← Баляга

Баляга · id 6951

معاهد التنصيص على شواهد التلخيص

أبو الفتح العباسي

Полный текст (694 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من قيس عيلان وَبَنُو مرّة يعْرفُونَ ببني سلول وَهِي أمّهم وَهِي بنت ذهل ابْن شَيبَان بن ثَعْلَبَة وهم رَهْط أبي مَرْيَم السَّلُولي وَكَانَت لَهُ صُحْبَة وَعبد الله هُوَ الْقَائِل فِي الفلاقس (أقليّ عليَّ اللومَ يَا ابْنة مالكٍ ... وذُمِّي زَمَانا سادَ فِيهِ الفلاقسُ) (وساعٍ مِن السلطانِ ليسَ بِناصحٍ ... ومحترسٍ من مثلهِ وهِو حارسُ) وَهُوَ الْقَائِل ليزِيد بن مُعَاوِيَة لما مَاتَ أَبوهُ ﵁ (اصبرْ يزيدُ فقدْ فَارَقت ذامقة ... واشكرُ حباءَ الَّذِي بالملكِ ردّاكَا) (لَا رُزْءَ أعظمُ بالأقوام إذْ عَلمُوا ... ممّا رُزِئْتَ وَلَا عُقبىَ كعقبَاكَا) (أصبحتَ راعيَ أهلِ الدّين كلهمُ ... فأنتَ ترعاهمُ واللهُ يرعَاكَا) (وَفِي مُعاويةَ الْبَاقِي لنَا خلَفٌ ... إِذَا نُعِيتَ وَلَا نسْمع بمنعاكا) // الْبَسِيط // ٥٥ - (خرجت مَعَ الْبَازِي عَلىَّ سَوَادُ ... ) قَائِله بشار بن برد من أَبْيَات من الطَّوِيل قَالَهَا فِي خَالِد بن برمك

стр. 282

وَكَانَ قد وَفد عَلَيْهِ وَهُوَ بِفَارِس فأنشده قَوْله (أخَالدُ لمْ أهبطْ عليكَ بذِمّةِ ... سِوَى أنني عَافٍ وأنْتَ جَوَادُ) (أخَالدُ إِنَّ الأجرَ والحمدَ حَاجَتي ... فأيَّهمَا تَأتي فأنْتَ عِمَادُ) (فإِن تعطني أُفرغْ عَليكَ مدائحي ... وإنْ تأبَ لم تُضرَبْ عليَّ سدادُ) (رِكَابي على حرْفِ وقلبي مشيع ... وَمَالِي بِأَرْضِ البَاخلينَ بلادُ) (إِذَا أنْكرَتني بَلدةٌ أوْ نكرتهَا ... خَرَجْتُ مَعَ الْبَازِي على سَوَادُ) فَدَعَا خَالِد بأَرْبعَة آلَاف فِي أَرْبَعَة أكياس فَوضع وَاحِدًا مِنْهَا عَن يَمِينه وَآخر عَن شِمَاله وَأخر بَين يَدَيْهِ وَآخر من وَرَائه وَقَالَ يَا أَبَا معَاذ هَل اسْتَقل الْعِمَاد فلمس الأكياس بيدَيْهِ ثمَّ قَالَ اسْتَقل وَالله أَيهَا الْأَمِير وَمعنى الْبَيْت إِذا لم يعرف قدري أهل بَلْدَة وَلم أعرفهم خرجت عَنْهُم وفارقتهم متنكراً مصاحباً للبازي الَّذِي هُوَ أبكر الطُّيُور مُشْتَمِلًا على شَيْء من ظلمَة اللَّيْل غير منتظر لإسفار الصُّبْح فَقَوله عَليّ سَواد أَي بَقِيَّة من اللَّيْل وَالشَّاهِد فِيهِ كَونه حَالا ترك فِيهِ الْوَاو وَمثله قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت يمدح ابْن ذى يزن (اشرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك َالتاجُ مرتفقاً ... فِي رَأَس غمْدَانَ دَارا منكَ محلالا)

стр. 283

وَالشَّاهِد فِي قَوْله عَلَيْك التَّاج وغمدان اسْم قصر بِالْيمن مَبْنِيّ على أَرْبَعَة أوجه أَحْمَر وأبيض وأصفر وأخضر وَفِي دَاخله قصر مَبْنِيّ بسبعة سقوف بَين كل سقفين أَرْبَعُونَ ذِرَاعا وَيرى ظله إِذا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس من ثَلَاثَة أَمْيَال والمحلال بِمَعْنى الْمنزل صِيغَة مُبَالغَة وَمثله قَول الآخر يهجو خَطِيبًا (لَقَدْ صبَرتْ للدُّلّ أعوادُ مِنْبرِ ... تَقُومُ عَلَيها فِي يَديكَ قَضيبُ) وبشار بن برد بن يرجوخ يَنْتَهِي نسبه للهراسف وَكَانَ يرجوخ من طخارستان من سبي الْمُهلب بن أبي صفرَة ويكنى بشار أَبَا معَاذ وَمحله فِي الشّعْر وتقدمه طَبَقَات الْمُحدثين فِيهِ بِإِجْمَاع الروَاة ورياسته عَلَيْهِم من غير اخْتِلَاف فِي ذَلِك يُغني عَن وَصفه والإطالة بِذكرِهِ وَهُوَ من شعراء مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية وَقد اشْتهر فيهمَا ومدح وهجا وَأخذ سني الجوائز مَعَ الشُّعَرَاء وَعَن يحيى بن الجون الْعَبْدي رِوَايَة بشار بن برد قَالَ قَالَ بشار لما دخلت على الْمهْدي قَالَ لي فِيمَن تَعْتَد يَا بشار فَقلت أما اللِّسَان والزي فعربي وَأما الأَصْل فعجمي كَمَا قلت فِي شعري يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ (ونُبئتُ قوما بهمْ جِنّةٌ ... يقولونَ مَنْ ذَا وكنتُ العَلمْ)

стр. 284

(أَلا أَيهَا السائلي جَاهِلا ... لِيعرَفني أَنا أنفُ الكرمْ) (نَمتْ فِي الكرَامِ بني عامرٍ ... فُرُوعي وأصلي قُريشُ العجمْ) (وَإِنِّي لأغني مقامَ الْفَتى ... وأصبي الفتاةَ فَمَا تعتصم) // المتقارب // قَالَ وَكَانَ أَبُو دلامة حَاضرا فَقَالَ كلا لوجهك أقبح من ذَلِك ووجهي مَعَ وَجهك فَقلت كلا وَالله مَا رَأَيْت رجلا أصدق على نَفسه وأكذب على جليسه مِنْك وَالله إِنِّي لطويل الْقَامَة عَظِيم الهامة تَامّ الألواح أسجح الْخَدين ولرب مسترخي المذروين للعين مِنْهُ مُرَاد مثلك قد جلس من الفتاة حجزةً وَجَلَست مِنْهَا حَيْثُ أُرِيد فَأَنت مثلي يَا مرقعان قَالَ فَسكت عني ثمَّ قَالَ لي الْمهْدي فَمن أَي الْعَجم أصلك قلت من أَكْثَرهَا فِي الفرسان وأشدها على الأقران أهل طخارستان فَقَالَ بعض الْقَوْم أُولَئِكَ الصغد فَقلت لَا الصغد تجار فَلم يردد ذَلِك الْمهْدي وَكَانَ يلقب بالمرعث لقَوْله (قَالَ ريم مرعت ... ساحِرُ الطرْف والنظرْ) (لستَ وَالله نائلي ... قلت أَو يغلبَ القَدَرْ)

