Полный текст (694 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فَقَالَت لَهُ عَائِشَة ﵂ لَكِن أَنْت لست كَذَلِك فَقلت لَهَا أَيَدْخُلُ هَذَا عَلَيْك وَقد قَالَ الله ﴿وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عذابٌ عَظِيم﴾ فَقَالَت أما ترَاهُ فِي عَذَاب عَظِيم وَقد ذهب بَصَره
وَحدث مَالك بن عَامر قَالَ بَينا نَحن جُلُوس عِنْد حسان بن ثَابت وَحسان مضطجعٌ مسندٌ رجلَيْهِ إِلَى فارع قد رفعهما عَلَيْهِ إِذْ قَالَ مَه مَا رَأَيْتُمْ مَا مر بكم السَّاعَة قَالَ مَالك فَقُلْنَا لَا وَالله وَمَا هُوَ فَقَالَ حسان فاخته مرت بكم السَّاعَة بيني وَبَين فارع فصدمتني أَو قَالَ فزحمتني قَالَ فَقُلْنَا وَمَا هِيَ قَالَ
(ستأتيكُمُ غَدا أحاديثُ جمةٌ ... فأصغوا لَهَا آذانكم وتسمعوا) // الطَّوِيل // قَالَ مَالك بن عَامر فصبحنا من الْغَد حَدِيث صفّين
وَحدث الْعَلَاء بن جُزْء الْعَنْبَري قَالَ بَينا حسان بن ثَابت بالخيف وَهُوَ مكفوف إِذْ زفر زفرَة ثمَّ قَالَ
(وكأنَّ حافرها بِكُل خميلة ... صَاع يكيلُ بِهِ شحيحٌ معِدمُ)
(عاري الأشاجع من ثَقِيف أَصله ... عبدٌ ويزعمُ أنهُ من يقدم) // الْكَامِل //
قَالَ والمغيرة بن شُعْبَة الثَّقَفِيّ جَالس قَرِيبا فَسمع مَا يَقُول فَبعث إِلَيْهِ
стр. 212
بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ من بعث إِلَيّ بِهَذِهِ فَقَالُوا الْمُغيرَة بن شُعْبَة سمع مَا قلت فَقَالَ واسوأتاه وَقبلهَا
وَحدث الْأَصْمَعِي قَالَ جَاءَ الْحَارِث بن عَوْف إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ أجرني من شعر حسان فَلَو مزج الْبَحْر بِشعرِهِ لمزجه وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْحَارِث بن عَوْف أَتَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ ابْعَثْ معي من يَدْعُو إِلَى دينك فَإِنِّي لَهُ جَار فَأرْسل ﷺ مَعَه رجلا من الْأَنْصَار فغدرت بِالْحَارِثِ عشيرته فَقتلُوا الْأنْصَارِيّ فَقدم الْحَارِث على النَّبِي ﷺ وَكَانَ ﷺ لَا يؤنب أحدا فِي وَجهه فَقَالَ ادعوا لي حسان فَلَمَّا رأى الْحَارِث أنْشدهُ
(يَا حارِ مَنْ يَغدرْ بِذمَّةِ جارِه ... مِنكمْ فإِن مُحمداً لمْ يَغدِر)
(إنْ تَغدرُوا فالْغدرُ مِنكم شَيمة ... وَالغدرُ يَنبتُ فِي أصُولِ السَّخبر) // الْكَامِل // فَقَالَ الْحَارِث اكففه عني يَا مُحَمَّد وأؤدي إِلَيْك دِيَة الخفارة فَأدى إِلَيّ النَّبِي ﷺ سبعين عشراء وَكَذَلِكَ كَانَت دِيَة الخفارة وَقَالَ يَا مُحَمَّد إِنِّي عَائِذ بك من شعره فَلَو مزج الْبَحْر بِشعرِهِ لمزجه
وَحدث يُوسُف بن مَاهك عَن أمه قَالَت كنت أَطُوف مَعَ عَائِشَة ﵂ فَذكرت حسان فسببته فَقَالَت بئس مَا قلت تسبينه وَهُوَ الَّذِي يَقُول
(فَإِن أَبى ووالدتي وعرضي ... لعرض مُحَمَّد مِنْكُم وقاء) // الوافر // فَقَالَت أَلَيْسَ مِمَّن لَعنه الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِمَا قَالَ فِيك قَالَت لم يقل شَيْئا وَلكنه الَّذِي قَالَ
(حصان رزان مَا تزن بريبة ... وتصبح غَرْتَي من لحومِ الغوافلِ)
(فإِنْ كانَ مَا قدْ جَاءَ عنيْ قلتهُ ... فَلَا رَفعتْ سَوطِي إِليَّ أناملي) // الطَّوِيل //
وَكَانَ حسان ﵁ جَبَانًا حدث عبد الله بن الزبير رَضِي الله عَنْهُمَا
стр. 213
قَالَ كَانَت صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب فِي فارع حصن حسان بن ثَابت يَوْم الخَنْدَق قَالَت وَكَانَ حسان مَعنا فِيهِ مَعَ النِّسَاء وَالصبيان فَمر بِنَا رجل من الْيَهُود فَجعل يطوف بالحصن وَقد حَارَبت بَنو قُرَيْظَة وَقطعت مَا بَينهَا وَبَين رَسُول الله ﷺ وَلَيْسَ بَيْننَا وَبينهمْ أحد يدْفع عَنَّا وَرَسُول الله ﷺ والمسلمون فِي نحور عدوهم لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن ينصرفوا إِلَيْنَا إِن أَتَانَا آتٍ قَالَت فَقلت يَا حسان إِن هَذَا الْيَهُودِيّ كَمَا ترى يطوف بالحصن وَإِنِّي وَالله مَا آمنهُ أَن يدل على عوراتنا من وَرَاءَنَا من يهود وَقد شغل عَنَّا رَسُول الله ﷺ فَانْزِل إِلَيْهِ فاقتله فَقَالَ يغْفر الله لَك يَا ابْنة عبد الْمطلب لقد عرفت مَا أَنا بِصَاحِب هَذَا قَالَت فَلَمَّا قَالَ ذَلِك وَلم أر عِنْده شَيْئا اعتجزت ثمَّ أخذت عموداً وَنزلت إِلَيْهِ من الْحصن فضربته بالعمود حَتَّى قتلته فَلَمَّا فرغت مِنْهُ رجعت إِلَى الْحصن فَقلت يَا حسان أنزل إِلَيْهِ فاسلبه فَإِنَّهُ لم يَمْنعنِي لم من سلبه إِلَّا أَنه رجل قَالَ مَالِي إِلَى سلبه حَاجَة يَا ابْنة عبد الْمطلب
وَرُوِيَ أَن حسان أنْشد رَسُول الله ﷺ
(لَقَدْ غَدَوْتُ أمامَ القَوْمِ مُنْتَطقاً ... بِصَارمٍ مِثلِ لونِ المِلْحِ قطّاعِ)
(تحفِزُ عني نجاد السَّيْف سابغة ... فَضْفَاضةٌ مثلُ لونِ النَّهْي بالقاع) // الْبَسِيط //
فَضَحِك رَسُول الله ﷺ فَظن حسان أَنه ضحك من صفته نَفسه مَعَ جبنه
стр. 214
وَكَانَت وَفَاته بِالْمَدِينَةِ المنورة سنة أَربع وَخمسين من الْهِجْرَة ﵁
٤٠ - (ثَلَاثَة تشرق الدُّنْيَا ببهجتها ... شمس الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاق وَالْقَمَر)
الْبَيْت لمُحَمد بن وهيب من الْبَسِيط يمدح المعتصم وَأَبُو إِسْحَاق كنيته واسْمه مُحَمَّد
حدث أَبُو محلم قَالَ اجْتمع الشُّعَرَاء على بَاب المعتصم فَبعث إِلَيْهِم مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات فَقَالَ لَهُم إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لكم من كَانَ مِنْكُم يحسن أَن يَقُول مثل قَول النميري فِي الرشيد
(خليفةَ الله إِن الجودَ أَوديَة ... أحلَّكَ الله مِنْهَا حيثُ تجتمعُ)
(من لم يكن ببني الْعَبَّاس معتصماً ... فَلَيْسَ بالصلوات الْخمس ينتفعُ)
(إِن أخلف القَطْر لم تخلف مخايلهُ ... أَو ضَاقَ أَمر ذكرناهُ فيتسع) // الْبَسِيط //
فَلْيدْخلْ وَإِلَّا فلينصرف فَقَامَ مُحَمَّد بن وهيب فَقَالَ فِينَا من يَقُول مثله قَالَ وَأي شَيْء قلت فَقَالَ
(ثَلَاثَة تشرق الدُّنْيَا ببهجتها ... شمس الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاق وَالْقَمَر)
(فالشمس تحكيه فِي الْإِشْرَاق طالعةً ... إِذا تقطَّعَ عَن إِدْرَاكهَا النظرُ)
(والبدرُ يحكيه فِي الظلمَاء منبلجاً ... إذَا استنارت لياليه بِهِ الغررُ)
(يَحْكِي أفاعيَلهُ فِي كل نائبةٍ ... الغيثُ وَاللَّيْث والصمصامة الذَّكرُ)
(فالغيث يَحْكِي نَدَى كفَّيْه منهمرا ... إِذا استهلَّ بصَوْب الديمةِ المطرُ)
(وَرُبمَا صالَ أَحْيَانًا على حنقِ ... شبيهُ صولتهِ الضرغامة الهصر)
(والهندُوانيُّ يَحْكِي من عزائمهِ ... صريمةَ الرَّأْي منهُ النقُض والمرَرُ)
стр. 215
(وكلُّهَا مشبهٌ شَيْئا على حدةٍ ... وَقد تخَالف فِيهَا الفعلُ والصُّوَرُ)
(وأنتَ جامعُ مَا فيهنّ من حسنٍ ... فقد تَكَامل فِيك النفُع والضررُ)
(فالخلْقُ جسمٌ لَهُ رأسٌ يدبِّرُهُ ... وأنتَ جارحتَاهُ السمعُ والبصرُ) // الْبَسِيط //
فَأمر بإدخاله وَأحسن جائزته
وَمِمَّا يشبه ذَلِك قَول الْقَاسِم بن هَانِئ يمدح جعفراً صَاحب المسيلة
(المدنَفانِ من البريَّة كلهَا ... جسمي وطَرفٌ بابليٌّ أحْوَرُ)
