Полный текст (694 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
يَا مخبل فَإنَّك قصرت عَن الْجَاهِلِيَّة وَلم تدْرك الْإِسْلَام وَأما أَنْت يَا عَلْقَمَة فَإِن شعرك كمزادة أحكم خرزها فَلَيْسَ يقطر مِنْهَا شَيْء
٣١ - (ومَهْمَةٍ مُغْبرة أرْجاؤهُ ... كأنَّ لونَ أرضه سَماؤهُ)
الْبَيْت لرؤبة بن العجاج من الرجز
والمهمة الْمَفَازَة الْبَعِيدَة والبلد المقفر وَالْجمع مهامة والمغبرة المتلونة بالغبرة والأرجاء الْأَطْرَاف والنواحي جمع رجا مَقْصُورا
وَالشَّاهِد فِيهِ الْقلب وَهُوَ أَن يَجْعَل أحد أَجزَاء الْكَلَام مَكَان الآخر وَالْآخر مَكَانَهُ وَهُوَ هُنَا فِي المصراع الثَّانِي وَمَعْنَاهُ كَأَن لون سمائه لغبرتها لون أرضه وَفِيه من الِاسْتِعَارَة مَا لَيْسَ فِي تَركه لإشعاره بَان لون السَّمَاء قد بلغ من الغبرة إِلَى حَيْثُ يشبه بِهِ لون الأَرْض فِيهَا
وَمن الْقلب قَول الشَّاعِر
(كَانَت فَريضَة مَا تقُولُ كَمَا ... كانَ الزِّناءُ فريضةَ الرَّجْم) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول أبي تَمام يصف قلم الممدوح
(لُعابُ الأفاعي القاتِلات لُعابهُ ... وأرْىُ الجَني اشْتارتْهُ أيْدٍٍ عواسِلُ) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
(فَدَيت بنَفسه نَفسِي وَمَالِي ... ) // الوافر //
وَقَول الآخر
(يمشي فَيُقْعِسُ أَو يكب فيعثر ... ) // الْكَامِل //
ورؤبة بن العجاج تقدم ذكره فِي شَوَاهِد الْمُقدمَة
стр. 177
٣٢ - (كَمَا طينت بالفدن السَّياعا ... )
قَائِله الْقطَامِي من قصيدة من الوافر يمدح بهَا زفر بن الْحَارِث الْكلابِي حِين أحاطت بِهِ قيس بنواحي الجزيرة وَأَرَادُوا قَتله فحال زفر بَينه وَبينهمْ وحماه وَمنعه وكساه وَأَعْطَاهُ مائَة نَاقَة وخلى سَبيله فَقَالَ يمدحه وَأول القصيدة
(قفي قَبلَ التَّفرق يَا ضُباعا ... وَلَا يَكُ موْقِفٌ مِنْك الوَداعا)
(قفي فافْدي أسيرَكِ إِن قومِي ... وقوْمَكِ لَا أرَى لهُم اجتماعا) // الوافر //
إِلَى أَن قَالَ يمدح زفر بن الْحَارِث
(وَمن يَكُنِ استَلَام إِلَى ثَويٍّ ... فَقَدْ أحسنْتَ يَا زُفَرُ المتاعا)
(أكُفراً بعد ردِّ الموتِ عني ... وبعْدَ عَطائك المائَةَ الرِّتاعا)
(فَلما أَن جرَى سِمَنٌ عَلَيْهَا ... كَمَا طينت بالفدن السياعا)
(أمَرْتُ بهَا الرِّجَال ليأخُذُوها ... ونحنُ نظُن أَن لن تُستَطاعا)
(فَلأْياً بعد لأيٍ أَدرَكوها ... على مَا كَانَ إِذ طَرَحُوا الرِّقاعا)
(فَلَو بِيَدَيْ سِواكَ غَدَاةً زلَّتْ ... بِيَ القدمانِ لم أرجُ اطِّلاعا)
стр. 178
(إِذن لَهلكتُ لَو كَانَت صغَارًا ... من الْأَخْلَاق تُبْتَدعُ ابتداعا)
(فَلم أرَ مُنْعِمِينَ أقلَّ منا ... وأكرَمَ عِنْدَمَا اصطنعوا اصطناعا)
(مِنَ البيضِ الوجوهِ بني نُفَيْلٍ ... أبَتْ أخْلاقُهُمْ إِلَّا اتساعا) // الوافر //
وَهِي طَوِيلَة
والفدن محركة الْقصر المشيد والسياع بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة الطين بالتبن يطين بِهِ
وَالشَّاهِد فِيهِ الْقلب أَيْضا وَمَعْنَاهُ كَمَا طينت الفدن بالسياع وَهَذَا من قبيل الْقلب الْمَرْدُود لِأَن الْعُدُول عَن مُقْتَضى الظَّاهِر من غير نُكْتَة تَقْتَضِيه خُرُوج عَن تطبيق الْكَلَام لمقْتَضى الْحَال
والقطامي بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا اسْمه عُمَيْر بن شييم والقطامي لقب غلب عَلَيْهِ وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَأسلم قَالَه ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق وَهُوَ شَاعِر إسلامي مقل فَحل مجيد
وَعَن الشّعبِيّ ﵀ قَالَ قَالَ عبد الْملك وَأَنا حَاضر للأخطل يَا أَبَا مَالك أَتُحِبُّ أَن لَك بشعرك شعر شَاعِر من الْعَرَب قَالَ اللَّهُمَّ لَا إِلَّا شَاعِرًا منا مغدف القناع خامل الذّكر حَدِيث السن إِن يكن فِي أحد خير فسيكون فِيهِ ولوددت أَنِّي سبقته إِلَى قَوْله
стр. 179
(وَإِنِّي لَصبَّارٌ على مَا ينوبني ... وحسبك أَن الله أثنى على الصَّبْر) // الطَّوِيل //
وَرَوَاهُ صَاحب الدّرّ الفريد لأبي سعيد المَخْزُومِي يُخَاطب بِهِ امْرَأَته وَأول الأبيات
(ثِقِي بجميل الصبرِ مني على الهجر ... وَلَا تثقي بِالصبرِ مني على الهجر) // الطَّوِيل //
وَأَرَادَ بالغنى مسببه أَعنِي الرَّاحَة وبالفقر المحنة يَعْنِي أَن السِّيَادَة مَعَ التَّعَب وَالْمَشَقَّة أحب إِلَيْهِ من الرَّاحَة والدعة بِدُونِهَا
وَالشَّاهِد فِيهِ وَصفه بالإطناب بِالنِّسْبَةِ إِلَى مصراع أبي تَمام لِأَنَّهُ مساوٍ لَهُ فِي أصل الْمَعْنى مَعَ قلَّة حُرُوفه
وَمثل ذَلِك قَول الشماخ
(إِذَا مَا رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ ... تلقَاهَا عرابة بِالْيَمِينِ) // الوافر //
وَقَول بشر بن أبي خازم
(إِذا مَا المكرماتُ رُفعن يَوْمًا ... وقصَّرَ مُبْتَغُوها عَن مَداهَا)
(وَضاقَتْ أذرُعُ الْمُثْرِينَ فِيهَا ... سما أوسٌ إِلَيْهَا فاحتواها) // الوافر //
والمعذل هُوَ ابْن غيلَان بن الحكم بن البحتري وَكَانَ أَبوهُ غيلَان شَاعِرًا أَيْضا
حدث عمَارَة قَالَ مر المعذل بن غيلَان بِعَبْد الله بن سوار الْعَنْبَري القَاضِي فاستنزله عبد الله وَكَانَ من عَادَة المعذل أَن ينزل عِنْده فَأبى وأنشده
(أمِنْ حق الْمَوَدَّة أَن نُقضِّي ... ذِمامكُم وَلَا تقضوا ذِمامَا)
стр. 180
(يقتلنني بحديثٍ ليسَ يُعلمهُ ... من يتقين وَلَا مكنونه بَادِي)
(فهن ينبذن من قَول يصبن بِهِ ... مواقع المَاء من ذِي الْغلَّة الصادي) // الْبَسِيط //
وَحدث مُحَمَّد بن صَالح بن النطاح قَالَ الْقطَامِي أول من لقب صريع الغواني بقوله
(صريعُ غَوَانٍ راقَهُنّ ورُقنَهُ ... لَدُنْ شبّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذوائب) // الطَّوِيل //
وَنزل الْقطَامِي فِي بعض أَسْفَاره بِامْرَأَة من محَارب قيس فنسبها فَقَالَت أَنا من قوم يشتوون الْقد من الْجُوع قَالَ وَمن هَؤُلَاءِ وَيحك قَالَت محَارب وَلم تقره فَبَاتَ عِنْدهَا بأسوإ لَيْلَة فَقَالَ فِيهَا قصيدة أَولهَا
(نَأتْكَ بليلي نيةٌ لم تقاربِ ... وَمَا حُبُّ ليلى من فُؤَادِي بذاهب) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
(وَلَا بدْ أَن الضيفَ يُخبرُ مَا رأى ... مُخَبِّرُ أهْلٍ أَو مخبرُ صاحبِ)
(سأخبرْكَ الأنباء عَن أُمّ منزِلٍ ... تَضيفْتُهَا بَين العُذَيْبِ فَراسبِ)
(تَلفَّفْتُ فِي طلّ وريح تلفني ... وَفِي طِرْ مِسَاء غيرِ ذاتِ كواكِبِ)
(إِلى حَيزَبونٍ تُوقدُ النَّار بَعْدَمَا ... تلفَّعَتِ الظلمَاء من كل جَانبِ)
(تصلى بهَا بردَ العشاءِ وَلم تكن ... تخالُ وميض النَّار يَبْدُو لراكبِ)