стр. 285

(أَنْتَ إِن رمْتَ وصلَنَا ... فَانْجُ هلْ يدْرك الْقَمَر) // من مجزوء الْخَفِيف // وَقيل لقب بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لقميصه جيبان جيب عَن يَمِينه وجيب عَن شِمَاله فَإِذا أَرَادَ لبسه ضمه عَلَيْهِ من غير أَن يدْخل رَأسه فِيهِ وَإِذا أَرَادَ نَزعه حل أزراره وَخرج مِنْهُ فشبهت تِلْكَ الْجُيُوب بالرعاث لاسترسالها وتدليها وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لقب بالمرعث لِأَنَّهُ كَانَت فِي آذانه وَهُوَ صَغِير رعاث وَاحِدهَا رعثة وَهِي القرط ورعثة الديك اللَّحْم المتدلي تَحت حنكه وَقَالَ الْأَصْمَعِي كَانَ بشار ضخماً عَظِيم الْخلق وَالْوَجْه مجدوراً طَويلا جاحظ الحدقتين قد تغشاهما لحم أَحْمَر فَكَانَ أقبح النَّاس عمى وأفظعهم منْظرًا وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينشد صفق بيدَيْهِ وتنحنح وبصق عَن يَمِينه وشماله ثمَّ ينشد فَيَأْتِي بالعجب وَقَالَ ولد بشار أعمى فَمَا نظر إِلَى الدُّنْيَا قطّ وَكَانَ يشبه الْأَشْيَاء فِي شعره بَعْضهَا بِبَعْض فَيَأْتِي بِمَا لَا يقدر البصراء أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ بشار الشّعْر وَلم يبلغ عشر سِنِين ثمَّ بلغ الْحلم وَهُوَ يخْشَى معرة اللِّسَان قَالَ وَكَانَ بشار يَقُول هجوت جَرِيرًا فَأَعْرض عني واستصغرني وَلَو أجابني لَكُنْت أشعر النَّاس وَكَانَ بشار وَهُوَ صَغِير إِذا هجا قوما جاؤا إِلَى أَبِيه فشكوه إِلَيْهِ فيضربه ضربا مبرحاً فَكَانَت أمه تَقول كم تضرب هَذَا الصَّبِي الصَّغِير الضَّرِير أما ترحمه فَيَقُول بلَى وَالله إِنِّي لأرحمه وَلكنه يتَعَرَّض للنَّاس فيشكونه إِلَيّ فَسَمعهُ بشار فطمع فِيهِ فَقَالَ يَا أَبَت إِن هَذَا الَّذِي يشكونه إِلَيْك مني هُوَ قولي الشّعْر وَإِنِّي إِن أتممت عَلَيْهِ أغنيتك وَسَائِر أَهلِي فَإِذا شكوني فَقل لَهُم أَلَيْسَ الله يَقُول ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج﴾ فَلَمَّا أعادوا شكواه قَالَ لَهُم ذَلِك فانصرفوا وهم يَقُولُونَ فقه برد أَغيظ لنا من شعر بشار وَحكى الْأَصْمَعِي أَن بشاراً كَانَ من أَشد النَّاس تبرماً بِالنَّاسِ وَكَانَ يَقُول

стр. 286

الْحَمد لله الَّذِي حجب بَصرِي فَقيل لَهُ وَلم يَا أَبَا معَاذ قَالَ لِئَلَّا أرى من أبْغض وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ رجل يُقَال لَهُ حمدَان الْخَرَّاط فَاتخذ جَاما لإِنْسَان وَكَانَ بشار عِنْده فَسَأَلَهُ بشار أَن يتَّخذ لَهُ جَاما فِيهِ صُورَة طير يطير فاتخذه لَهُ وَجَاء بِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا فِي هَذَا الْجَام قَالَ صُورَة طير يطير فَقَالَ لَهُ قد كَانَ يَنْبَغِي أَن تتَّخذ فَوق هَذَا الطير طيرا من الْجَوَارِح كَأَنَّهُ يُرِيد صَيْده فَإِنَّهُ كَانَ أحسن قَالَ لم أعلم قَالَ بلَى قد علمت وَلَكِنَّك قد علمت أنني أعمى لَا أبْصر شَيْئا وتهدده بالهجاء فَقَالَ لَهُ حمدَان لَا تفعل فَإنَّك تندم قَالَ أَو تهددني أَيْضا قَالَ نعم قَالَ وَأي شَيْء تصنع بِي إِن هجوتك قَالَ أصورك على بَاب دَاري فِي صُورَتك هَذِه وَأَجْعَل من خَلفك قرداً ينكحك حَتَّى يمر بك الصَّادِر والوارد فَقَالَ بشار اللَّهُمَّ أخزه أَنا أمازحه وَهُوَ يَأْبَى إِلَّا الْجد وَحدث مُحَمَّد بن الْحجَّاج السوادي قَالَ كُنَّا عِنْد بشار وَعِنْده رجل ينازعه فِي اليمانية والمضرية إِذْ أذن الْمُؤَذّن فَقَالَ لَهُ بشار رويداً تفهم قَوْله فَلَمَّا قَالَ الْمُؤَذّن أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالَ لَهُ بشار أَهَذا الَّذِي نُودي باسمه مَعَ اسْم الله من مُضر هُوَ أم من صداء وعك وحمير فَسكت الرجل وَحدث حَمَّاد عَن أَبِيه قَالَ كَانَ بشار جَالِسا فِي دَار الْمهْدي وَالنَّاس ينتظرون الْإِذْن فَقَالَ بعض موَالِي الْمهْدي لمن حضر مَا عنْدكُمْ فِي قَول الله ﴿وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل أَن اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا﴾ فَقَالَ لَهُ بشار النَّحْل الَّتِي يعرفهَا النَّاس قَالَ هَيْهَات يَا أَبَا معَاذ النَّحْل بَنو هَاشم وَقَوله تَعَالَى ﴿يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ يَعْنِي الْعلم فَقَالَ لَهُ بشار أَرَانِي الله شرابك وطعامك وشفاءك مِمَّا يخرج من بطُون بني هَاشم فقد أوسعتنا

стр. 287

غثاثة فَغَضب وَشتم بشاراً فَبلغ الْمهْدي الْخَبَر فَدَعَا بهما وسألهما عَن الْقِصَّة فحدثه بشار بهَا فَضَحِك حَتَّى أمسك على بَطْنه ثمَّ قَالَ للرجل أجل فَجعل الله طَعَامك وشرابك مِمَّا يخرج من بطُون بني هَاشم فَإنَّك بَارِد غث وَدخل يزِيد بن مَنْصُور الْحِمْيَرِي على الْمهْدي وبشار بَين يَدَيْهِ ينشده قصيدة امتدحه بهَا فَلَمَّا فرغ مِنْهَا أقبل عَلَيْهِ يزِيد بن مَنْصُور وَكَانَت فِيهِ غَفلَة فَقَالَ لَهُ يَا شيخ مَا صناعتك فَقَالَ لَهُ أثقب اللُّؤْلُؤ فَضَحِك الْمهْدي ثمَّ قَالَ لبشار اعزب وَيلك أتتنادر على خَالِي قَالَ وَمَا أصنع بِهِ يرى شَيخا أعمى قَائِما ينشد الْخَلِيفَة شعرًا يسْأَله عَن صناعته ووقف بعض المجان على بشار وَهُوَ ينشد شعرًا فَقَالَ لَهُ اسْتُرْ شعرك هَذَا كَمَا تستر عورتك فَصَفَّقَ بشار بيدَيْهِ وَغَضب وَقَالَ لَهُ من أَنْت وَيلك قَالَ أَنا أعزّك الله رجلٌ من باهلة وأخوالي من سلول وأصهاري من عكل واسمي كلب ومولدي بأضاخ ومنزلي بنهر بِلَال فَضَحِك بشار وَقَالَ اذْهَبْ وَيلك فَأَنت عَتيق لؤمك قد علم الله أَنَّك استترت مني بحصون من حَدِيد وَحدث رجل من أهل الْبَصْرَة مِمَّن كَانَ يتَزَوَّج النهاريات قَالَ تزوجت امْرَأَة

стр. 288

مِنْهُنَّ فاجتمعت مَعهَا فِي علو بَيت وبشار تحتنا أَو كُنَّا فِي اسفل بَيت وبشار فِي علوه مَعَ امْرَأَة فنهق حمَار فِي الطَّرِيق فجاوبه حمَار آخر فِي بَيت الْجِيرَان وحمار فِي الدَّار فارتجت النَّاحِيَة بنهيقها وَضرب الْحمار الَّذِي فِي الدَّار بِرجلِهِ الأَرْض وَجعل يدقها دقاً شَدِيدا فَسمِعت بشاراً يَقُول للْمَرْأَة نفخ يعلم الله فِي الصُّور وَقَامَت الْقِيَامَة أما تسمعين كَيفَ يدق على أهل الْقُبُور حَتَّى يخرجُوا مِنْهَا وَلم تلبث أَن فزعت شَاة كَانَت فِي السَّطْح فَقطعت حبلها وعدت فَأَلْقَت طبقًا من نُحَاس فِيهِ غضارة إِلَى الدَّار فَانْكَسَرت فتطاير حمام ودجاج كَانَ فِي الدَّار لصوت الغضارة والطبق وَبكى من ذَلِك صبي فِي الدَّار فَقَالَ بشار صَحَّ يعلم الله الْخَبَر وَنشر أهل الْقُبُور من قُبُورهم أزفت يشْهد الله الآزفة وزلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا فعجبت من كَلَامه وغاطنى فسالت من الْمُتَكَلّم فَقيل لي بشار فَقلت قد علمت أَنه لَا يتَكَلَّم بِمثل هَذَا الْكَلَام غَيره وَمر بشار بِرَجُل قد رمحته بغلته وَهُوَ يَقُول الْحَمد لله شكرا فَقَالَ لَهُ بشار استزده يزدك وَمر قوم يحملون جَنَازَة وَهُوَ يسرعون الْمَشْي بهَا فَقَالَ مَا لَهُم مُسْرِعين أَترَاهُم قد سرقوها فهم يخَافُونَ أَن يلْحقُوا فتؤخذ مِنْهُم وَرفع غُلَامه إِلَيْهِ فِي حِسَاب نَفَقَته جلاء مرْآة عشرَة دَرَاهِم فصاح بِهِ بشار وَقَالَ وَالله مَا فِي الدُّنْيَا أعجب من جلاء مرْآة أعمى بِعشْرَة دَرَاهِم وَالله لَو صدأت عين الشَّمْس حَتَّى بَقِي الْعَالم فِي ظلمَة مَا بلغت أُجْرَة من يجلوها عشرَة دَرَاهِم وَعَن خَلاد قَالَ قلت لبشار إِنَّك لتجيء بالشي المهجر المتفاوت قَالَ

