُسلما قلت وَكَيف الْإِسْلَام قَالَت تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فقلتها فَقَالَت أتم إسلامك بالترحم على أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
قلت وَمن أَتَاكُم بذلك فَقَالَت قَومنَا حَضَرُوا عِنْد رَسُول الله ﷺ فسمعوه يَقُول (إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة تَأتي الْجنَّة فتنادي بِلِسَان طلق يَا إلهي قد وعدت أَن تشد أركاني فَيَقُول الْجَلِيل ﷻ قد شددت أركانك بِأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وزينتك بالْحسنِ وَالْحُسَيْن ثمَّ قَالَت الدَّابَّة الْمقَام تُرِيدُ أم الرُّجُوع إِلَى أهلك قلت لَهَا الرُّجُوع فَقَالَ اصبر حَتَّى تجتاز مركب وَإِذا مركب تجْرِي فأشرت إِلَيْهِم فدفعوا إِلَيّ زورقا فَلَمَّا عَلَوْت مَعَهم فَإِذا فِي الْمركب إثني عشر رجلا كلهم نَصَارَى فَأَخْبَرتهمْ خبري فأسلموا عَن آخِرهم
فَالله الله عباد الله اشكروا الله على نعْمَة الْإِسْلَام وعَلى هدايتكم لسنة مُحَمَّد ﷺ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ومحبتكم لأَصْحَابه البررة الْكِرَام فقد فَضلكُمْ على جَمِيع الْأَنَام قَالَ الله ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام والطول والإنعام ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ آل عمرَان ١٩ وَنَرْجِع إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ من الصَّلَاة على خير الْأَنَام مُحَمَّد رَسُول الْملك العلام
وأنشدوا
(لهجت بذكرك مهجتي ولساني ... وحللت من قلبِي بِكُل مَكَان)
(فَأَنا بذكرك فِي الْبَريَّة كلهَا ... علم وحبك آخذ بعناني)
(سُلْطَان حبك فِي الْهوى عين الْهوى ... وَبِه تعزز فِي الْهوى سلطاني)
(أَنْت النَّبِي الْهَاشِمِي مُحَمَّد ... صلى الْإِلَه عَلَيْك فِي الْقُرْآن)
(أَنْت الحبيب لأهل دينك كلهم ... يَوْم الْمعَاد وموقف الخسران)
стр. 277
(أَنْت الشَّفِيع لمن عصى رب الْعلَا ... أَنْت الدَّلِيل لجنة الرضْوَان)
(فلأذكرنك مَا بقيت معمرا ... حَتَّى الْمَمَات وَلَا يمل لساني)
(فَصَلَاة رَبِّي ماجد ومهيمن ... ترى عَلَيْك تعاقب الملوان)
٤٣٩ - أوتاد الْمجَالِس
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (إِن الْمجَالِس أوتادا جلساؤهم الْمَلَائِكَة إِذا جَلَسُوا لذكر الله حفت بهم الْمَلَائِكَة من لدن أَقْدَامهم إِلَى عنان السَّمَاء بِأَيْدِيهِم قَرَاطِيس الْفضة وَأَقْلَام الذَّهَب يَكْتُبُونَ الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ يَقُولُونَ أَكْثرُوا رحمكم الله فَإِذا استفتحوا فِي الذّكر فتحت لَهُم أَبْوَاب الْجنَّة واستجيب لَهُم الدُّعَاء وتطلع عَلَيْهِم الْحور الْعين وَأَقْبل الله تَعَالَى عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ الْكَرِيم مَا لم يخوضوا فِي حَدِيث غَيره ويتفرقوا وأنشدوا
(إِذا طيب النَّاس الْمجَالِس بَينهم ... مداما وريحانا فذكرك طيبنَا)
(وَلَو كَانَت الدُّنْيَا نَصِيبا لأَهْلهَا ... فحبك من كل الْأَمَانِي نصيبنا)
(وَإِن كَانَ حب الْخلق بَعْضًا لبَعْضهِم ... فَأَنت من الْخلق الْجَمِيع حبيبنا)