(والمُشرقاتُ النَّيرات ثَلَاثَة ... الشَّمْس والقمرُ المنيرُ وجَعْفَرُ) // الْكَامِل //
وَمثله فِي الْحسن قَول مُحَمَّد بن شمس الْخلَافَة
(شَيْئَانِ حَدِّث بالقَساوة عَنْهُمَا ... قلْبُ الْفَتى يهواهُ قلبِي وَالْحجر)
(وثلاثةٌ بالجودِ حدِّث عنُهُم ... البحرُ وَالْملك الْمُعظم والمطر) // الْكَامِل //
وَيقرب مِنْهُ قَول ابْن مطروح فِي النَّاصِر دَاوُد
(ثَلَاثَة ليسَ لَهُم رَابعٌ ... عليهمُ مُعتمدُ الجودِ)
(الغيْثُ وَالْبَحْر وعَزِّزْهما ... بالمَلِكِ النَّاصِر دَاوُد) // السَّرِيع //
وَقَول أبي مُحَمَّد اليافي
(ثلاثةٌ مَا اجتمعْنَ فِي رَجُلٍ ... إلَاّ وأسلمنهُ إِلَى الأجَلِ)
(ذُلُّ اغترابٍ وفاقَة وَهوى ... وكُلها سائقٌ على عجلِ)
стр. 216
(يَا عاذِلَ العاشِقين إِنَّك لَو ... عذَرتهم كنْتَ تبت من عذل) // المنسرح //
وَقَول ابْن سكرة
(فِي وَجه إنسانة كلفت بهَا ... أَرْبَعَة مَا اجْتَمعْنَ فِي أحَدِ)
(الوَجهُ بَدر والصدغ غَالِيَة ... والريق خمر والثغر من برد) // المنسرح //
وَمَا أصدق قَول السراج الْوراق
(ثلاثَة إِن صَحِبَتْ ثَلَاثَة ... أعُيَتْ علاج بَدْوها والحضَرِ)
(عَدَاوَة مَعْ حَسدٍ وفاقةٌ ... مَعَ كَسلٍ وَعلة مَعَ كبر) // الرجز //
وبديع قَول ابْن نَبَاته الْمصْرِيّ
(تناسَبَتْ فِيمَن تعشَّقتُهُ ... ثلاثَةَ تُعجب كل البَشَرْ)
(من مُقلةٍ سهمٌ وَمن حاجِبٍ ... قَوْسٌ وَمن نَغْمة صَوت وتر) // السَّرِيع //
وَمِمَّا يُنَاسب هَذَا الْمقَام مَا حَكَاهُ المدايني قَالَ بَينا سكينَة بنت الْحُسَيْن ﵄ تسير ذَات لَيْلَة إِذْ سَمِعت حَادِيًا يَحْدُو وَيَقُول
(لَوْلَا ثَلاثٌ هُنَّ عَيْش الدَّهْر ... ) // الرجز //
فَقَالَت لقائد قطارها الْحق بِنَا هَذَا الرجل حَتَّى نسْمع مِنْهُ مَا هَذِه الثَّلَاثَة فطال طلبه لذَلِك حَتَّى أتعبها فَقَالَت لغلام لَهَا سر أَنْت حَتَّى تسمع مِنْهُ فَرجع إِلَيْهَا فَقَالَ سمعته يَقُول
(الماءُ والنومُ وَأم عَمْرو ... )
فَقَالَت قبحه الله أتعبني مُنْذُ اللَّيْلَة
стр. 217
وَمِمَّا يجْرِي من ذَلِك مجْرى الْملح مَا أنْشدهُ الْخَلِيل فِي كتاب الْعين وَهُوَ
(أَن فِي دَارنَا ثَلَاث حَبَالي ... فوَدِدنا لَو قد وَضَعن جَمِيعًا)
(جارتي ثمَّ هِرَّتي ثمَّ شاتي ... فإِذا مَا وَلَدْنَ كُنَّ رَبيعا)
(جارتي للرَّضاع والهِرُّ للفار ... وشاتي إِذا اشْتَهَيْنا مجيعا) // الْخَفِيف //
وَمن هَذَا الْبَاب قَول جرجيس يهجو طَبِيبا
(عَليله الْمِسْكِين من شُؤمهِ ... فِي بَحر هُلْكِ مَا لَهُ ساحِلُ)
(ثلاثةٌ تدخلُ فِي دَفعَةٍ ... طلعَتُه والنعش والغاسل) // السَّرِيع //
وَقَول الآخر
(ثَلَاثَة طَابَ بهَا المجلِسُ ... الوَردُ والتفاح والنرجس) // السَّرِيع //
وَقَول الآخر
(ثَلَاثَة طَابَ بهَا الْعُمر ... وجْهُكَ والبستانُ وَالْخمر) // السَّرِيع //
وَقَول الآخر
(ثَلَاثَة عَن غَيرهَا كافيْه ... هِيَ المُنَا والأمن والعافية) // السَّرِيع //
وَقَول أبي بكر الْبَلْخِي
(ثَلَاثَة فَقْدُها كبيرُ ... الخبزُ واللحمُ والشعَّيرُ)
(والبيتُ من كلِّها خلاءٌ ... فَجُد بهَا أَيهَا الْأَمِير) // من مخلع الْبَسِيط //
стр. 218
وَقَول الآخر
(ثَلَاثَة ليسَ بهَا اشتراكُ ... المُشطُ وَالْمَرْأَة والسواك) // الرجز //
وَقَول أبي الْحسن الْعلوِي
(ثَلَاثَة مَوْصوفَةٌ تجلو البَصرْ ... الماءُ والوجهُ الْجَمِيل وَالْخضر) // الرجز //
وَقَول الآخر
(ثَلَاثَة تُذْهِبُ عَن قلبِي الحزَنْ ... الماءُ والخضرةُ والوجهُ الحسَنِ) // الرجز //
وَقَول ابْن لنكك بديع هُنَا
(أعدَّ الورى للبَردِ جُنْداً من الصِّلا ... ولاقيتُهُ من بينهْم بجنودْ)
(ثلاثةُ نيرانٍ فنارُ مُدامةٍ ... ونارُ صَباباتٍ ونار وَقُود) // الطَّوِيل //
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الصنوبري
(نَار راحٍ ونار خَدٍّ ونار ... لحشا الصّبِّ بينهُنَّ استِعارُ)
(مَا أُبَالِي مَا كانَ ذَا الصَّيْفُ عِنْدِي ... كَيفَ كَانَ الشتَاء والأمطار) // الْخَفِيف //
وظريف قَول بَعضهم
(ثَلَاثَة يَمْنَةً تَدور ... الطَّستُ والكأس والبَخور) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَول غَانِم المالقي
(ثَلَاثَة يُجهَلُ مقدارُها ... الْأَمْن والصِّحةُ والقوتُ)
(فَلَا تَثِقْ بِالْمَالِ من غيرِها ... لَو أَنه درٌّ وياقوتُ) // السَّرِيع //
وظريف قَول عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الوَاسِطِيّ
(مَا العيشُ إِلَّا خمسةٌ لَا سادس ... لهُم وَإِن قَصرت بهَا الأعمارُ)
(زمَنُ الرَّبيع وشَرْخُ أَيَّام الصِّبَا ... والكأس والمعشوقُ وَالدِّينَار) // الْكَامِل //
وَأنْشد ثَعْلَب النَّحْوِيّ
стр. 219
(ثَلَاث خلال للصديق جَعلتهَا ... مضارعة للصَّوْم والصلوات)
(مواساته والصفح عَن كل زلَّة ... وَترك ابتذال السِّرّ فِي الخلوات) // الطَّوِيل //
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت تَقْدِيم الْمسند وَهُوَ ثَلَاثَة للتشويق إِلَى ذكر الْمسند إِلَيْهِ وَهُوَ شمس الضُّحَى وَمَا عطف عَلَيْهِ.
وَمثله قَول أبي الْعَلَاء المعري
(وكالنارِ الحياةُ فمِنْ رَمادٍ ... أواخرُها وأوَّلُها دُخان) // الوافر // فتقديم كالنار وَمن رماد كِلَاهُمَا للتشويق
وَمُحَمّد بن وهيب حميري شَاعِر من أهل بَغْدَاد من شعراء الدولة العباسية وَأَصله من الْبَصْرَة وَكَانَ يستميح النَّاس بِشعرِهِ ويتكسب بالمديح ثمَّ توصل إِلَى الْحسن بن سهل برجاء بن أبي الضَّحَّاك ومدحه فأوصله إِلَيْهِ وَسمع شعره فأعجب بِهِ واقتطعه إِلَيْهِ وأوصله إِلَى الْمَأْمُون حَتَّى مدحه وشفع لَهُ فأسنى جائزته ثمَّ لم يزل مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ وَكَانَ يتشيع وَله مراثٍ فِي أهل الْبَيْت رضوَان الله عَلَيْهِم وَهُوَ متوسط بَين شعراء طبقته
حدث عَن نَفسه قَالَ لما تولي الْحسن بن رَجَاء بن أبي الضَّحَّاك الْجَبَل قلت فِيهِ شعرًا وأنشدته أَصْحَابنَا دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ وَأَبا سعيد المَخْزُومِي وَأَبا تَمام الطَّائِي فاستحسنوا الشّعْر وَقَالُوا هَذَا لعمري من الْأَشْعَار الَّتِي تلقى بهَا الْمُلُوك فَخرجت إِلَى الْجَبَل فَلَمَّا صرت إِلَى همذان أخبرهُ الْحَاجِب بمكاني فَأذن لي فَأَنْشَدته الشّعْر فَاسْتحْسن مِنْهُ قولي
(أجارَتنا إنَّ التَّعففَ بالياس ... وَبرا على اسْتدرارِ دُنيا بإِبساسِ)
стр. 220
(حَرَّيان أنْ لَا يقَذفا بمذلةٍ ... كَريماً وَأَن لَا يُحوجاهُ إِلَى النَّاسِ)
(أَجارَتنا إِن القداح كواذب ... وَأكْثر أَسبَاب النجاح مَعَ الياس) // الطَّوِيل //
فَأمر حَاجِبه بإضافتي فأقمت بِحَضْرَتِهِ كلما دخلت إِلَيْهِ لم أنصرف إِلَّا بحملان وخلعة وجائزة حَتَّى انصرم الصَّيف فَقَالَ لي يَا مُحَمَّد إِن الشتَاء عندنَا علج فأعد يَوْمًا للوداع فَقلت خدمَة الْأَمِير أحب إِلَى فَلَمَّا كَاد الشتَاء أَن يشْتَد قَالَ لي هَذَا يَوْم الْوَدَاع فأنشدني الثَّلَاثَة الأبيات فَلَقَد فهمت الشّعْر كُله فَلَمَّا أنشدته
(أَجارَتنا إِنَّ القداح كواذب ... وَأكْثر أَسبَاب النجاح مَعَ الياس) // الطَّوِيل //