стр. 289

وَمَا ذَاك قلت لَهُ تَقول شعرًا تثير بِهِ النَّقْع وتخلع بِهِ الْقُلُوب مثل قَوْلك (إِذَا مَا غَضِبنا غَضبةً مُضَريَّةَ ... هَتكنا حجابَ الشَّمْس أَو قطَرَت دَمًا) (إِذَا مَا أعرَنا سيداً من قبيلةٍ ... ذُرى مِنبر صلَّى علينا وسلما) // الطَّوِيل // إِلَى أَن تَقول (ربابَةُ رَبْةُ البيتِ ... تصُبُّ الْخلّ فِي الزَّيْت) (لَهَا عَشرُ دجاجاتٍ ... وديكٌ حَسنُ الصَّوْت) // من الوافر المجزوء // فَقَالَ لكل شَيْء وجهٌ وَمَوْضِع فَالْقَوْل الأول جد وَهَذَا قلته فِي جاريتي ربابة وَأَنا لَا آكل الْبيض من السُّوق فربابة هَذِه لَهَا عشر دجاجات وديك فَهِيَ تجمع الْبيض وَتَحفظه فَهَذَا عِنْدهَا أحسن من قَول قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... عنْدك وَقَالَ هِلَال لبشار وَكَانَ صديقا لَهُ يمازحه إِن الله لم يذهب بصر أحد إِلَّا عوضه مِنْهُ شَيْئا فَمَا الَّذِي عوضك قَالَ الطَّوِيل العريض قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ لَا أَرَاك وَلَا أمثالك من الثُّقَلَاء ثمَّ قَالَ لَهُ يَا هِلَال أتطيعني فِي نصيحة أخصك بهَا قَالَ نعم قَالَ إِنَّك كنت تسرق الْحمير زَمَانا ثمَّ تبت وصرت رَافِضِيًّا فعد إِلَى سَرقَة الْحمير فَهِيَ وَالله خير لَك من الرَّفْض وَعَن أبي دهمان العلائي قَالَ مَرَرْت ببشار يَوْمًا وَهُوَ جَالس على بَاب

стр. 290

دَاره وَحده وَلَيْسَ مَعَه أحد وَبِيَدِهِ مخصرة يلْعَب بهَا وقدامه طبق فِيهِ تفاح وأترج فَلَمَّا رَأَيْته وَلَيْسَ عِنْده أحد تاقت نَفسِي إِلَى أَن أسرق مِمَّا بَين يَدَيْهِ فَجئْت من خَلفه قَلِيلا قَلِيلا وَهُوَ كافٌ يَده حَتَّى مددت يَدي لأتناول مِنْهُ فَرفع الْقَضِيب وَضرب بِهِ يَدي ضَرْبَة كَاد يكسرها فَقلت لَهُ قطع الله يدك يَا ابْن الفاعلة أَنْت الْآن أعمى فَقَالَ يَا أَحمَق فَأَيْنَ الْحس وَقعد إِلَى بشار رجلٌ فاستثقله فضرط عَلَيْهِ بشار ضرطة فَظن الرجل أَنَّهَا أفلتت مِنْهُ ثمَّ ضرط أُخْرَى فَقَالَ أفلتت ثمَّ ضرط ثَالِثَة فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا معَاذ مَا هَذَا فَقَالَ مَه أَرَأَيْت أم سَمِعت قَالَ لَا بل سَمِعت صَوتا قبيحاً فَقَالَ لَهُ لَا تصدق حَتَّى ترى وَحدث مُحَمَّد بن الْحجَّاج قَالَ جَاءَنَا بشار يَوْمًا وَهُوَ مُغْتَم فَقُلْنَا لَهُ مَا لَك مغتماً فَقَالَ مَاتَ حماري فرأيته فِي النّوم فَقلت لَهُ لم مت ألم أكن أحسن إِلَيْك فَقَالَ (سَيِّدي خُذ بِي أَتَانَا ... عِنْد بابِ الإِصبهاني) (تَيَّمتني ببنانٍ ... وبِدَلٍّ قد شجاني) (تَيَّمتني يَوْم رحنا ... بثناياها الحسان) (وبِغَنْجٍ وَدلالٍ ... سلَّ جسمي وبراني) (وَلها خدٌّ أَسيلٌ ... مثلُ خدِّ الشَّنْفَرَانِي) (فَلِذَا مُتُّ وَلَو عِشْت إِذاً طَال هواني ... ) // من مجزوء الرمل //

стр. 291

فَقلت لَهُ مَا الشنفراني قَالَ مَا يدريني هَذَا من غَرِيب الْحمار فَإِذا لَقيته فَاسْأَلْهُ عَنهُ وَقَالَ الجاحظ كَانَ بشارٌ يدين بالرجعة وَيكفر جَمِيع الْأُمَم ويصوب رَأْي إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة فِي تَقْدِيم عنصر النَّار على الطين وَذكر ذَلِك فِي شعره فَقَالَ (الأرضُ مظلمةٌ والنارُ مشرقةٌ ... والنارُ معبودةٌ مذ كانتِ النارُ) // الْبَسِيط // وَكَانَ الشَّرّ قد نشب بَين بشار وَحَمَّاد عجرد لأمور يطول ذكرهَا فَكَانَا يتقارضان الهجاء فأجمع عُلَمَاء الْبَصْرَة أَنه لَيْسَ فِي هجاء حَمَّاد عجرد لبشار شَيْء جيد إِلَّا أَرْبَعِينَ بَيْتا مَعْدُودَة ولبشار فِيهِ من الهجاء أَكثر من ألف بَيت جيد وكل وَاحِد مِنْهُمَا هُوَ الَّذِي هتك صَاحبه بالزندقة وأظهرها عَلَيْهِ وَكَانَا يَجْتَمِعَانِ عَلَيْهَا فَسقط حَمَّاد عجرد وتهتك بِفضل بلاغة بشار وجودة مَعَانِيه وَبَقِي بشار على حَاله لم يسْقط وَعرف مذْهبه فِي الزندقة فَقتل بِهِ وَكَانَ رجل من أهل الْبَصْرَة يدْخل بَين حَمَّاد وبشار على اتِّفَاق مِنْهُمَا وَرَضي بِأَن ينْقل إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا يَقُول الآخر من الشّعْر فَدخل يَوْمًا على بشار فَقَالَ لَهُ بشار إيه يَا فلَان مَا قَالَ ابْن الزَّانِيَة فِي من الشّعْر فأنشده (إِن تاه بَشَّار عَلَيْكُم فقد ... أمكنتْ بَشَّاراً من التِّيهِ) // السَّرِيع // فقاق بشار بِأَيّ شَيْء وَيحك فَقَالَ (وَذَاكَ إِذْ سميتُه باسمِهِ ... وَلم يكن حُرٌّ يُسَمِّيهِ) فَقَالَ سخنت عينه فَبِأَي شَيْء كنت أعرف إيه فَقَالَ (فَصَارَ إنِساناً بِذِكْرِي لهُ ... مَا يَبْتَغِي من بعدِ ذِكْرِيه)