стр. 181
(فَمَا راعهَا إِلَّا بغُامُ مطيةٍ ... تريح بمحسور من الصَّوْت لاغبٍ)
(تقولُ وَقد قَرِّبتُ كُوري وناقتي ... إليكَ فَلَا تَذْعَرْ عَليّ ركائيي)
(فَلَمَّا تنازعنا الحَدِيث سألتُهَا ... مَنِ الحيّ قالتْ مَعشرٌ من محَاربِ)
(مِنَ المشتَويِنَ القِدَّ مِمَّا تراهُمُ ... جِيَاعاً وريفُ النَّاس لَيْسَ بعَازبِ)
(فَلما بدَا حرمَانُهَا الضيفَ لم يكن ... عليَّ مناخُ السوء ضَرْبَة لازبِ)
(أَلا إِنَّمَا نيرانُ قيس إِذا اشْتَوَوْا ... لِطارق ليل مثل نَار الحباحب) // الطَّوِيل //
وَإِلَى هَذِه الْعَجُوز أَشَارَ عبد الصَّمد بن المعذل فِي هجاء أَخِيه أَحْمد إِذْ يَقُول
(لَيْتَ لِي منكَ يَا أخي ... جَارةً من محَاربٍ)
(نارُها كلَّ شَتْوَةٍ ... مثلُ نَار الحبَاحِبِ)
(وَسَيَأْتِي ذكر عبد الصَّمد بن المعذل وأخيه عِنْد تَرْجَمَة أَبِيهِمَا المعذل فِي شَوَاهِد الْأَطْنَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَالَ أَبُو عَمْرو ﵀ أول مَا حرك من الْقطَامِي فَرفع ذكره أَنه قدم فِي خلَافَة الْوَلِيد بن عبد الْملك دمشق ليمدحه فَقيل لَهُ إِنَّه بخيل لَا يُعْطي الشُّعَرَاء وَقيل بل قدمهَا فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز فَقيل لَهُ إِن الشّعْر لَا ينْفق عِنْد هَذَا وَلَا يُعْطي عَلَيْهِ شَيْئا وَهَذَا عبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان فامدحه
стр. 182
فمدحه بقصيدته الَّتِي أَولهَا
(إنّا محيُّوكَ فاسلْم أَيهَا الطللُ ... وَإِن بليتَ وَإِن طَالَتْ بك الطيل) // الْبَسِيط //
فَقَالَ لَهُ كم أملت من أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أملت أَن يعطيني ثَلَاثِينَ نَاقَة قَالَ قد أمرت لَك بِثَلَاثِينَ نَاقَة موقورة برا وَتَمْرًا وثياباً ثمَّ أَمر بِدفع ذَلِك إِلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ لَو قَالَ الْقطَامِي بَيته
(يمشينَ زهواً فَلَا الأعجاز خاذلةُ ... وَلَا الصدورُ على الأعجاز تتكل) // الْبَسِيط //
فِي صفة النِّسَاء لَكَانَ أشعر النَّاس وَلَو قَالَ كثير عزة
(فَقلت لَهَا يَا عز كل مُصِيبَة ... إِذا وطنت يَوْمًا لَهَا النَّفس ذلت) // الطَّوِيل //
فِي مرثية أَو صفة حزن لَكَانَ أشعر النَّاس
وَقَالَ رجل كَانَ يديم الْأَسْفَار سَافَرت مرّة إِلَى الشَّام على طَرِيق الْبر فَجعلت أتمثل بقول الْقطَامِي
(قد يدْرك المتأني بعض حَاجته ... وَقد يكون مَعَ المستعجل الزلل) // الْبَسِيط //
وَمعنى أَعْرَابِي قد اسْتَأْجَرت مِنْهُ مركبي فَقَالَ مَا زَاد قَائِل هَذَا الشّعْر على أَن ثبط النَّاس عَن الحزم فَهَلا قَالَ بعد قَوْله هَذَا
(وَرُبمَا ضرَّ بعضَ النَّاس حزمُهمُ ... وَكان خيرا لَهُم لَو أَنهم عجلوا)
стр. 183
والقطامي أَخذ معنى بَيته هَذَا من قَول عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ
(قَد يدركُ المبطئ من حظِّهِ ... وَالْخَيْر قد يسْبق جهد الْحَرِيص) // السَّرِيع //
وعدي نظر إِلَى قَول جمانة الْجعْفِيّ
(ومستعجل والمكثُ أدنى لرشدهِ ... وَلم يدرِ فِي استعجاله مَا يُبَادر) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول ابْن هِنْد ورحمه الله
(تأنَّ فالمرءُ إنْ تأنى ... أدْرك لَا شكّ مَا تمنى)
(وَمَا لمستوفِزٍ عَجُولٍ ... حظّ سوى أَنه تعَنَّى) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمن أحسن مَا قيل فِي عيب الأناة قَول ابْن الرُّومِي
(عيبُ الأناة وَإِن سرَّت عواقبُهَا ... أَن لَا خلودَ وَأَن لَيْسَ الْفَتى حجرَا) // الْبَسِيط //
وللقطامي عدَّة قصائد فِي مدح زفر بن الْحَرْث الْكلابِي سَيَأْتِي مِنْهَا شَيْء فِي أثْنَاء الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 184
شَوَاهِد الْمسند
стр. 185
٣٣ - (فَانِي وقيار بهَا لغريب ... )
قَائِله ضابئ بن الْحَارِث البرجمي وَهُوَ من قصيدة من الطَّوِيل قَالَهَا وَهُوَ مَحْبُوس فِي الْمَدِينَة المنورة فِي زمن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَهِي
(وَمن يَك أمْسى بالمدينةِ رحلُهُ ... فَانِي وقيار بهَا لَغريُب)
(وربَّ أُمُور لَا تَضيرُكَ ضَيرَةً ... وللقلب من مَخْشاتهن وجِيب)
(وَمَا عاجلاتُ الطيرُ تُدني من الْفَتى ... نجاحاً وَلَا عَن رَيْثِهِنَّ يخيب)
(وَلَا خَيرَ فِيمن لَا يُوَطن نَفسهُ ... على نائبات الدَّهرِ حِين تنَوب)
(وَفِي الشَّك تَفْريط وَفِي الحزْم فَتْرَة ... ويُخطئُ فِي الْحَدْس الْفَتى ويُصيب)
(ولَسْتَ بمستبْقٍ صَديقاً وَلَا أَخا ... إِذا لم تُعِدَّ الشيءَ وَهُوَ مُريب) // الطَّوِيل //
وَمعنى الْبَيْت التحسر على الغربة والرحل السكن وَمَا يستصحبه من الأثاث وقيار جمل ضابئ أَو فرسه
وَالشَّاهِد فِيهِ ترك الْمسند وَهُوَ غَرِيب وَالْمعْنَى إِنِّي لغريب وقيار أَيْضا لقصد الِاخْتِصَار والاحتراز عَن الْعَبَث فِي الظَّاهِر مَعَ ضيق الْمقَام بِسَبَب التحسر ومحافظة الْوَزْن
وَلَا يجوز أَن يكون غَرِيب خَبرا عَنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ لِامْتِنَاع الْعَطف على
стр. 186
مَحل اسْم إِن قبل مضى الْخَبَر وقيار مَرْفُوع إِمَّا عطفا على مَحل اسْم إِن أَو بِالِابْتِدَاءِ والمحذوف خَبره والسر فِي تَقْدِيم قيار على خبر إِن قصد التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي التحسر على الاغتراب كَأَنَّهُ أثر فِي غير ذَوي الْعُقُول أَيْضا إِذْ لَو أخر لجَاز أَن يتَوَهَّم مزيته عَلَيْهِ فِي التأثر عَن الغربة لَان ثُبُوت الحكم أَولا أقوى
وضابئ بالضاد الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة ثمَّ همزَة ابْن الْحَرْث البرجمي يَنْتَهِي نسبه إِلَى تَمِيم وَذكر فِيمَن أدْرك النَّبِي ﷺ ثمَّ إِنَّه جنى جِنَايَة فِي زمن عُثْمَان ﵁ فحبسه فجَاء ابْنه عُمَيْر وَأَرَادَ الفتك بعثمان ﵁ ثمَّ جبن عَنهُ وَفِي ذَلِك يَقُول
(هَمَمْت وَلم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عُثْمَان تبْكي حلائله) // الطَّوِيل //
وَيَقُول فِيهَا أَيْضا
(وقائلِةٍ لَا يُبعدِ الله ضابِئاً ... وَلَا تَبَعدَنْ أخلاقه وشمائله)
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا أَيْضا
стр. 187
(وَلَا تَقربنَ أَمرَ الصَّريمةَ بامرئ ... إِذا رَام أمرا عوَّفَتْهُ عواذلُهْ)
(فَلَا الفَتْكُ مَا أمّرتَ فِيهِ وَلَا الَّذِي ... تحدت مَنْ لاقيتَ أَنَّك قَاتله)
(وَمَا الفتك إِلَّا لامرئ ذِي حَفيظةٍ ... إِذا هَّم لم تُرْعَدْ عَلَيْهِ مفاصِلُهْ)
