Полный текст (694 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
(بَكَى إليَّ غداةَ الْبَين حِين رأى ... دمعي بفيض وحالي حالُ مبهوت)
(فدمعتي ذَوْبُ ياقوت على ذهب ... ودمعهُ ذَوْبُ دُرّ فَوق ياقوت) // الْبَسِيط //
وللوأواء الدِّمَشْقِي فِي مَعْنَاهُ
(كلُّ دمع فبالتكلف يَجْرِي ... غيرَ دمع المحبِّ والمهجور)
(وَرَّدَ البينُ دمع عَيْني فاضحى ... كعقيق أذيب فِي بلور) // الْخَفِيف //
وَله أَيْضا فِي مثل ذَلِك
(فامزج بمائك نَار كأسك وَاسقني ... فَلَقَد مزجتُ مدامعي بدمائي) // الْكَامِل //
وَلابْن نباتة الْمصْرِيّ
(يَا غزالا رنا وغصناً تثنى ... وهلالاً سما وَصبحاً أنارا)
(كَانَ دمعي على هَوَاك لجيناً ... فاحالته نارُ قلبِي نُضارا) // الْخَفِيف //
وَمَا أبدع قَوْله بعده مَعَ حسن التَّضْمِين
(حلِيةٌ لَا أُعيرُها لمحِبٍّ ... شَغلَ الحَليُ أَهلَهُ أَن يعارا)
وَلابْن قلاقس
(مضى مَعَهم قلبِي فَللَّه دَرُّهُ ... لقد سَرَّني إِذْ مر مَعَ من يَسُرُّهُ)
(وأطوَلُ من هجرِ الحبيبِ وصَبْوتي ... وَيَوْم النَّوَى ليلِي وهمِّي وشَعْرُه)
(وَلَيْسَ دَماً مَاء الجُفونِ وَإِنَّمَا ... فُؤَادِي بِمَاء الدَّمع قد ذابَ جَمْرُهُ) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أسعد بن إِبْرَاهِيم بن اِسْعَدْ بن بليطة
(ظَلْتُ بِهِ والدموعُ جاريةٌ ... أقَبِّلُ الخدَّ مِنْهُ والليتا)
(تقطرُ دُراً حَتَّى إِذا وَرَدَتْ ... روْضَة خديه عُدْنَ ياقوتا) // المنسرح //
وَقَوله أَيْضا
(ليسَ ليَوْم البْينِ عِنْدِي سوى ... مدامعٍ نَجيعُها سَكْبُ)
стр. 247
(كَأَنَّمَا فَضَّ بأجفانها ... رُمَّانةً فانْتَثَر الحَّبُّ) // السَّرِيع //
وللمطوعي أَيْضا
(لما استقلَّتْ بهم عِيرُ النَّوَى أُصُلاً ... وشتتتهم صروف الْبَين تشتيتا)
(جعلْتُ أنظِم فِي وصف النَّوَى درراً ... والعينُ تنثر من دمعي يواقيتا) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول المَسْعُودِيّ
(قَالَت عهدتك تنبكي ... دَمًا حذار التنأي)
(فَمَا لعينك جادتْ ... بعد الدِّمَاء بِمَاء)
(فَقلت مَا ذَاك مني ... لسَلْوَةٍ وَعَزَاءِ)
(لَكِن دموعيَ شابت ... من طول عُمْرِ بُكَائِي) // المجتث //
وَهُوَ يشبه قَول الْقَائِل أَيْضا
(قَالُوا ودمعي قد صفا لفراقهم ... إِنَّا عَهِدْنَا مِنْك دمعاً أحمرا)
(فأجبتهم إِن الصبابة عُمِّرَتْ ... فِيكُم وشاب الدمع لما عمرا) // الْكَامِل //
وَأحسن مِنْهُ قَول الآخر
(وقائلةٍ مَا بالُ دمعك أبيضاً ... فَقلت لَهَا يَا ميُّ هَذَا الَّذِي بَقِي)
(ألم تعلمي أَن النَّوَى طَال عمره ... فشابت دموعي مثل مَا شَاب مَفْرقِي) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول أَيْضا ابْن الغويرة
(كَانَت دموعيَ حمراً قبل بينهمُ ... فمذ نَأوْا قَصَّرَتْهَا لوعةُ الحرق)
(قطفت للحظ وردا من خدودهم ... فاستقطر البعدُ ماءَ الْورْد من حدقي) // الْبَسِيط //
وَمثله قَول مُحَمَّد بن هبة الله الشهير بِأبي دلف الْكَاتِب ويروي لعبد الْكَافِي الْيَهُودِيّ الهاروني
(يَا من يقرِّب وَصْلي مِنْهُ موعدُهُ ... لَوْلَا عوائق من خُلْفٍ تُباعدهُ)
стр. 248
(لَا تحسبن دموعي البيضَ غير دَمِي ... وَإِنَّمَا نَفَسي الحامي يَصْعَدهُ) // الْبَسِيط //
وَقَول أبي الْقَاسِم بن الْعَطَّار بديع وَهُوَ
(مَا أدمُعي تنهلُّ سجا إِنَّمَا ... هِيَ مُهجتي سالَتْ من الآماق) // الْكَامِل // وَهَذَا الْبَاب وَاسع جدًّا وَفِيمَا أوردناه مقنع
وَأَبُو الهيذام المرثي هُنَا هُوَ عَامر بن عمَارَة بن خريم وَهُوَ وَالِد الْمُحدث مُوسَى بن عَامر صَاحب الْوَلِيد بن مُسلم وراوي كتبه وَكَانَ أَمِير عرب الشَّام وزعيم قيس وفارسها الْمَشْهُور وَهُوَ قَائِد الْعَرَب المضرية فِي الْفِتْنَة الْعُظْمَى الكائنة بِدِمَشْق بَين القيسية واليمانية فِي دولة الرشيد وَهِي الَّتِي من أجلهَا قَالَ الرشيد لجَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي لَيْسَ لهَذَا الْأَمر إِلَّا أَنا وَأَنت فإمَّا أَن تتَوَجَّه أَو أتوجه أَنا فَمضى جَعْفَر إِلَى الشَّام وأخمد الْفِتَن وَكَانَ قد خرج على الرشيد لكَونه قتل أَخَاهُ فظفر بِهِ وَحمل إِلَيْهِ مُقَيّدا فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ أنْشدهُ أبياتاً يستعطفه بهَا مِنْهَا
(فَأحْسن أميرَ المؤمنينَ فإنهُ ... أبي الله إِلَّا أَن يكون لَك الْفضل) // الطَّوِيل //
فَمن عَلَيْهِ وَعَفا عَنهُ
وَمن شعره فِي أَخِيه
(سأبكيك بالبيض الرِّقاق وبالقَنا ... فإنَّ بهَا مَا يطلُبُ الماجِدُ الوَترا)
(ولستُ كمن يبكي أخاهُ بعبرةٍ ... يُعَصِّرها فِي جَفْنِ مُقلتِه عَصَرَا)
стр. 249
(وَإِنَّا أناسٌ مَا تفيضُ دموعُنا ... على هالكٍ منا وَإِن قَصم الظهرا) // الطَّوِيل //
وَقيل إِنَّه توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة
والخريمي هُوَ إِسْحَاق بن حسان ويكنى بِأبي يَعْقُوب وَهُوَ من الْعَجم وَكَانَ مولى ابْن خريم الَّذِي يُقَال لِأَبِيهِ خريم الناعم وَهُوَ خريم بن عَمْرو من بني مرّة بن عَوْف بن سعيد بن ذيبان وَكَانَ لخريم ابْن يُقَال لَهُ عمَارَة ولعمارة ابْنَانِ يُقَال لَهما عُثْمَان وَأَبُو الهيذام وَفِي عُثْمَان هَذَا يَقُول الخريمي
(جَزَى اللُه عُثمانَ الخُريميّ خَيرَ مَا ... جَزَى صَاحباً جَزْلَ الْمَوَاهِب مُفْضِلَا)
(كَفى جَفوةَ الإِخوان طُولَ حَياتهِ ... وَأوْرثَ ممَّا كانَ أعْطى وأخْولا) // الطَّوِيل //
وَكَانَ عَظِيم الْقدر وَأحد القواد وعمى الخريمي بَعْدَمَا أسن وَكَانَ يَقُول فِي ذَلِك فَمِنْهُ قَوْله
(فإنْ تَكُ عَيني خبا نورُها ... فَكم قَبلها نورُ عيَنٍ خبَا)
(فلمْ يَعَم قَلبي وَلكنما ... أرَى نورَ عَيْني إليهِ سرَى)
(فأسْرَجَ فيهِ إِلَى نورهِ ... سِراجاً مِنَ الْعلمِ يَشفي الْعَمى) // المتقارب //
وَأخذ هَذَا من قَول حبر الْأمة عبد الله ابْن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَكَانَ عمي فَقَالَ
(إنْ يأخُذِ اللهُ مِنْ عَينيَّ نورَهُما ... فَفي لِسانِي وقَلبي مِنهما نورُ)
(قَلبي ذكيٌّ وعَقْلي غَيرُ ذِي دَخلٍ ... وَفي فَمي صارمٌ كالسَّيفِ مأثور) // الْبَسِيط //
стр. 250
وَكَانَ أَبُو يَعْقُوب الخريمي مُتَّصِلا بِمُحَمد بن مَنْصُور بن زِيَاد كَاتب البرامكة وَله فِيهِ مدائح جِيَاد ثمَّ رثاه بعد مَوته فَقيل لَهُ يَا أَبَا يَعْقُوب مراثيك لآل مَنْصُور بن زِيَاد أحسن من مدائحك وأجود فَقَالَ كُنَّا يَوْمئِذٍ نعمل على الرَّجَاء وَنحن الْآن نعمل على الْوَفَاء وَبَينهمَا بون بعيد
وَهُوَ الْقَائِل فِي عمى عَيْنَيْهِ
(أُصْغي إِلَى قائِدِي لخبرني ... إِذا الْتَقينا عمَّنْ يُحييني
(أريدُ أَن أعدل السَّلام وَأَن ... أفْصِلَ بَين الشريفِ والدونِ)
(أسمعُ مالَا أرَى فأكرهُ أَن ... أخطئَ والسمعُ غيرُ مأمونِ)