إِخْوَاننَا طُوبَى لمن رزق لِسَانا بِذكر الله وَالصَّلَاة على مُحَمَّد رَسُول الله طُوبَى لمن رزقه مَوْلَانَا لِسَانا مَشْغُولًا بِذكر الْإِلَه الْكَرِيم
وبالصلاة على الرؤوف الرَّحِيم
٤٤٠ - صِيغَة الصَّلَاة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لرجل من أَصْحَابه مَا قلت البارحة من قَول الْخَيْر قَالَ الرجل يَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْك قلت اللَّهُمَّ ثل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد حَتَّى لَا يبْقى من الصَّلَوَات شَيْء ويبارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد حَتَّى لَا يبْقى من البركات شَيْء وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآل مُحَمَّد حَتَّى لَا يبْقى من الرحمات شَيْء
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (لذَلِك رَأَيْت البارحة الْمَلَائِكَة يحفونَ بأزقة الْمَدِينَة) فَأَكْثرُوا من الصَّلَاة على سيد الْأَنْبِيَاء وَأفضل الأحباء وَأكْرم الأصفياء وَأجل من ولدت النِّسَاء صلى الله عَلَيْهِ صَلَاة دائمة بِلَا انْقِضَاء فِي اللَّيْل إِذا يغشى وَفِي النَّهَار إِذا تجلى وَفِي الْآخِرَة وَالْأولَى
وأنشدوا
(صلى الْإِلَه على خير الْأَنَام وَمن ... نرجو النجَاة بِهِ فِي مَوضِع العطب)
стр. 278
(فَهُوَ الشَّفِيع لمن يَرْجُو شَفَاعَته ... عِنْد الْحساب وَعند اللَّهْو وَالْكرب)
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (إِن أولى النَّاس بِي أَكْثَرهم عَليّ صَلَاة) فَأَكْثرُوا من الصَّلَاة عَلَيْهِ يَا معشر الْإِسْلَام وتحصنوا بهَا من الْعَذَاب الغرام واطلبوا بهَا رضَا الْملك العلام وأنشدوا
(يَا خير مَوْلُود تعاظم فخره ... وأتى بأشرف مِلَّة وَكتاب)
(صلى الْإِلَه عَلَيْك يَا خير الورى ... مَا أنهل فِي الْآفَاق قطر سَحَاب)
(يَا خير مَبْعُوث إِلَى خير أمة وَأكْرم من يَدْعُو لسبل صَوَاب)
٤٤١ - ثَلَاثَة تَحت ظلّ الْعَرْش
رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (ثَلَاثَة يَوْم الْقِيَامَة تَحت عرش الله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله قيل من هم يَا رَسُول الله قَالَ من فرج عَن مكروب أمتِي وَمن أَحْيَا سنتي وَمن أَكثر الصَّلَاة عَليّ) فاجتهدوا رحمكم الله فِي التَّفْرِيج = لهموم المكروبين وَفِي إحْيَاء سنة خَاتم النَّبِيين وَفِي الصَّلَاة على سيد الْمُرْسلين وَأكْرم الْخلق على رب الْعَالمين
وأنشدوا
(صلوا على خير الْأَنَام كَرَامَة ... وجلالة يَا معشر الْإِسْلَام)
(فَهُوَ النَّبِي الْمُصْطَفى علم الْهدى ... وأدل من يَدْعُو لسبل قوام)
(نطق الْكتاب بفضله وجلاله ... وبفضله ننجو من الأسقام)
(صلوا على خير الْبَريَّة كلهَا ... مَا لَاحَ بدر تَحت جنح ظلام)
(فَهُوَ السَّبِيل لدار كل كَرَامَة ... وَهُوَ الدَّلِيل لجنة وَسَلام)
(وَهُوَ الشَّفِيع لمن يدين بِدِينِهِ ... وَلمن يلوذ بِملَّة الْإِسْلَام)
٤٤٢ - للصَّلَاة رَائِحَة طيبَة
رُوِيَ عَن بعض الصَّحَابَة ﵃ أَجْمَعِينَ أَنهم قَالُوا مَا من مجْلِس يُصَلِّي فِيهِ على النَّبِي ﷺ إِلَّا نمت لَهُ رَائِحَة طيبَة حَتَّى تبلغ عنان السَّمَاء فَتَقول الْمَلَائِكَة هَذِه رَائِحَة مجْلِس صلي فِيهِ على النَّبِي مُحَمَّد ﷺ
اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ كَمَا تحب أَن يصلى عَلَيْهِ ﷺ
وأنشدوا
(تتعطر الأنفاس مَا ذكرت ... أخباره فِي الْمجْلس الْعطر)
стр. 279
(سُبْحَانَ باريه وخالقه ... نورا تصور أجمل الصُّور)
(الْمسك منحدر ببردته ... وَالْوَجْه مِنْهُ طلعة الْقَمَر)
(يَا صَادِقا فِيمَا يخبرنا ... بِشَهَادَة الأسماع وَالنَّظَر)
(سُبْحَانَ من أنشاك من بشر ... يَا سيدا لِلْخلقِ والبشر)
(القَوْل تتبعه شواهده ... وَالْخَيْر مقرون مَعَ الْخَبَر)
(أَنْت النَّبِي بِلَا مدافعة ... والمصطفى من خيرة الْبَدْر)
٤٤٣ - الإِمَام الشَّافِعِي
رُوِيَ عَن أبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ أَنه قَالَ قَالَ عبد الله بن عبد الحكم رَأَيْت الشَّافِعِي ﵁ فِي الْمَنَام فَقلت مَا فعل الله بك فَقَالَ رحمني وَغفر لي وزففت إِلَى الْجنَّة كَمَا تزف الْعَرُوس إِلَى زَوجهَا فَقلت لَهُ مَا الَّذِي بلغك هَذِه الْمنزلَة قَالَ لي بِمَا فِي آخر كتاب الرسَالَة من الصَّلَاة على مُحَمَّد ﷺ فَقلت لَهُ وَكَيف ذَلِك فَقَالَ لي وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد مَا ذكره الذاكرون وغفل عَن ذكره الغافلون
قَالَ فَلَمَّا أَصبَحت طلبت كتاب الرسَالَة فَوجدت الْأَمر كَمَا ذكر
وأنشدوا
(صلوا على خير الْأَنَام وَمن بِهِ ... تنجو الْعباد بموقف الْأَهْوَال)
(إِن الصَّلَاة على النَّبِي حبيبنا ... من أفضل الْأَفْعَال والأعمال)
(فَهُوَ النَّبِي الْمُصْطَفى علم الْهدى ... الطّيب الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال)
معشر الْمُسلمين تحَصَّنُوا من عَذَاب النَّار وخففوا عَن ظهوركم ثقل الأوزار بِكَثْرَة الصَّلَاة على النَّبِي الْمُخْتَار
٤٤٤ - أبخل النَّاس
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (حسب الْمُؤمن من الْبُخْل إِذا ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ) أعوذ بِاللَّه من اللَّئِيم الْبَخِيل
الَّذِي يبخل بِالصَّلَاةِ على رَسُول الْملك الْجَلِيل الَّذِي خصّه الله بالكرامة والتفضيل وائتمنه على الْإِيضَاح عَن بَيَان التَّأْوِيل فِي جَمِيع التَّنْزِيل
وأنشدوا
стр. 280
(صلوا على الْقَمَر الْمُنِير إِذا بدا ... فِي موكب من حسنه وجماله)
(لم يخلق الرَّحْمَن خلقا مثله ... فِي فَضله وبهائه وكماله)
(ختم النُّبُوَّة طيبه فختامه ... مسك تكون من نسيم جَلَاله)
(صلوا على الْعلم الَّذِي من أمه ... نَالَ المنى وَجرى السرُور بِبَالِهِ)
(صلوا على بدر التَّمام محبَّة ... وكرامة وجلالة لجلاله)
(إِن الصَّلَاة على النَّبِي سَلامَة ... وتفضل وتوسل بجماله)
(وتودد وتحنن وَتَشَوُّقِ ... وتوسل وتقرب لنواله)
عباد الله صلوا على رَسُول الله صلوا على سيدنَا وحبيبنا محبَّة وكرامة فَهُوَ الشَّفِيع لنا يَوْم الْقِيَامَة
٤٤٥ - أنجاكم أَكْثَرَكُم صَلَاة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (أنجاكم يَوْم الْقِيَامَة من أهوالها وَمن مواطنها أَكْثَرَكُم عَليّ صَلَاة عباد الله الْملك الديَّان يَا أهل الْإِسْلَام وَالْإِيمَان صلوا بِنَا على سيدنَا مُحَمَّد رَسُول الْملك الرَّحْمَن لَعَلَّه يخلصنا من عَذَاب النيرَان
وأنشدوا
(صلوا على ماجد جلت مآثره ... وَأكْثر الْخلق إفضالا وإحسانا)