ثمَّ لما قتل عُثْمَان ﵁ وثب عَلَيْهِ عُمَيْر الْمَذْكُور فَكسر ضلعين من أضلاعه ثمَّ إِن الْحجَّاج قَتله كَمَا سَيَأْتِي مشروحاً فِي شَوَاهِد الإيجاز عِنْد قَوْله أَنا ابْن جلا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَكَانَ السَّبَب فِي حبس عُثْمَان لضابئ أَنه كَانَ اسْتعَار من بعض بني حَنْظَلَة كَلْبا يصيد بِهِ فطالبوه بِهِ فَامْتنعَ من إِعْطَائِهِ فَأَخَذُوهُ مِنْهُ قهراُ فَغَضب وَرمى أمّهم بالكلب وهجاهم بقوله
(تَجشّمَ نحوي وفْدُ قُرحانَ شُقة ... تَظَل بِهِ الوَجناءُ وَهِي حَسيرُ)
(فأردَفتهُم كلْباً فراحوا كَأَنَّمَا ... حَباهْم بتاج الهُرمزانِ أميرُ)
(وقلَدْتهم مَا لَو رميْت مُتالِعاً ... بِهِ وَهْوَ مُغْبر لكاد يَطير)
(فَيا رَاكباً إِمَّا عرضت فبلغن ... أسامَةَ عني والأمورُ تدورُ)
(فأمُّكمُ لَا تترُكُوها وكلْبَكم ... فَإِن عقوقَ الْوَالِدين كَبير)
(فَإنَّك كلبٌ قد ضَرِيتَ بِمَا ترى ... سَميع بِمَا فوقَ الفِراشِ بَصِير)
(إذَا عَبَقَتْ مِن آخر اللَّيْل دُخْنةٌ ... يَبيت لَهُ فوْقَ الفِراشِ هرير) // الطَّوِيل //
فَاسْتَعدوا عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فحبسه وَقَالَ وَالله لَو أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ حَيا لنزلت فِيك آيَة وَمَا رَأَيْت أحدا رمى قوما بكلب قبلك
стр. 188
وَحدث أَبُو بكر بن عَيَّاش قَالَ كَانَ عُثْمَان ﵁ يحبس فِي الهجاء فهجا ضابئ قوما فحبسه عُثْمَان ﵁ ثمَّ استعرضه فَأخذ سكيناً فَجَعلهَا فِي أَسْفَل نَعله فَأعْلم عُثْمَان بذلك فَضَربهُ ورده إِلَى الْحَبْس
٣٤ - (نَحنُ بِمَا عِنْدَنا وأَنْتَ بِما ... عِنْدِكَ راضٍ وَالرأي مُخْتَلِفُ)
الْبَيْت لقيس بن الخطيم من قصيدة من المنسرح أَولهَا
(رَدَّ الخليطُ الجِمالَ فانصرفوا ... مَاذَا عَلَيْهِم لَو أَنَّهم وَقَفوا)
(لَو وقفُوا سَاعَة نُسائِلُهم ... رَيْثَ يُضحي جِمَاله السلَفُ)
(فيهم لَعوبٌ لَعْساءُ آنسةُ الدَّل عَروبٌ يَسوءها الخلُفُ ... )
(بَين شُكولِ النساءِ خِلقُتها ... قَصْدٌ فَلَا جثلة وَلَا قَضَفُ)
(تَنامُ عَن كُبْرِ شَأْنهَا فَإِذا ... قَامَت رُويْداً تكَاد تنع طف) // المنسرح //
стр. 189
إِلَى أَن قَالَ مِنْهَا أَيْضا
(أَبْلِغْ بني مَذْحِج وقَومَهمُ ... خَطيم أَنا وَراءهم أُنُفُ)
(إِنَّا وَإِن قَلَّ نَصْرُنا لهُم ... أكبادُنا من وَرائِهم تجِفُ)
(وإننا دون مَا يسومهم الْأَعْدَاء ... من ضيم خُطةٍ نُكْفُ)
(الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة لَا ... يأتِيهُم من وَرَائِنَا وَكفُ)
(يَا مالِ وَالسَّيِّد المعَمَّم قد ... يَطرأ فِي بعض رَأْيه السَّرَفُ)
(نحنُ المكيثونَ حيثُ يحمَدُ بالمُكثِ وَنحن المصالِتُ الأنُفُ ... )
(يَا مَال والحقُّ إِن قَنعت بِهِ ... فَالْحق فِيهِ لأمرنا نَصَفُ)
(خَالفْتَ فِي الرَّأْي كلَّ ذِي فَخَرٍ ... والْبَغْيُ يَا مَال غير مَا تَصِفُ)
(إِنّ بُجيراً مولى لقومكم ... وَالْحق نوفي بِهِ ونعترف) // المنسرح //
والرأي الِاعْتِقَاد وَيجمع على آراء وأرآء
وَالشَّاهِد فِيهِ ترك الْمسند وَهُوَ راضون فَقَوله رَاض خبر الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَخبر الأول مَحْذُوف على عكس الْبَيْت السَّابِق
وَمثله قَول الشَّاعِر
(رماني بِأَمْر كنت مِنْهُ ووالدي ... بريّاً وَمن أجل الغوي رماني) // الطَّوِيل //
وَقَول المتنبي
(قَالَت وَقد رَأَتْ اصفراري من بِهِ ... وتنهدت فأجبتها المتنهد) // الْكَامِل //
стр. 190
أَي المتنهد هُوَ المطالب بِهِ
وَقيس بن الخطيم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة شَاعِر جاهلي وَابْنه ثَابت ﵁ مَذْكُور فِي الصَّحَابَة ﵃ وَشهد مَعَ عَليّ كرم الله وَجهه صفّين والجمل والنهروان
وَقيس هَذَا قتل أَبوهُ وَهُوَ صَغِير فَلَمَّا بلغ قتل قَاتل أَبِيه ونشأت بِسَبَب ذَلِك حروب بَين قومه وَبَين الْخَزْرَج فِي خبر يطول ذكره
وَكَانَ قيس بن الخطيم مقرون الحاجبين أدعج الْعَينَيْنِ أَحْمَر الشفتين براق الثنايا كَأَن بَينهمَا برقاً مَا رَأَتْهُ حَلِيلَة رجل قطّ إِلَّا ذهب عقلهَا
وَقَالَ حسان بن ثَابت ﵁ للخنساء اهجي قيس بن الخطيم فَقَالَت لَا أهجو أحدا حَتَّى أرَاهُ فَجَاءَتْهُ يَوْمًا فرأته فِي مشربَة ملتفاً بكساء لَهُ فنخسته برجلها وَقَالَت قُم فَقَامَ فَقَالَت أقبل فَأقبل ثمَّ قَالَت أدبر فَأَدْبَرَ ثمَّ قَالَت أقبل فَأقبل قَالَ وَالله لكأنها والية تعترض عبدا تشتريه ثمَّ عَاد إِلَى حَاله نَائِما فَوَلَّتْ وَقَالَت وَالله لَا أهجو هَذَا أبدا
وَقَالَ حسان بن ثَابت ﵁ قدم النَّابِغَة السُّوق فَنزل عَن رَاحِلَته ثمَّ جثا على رُكْبَتَيْهِ وَاعْتمد على عَصَاهُ ثمَّ أنشأ يَقُول
(عرَفتُ منازلاً بعُريتناتٍ ... فأعلى الجزعِ للحَيّ المبن) // الوافر //
فَقلت هلك الشَّيْخ ورأيته تبع قافية مُنكرَة قَالَ وَيُقَال إِنَّه
стр. 191
قَالَهَا فِي مَوْضِعه فَمَا زَالَ ينشد حَتَّى أَتَى على آخرهَا ثمَّ قَالَ أَلا رجل ينشد فَتقدم قيس بن الخطيم فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ وَأنْشد
(أتعرف رسما كاطراد الْمذَاهب ... ) // الطَّوِيل //
حَتَّى فرغ مِنْهَا فَقَالَ لَهُ أَنْت أشعر النَّاس يَا ابْن أخي قَالَ حسان ﵁ فدخلني مِنْهُ من ذَلِك وَإِنِّي مَعَ ذَلِك لأجد الْقُوَّة فِي نَفسِي عَلَيْهِمَا ثمَّ تقدّمت فَجَلَست بَين يَدَيْهِ فَقَالَ أنْشد فوَاللَّه إِنَّك لشاعر قبل أَن تَتَكَلَّم قَالَ وَكَانَ يعرفنِي قبل ذَلِك فَأَنْشَدته فَقَالَ أَنْت أشعر النَّاس
وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ جلس رَسُول الله ﷺ فِي مجْلِس لَيْسَ فِيهِ إِلَّا خزرجي فاستنشدهم ﷺ قصيدة قيس بن الخطيم وَهِي
(أتعرفُ رسماً كاطراد الْمذَاهب ... لِعَمْرَةَ وحشاً غيرَ موقف راكبِ)
فأنشده بَعضهم إِيَّاهَا فَلَمَّا وصل إِلَى قَوْله مِنْهَا
(أَجالِدُهمْ يَوْم الحديقةِ حاسراً ... كأنَّ يَدي بالسيفِ مِخْرَاق لاعبِ)
فَالْتَفت إِلَيْهِم رَسُول الله ﷺ فَقَالَ هَل كَانَ كَمَا ذكر فَشهد ثَابت بن قيس بن شماس قَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ يَا رَسُول الله لقد خرج إِلَيْنَا يَوْم سَابِع عرسه عَلَيْهِ غلالة وَمِلْحَفَة مورسة فجالدنا كَمَا ذكر هَذَا فِي هَذِه الرِّوَايَة
وَهَذِه القصيدة من غرر القصائد وبيتها هُوَ قَوْله
стр. 192
(تبدّتْ لنَا كَالشَّمْسِ تحتَ غمّامةٍ ... بدَا حاجبٌ مِنْهَا وضَنَّتْ بحاجِبِ)