(لله عينِي الَّتِي فُجِعتُ بهَا ... لَو أنَّ دَهراً بهَا يواتيني)
(لَو كنتُ ُخِّيرت مَا أخذتُ بهَا ... تَعْمير نوح فِي ملك قارونِ)
(حقٌّ أخِلَاّيَ أَن يعودوني ... وَأَن يُعزُّوا عَيْني ويبكونِي) // المنسرح //
وَهُوَ الْقَائِل أَيْضا
(إِذا مَا مَاتَ بعضك فابك بَعْضًا ... فَإِن الْبَعْض من بعضٍ قريبُ)
(يمنِّيني الطبيبُ شِفَاء عَيْني ... وهلْ غير الإلهِ لَهَا طَبِيب) // الوافر //
وَمن جيد شعره قَوْله
(النَّاس أحلامُهم شَتَّى وَإِن جُبِلوُا ... عَلى تشابهِ أرواحٍ وأجسادِ)
(للخيرِ والشرِّ أهلٌ وكُّلوُا بهمَا ... كلٌّ لهُ من دوَاعي نَفسه هادِي)
(منهمْ خليلُ صفاءِ ذوُ محافظةٍ ... أرْسى الْوَفَاء أوَاخيهِ بأوتادِ)
(ومُشعرُ الْغدر محنيٌّ أَضالعهُ ... علَى سَريرَةٍ غِمر غلُّها بادِي)
(مُشاكِسٌ خدع جمٌّ غوائلهُ ... يُبْدِي الصفاءَ ويُخفي ضَربة الْهَادِي)
(يأتيكَ بالبغِي فِي أهل الصفاء وَلَا ... ينفكُّ يسْعَى بإصلاح لإفساد) // الْبَسِيط //
стр. 251
وَمن جيد شعره أَيْضا قَوْله
(أضاحكُ ضَيْفِي قبل إِنْزَال رَحْله ... ويخضب عِندي والمحلُّ جديب)
(ومَا الخصبُ للأضْيافِ أنْ يكثرْ الْقرى ... وَلكنما وَجهُ الْكريم خصيب) // الطَّوِيل //
وَهُوَ الْقَائِل
(وَإنَّ أشدَّ النَّاسِ فِي الحَشر حَسرةَ ... لمُورثُ مالٍ غَيرَهُ وَهوَ كاسِبُهْ)
(كَفى سَفهاً بِالكهل أنْ يتبعَ الصبَا ... وَأن يأتِيّ الأمرَ الذِي هُوَ عائبه) // الطَّوِيل //
وَهُوَ الْقَائِل أَيْضا
(مَا أحَسنَ الغيرةَ فِي حِينها ... وَأقبحَ الغيرةَ فِي كلِّ حِينْ)
(مَنْ لمْ يزَلْ مُنْهماً عرسهُ ... مناصباً فِيهَا لرِيب الظُّنونْ)
(أوْشك أنْ يُغريها بِالذِي ... يَخافُ أنْ يُبرزها لِلعيونْ)
(حَسبكَ مِنْ تحصينها وَضْعُها ... مِنكَ إِلَى عِرضٍ صَحيح وَدينْ)
(لَا تَطَّلعْ مِنكَ على رِيبةٍ ... فيتبعَ المقرونُ حَبل القرين) // السَّرِيع //
٤٣ - (وَلمْ يُبْقِ مِنِّي الشوق غير تفكري ... فَلَو شِئْت أَن أبْكِي بَكَيْتُ تَفَكُّرا)
الْبَيْت لأبي الْحسن عَليّ بن أَحْمد الْجَوْهَرِي من قصيدة من الطَّوِيل
والشوق نزاع النَّفس وحركة الْهوى
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن عدم حذف الْمَفْعُول فِيهِ لانْتِفَاء الْقَرِينَة لَا لغرابة الْمَفْعُول لِأَن المُرَاد بالبكاء الأول فِي الْبَيْت الْبكاء الْحَقِيقِيّ لَا الفكري فَكَأَنَّهُ يَقُول أفناني الشوق فَلم يبْق مني غير التفكر فَلَو شِئْت الْبكاء وعصرت عَيْني ليسيل دمعها لم يخرج مِنْهَا دمع وَخرج بدله التفكر فالبكاء الَّذِي أَرَادَ إِيقَاع الْمَشِيئَة عَلَيْهِ بكاء مُطلق مُبْهَم غير معدي إِلَى الْفِكر الْبَتَّةَ والبكاء الثَّانِي مُقَيّد معدي إِلَى
стр. 252
التفكر فَلَا يصلح تَفْسِيرا للْأولِ وبياناً كَذَا قَالَه التَّفْتَازَانِيّ نقلا عَن دَلَائِل الأعجاز
والجوهري هُوَ
٤٤ - (وَكَمْ ذُدْتَ عَنِّي من تحامل حَادث ... وَسورَة أيَّامٍ حَزَزْنَ إِلَى الْعَظْمِ)
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الطَّوِيل يمدح أَبَا الصَّقْر وأولها
(أعَنْ سَفهٍ يوْمَ الأبيْرِقِ أمْ حلمِ ... وُقوفٌ بربعٍ أَو بكاءٌ على رسمِ)
(وَمَا يُعْذَرُ الموسومُ بالشَّيبِ أَن يُرَى ... مُعارَ لباسٍ للتصابي وَلا وَسْم)
(تخبِّر أيامِي الحديثاتُ أننِي ... تركتُ السرُورَ عِندَ أياميَ القُدْمِ)
(وَأَولعتُ بِالْكِتْمَانِ حَتَّى كأنني ... طُويتُ على ضِغنٍ من الدْينِ أَو وغم)
(فإنْ تلقني نِضوَ العظامِ فَإِنَّهَا ... جريرَة قلبِي مُنْذُ كنتُ على جسمي) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة فَمِنْهَا فِي المديح
(كَأَنَّك من جِذْمٍ من الناسِ مفردٍ ... وسائرُ من يَأْتِي الدَّنِيَّات من جِذم)
(كأنا عَدُوّاً مُلْتَقي مَا تقاربتْ ... بِنَا الدارُ إِلَّا زادَ غرمكَ فِي غُنمي)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(أحاربُ قوما لَا أسَرُّ بسُوئِهم ... ولكنني أرمي منَ النَّاس من ترْمى)
стр. 253
والذود الطَّرْد وَالدَّفْع والتحامل تَكْلِيف الْأَمر الْمشق يُقَال تحامل عَليّ فلَان إِذا كلفه مَا لَا يُطَاق وَسورَة الْأَيَّام شدتها وصولتها واعتداؤها والحز الْقطع
وَالشَّاهِد فِيهِ حذف الْمَفْعُول لدفع توهم إِرَادَة غير المُرَاد من الْكَلَام ابْتِدَاء وَهُوَ هُنَا اللَّحْم إِذْ لَو ذكر لتوهم قبل ذكر الْعظم أَن الحز لم ينْتَه إِلَيْهِ فَترك دفعا لهَذَا الْوَهم
وَتقدم ذكر البحتري قَرِيبا
٤٥ - (قَدْ طَلَبْنَا فَلم نجد لَك فِي السؤدد ... وَالمجد والمكارِم مِثْلا)
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الْخَفِيف يمدح بهَا المعتز لدين الله وأولها
(إِن سير الخليطِ حِين اسْتَقَلَاّ ... كانَ عَوْناً للدمع لما اسْتَهلا)
(فالنَّوى خُطَّة من الهجر مَا يَنْفَكُّ يَشْجَي بهَا المُحبُّ ويَبلْى ... )
(فأقلَاّ فِي غُلوَة اللوم إِنِّي ... زائدٌ فِي الغرام إِن لم تقلا) // الْخَفِيف //
وَهِي طَوِيلَة فَمِنْهَا فِي المديح
(لم يزَلْ حقُّكَ المُقَدَّم يمحو ... باطِلَ المستعارِ حَتَّى اضْمَحَلَا)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(أنتَ أندى كَفَّاً وأشرفُ أَخْلَاقًا ... وأزكى قولا وَأكْرم فِعلاً)
يعرض بذم المستعين
стр. 254
والسؤدد بِالْهَمْز السِّيَادَة وَالْمجد نيل الشّرف وَالْكَرم أَو لَا يكون إِلَّا بِالْآبَاءِ والمكارم فعل الْكَرم والمثل الشّبَه
وَالشَّاهِد فِيهِ حذف الْمَفْعُول لإِرَادَة ذكره ثَانِيًا على وَجه يتَضَمَّن إِيقَاع الْفِعْل على صَرِيح لفظ الْمَفْعُول إِظْهَارًا لكَمَال الْعِنَايَة بِوُقُوع الْفِعْل عَلَيْهِ وترفعاً عَن إِيقَاعه على ضَمِيره وَإِن كَانَ كِنَايَة عَنهُ لِأَنَّهُ لَو قَالَ قد طلبنا لَك مثلا لناسب أَن يَقُول فَلم نجده وَفِيه تَفْوِيت غَرَض إِيقَاع نفي الوجدان على صَرِيح لفظ الْمثل لكَمَال الْعِنَايَة بِعَدَمِ وجدانه وَلِهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه عكس ذُو الرمة فِي قَوْله
(وَلم أمدح لأرْضِيَهُ بشعِرْي ... لئيماً أَن يكون أصَاب مَالا) // الوافر //
فَإِنَّهُ أعمل الْفِعْل الأول الَّذِي هُوَ أمدح فِي صَرِيح لفظ اللَّئِيم لَا الثَّانِي الَّذِي هُوَ أرْضى إِذْ كَانَ غَرَضه إِيقَاع نفي الْمَدْح على اللَّئِيم صَرِيحًا دون الإرضاء
وَيجوز أَن يكون سَبَب حذف الْمَفْعُول ترك مُوَاجهَة الممدوح بِطَلَب مثل لَهُ مُبَالغَة فِي التأدب إِذْ التَّصْرِيح بِطَلَب الْمثل يجوز وجوده لِأَن طلب الْعَاقِل مبنيٌّ عَلَيْهِ
стр. 255
شَوَاهِد الْقصر
стр. 256
٤٥ - (أنَا الذّائدُ الحامي الذِّمارَ وَإِنَّمَا ... يدافع عَن أحسابهم أنَا أَو مثلي)