стр. 292

فَقَالَ مَا صنع شَيْئا إيه وَيحك فَقَالَ (لم أهْجُ بَشَّاراً ولكنني ... هجوْتُ نَفسِي بِهِجَائِيهِ) فَقَالَ على هَذَا الْمَعْنى دَار وَحَوله حام إيه أَيْضا وَأي شَيْء قَالَ فأنشده (أَنت ابنَ بُرْدٍ مثل برد ... فِي النذالةِ والرَّذالَهْ) (مَن كَانَ مثلَ أبيكَ يَا ... أعمى أبوهُ فَلَا أبَاً لَهُ) // من مجزوء الْكَامِل // وَحدث خالدٌ الأرقط قَالَ أنْشد بشاراً رِوَايَته قَول جماد عجرد فِيهِ (دُعِيتَ إِلَى بُرْدٍ وَأنت لغيرِهِ ... فَهَبْكَ لِبُرْدٍ نكت أمّك من برد) // الطَّوِيل // فَقَالَ بشار لروايته هَا هُنَا أحد قَالَ لَا فَقَالَ أحسن وَالله مَا شَاءَ ابْن الزَّانِيَة وَقَالَ بشار يَوْمًا لراوية حَمَّاد مَا هجاني بِهِ الْيَوْم حَمَّاد فأنشده (أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عني الَّذِي والِدُهُ برد ... ) // الهزج // قَالَ صدق ابْن الفاعلة فَمَا قَالَ بعده فأنشده (إذَا مَا نُسِبَ الناسُ ... فَلَا قبلٌ وَلَا بعدُ) فَقَالَ كذب أَيْن الفاعلة وَأَيْنَ هَذِه العرضات من عقيل فَمَا قَالَ فأنشده (وأعمَى قلْطُبَانٌ مَا ... على قاذِفِهِ حَدُّ) فَقَالَ كذب ابْن الفاعلة بل ثَمَانُون جلدَة عَلَيْهِ هِيهِ فَقَالَ (وأعمى يُشْبِهُ القِرْدَ ... إِذا مَا عَمِىَ الْقِرْدُ)

стр. 293

فَقَالَ وَالله مَا أَخطَأ ابْن الزَّانِيَة حِين شبهني بقرد حَسبك حَسبك ثمَّ صفق بيدَيْهِ وَقَالَ مَا حيلتي يراني فيشبهني وَلَا أرَاهُ فأشبهه وَفِي حَمَّاد عجردٍ يَقُول بشار (مَا لُمْتُ حمّاداً على فسْقِهِ ... يَلومُهُ الجَاهلُ والْمَائِقُ) (وَمَا هُمَا مِنْ أيره واسته ... مَلَّكَهُ إِيّاهُمَا الخالِقُ) (مَا بَات إِلَّا فْوقَهُ فاسقٌ ... يَنيكه أَو تَحْتَهُ فَاسق) // السَّرِيع // قَالَ ابْن أبي سعيد وأبلغ مَا هجا بِهِ حَمَّاد عجرد بشاراً قَوْله (نَهارُه أخبثُ من ليلهِ ... ويومُهُ أَخبثُ مِنْ أمْسِهِ) (وَلَيْسَ بالْمُقْلِع عَن غَيِّهِ ... حَتَّى يُوارَي فِي ثرى رمسه) // السَّرِيع // قَالَ وَكَانَ أغْلظ على بشار من ذَلِك كُله وأوجعه لَهُ قَوْله فِيهِ (لوْ طُليَتْ جِلدَتُهُ عنَبراً ... لأفْسَدَتْ جِلدَتُهُ العنبرا) (أوْ طُلِيَتْ مِسكاً ذَكِياً إذَا ... تحوّلَ المسكُ عليهِ خرا) // السَّرِيع // قَالَ وَكَانَ حَمَّاد عجردٍ قد اتَّصل بِالربيعِ يُؤَدب وَلَده فَكتب إِلَيْهِ بشار رقْعَة فأوصلت إِلَى الرّبيع فَإِذا فِيهَا مَكْتُوب (يَا أَبَا الْفضل لَا تَنمْ ... وقعَ الذئبُ فِي الغنمْ) (إنَّ حَمَّادَ عَجرَدٍ ... إِن رَأى غفَلةً هجمْ) (بَينَ فَخذَيهِ حربةٌ ... فِي غِلَاف منَ الأدمْ) (إِنْ خَلَا الْبَيْتُ سَاعَةً ... مَجْمَجَ المِيمَ بالقَلَمْ) // من مجزوء الْخَفِيف // فَلَمَّا قَرَأَهَا الرّبيع قَالَ صيرني حَمَّاد دريئة الشُّعَرَاء أخرجُوا عني حماداً فَأخْرج

стр. 294

وَقد فعل مثل هَذَا بِعَيْنِه حَمَّاد عجرد بقطرب حِين اتخذ مؤدباً لبَعض ولد الْمهْدي وَكَانَ هُوَ يطْمع فِي ذَلِك فَلم يتم لَهُ لشهرته فِي النَّاس بِمَا قَالَه فِيهِ بشار فَلَمَّا تمكن قطرب فِي مَوْضِعه صَار حَمَّاد كالملقي على الرصد فَجعل يقوم وَيقْعد بقطرب فِي النَّاس ثمَّ أَخذ رقْعَة فَكتب فِيهَا (قُلْ لِلإمام جزَاكَ اللهُ صَالِحَة ... لَا تَجْمَعِ الدهرَ بينَ السخل والذِّيبِ) (السَخْلُ غِرٌّ وهمُّ الذئبِ فرْصته ... والذئبُ يعلمُ مَا فِي السخل من طيب) // الْبَسِيط // فَلَمَّا قَرَأَ الْمهْدي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قَالَ انْظُرُوا لَا يكون هَذَا الْمُؤَدب لوطياً ثمَّ قَالَ انفوه عَن الدَّار فَأخْرج عَنْهَا وَجِيء بمؤدب غَيره ووكل بولده تسعون خَادِمًا بنوابها يَحْفَظُونَهُ فَخرج قطرب هَارِبا مِمَّا شهر بِهِ إِلَى الكرج فَأَقَامَ هُنَالك إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ بشار بلغه أَن حماداً عليلٌ ثمَّ نعى إِلَيْهِ قبل مَوته فَقَالَ بشار (لَو عَاشَ حَمّادٌ لَهْونَا بهِ ... لَكنهُ صارَ إِلَى النَّارِ) // السَّرِيع // فَبلغ هَذَا الْبَيْت حماداً قبل مَوته وَهُوَ فِي السِّيَاق فَقَالَ يرد عَلَيْهِ (نُبئتُ بشاراً نعانِي وللموْتِ بِرَاني الخَالقُ البارِي ... ) (يَا لَيْتَني مِتُّ وَلم أهْجُهُ ... نَعمْ ولوْ صرتُ إِلَى النَّارِ) (وأيُّ خِزْيٍ هُوَ أخْزَى من أَن ... يُقَال لي يَا سِبّ بشار) // السَّرِيع // وَكَانَ حَمَّاد قد نزل بالأهواز على سليم بن سَالم فَأَقَامَ عِنْده مُدَّة مستتراً من

стр. 295

مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ثمَّ خرج من عِنْده يُرِيد الْبَصْرَة فَمر بشيراز فِي طَرِيقه فَمَرض بهَا فاضطر إِلَى الْمقَام بهَا بِسَبَب علته وَاشْتَدَّ مَرضه فَمَاتَ هُنَاكَ وَدفن على تلعة ثمَّ إِن الْمهْدي لما قتل بشاراً بالبطيحة اتّفق أَنه حمل إِلَى منزله مَيتا فَدفن مَعَ حَمَّاد على تِلْكَ التلعة فَمر بهما هِشَام الْبَاهِلِيّ الشَّاعِر الْبَصْرِيّ الَّذِي كَانَ يهاجي بشاراً فَوقف على قبريهما وَقَالَ (قدْ تبعَ الأعمَى قَفَا عَجْرَدٍ ... فأصبحَا جارَين فِي دَار) (قالتْ بقَاعُ الأَرْض لَا مَرْحباً ... بقُرْبِ حَمَادٍ وبشارِ) (تجاوَرَا بعدَ تنائِيهمَا ... مَا أبغضَ الجارَ إِلَى الجارِ) (صارَا جَمِيعًا فِي يَدي مالكٍ ... فِي النارِ والكافِرُ فِي النَّار) // السَّرِيع // وَكَانَ السَّبَب فِي قتل الْمهْدي بشاراً أَنه كَانَ نَهَاهُ عَن التشبيب فمدحه بقصيدة فَلم يحظ مِنْهُ بِشَيْء فهجاه فَقَالَ من قصيدة (خَليفةٌ يَزْني بعمّاتِهِ ... يَلْعَبُ بالدّبُّوقِ والصَّولجَانْ) (أَبدَلنَا الله بهِ غيرَهُ ... ودسَّ مُوسَى فِي حِرِ الخيزُرَانْ) // السَّرِيع // وأنشدها فِي حَلقَة يُونُس النَّحْوِيّ فسعى بِهِ إِلَى يَعْقُوب بن دَاوُد الْوَزير وَكَانَ بشار قد هجاه بقوله