قَالَ صدقت ثمَّ قَالَ عدوا أَبْيَات القصيدة وَأَعْطوهُ بِكُل بَيت ألف دِرْهَم فعدت فَكَانَت اثْنَيْنِ وَسبعين بَيْتا فَأمر لي بِاثْنَيْنِ وَسبعين ألف دِرْهَم وَكَانَ فِيمَا أنشدته فِي مقَامي وَاسْتَحْسنهُ قولي
(دِمَاءُ المحِبِّينَ مَا تَعقلُ ... أما فِي الهَوى حَكمٌ يَعدِلُ)
(تَعبَّدني حَورُ الْغانياتِ ... وَدانَ الشَّبابُ لهُ الأخضلُ)
(وَنظرة عَينٍ تَعللتها ... غِراراً كَمَا يَنظرُ الأحولُ)
(مُقَسَّمة بَينَ وَجهِ الحَبيبِ ... وَطرفِ الرَّقيبِ مَتى يغْفل) // المتقارب //
وَحدث خَال أبي هفان قَالَ كنت عِنْد أبي دلف فَدخل عَلَيْهِ مُحَمَّد بن وهيب الشَّاعِر فأعظمه جدا فَلَمَّا انْصَرف قَالَ معقل أَخُوهُ يَا أخي فعلت بِهَذَا مَا لم يستأهله مَا هُوَ فِي بَيت من الشّرف وَلَا فِي كَمَال من الْأَدَب وَلَا بِموضع من السُّلْطَان فَقَالَ بلَى يَا أخي إِنَّه لحقيق بذلك أَولا يسْتَحقّهُ وَهُوَ الْقَائِل
стр. 221
(يدل على أَنه عاشقُ ... مِنَ الدَّمعِ مُستشهدَ ناطقُ)
(وَلي مالكٌ أَنا عَبدٌ لهُ ... مُقرٌّ بِأَنِّي لهُ وَامقُ)
(إِذا مَا سَموتُ إِلَى وصَلهِ ... تَعرضَ لي دُونهُ عائقُ)
(وَحاربني فِيهِ رَيبُ الزَّمانِ ... كأنَّ الزمانَ لهُ عاشق) // المتقارب //
وَحدث الْحسن بن رَجَاء قَالَ كَانَ مُحَمَّد بن وهيب الْحِمْيَرِي لما قدم الْمَأْمُون من خُرَاسَان مضاعاً مطرحاً إِنَّمَا يتَصَدَّى للعامة وأوساط الْكتاب والقواد بالمديح ويسترفدهم ويحظي باليسير فَلَمَّا هذأت الْأُمُور واستقرت واستوثقت جلس أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن سهل يَوْمًا مُنْفَردا بأَهْله وخاصته وَذَوي مودته وَمن يقرب من أنسه فتوسل إِلَيْهِ مُحَمَّد بن وهيب بِأبي حَتَّى أوصله إِلَيْهِ مَعَ الشُّعَرَاء فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ القَوْل استأذنه فِي الإنشاد فَأذن لَهُ فَأَنْشد قصيدته الَّتِي أَولهَا
(وَدائعُ أسْرارٍ طَوتها السَّرائرُ ... وَباحتْ بمَكتوماتهنَّ النَّواظرُ)
(تمكنَ فِي طَيِّ الضَّمير وَتَحْته ... شبا لوْعةٍ عَضبُ الغِرارين باتر)
(فأعجمَ عَنْهَا ناطقٌ وَهوَ مُعربٌ ... وَأعربت العجمُ الجفون النواظر) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
(تُعَظِّمهُ الأوهامُ قَبلَ عِيانهِ ... وَيصدرُ عَنهُ الطَّرفُ وَالطرفُ حاسر)
(بهِ تجتدَي النُّعما وَيستدركُ المُني ... وَتستكملُ الحُسنى وتُرْعَى الأواصرُ)
(أصات بِنَا دَاعي نَوالكَ مُؤذناً ... بِجودكَ إِلَّا أنَّهُ لَا يُحاور)
стр. 222
(قسمت صروف الدَّهْر بَأْسا ونائلا ... فمالك موتور وسيفك واتر)
إِلَى أَن قَالَ فِي آخرهَا
(وَلوْ لم تَكنْ إِلَاّ بنفسكَ فاخراً ... لما انْتسبتْ إلَاّ إِليكَ المفاخرُ)
قَالَ فطرب أَبُو مُحَمَّد حَتَّى نزل عَن سَرِيره إِلَى الأَرْض وَقَالَ أَحْسَنت وَالله وأجملت وَلَو لم تقل قطّ وَلَا قلت فِي بَاقِي دهرك غير هَذَا لما احتجت إِلَى القَوْل وَأمر لَهُ بِخَمْسَة آلَاف دِينَار فأحضرت واقتطعه إِلَى نَفسه فَلم يزل فِي كنفه أَيَّام ولَايَته وَبعد ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ مَا تصدى لغيره
وَحدث مَيْمُون بن هَارُون قَالَ كَانَ مُحَمَّد بن وهيب الشَّاعِر قد مدح عَليّ بن هِشَام وَتردد إِلَى بَابه دفعات فحجبه ولقيه يَوْمًا فِي طَرِيق فَسلم عَلَيْهِ فَلم يرجع إِلَيْهِ طرفه وَكَانَ فِيهِ تيه شَدِيد فَكتب إِلَيْهِ رقْعَة يعاتبه فِيهَا فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ مزقها وَقَالَ أَي شَيْء يُرِيد هَذَا الثقيل السَّيئ الْأَدَب فَقيل لَهُ ذَلِك فَانْصَرف مغضباً وَقَالَ وَالله مَا أردْت مَاله وَإِنَّمَا أردْت التوسل بجاهه وسيغني الله عَنهُ وَالله ليذمن مغبة فعله وَقَالَ يهجوه
(أزْرَتْ عَلَيْهِ لجود خيفةَ العدمِ ... فصدَّ مُنْهَزِمًا عَن شأوٍ ذِي الهممِ)
(لَو كَانَ من فارسٍ فِي بيتِ مكرُمةٍ ... أَو كَانَ من ولد الأملاكِ والعجمِ)
(أَو كَانَ أولهُ أهْلَ البطاح أَو الركبَ الملبِّين إهلالاً إِلَى الحرمِ ... )
(أَيامَ تنخذ الْأَصْنَام آلِهَة ... فَلَا نرى عاكفاً إِلَّا على صنمِ)
(لشجعتهُ على فعلِ الملوكِ لهمْ ... طبائعٌ لمْ تَرُعهَا خيفةُ العدمِ)
(لم تند كَفاك من بذل النوال كَمَا ... لم يند سَيْفك مذ قلدته بِدَم)
(كنت امْرأ رفعته فتْنَة فعلَا ... أَيَّامهَا غادراً بالعهد والذممِ)
стр. 223
(حَتَّى إِذا انكشفَتْ عَنَّا عمايتها ... ورتب الناسُ بِالْأَحْسَابِ والقدمِ)
(ماتَ التخلق وارتادتك مرتجعاً ... طبيعةٌ نذلةُ الْأَخْلَاق والشيمِ)
(كذاكَ من كانَ لَا رَأْسا وَلَا ذَنبا ... كدَّ الْيَدَيْنِ حديثَ العهدِ بالنعمِ)
(هيهاتَ ليسَ بحمال الدياتِ وَلَا ... معطي الجزيل وَلَا المرهوب ذِي النقم) // الْبَسِيط //
فَلَمَّا بلغت الأبيات عَليّ بن هِشَام نَدم على مَا كَانَ مِنْهُ وجزع لَهَا وَقَالَ لعن الله اللجاج فَإِنَّهُ شَرّ خلق تخلقه النَّاس ثمَّ أقبل على أَخِيه الْخَلِيل بن هِشَام وَقَالَ الله يعلم إِنِّي لأدخل على الْخَلِيفَة وَعلي السَّيْف وَأَنا مستحي مِنْهُ أذكر قَول مُحَمَّد بن وهيب فِي
(لم تند كَفاك من بذل النوال كَمَا ... لم يند سَيْفك مذ قلدته بِدَم)
وَسمع ابْن الْأَعرَابِي وَهُوَ يَقُول: أهجي بَيت قَالَه المحدثون قَول مُحَمَّد ابْن وهيب وَأنْشد الْبَيْت
وَحدث الْحسن بن رَجَاء عَن أَبِيه قَالَ: لما قدم الْمَأْمُون ولقيه أَبُو مُحَمَّد الْحسن ابْن سهل دخلا جَمِيعًا فعارضهما ابْن وهيب فَقَالَ
(اليومَ جُدِّدتِ النعماء ُوالمِننُ ... فالحمدُ لله حلّ العقدةَ الزمنُ)
стр. 224
(اليومَ أظهرتِ الدُّنْيَا محاسنَهَا ... للنَّاس لما التقى المأمونُ والحسنُ) // الْبَسِيط //
قَالَ: فَلَمَّا جلسا سَأَلَهُ الْمَأْمُون عَنهُ فَقَالَ: هَذَا رجل من حمير شَاعِر مطبوع اتَّصل بِي متوسلاً إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وطالباً الْوُصُول مَعَ نظرائه فَأمر الْمَأْمُون بإيصاله مَعَ الشُّعَرَاء فَلَمَّا وقف بَين يَدَيْهِ وَأذن لَهُ فِي الإنشاد أنْشد قَوْله
(طللان طَال عَلَيْهِمَا الأمد ... داثرا فَلَا عَلَمٌ وَلَا نضدُ)
(لبسَا البَلَى فَكَأَنَّمَا وجدَا ... بعدَ الأحبةِ مثلَ مَا أجدُ)
(حُيِّيتما طَللين حالُهمَا ... بعدَ الأحبَّة غيرُ مَا عهدُوا)
(إمّا طواكَ سُلوّ غانيةٍ ... فهواكَ لَا مللٌ وَلَا فندُ)
(إِنْ كنتِ صادقةَ الْهوى فَرِدِي ... فِي الحبِّ منهلُهُ الَّذِي أردُ)
(أدْمى أرقتِ وأنتِ آمِنَة ... أَن ليسَ لي عَقْلٌ وَلَا قودُ)
(إِنْ كنت فتّ وخانني نشب ... فلربما لم يحظ مُجْتَهد) // الْكَامِل //
حَتَّى انْتهى إِلَى مدح الْمَأْمُون فَقَالَ
(يَا خيرَ منتسب لمكرمةٍ ... فِي الْمجد حَيْثُ تنحنح العددُ)
(فِي كل أنملةٍ لراحتهِ ... نَوْء يَسحُّ وعارضٌ حشدُ)
стр. 225
(وَإِذا القنا رَعفت أسنَّتها ... علقاً وصمٌّ كعوبها قِصَدُ)
(فَكَأَن ضوء جَبينه قمرٌ ... وَكَأَنَّهُ فِي صولةٍ أسدُ)
(وكأنهُ روحٌ تُدَبرنا ... حَرَكاتهُ وكأننا جسدُ)