الْبَيْت للفرزدق من قصيدة من الطَّوِيل وسببها أَن نسَاء بني مجاشع بلغهن فحش جرير بِهن فَأَتَيْنَ الفرزدق وَهُوَ مُقَيّد وَقد تقدم فِي تَرْجَمته أَنه قيد نَفسه لحفظ الْقُرْآن فَقُلْنَ قبح الله قيدك وَقد هتك جرير عورات نِسَائِك فلحيت شَاعِر قومٍ فأحفظنه ففك الْقَيْد وَقَالَ
(أَلا استهزأت مني سُوَيدة إِذْ رأتْ ... أَسِيرًا يداني خطوه حلُق الحجل)
(وَلَو علمتُ أَن الْوَثَاقَ أشدُّهُ ... إِلَى النَّار قَالَت لي مقَالَة ذِي عقل)
(لعمري لَئِن قَيَّدْتُ نَفسِي لطالما ... سعيت وأوْضَعْتُ المطية فِي الْجَهْل)
(ثَلَاثِينَ عَاماً مَا أرى من عَمَاية ... إِذا برقتْ إِلَّا أشُدُّ لَهَا رَحْلي)
(أَتَتْنِي أحاديثُ الْبَعِيثِ ودونهُ ... زرود فشاماتُ العقيق من الرمل)
(فَقلت أظنَّ ابنُ الخبيثة أَنني ... غفلتُ عَن الرَّامِي الكنانةَ بِالنَّبلِ)
(فإنْ يكُ قيدي كَانَ نذرا نذرتهُ ... فماليَ عَن أَحْسَاب قوميَ من شغل) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
стр. 257
(ولوْ ضَاعَ مَا قَالُوا ارْعَ منَّا وجدتُهمْ ... شِحَاحاً على الغالي من الْحسب الجزلِ)
وَهِي طَوِيلَة
والذمار بِكَسْر الْمُعْجَمَة مَا يلزمك حفظه وحمايته والأحساب جمع حسب وَهُوَ مَا يعد من مفاخر الْآبَاء أَو هُوَ المَال أَو الدّين أَو الْكَرم أَو الشّرف فِي الْفِعْل أَو الشّرف الثَّابِت فِي الْآبَاء وَقد يكون الْحسب وَالْكَرم لمن لَا آبَاء لَهُ شرفاءً بِخِلَاف الْمجد كَمَا تقدم
وَمثل قَول الفرزدق قَول عَمْرو بن معدي كرب
(قدْ علمَتْ سلمى وجاراتها ... مَا قَطَّرَ الفارسَ إِلَّا أَنا) // السَّرِيع //
وَالشَّاهِد فِيهِ صِحَة انْفِصَال الضَّمِير مَعَ إِنَّمَا إِلَّا أَنه لما كَانَ غَرَضه أَن يخص المدافع لَا المدافع عَنهُ فصل الضَّمِير وَهُوَ أَنا وأخره إِذْ لَو قَالَ وَإِنَّمَا أدافع عَن أحسابهم لَصَارَتْ المدافعة مَقْصُورَة على أحسابهم دون غَيرهَا وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَاهُ بل مَعْنَاهُ أَن المدافع عَن أحسابهم هولاً غَيره
стр. 258
شَوَاهِد الْإِنْشَاء
стр. 259
٤٦ - (أَلَا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل ألَا انجلي ... )
قَائِله امْرُؤ الْقَيْس بن حجر الْكِنْدِيّ من قصيدته الْمَشْهُورَة السَّابِقَة فِي شَوَاهِد الْمُقدمَة وَقَبله
(وليلِ كموج الْبَحْر أرْخى سدولهُ ... عَليّ بأنواع الهموم ليبتلي)
(فقلتُ لهُ لما تَمَطَّى بصُلبهِ ... وأردفَ أعجازاً وناء بكلكل)
(أَلَا أيُّهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا انجلي ... بصبحٍ وَمَا الإصباح مِنْك بأمثل)
(فيالك من ليلٍ كأنّ نجومه ... بِكُل مُغَار الفَتْل شُدَّتْ بيَذْبُلِ)
والإصباح الصُّبْح وَهُوَ الْفجْر أَو أول النَّهَار والانجلاء الانكشاف وَمَعْنَاهُ أَنه تمنى زَوَال ظلام اللَّيْل بضياء الصُّبْح ثمَّ قَالَ وَلَيْسَ الصُّبْح بأمثل مِنْك عِنْدِي لِاسْتِوَائِهِمَا فِي مقاساة الهموم أَو لِأَن نَهَاره يظلم فِي عَيْنَيْهِ لتوارد الهموم فَلَيْسَ الْغَرَض طلب الانجلاء من اللَّيْل لِأَنَّهُ لَا يقدر عَلَيْهِ لكنه يتمناه تخلصاً مِمَّا يعرض لَهُ فِيهِ ولاستطالته تِلْكَ اللَّيْلَة كَأَنَّهُ لَا يرتقب انجلاءها وَلَا يتوقعه فَلهَذَا يحمل على التَّمَنِّي دون الترجي
وَالشَّاهِد فِيهِ اسْتِعْمَال صِيغَة الْأَمر لِلتَّمَنِّي
وَقد أَخذ الطرماح هَذَا الْبَيْت وَغير قافيته فَقَالَ
(أَلا أَيهَا اللَّيْل الطويلُ ألَا اصبحِ ... بيومٍ وَمَا الإصباحُ مِنْك بأروح) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول أبي الْعَلَاء المعري فِي طول اللَّيْل
(وليْلينِ حالٍ بالكواكب جَوْزُهُ ... وآخَرُ من حَلْى الْكَوَاكِب عاطلُ)
(كأنَّ دجاهُ الهجرُ والفجرُ موعدٌ ... بوصلٍ وضوءُ الصُّبْح حِبٌّ مماطلُ)
(قطعْتُ بِهِ بحراً يعبُّ عُبابُهُ ... وليسَ لهُ إِلَّا التبلج سَاحل) // الطَّوِيل //
وللوأواء الدِّمَشْقِي فِيهِ أَيْضا
стр. 260
(أطالَ لَيلُ الصُّدودِ حَتَّى ... أيِستُ مِنْ غُرةِ الصَّباحِ)
(كأنهُ إذْ دَجا غُرابٌ ... قَدْ حَضَنَ الأرضَ بالجناح) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول الخطيري
(شابتْ ذَوائبُ صَبري يَا مُعذِّبتي ... فِي لَيلتي وَعِذَارُ اللَّيلِ لمْ يَشبِ)
(وَدونَ صُبحَي سِترٌ مِنْ زُمردَةٍ ... مُسمرٌ بِمساميرٍ من الذَّهَب) // الْبَسِيط //
ولبعضهم فِيهِ من قصيدة وَأحسن مَا شَاءَ
(تَراهُ كمَلكِ الزَّنج مِنْ فَرطِ كفرهِ ... إذَا رَامَ مَشياُ فِي تَبخترهِ أبْطا)
(مُطِلاًّ عَلى الآفاقِ والْبدرُ تاجهُ ... وَقَدْ عَلّقَ الجَوزاء فِي أُذُنه قرطا) // الطَّوِيل //
ولشرف الدّين بن منقذ فِيهِ أَيْضا
(ولرُبَّ لَيلٍ تاهَ فِيه نجمهُ ... فقَطعتهُ سهَراً فَطالَ وعسَعسا)
(وَسألتهُ عَنْ صُبحهِ فَأَجَابَنِي ... لوْ كانَ فِي قيد الْحَيَاة تنفسا) // الْكَامِل //
وَمثله قَول الآخر
(ماتَ الصبَّاحُ بِليْلٍ ... أحْييتهُ حِينَ عَسعسْ)
(لوْ كانَ لِلَّيلِ صبُحٌ ... يَعيشُ كانَ تنفس) // المجتث //
وَلابْن منقذ أَيْضا
(لما رَأيتُ النّجمَ ساه طرفه ... أَو القطب قَدْ ألْقى عَليهِ سُباتا)
(وَبناتُ نَعْشٍ فِي الحِداد سَوافراً ... أيْقنتُ أنَّ صَباحهمْ قد مَاتَا) // الْكَامِل //
وللوأواء الدِّمَشْقِي
(وليلٍ مثل يومِ البينِ طولا ... إِذا أفَلَتْ كواكبهُ تعودُ)
(بدائعُ نومِها فِيهِ انتباهٌ ... فأعيُنُها مُفَتَّحَةٌ رقود) // الوافر //
وَله أَيْضا
стр. 261
(وليلٍ مثل يومِ الحشرِ طولا ... كأنَّ ظلامَهُ لونُ الصدُودِ)
(بياضُ هلالهِ فيهِ سَواد ... كإثر الْعلم فِي يَقِقِ الخُدودِ) // الوافر //
وَمَا أحسن اعتذار الأرجاني عَن طول اللَّيْل
(لَا أدَّعي جَوْر الزَّمان وَلَا أَرَى ... ليْلي يزيدُ على اللَّيَالِي طُولا)
(لكنَّ مرْآة الصباحِ تنفُّسي ... للهمِّ أصدأ وَجْهَهَا المصقولا) // الْكَامِل //
وَقد أَخذه من قَول عَليّ بن هِشَام
(لَا أظلم اللَّيْل وَلَا أَدعِي ... أَن نُجُوم اللَّيْل لَيست تغورْ)
(ليلِي كَمَا شاءتْ فَإِن لم تَجُدْ ... طالَ وإنْ جادَت فليلي قَصيرْ) // السَّرِيع //
وَأورد ابْن الصولي لِابْنِ الْخَلِيل أَيْضا قَوْله
(يَقولونَ طالَ اللَّيلُ واللَّيلُ لم يَطلْ ... وَلكنَّ مَنْ يَهوَى مِنَ الشَّوقِ يَسهرُ)
(أنامُ إذَا مَا اللَّيلُ مَهَّدَ مَضجعي ... وَأفقدُ نومي حِينَ أُجْفَى وَأهْجَرُ)
(فَكم لَيلةٍ طالتْ عليَّ لِصدِّها ... وَأخرَى ألَاقيها بوصل فتقصر) // الطَّوِيل //
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الأديب الْحَرَّانِي
(جاءتْ تُسائلُ عَنْ لَيلي فَقلتُ لَهَا ... وَسوْرةُ الهمِّ تَمحو سِيرةَ الجَذلِ)
(لَيلي بكفيك فاغني عَنْ سُؤالكِ لي ... إنْ بِنتِ طالَ وَإنْ وَاصلتِ لمْ يطلّ) // الْبَسِيط //
وَقَول بعض الْمُتَأَخِّرين
(لَيلي ولَيلى نَفى نَومي خِلَافُهما ... حَتَّى لَقدْ صَيَّرَاني فِي الهوَى مَثلَا)
(يَجودُ بالطَّول لَيلي كلمَّا بَخلتْ ... بِالطَّوْل لَيلي وَإنْ ~ جادتْ بهِ بخلا) // الْبَسِيط //