стр. 296

(بنِي أميةَ هُبّوا طَالَ نوْمُكْمُ ... إنّ الخليفةَ يعقوبُ بنُ دَاوُد) (ضاعتْ خلافَتُكُمْ يَا قومُ فالْتَمِسُوا ... خَليفةَ الله بَين الزق وَالْعود) // الْبَسِيط // فَدخل يَعْقُوب على الْمهْدي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذَا الْأَعْمَى الملحد الزنديق قد هجاك قَالَ بِأَيّ شَيْء قَالَ بِمَا لَا ينْطق بِهِ لساني وَلَا يتوهمه فكري فَقَالَ بحياتي أَنْشدني إِيَّاه فَقَالَ وَالله لَو خيرتني بَين إنشادي إِيَّاه وَضرب عنقِي لاخترت ضرب عنقِي فَحلف عَلَيْهِ الْمهْدي بالأيمان الَّتِي لَا فسحة لَهُ فِيهَا فَقَالَ أما لفظا فَلَا ولكنني أكتب ذَلِك فَكَتبهُ وَدفعه فكاد ينشق غيظاً وَعمل على الانحدار إِلَى الْبَصْرَة لينْظر فِي أمرهَا وَمَا فِي فكره غير بشار فانحدر فَلَمَّا بلغ إِلَى البطيحة سمع أذاناً فِي وَقت إضحاء النَّهَار فَقَالَ انْظُرُوا مَا هَذَا الْأَذَان فَإِذا بشار سَكرَان فَقَالَ لَهُ يَا زنديق يَا عاض بظر أمه عجبت أَن يكون هَذَا من غَيْرك أتلهو بِالْأَذَانِ فِي غير وَقت صَلَاة وَأَنت سَكرَان ثمَّ دَعَا بِابْن نهيك فَأمره بضربه بِالسَّوْطِ فَضَربهُ بَين يَدَيْهِ على صدر الحراقة سبعين سَوْطًا أتْلفه فِيهَا فَكَانَ إِذا أَصَابَهُ السَّوْط يَقُول حس وَهِي كلمة تَقُولهَا الْعَرَب للشَّيْء إِذا أوجع فَقَالَ انْظُر إِلَى زندقته يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول حس وَلَا يَقُول بِسم الله فَقَالَ وَيلك أطعام هُوَ فأسمي عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ آخر أَفلا قلت الْحَمد لله فَقَالَ أَو نعْمَة هِيَ فَأَحْمَد الله عَلَيْهَا فَلَمَّا استوفى السّبْعين بَان الْمَوْت فِيهِ فألقي فِي سفينة حَتَّى مَاتَ ثمَّ رمى بِهِ فِي البطيحة فجَاء بعض أَهله فَحَمَلُوهُ إِلَى الْبَصْرَة فدفنوه إِلَى جَانب حَمَّاد عجرد كَمَا قدمْنَاهُ وَقَالَ أَبُو هِشَام الْبَاهِلِيّ فِيهِ (يَا بؤس ميتٍ لم يبكه أحدُ ... أجلْ وَلم يفتقدهُ مُفتَقِدُ)

стр. 297

(لَا أمُّ أَوْلَاده بَكتهُ وَلم ... يَبْكِ عَلَيْهِ لفُرقةٍ أحَدُ) (وَلَا ابنُ أختٍ يبكي وَلَا ابْن أَخ ... وَلَا حَميمٌ رَقَّتْ لَهُ كَبِدُ) (بَلْ زَعَمُوا أَن أهَلُه فَرحا ... لما أَتَاهُم نَعِيُّه سجدوا) // المنسرح // وَكَانَ بشار يُعْطي أَبَا الشمقمق فِي كل سنة مِائَتي دِرْهَم فاتاه فِي بعض السنين فَقَالَ لَهُ هَلُمَّ الْجِزْيَة يَا أَبَا معَاذ فَقَالَ وَيحك أوجزية هِيَ أَيْضا قَالَ هُوَ مَا تسمع فَقَالَ لَهُ بشار يمازحه أَنْت أفْصح مني قَالَ لَا قَالَ فَأعْلم مني بمثالب النَّاس قَالَ لَا قَالَ فأشعر مني قَالَ لَا قَالَ فَلم أُعْطِيك قَالَ لِئَلَّا أهجوك فَقَالَ لَهُ إِن هجوتني هجوتك فَقَالَ لَهُ أَبُو الشمقمق أَو هَكَذَا هُوَ قَالَ نعم فَقل مَا بدا لَك فَقَالَ أَبُو الشمقمق (إِني إِذا مَا شاعِرٌ هَجانيهْ ... ولَجَّ فِي القَوْلِ لَهُ لِسانِيهْ) (أدخَلْتُه فِي أسْتِ أمه علانيهْ ... بشارُ يَا بشار ... ... . .) // الرجز // وَأَرَادَ أَن يَقُول يَا ابْن الزَّانِيَة فَوَثَبَ بشار فَأمْسك فَاه وَقَالَ أَرَادَ وَالله أَن يَشْتمنِي ثمَّ دفع إِلَيْهِ مِائَتي دِرْهَم وَقَالَ لَا يسمعن مِنْك هَذَا الصّبيان وَحدث الْأَصْمَعِي قَالَ أَمر عقبَة بن سلم لبشار بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَأخْبر أَبُو الشمقمق بذلك فَوَافى بشاراً فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا معَاذ إِنِّي مَرَرْت بصبيان فَسَمِعتهمْ ينشدون (هللينه هللينه ... طعْنُ قِثَّاةٍ لتينَهْ) (إِن بشار بن برد ... تَيْس أعمى فِي سفينة) // من مجزوء الرمل // فَأخْرج لَهُ بشار مِائَتي دِرْهَم وَقَالَ خُذ هَذِه وَلَا تكن رِوَايَة للصبيان يَا أَبَا الشمقمق

стр. 298

وَلما ضرب بشار وَطرح فِي السَّفِينَة قَالَ لَيْت عين أبي الشمقمق تراني حَيْثُ يَقُول (إِن بشار بن برد ... تَيْس أعمى فِي سفينة) وَكَانَ قَتله سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة وَقد بلغ نيفاً وَتِسْعين سنة وَمن شعره قَوْله (طالَبْتُها دَيْناً فَضّنت بِهِ ... وأمسَكت قَلبي مَعَ الدينِ) (فَرُحتُ كالْعَيْرِ غَدا يَبْتَغِي ... قَرْناً فَلم يرجع بأذنينِ) (أعتقتُ مَا أمْلِكُ إِن لم أكُنْ ... أحب أَن ألقاكِ فالقَيْني) (وَالله لَو نِلْتُكِ لَا أتَّقي ... عينا لقَبَّلتُكِ أَلفَيْنِ) // السَّرِيع // قَوْله فرحت كالعير الْبَيْت مثل قَول بَعضهم (ذهبَ الحمارُ ليَستفيدَ لنفسهِ ... قرنا فآب وَمَاله أذنان) // الْكَامِل // وَمن شعره قَوْله (خيرُ إخوانِكَ المُشارك فِي المرِّ وأينَ الشَّريكُ فِي المر أيناش ... ) (الَّذِي إِن شَهِدْتَ سَرَّك فِي الحيِّ وَإِن غِبْتَ كانَ أذنا وعَينا ... ) (مثلُ سرِّ الياقوتِ إِن مسَّه النَّار جَلاهُ البلاءُ فازدادَ زَينَا ... ) (أَنْت فِي مَعشرٍ إِذا غبتَ عَنْهُم ... بَدَّلوا كل مَا يزينُكَ شيْنَا) (وَإِذا مَا رأَوْكَ قَالُوا جَميعاً ... أَنْت من أكْرم البَرَايا عَلَينا) (مَا أرَى للأنام وُدَّاً صَحِيحا ... عادَ كل الوِداد زوراً ومَيْنَا) // الْخَفِيف // ٥٦ - (فَقُلْتُ عَسى أَن تُبْصِريني كَأَنَّمَا ... بَنِىَّ حوالَيَّ الأسودُ الحوارِدُ) الْبَيْت من الطَّوِيل قَائِله الفرزدق من جملَة أَبْيَات قَالَهَا مُخَاطبا لزوجته النوار