فاستحسنها الْمَأْمُون وَقَالَ لأبي مُحَمَّد احتكم لَهُ فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أولي بالحكم وَلَكِن إِن أذن لي فِي الْمَسْأَلَة سَأَلت فَأَما الحكم فَلَا فَقَالَ سل فَقَالَ تلْحقهُ بجوائز مَرْوَان بن أبي حَفْصَة فَقَالَ ذَلِك وَالله أردْت وَأمر أَن تعد الأبيات فَكَانَت خمسين فاعطاه خمسين ألف دِرْهَم
وَعَن أَحْمد بن أبي كَامِل قَالَ كَانَ مُحَمَّد بن وهيب تياهاً شَدِيد الزهاء بِنَفسِهِ فَلَمَّا قدم الأفشين وَقد قتل بابك مدحه بقصيدته الَّتِي أَولهَا
(طلُولٌ ومغانيهَا ... تنَاجيهَا وتبكيها) // الهزج //
يَقُول فِيهَا
(بعثتُ الخيلَ والخيرُ ... عقيدٌ بنواصيهَا)
وَهِي من جيد شعره فأنشدنا إِيَّاهَا ثمَّ قَالَ مَا بهَا عيب سوى أَنَّهَا لَا أُخْت لَهَا قَالَ وَأمر المعتصم للشعراء الَّذين مدحوا الأفشين بثلثمائة ألف دِرْهَم جرت تفرقتها على يَد ابْن أبي دوادٍ فَأعْطى مِنْهَا مُحَمَّد بن وهيب ثَلَاثِينَ أَلا ألفا وَأعْطى أَبَا تَمام عشرَة آلَاف قَالَ ابْن أبي كَامِل فَقلت لعلى بن يحيى ابْن المنجم أَو لَا تعجب من هَذَا الْحَظ يعْطى أَبُو تَمام عشرَة آلَاف دِرْهَم وَابْن وهيب ثَلَاثِينَ ألفا وَبَينهمَا كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَقَالَ لذَلِك عِلّة
стр. 226
لَا تعرفها كَانَ ابْن وهيب مؤدب الْفَتْح بن خاقَان فَلذَلِك وصل إِلَى هَذَا الْحَال
وَحدث أَحْمد بن أبي كَامِل أَيْضا قَالَ كُنَّا فِي مجْلِس ومعنا أَبُو يُوسُف الْكِنْدِيّ وَأحمد بن أبي فنن فتذاكرنا شعر مُحَمَّد بن وهيب فطعن عَلَيْهِ ابْن أبي فنن وَقَالَ هُوَ متكلف حسود إِذا أنْشد شعرًا لنَفسِهِ قرظه وَوَصفه فِي نصف يَوْم وشكا أَنه مظلوم منحوس الْحَظ وَأَنه لَا يقصر بِهِ عَن مَرَاتِب القدماء حَال وَإِذا أنْشد شعر غَيره حسد وَإِن كَانَ على نَبِيذ عربد عَلَيْهِ وَإِن كَانَ صَاحِيًا عَادَاهُ واعتقد فِيهِ كل مَكْرُوه فَقلت لَهُ كلا كَمَا لي صديق وَمَا أمتنع من وصفكما جَمِيعًا بالتقدم وَحسن الشّعْر فَأَخْبرنِي عَمَّا أَسأَلك عَنهُ إِخْبَار منصف أيعد متكلفاً من يَقُول
(أَبى ليَ إغضَاء الجفُونِ على القَذَى ... يقينِيَ أنْ لَا عُسْرَ إِلا مُفَرّجُ)
(أَلَا ربمَا ضَاقَ الفضَاءُ بأَهْله ... فيظهرُ مَا بينَ الأسنةِ مخرج) // الطَّوِيل //
أَو يعد متكلفاً من يَقُول
(رَأَيْت وَاضحا فِي مفرقِ الرَّأْس راعها ... شريجين مبيض بِهِ ويهيم) // الطَّوِيل //
فَأمْسك ابْن أبي فنن واندفع الْكِنْدِيّ فَقَالَ كَانَ ابْن وهيب ثنوياً فَقلت لَهُ من أَيْن علمت ذَلِك أُكَلِّمك على مَذْهَب الثنويه قطّ قَالَ لَا وَلَكِنِّي استدللت من شعره على مذْهبه فَقلت مَاذَا قَالَ حَيْثُ يَقُول
(طَلَلَانِ طَال عَلَيْهِمَا الأمد ... )
وَحَيْثُ يَقُول
(تَفْترُّ عنْ سِمْطينِ منْ ذَهبٍ ... )
إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يَسْتَعْمِلهُ فِي شعره من ذكر الِاثْنَيْنِ فشغلني وَالله
стр. 227
الضحك عَن جَوَابه وَقلت لَهُ يَا أَبَا يُوسُف مثلك لَا يَنْبَغِي أَن يتَكَلَّم فِيمَا لم ينفذ فِيهِ علمه
وَدخل مُحَمَّد بن وهيب على أَحْمد بن هِشَام يَوْمًا وَقد مدحه فَرَأى بَين يَدَيْهِ غلماناً روقة مردا وخدما بيضًا فرهاً فِي غَايَة الْحسن وَالْجمال والنظافة فدهش لما رأى وَبَقِي متحيراً متبلبلاً لَا ينْطق حرفا وَاحِدًا فَضَحِك أَحْمد مِنْهُ وَقَالَ لَهُ وَيحك مَالك تكلم بِمَا تُرِيدُ فَقَالَ
(قدْ كانتِ الأصنامُ وَهِي قديمةٌ ... كسرَتْ وجَدّعَهُنّ إِبراهيمُ)
(ولديكَ أصنامٌ سلمنَ من الْأَذَى ... وصفَتْ لَهُنّ نضَارةٌ ونعيمُ)
(وَبنَا إِلَى صنمٍ نلوذُ بركنهِ ... فقرٌ وأنتَ إِذا هُززتَ كريمُ) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ اختر من شِئْت فَاخْتَارَ وَاحِدًا مِنْهُم فَأعْطَاهُ إِيَّاه وَقَالَ يمدحه
(فضلَتْ مكارمُهُ عَلى الأقوامِ ... وعَلَا فحازَ مكارمَ الأيامِ)
(وعلتهُ أبهةُ الجمَالِ كأنهُ ... قمرٌ بدَا لكَ منْ خِلَالِ غَمامِ)
(إِنّ الأميرَ على البريةِ كلهَا ... بعدَ الخليفةِ أحمدُ بنُ هِشَام) // الْكَامِل //
وَحدث مُحَمَّد بن وهيب قَالَ جَلَست بِالْبَصْرَةِ إِلَى عطار فَإِذا أعرابية سَوْدَاء قد جَاءَت فاشترت من الْعَطَّار خلوقاً فَقلت لَهُ تجدها اشترته لابنتها وَمَا ابْنَتهَا إِلَّا خنفساء فالتفتت إِلَى متضاحكة وَقَالَت لَا وَالله إِلَّا مهاةٌ جيداء إِن قَامَت فقناة وَإِن قعدت فحصاة
стр. 228
وَإِن مشت فقطاة أَسْفَلهَا كثيب وأعلاها قضيب لَا كفتياتكم اللواتي تسمنونهن بالقتوت ثمَّ انصرفت وَهِي تَقول
(إِن القتوت للفتاة مضرطة ... يكربها فِي الْبَطن حَتَّى تثلطه) // الرجز //
فَلَا أعلم أَنِّي ذكرتها إِلَّا أضحكني ذكرهَا
وَبلغ مُحَمَّد بن وهيب أَن دعبلاً الْخُزَاعِيّ قَالَ أَنا ابْن قولي
(لَا تعجبي يَا سلم من رجل ... ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى) // الْكَامِل //
وَأَن أَبَا تَمام قَالَ أَنا ابْن قولي
(نَقِّلْ فُؤَادك حيثُ شِئْت من الْهوى ... مَا الْحبّ إِلَّا للحبيبِ الأولِ)
(كم منزلٍ فِي الأَرْض يألَفُه الْفَتى ... وحنينُهُ أبدا لأوّل منزل) // الْكَامِل //
فَقَالَ ابْن وهب وَأَنا ابْن قولي
(مَا لمن تمَّتْ محاسنُهُ ... أَن يعادي طَرْفَ من رَمقَا)
(لَك أَن تُبدي لنا حُسناً ... وَلنَا أَن نُعملَ الحدَقا) // المديد //
وَحدث أَبُو ذكْوَان فَقَالَ حَدثنِي من دخل إِلَى مُحَمَّد بن وهيب يعودهُ وَهُوَ عليل قَالَ فَسَأَلته عَن خَبره فتشكى مَا بِهِ ثمَّ قَالَ
(نفوس المنايا بالنفوس تَشَعَّبَتْ ... وكلّ لَهُ من مْذهبِ الموتِ مذهبُ)
(نُراع لذكرِ الموْتِ ساعةَ ذكرِهِ ... وتَعترضُ الدُّنْيَا فنلهو ونلعبُ)
(وآجالنُا فِي كلِّ يَوْم وليلَةٍ ... إِلينا على غرّاتنا تتقرب
стр. 229
(أأيقن أَن الشيب ينقي حَيَاته ... وهُوَّ لأخلاق الْخَطِيئَة يذهب)
(يَقِين كَأَن الشَّك أغلب أمره ... عَلَيْهِ وعِرفانٌ إِلَى الْجَهْل يُنسُب)
(وَقد ذَمَّتِ الدُّنْيَا إِليَّ نَعيمها ... وخاطبني إِعجامُهَا وَهُوَ مُعْرِبُ)
(ولكنني مِنْهَا خُلِقْتُ لغَيْرهَا ... وَمَا كنُت منهُ فَهُوَ عِنْدِي محبب) // الطَّوِيل //
وَسَأَلَ مُحَمَّد بن وهيب مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات حَاجَة فَأَبْطَأَ فِيهَا فَوقف عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ
(طُبِعَ الكريمُ على وفائهِ ... وعَلى التَّفضلِ فِي إخائهْ)
(تغني عنايتُهُ الصديقَ عَن التَّعرُّضِ لاقتِضائه ... )
(حَسْبُ الْكَرِيم حياؤه ... فَكِلِ الْكَرِيم إِلَى حيائه) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ حَسبك فقد بلغت إِلَى مَا أَحْبَبْت وَالْحَاجة تسبقك إِلَى مَنْزِلك وَمن شعره الْجيد قَوْله
(أيُّ خير يَرْجُو بَنو الدهرِ ... وَمَا زالَ قَاتلا لِبَنِيهِ)
(من يُعمَّرْ يُفجع بفقدِ الأحباء ... وَمن مَاتَ فالمصيبة فِيهِ) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول الآخر
(من يتَمَنَّ العمرَ فليدَّرعْ ... صبرا على فَقْدِ أحبائهِ)
(ومنْ يُعمَّرْ يلْقَ فِي نفسهِ ... مَا يتمنَّاهُ لأعدائه) // السَّرِيع //
стр. 230
شَوَاهِد أَحْوَال متعلقات الْفِعْل
стр. 231
٥ - ٤١