وَعَن الْمفضل أَن حَرْب الْأَوْس والخزرج لما هدأت تذكرت الْخَزْرَج قيس بن الخطيم ونكايته فيهم فتآمروا وتواعدوا على قَتله فَخرج عَشِيَّة من منزله فِي ملاءتين يُرِيد مَالا لَهُ بِالشَّوْطِ قلت وَهُوَ حَائِط عِنْد جبل أحد فَلَمَّا مر بأطم بني حَارِثَة رمى من الأطم بِثَلَاثَة أسْهم فَوَقع أَحدهَا فِي صَدره فصاح صَيْحَة سَمعهَا رهطه فجاؤه فَحَمَلُوهُ إِلَى منزله فَلم يرَوا لَهُ كفوا إِلَّا أَبَا صعصعة يزِيد بن عَوْف بن مبذول النجاري فاندس إِلَيْهِ رجل حَتَّى اغتاله فِي منزله فَقتله بِأَن ضرب عُنُقه وَاحْتمل رَأسه وأتى بِهِ قيسا وَهُوَ بآخر رَمق فَأَلْقَاهُ بَين يَدَيْهِ وَقَالَ يَا قيس قد أدْركْت بثارك فَقَالَ عضضت بأير أَبِيك إِن كَانَ غير أبي صعصعة قَالَ هُوَ أبي صعصعة وَأرَاهُ الرَّأْس فَلم يلبث قيسٌ بعد ذَلِك أَن مَاتَ وَكَانَ مَوته على كفره قبل قدوم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة المنورة
وَمن شعره من قصيدة
(ومَا بعضُ الإقَامةِ فِي ديارٍ ... يُهَانُ بهَا الْفَتى إِلَّا عناءُ)
(وبعضُ خلائقِ الأقوامِ داءٌ ... كداء الْمَوْت ليسَ لَهُ دَوَاء)
(يُرِيد الْمَرْء أَن يُعْطَي مُناهُ ... ويأْبَى اللهُ إِلَاّ مَا يشاءُ)
(وَكلّ شَدِيدَة نزلتْ بِقومٍ ... سَيَأْتِي بعد شِدَّتهَا رخَاءُ)
(وَلا يُعطى الْحَرِيص غنى بِحِرْصٍ ... وَقَدْ ينمي على الْجُود الثراءُ)
стр. 193
(غنَاء النفسِ مَا عمرتْ غناءٌ ... وفقرُ النَّفس مَا عمرت شقَاءُ)
(وَلَيْسَ بِنافع ذَا الْبُخْل مالٌ ... ولَا مُزْرٍ بِصاحبه السخَاءُ)
(وبعضُ القَوْل ليسَ لهُ عنَاجٌ ... كمخص المَاء لَيْسَ لَهُ إتاءُ)
(وبعضُ الدَّاء مُلْتَمَسٌ شِفَاهُ ... وداءُ النَّوْكِ لَيْسَ لَهُ دَوَاء) // الوافر //
٣٥ - (إِن محلا وَإِن مرتحلا ... )
قَائِله الْأَعْشَى الْأَكْبَر من قصيدة من المنسرح يمدح بهَا سَلامَة ذَا فايش واسْمه سَلامَة بن يزِيد الْيحصبِي وَكَانَ يظْهر للنَّاس فِي الْعَام مرّة مبرقعاً
حدث سماك بن حَرْب قَالَ قَالَ الْأَعْشَى أتيت سَلامَة ذَا فايش فأطلت الْمقَام بِبَابِهِ حَتَّى وصلت إِلَيْهِ بعد مُدَّة طَوِيلَة فَأَنْشَدته
(إِن محلا وَإِن مرتحلا ... وَإِن فِي شِعْرِ مَنْ مضى مَثَلَا)
стр. 194
(استأثرّ اللُه بِالْوَفَاءِ وبالعدلِ وأوْلى الملامةَ الرجلَا ... )
(والأرضُ حمالَة لما حملَ اللهُ وَمَا إِنْ يُردُّ مَا فعلا ... )
(يَوْمًا تَراهَا كشبه أرديةِ العَصبِ وَيَوْما أَديمُهَا نَغِلَا ... )
(الشّعْر قلدُتهُ سَلامَة ذَا ... فايش والشيءُ حَيْثُمَا جُعلَا)
فَقَالَ صدقت الشَّيْء حَيْثُمَا جعل وَأمر لي بِمِائَة من الْإِبِل وكساني حللا وَأَعْطَانِي كرشاً مدبوغة مَمْلُوءَة عنبراً وَقَالَ لي إياك أَن تخدع عَمَّا فِيهَا قَالَ فَأتيت الْحيرَة فبعتها بثلثمائة نَاقَة حَمْرَاء
وَالْمحل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة الْمنزل والمرتحل بِالْفَتْح أَيْضا الْمَكَان المرتحل عَنهُ
وَالشَّاهِد فِيهِ حذف الْمسند الَّذِي هُوَ هُنَا ظرف
وَالْمعْنَى إِن لنا فِي الدُّنْيَا حلولا وَلنَا عَنْهَا إِلَى الْآخِرَة ارتحالا
وَقد اخْتلف فِي حذف خبر إِن فَأَجَازَهُ سِيبَوَيْهٍ إِذا علم سَوَاء كَانَ الِاسْم معرفَة أَو نكرَة وَهُوَ الصَّحِيح وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ إِن كَانَ الِاسْم نكرَة وَقَالَ الْفراء لَا يجوز معرفَة كَانَ أَو نكرَة إِلَّا إِذا كَانَ بالتكرير كَهَذا الْبَيْت
стр. 195
والأعشى اسْمه مَيْمُون بن قيس بن جندل بن شرَاحِيل يَنْتَهِي نسبه لنزار وَكَانَ يُقَال لِأَبِيهِ قَتِيل الْجُوع سمي بذلك لِأَنَّهُ دخل غاراً ليستظل فِيهِ من الْحر فَوَقَعت صَخْرَة من الْجَبَل فَسدتْ فَم الْغَار فَمَاتَ فِيهِ جوعا وَفِيه يَقُول جهنام واسْمه عَمْرو وَكَانَ يتهاجى هُوَ والأعشى
(أَبوك قتيلُ الْجُوع قيس بن جندل ... وخالك عبدٌ من خماعة راضع) // الطَّوِيل //
وَكَانَ الْأَعْشَى يكنى أَبَا بَصِير وَهُوَ أحد الْأَعْلَام من شعراء الْجَاهِلِيَّة وفحولها
وَسُئِلَ يُونُس النَّحْوِيّ من أشعر النَّاس فَقَالَ لَا أومئ إِلَى رجل بِعَيْنِه وَلَكِنِّي أَقُول امْرُؤ الْقَيْس إِذا ركب والنابغة إِذا رهب وَزُهَيْر إِذا رغب والأعشى إِذا طرب
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة من قدم الْأَعْشَى احْتج بِكَثْرَة طواله الْجِيَاد وتصرفه فِي المديح والهجاء وَسَائِر فنون الشّعْر وَلَيْسَ ذَلِك لغيره وَيَقُول هُوَ أول من سَالَ بِشعرِهِ وانتجع بِهِ أقاصي الْبِلَاد وَكَانَ يُغني بِشعرِهِ فَكَانَت الْعَرَب تسميه صناجة الْعَرَب
стр. 196
وَحدث يحيى بن سليم الْكَاتِب قَالَ بَعَثَنِي أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور بِالْكُوفَةِ إِلَى حَمَّاد الراوية أسأله من أشعر النَّاس قَالَ فَأتيت حماداً فاستأذنت وَقلت يَا غُلَام فَأَجَابَنِي إِنْسَان من أقْصَى بَيت فِي الدَّار فَقَالَ من أَنْت فَقلت يحيى بن سليم رَسُول أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ ادخل رَحِمك الله فَدخلت أتسمت الصَّوْت حَتَّى وقفت على بَاب الْبَيْت فَإِذا حَمَّاد عُرْيَان وعَلى سوءتيه شاهشفرم قلت وَهُوَ الريحان فَقلت لَهُ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَسْأَلك عَن أشعر النَّاس قَالَ نعم ذَلِك الْأَعْشَى صناجها
وَحدث رجل من أهل الْبَصْرَة أَنه حج فَقَالَ إِنِّي لأسير فِي لَيْلَة أضحيانة إِذْ نظرت إِلَى رجل شَاب رَاكب على ظليم قد زمه وخطمه وَهُوَ يذهب عَلَيْهِ وَيَجِيء قَالَ وَهُوَ مَعَ ذَلِك يرتجز وَيَقُول
(هَل يُبْلغَنِّيهم إِلَى الصَّباحْ ... هِقلٌ كَأَن رَأسه جماح) // الرجز //
فَعلمت أَنه لَيْسَ بإنسي فاستوحشت مِنْهُ فتردد عَليّ ذَاهِبًا وراجعاً حَتَّى أنست بِهِ فَقلت من أشعر النَّاس قَالَ الَّذِي يَقُول
стр. 197
(وَمَا ذَرَفَتْ عيناكِ إِلا لتضربي ... بِسَهْمَيْك فِي أعشار قلب مقتل) // الطَّوِيل //
فقتلت وَمن هُوَ قَالَ امْرُؤ الْقَيْس قلت وَمن الثَّانِي قَالَ الَّذِي يَقُول
(تَطردُ القُرّ بحرٍّ ساخن ... وعَكيكَ القَيْظِ إِن جَاءَ بِقُر) // الرمل //
قلت وَمن يَقُوله قَالَ طرفَة قلت وَمن الثَّالِث قَالَ الَّذِي يَقُول
(وَتبْرُدُ بَرْدَ زداء الْعَرُوس ... بالصيف رَقْرَقْتَ فِيهِ العبيرا) // المتقارب //
قلت وَمن يَقُوله قَالَ الْأَعْشَى ثمَّ ذهب
وَقَالَ الشّعبِيّ ﵀ الْأَعْشَى أغزل النَّاس فِي بَيت وَاحِد وأخنث النَّاس فِي بَيت وَاحِد وَأَشْجَع النَّاس فِي بَيت وَاحِد فَأَما أغزل بَيت فَقَوله
(غَرَّاءُ فَرعاءُ مصقولٌ عوارضها ... تَمشي الهُوينا كَمَا يمشي الوجى الوجل) // الْبَسِيط //
وَأما أخنث بَيت فَقَوله
(قَالَت هُريرة لما جِئتُ زائِرها ... ويلي عَلَيْك وويلي مِنْك يَا رجل) // الْبَسِيط //