(أَتَى الْعباد وَقد ضلت مسالكهم ... فأوضح الْحق تبيانا وبرهانا)
(وَبَين الدّين بالتذكير مُجْتَهدا ... وَأظْهر الشَّرْع أحكاما وقرآنا)
(وأنقذ الْخلق من نَار السمُوم لظى ... وَأورد النَّاس جنَّات ورضوانا)
(لَا تَبْغِ طيبا إِذا مَا كنت ذاكره ... وَلَا ترد بعده روحا وريحانا)
(فِيهِ الْجنان وَفِيه الْحسن مُجْتَمع ... والنبل والظرف أشكالا وألوانا)
(فَالْحَمْد لله إِذْ كُنَّا لَهُ تبعا ... لقد تفضل بالخيرات مَوْلَانَا)
٤٤٦ - ثَمَرَة الصَّلَاة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صلى عَليّ صَلَاة تَعْظِيمًا لحقي خلق الله تَعَالَى من ذَلِك القَوْل ملكا جنَاحه بالمشرق وَالْآخر بالمغرب وَرجلَاهُ مغروزتان فِي الأَرْض السَّابِعَة السُّفْلى وعنقه ملوي تَحت الْعَرْش يَقُول الله تَعَالَى لَهُ صل على عَبدِي كَمَا صلى على نبيي مُحَمَّد فَهُوَ يُصَلِّي عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة أحبابي تحَصَّنُوا
стр. 281
من أَلِيم الْعَذَاب وارغبوا فِي جزيل الثَّوَاب بِالصَّلَاةِ على النَّبِي الصَّادِق الأواب
اعلموا عباد الله أَن الله ﵎ لما اتخذ مُحَمَّدًا ﷺ حبيبا أقسم بحياته فَقَالَ تَعَالَى ﴿لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون﴾ الْحجر ٧٢ فَهَذِهِ غَايَة الْمحبَّة
وَلما أحب الله تَعَالَى أَن يُصَلِّي الْعباد على مُحَمَّد النَّبِي الحبيب بَدَأَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ الْملك الْقَرِيب ثمَّ ثنى بملائكته الْبعيد مِنْهُم والقريب ثمَّ عرف عباده الْمُؤمنِينَ أَنه يُصَلِّي على مُحَمَّد هُوَ وَمَلَائِكَته ثمَّ أَمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ أهل الْإِيمَان لينجيهم بهَا من عَذَاب النيرَان فَقَالَ الْملك الرَّحْمَن فِي مُحكم الْقُرْآن ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ الْأَحْزَاب ٥٦ فَكَأَنَّهُ قَالَ جلّ وَتَعَالَى عَبدِي قد أعلمتك أَنِّي أُصَلِّي على مُحَمَّد حَبِيبِي وملائكتي تصلي عَلَيْهِ فَمن أَكثر الصَّلَاة على مُحَمَّد الحبيب جعلت لَهُ من الْجنَّة أوفر نصيب وَكَانَ رَفِيقًا وجارا لأبي الْقَاسِم الحبيب
وأنشدوا
(صلى الْإِلَه بعظمه وجلاله ... ثمَّ الْمَلَائِكَة الْكِرَام على النَّبِي)
(فَهُوَ الحبيب لربنا رب الْعلَا ... وَهُوَ الدَّلِيل لجنة لَا تختبي)
٤٤٧ - الْمَلَائِكَة تستغفر للْمُصَلِّي
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن العَبْد الْمُؤمن أَو الْأمة المؤمنة إِذا ابْتَدَأَ بِالصَّلَاةِ على مُحَمَّد ﷺ فتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَوَات السَّبع والسرادقات حَتَّى الْعَرْش فَلَا يبْقى ملك فِي السَّمَوَات أإلا صلى على مُحَمَّد ﷺ وَيَسْتَغْفِرُونَ لذَلِك العَبْد أَو الْأمة مَا دَامَ العَبْد أَو الْأمة يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ وأنشدوا
(صلوا بِنَا يَا معشر الْإِسْلَام ... على النَّبِي الْوَاضِح الْأَحْكَام)
(نطق الْكتاب بفضله وجلاله ... وبفضله ننجوا من الإجرام)
٤٤٨ - مقَام الشبلي