(شَجوُ حُسَّادِهِ وغَيْظُ عِدَاهُ ... أَنْ يَرى مُبْصِرٌ وَيَسْمَعَ واعِي)
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الْخَفِيف يمدح بهَا المعتز بِاللَّه بن المتَوَكل على الله ويعرض بالمستعين بِاللَّه أَحْمد بن المعتصم أَولهَا
(لَكِ عهْدٌ لَدَيَّ غيرُ مُضاع ... باتَ شوقي طَوعاً لَهُ ونزَاعي)
(وهَوىً كلما جرى مِنْهُ دَمعٌ ... أيِسَ العاذِلونَ من إقلاعي)
(لَو تَوليتُ عنهُ خيفَ رُجوعي ... أَو تجوَّزتُ فِيهِ خيف ارتجاعي) // الْخَفِيف //
إِلَى أَن يَقُول فِي مديحها
(يبهت الوفدُ فِي أسرة وَجْهٍ ... سَاطِع الضوءِ مُستنيرِ الشُّعاع)
(من جَهير الخطابِ يُضعف فَضلاً ... عندَ حالَيْ تأمَّلٍ واستماع)
وَبعده الْبَيْت وَهِي طَوِيلَة
وَالشَّاهِد فِيهِ جعل الْفِعْل مُطلقًا كِنَايَة عَنهُ مُتَعَلقا بمفعول مَخْصُوص وَهُوَ هُنَا يرى وَيسمع فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى نزلهما منزلَة اللَّازِم أَي تصدر مِنْهُ الرُّؤْيَة وَالسَّمَاع من غير تعلق بمفعول مَخْصُوص ثمَّ جَعلهمَا كنايتين عَن الرُّؤْيَة وَالسَّمَاع المتعلقين بمفعول مَخْصُوص هُوَ محاسنه وأخباره بادعاء الْمُلَازمَة بَين مُطلق الرُّؤْيَة ورؤية آثاره ومحاسنه وَكَذَلِكَ بَين مُطلق السماع وَسَمَاع أخباره للدلالة على أَن آثَار وأخباره بلغت من الْكَثْرَة والاشتهار إِلَى حَيْثُ يمْتَنع خفاؤها فيبصرها كل رَاء ويسمعها كل واع بل لَا يبصر الرَّائِي
стр. 232
٥ - إِلَّا آثاره وَلَا يسمع الواعي إِلَّا أخباره فَذكر الْمَلْزُوم وَأَرَادَ اللَّازِم على مَا هُوَ طَرِيق الْكِنَايَة وَلَا يخفى فَوَات هَذَا الْمَعْنى عِنْد ذكر الْمَفْعُول وَتَقْدِيره لما فِي التغافل عَن ذكره والأعراض عَنهُ من الإيذان بِأَن فضائله يَكْفِي فِيهَا أَن يكون ذُو بصر وَسمع حَتَّى يعلم أَنه الْمُنْفَرد بِالْفَضْلِ
وَمثله قَول عَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ
(فَلَو أَن قوْمي أنْطَقتني رماحهُمُ ... نَطَقتُ ولكنّ الرِّماح أجَرَّتِ) // الطَّوِيل //
يُرِيد أَن يثبت أَنه كَانَ من الرماح إجرار وَحبس للألسن عَن النُّطْق بمدحهم والافتخار بهم حَتَّى يلْزم مِنْهُ بطرِيق الْكِنَايَة مَطْلُوبه وَهِي أَنَّهَا أجرته أَي شقَّتْ لِسَانه
وَمثله قَول طفيل الغنوي
(جزى الله خيرا جِيرةً حِين أزْلَقت ... بِنَا نعلنَا فِي الواطئينَ فَزَلتِ)
(أبَوا أَن يَملُّونا وَلَو أَن أمّنا ... تُلاقى الَّذِي يَلقَوْن منا لَملّت)
(هُم خَلَطونا بالنفوس وألجأوا ... الى حجراتٍ أدفأتْ وأظَلَّتِ) // الطَّوِيل //
стр. 233
وَقد شرح المعري دواوين الثَّلَاثَة فَسمى شرح ديوَان أبي تَمام ذكر حبيب وَشرح ديوَان البحتري عَبث الْوَلِيد وَشرح ديوَان المتنبي معجز أَحْمد
وَحدث مُحَمَّد بن يحيى قَالَ سَمِعت عبد الله بن الْحُسَيْن يَقُول للبحتري وَقد اجْتمعَا فِي دَار عبد الله بالخلد وَعِنْده الْمبرد وَذَلِكَ فِي سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَقد أنْشد شعرًا لنَفسِهِ قد كَانَ أَبُو تَمام قَالَ فِي مثله أَنْت وَالله أشعر من أبي تَمام فِي هَذَا الشّعْر قَالَ كلا وَالله إِن أَبَا تَمام الرئيس والأستاذ وَالله مَا أكلت الْخبز إِلَّا بِهِ فَقَالَ لَهُ الْمبرد لله دَرك يَا أَبَا الْحسن وَكَانَ يكنى بِهِ أَيْضا فَإنَّك تأبى إِلَّا شرفاً من جَمِيع جوانبك
وَحدث البحتري قَالَ كَانَ أول أَمْرِي فِي الشّعْر ونباهتي أَن صرت إِلَى أبي تَمام وَهُوَ بحمص فعرضت عَلَيْهِ شعري وَكَانَ الشُّعَرَاء يعرضون عَلَيْهِ أشعارهم فَأقبل عَليّ وَترك سَائِر من حضر فَلَمَّا تفَرقُوا قَالَ لي أَنْت أشعر من أَنْشدني فَكيف حالك فشكوت إِلَيْهِ خلة فَكتب إِلَى أهل معرة النُّعْمَان وَشهد لي بالحذق فِي الشّعْر وشفع لي إِلَيْهِم وَقَالَ امتدحهم فسرت إِلَيْهِم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم فَكَانَت أول مَال أصبته
وَحدث البحتري قَالَ أول مَا رَأَيْت أَبَا تَمام أَنِّي دخلت على أبي سعيد مُحَمَّد بن يُوسُف وَقد مدحته بقصيدتي الَّتِي مطْلعهَا
стр. 234
(أأفاق صبٌّ من هوى فأفيقا ... أَو خانَ عهدا أَو أطَاع شفيقَا)
فسر بهَا أَبُو سعيد وَقَالَ أَحْسَنت وَالله يَا فَتى وَكَانَ فِي مَجْلِسه رجل نبيل رفيع الْمجْلس مِنْهُ فَوق كل من حضر فِي مَجْلِسه تكَاد تمس ركبته ركبته فَأقبل عَليّ وَقَالَ يَا فَتى أما تَسْتَحي مني هَذَا شعري وتنتحله وتنشده بحضرتي فَقَالَ لَهُ أَبُو سعيد أحقاً مَا تَقول قَالَ نعم وَإِنَّمَا علقه مني فَسَبَقَنِي بِهِ إِلَيْك وَزَاد فِيهِ ثمَّ انْدفع فَأَنْشد أَكثر القصيدة حَتَّى شككني علم الله فِي نَفسِي وَبقيت متحيراً فَأقبل عَليّ أَبُو سعيد فَقَالَ لي يَا فَتى لقد كَانَ فِي قرابتك منا وودك لنا مَا يُغْنِيك عَن هَذَا فَجعلت أَحْلف بِكُل محرجة من الْأَيْمَان أَن الشّعْر لي وَمَا سبقني إِلَيْهِ أحد وَلَا سمعته وَلَا انتحلته فَلم ينفع ذَلِك شَيْئا وأطرق أَبُو سعيد وَقطع بِي حَتَّى تمنيت أَنِّي سخت فِي الأَرْض فَقُمْت منكسر البال أجر رجْلي فَخرجت فَمَا هُوَ إِلَاّ أَن بلغت بَاب الدَّار حَتَّى خرج الغلمان فردوني فاقبل على الرجل فَقَالَ الشّعْر لَك يَا بني وَالله مَا قلته قطّ وَلَا سَمِعت بِهِ إِلَّا مِنْك ولكنني ظَنَنْت أَنَّك تهاونت بموضعي فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفَة كَانَت بَيْننَا تُرِيدُ بذلك مضاهاتي ومكاثرتي حَتَّى عرفني الْأَمِير نسبك وموضعك ولوددت أَن لَا تَلد طائية إِلَّا مثلك وَجعل أَبُو سعيد يضْحك فدعاني أَبُو تَمام فضمني إِلَيْهِ وعانقني وَأَقْبل يقرظني وَلَزِمتهُ بعد ذَلِك وَأخذت عَنهُ واقتديت بِهِ
ثمَّ إِن البحتري اخْتصَّ بِأبي سعيد وَكَانَ مداحاً لَهُ طول أَيَّامه ولابنه من بعده ورثاهما بعد مقتلهما وأجاد ومرائية فِيهَا أَجود من مدائحه وروى أَنه قيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ من تَمام الْوَفَاء أَن تفضل المراني المدائح لَا كَمَا قَالَ الآخر وَقد سُئِلَ عَن ضعف مراثيه فَقَالَ كُنَّا نعمل للرجاء وَنحن الْآن نعمل
стр. 235
للوفاء وَبَينهمَا بعد
وَكَانَ البحتري من أوسخ خلق الله ثوبا وَآلَة وأبخلهم على كل شَيْء وَكَانَ لَهُ أَخ وَغُلَام مَعَه فِي دَاره فَكَانَ يقتلهما جوعا فَإِذا بلغ مِنْهُمَا الْجُوع أَتَيَاهُ يَبْكِيَانِ فَيَرْمِي إِلَيْهِمَا بِثمن أقواتهما مضيقاً مقتراً وَيَقُول كلا أجاع الله أكبادكما وأعرى أجلادكما وَأطَال اجتهادكما
وَحدث مُحَمَّد بن بَحر الْأَصْبَهَانِيّ الْكَاتِب قَالَ دخلت على البحتري يَوْمًا فاحتبسني عِنْده ودعا بِطَعَام لَهُ وَدَعَانِي إِلَيْهِ فامتنعت من أكله وَعِنْده شيخ شَامي لَا اعرفه فَدَعَاهُ إِلَى الطَّعَام فَتقدم فَأكل مَعَه أكلا عنيفاً فَغَاظَهُ ذَلِك ثمَّ إِنَّه الْتفت إِلَيّ فَقَالَ لي أتعرف هَذَا الشَّيْخ قلت لَا قَالَ هَذَا شيخ من بني الهجيم الَّذين يَقُول فيهم الشَّاعِر
(وبَنُو الهُجيم قبيلةٌ ملعونةٌ ... حُمْرُ اللحى متناسبو الألوانِ)
(لَو يسمعُونَ بأكلة أَو شربة ... بعمان أضحى جمعهم بعمان) // الْكَامِل //