وَأما أَشْجَع بَيت فَقَوله
(قَالُوا الطِّرادُ فَقُلْنَا تِلْكَ عادَتُنَا ... أَو تَنْزلونَ فَإنَّا مَعْشر نزل) // الْبَسِيط //
стр. 198
وَهَذِه الأبيات من قصيدة للأعشى طنابة مطْلعهَا
(وَدَّعْ هريرةَ إِن الركب مرتحل ... وَهل تُطيقُ وداعاً أَيهَا الرَّجُلُ)
وَقد ذكرت بهَا مَا أنْشدهُ السراج الْوراق مداعباً لشخص يدعى النَّجْم وَكَانَ اشْترى جَارِيَة اسْمهَا زبيدة من سيد لَهَا جميل الْوَجْه يُسمى فَخر الدّين بن عُثْمَان فَحملت سَيِّدهَا النَّجْم على أَن أزارها بَيت سَيِّدهَا الأول
(ذَابتْ زُبَيدة من شَوقٍ لسَيدها ... عثمانَ والنَّجم بالنيرانِ مشتعلُ)
(وَمَا تلام ونيل الْفَخر يعجبها ... وبالزيارة لم يبرح لَهَا شغل)
(فقُل لِطائر عقَل قد أتاهُ بهَا ... ويلي عَلَيْك وويلي مِنْك يَا رجل)
(لَو كنْتَ يَا سَطْلُ ذَا أذْنٍ تُصيخ إِلَيّ ... عَذْلٍ عذلتُك لَو يجدي لَك العَذَلُ)
(تَقود ظَبْيَة آرام إِلَى أسَدٍ ... لَو التقى لمَضَتْ أنيابهُ العُصلُ)
(وَمن يرى ذَلِك الوجهَ الجميلَ وَلَا ... يَوَدُّ من قَبحكَ الْمَشْهُور ينفَصلُ)
(هذي بُثينةُ وَالْمَجْنُون قائدُها ... إِلَى جَميلٍ أَجَاد المح يَا جمل)
(وهبهُ عَفَّ أما تبقى محا سنّهَا ... فِي قلبه يَا لَكَاع الْوَقْت يَا زُحَل)
(أفٍٍّ لعقلكَ يَا مَتبوعُ إِنَّك ذُو ... رَأس خفيفٍ وذَاك الطودُ والجبل)
(وَالويلُ وَيلك إِن ذاقَتْ عُسَيلته ... وَبَات يَجْتَمِعَانِ الزبدُ والعَسلُ)
(لأنشِدَنك إِن ودعتها سَفهاً ... ودِّع هُرَيْرَة إِن الركب مرتحل)
(وَإِن يكن ذَاك أعشي كُنتَ أَنْت إِذا ... أعمى فَلَا اتَّضحت يَوْمًا لَك السبل) // الْبَسِيط //
رَجَعَ إِلَى أَخْبَار الْأَعْشَى
قدم الأخطل الْكُوفَة فَأَتَاهُ الشّعبِيّ يسمع من شعره قَالَ فَوَجَدته يتغدى
стр. 199
فدعاني إِلَى الْغذَاء فأبيت فَقَالَ مَا حَاجَتك قلت أحب أَن أسمع من شعرك فأنشدني
(صرمت أُمامة حبلها ورعوم ... ) // الْكَامِل //
فَلَمَّا انْتهى إِلَى قَوْله
(وَإِذا تَعاوَرت الأكف ختامها ... نفخت فَنالَ رياحهَا المزكُومُ) // الْكَامِل //
قَالَ لي يَا شعبي ناك الأخطل أُمَّهَات الشُّعَرَاء بِهَذَا الْبَيْت فَقلت الْأَعْشَى فِي هَذَا أشعر مِنْك يَا أَبَا مَالك قَالَ وَكَيف قلت لِأَنَّهُ قَالَ
(من خَمْر عانةَ قد أَتَى لختامِهِ ... حَوْلٌ تَسُل غمامةَ المزكوم) // الْكَامِل //
فَقَالَ وَضرب بالكأس الأَرْض هُوَ والمسيح أشعر مني ناك وَالله أُمَّهَات الشُّعَرَاء إِلَّا أَنا
وَحدث هِشَام بن الْقَاسِم الْغَزِّي وَكَانَ عَلامَة بِأَمْر الْأَعْشَى أَنه وَفد
стр. 200
إِلَى النَّبِي ﷺ وَقد مدحه بقصيدته الَّتِي أَولهَا
(ألم تكتحلْ عَيْنَاك ليْلةَ أرمَدَا ... وعادَك مَا عادَ السليمَ المسهَّدا)
(وَمَا ذاكَ من عِشق النساءِ وَإِنَّمَا ... تَناسيت قبلَ الْيَوْم خُلَّةً مَهْدَدا) // الطَّوِيل //
وفيهَا أَيْضا يَقُول لناقته
(فآليتُ لَا أرثي لَهَا من كلالةٍ ... وَلَا من حَفىً حَتى تزورَ مُحَمَّدًا)
(نَبيٌّ يرى مَا لَا ترَوْن وذكرهُ ... أَغارَ لعمري فِي الْبِلَاد وأَنجَدَا)
(مَتى مَا تُناخى عِنْد بَاب ابْن هَاشم ... تُراحِي وتَلْقَىْ من فواضلِهِ نَدَى)
فَبلغ خَبره قُريْشًا فرصدوه على طَرِيقه وَقَالُوا هَذَا صناجة الْعَرَب مَا يمدح أحدا قطّ إِلَّا رفع من قدره فَلَمَّا ورد عَلَيْهِم قَالُوا أَيْن أردْت يَا أَبَا بَصِير قَالَ أردْت صَاحبكُم هَذَا لأسلم على يَدَيْهِ قَالُوا إِنَّه ينهاك عَن حَلَال ويحرمها عَلَيْك وَكلهَا بك رافق وَلَك مُوَافق قَالَ وَمَا هن قَالَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب الزِّنَى قَالَ لقد تركني الزِّنَى وَمَا تركته قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ الْقمَار قَالَ لعَلي إِن لَقيته أصبت مِنْهُ عوضا من الْقمَار قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ الرِّبَا قَالَ مَا دنت وَمَا أدنت قطّ قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ الْخمر قَالَ أوه أرجع إِلَى صبَابَة بقيت لي فِي المهراس فأشربها فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان فَهَل لَك فِي شَيْء خير لَك مِمَّا هَمَمْت بِهِ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ نَحن وَهُوَ الْآن فِي هدنة فتأخذ مائَة من الْإِبِل وَترجع إِلَى بلدك سنتك هَذِه حَتَّى تنظر مَا يصير إِلَيْهِ أمرنَا فَإِن ظهرنا عَلَيْهِ كنت قد أخذت خلفا وَإِن ظهر علينا أَتَيْته قَالَ مَا أكره ذَاك قَالَ
стр. 201
أَبُو سُفْيَان يَا معشر قُرَيْش هَذَا الْأَعْشَى فوَاللَّه لَئِن أَتَى مُحَمَّدًا وَاتبعهُ ليضرمن عَلَيْكُم نيران الْعَرَب بِشعرِهِ فاجمعوا لَهُ مائَة من الْإِبِل فَفَعَلُوا فَأَخذهَا وَانْطَلق إِلَى بَلَده فَلَمَّا كَانَ بقاع منفوحة رَمَاه بعيره فَقتله
وَحدث مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن سُلَيْمَان بن أبي حَفْصَة قَالَ قبر الْأَعْشَى بمنفوحة وَأَنا رَأَيْته فَإِذا أَرَادَ الفتيان أَن يشْربُوا خَرجُوا إِلَى قَبره فَشَرِبُوا عِنْده وَصبُّوا عَلَيْهِ فضلات الأقداح انْتهى وَالله أعلم
٣٦ - (لِيبْكَ يزِيد ضارع لخصومة ... )
قَائِله ضرار بن نهشل يرثي أَخَاهُ يزِيد من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا
(لَعمرِي لَئنْ أَمْسى يَزيدُ بنُ نَهشلٍ ... حَشا جَدثٍ تَسفي عَليهِ الرَّوائحُ)
(لَقد كانَ ممنْ يَبسُطُ الكفَّ بالنَّدى ... إِذَا ضَنَّ بِالخيرِ الأكفُّ الشَّحائحُ)
(فَبعدكَ أبْدَى ذُو الضَّغينةِ ضِغنهُ ... وسَدَّد لي الطَّرفَ الْعيونُ الْكواشحُ)
(ذَكرتُ الذِي ماتَ النَّدَى عِندَ مَوْتِهِ ... بِعافيةٍ إِذْ صَالحُ الْقومِ صَالحُ)
стр. 202
(إِذَا أَرَقِي أَفْنَى مِنَ اللَّيلِ مَا مَضى ... تَمطَّي بهِ ثِنيٌ مِنَ اللَّيلِ رَاجحُ)
(لِيبكَ يَزيدُ ضَارعٌ لخُصومةٍ ... وَمُختبطٌ مِمَّا تُطيحُ الطَّوائحُ)
(عَرى بَعد مَا جَفَّ الثَّرَى عَنْ نِقابهِ ... بِعصماءَ تَدْري كَيفَ تَمشي المنَائحُ) // الطَّوِيل //
والضارع الخاضع المستكن من الضراعة وَهِي الخضوع والتذلل وَالْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بضارع وَإِن لم يعْتَمد على شَيْء لِأَن الْجَار وَالْمَجْرُور تكفيه رَائِحَة الْفِعْل أَي يبكيه من يذل لأجل خُصُومَة لِأَنَّهُ كَانَ ملْجأ وظهيراً للأذلاء والضعفاء وتعليقه بيبكي لَيْسَ بِقَوي والمختبط الَّذِي يَأْتِيك للمعروف من غير وَسِيلَة وَأَصله من الْخبط وَهُوَ ضرب الشّجر ليسقط وَرقهَا لِلْإِبِلِ والطوائح جمع مطيحة وَهِي القواذف على غير قِيَاس كلواقح جمع ملقحة يُقَال طوحته الطوائح أَي نزلت بِهِ المهالك وَلَا يُقَال المطوحات وَهُوَ نَادِر