حُكيَ عَن بَعضهم أَنه قَالَ كنت عِنْد أبي بكر بن مُجَاهِد جَالِسا إِذْ أقبل الشبلي فَقَامَ أَبُو بكر إِلَيْهِ فعانقه وَقبل بَين عَيْنَيْهِ فَقلت يَا سَيِّدي تفعل هَذَا بالشبلي وَأهل بَغْدَاد يَقُولُونَ عَنهُ إِنَّه مَجْنُون فَقَالَ قد فعلت بِهِ كَمَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يفعل بِهِ وَذَلِكَ أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي الْمَنَام وَقد أقبل الشبلي فَقَامَ النَّبِي ﷺ فعانقه وَقَبله بَين عَيْنَيْهِ فَقلت لَهُ يَا رَسُول الله تفعل هَذَا بالشبلي فَقَالَ ﷺ نعم
стр. 282
لِأَنَّهُ يقْرَأ فِي آخر كل صَلَاة ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ التَّوْبَة ١٢٨ الْآيَة
ثمَّ يتبعهَا بِالصَّلَاةِ عَليّ
وأنشدوا
(صَلَاة رب كريم ماجد صَمد ... على النَّبِي الَّذِي قد نَالَ تَفْضِيلًا)
(صلى عَلَيْهِ إِلَه الْعَرْش خالقنا ... جَاءَ الْكتاب بذا وَحيا وتنزيلا)
(فَهُوَ الدَّلِيل لأهل الْخَيْر كلهم ... لمن أَرَادَ إِلَى الفردوس تحويلا)
(وَمن أَرَادَ فِرَارًا عَن تمرده ... وَمن أَرَادَ لَهُ الرَّحْمَن توصيلا)
(هَذَا بَيَان لأهل الْفضل كلهم ... يعجلون لدار الْخلد تعجيلا)
عباد الله ارغبوا فِي هَذَا الْملك الْجَلِيل وَالنَّعِيم الدَّائِم الطَّوِيل بإكثار الصَّلَاة على مُحَمَّد الْأَصِيل النَّبِي السَّيِّد النَّبِيل الَّذِي جَاءَ بِالْوَحْي والتنزيل وأوضح بَيَان التَّأْوِيل وجاءه الْأمين جِبْرِيل بالتكريم والتفضيل وَأسرى بِهِ الْجَلِيل فِي اللَّيْل البهيم الطَّوِيل كشف لَهُ عَن أعلا الملكوت وَأرَاهُ أَسْنَى الجبروت وَنظر إِلَى قدرَة الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت
فَلَقَد رأى فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء من آيَات ربه الْكُبْرَى وانْتهى إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهى
وأنشدوا
(صلوا على خير الْأَنَام مُحَمَّد ... فَهُوَ الدَّلِيل إِلَى السَّبِيل المرشد)
(صلى عَلَيْهِ الرب مَا دَامَ الدجى ... وَمضى النَّهَار وَفِي الظلام الْأسود)
٤٤٩ - إبلاغ الصَّلَاة إِلَى الله
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن الله ﵎ أعْطى ملكا من الْمَلَائِكَة أَسمَاء الْخَلَائق فَهُوَ قَائِم على قَبْرِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَلَيْسَ أحد من أمتِي يُصَلِّي عَليّ إِلَّا قَالَ ذَلِك الْملك يَا مُحَمَّد فلَان بن فلَان يُصَلِّي عَلَيْك صلى الله عَلَيْك وَضمن لي الرب أَن من صلى عَليّ صَلَاة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا وَإِن زَاد زَاده الله فَأَيْنَ أَنْت يَا من أَرَادَ النجَاة من سموم الْحَمِيم والفوز والخلد فِي جنَّات النَّعيم فَأَكْثرُوا من الصَّلَاة على النَّبِي الْكَرِيم وَالرَّسُول الرؤوف الرَّحِيم
٤٥٠ - صَلَاة الْمَلَائِكَة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صلى عَليّ صلت عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة وَمن
стр. 283
صلت عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة صلى عَلَيْهِ ربه فَلْيقل العَبْد أَو ليكْثر وَاعْلَمُوا أَن الْفَاجِر الشقي الَّذِي يسمع هَذِه الْفَضَائِل على الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وَقد حبس لِسَانه عَنْهَا فَيجب أَن يتَعَوَّذ بِاللَّه مِنْهُ