стр. 262
وَقَول ابْن أبي حَصِينَة
(يَا لَيلُ مَا طُلتَ عمَّا كُنتُ أعْرِفهُ ... وَإنما طالَ بِي فِيكَ الذِي أجد) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم فِيهِ
(سَهرتُ لَيلاتِ وَصلي فَرحةً بِهمُ ... وَليلةُ الهجر كم قضيها سَهرا)
(إِذَا تَقضَّى زَماني كلُّهُ سَهراً ... فَما أُبَالِي أطالَ اللَّيلُ أم قَصُرَا) // الْبَسِيط //
وَمثله قَول الآخر
(فِي الهجْرِ والوصلِ مَا تَذوقُ كَرَى ... عَيني فَما يَنقضي تَسهُّدُهَا)
(فَليلةُ الهجرِ لَا رُقادَ بهَا ... وَليلة الْوصلِ كَيفَ أرقدها) // المنسرح //
وَقَول أبي الْحسن الْبَصْرِيّ
(وَلما تعرَّضَ لي زَائِرًا ... وَمَا كانَ عِندِي لَهُ مَوْعِدُ)
(سَهِرت اغتناماً لِلَيل الْوِصَال ... لِعلمي بِهِ أَنه يَنفَدُ)
(فقالَ وَقد رقَّ لي قلبُهُ ... وأيقن أَنِّي بِهِ مكمد)
(إِذا كنتَ تسهر الوِصالِ ... ولَيْلَ النَّوى فَمَتَى ترقد) // المتقارب //
وَقد أَكثر الشُّعَرَاء فِي هَذَا الْمَعْنى وَفِيمَا أوردته مقنع
стр. 263
شَوَاهِد الْوَصْل والفصل
٤٧ - (لَا وَالَّذِي هُوَ عَالم أنَّ النَّوى ... مُرٌّ وَأَن أَبَا الحُسَينِ كَريمُ)
الْبَيْت لأبي تَمام الطَّائِي من قصيدة من الْكَامِل يمدح بهَا أَبَا الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْهَيْثَم وأولها
(أسْقَى طُلولَهمُ أجَشُّ هَزِيمُ ... وغَدَتْ عَلَيْهِم نَضْرَةٌ ونَعيمُ)
(جَادَتْ معاهدَهم عِهَادُ سحابةٍ ... مَا عهدُها عِنْد الديارِ ذَميمُ)
(سَفِهَ الفراقُ عَلَيْك يَوْم تحَمَّلوا ... رُبمَا أرَاهُ وَهُوَ عَنك حَليمُ)
(ظلمتك ظالمة البريء ظَلومُ ... وَالظُّلم من ذِي قُدْرة مَذْمُوم)
(زَعمَتْ هَوَاك عَفا الغداةَ كَمَا عفَا ... مِنْهَا طُلولٌ باللوى ورسوم) // الْكَامِل //
لَا وَالَّذِي هُوَ عَالم ... . . الْبَيْت وَبعده
(مَا حُلْتُ عَن سنَن الوفاءِ وَلَا غَدَتْ ... نَفسِي على إلفٍ سواكِ تَحُومُ)
والنوى الْفِرَاق
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن شَرط عطف جملَة على جملَة أَن يكون بَينهمَا جِهَة خَاصَّة وَلَا كَذَلِك فِي هَذَا الْبَيْت إِذْ لَا مُنَاسبَة بَين كرم أبي الْحُسَيْن ومرارة النَّوَى سواءٌ كَانَ نَوَاه أَو نوى غَيره فَهَذَا الْعَطف غير مَقْبُول سَوَاء جعل عطف مُفْرد على مُفْرد كَمَا هُوَ الظَّاهِر أَو عطف جملَة على جملَة بِاعْتِبَار وُقُوعه مَوضِع مفعول الْعلم لِأَن وجود الْجَامِع شَرط فيهمَا وَلِهَذَا عيب على أبي تَمام كَمَا سَيَأْتِي فِي أحسن التَّخَلُّص إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 264
(وهِمتُ بالأوْطان وجدا بهَا ... وبالغوانِي أينَ مِني الغوان)
(فقرِّباني بِأبي أَنْتُمَا ... مِنْ وطني قبلَ اصفرار البنان)
(وقبلَ مَنْعايَ إِلَى نِسوةٍ ... مَسكَنُها حرَّان والرَّقتان)
(سقى قُصُور الشاذياخ الحَيا ... منْ بعدِ عهدِي وقصورَ الميان)
(فكم وَكم منْ دَعوةٍ لي بهَا ... أنْ تتخطاها صُروفَ الزَّمَان) // السَّرِيع //
والترجمان يُقَال بِضَم تائه وجيمه وفتحهما وَفتح التَّاء وَضم الْجِيم وَهُوَ الْمُفَسّر للسان يُقَال تَرْجمهُ وَعنهُ وَالْفِعْل يدل على أَصَالَة التَّاء
وَلَقَد أَجَاد الْغَزِّي فِي تَضْمِينه صدر الْبَيْت بقول
(طول حَيَاة مَالهَا طائل ... تغض عندِي كلَّ مَا يُشتهي)
(أَصبحتُ مثلَ الطِّفل فِي ضعفهِ ... تشابهَ المبدأُ والمُنتهى)
(فلَا تَلُمْ سَمعي إِذا خانني ... إنّ الثَّمَانِينَ وبلغتها) // السَّرِيع //
ولطيف قَول الشهَاب المنصوري ﵀
(نَحْو ثمانينَ منَ الْعُمر قدْ ... قَطعْتها مثلَ عُقُود الجمانْ)
(مَا أَحوجتْ يَوْمًا يَمِيني إِلَى ... عَصا وَلَا سَمْعي إِلَى ترجمان) // السَّرِيع //
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاعْتِرَاض وَيُسمى الِالْتِفَات وَهُوَ أَن يُؤْتى فِي أثْنَاء الْكَلَام أَو بَين كلامين متصلين معنى بجملة أَو أَكثر لَا مَحل لَهَا من الْأَعْرَاب لنكتة سوى دفع الْإِيهَام وَهُوَ هُنَا الدُّعَاء فِي قَوْله وبلغتها لِأَنَّهَا جملَة مُعْتَرضَة بَين اسْم إِن وخبرها وَالْوَاو فِيهِ اعتراضية لَيست عاطفة وَلَا حَالية
стр. 265
٤٨ - (وَقَالَ رَائِدُهم أرْسُوا نُزَاوِلُهَا ... )
هُوَ من الْبَسِيط وقائله الأخطل كَذَا ذكره سِيبَوَيْهٍ وَلَيْسَ هُوَ فِي ديوانه وَتَمَامه
(وكل حَتْفِ امرِئِ يجْرِي بمقدارِ ... )
وَبعده
إِمَّا نموتُ كراماً أَو نَفوز بهَا ... فواحد الدَّهْر من كدٍّ وأسفار) // الْبَسِيط //
والرائد الْمُرْسل فِي طلب الْكلأ وأرسوا بِقطع الْهمزَة من رست السَّفِينَة ترسو رسوا إِذا وقفت على الأنجر مُعرب لنكر وَهُوَ مرساة السَّفِينَة وَهِي خشبات يفرغ بَينهَا الرصاص الْمُذَاب فَتَصِير كصخرة إِذا رست رست السَّفِينَة أَو هُوَ من رست أَقْدَامهم فِي الْحَرْب أَي ثبتَتْ ونزاولها من المزاولة وَهِي المحاولة والمعالجة فِي تَحْصِيل الشَّيْء وَالضَّمِير للسفينة وَقيل للحرب وَقيل للخمر وَهُوَ لَا يُنَاسب ظَاهر الْبَيْت الَّذِي بعده
وَالشَّاهِد فِي قَوْله نزاولها فَإِنَّهُ فَصله عَن قَوْله أرسوا لِأَن الأول أَمر وَالثَّانِي خبر فَامْتنعَ الْعَطف بَينهمَا لاختلافهما خَبرا وطلباً لفظا وَمعنى
وَمن هَذَا الضَّرْب قَول اليزيدي أَو إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر
(ملكتهُ حبلي ولكنهُ ... ألقَاه من زُهْدٍ على غاربي)
стр. 266
(وقالَ إِنِّي فِي الْهوى كاذبٌ ... انتقمَ اللهُ من الكاذبِ) // السَّرِيع //
وَحمله الشَّيْخ عبد القاهر على الِاسْتِئْنَاف بِتَقْدِير قلت قَالَ الشِّيرَازِيّ وَهُوَ أنسب بالْمقَام
والأخطل هُوَ غياث بن غوث بن الصَّلْت بن الطارقة يَنْتَهِي نسبه لتغلب ويكنى أَبَا مَالك والأخطل لقبه عَن أبي عُبَيْدَة أَن السَّبَب فِيهِ أَنه هجا رجلا من قومه فَقَالَ لَهُ يَا غُلَام إِنَّك لأخطل والأخطل السَّفِيه وَكَانَ نَصْرَانِيّا من أهل الجزيرة وَمحله فِي الشّعْر أكبر من أَن يحْتَاج إِلَى وصف وَهُوَ وَجَرِير والفرزدق طبقَة وَاحِدَة جعلهَا ابْن سَلام أول طَبَقَات الْإِسْلَام وَلم يَقع إجماعٌ على أحدهم انه أفضلهم وَلكُل وَاحِد مِنْهُم عصبَة تفضله على الْجَمَاعَة
وَقَالَ أَبُو عَمْرو لَو أدْرك الأخطل يَوْمًا وَاحِدًا من الْجَاهِلِيَّة مَا قدمت عَلَيْهِ أحدا
وَقَالَ الْأَصْمَعِي إِنَّمَا أدْرك جرير الأخطل وَهُوَ شيخ قد تحطم وَكَانَ الأخطل أسن من جرير وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يشبه الأخطل بالنابغة لصِحَّة شعره وَكَانَ حَمَّاد يفضل الأخطل على جرير والفرزدق فَقَالَ لَهُ الفرزدق إِنَّمَا تفضله لِأَنَّهُ فَاسق مثلك فَقَالَ لَو فضلته بِالْفِسْقِ لفضلتك وَقَالَ الأخطل لعبد الْملك ابْن مَرْوَان يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ زعم ابْن المراغة يَعْنِي جَرِيرًا أَنه يبلغ مدحتك فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَقد أَقمت فِي مدحتك