وَالشَّاهِد فِيهِ وُقُوع الْكَلَام جَوَابا لسؤال مُقَدّر مُشْتَمل على الْمسند وَعدل عَن بنائِهِ للْمَفْعُول لتكرير الْإِسْنَاد إِجْمَالا وتفصيلاً إِذْ هُوَ أوكد وَأقوى فِي النَّفس وَالله أعلم
стр. 203
٣٧ - (أوَ كلما وَرَدَتْ عُكاظَ قَبِيلةٌ ... بَعثُوا إِليَّ عَريفَهُمْ يَتَوَسَّمُ)
الْبَيْت لطريف بن تَمِيم الْعَنْبَري من أَبْيَات من الْكَامِل وَبعده
(فَتَوَّسموني إِنَّنِي أَنا ذَلِكمْ ... شَاكي سلَاحي فِي الحَوادثِ مُعَلمُ)
(تَحتي الأغَرُّ وَفوقَ جِلدي نَثرةٌ ... زعف تَرُدُّ السَّيفَ وَهوَ مُثْلَّمُ)
(حَوْلي أسَيِّدُ والهجيمُ وَمازنٌ ... وَإذا حَللتُ فَحْولَ بَيتي خضم) // الْكَامِل //
وعكاظ سوق بصحراء بَين نَخْلَة والطائف كَانَت تقوم هِلَال ذِي الْقعدَة وتستمر عشْرين يَوْمًا تَجْتَمِع فِيهَا قبائل الْعَرَب فيتعاكظون أَي يتفاخرون ويتناشدون وَمِنْه الْأَدِيم العكاظي والقبيلة بَنو أَب وَاحِد والعريف رَئِيس الْقَوْم لِأَنَّهُ عرف بذلك أَو النَّقِيب وَهُوَ دون الرئيس والتوسم التخيل والتفرس
وَالْمعْنَى إِن لي على كل قَبيلَة جِنَايَة فَمَتَى وردوا عكاظ طلبني الْقيم بأمرهم وَكَانَت فرسَان الْعَرَب إِذا كَانَ أَيَّام عكاظ فِي الشَّهْر الْحَرَام وَأمن بَعضهم
стр. 204
بَعْضًا تقنعوا حَتَّى لَا يعرفوا وَذكر عَن طريف هَذَا وَكَانَ من الشجعان أَنه كَانَ لَا يتقنع كَمَا يتقنعون فَوَافى عكاظ سنة وَقد حشدت بكر ابْن وَائِل وَكَانَ طريف هَذَا قبل ذَلِك قد قتل شرَاحِيل الشَّيْبَانِيّ فَقَالَ حصيصة بن شرَاحِيل أروني طريفا فاروه إِيَّاه فَجعل كلما مر بِهِ طريف تَأمله وَنظر إِلَيْهِ حَتَّى فطن لَهُ طريف فَقَالَ لَهُ مَا لَك تنظر إِلَيّ مرّة بعد مرّة فَقَالَ أتوسمك لأعرفك فَللَّه عَليّ لَئِن لقيتك فِي حَرْب لأَقْتُلَنك أَو لتقتلني فَقَالَ طريف عِنْد ذَلِك الأبيات الْمَارَّة
وَالشَّاهِد فِيهِ مجي الْمسند فعلا ليُفِيد حُدُوث التجدد حَالا بعد حَال وَهُوَ هُنَا يتوسم أَي يتفرس الْوُجُوه ويتصفحها يحدث مِنْهُ ذَلِك شَيْئا فَشَيْئًا ولحظة فلحظة
ثمَّ إِن بني عائذة حلفاء بني ربيعَة من ذهل بن شَيبَان خرج مِنْهَا رجلَانِ يصيدان فَعرض لَهما رجل من بني شَيبَان فذعر عَلَيْهِمَا صيدهما فوثبا عَلَيْهِ فقتلاه فثارت بَنو مرّة بن ذهل بن شَيبَان يُرِيدُونَ قَتلهمَا فَأَبت بَنو ربيعَة عَلَيْهِم ذَلِك فَقَالَ هَانِئ بن مَسْعُود وَهُوَ رئيسهم يَا بني ربيعَة إِن إخْوَانكُمْ قد أَرَادوا ظلمكم فانحازوا عَنْهُم ففارقوهم فَسَارُوا حَتَّى نزلُوا بمبايض مَاء لَهُم فأبق عبد لرجل من بني ربيعَة وَسَار إِلَى بِلَاد تَمِيم فَأخْبرهُم أَن حَيا جريداً من بني بكر بن وَائِل نزل على مبايض وهم بَنو ربيعَة والحي الجريد المنتقي من قومه فَقَالَ طريف بن
стр. 205
الْعَنْبَري هَؤُلَاءِ ثَأْرِي يَا آل تَمِيم إِنَّمَا هم أَكلَة رَأس وَأَقْبل فِي بني عَمْرو بن تَمِيم فأنذرت بهم بَنو ربيعَة فانحاز بهم هَانِئ بن مَسْعُود رئيسهم إِلَى علم مبايض وَأَقَامُوا عَلَيْهِ وسرحوا بالأموال والسرح وصحبتهم تَمِيم فَقَالَ لَهُم طريف افرغوا من هَؤُلَاءِ الْأَكْلُب يصف لكم مَا وَرَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ بعض رُؤَسَاء قومه أنقاتل أكلباً أحرزوا أنفسهم ونترك أَمْوَالهم مَا هَذَا بِرَأْي وأبوا عَلَيْهِ وَقَالَ هَانِئ لأَصْحَابه لَا يُقَاتل رجل مِنْكُم فلحقت تَمِيم بِالنعَم والعيال فَأَغَارُوا عَلَيْهِمَا فَلَمَّا ملأوا أَيْديهم من الْغَنِيمَة قَالَ هَانِئ لأَصْحَابه احملوا عَلَيْهِم فهزموهم وَقتل يَوْمئِذٍ طريف بن الْعَنْبَري قَتله حصيصة الشَّيْبَانِيّ بن شرَاحِيل وَقَالَ فِي ذَلِك
(وَلقدْ دَعوتَ طَريفُ دَعوةَ جاهلٍ ... سَفهاً وَأنت بُمعلمٍ قَدْ تَعلم)
(وَأتيتَ حَيّاً فِي الْحروبِ مَحلهمْ ... والجيشُ باسمِ أبِيهمُ يُستهزمُ)
(فوجدتَ قَوماً يمنعونَ ذِمارهمْ ... بُسْلاً إذَا هابَ الفوارسُ أقْدموا)
(وَإِذا دَعوْا بِبني رَبيعةَ شمرُوا ... بِكتائبٍ دُونَ النِّساءِ تَلَمْلَمُ)
(حَشدُوا عَليك وَعجلوا بِقراهمُ ... وَحموْا ذِمارَ أَبيهمُ أنْ يُشتمُوا)
(سَلبوكَ دِرعكَ وَالأغرّ كليهمَا ... وَبنُو أسَيِّدٍ أسْلموك وخَضَّمُ)
стр. 206
٣٨ - (لَا يألَفُ الدَّرْهمُ المضْرُوبُ صُرَّتَنَا ... لكِنْ يَمُرُّ عَلَيهَا وَهْوَ منطلق)
الْبَيْت للنضر بن جؤية أَو جؤية بن النَّضر من أَبْيَات من الْبَسِيط وَقَبله
(قالتْ طَريفةُ مَا تَبقى دَراهِمنا ... ومَا بِنا سَرفٌ فِيها وَلَا خُرقُ)
(إِنا إِذا اجْتمعتْ يَوْماً دَراهِمنا ... ظَلْتْ إِلى طُرقِ الْمَعْرُوف تستبق) // الْبَسِيط //
وبعدهما الْبَيْت وَبعده
(حَتى يَصيرَ إِلَى نَذْلٍ يُخلِّدهُ ... يَكادُ مِنْ صَرِّهِ إِيَّاهُ ينمزق) // الْبَسِيط //
وَنسبه صَاحب الْمغرب لملك إفريقية يزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ
وَالشَّاهِد فِيهِ مَجِيء الْمسند اسْما لإِفَادَة الثُّبُوت والدوام لَا التَّقْيِيد والتجدد يَعْنِي أَن الانطلاق ثَابت لَهُ من غير اعْتِبَار تجدّد
وَفِي معنى الْبَيْت قَول المتنبي
(وكلمّا لقَى الدينارُ صاحبهُ ... فِي مِلْكهِ افترَقَا من قبلِ يصْطحبَا)
(مالٌ كأنّ غرابَ البينِ يرقبهُ ... فَكلما قيلَ هَذَا مجتد نعبا) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول ابْن النَّقِيب فِي مَعْنَاهُ
(ومَا بَين كفي وَالدَّرَاهِم عَامر ... ولستُ لَهَا دونَ الورى بخليل)
(وَمَا استَوْطَنَتْهَا قطُّ يَوْمًا وَإِنَّمَا ... تمرُّ عَلَيْهَا عابراتِ سَبِيل) // الطَّوِيل //
стр. 207
وَمَا ألطف قَول السراج الْوراق
(إِنّ الدراهمَ مسُّهَا ... أَلمٌ يشق على الكرامِ)
(الضربُ أول أمرهَا ... والحبسُ فِي أَيدي اللئام)
(مَاذَا على شُؤْم الدارهم ... من مقاساةِ الأنَامِ)
(ولخَوْفها مِنْ ذَا وَذَاكَ ... تفرُّ من أَيدي الْكِرَام) // من مجزوء الْكَامِل //
ولطيف قَول بَعضهم
(رَأَيْت الدَّرَاهِم أبغضنني ... كَأَنِّي قتلتُ أَبَا الدِّرْهَم) // المتقارب //
٣٩ - (لَهُ همم لَا مُنْتَهى لِكِبَارِهَا ... )
قَائِله حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ ﵁ يمدح النَّبِي ﷺ من قصيدة من الطَّوِيل وَتَمَامه
(وهْمتُهُ الصُّغْرَى أَجلُّ من الدهرِ ... )
وَذكر بَعضهم أَنه لبكر بن النطاح فِي أبي دلف الْعجلِيّ وَلَعَلَّ الْحَامِل لَهُ على هَذَا مَا حكى أَن أَبَا دلف لحق أكراداً قطعُوا الطَّرِيق فِي عمله وَقد أرْدف فارش مِنْهُم رَفِيقًا لَهُ خَلفه فطعنهما جَمِيعًا فأنفذهما فَتحدث النَّاس أَنا أنفذ بطعنة وَاحِدَة فارسين فَلَمَّا قدم من وَجهه دخل عَلَيْهِ ابْن النطاح فأنشده قَوْله فِيهِ