نَعُوذ بِاللَّه من لِسَان جامد عَن الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ رَسُول الْملك الْمَاجِد الْعَزِيز الْفَرد الصَّمد الْوَاحِد
وأنشدوا
(صلوا على النُّور الْبَهِي مُحَمَّد ... إِن الصَّلَاة عَلَيْهِ تنجي من لظى)
(فَهُوَ الدَّلِيل إِذا اهتديت بنوره ... وَهُوَ الرَّسُول فَذَاك مِصْبَاح الْهدى)
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن الله تَعَالَى وهب ذنوبكم عِنْد الاسْتِغْفَار فَمن اسْتغْفر الله تَعَالَى بنية صَادِقَة غفر لَهُ وَمن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله رجح مِيزَانه وَمن صلى عَليّ كنت شفيعه يَوْم الْقِيَامَة عباد الله ارغبوا فِي الشَّفَاعَة وتمسكوا بِالصَّلَاةِ على شَفِيع المذنبين يَوْم قيام السَّاعَة وارغبوا إِلَى مولاكم أَن يوفقنا إِلَى أَعمال أهل السّنة وَالْجَمَاعَة
وأنشدوا
(من كَانَ يعلم أَن الله خالقه ... ومحمدا قد جَاءَ بِالْقُرْآنِ)
(فليكثر التَّسْلِيم بعد صلَاته ... للطيب الْمَبْعُوث بالتبيان)
(الْهَاشِمِي الأبطحي مُحَمَّد ... خير الْأَنَام وزين كل مَكَان)
٤٥١ - من كتب الصَّلَاة فِي كتاب
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صلى عَليّ فِي كتاب لم تزل الْمَلَائِكَة تصلي عَلَيْهِ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِك الْكتاب فيا معشر الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات أطِيعُوا رب الْأَرْضين وَالسَّمَوَات بِالصَّلَاةِ على سيد السادات
وأنشدوا
(جد بِالصَّلَاةِ على خير الوري كرما ... ذَاك النَّبِي الَّذِي قد جَاءَ بِالنورِ)
(فَهُوَ الإِمَام لأهل الْحق كلهم ... وَهُوَ الدَّلِيل على الْولدَان والحور)
٤٥٢ - الصَّلَاة تبلغه عَن الْعباد
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (تباهوا بِالصَّلَاةِ عَليّ فَإِنَّهَا تبلغني) فبلغوا
стр. 284
صَلَاتكُمْ على سيدكم ونبيكم وصفيكم وارغبوا إِلَى مولاكم أَن يتوفاكم على سنته وَأَن يجعلكم من أمته وَأَن يَجعله شفيعكم من النَّار وقائدكم إِلَى دَار الرَّاحَة والقرار إِلَى جنَّات عدن تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِن الله تَعَالَى وكل بِي ملكَيْنِ فَلَا اذكر عِنْد عبد مُسلم فَيصَلي عَليّ إِلَّا قَالَ الْملكَانِ مجيبين آمين فَيَقُول الله تَعَالَى جَوَابا للملكين آمين وَلَا أذكر عِنْد أحد فَلَا يُصَلِّي عَليّ إِلَّا قَالَ الْملكَانِ لَا غفر الله لَك فَيَقُول الله تَعَالَى وَمَلَائِكَته جَوَابا لقَوْل الْملكَيْنِ آمين فَمَا خلق الله تَعَالَى أعجز وَلَا أذلّ وَلَا أبخل مِمَّن يسمع ذكر مُحَمَّد النَّبِي الْفَاضِل الزكي وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ ﷺ وَمَلَائِكَته وَبلغ سلامنا إِلَيْهِ
وأنشدوا
(صلوا بِنَا فِي اللَّيْل وَالنَّهَار ... على النَّبِي الصَّادِق الْمُخْتَار)
(أسرى بِهِ الرَّحْمَن فِي جنح الدجى ... قد جَاءَ فِي الْقُرْآن والْآثَار)
(الْهَاشِمِي المصطفي خير الورى ... الطائع الأواب للجبار)
(صلوا على الْمَبْعُوث يَا أهل النَّهْي ... من جَاءَ بالتنزيل وَالْأَخْبَار)
٤٥٣ - حَسَنَات الْحرم