стр. 299

وَكَانَ قد مكث زَمَانا لَا يُولد لَهُ فَعَيَّرْته بذلك وَأول الأبيات (وَقَالَت أراهُ وَاحِدًا لَا أَخا لَهُ ... يُؤَمِّلُهُ يَوْمًا هُوَ وَالِد) // الطَّوِيل // وَبعده الْبَيْت وَبعده (فَإِن تَميماً قبلَ أَن يلد الْحَصَا ... أقامَ زَمَانا وَهُوَ فِي النَّاس واحدُ) // الطَّوِيل // والحوارد من حرد إِذا غضب وَالشَّاهِد فِيهِ ترك الْوَاو فِي الْجُمْلَة الإسمية الحالية لدُخُول حرف على الْمُبْتَدَأ أيحصل بِهِ نوع من الارتباط وَهُوَ هُنَا كَأَن إِذْ لَو لم تدخل لما حسن الْكَلَام إِلَّا بِالْوَاو وَبني إِلَخ جملَة اسمية وَقعت حَالا من مفعول تبصرني وَمعنى حوالي فِي أكنافي وجوانبي وَهُوَ حَال من بنى لما فِي حرف التَّشْبِيه من معنى الْفِعْل ٥٧ - (وَالله يُبْقيك لنَا سالما ... بُردَاكَ تبجيلٌ وتَعظيمُ) الْبَيْت لِابْنِ الرُّومِي من قصيدة من السَّرِيع مِنْهَا قبل الْبَيْت (قَلَّ لَهُ الملْكُ وَلَو أَنه ... مجموعَةٌ فِيهِ الأقاليم) // السَّرِيع // والتبجيل التَّعْظِيم وَالشَّاهِد فِيهِ ترك الْوَاو فِي الْجُمْلَة الإسمية الحالية وَهِي برداك إِلَخ لوقوعها بعقب حَال مُفْرد وَهُوَ سالما إِذْ لَو لم يتقدمها لم يحسن فِيهَا ترك الْوَاو والحالان أَعنِي الْجُمْلَة وسالماً يجوز أَن يَكُونَا من الْأَحْوَال المترادفة وَهِي أَن تكون أَحْوَال المتداخلة وَهِي أَن يكون صَاحب الْحَال الْمُتَأَخِّرَة الِاسْم الَّذِي يشْتَمل عَلَيْهِ الْحَال السَّابِقَة مثل أَن يَجْعَل قَوْله برداك تَعْظِيم حَالا من الضَّمِير فِي سالما وَابْن الرُّومِي تقدم ذكره فِي شَوَاهِد الْمسند إِلَيْهِ

стр. 300

شَوَاهِد الإيجاز والإطناب والمساواة ٥٨ - (والعَيْشُ خَيرٌ فِي ظلال ... النوك مِمَّن عاشَ كَداً) الْبَيْت لِلْحَارِثِ بن حلزة الْيَشْكُرِي من الْكَامِل الْمُضمر المرقل وَقَبله (فَعش بجَدٍّ لَا يَضرك ... النَّوْكُ مَا أوُلِيتَ جدا) // الْكَامِل // ... والنوك بِضَم النُّون وَفتحهَا الْحمق وَمعنى كداً مكدوداً متعوبا وَالشَّاهِد فِيهِ الْإِخْلَال لكَونه غير واف بالمراد إِذْ أصل مُرَاده أَن الْعَيْش الناعم فِي ظلال النوك خير من الْعَيْش الشاق فِي ظلال الْعقل وَلَفظه غير واف بذلك وَمَا أحسن قَول ابْن المعتز (وحَلاوَةُ الدُّنْيَا لِجَاهِلها ... ومَرَارة الدُّنْيَا لمن عقلا) // الْكَامِل // وَلأبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْفضل السّلمِيّ المرسي (عابوا الجَهَالةَ وازدَروا بحقُوقِها ... وتَهاوَنوا بحديثها فِي المجلِسِ) (وَهِي الَّتِي يَنْقَادُ فِي يَدِها الْغنى ... وتجيئُها الدُّنْيَا برَغم المعطسِ) (إنّ الْجَهَالَة للغنِي جَذَّابَةٌ ... جَذْبَ الحديدِ حِجارَةَ المغنطيس) // الْكَامِل // وَلأبي مُحَمَّد اليزيدي من أَبْيَات (عِشْ بجد وَلَا يصرك نوكٌ ... إِنَّمَا عَيْش من ترى بالجُدُودِ) (عَاشَ بجد وَكن هَبَنَّقَةَ العَبْسِيَّ نوكاً أَو شيْبةَ بن الوليدِ ... ) // الْخَفِيف // وَمَا أحسن قَول بَعضهم

стр. 301

(إِن الْمَقَادِير إِذا ساعدت ... ألحقت الْعَاجِز بالقادر) // السَّرِيع // وبديع قَول بَعضهم (بالجد يَسعى الفَتّى وإلَاّ ... فَلَيْسَ يُغني أبٌ وجَدُّ) (وَلَيْسَ يُجدي عَلَيك كَدٌّ ... مَا دَامَ يُكْدِي عَلَيْك جد) // من مخلع الْبَسِيط // وَمَا أحذق قَول ابْن لنكك (دنياكَ باتَتْ على الأحرارِ غاضِبَةً ... وطاوَعت كل صَفْعانٍ وضَرَّاطِ) // الْبَسِيط // وَقَوله أَيْضا (كن ساعياً ومُصافعاً ومُضارطاً ... تَنلِ الرغائب فِي الزَّمان وتَنْفُقِ) // الْكَامِل // ولمؤلفه من أَبْيَات (من يَبغ بالفَضل معاشاً يمت ... جوعَاً وَلَو كانَ بَديعَ الزمانِ) (وَمن يَقُدْ أَو يتَمسخَرْ يَعِشْ ... عَيْشًا رَخِيّاً فِي ظلال الأمانِ) (تبغي الحجا ثمَّ تروم الْغَنِيّ ... يَا قَلما تَجْتَمِع الضرتان) // السَّرِيع // ولطيف قَول بَعضهم (قد يُحَدُّ اللَّبيبُ عَن سَعَة الرزق ... وَقد يَسعدُ الضعيفُ بجده) (رُبَّ مَال أَتَى بأهوَنِ سَعي ... وكَدُودٍ لم يُغْنِه طول كده) // الْخَفِيف // وَلابْن نباتة السَّعْدِيّ (مَا بالُ طَعْم الْعَيْش عِنْد مَعاشِرٍ ... خلو وَعند معاشر كالعَلْقَم) (من لي بعيش الأغبياء فَإِنَّهُ ... لَا عيشَ إِلَّا عيشُ مَنْ لم يعلم) // الْكَامِل //

стр. 302

والْحَارث بن حلزة هُوَ من بني يشْكر من بكر بن وَائِل وَكَانَ أبرص وَهُوَ الْقَائِل (آذنَتنا بِبَينها أسماءُ ... رب ثاو يمل مِنْهُ الثواء) // الْخَفِيف // وَيُقَال إِنَّه ارتجلها بَين يَدي عَمْرو بن هِنْد ارتجالاً فِي شَيْء كَانَ بَين بكر وتغلب فِي الصُّلْح وَكَانَ ينشده من وَرَاء السجف للبرص الَّذِي كَانَ بِهِ فَأمر بِرَفْع السجف بَينه وَبَينه اسْتِحْسَانًا لَهُ وَكَانَ الْحَارِث متوكئاً على عنزة فأثرت فِي جسده وَهُوَ لَا يشْعر وَكَانَ لَهُ ابْن يُقَال لَهُ مذعور ولمذعور ابْن يُقَال لَهُ شهَاب ابْن مذعور وَكَانَ ناسباً وَفِيه يَقُول مِسْكين الدَّارمِيّ (هَلم إِلَى ابْن مَذْعورٍ شِهابٍ ... يُنَبئُ بالسفال وبالمعالي) // الوافر // قَالَ الْأَصْمَعِي قد أقوى الْحَارِث بن حلزة فِي قصيدته الَّتِي ارتجلها (فَمَلكْنا بذلك النَّاس إِذْ مَا ... مَلكَ المنذرُ بن مَاء السَّمَاء) قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلنْ يضر ذَلِك فِي هَذِه القصيدة لِأَنَّهُ ارتجلها فَكَانَت كالخطبة ٥٩ - (وألْفى قَولهَا كَذِباً وَمَيْنا ... ) هُوَ من الوافر وصدره