(قَالُوا وينظمُ فارسين بطعنةٍ ... يومَ اللقَاء وَلَا يراهُ جليلَا)
(لَا تعجبُوا فلوَ أَن طولَ قناتهِ ... مِيلٌ إذَن نظم الفوارس ميلًا) // الْكَامِل //
стр. 208
فَأمر لَهُ أَبُو دلف بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ بكر فِيهِ أَيْضا
(لَهُ رَاحَة لَو أَن معشار جودها ... على الْبر كَانَ البرُّ أندى من الْبَحْر)
(وَلَو أَن خلقَ اللهِ فِي جسمِ فارسٍ ... وبارَزَهُ كَانَ الخليَّ من الْعُمر)
(أَبَا دُلَفٍ بوركْتَ فِي كل بَلْدَة ... كَمَا بوركت قي شهرها ليلةُ القدرِ) // الطَّوِيل //
فَلَمَّا كَانَت هَذِه الأبيات مُوَافقَة لذَلِك الْبَيْت فِي الْوَزْن والقافية نسب لبكر بن النطاح الْمَذْكُور وَالَّذِي يقوى أَنه لَيْسَ لبكر بن النطاح أَنه لم يُوجد فِي أخباره إِلَّا الأبيات الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة وَهَذَا الْبَيْت جليل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا فَلَو كَانَ مِنْهَا لنَصّ عَلَيْهِ بِالذكر وَنقل بَعضهم أَن أَعْرَابِيًا دخل على أَمِير فَقَالَ يمدحه
(فَتى تهرْبُ الأموالُ مِن جود كفِّهِ ... كَمَا يهرُبُ الشَّيطانُ من لَيْلَة القدرِ)
(لَهُ همم لَا مُنْتَهى لكبارهَا ... وهْمتُهُ الصُّغْرَى أَجلُّ مْن الدَّهرِ)
(لهُ رَاحة لَو أَن معشار جودها ... على الْبر كَانَ البرُّ أندى من الْبَحْر) // الطَّوِيل //
فَقَالَ لَهُ الْأَمِير احتكم أَو فوض إِلَيّ الحكم فَقَالَ الْأَعرَابِي بل أحتكم بِكُل بَيت ألف دِرْهَم فَقَالَ الممدوح لَو فوضت إِلَيْنَا الحكم لَكَانَ خيرا لَك فَقَالَ لم يكن فِي الدُّنْيَا مَا يسع حكمك فَقَالَ أَنْت فِي كلامك أشعر من شعرك وَأمر مَكَان كل ألف بأَرْبعَة آلَاف
والهمم وَاحِدهَا همة بِالْكَسْرِ وتفتح وَهِي مَا هم بِهِ من أَمر ليفعل
وَالشَّاهِد فِيهِ تَقْدِيم الْمسند وَهُوَ لَهُ للتّنْبِيه من أول وهلة على أَنه خبر لهمم لَا نعت لَهُ إِذْ لَو تَأَخّر لتوهم أَنه نعت لَهُ لَا خبر
وَحسان بن ثَابت بن الْمُنْذر بن حرَام الخزرجي ﵁ وَأمه
стр. 209
الفريعة ويكنى أَبَا الْوَلِيد وَهُوَ من فحول الشُّعَرَاء وَقد قيل إِنَّه أشعر أهل المدن وَكَانَ أحد المعمرين المخضرمين عمر مائَة وَعشْرين سنة مِنْهَا سِتُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتُّونَ فِي الْإِسْلَام
وَعَن سُلَيْمَان بن يسَار قَالَ رَأَيْت حسان بن ثَابت ﵁ وَله نَاصِيَة قد سد لَهَا بَين عَيْنَيْهِ
وَعَن مُحَمَّد النَّوْفَلِي ﵀ قَالَ كَانَ حسان بن ثَابت يخضب شَاربه وعنفقته بِالْحِنَّاءِ وَلَا يخضب سَائِر لحيته فَقَالَ لَهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن يَا أَبَت لم تفعل هَذَا قَالَ لأَكُون كَأَنِّي أَسد ولغَ فِي دم
وَعَن أبي عبَادَة قَالَ فضل حسان بن ثَابت الشُّعَرَاء بِثَلَاثَة كَانَ شَاعِر الْأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة وشاعر النَّبِي ﷺ فِي النُّبُوَّة وشاعر الْيمن كلهَا فِي الْإِسْلَام
وَعَن سعيد بن الْمسيب ﵀ قَالَ جَاءَ حسان ﵁ إِلَى نفر فيهم أَبُو هُرَيْرَة فَقَالَ أنْشدك الله أسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أجب عني ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أيده بِروح الْقُدس قَالَ أَبُو هُرَيْرَة اللَّهُمَّ نعم
وَحدث سماك بن حَرْب قَالَ قَامَ حسان فَقَالَ يَا رَسُول الله إيذن لي فِيهِ يَعْنِي أَبَا سُفْيَان بن حَرْب وَكَانَ يهجو النَّبِي ﷺ وَأخرج لَهُ لِسَانا أسود وَقَالَ يَا رَسُول الله لَو شِئْت لفريت بِهِ المزاد
стр. 210
إيذن لي فِيهِ قَالَ اذْهَبْ إِلَى أبي بكر ليحدثك حَدِيث الْقَوْم وأيامهم وأحسابهم ثمَّ اهجهم وَجِبْرِيل مَعَك فَأتى أَبَا بكر فَأعلمهُ بِمَا قَالَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ كف عَن فُلَانَة وَاذْكُر فُلَانَة وكف عَن فلَان وَاذْكُر فلَانا فَقَالَ
(هجوت مُحَمَّدًا فأجبت عنهُ ... وَعند الله فِي ذاكَ الجزاءُ)
(فَإِن أَبى ووالدتي وعرضي ... لعرض مُحَمَّد مِنْكُم وقاءُ)
(أتهجوهُ ولستَ لهُ بند ... فشركما لخيركما الفداءُ) // الوافر //
وَحدث جوَيْرِية بن أَسمَاء قَالَ بَلغنِي أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أمرت عبد الله بن رَوَاحَة فَقَالَ وَأحسن وَأمرت كَعْب بن مَالك فَقَالَ وَأحسن وَأمرت حسان بن ثَابت فشفى وأشفى
وَعَن جَابر ﵁ قَالَ لما كَانَ عَام الْأَحْزَاب ورد الله الَّذين كفرُوا بغيظهم لم ينالوا خيرا قَالَ النَّبِي ﷺ من يحمي أَعْرَاض الْمُسلمين فَقَالَ كَعْب ﵁ أَنا يَا رَسُول الله وَقَالَ عبد الله بن رَوَاحَة أَنا يَا رَسُول الله وَقَالَ حسان بن ثَابت أَنا يَا رَسُول الله قَالَ ﵇ نعم اهجهم أَنْت فَإِنَّهُ سيعينك الله بِروح الْقُدس
وَعَن سعيد بن جُبَير ﵀ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى ابْن عَبَّاس ﵄ فَقَالَ قد جَاءَ اللعين حسان من الشَّام فَقَالَ ابْن عَبَّاس مَا هُوَ بلعين لقد نصر رَسُول الله ﷺ بِلِسَانِهِ وَنَفسه
وَعَن مَسْرُوق قَالَ دخلت على عَائِشَة وَعِنْدهَا حسان وَهُوَ يَقُول
(حصان رزان مَا تزن بريبة ... وتصبح غَرْتَي من لحومِ الغوافل) // الطَّوِيل //
стр. 211
فَقَالَت لَهُ عَائِشَة ﵂ لَكِن أَنْت لست كَذَلِك فَقلت لَهَا أَيَدْخُلُ هَذَا عَلَيْك وَقد قَالَ الله ﴿وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عذابٌ عَظِيم﴾ فَقَالَت أما ترَاهُ فِي عَذَاب عَظِيم وَقد ذهب بَصَره
وَحدث مَالك بن عَامر قَالَ بَينا نَحن جُلُوس عِنْد حسان بن ثَابت وَحسان مضطجعٌ مسندٌ رجلَيْهِ إِلَى فارع قد رفعهما عَلَيْهِ إِذْ قَالَ مَه مَا رَأَيْتُمْ مَا مر بكم السَّاعَة قَالَ مَالك فَقُلْنَا لَا وَالله وَمَا هُوَ فَقَالَ حسان فاخته مرت بكم السَّاعَة بيني وَبَين فارع فصدمتني أَو قَالَ فزحمتني قَالَ فَقُلْنَا وَمَا هِيَ قَالَ
(ستأتيكُمُ غَدا أحاديثُ جمةٌ ... فأصغوا لَهَا آذانكم وتسمعوا) // الطَّوِيل // قَالَ مَالك بن عَامر فصبحنا من الْغَد حَدِيث صفّين
وَحدث الْعَلَاء بن جُزْء الْعَنْبَري قَالَ بَينا حسان بن ثَابت بالخيف وَهُوَ مكفوف إِذْ زفر زفرَة ثمَّ قَالَ
(وكأنَّ حافرها بِكُل خميلة ... صَاع يكيلُ بِهِ شحيحٌ معِدمُ)
(عاري الأشاجع من ثَقِيف أَصله ... عبدٌ ويزعمُ أنهُ من يقدم) // الْكَامِل //
قَالَ والمغيرة بن شُعْبَة الثَّقَفِيّ جَالس قَرِيبا فَسمع مَا يَقُول فَبعث إِلَيْهِ