стр. 267
(خف القطين فراحوا مِنْك أَو بَكرُوا ... )
سنة فَمَا بلغت مَا أردْت فَقَالَ عبد الْملك أسمعناها يَا أخطل فَلَمَّا أنشدها قَالَ لَهُ عبد الْملك أَتُرِيدُ أَن أكتب إِلَى الْآفَاق أَنَّك أشعر الْعَرَب قَالَ اكْتفي بقول أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأمر لَهُ بِجَفْنَة كَانَت بَين يَدَيْهِ فملئت لَهُ دَرَاهِم وألقيت عَلَيْهِ خلع وَخرج بِهِ مولى لعبد الْملك على النَّاس وَهُوَ يَقُول هَذَا شَاعِر أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا أشعر الْعَرَب
وَأنْشد لعبد الْملك قَول كثير فِيهِ
(فَمَا تركوها عنْوَة عَن مودّةٍ ... ولكنْ بحدِّ المشرفي استقالها) // الطَّوِيل //
فأعجب بِهِ فَقَالَ لَهُ الأخطل مَا قلت لَك وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أحسن مِنْهُ قَالَ وَمَا قلت قَالَ قلت
(أهَلّوا من الشهرِ الحرامِ فَأَصْبحُوا ... مَوَاليَ مُلْكٍ لَا طَريفٍ وَلَا غصب) // الطَّوِيل //
جعلته لَك حَقًا وَجعله لَك غصبا قَالَ صدقت
وَأصْبح عبد الْملك يَوْمًا فِي غَدَاة بَارِدَة فتمثل بقول الأخطل
стр. 268
(إِذا اصطَبحَ الْفَتى مِنْهَا ثَلَاثًا ... بِغَيْر المَاء حاوَل أَن يطولَا)
(مَشى قرشيَّةً لَا شكّ فِيهَا ... وأرْخى من مآزرِهِ فضولا) // الوافر //
ثمَّ قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ السَّاعَة مُحَلل الْإِزَار مُسْتَقْبلا للشمس فِي حَانُوت من حوانيت دمشق ثمَّ بعث رجلا يَطْلُبهُ فَوَجَدَهُ كَذَلِك
وَقدم الأخطل مرّة على عبد الْملك بن مَرْوَان فَنزل على سرجون كَاتبه فَقَالَ لَهُ على من نزلت فَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ قَاتلك الله مَا أخْبرك بِصَالح الْمنَازل فَمَا تُرِيدُ أَن ننزلك قَالَ فِي درمك من درمككم هَذَا وَلحم وخمر من بَيت رَأس فَضَحِك عبد الْملك وَقَالَ وَيلك وعَلى أَي شَيْء اقتتلنا إِلَّا على هَذَا ثمَّ قَالَ لَهُ أَلا تسلم فنفرض لَك أَلفَيْنِ فِي عطائك وتوصل بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم قَالَ فَكيف بِالْخمرِ قَالَ وَمَا تصنع بهَا وَإِن أَولهَا لمر وَإِن آخرهَا لسكر قَالَ أما إِن قلت ذَاك فَإِن بَينهمَا لمنزلة مَا ملكك فِيهَا إِلَّا كلعقة من مَاء الْفُرَات بالإصبع فَضَحِك عبد الْملك ثمَّ قَالَ أَلا تزور الْحجَّاج فَإِنَّهُ كتب يستزيرك فَقَالَ أطائع أم كَارِه قَالَ بل طائع قَالَ مَا كنت لأختار نواله على نوالك ولاقربة على قربك إِنِّي إِذا لَكمَا قَالَ الشَّاعِر
(كَمُبتاعٍ لمركبهِ حِماراً ... يُغيرهُ من الْفرسِ الْكَرِيم) // الوافر //
فَأمر لَهُ بِعشر آلَاف دِرْهَم وَأمره أَن يمدح الْحجَّاج فمدحه بقوله
стр. 269
(صَرمَتْ حِبالَكَ زَينبٌ وَرعومُ ... وَبدَا المُجمجمُ مِنْهُمَا المكتوم) // الْكَامِل //
وَوجه بالقصيدة مَعَ ابْنه إِلَيْهِ
وَدخل الأخطل على بشر بن مَرْوَان وَعِنْده الرَّاعِي الشَّاعِر فَقَالَ لَهُ بشر أَأَنْت أشعر أم هَذَا قَالَ أَنا أشعر مِنْهُ وَأكْرم فَقَالَ لِلرَّاعِي مَا تَقول فَقَالَ أما اشعر مني فَعَسَى وَأما اكرم مني فَإِن كَانَ فِي أمهاته من ولدت مثل الْأَمِير فَنعم فَلَمَّا خرج الأخطل قَالَ لَهُ رجل أَتَقول لخال الْأَمِير أَنا أكْرم مِنْك فَقَالَ وَيحك إِن أَبَا نسطوس قد وضع فِي رَأْسِي أكؤساً ثَلَاثًا وَالله لَا أَعقل مَعهَا
وَحدث قُحَافَة المري قَالَ دخل الأخطل على عبد الْملك فاستنشده فَقَالَ قد يبس حلقي فَمر من يسقيني فَقَالَ اسقوه مَاء فَقَالَ هُوَ شراب الْحمار وَهُوَ عندنَا كثير قَالَ فاسقوه لَبَنًا قَالَ عَن اللَّبن فطمت قَالَ فاسقوه عسلاً قَالَ شراب الْمَرِيض قَالَ فتريد مَاذَا قَالَ خمرًا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أَو عهدتني أَسْقِي الْخمر لَا أم لَك لَوْلَا حرمتك بِنَا لفَعَلت وَفعلت فَخرج فلقي فراشا لعبد الْملك فَقَالَ وَيلك إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ استنشدني وَقد صَحِلَ صوتي فاسقني شربة خمر فَسَقَاهُ رطلا فَقَالَ أعدله بآخر فَسَقَاهُ رطلا آخر فَقَالَ تركتهما يعتر كَانَ فِي بَطْني فاسقني ثَالِثا فَسَقَاهُ ثَالِثا فَقَالَ تَرَكتنِي أَمْشِي على وَاحِدَة اعْدِلْ ميلي برابع فَسَقَاهُ رَابِعا فَدخل على عبد الْملك فأنشده
(خفَّ الْقطينُ فراحوا مِنْك أَو بَكرُوا ... )
فَقَالَ لَا بل مِنْك وَتَطير من قَوْله قَالَ وَمر فِي القصيدة حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله
стр. 270
(شمس الْعَدَاوَة حَتَّى يُسْتَقَادَ لَهُم ... وأعظَمُ النَّاس أحلاماً إِذا قَدرُوا)
فَقَالَ عبد الْملك خُذ بيدَيْهِ يَا غُلَام فَأخْرجهُ ثمَّ ألق عَلَيْهِ من الْخلْع مَا يغمره وَأحسن جائزته ثمَّ قَالَ إِن لكل قوم شَاعِرًا وَإِن شَاعِر بني أُميَّة الأخطل
وَقَالَ أَبُو عبد الْملك كَانَت بكر بن وَائِل إِذا تشاجرت فِي شَيْء رضيت بالأخطل وَكَانَ يدْخل الْمَسْجِد فَيقومُونَ إِلَيْهِ ورأيته بالجزيرة وَقد شكى إِلَيّ القس وَقد أَخذ بلحيته وضربه بعصاه وَهُوَ يصئ كَمَا يصئ الفرخ فَقلت لَهُ أَيْن هَذَا مِمَّا كنت عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ يَا ابْن أخي إِذا جَاءَ الدّين ذللنا
وَحدث إِسْحَاق بن عبد الله المطلبي قَالَ قدمت الشَّام وَأَنا شَاب مَعَ أبي فَكنت أَطُوف فِي كنائسها ومساجدها فَدخلت كَنِيسَة دمشق فَإِذا الأخطل فِيهَا مَحْبُوس فَسَأَلَ عني فَأخْبر بنسبي فَقَالَ يَا فَتى إِنَّك رجل شرِيف وَأَنا أَسَالَك حَاجَة فَقلت حَاجَتك مقضية فَقَالَ إِن القس قد حَبَسَنِي هُنَا فتكلمه ليخلي عني فَأتيت القس فانتسبت لَهُ فَرَحَّبَ بِي وَعظم فَقلت إِن لي إِلَيْك حَاجَة قَالَ وَمَا حَاجَتك فَقلت الأخطل تخلى عَنهُ فَقَالَ أُعِيذك بِاللَّه من هَذَا فَإِن مثلك لَا يتَكَلَّم فِيهِ فَإِنَّهُ فَاسق يشْتم أَعْرَاض النَّاس ويهجوهم فَلم أزل أطلب إِلَيْهِ حَتَّى مضى مُتكئا على عَصَاهُ فَوقف عَلَيْهِ وَرفع عَصَاهُ وَقَالَ يَا عَدو الله أتعود تَشْتُم النَّاس وتهجوهم وتقذف الْمُحْصنَات وَهُوَ يَقُول لست بعائد وَلَا أفعل ويستخزي لَهُ فَقلت يَا أَبَا مَالك النَّاس يهابونك والخليفة يكرمك وقدرك فِي النَّاس رفيع وَأَنت تخضع لهَذَا هَذَا الخضوع وتستخزي لَهُ قَالَ فَجعل يَقُول لي إِنَّه الدّين
وَحدث الْهَيْثَم قَالَ كَانَت امْرَأَة الأخطل حَامِلا وَكَانَ متمسكاً بِدِينِهِ فَمر
стр. 271
بِهِ الأسقف يَوْمًا فَقَالَ لَهَا الحقيه فتمسحي بِهِ فعدت وَرَاءه فَلم تلْحق إِلَّا ذَنْب حِمَاره فتمسحت بِهِ وَرجعت فَأَخْبَرته فَقَالَ لَهَا هُوَ وذنب حِمَاره سَوَاء