قَالَ فَجعل الشَّيْخ يشتمه وَنحن نضحك
وَمن شعره يهجو إنْسَانا فِي لِسَانه حبسة
(أَنْت كَمَا قد علمت مُضْطَرب الْهَيْئَة وَالْقد ظاهرُ الْخلف ... )
стр. 236
وَحدث أَبُو الْغَوْث ابْن البحتري قَالَ كتبت إِلَى أبي يَوْمًا أطلب مِنْهُ نبيذاً فَبعث إِلَيّ بِنصْف قنينة دردى وَكتب إِلَيّ دونكها يَا بني فَإِنَّهَا تكشف الْقَحْط وتقوت الرَّهْط
وَحدث جحظة قَالَ سَمِعت البحتري يَقُول كنت أتعشق غُلَاما من أهل منبج يُقَال لَهُ شقران فاتفق لي سفر فَخرجت فِيهِ وأطلت الْغَيْبَة ثمَّ عدت وَقد التحى فَقلت فِيهِ وَكَانَ أول شعر قلته
(نَبتَت لحية شقران ... شَقِيق النَّفس بَعْدِي)
(حُلقت كَيفَ أتتهُ ... قبل أَن ينجز وعدي) // من مجزوء الرمل //
وَحدث جحظة قَالَ كَانَ نسيم غُلَام البحتري الَّذِي يَقُول فِيهِ
(دَعَا عَبْرتِي تجْرِي على الْجور وَالْقَصْد ... أظنُّ نسيماً فارقَ الهجر من بعدِي)
(خلا ناظري من طيفه بعد شخصه ... فوا عجبا للدهر فقداً على فقد) // الطَّوِيل //
غُلَاما رومياً لَيْسَ بِحسن الْوَجْه وَكَانَ قد جعله بَابا من أَبْوَاب الْحِيَل على النَّاس فَكَانَ يَبِيعهُ ويعتمد أَن يصير إِلَى ملك بعض أهل المروءات وَمن ينْفق عِنْده الْأَدَب فَإِذا حصل فِي ملكه شَبَّبَ بِهِ وتشوقه ومدح مَوْلَاهُ حَتَّى يَهبهُ لَهُ فَلم يزل ذَلِك دأبه حَتَّى مَاتَ نسيم فكفي النَّاس أمره
وَقد قَالَ ابْن نباتة الْمصْرِيّ مُشِيرا إِلَى ذَلِك
(وغانِيَةٍ توافقني إِذا مَا ... صبوت لَهَا بِذا العقلِ السَّلِيم)
(وأعذرُ إِن بسكيت على رياضٍ ... بكاءَ البُحترِيِّ على نَسيمِ) // الوافر //
стр. 237
وَحدث الْأَخْفَش قَالَ كتب البحتري إِلَى مُحَمَّد بن الْقَاسِم القمي يستهديه نبيذاً فَبعث إِلَيْهِ مَعَ غُلَام لَهُ أَمْرَد فخمشه البحتري فَغَضب الْغُلَام غَضبا شَدِيدا ظن البحتري أَنه سيخبر مَوْلَاهُ بِمَا جرى فَكتب إِلَيْهِ
(أَبَا جعفرٍ كَانَ تَخْميشُنَا ... غلامَكَ إِحْدَى الهَنَات الدَّنيهْ)
(بَعْثتَ إِلَيْنَا بشمس المُدَامِ ... تُضيءُ لنا مَعَ شمسِ البريَّهْ)
(فَليْتَ الهديَةَ كَانَ الرسولَ ... وليت الرسولَ إِلَيْنَا الْهَدِيَّة) // المتقارب //
فَبعث مُحَمَّد بن الْقَاسِم بالغلام إِلَيْهِ هَدِيَّة فَانْقَطع البحتري بعد ذَلِك عَنهُ مُدَّة خجلاً مِمَّا جرى فَكتب إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الْقَاسِم
(هجَرت كَأَن البِرَّ أعقَبَ حشْمَةً ... وَلم أرَ بِرَّاً قبْلَ ذَا أعقب الهجرا) // الطَّوِيل //
فَقَالَ فِيهِ قصيدة يمدحه
(إِنِّي هجرتُكَ إذْ هجرتك حشمةً ... لَا العَوْدُ يُذهِبُها وَلَا الإِبداءُ)
(أخجَلْتني بنَدَي يَديك فسودت ... مَا بَيْننَا تِلْكَ الْيَد البيضاءُ)
(وَقَطَعتني بِالْبرِّ حَتَّى إِنَّنِي ... مُتوهِّمٌ أَن لَا يكونَ لقاءُ)
(صلِةٌ غَدَتْ فِي النَّاس وَهِي قطيعة ... عجب وبر رَاح وَهُوَ جَفاءُ)
(ليُوَاصلنَّكَ رَكب شعر سائرٍ ... يَرويه فِيك لحسنه الْأَعْدَاء)
стр. 238
(حَتَّى يتم لَك الثنَاء مُخَلداً ... أبدا كَمَا تمت لَك النَّعْماء)
(فتظل تحسُدُكَ الملوكُ الصِّيد بِي ... وأظل تحسدني بك الشُّعَرَاء) // الْكَامِل //
وَحدث البحتري قَالَ أنشدت أَبَا تَمام شَيْئا من شعري فتمثل بِبَيْت أَوْس ابْن حجر
(إِذا مُقْرِمٌ منا ذَرَى حدُّ نابِهِ ... تخمَّطَ منا نابُ آخر مقرم) // الطَّوِيل //
ثمَّ قَالَ لي نعيت وَالله إِلَى نَفسِي فَقلت أُعِيذك بِاللَّه من هَذَا القَوْل فَقَالَ إِن عمري لن يطول وَقد نَشأ فِي طَيئ مثلك أما علمت أَن خَالِد بن صَفْوَان رأى شبيب بن شيبَة وَهُوَ بَين رهطه يتَكَلَّم فَقَالَ يَا بني لقد نعى إِلَى نَفسِي إحسانك فِي كلامك لأَنا أهل بَيت مَا نَشأ فِينَا خطيب قطّ إِلَّا مَاتَ الَّذِي من قبله قلت بل يبقيك الله ويجعلني فدَاك قَالَ وَمَات أَبُو تَمام ﵀ بعد سنة
وَحدث أَبُو عَنْبَس الصَّيْمَرِيّ قَالَ كنت عِنْد المتَوَكل والبحتري ينشده قَوْله
(عَن أَي ثغر تبتسم ... وَبِأَيِّ طرف تحتكم) // من مجزوء الْكَامِل //
حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله فِيهِ
(قلْ للخَليفةِ جعفَرِ المُتوكل بن المُعتصم ... )
(والمجتَدَي ابْن المجتدَي ... والمُنعِم ابْن المنْتقم)
(اسْلَمْ لدين مُحَمَّد ... فَإِذا سلمتَ فقد سلم) // من مجزوء الْكَامِل //
стр. 239
قَالَ وَكَانَ البحتري من أبْغض النَّاس إنشاداً يتشادق ويتزاور فِي مشيته مرّة جائياً وَمرَّة الْقَهْقَرَى ويهز رَأسه مرّة ومنكبه أُخْرَى وَيُشِير بكمه وَيقف عِنْد كل بَيت وَيَقُول أَحْسَنت وَالله ثمَّ يقبل على المستمعين فَيَقُول مَا لكم لَا تَقولُونَ لي أَحْسَنت هَذَا وَالله مِمَّا لَا يحسن أحد أَن يَقُول مثله فضجر المتَوَكل من ذَلِك وَأَقْبل عَليّ فَقَالَ أما تسمع مَا يَقُول يَا صيمري فَقلت بلَى يَا سَيِّدي فمرني فِيهِ بِمَا أَحْبَبْت فَقَالَ بحياتي أهجه على هَذَا الروي الَّذِي أنشدنيه فَقلت تَأمر ابْن حمدون أَن يكْتب مَا أَقُول فَدَعَا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وحضرني على البديهة
(أدخلت رَأسك فِي الرَّحِم ... وَعلمت أَنَّك تنهَزم)
(يَا بحْتِريُّ حذار ويْحكَ من قضاضة ضغم ... )
(فَلَقَد أسَلْتَ بوالدَيْك من الهِجَا سَيْلَ العرم ... )
(فَبِأَي عِرْضٍ تَعتصم ... وبهتكه جَفَّ الْقَلَم)
(وَالله حِلفةَ صادقٍ ... وبقبرِ أَحْمد وَالْحرم)
(وبحق جَعْفَر الإِمَام ... ابْن الإِمَام المُعْتَصِمْ)
(لأصيرنك شهرة ... بَين المَسيل إِلَى العَلم) // من مجزوء الْكَامِل //
فِي أَبْيَات أخر من هَذَا النمط قَالَ فَخرج مغضباً يعدو وَجعلت أصيح بِهِ
(أدخلت رَأسك فِي الرَّحِم ... وَعلمت أَنَّك تنهزم)
стр. 240
والمتوكل يضْحك ويصفق بيدَيْهِ حَتَّى غَابَ عَنهُ وَأمر لي بالصلة الَّتِي أعدت للبحتري
وَقَالَ أَحْمد بن يزِيد حَدثنِي أبي جَاءَنِي البحتري فَقَالَ لي يَا أَبَا خَالِد أَنْت عشيرتي وَابْن عمي وصديقي وَقد رَأَيْت مَا جرى عَليّ أفترى أَنِّي أخرج إِلَى منبج بِغَيْر إِذن فقد ضَاعَ الْعلم وَهلك الْأَدَب فَقلت لَهُ لَا تفعل من هَذَا شَيْئا فَإِن لي علما بِأَن الْمُلُوك تمزح بِأَكْثَرَ من هَذَا ومضيت مَعَه إِلَى الْفَتْح بن خاقَان فَشَكا إِلَيْهِ ذَلِك فَقَالَ لَهُ نَحوا من قولي وَوَصله وخلع عَلَيْهِ وَسكن مِنْهُ فسكن إِلَى ذَلِك
وَقد ذكرت بِحَال البحتري فِي إنشاده فصلا ذكره الصاحب بن عباد فِي وصف أبي الْحسن المنجم الشَّاعِر فَأَحْبَبْت إثْبَاته وَهُوَ
لما قتل المتَوَكل قَالَ أَبُو العنبس الصَّيْمَرِيّ يرثيه
(يَا وَحَشة الدُّنْيَا على جَعْفَر ... على الْهمام الْملك الْأَزْهَر)
(على قَتِيل من بني هَاشم ... بَين سَرِير الْملك والمنبر)
(وَالله رب الْبَيْت والمشْعَر ... وَالله لَو أَن قتل البُحتري)
(لثارَ بِالشَّام لَهُ ثائرٌ ... فِي ألف بغل من بني عض خرى)
(يَقْدُمُهُمْ كلُّ أخي ذلة ... على حمارٍ دبِرٍ أَعور) // السَّرِيع //
стр. 241
فشاعت الأبيات حَتَّى بلغت البحتري فَضَحِك ثمَّ قَالَ هَذَا الأحمق الأعوريري أَنِّي أُجِيبهُ عَن مثل هَذَا وَلَو عَاشَ امْرُؤ الْقَيْس فَقَالَ مثل هَذَا القَوْل لم أجبه