стр. 303

(وقدَّدَت الْأَدِيم لراهشيه ... ) وقائله عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ من قصيدة طَوِيلَة أَولهَا (أبُدِّلَتِ المنازلُ أم عنينا ... بقادم عهدِهنَّ فقد بَلِينَا) يَقُول فِيهَا يُخَاطب النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء (أَلا يَا أَيهَا المُثري المرَجَّى ... ألم تَسمع بخطب الأولينا) وَمِنْهَا وَيذكر غدر الزباء بجذيمة الأبرش (دَعَا بالبَّقَّةِ الأمراءَ يَوْمًا ... جذَيمةُ عَصْرَ يَنجوهمْ ثُبينا) (فطاوَع أمرَهم وعَصَى قَصيراً ... وكانَ يقولُ لَو تَبِع اليقينا) (ودسَّتْ فِي صحيفتها إِلَيْهِ ... ليمْلكَ بُضعَها وَلِأَن تَدِينا) (ففاجأها وَقد جَمعت فيوجاً ... على أبوابِ حِصْنٍ مُصْلِتينا) (فأرْدَتهُ ورُغْبُ النَّفس يُرْدِي ... ويبدي للفتى الحينَ المُبينا) (وحَدثتِ العَصا الأنباءَ عَنهُ ... وَلم أرَ مثلَ فارِسها هجينا) وَبعده الْبَيْت المستشهد بعجزه وَبعده

стр. 304

(وَمن حّذَر الملاوِم والمخازي ... وهنَّ المنْدِياتُ لمن منينا) (أطَفَّ لأنفه الموسَى قَصيرٌ ... لِيَجدعهُ وَكَانَ بِهِ ضنينا) (فأهواهُ لما رنه فأضحى ... طِلابَ الوِترِ مَجْدوعاً مَشِيناً) (وصادَفت امْرأ لم تخشَ مِنْهُ ... غوائِلهُ وَمَا أمِنَت أَمينا) (فَلَمَّا ارْتَدَّ مِنْهَا ارتَدَّ صُلباً ... يجُرُّ المالَ والصدرَ الضَّغينا) (أتتها العِيسُ تحملُ مَا دهاها ... وقنع فِي المسُوح الدارِعينا) (ودسَّ لَهَا على الأنْفَاق عَمراً ... بِشكَّته وَمَا خَشيت كمينا) (فَجَلَّلها قديمَ الأَثْرِ عَضْبا ... يَصكُّ بِهِ الحواجبَ واتجبينا) (فأضحَتْ من خزائنها كأنْ لم ... تكن زبَّاء حاملةً جَنِينا) (وأبرزها الْحَوَادِث والمنايا ... وَأي معمر لَا يبتلينا) (إِذا أمهلْنَ ذَا جَدٍّ عَظِيم ... عطفن عَلَيْهِ وَلَو فرَّطن حينا) (وَلم أجد الْفَتى يلهو بِشَيْء ... وَلَو أثرى وَلَو ولد البنينا) وَكَانَ من خبر جذيمة والزباء أَن جذيمة كَانَ من الْعَرَب الأولى من بني إياد كَمَا ذكره ابْن الْكَلْبِيّ وكنيته أَبُو مَالك وَكَانَ فِي أَيَّام مُلُوك الطوائف وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَ جذيمة بعد عِيسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ بِثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ قد ملك شاطئ الْفُرَات إِلَى مَا وإِلى ذَلِك إِلَى السوَاد سِتِّينَ سنة وَكَانَ بِهِ برص فهابت الْعَرَب أَن تصفه بذلك فَقَالُوا الأبرش والوضاح وَقيل سمي بذلك لِأَنَّهُ أَصَابَهُ حرق نَار فَبَقيَ أَثَره نقطاً سُودًا وحمراً وَكَانَ الْملك قبله أَبَاهُ وَهُوَ أول من ملك الْحيرَة وَكَانَ جذيمة هَذَا يُغير على مُلُوك الطوائف حَتَّى غلبهم

стр. 305

على كثير مِمَّا فِي أَيْديهم وَهُوَ أول من أوقد الشمع وَنصب المجانيق للحرب وَأول من اجْتمع لَهُ الْملك بِأَرْض الْعرَاق وَكَانَ قد قتل أَبَا الزباء وَغلب على غَالب ملكه وَأَلْجَأَ الزباء إِلَى أَطْرَاف مملكتها وَكَانَت عَاقِلَة أريبة فَبعثت إِلَيْهِ تخطبه لنَفسهَا ليتصل ملكه بملكها فدعته نَفسه إِلَى ذَلِك وَقيل هُوَ الَّذِي بعث إِلَيْهَا يخطبها فَكتبت إِلَيْهِ إِنِّي فاعلة وَمثلك يرغب فِيهِ فَإِذا شِئْت فاشخص إِلَيّ فَشَاور وزراءه فكلٌّ أَشَارَ عَلَيْهِ أَن يفعل إِلَّا قصير بن سعد فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ أَيهَا الْملك لَا تفعل فَإِن هَذِه خديعة ومكر فَعَصَاهُ وأجابها إِلَى مَا سَأَلت فَقَالَ قصير عِنْد ذَلِك لَا يطاع لقصير رأى وَقيل أَمر فأرسلها مثلا وَلم يكن قَصِيرا وَلَكِن كَانَ اسْما لَهُ ثمَّ إِنَّه قَالَ لَهُ أَيهَا الْملك أما إِذْ عَصَيْتنِي فَإِذا رَأَيْت جندها قد أَقبلُوا إِلَيْك فَإِن ترجلوا وحيوك ثمَّ ركبُوا وتقدموا فقد كذب ظَنِّي وَإِن رَأَيْتهمْ إِذا حيوك طافوا بك فَإِنِّي معرض لَك الْعَصَا وَهِي فرس لجذيمة لَا تدْرك فاركبها وانج فَلَمَّا أقبل جيشها حيوه ثمَّ طافوا بِهِ فَقرب قصير إِلَيْهِ الْعَصَا فشغل عَنْهَا فركبها قصير فنجا فَنظر جذيمة إِلَى قصير على الْعَصَا وَقد حَال دونه السراب فَقَالَ مَا ذل من جرت بِهِ الْعَصَا فأرسلها مثلا وَأدْخل جذيمة على الزباء وَكَانَت قد ربت شعر عانتها حولا فَلَمَّا دخل تكشفت لَهُ وَقَالَت أمتاع عروس ترى يَا جذيمة فَقَالَ بل مَتَاع أمة بظراء فَقَالَت إِنَّه لَيْسَ من عدم المواسي وَلَا من قلَّة الأواسي وَلكنهَا شِيمَة مَا أقاسي وَأمرت فأجلس على نطع ثمَّ أمرت برواهشه فَقطعت وَكَانَ قد قيل لَهَا احْتَفِظِي بدمه فَإِنَّهُ إِن أصَاب الأَرْض قَطْرَة من دَمه طلب بثأره فقطرت قَطْرَة من دَمه فِي الأَرْض فَقَالَت

стр. 306

لَا تضيعوا دم الْملك فَقَالَ جذيمة دعواد مَا ضيعه أَهله فَلم يزل الدَّم يسيل إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ إِن قَصِيرا أَتَى عمرا ابْن أُخْت جذيمة وَأخْبرهُ الْخَبَر وحرضه على أَخذ الثأر واحتال لذَلِك بِأَن قطع أَنفه وَأُذُنَيْهِ وَلحق بالزباء وَزعم أَن عمرا فعل بِهِ ذَلِك وَأَنه اتهمه بممالأته لَهَا على خَاله وَلم يزل يخدعها حَتَّى اطمأنت لَهُ وَصَارَت ترسله إِلَى الْعرَاق بِمَال فَيَأْتِي إِلَى عَمْرو فَيَأْخُذ مِنْهُ ضعفه وَيَشْتَرِي بِهِ مَا تطلبه وَيَأْتِي إِلَيْهَا بِهِ إِلَى أَن تمكن مِنْهَا وسلمته مَفَاتِيح الخزائن وَقَالَت لَهُ خُذ مَا أَحْبَبْت فَاحْتمل مَا أحب من مَالهَا وأتى عمرا فانتخب من عسكره فُرْسَانًا وألبسهم السِّلَاح وَاتخذ غَرَائِر وَجعل أشراجها من دَاخل ثمَّ حمل على كل بعير رجلَيْنِ مَعَهُمَا سلاحهما وَجعل يسير النَّهَار حَتَّى إِذا كَانَ اللَّيْل اعتزل عَن الطَّرِيق فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى شَارف الْمَدِينَة فَأَمرهمْ فلبسوا الْحَدِيد ودخلوا الغرائر لَيْلًا وَعرف أَنه مصبحها فَلَمَّا أصبح عِنْدهَا دخل عَلَيْهَا وَسلم وَقَالَ هَذِه العير تَأْتِيك السَّاعَة بِمَا لم يأتك قطّ مثله فَصَعدت فَوق قصرهَا وَجعلت تنظر العير وَهِي تدخل الْمَدِينَة فأنكرت مشيها وَجعلت تَقول (مَا للجِمَالِ مشيُها وئِيدا ... أجَندلاً يحملن أم حَديدا) (أم صَرَفاناً بَارِدًا شَدِيدا ... أم الرِّجالَ جثَّماً قعُودا) // الرجز // فَلَمَّا توافت العير الْمَدِينَة حلوا أشراجهم وَخَرجُوا فِي الْحَدِيد وأتى قصير بِعَمْرو فأقامه على سرب كَانَ لَهَا إِذا خشيت خرجت مِنْهُ فَأَقْبَلت لتخرج من السرب فاتاها عَمْرو فَجعلت تمص خَاتمًا وَفِيه سم وَتقول بيَدي لَا بيد عَمْرو وَفَارَقت الدُّنْيَا والراهشان عرقان فِي بَاطِن الذراعين وَالشَّاهِد فِيهِ التَّطْوِيل وَهُوَ أَن يكون اللَّفْظ زَائِدا على أصل المُرَاد لَا لفائدة وَاللَّفْظ الزَّائِد غير مُتَعَيّن إِذْ جمعه بَين الْكَذِب والمين فِي الْبَيْت لَا فَائِدَة فِيهِ