وَسمع هِشَام الأخطل وَهُوَ يَقُول
(وَإِذا افتقرتَ إِلَى الذَّخائِرِ لم تَجِد ... ذُخْراً يكون كصالح الْأَعْمَال) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ هَنِيئًا لَك يَا أَبَا مَالك هَذَا الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا زلت مُسلما فِي ديني
وَحدث أَبُو مُحَمَّد اليزيدي قَالَ خرج الفرزدق يَوْمًا يؤم بعض مُلُوك بني أُميَّة فَرفع لَهُ فِي طَرِيقه بَيت أَحْمَر من أَدَم فَدَنَا مِنْهُ وَسَأَلَ فَقيل لَهُ الأخطل فاستقرى فَقيل لَهُ انْزِلْ فَقَامَ إِلَيْهِ الأخطل وَهُوَ لَا يعرف إِلَّا أَنه ضيف فَجَلَسَا يتحادثان فَقَالَ لَهُ الأخطل مِمَّن الرجل قَالَ من تَمِيم قَالَ فَأَنت إِذن من رَهْط أخي الفرزدق فَهَل تحفظ من شعره شَيْئا قلت نعم كثيرا فَمَا زَالا يتناشدان ويتعجب الأخطل من حفظه شعر الفرزدق إِلَى أَن عمل فِيهِ الشَّرَاب وَقد كَانَ الأخطل قَالَ لَهُ قبل ذَلِك أَنْتُم معشر الحنيفية لَا ترَوْنَ أَن تشْربُوا من شرابنا فَقَالَ الفرزدق
(خَفِّضْ عَلَيْك قَليلاً ... وهاتِ لي من شرابك) // المجتث //
فَلَمَّا عملت الراح فِيهِ قَالَ وَالله أَنا الَّذِي أَقُول فِي جرير وأنشده فَقَامَ الأخطل وَقبل رَأسه وَقَالَ لَا جَزَاك الله عني خيرا لم كتمتني نَفسك مُنْذُ الْيَوْم وأخذا فِي شرابهما وتناشدا إِلَى أَن قَالَ لَهُ الأخطل وَالله إِنَّك وإياي لأشعر من جرير وَلكنه أُوتِيَ من سير الشّعْر مَا لم نؤته قلت أَنا بَيْتا مَا أعلم أحدا
стр. 272
قَالَ أهجى مِنْهُ قلت وَمَا هُوَ قَالَ الأخطل قلت
(قَومٌ إِذا اسْتَنْبَحَ الأضيافُ كلبهُمُ ... قَالُوا لأمِّهُم بولِي على النَّار) // الْبَسِيط //
فَلم يروه إِلَّا حكماء أهل الشّعْر وَقَالَ هُوَ
(والتَّغْلَبيُّ إِذا تَنحنَح للقِرى ... حَكَّ استْهُ وتمثل الامثالا) // الْكَامِل //
فَلم تبْق سفلَة وَلَا أَمْثَالهَا إِلَّا رَوَوْهُ قَالَ فقضوا لَهُ أَنه أَسِير شعرًا مِنْهُمَا
وَعَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ قيل إِنَّه لما حضرت الأخطل الْوَفَاة قيل لَهُ يَا أَبَا مَالك أَلا توصي قَالَ بلَى ثمَّ قَالَ
(أُوَصِّي الفَرزدقَ عِنْد المماتِ ... بِأم جَريرٍ وأعْيارِها)
(وزارَ القبورَ أَبُو مالكٍ ... برغم العداة واوتارها) // المتقارب //
٤٩ - (أقولُ لَهُ ارحَلْ لَا تقيمن عندنَا ... وَإِلَّا فكُنْ فِي السِّر والجهرِ مُسلِما)
الْبَيْت من الطَّوِيل وَلَا أعرف قَائِله وَكَذَلِكَ ذكر الْعَيْنِيّ فِي شواهده
وَمَعْنَاهُ إِن لم ترحل فَكُن على مَا يكون عَلَيْهِ الْمُسلم من اسْتِوَاء الْحَالين فِي السهر والجهر
وَالشَّاهِد فِيهِ كَون الجملتين بَينهمَا كَمَال الِاتِّصَال لكَونه الثَّانِيَة أوفى بتأدية المُرَاد من الأولى فَنزلت منزلَة بدل الاشتمال فَلم تعطف عَلَيْهَا وهما هَهُنَا قَوْله ارحل وَقَوله لَا تقيمن عندنَا لِأَن فِي قَوْله ارحل كَمَال إِظْهَار الْكَرَاهَة لإِقَامَة الْمُخَاطب وَقَوله لَا تقيمن عندنَا أَو فِي بتأدية المُرَاد لدلالته على إِظْهَار الْكَرَاهَة لإقامته بالمطابقة مَعَ التَّأْكِيد الْحَاصِل من اللَّفْظَيْنِ
стр. 273
٥٠ - (أقسَمَ بِاللَّه أَبُو حَفْصٍ عمر ... )
هُوَ من الرجز قَائِله أَعْرَابِي وَبعده
(مَا إِن بهَا من نَقبٍ وَلَا دَبَرْ ... اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ إِن كَانَ فجر) الرجز
يرْوى أَن هَذَا الْأَعرَابِي جَاءَ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ إِن أَهلِي ببادية بعيدَة وَإِنِّي على نَاقَة دبراء عجفاء نقباء واستحمله فَظَنهُ كَاذِبًا فَلم يحملهُ فَانْطَلق الْأَعرَابِي فَحل نَاقَته ثمَّ اسْتقْبل الْبَطْحَاء وَجعل يَقُول الأبيات وَعمر ﵁ مقبل من أَعلَى الْوَادي فَجعل إِذا قَالَ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ إِن كَانَ فجر قَالَ اللَّهُمَّ صدق حَتَّى التقيا فَأخذ بِيَدِهِ وَقَالَ لَهُ ضع عَن راحلتك فَوضع فَإِذا هِيَ كَمَا وصف فَحَمله على بعير وزوده وكساه
والنقب رقة الأخفاف والدبر قرحَة الدَّابَّة
وَالشَّاهِد فِيهِ جعل عمر بَيَانا وتوضيحاً لأبي حَفْص
٥١ - (وتَظُنُّ سَلمى أنني أبغي بهَا ... بَدَلاً أَرَاهَا فِي الضلال تهيمُ)
الْبَيْت من الْكَامِل وَلَا أعرف قَائِله وَكَذَلِكَ ذكر الْعَيْنِيّ أَيْضا والضلال ضد الْهدى
стр. 274
وَالشَّاهِد فِيهِ عدم عطف الْجُمْلَة الثَّانِيَة لكَونه موهماً لَهُ على غَيرهَا لِأَن بَين الجملتين الخبريتين وهما وتظن سلمى واراها مُنَاسبَة ظَاهِرَة لاتحادهما فِي الْمسند لِأَن معنى أَرَاهَا أظنها والمسند إِلَيْهِ فِي الأولى مَحْبُوب وَفِي الثَّانِيَة محب فَلَو عطف أَرَاهَا على تظن لتوهم أَنه عطف على أبغى وَهُوَ أقرب إِلَيْهِ فَيكون من مظنونات سلمى وَلَيْسَ كَذَلِك
(قَالَ لي كَيفَ أَنْت قُلتُ عَليلُ ... سَهرٌ دَائِم وحزن طَوِيل)
الْبَيْت من الْخَفِيف وَتقدم فِي شَوَاهِد الْمسند إِلَيْهِ
وَالشَّاهِد فِيهِ هُنَا وُقُوع الْجُمْلَة الثَّانِيَة مستأنفة جَوَابا عَن الْجُمْلَة الأولى المتضمنة للسؤال عَن سَبَب مُطلق أَي مَا بَال علتك فَقَالَ سهر وَذَلِكَ لِأَن الْعَادة جرت بِأَنَّهُ إِذا قيل فلَان عليل أَن يسْأَل عَن سَبَب علته لَا أَن يُقَال هَل سَبَب علته كَذَا وَكَذَا لَا سِيمَا السهر والحزن فَإِنَّهُ قَلما يُقَال هَل سَبَب مَرضه السهر والحزن لِأَنَّهُ أبعد أَسبَابه فَعلم أَن السُّؤَال عَن السَّبَب الْمُطلق دون السَّبَب الْخَاص وَعدم التوكيد يشْعر بِهِ
وَمثله قَول أبي الْعَلَاء المعري
(وَقد غَرِضْتُ من الدُّنْيَا فَهَل زمني ... مُعط حَياتِي لِغرٍّ بَعْدَمَا غَرضَا)
(جرَّبتُ دهري وأهْليهِ فَمَا تَركَتْ ... لِيَ التجاربُ فِي وُدِّ امْرِئ غَرضا) // الْبَسِيط //
стр. 275
أَي لم تَقول هَذَا وَمَا ألجأك إِلَيْهِ فَقَالَ جربت إِلَخ
٥٢ - (زعَمَ العَواذلُ أنني فِي غَمْرَةٍ ... صَدَقوا وَلَكِن غْمَرتي لَا تَنْجَلي)
الْبَيْت من الْكَامِل وَلَا أعرف قَائِله
والعواذل جمع عاذلة بِمَعْنى جمَاعَة عاذلة لَا امْرَأَة عاذلة بِدَلِيل قَوْله صدقُوا وغمرة الشَّيْء شدته ومزدحمه
وَالشَّاهِد فِيهِ وُقُوع الْجُمْلَة المستأنفة جَوَابا للسؤال عَن غير سَبَب مُطلق أَو خَاص كَأَنَّهُ قيل اصدقوا فِي هَذَا الزَّعْم أم كذبُوا فَقَالَ صدقُوا وفصله عَمَّا قبله لكَونه استئنافاً
وَمِنْه قَول جُنْدُب بن عمار
(زعمَ العواذِلُ أَن ناقةَ جُندَبٍ ... بجَنوب خَبْتٍ عُرَّيَتْ وأُجِمَّتِ)
(كذبَ العواذل لَو رأينَ مُناخنَا ... بالقادسيَّةِ قُلْنَ لَجَّ وذلت) // الْكَامِل //
وَمثله قَول لبيد
(عَرَفْتُ الْمنزل الْخَالِي ... عَفا من بعْدِ أحوالِ)
стр. 276
(عفاه كل هَتّان ... عَسوف الوبْلِ هَطَّالِ) // الهزج //
وَقَول أبي الطّيب المتنبي