стр. 212
بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ من بعث إِلَيّ بِهَذِهِ فَقَالُوا الْمُغيرَة بن شُعْبَة سمع مَا قلت فَقَالَ واسوأتاه وَقبلهَا
وَحدث الْأَصْمَعِي قَالَ جَاءَ الْحَارِث بن عَوْف إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ أجرني من شعر حسان فَلَو مزج الْبَحْر بِشعرِهِ لمزجه وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْحَارِث بن عَوْف أَتَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ ابْعَثْ معي من يَدْعُو إِلَى دينك فَإِنِّي لَهُ جَار فَأرْسل ﷺ مَعَه رجلا من الْأَنْصَار فغدرت بِالْحَارِثِ عشيرته فَقتلُوا الْأنْصَارِيّ فَقدم الْحَارِث على النَّبِي ﷺ وَكَانَ ﷺ لَا يؤنب أحدا فِي وَجهه فَقَالَ ادعوا لي حسان فَلَمَّا رأى الْحَارِث أنْشدهُ
(يَا حارِ مَنْ يَغدرْ بِذمَّةِ جارِه ... مِنكمْ فإِن مُحمداً لمْ يَغدِر)
(إنْ تَغدرُوا فالْغدرُ مِنكم شَيمة ... وَالغدرُ يَنبتُ فِي أصُولِ السَّخبر) // الْكَامِل // فَقَالَ الْحَارِث اكففه عني يَا مُحَمَّد وأؤدي إِلَيْك دِيَة الخفارة فَأدى إِلَيّ النَّبِي ﷺ سبعين عشراء وَكَذَلِكَ كَانَت دِيَة الخفارة وَقَالَ يَا مُحَمَّد إِنِّي عَائِذ بك من شعره فَلَو مزج الْبَحْر بِشعرِهِ لمزجه
وَحدث يُوسُف بن مَاهك عَن أمه قَالَت كنت أَطُوف مَعَ عَائِشَة ﵂ فَذكرت حسان فسببته فَقَالَت بئس مَا قلت تسبينه وَهُوَ الَّذِي يَقُول
(فَإِن أَبى ووالدتي وعرضي ... لعرض مُحَمَّد مِنْكُم وقاء) // الوافر // فَقَالَت أَلَيْسَ مِمَّن لَعنه الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِمَا قَالَ فِيك قَالَت لم يقل شَيْئا وَلكنه الَّذِي قَالَ
(حصان رزان مَا تزن بريبة ... وتصبح غَرْتَي من لحومِ الغوافلِ)
(فإِنْ كانَ مَا قدْ جَاءَ عنيْ قلتهُ ... فَلَا رَفعتْ سَوطِي إِليَّ أناملي) // الطَّوِيل //
وَكَانَ حسان ﵁ جَبَانًا حدث عبد الله بن الزبير رَضِي الله عَنْهُمَا
стр. 213
قَالَ كَانَت صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب فِي فارع حصن حسان بن ثَابت يَوْم الخَنْدَق قَالَت وَكَانَ حسان مَعنا فِيهِ مَعَ النِّسَاء وَالصبيان فَمر بِنَا رجل من الْيَهُود فَجعل يطوف بالحصن وَقد حَارَبت بَنو قُرَيْظَة وَقطعت مَا بَينهَا وَبَين رَسُول الله ﷺ وَلَيْسَ بَيْننَا وَبينهمْ أحد يدْفع عَنَّا وَرَسُول الله ﷺ والمسلمون فِي نحور عدوهم لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن ينصرفوا إِلَيْنَا إِن أَتَانَا آتٍ قَالَت فَقلت يَا حسان إِن هَذَا الْيَهُودِيّ كَمَا ترى يطوف بالحصن وَإِنِّي وَالله مَا آمنهُ أَن يدل على عوراتنا من وَرَاءَنَا من يهود وَقد شغل عَنَّا رَسُول الله ﷺ فَانْزِل إِلَيْهِ فاقتله فَقَالَ يغْفر الله لَك يَا ابْنة عبد الْمطلب لقد عرفت مَا أَنا بِصَاحِب هَذَا قَالَت فَلَمَّا قَالَ ذَلِك وَلم أر عِنْده شَيْئا اعتجزت ثمَّ أخذت عموداً وَنزلت إِلَيْهِ من الْحصن فضربته بالعمود حَتَّى قتلته فَلَمَّا فرغت مِنْهُ رجعت إِلَى الْحصن فَقلت يَا حسان أنزل إِلَيْهِ فاسلبه فَإِنَّهُ لم يَمْنعنِي لم من سلبه إِلَّا أَنه رجل قَالَ مَالِي إِلَى سلبه حَاجَة يَا ابْنة عبد الْمطلب
وَرُوِيَ أَن حسان أنْشد رَسُول الله ﷺ
(لَقَدْ غَدَوْتُ أمامَ القَوْمِ مُنْتَطقاً ... بِصَارمٍ مِثلِ لونِ المِلْحِ قطّاعِ)
(تحفِزُ عني نجاد السَّيْف سابغة ... فَضْفَاضةٌ مثلُ لونِ النَّهْي بالقاع) // الْبَسِيط //
فَضَحِك رَسُول الله ﷺ فَظن حسان أَنه ضحك من صفته نَفسه مَعَ جبنه
стр. 214
وَكَانَت وَفَاته بِالْمَدِينَةِ المنورة سنة أَربع وَخمسين من الْهِجْرَة ﵁
٤٠ - (ثَلَاثَة تشرق الدُّنْيَا ببهجتها ... شمس الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاق وَالْقَمَر)
الْبَيْت لمُحَمد بن وهيب من الْبَسِيط يمدح المعتصم وَأَبُو إِسْحَاق كنيته واسْمه مُحَمَّد
حدث أَبُو محلم قَالَ اجْتمع الشُّعَرَاء على بَاب المعتصم فَبعث إِلَيْهِم مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات فَقَالَ لَهُم إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لكم من كَانَ مِنْكُم يحسن أَن يَقُول مثل قَول النميري فِي الرشيد
(خليفةَ الله إِن الجودَ أَوديَة ... أحلَّكَ الله مِنْهَا حيثُ تجتمعُ)
(من لم يكن ببني الْعَبَّاس معتصماً ... فَلَيْسَ بالصلوات الْخمس ينتفعُ)
(إِن أخلف القَطْر لم تخلف مخايلهُ ... أَو ضَاقَ أَمر ذكرناهُ فيتسع) // الْبَسِيط //
فَلْيدْخلْ وَإِلَّا فلينصرف فَقَامَ مُحَمَّد بن وهيب فَقَالَ فِينَا من يَقُول مثله قَالَ وَأي شَيْء قلت فَقَالَ
(ثَلَاثَة تشرق الدُّنْيَا ببهجتها ... شمس الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاق وَالْقَمَر)
(فالشمس تحكيه فِي الْإِشْرَاق طالعةً ... إِذا تقطَّعَ عَن إِدْرَاكهَا النظرُ)
(والبدرُ يحكيه فِي الظلمَاء منبلجاً ... إذَا استنارت لياليه بِهِ الغررُ)
(يَحْكِي أفاعيَلهُ فِي كل نائبةٍ ... الغيثُ وَاللَّيْث والصمصامة الذَّكرُ)
(فالغيث يَحْكِي نَدَى كفَّيْه منهمرا ... إِذا استهلَّ بصَوْب الديمةِ المطرُ)
(وَرُبمَا صالَ أَحْيَانًا على حنقِ ... شبيهُ صولتهِ الضرغامة الهصر)
(والهندُوانيُّ يَحْكِي من عزائمهِ ... صريمةَ الرَّأْي منهُ النقُض والمرَرُ)
стр. 215
(وكلُّهَا مشبهٌ شَيْئا على حدةٍ ... وَقد تخَالف فِيهَا الفعلُ والصُّوَرُ)
(وأنتَ جامعُ مَا فيهنّ من حسنٍ ... فقد تَكَامل فِيك النفُع والضررُ)
(فالخلْقُ جسمٌ لَهُ رأسٌ يدبِّرُهُ ... وأنتَ جارحتَاهُ السمعُ والبصرُ) // الْبَسِيط //
فَأمر بإدخاله وَأحسن جائزته
وَمِمَّا يشبه ذَلِك قَول الْقَاسِم بن هَانِئ يمدح جعفراً صَاحب المسيلة
(المدنَفانِ من البريَّة كلهَا ... جسمي وطَرفٌ بابليٌّ أحْوَرُ)
(والمُشرقاتُ النَّيرات ثَلَاثَة ... الشَّمْس والقمرُ المنيرُ وجَعْفَرُ) // الْكَامِل //
وَمثله فِي الْحسن قَول مُحَمَّد بن شمس الْخلَافَة
(شَيْئَانِ حَدِّث بالقَساوة عَنْهُمَا ... قلْبُ الْفَتى يهواهُ قلبِي وَالْحجر)
(وثلاثةٌ بالجودِ حدِّث عنُهُم ... البحرُ وَالْملك الْمُعظم والمطر) // الْكَامِل //
وَيقرب مِنْهُ قَول ابْن مطروح فِي النَّاصِر دَاوُد
(ثَلَاثَة ليسَ لَهُم رَابعٌ ... عليهمُ مُعتمدُ الجودِ)
(الغيْثُ وَالْبَحْر وعَزِّزْهما ... بالمَلِكِ النَّاصِر دَاوُد) // السَّرِيع //
وَقَول أبي مُحَمَّد اليافي
(ثلاثةٌ مَا اجتمعْنَ فِي رَجُلٍ ... إلَاّ وأسلمنهُ إِلَى الأجَلِ)
(ذُلُّ اغترابٍ وفاقَة وَهوى ... وكُلها سائقٌ على عجلِ)
следующие страницы →