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من صلى عَليّ من أمتِي كتبت لَهُ عشر حَسَنَات من حَسَنَات الْحرم قيل يَا رَسُول الله وَمَا حَسَنَات الْحرم قَالَ الْحَسَنَة بسبعمائة حَسَنَة يَا أخي هَذَا وَالله قَول يسير وثواب كثير
٤٥٤ - الصَّلَاة صلَة تعارف
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (ليردن عَليّ أَقوام يَوْم الْقِيَامَة عِنْد حَوْضِي مَا أعرفهم إِلَّا بِكَثْرَة الصَّلَاة عَليّ) عباد الله أَنْتُم ترَوْنَ نَبِيكُم وحبيبكم وصفيكم فَأَكْثرُوا من الصَّلَاة عَلَيْهِ فَعَسَى يعرفكم بِكَثْرَة الصَّلَاة عَلَيْهِ لِأَن الصَّلَاة عَلَيْهِ نور لصَاحبه يَوْم الْقِيَامَة فعلى قدر الصَّلَاة على الْهَاشِمِي الْقرشِي التهامي الْأُمِّي الأبطحي يكون النُّور المضيء الَّذِي يعرف بِهِ الْمُؤمن التقي وَمن لَا يكثر الصَّلَاة على هَذَا النَّبِي فَهُوَ مبعد مطرود شقي
يَا إخْوَانِي فِي الله صلوا على شَجَرَة غرسها الْملك الْجَلِيل وَجعل أَصْلهَا الْخَلِيل وَجعل خلالها التَّفْضِيل وزينها بالتنزيل وَجعل رقيقها جِبْرِيل وخضع لَهَا كل كثير وكل عَزِيز وذليل
أُصُولهَا عَرَبِيَّة وَأَغْصَانهَا
стр. 285
مضرية وأوراقها قرشية وثمرتها تهامية غرسها الْملك الديَّان وأخضع لَهَا جَمِيع الْإِنْس والجان فصلوا عَلَيْهِ يَا معشر الإخوان وأنشدوا
(الله فضل خير الْخلق بِالْكَرمِ ... وَأفضل النَّاس من عرب وَمن عجم)
(هُوَ النَّبِي الَّذِي فاقت فضائله ... وَخَصه الله بالتنزيل وَالْحكم)
(اختصه بِكِتَاب بَين علم ... هدي الْعباد بِهِ من غمَّة الظُّلم)
(الله فَضله الله أكْرمه ... الله أرْسلهُ من جملَة الْأُمَم)
(صلوا عَلَيْهِ عباد الله كلكموا ... إِن الصَّلَاة لَهُ تنجي من النقم)
عباد الله طيبُوا بِنَا مجالسنا بِالصَّلَاةِ على سيدنَا مُحَمَّد ﷺ
٤٥٥ - طيب مجْلِس صلي فِيهِ عَلَيْهِ
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (مَا جلس قوم مَجْلِسا فَتَفَرَّقُوا عَن غير صَلَاة عَليّ إِلَّا تفَرقُوا عَن أنتن من جيفة حمَار) فَإِذا كَانَ الْمجْلس الَّذِي لَا يصلى فِيهِ على النَّبِي ﷺ تفرق أَهله عَن أنتن من جيفة حمَار فَلَا غرو أَن يتفرق المصلون عَلَيْهِ من مجلسهم عَن أطيب من خزانَة الْعَطَّار
وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ أطيب الطيبين وأطهر الطاهرين وَكَانَ إِذا تكلم امْتَلَأَ الْمجْلس برِيح الْمسك فَكَذَلِك مجْلِس يذكر فِيهِ النَّبِي ﷺ نمت فِيهِ رَائِحَة تخترق السَّمَوَات السَّبع حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى الْعَرْش ويجد كل من خلق الله رِيحهَا فِي الأَرْض غير الْإِنْس وَالْجِنّ فَإِنَّهُم لَو وجدوا تِلْكَ الرَّائِحَة اشْتغل كل مِنْهُم بلذته عَن معيشته وَلَا يجد تِلْكَ الرَّائِحَة ملك أَو خلق من خلق الله تَعَالَى إِلَّا اسْتغْفر لأهل الْمجْلس وَيكْتب لَهُم بِعَدَد هَذَا الْخلق كلهم حَسَنَات وَيرْفَع لَهُم دَرَجَات سَوَاء كَانَ فِي الْمجْلس وَاحِد أَو مائَة أَو ألف كل وَاحِد يَأْخُذ من الْأجر مثل هَذَا الْعدَد وَمَا عِنْد الله تَعَالَى أَكثر
فيا أحباب رَسُول الله ﷺ صلوا على حبيب غذي بِمَاء الْوِصَال وكسي ثوب الْجمال والكمال وزين بِكِتَاب الْكَرِيم المتعال
следующие страницы →