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن طومار كنت أنادم المتَوَكل ومعنا البحتري وَبَين يَدَيْهِ غُلَام اسْمه رَاح حسن الْوَجْه فَقَالَ المتَوَكل يَا فتح إِن البحتري يعشق رَاحا فَنظر إِلَيْهِ الْفَتْح وأدمن النّظر فَلم يره ينظر إِلَيْهِ فَقَالَ الْفَتْح يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أرى البحتري فِي شغل عَنهُ فَقَالَ ذَاك دَلِيل عَلَيْهِ يَا رَاح خُذ قدحاً بلوراً واملأه شرابًا وناوله إِيَّاه فَلَمَّا نَاوَلَهُ بهت البحتري ينظر إِلَيْهِ فَقَالَ المتَوَكل كَيفَ ترى ثمَّ قَالَ يَا بحتري قل فِي رَاح شعرًا وَلَا تصرح باسمه فَقَالَ
(جَازِ بالودّ فَتى أَمْسَى رهيناً بك مُدْنَفْ ... )
(اسمُ من أهواهُ فِي شعريَ مقلوب مصحف ... ) // من مجزوء الرمل //
وَقَالَ الصولي سَمِعت عبد الله بن المعتز يَقُول لَو لم يكن للبحتري إِلَّا قصيدته السينية فِي وصف إيوَان كسْرَى فَلَيْسَ للْعَرَب سينية مثلهَا وقصيدته فِي وصف الْبركَة لَكَانَ أشعر النَّاس فِي زَمَانه وَالْقَصِيدَة السينية أَولهَا
(صنتُ نَفسِي عَمَّا يدنِّسُ نَفسِي ... وَترفعتُ عَن جَدَا كل جبس) // الْخَفِيف //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
стр. 242
(وَكأن الإيوان من عجب الصَّنْعَة ... جوبٌ فِي جنب أرعن جلس)
(يتظنيّ من الكآبة أَن يَبْدُو ... لعَيْنِي مصبح أَو ممسي)
(مزعجاً بالفراق عَن أنس إلفٍ ... عزَّ أَو مرهقاً بتطليق عرس)
(عكست حَظه اللَّيَالِي وَبَات المُشْتَرِي ... فِيهِ وَهُوَ كَوْكَب نحس)
(فَهو يُبْدي تجلداً وَعليهِ ... كلكل من كلاكل الدهرِ مرْسي)
(لم يعبهُ أنْ بُزَّمِنْ بُسَطِ الديباج ... واستلّ من ستور الدمقس)
(مُشْمَخرّاً تعلو لَهُ شرُفاتٌ ... رُفعت فِي رُؤُوس رضوى وقدسِ)
(ليسَ يُدْرَي أصنعُ إنسٍ لجنٍّ ... سكنوه أم صنع جنّ لانسِ)
(غيرَ أَنِّي أراهُ يشْهد أنْ لمْ ... يكُ بانيه فِي الْمُلُوك بنكسِ) // الْخَفِيف //
وَحدث الْأَخْفَش قَالَ سَأَلَني الْقَاسِم بن عبيد الله عَن خبر البحتري وَقد كَانَ أسكت وَمَات بِتِلْكَ الْعلَّة فَأَخْبَرته بوفاته وَأَنه مَاتَ بالسكتة فَقَالَ ويحه رمى فِي أحْسنه
وَقد جمع الصولي ديوانه ورتبه على الْحُرُوف وَجمعه ابْن حَمْزَة ورتبه على الْأَنْوَاع وَقد جمع البحتري كتاب الحماسة كَمَا فعل أَبُو تَمام وَله كتاب مَعَاني الشّعْر وعاش ثَمَانِينَ سنة وانتقل فِي آخر عمره إِلَى الشأم وَتُوفِّي بمنبج
стр. 243
سنة ثَلَاث وَقيل أَربع وَقيل خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ رَحمَه الله تَعَالَى
٤٢ - (وَلَو شِئْت أَن أبْكِي دَمًا لبكيتهُ ... عَلَيْهِ وَلَكِن ساحة ُالصبر أوسعُ)
الْبَيْت للخريمي من قصيدة من الطَّوِيل يرثي بهَا أَبَا الهيذام وأولها
(قضى وَطراً مِنْك الحبيب المودِّعُ ... وحلَّ الَّذِي لَا يُسْتَطَاع فَيدْفَع) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
(وأعددتهُ ذخْرا لكل ملمَّةٍ ... وسهمُ الرزايا بالذخائر مُولَعُ)
(وَإِنِّي وَإِن أظهرتُ مني جلادةً ... وصانعتُ أعدائي عَلَيْهِ لموجعُ)
(ملكتُ دموعَ الْعين حَتَّى رَددتهَا ... إِلَى ناظري إِذْ أعينُ الْقلب تَدْمَع) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت
والساحة الفضاء بَين الدّور
وَالشَّاهِد فِيهِ ذكر الْمَفْعُول وَهُوَ دَمًا لكَون تعلق فعل الْمَشِيئَة بِهِ غَرِيبا
وَقد تفنن الشُّعَرَاء فِي بكاء الدَّم وتشعبت مسالكهم فِي إِيرَاده فَمن ذَلِك قَول أبي الْقَاسِم بن كيكس
(بكيتُ دَمًا حَتَّى بقيتُ بِلَا دمٍ ... بكاء فَتى فردٍ على سكنٍ فردِ)
стр. 244
(أأبكي الَّذِي أهواه بالدمعِ وحدهُ ... لقد جَلَّ قَدر الدمع فِيهِ إِذا عِنْدِي) // الطَّوِيل //
وَقَول الشريف الرضي
(وَيَوْم وقفنا للوداع فكلُّنا ... يَعُدُّ مطيعَ الشوق من كَانَ أحزمَا)
(فصرتُ بقلب لَا يعنفُ فِي الْهوى ... وعينٍ مَتى استمطرتها أمطرَتْ دَمَا) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول مهيار الديلمي
(بكيتُ على الْوَادي فحرَّمتُ مَاءَهُ ... وَكَيف يَحِلُّ الماءُ أكثرهُ دم) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْحُسَيْن الباخرزي
(عجبت من دمعتي وعيني ... من قبل بَيْنٍ وبعدِ بَيْنِ)
(قد كَانَ عَيْني بِغَيْر دمع ... فَصَارَ دمعي بِغَيْر عين) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمثله قَول مُؤَلفه فِي مطلع قصيدة
(أوّاهُ من دمع بِلَا عينٍ ... يجْرِي على الْخَدين من عَيْني) // السَّرِيع //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
(وَلما الْتَقَيْنَا للوداع عَشِيَّة ... وَقد راعها صبري لَدَى موقف الْبَين)
(أَتَت بصِحَاح الْجَوْهَرِي دموعها ... فعارضت من دمعي بمختصر الْعين) // الطَّوِيل //
وَلأبي الْفَتْح البكتمري
(قَالُوا بكيتَ دَمًا فَقلت مسحت من خدي خَلُوقاً ... )
(أبصرتُ لُؤْلُؤ ثغرهِ ... فنثرتُ من جفني عقيقاً)
(لَوْلَا التَّمَسُّك بالهوى ... لحملتُ من دمعي غريقا) // من مجزوء الْكَامِل //
وَلابْن حمديس
стр. 245
(غشِيتْ حِجْرَهَا دموعيَ حُمْراً ... وَهْيَ من لوعة الْهوى تتحدّرْ)
(فانزوتْ بالشهيق خوفًا وَظنتْ ... حَبَّ رمَّانِ صدرِها قد تنثرْ)
(قلتُ عِند اختبارها بِيَدَيْهَا ... ثمراً صانهن جيب مزرَّرْ)
(لم يكن مَا ظننتِ حَقًا وَلَكِن ... صبغة الوجد صبغ دمعِيَ أَحْمَر) // الْخَفِيف //
وَهُوَ ينظر إِلَى قَول المنازي يصف وَاديا
(وقانا لفحة الرمضاء وادٍ ... سقاهُ مضاعف الْغَيْث العميمِ)
(نزلنَا دَوْحَهُ فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم)
(وأرشَفَنَا على ظمإِ زلالاً ... أرقّ من المدامة للنديمِ)
(يصدّ الشمسَ أنَّي واجهتْنَا ... فيحجبها ويأذَنُ لِلنسيم)
(يروع حَصَاه حَالية العذارى ... فَتلْمسُ جانبَ العقد النظيم) // الوافر //
أردْت الْبَيْت الْأَخير
وَقد قلب الشَّيْخ بدر الدّين بن الصاحب غَالب هَذِه الأبيات هجواً فِي حمام فَقَالَ
(وحمَّامٍ قليلِ المَاء داجٍ ... وفيهِ ألفُ شيطانٍ رجيمِ)
(وَلَا غير الْمُزَاحم من رفيقٍ ... وَلَا غير الْمُدَافع من حَمِيمِ)
(طلبنا ماءَهُ فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم)
(ونقَّطنا برَشْحٍ بعد رشح ... كمصِّ من أَبَارِيق النديم)
(يصدّ الحرّ عَنَّا فِي شتاء ... فيحجبهُ ويأذنُ للنسيمِ)
(يروعُ بهولهِ مَنْ حلّ فِيهِ ... فيحسب أنهُ هولُ الْجَحِيم) // الوافر //
رَجَعَ إِلَى وصف الدمع
وَلأبي بكر الخالدي فِيهِ
стр. 246
(بَكَى إليَّ غداةَ الْبَين حِين رأى ... دمعي بفيض وحالي حالُ مبهوت)
(فدمعتي ذَوْبُ ياقوت على ذهب ... ودمعهُ ذَوْبُ دُرّ فَوق ياقوت) // الْبَسِيط //
وللوأواء الدِّمَشْقِي فِي مَعْنَاهُ
(كلُّ دمع فبالتكلف يَجْرِي ... غيرَ دمع المحبِّ والمهجور)
(وَرَّدَ البينُ دمع عَيْني فاضحى ... كعقيق أذيب فِي بلور) // الْخَفِيف //
وَله أَيْضا فِي مثل ذَلِك
(فامزج بمائك نَار كأسك وَاسقني ... فَلَقَد مزجتُ مدامعي بدمائي) // الْكَامِل //
وَلابْن نباتة الْمصْرِيّ
(يَا غزالا رنا وغصناً تثنى ... وهلالاً سما وَصبحاً أنارا)