(وَمَا عفتِ الرياحُ لَهُم مَحَلاً ... عفاه مَن حدا بهمُ وساقا) // الوافر //
٥٣ - (زعمتم أَن إخوتكم قُرَيْشٌ ... لَهُمْ إِلْفٌ وَلَيْسَ لكم إلاف)
الْبَيْت لمساور بن هِنْد بن قيس بن زُهَيْر من الوافر يهجو بني أَسد وَبعده
(أُولَئِكَ أومِنُوا جُوعاً وخَوْفاً ... وَقد جاعتْ بَنو أَسد وخافوا) // الوافر //
والزعم ادِّعَاء الْعلم وَمِنْه قَوْله ﷺ (زَعَمُوا مَطِيَّة الْكَذِب) وَعَن شُرَيْح ﵀ لكل شَيْء كنية وكنية الْكَذِب زَعَمُوا لَكِن سِيبَوَيْهٍ ﵀ يكثر فِي كِتَابه من قَول زعم الْخَلِيل لَا يُرِيد بذلك إبِْطَال قَوْله وَقَالَ أَبُو طَالب للنَّبِي ﷺ
(ودعوتَنِي وزعمْتَ أَنَّك صادقٌ ... وَلَقَد صدقتَ وكنتَ ثَمَّ أمينَا) // الْكَامِل //
وقريش هِيَ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة سموا بذلك لتجمعهم فِي الْحرم أَو لأَنهم كَانُوا يتقرشون المبتاعات فيشترونها أَو لَان النَّضر بن كنَانَة اجْتمع فِي ثَوْبه فَقيل تقرش أَو لِأَنَّهُ جَاءَ إِلَى قومه فَقَالُوا كَأَنَّهُ جملٌ قُرَيْش أَي شَدِيد أَو سموا بمصغر القرش وَهُوَ دَابَّة بحريّة تخافها دَوَاب الْبَحْر كلهَا والإلف
стр. 277
والإيلاف الْعَهْد وَشبه الْإِجَازَة بالخفارة وَأول من أَخذهَا هَاشم من ملك الشَّام فَكَانَ هَاشم يولف إِلَى الشَّام وَعبد شمس إِلَى الْحَبَشَة وَالْمطلب إِلَى الْيمن وَنَوْفَل إِلَى فَارس وَكَانَ تجار قُرَيْش يتخلفون إِلَى هَذِه الْأَمْصَار بحبال هَذِه الْإِخْوَة فَلَا يتَعَرَّض لَهُم أحد وَكَانَ كل أَخ مِنْهُم قد أَخذ حبلاً من ملك نَاحيَة سَفَره أَمَانًا لَهُ
وَالشَّاهِد فِيهِ حذف الِاسْتِئْنَاف وَقيام شَيْء مقَامه فكأنهم قَالُوا أصدقنا فِي هَذَا الزَّعْم أم كذبنَا فَقيل كَذبْتُمْ فَحذف هَذَا الِاسْتِئْنَاف وأقيم قَوْله لَهُم إلْف وَلَيْسَ لكم إلاف مقَامه لدلالته عَلَيْهِ
ومساور بن هِنْد بن قيس بن زُهَيْر الْعَبْسِي شَاعِر وَكَانَ جده قيس مَشْهُورا فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا سِيمَا فِي حَرْب داحس والغبراء وَذكر الْأَصْمَعِي مَا يدل على أَن لَهُ إدراكاً للنَّبِي ﷺ قَالَ وَكَانَ نَحْو أبي عَمْرو بن الْعَلَاء رحمهمَا الله فِي السن وَقَالَ حَدثنِي من رأى مساور بن هِنْد أَنه ولد فِي حَرْب داحس والغبراء قبل الْإِسْلَام بِخَمْسِينَ عَاما وَذكره المرزباني فِي مُعْجم الشُّعَرَاء وَذكر لَهُ قصَّة مَعَ عبد الْملك بن مَرْوَان وَفِي حِكَايَة الْأَصْمَعِي أَنه لما عمر صغرت عَيناهُ وَكَبرت أذنَاهُ فَجعلُوا فِي بَيت صَغِير ووكلوا بِهِ امْرَأَة فَرَأى ذَات
стр. 278
يَوْم غَفلَة فَخرج فَجَلَسَ فِي وسط الْبَيْت وكوم كومة من تُرَاب ثمَّ أَخذ بعرتين فَقَالَ هَذِه فُلَانَة وَهَذِه فُلَانَة ثمَّ أحس بِالْمَرْأَةِ فَقَامَ وهرب وَقَالَ الْأَصْمَعِي بَلغنِي أَنه أَتَى بِهِ إِلَى الْحجَّاج فَقَالَ لَهُ مَا تصنع بِقَوْلِك الشّعْر وَقد كَبرت فَقَالَ أَسْقِي بِهِ المَاء وأرعى بِهِ الْكلأ وتقضي لي بِهِ الْحَاجة فَإِن كفيتني ذَلِك تركته
وَقَالَ المرزباني كَانَ أَعور وَهُوَ من الْمُتَقَدِّمين فِي الْإِسْلَام هُوَ وَأَبوهُ وجده أَشْرَاف من بني عبس شعراء فرسَان وَهُوَ الْقَائِل
(جزى الله خيرا غَالِبا من قَبيلَةٍ ... إِذا حَدَثانُ الدَّهْر نابت نوائِبهْ)
(إِذا أخذت بُزْلُ الْمَخَاض سِلاحَها ... تجرد فيهم مُتْلفَ المالِ كاسبه) // الطَّوِيل //
يُقَال أخذت الْإِبِل سلاحها إِذا استحياها صَاحبهَا فَلم يذبحها
(ثَلَاثَة تشرق الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا ... )
هُوَ من الْبَسِيط وَتَمَامه
(شمسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاق والقمرُ ... )
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي شَوَاهِد الْمسند
وَالشَّاهِد فِيهِ هُنَا بَيَان أَن الْجَامِع بَين الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِيهِ وهمي وَهُوَ مَا بَينهَا من شبه التَّمَاثُل حمل الْوَهم على أَن يحتال فِي اجتماعها فِي المفكرة وإبرازها فِي معرض الْأَمْثَال مُتَوَهمًا أَنَّهَا من نوع وَاحِد وَإِنَّمَا اخْتلفت بالعوارض والمشخصات بِخِلَاف الْعقل فَإِنَّهُ إِذا خلى وَنَفسه حكم بِأَن كلا مِنْهَا من نوع
стр. 279
آخر وَإِنَّمَا اشتركت فِي عَارض هُوَ إشراق الدُّنْيَا ببهجتها على أَن ذَلِك فِي أبي إِسْحَاق مجَاز
وَنَظِيره قَول الآخر
(إِذا لم يكن للمرءِ فِي الْخلق مطمعٌ ... فذو التَّاج والسقَّاءُ والذَرُّ واحدُ) // الطَّوِيل //
٥٤ - (فَلَمَّا خَشِيتُ أظَافِيرَهُمْ ... نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا) الْبَيْت لعبد الله بن همام السَّلُولي من المتقارب وَبعده
(عريفاً مُقيما بدَارِ الهوان ... أهوِنْ عليَّ بِهِ هَالكا) // المتقارب // وَهَذَانِ البيتان من جملَة أَبْيَات مِنْهَا
(فقلتُ أجرْني أَبَا خالدٍ ... وإلاّ تجدني امْرأ هَالكا) // المتقارب //
يُرِيد بَابي خَالِد هُنَا يزِيد بن مُعَاوِيَة وَالَّذِي خشيه عبيد الله بن زِيَاد وَكَانَ قد توعده فهرب إِلَى الشَّام واستجار بِيَزِيد فَأَمنهُ وَكتب إِلَى عبيد الله يَأْمُرهُ بالصفح عَنهُ وَمَالك الْمَذْكُور هُوَ عريفه والأظافير جمع ظفر وأظفور وَيجمع أَيْضا على أظفار
وَالْمعْنَى لما خشيت حَملته وإنشاب أَظْفَاره ونجوت وخليت بَينه وَبَين مَالك
وَالشَّاهِد فِيهِ دُخُول وَاو الْحَال على الْمُضَارع الْمُثبت الْمُمْتَنع دُخُولهَا عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة الفعلية الْوَاقِعَة حَالا من ضمير صَاحبهَا الْغَيْر الخالية مِنْهُ إِذْ قد قيل إِنَّه عَليّ حذف الْمُبْتَدَأ أَي وَأَنا أرهنهم فَتكون اسميه فَيصح دُخُولهَا وَعَلِيهِ
стр. 280
قَوْله تَعَالَى ﴿لم تؤذونني وَقد تعلمُونَ أَنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم﴾ أَي وَأَنْتُم قد تعلمُونَ وَقيل ضَرُورَة وَقَالَ عبد القاهر هِيَ فِيهِ للْعَطْف وَالْأَصْل ورهنتهم عدل إِلَى الْمُضَارع لحكاية حَال مَاضِيَة وَمَعْنَاهُ أَنه يفْرض مَا كَانَ فِي الزَّمن الْمَاضِي وَاقعا فِي هَذَا الزَّمَان فَعبر عَنهُ بِلَفْظ الْمُضَارع كَمَا فِي قَول الشَّاعِر
(وَلَقَد أمرَ عَليّ اللَّئِيم يسبني ... ) // الْكَامِل //
أَي مَرَرْت وروى وأرهنتهم وَالْأول رِوَايَة الْأَصْمَعِي وَاسْتَحْسنهُ ثَعْلَب
وَعبد الله هُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السَّلُولي الْكُوفِي من بني مرّة بن صعصعة
стр. 281
من قيس عيلان وَبَنُو مرّة يعْرفُونَ ببني سلول وَهِي أمّهم وَهِي بنت ذهل ابْن شَيبَان بن ثَعْلَبَة وهم رَهْط أبي مَرْيَم السَّلُولي وَكَانَت لَهُ صُحْبَة وَعبد الله هُوَ الْقَائِل فِي الفلاقس
(أقليّ عليَّ اللومَ يَا ابْنة مالكٍ ... وذُمِّي زَمَانا سادَ فِيهِ الفلاقسُ)