(كَانَ دمعي على هَوَاك لجيناً ... فاحالته نارُ قلبِي نُضارا) // الْخَفِيف //
وَمَا أبدع قَوْله بعده مَعَ حسن التَّضْمِين
(حلِيةٌ لَا أُعيرُها لمحِبٍّ ... شَغلَ الحَليُ أَهلَهُ أَن يعارا)
وَلابْن قلاقس
(مضى مَعَهم قلبِي فَللَّه دَرُّهُ ... لقد سَرَّني إِذْ مر مَعَ من يَسُرُّهُ)
(وأطوَلُ من هجرِ الحبيبِ وصَبْوتي ... وَيَوْم النَّوَى ليلِي وهمِّي وشَعْرُه)
(وَلَيْسَ دَماً مَاء الجُفونِ وَإِنَّمَا ... فُؤَادِي بِمَاء الدَّمع قد ذابَ جَمْرُهُ) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أسعد بن إِبْرَاهِيم بن اِسْعَدْ بن بليطة
(ظَلْتُ بِهِ والدموعُ جاريةٌ ... أقَبِّلُ الخدَّ مِنْهُ والليتا)
(تقطرُ دُراً حَتَّى إِذا وَرَدَتْ ... روْضَة خديه عُدْنَ ياقوتا) // المنسرح //
وَقَوله أَيْضا
(ليسَ ليَوْم البْينِ عِنْدِي سوى ... مدامعٍ نَجيعُها سَكْبُ)
стр. 247
(كَأَنَّمَا فَضَّ بأجفانها ... رُمَّانةً فانْتَثَر الحَّبُّ) // السَّرِيع //
وللمطوعي أَيْضا
(لما استقلَّتْ بهم عِيرُ النَّوَى أُصُلاً ... وشتتتهم صروف الْبَين تشتيتا)
(جعلْتُ أنظِم فِي وصف النَّوَى درراً ... والعينُ تنثر من دمعي يواقيتا) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول المَسْعُودِيّ
(قَالَت عهدتك تنبكي ... دَمًا حذار التنأي)
(فَمَا لعينك جادتْ ... بعد الدِّمَاء بِمَاء)
(فَقلت مَا ذَاك مني ... لسَلْوَةٍ وَعَزَاءِ)
(لَكِن دموعيَ شابت ... من طول عُمْرِ بُكَائِي) // المجتث //
وَهُوَ يشبه قَول الْقَائِل أَيْضا
(قَالُوا ودمعي قد صفا لفراقهم ... إِنَّا عَهِدْنَا مِنْك دمعاً أحمرا)
(فأجبتهم إِن الصبابة عُمِّرَتْ ... فِيكُم وشاب الدمع لما عمرا) // الْكَامِل //
وَأحسن مِنْهُ قَول الآخر
(وقائلةٍ مَا بالُ دمعك أبيضاً ... فَقلت لَهَا يَا ميُّ هَذَا الَّذِي بَقِي)
(ألم تعلمي أَن النَّوَى طَال عمره ... فشابت دموعي مثل مَا شَاب مَفْرقِي) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول أَيْضا ابْن الغويرة
(كَانَت دموعيَ حمراً قبل بينهمُ ... فمذ نَأوْا قَصَّرَتْهَا لوعةُ الحرق)
(قطفت للحظ وردا من خدودهم ... فاستقطر البعدُ ماءَ الْورْد من حدقي) // الْبَسِيط //
وَمثله قَول مُحَمَّد بن هبة الله الشهير بِأبي دلف الْكَاتِب ويروي لعبد الْكَافِي الْيَهُودِيّ الهاروني
(يَا من يقرِّب وَصْلي مِنْهُ موعدُهُ ... لَوْلَا عوائق من خُلْفٍ تُباعدهُ)
стр. 248
(لَا تحسبن دموعي البيضَ غير دَمِي ... وَإِنَّمَا نَفَسي الحامي يَصْعَدهُ) // الْبَسِيط //
وَقَول أبي الْقَاسِم بن الْعَطَّار بديع وَهُوَ
(مَا أدمُعي تنهلُّ سجا إِنَّمَا ... هِيَ مُهجتي سالَتْ من الآماق) // الْكَامِل // وَهَذَا الْبَاب وَاسع جدًّا وَفِيمَا أوردناه مقنع
وَأَبُو الهيذام المرثي هُنَا هُوَ عَامر بن عمَارَة بن خريم وَهُوَ وَالِد الْمُحدث مُوسَى بن عَامر صَاحب الْوَلِيد بن مُسلم وراوي كتبه وَكَانَ أَمِير عرب الشَّام وزعيم قيس وفارسها الْمَشْهُور وَهُوَ قَائِد الْعَرَب المضرية فِي الْفِتْنَة الْعُظْمَى الكائنة بِدِمَشْق بَين القيسية واليمانية فِي دولة الرشيد وَهِي الَّتِي من أجلهَا قَالَ الرشيد لجَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي لَيْسَ لهَذَا الْأَمر إِلَّا أَنا وَأَنت فإمَّا أَن تتَوَجَّه أَو أتوجه أَنا فَمضى جَعْفَر إِلَى الشَّام وأخمد الْفِتَن وَكَانَ قد خرج على الرشيد لكَونه قتل أَخَاهُ فظفر بِهِ وَحمل إِلَيْهِ مُقَيّدا فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ أنْشدهُ أبياتاً يستعطفه بهَا مِنْهَا
(فَأحْسن أميرَ المؤمنينَ فإنهُ ... أبي الله إِلَّا أَن يكون لَك الْفضل) // الطَّوِيل //
فَمن عَلَيْهِ وَعَفا عَنهُ
وَمن شعره فِي أَخِيه
(سأبكيك بالبيض الرِّقاق وبالقَنا ... فإنَّ بهَا مَا يطلُبُ الماجِدُ الوَترا)
(ولستُ كمن يبكي أخاهُ بعبرةٍ ... يُعَصِّرها فِي جَفْنِ مُقلتِه عَصَرَا)
стр. 249
(وَإِنَّا أناسٌ مَا تفيضُ دموعُنا ... على هالكٍ منا وَإِن قَصم الظهرا) // الطَّوِيل //
وَقيل إِنَّه توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة
والخريمي هُوَ إِسْحَاق بن حسان ويكنى بِأبي يَعْقُوب وَهُوَ من الْعَجم وَكَانَ مولى ابْن خريم الَّذِي يُقَال لِأَبِيهِ خريم الناعم وَهُوَ خريم بن عَمْرو من بني مرّة بن عَوْف بن سعيد بن ذيبان وَكَانَ لخريم ابْن يُقَال لَهُ عمَارَة ولعمارة ابْنَانِ يُقَال لَهما عُثْمَان وَأَبُو الهيذام وَفِي عُثْمَان هَذَا يَقُول الخريمي
(جَزَى اللُه عُثمانَ الخُريميّ خَيرَ مَا ... جَزَى صَاحباً جَزْلَ الْمَوَاهِب مُفْضِلَا)
(كَفى جَفوةَ الإِخوان طُولَ حَياتهِ ... وَأوْرثَ ممَّا كانَ أعْطى وأخْولا) // الطَّوِيل //
وَكَانَ عَظِيم الْقدر وَأحد القواد وعمى الخريمي بَعْدَمَا أسن وَكَانَ يَقُول فِي ذَلِك فَمِنْهُ قَوْله
(فإنْ تَكُ عَيني خبا نورُها ... فَكم قَبلها نورُ عيَنٍ خبَا)
(فلمْ يَعَم قَلبي وَلكنما ... أرَى نورَ عَيْني إليهِ سرَى)
(فأسْرَجَ فيهِ إِلَى نورهِ ... سِراجاً مِنَ الْعلمِ يَشفي الْعَمى) // المتقارب //
وَأخذ هَذَا من قَول حبر الْأمة عبد الله ابْن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَكَانَ عمي فَقَالَ
(إنْ يأخُذِ اللهُ مِنْ عَينيَّ نورَهُما ... فَفي لِسانِي وقَلبي مِنهما نورُ)
(قَلبي ذكيٌّ وعَقْلي غَيرُ ذِي دَخلٍ ... وَفي فَمي صارمٌ كالسَّيفِ مأثور) // الْبَسِيط //
стр. 250
وَكَانَ أَبُو يَعْقُوب الخريمي مُتَّصِلا بِمُحَمد بن مَنْصُور بن زِيَاد كَاتب البرامكة وَله فِيهِ مدائح جِيَاد ثمَّ رثاه بعد مَوته فَقيل لَهُ يَا أَبَا يَعْقُوب مراثيك لآل مَنْصُور بن زِيَاد أحسن من مدائحك وأجود فَقَالَ كُنَّا يَوْمئِذٍ نعمل على الرَّجَاء وَنحن الْآن نعمل على الْوَفَاء وَبَينهمَا بون بعيد
وَهُوَ الْقَائِل فِي عمى عَيْنَيْهِ
(أُصْغي إِلَى قائِدِي لخبرني ... إِذا الْتَقينا عمَّنْ يُحييني
(أريدُ أَن أعدل السَّلام وَأَن ... أفْصِلَ بَين الشريفِ والدونِ)
(أسمعُ مالَا أرَى فأكرهُ أَن ... أخطئَ والسمعُ غيرُ مأمونِ)
(لله عينِي الَّتِي فُجِعتُ بهَا ... لَو أنَّ دَهراً بهَا يواتيني)
(لَو كنتُ ُخِّيرت مَا أخذتُ بهَا ... تَعْمير نوح فِي ملك قارونِ)
(حقٌّ أخِلَاّيَ أَن يعودوني ... وَأَن يُعزُّوا عَيْني ويبكونِي) // المنسرح //
وَهُوَ الْقَائِل أَيْضا
(إِذا مَا مَاتَ بعضك فابك بَعْضًا ... فَإِن الْبَعْض من بعضٍ قريبُ)
(يمنِّيني الطبيبُ شِفَاء عَيْني ... وهلْ غير الإلهِ لَهَا طَبِيب) // الوافر //
وَمن جيد شعره قَوْله
(النَّاس أحلامُهم شَتَّى وَإِن جُبِلوُا ... عَلى تشابهِ أرواحٍ وأجسادِ)
(للخيرِ والشرِّ أهلٌ وكُّلوُا بهمَا ... كلٌّ لهُ من دوَاعي نَفسه هادِي)
(منهمْ خليلُ صفاءِ ذوُ محافظةٍ ... أرْسى الْوَفَاء أوَاخيهِ بأوتادِ)
(ومُشعرُ الْغدر محنيٌّ أَضالعهُ ... علَى سَريرَةٍ غِمر غلُّها بادِي)
(مُشاكِسٌ خدع جمٌّ غوائلهُ ... يُبْدِي الصفاءَ ويُخفي ضَربة الْهَادِي)
(يأتيكَ بالبغِي فِي أهل الصفاء وَلَا ... ينفكُّ يسْعَى بإصلاح لإفساد) // الْبَسِيط //
следующие страницы →