(وساعٍ مِن السلطانِ ليسَ بِناصحٍ ... ومحترسٍ من مثلهِ وهِو حارسُ)
وَهُوَ الْقَائِل ليزِيد بن مُعَاوِيَة لما مَاتَ أَبوهُ ﵁
(اصبرْ يزيدُ فقدْ فَارَقت ذامقة ... واشكرُ حباءَ الَّذِي بالملكِ ردّاكَا)
(لَا رُزْءَ أعظمُ بالأقوام إذْ عَلمُوا ... ممّا رُزِئْتَ وَلَا عُقبىَ كعقبَاكَا)
(أصبحتَ راعيَ أهلِ الدّين كلهمُ ... فأنتَ ترعاهمُ واللهُ يرعَاكَا)
(وَفِي مُعاويةَ الْبَاقِي لنَا خلَفٌ ... إِذَا نُعِيتَ وَلَا نسْمع بمنعاكا) // الْبَسِيط //
٥٥ - (خرجت مَعَ الْبَازِي عَلىَّ سَوَادُ ... ) قَائِله بشار بن برد من أَبْيَات من الطَّوِيل قَالَهَا فِي خَالِد بن برمك
стр. 282
وَكَانَ قد وَفد عَلَيْهِ وَهُوَ بِفَارِس فأنشده قَوْله
(أخَالدُ لمْ أهبطْ عليكَ بذِمّةِ ... سِوَى أنني عَافٍ وأنْتَ جَوَادُ)
(أخَالدُ إِنَّ الأجرَ والحمدَ حَاجَتي ... فأيَّهمَا تَأتي فأنْتَ عِمَادُ)
(فإِن تعطني أُفرغْ عَليكَ مدائحي ... وإنْ تأبَ لم تُضرَبْ عليَّ سدادُ)
(رِكَابي على حرْفِ وقلبي مشيع ... وَمَالِي بِأَرْضِ البَاخلينَ بلادُ)
(إِذَا أنْكرَتني بَلدةٌ أوْ نكرتهَا ... خَرَجْتُ مَعَ الْبَازِي على سَوَادُ)
فَدَعَا خَالِد بأَرْبعَة آلَاف فِي أَرْبَعَة أكياس فَوضع وَاحِدًا مِنْهَا عَن يَمِينه وَآخر عَن شِمَاله وَأخر بَين يَدَيْهِ وَآخر من وَرَائه وَقَالَ يَا أَبَا معَاذ هَل اسْتَقل الْعِمَاد فلمس الأكياس بيدَيْهِ ثمَّ قَالَ اسْتَقل وَالله أَيهَا الْأَمِير
وَمعنى الْبَيْت إِذا لم يعرف قدري أهل بَلْدَة وَلم أعرفهم خرجت عَنْهُم وفارقتهم متنكراً مصاحباً للبازي الَّذِي هُوَ أبكر الطُّيُور مُشْتَمِلًا على شَيْء من ظلمَة اللَّيْل غير منتظر لإسفار الصُّبْح فَقَوله عَليّ سَواد أَي بَقِيَّة من اللَّيْل
وَالشَّاهِد فِيهِ كَونه حَالا ترك فِيهِ الْوَاو
وَمثله قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت يمدح ابْن ذى يزن
(اشرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك َالتاجُ مرتفقاً ... فِي رَأَس غمْدَانَ دَارا منكَ محلالا)
стр. 283
وَالشَّاهِد فِي قَوْله عَلَيْك التَّاج وغمدان اسْم قصر بِالْيمن مَبْنِيّ على أَرْبَعَة أوجه أَحْمَر وأبيض وأصفر وأخضر وَفِي دَاخله قصر مَبْنِيّ بسبعة سقوف بَين كل سقفين أَرْبَعُونَ ذِرَاعا وَيرى ظله إِذا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس من ثَلَاثَة أَمْيَال والمحلال بِمَعْنى الْمنزل صِيغَة مُبَالغَة
وَمثله قَول الآخر يهجو خَطِيبًا
(لَقَدْ صبَرتْ للدُّلّ أعوادُ مِنْبرِ ... تَقُومُ عَلَيها فِي يَديكَ قَضيبُ)
وبشار بن برد بن يرجوخ يَنْتَهِي نسبه للهراسف وَكَانَ يرجوخ من طخارستان من سبي الْمُهلب بن أبي صفرَة ويكنى بشار أَبَا معَاذ وَمحله فِي الشّعْر وتقدمه طَبَقَات الْمُحدثين فِيهِ بِإِجْمَاع الروَاة ورياسته عَلَيْهِم من غير اخْتِلَاف فِي ذَلِك يُغني عَن وَصفه والإطالة بِذكرِهِ
وَهُوَ من شعراء مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية وَقد اشْتهر فيهمَا ومدح وهجا وَأخذ سني الجوائز مَعَ الشُّعَرَاء
وَعَن يحيى بن الجون الْعَبْدي رِوَايَة بشار بن برد قَالَ قَالَ بشار لما دخلت على الْمهْدي قَالَ لي فِيمَن تَعْتَد يَا بشار فَقلت أما اللِّسَان والزي فعربي وَأما الأَصْل فعجمي كَمَا قلت فِي شعري يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
(ونُبئتُ قوما بهمْ جِنّةٌ ... يقولونَ مَنْ ذَا وكنتُ العَلمْ)
стр. 284
(أَلا أَيهَا السائلي جَاهِلا ... لِيعرَفني أَنا أنفُ الكرمْ)
(نَمتْ فِي الكرَامِ بني عامرٍ ... فُرُوعي وأصلي قُريشُ العجمْ)
(وَإِنِّي لأغني مقامَ الْفَتى ... وأصبي الفتاةَ فَمَا تعتصم) // المتقارب //
قَالَ وَكَانَ أَبُو دلامة حَاضرا فَقَالَ كلا لوجهك أقبح من ذَلِك ووجهي مَعَ وَجهك فَقلت كلا وَالله مَا رَأَيْت رجلا أصدق على نَفسه وأكذب على جليسه مِنْك وَالله إِنِّي لطويل الْقَامَة عَظِيم الهامة تَامّ الألواح أسجح الْخَدين ولرب مسترخي المذروين للعين مِنْهُ مُرَاد مثلك قد جلس من الفتاة حجزةً وَجَلَست مِنْهَا حَيْثُ أُرِيد فَأَنت مثلي يَا مرقعان قَالَ فَسكت عني ثمَّ قَالَ لي الْمهْدي فَمن أَي الْعَجم أصلك قلت من أَكْثَرهَا فِي الفرسان وأشدها على الأقران أهل طخارستان فَقَالَ بعض الْقَوْم أُولَئِكَ الصغد فَقلت لَا الصغد تجار فَلم يردد ذَلِك الْمهْدي
وَكَانَ يلقب بالمرعث لقَوْله
(قَالَ ريم مرعت ... ساحِرُ الطرْف والنظرْ)
(لستَ وَالله نائلي ... قلت أَو يغلبَ القَدَرْ)
стр. 285
(أَنْتَ إِن رمْتَ وصلَنَا ... فَانْجُ هلْ يدْرك الْقَمَر) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَقيل لقب بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لقميصه جيبان جيب عَن يَمِينه وجيب عَن شِمَاله فَإِذا أَرَادَ لبسه ضمه عَلَيْهِ من غير أَن يدْخل رَأسه فِيهِ وَإِذا أَرَادَ نَزعه حل أزراره وَخرج مِنْهُ فشبهت تِلْكَ الْجُيُوب بالرعاث لاسترسالها وتدليها وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لقب بالمرعث لِأَنَّهُ كَانَت فِي آذانه وَهُوَ صَغِير رعاث وَاحِدهَا رعثة وَهِي القرط ورعثة الديك اللَّحْم المتدلي تَحت حنكه
وَقَالَ الْأَصْمَعِي كَانَ بشار ضخماً عَظِيم الْخلق وَالْوَجْه مجدوراً طَويلا جاحظ الحدقتين قد تغشاهما لحم أَحْمَر فَكَانَ أقبح النَّاس عمى وأفظعهم منْظرًا وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينشد صفق بيدَيْهِ وتنحنح وبصق عَن يَمِينه وشماله ثمَّ ينشد فَيَأْتِي بالعجب
وَقَالَ ولد بشار أعمى فَمَا نظر إِلَى الدُّنْيَا قطّ وَكَانَ يشبه الْأَشْيَاء فِي شعره بَعْضهَا بِبَعْض فَيَأْتِي بِمَا لَا يقدر البصراء أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ بشار الشّعْر وَلم يبلغ عشر سِنِين ثمَّ بلغ الْحلم وَهُوَ يخْشَى معرة اللِّسَان قَالَ وَكَانَ بشار يَقُول هجوت جَرِيرًا فَأَعْرض عني واستصغرني وَلَو أجابني لَكُنْت أشعر النَّاس
وَكَانَ بشار وَهُوَ صَغِير إِذا هجا قوما جاؤا إِلَى أَبِيه فشكوه إِلَيْهِ فيضربه ضربا مبرحاً فَكَانَت أمه تَقول كم تضرب هَذَا الصَّبِي الصَّغِير الضَّرِير أما ترحمه فَيَقُول بلَى وَالله إِنِّي لأرحمه وَلكنه يتَعَرَّض للنَّاس فيشكونه إِلَيّ فَسَمعهُ بشار فطمع فِيهِ فَقَالَ يَا أَبَت إِن هَذَا الَّذِي يشكونه إِلَيْك مني هُوَ قولي الشّعْر وَإِنِّي إِن أتممت عَلَيْهِ أغنيتك وَسَائِر أَهلِي فَإِذا شكوني فَقل لَهُم أَلَيْسَ الله يَقُول ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج﴾ فَلَمَّا أعادوا شكواه قَالَ لَهُم ذَلِك فانصرفوا وهم يَقُولُونَ فقه برد أَغيظ لنا من شعر بشار
وَحكى الْأَصْمَعِي أَن بشاراً كَانَ من أَشد النَّاس تبرماً بِالنَّاسِ وَكَانَ يَقُول
следующие страницы →