стр. 307

لِأَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد وعدي هُوَ ابْن زيد بن حَمَّاد بن أَيُّوب يَنْتَهِي نسبه لنزار وَكَانَ أَيُّوب هَذَا فِيمَا يزْعم ابْن الْأَنْبَارِي أول من سمي من الْعَرَب أَيُّوب وَكَانَ عدي شَاعِرًا فصيحاً من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَكَذَلِكَ كَانَ أَبوهُ وَأَهله وَلَيْسَ مِمَّن يعد من الفحول إِذْ هُوَ قروي وَقد أَخذ عَنهُ أَشْيَاء عيب بهَا وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة والأصمعي يَقُولَانِ عدي بن زيد فِي الشُّعَرَاء بِمَنْزِلَة سُهَيْل فِي النُّجُوم يعارضها وَلَا يجْرِي مَعهَا مجْراهَا وَكَذَلِكَ عِنْدهم أُميَّة بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيّ وَمثلهمَا عِنْدهم من الإسلاميين الْكُمَيْت والطرماح وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة كَانَ يسكن الْحيرَة وَيدخل الأرياف فثقل لِسَانه وَاحْتمل عَنهُ شَيْء كثير جدا وعلماؤنا لَا يرَوْنَ شعره حجَّة وَله أَربع قصائد غرر إِحْدَاهُنَّ أَولهَا (أرَواحٌ مودِّع أم بكُورُ ... لَك فاعمدِ لأي حالٍ تَصيرُ) // الْخَفِيف // وفيهَا يَقُول (أَيهَا الشَّامتُ المُعير بالدَّهرِ أأنتَ المبرَّأُ الموفورُ ... ) (أم لديكَ العهدُ الوثيقُ من الأيَّام أم أنتَ جاهلٌ مغرورُ ... ) (من رأيتَ المنونَ جازَتهُ أم من ... ذَا عَلَيْهِ من أَن يُضامَ خَفيرُ) (أَيْن كِسرَى كسْرَى الملوكِ أنوشِرْ ... وانُ أم أَيْن قبلَهُ سابورُ)

стр. 308

(وَبَنُو الأصْفَرِ الكِرام مُلُوك الرّوم ... لم يبْقَ منهُمُ مَذكُورُ) (وأخو الْحَضَر إِذْ بَناهُ وَإِذ دجْلَةُ تُجْبَى إليهِ والخابورُ ... ) (شادَهُ مَرمراً وَجلَلهُ كلْساً فللطَّيرِ فِي ذَراهُ وُكورُ ... ) (وَتَبَيَّنَ ربَّ الخَوْرَنقِ إِذْ أشْرَفَ يَوْمًا وللهدى تفكيرُ ... ) (سرَّه حالُهُ وَكثرةُ مَا يَملِكُ ... والبحرُ مُعرِضاً والسديرُ ... ) (فارعَوَى قلبُهُ وقالَ وَمَا غِبْطَةُ حيٍّ إِلَى المماتِ يصيرُ ... ) (ثمَّ بعدَ الْفَلاح والملكِ والأمَّةِ وارَتهُم هناكَ القبورُ ... ) (ثمَّ أضْحَوْا كَأَنَّهُمْ ورَقٌ جَفَّ فألوَتْ بِهِ الصَّبا والدَّبورُ ... ) الْحسن وَالثَّانيَِة أَولهَا (أتَعرف رسمَ الدَّار من أم مَعبدِ ... نعم فَرَماكَ الشوقُ قبل التجَلدِ) (أعاذلَ مَا يُدريكِ أَن مَنِيَّتي ... إِلَى ساعةٍ فِي الْيَوْم أَو فِي ضُحَى الْغَد) (ذَرِينِي فَإِنِّي إِنَّمَا لِيَ مَا مضى ... أمامِيَ من مَالِي إِذا خَفَّ عُوَّدي) (وَحَّمت لميقاتٍ إلىَّ منيتي ... وغُودِرتُ قد وسِّدتُ أَو لم أوَسَّد) (وللوارثِ الْبَاقِي من المالِ فاتركي ... عتابي فَإِنِّي مُصلحٌ غيرُ مُفسد) // الطَّوِيل // وَالثَّالِثَة أَولهَا (لم أرَ مثلَ الفِتيانِ فِي غَبَنِ الْأَيَّام ... ينْسَوْنَ مَا عواقبُهَا) // المنسرح // وَالرَّابِعَة أَولهَا (طالَ ليلِي أراقبُ التنويرا ... ارقُبُ الليْلَ بالصباح بَصيرًا) // الْخَفِيف // انْتهى مَا قَالَه ابْن قُتَيْبَة

стр. 309

وَكَانَ جده أَيُّوب منزله بِالْيَمَامَةِ فَأصَاب دَمًا فِي قومه فهرب فلحق بأوس ابْن قلام أحد بني الْحَرْث بن كَعْب بِالْحيرَةِ وَكَانَ بَينهمَا نسب من قبل النِّسَاء فَأَقَامَ بِالْحيرَةِ واتصل بالملوك الَّذين كَانُوا بهَا وَعرفُوا حَقه وَحقّ بنيه وَلما ولد عدي وأيفع طَرحه أَبوهُ فِي الْكتاب حَتَّى إِذا حذق أرْسلهُ مرزبان الْحيرَة مَعَ ابْنه شاهان مرد إِلَى كتاب الفارسية فَكَانَ يخْتَلف مَعَ ابْنه ويتعلم الْكِتَابَة وَالْكَلَام بِالْفَارِسِيَّةِ حَتَّى خرج من افهم النَّاس بهما وأفصحهم بِالْعَرَبِيَّةِ وَقَالَ الشّعْر وَتعلم الرَّمْي وبالنشاب فَخرج من الأساورة الرُّمَاة وَتعلم لعب الْعَجم على الْخَيل بالصوالجة وَغَيرهَا ثمَّ إِن الْمَرْزُبَان وَفد على كسْرَى وَمَعَهُ ابْنه شاهان مرد فَبَيْنَمَا هما واقفان بَين يَدَيْهِ إِذْ سقط طائران على السُّور فتطاعما كَمَا يتطاعم الذّكر وَالْأُنْثَى يَجْعَل كل وَاحِد مِنْهُمَا منقاره فِي منقار الآخر فَغَضب كسْرَى من ذَلِك وَلَحِقتهُ غيرَة شَدِيدَة فَقَالَ للمرزبان وَابْنه ليرم كل وَاحِد مِنْكُمَا وَاحِدًا من هذَيْن الطائرين فَإِن قتلتماهما أدخلتكما بَيت المَال وملأت أَفْوَاهكُمَا بالجوهر وَمن أَخطَأ مِنْكُمَا عاقبته فاعتمد كل وَاحِد مِنْهُمَا طائراً مِنْهُمَا ورميا فَقَتَلَاهُمَا جَمِيعًا فَبعث بهما إِلَى بَيت المَال فملئت أفواههما جوهراً وَأثبت شاهان مرد وَسَائِر أَوْلَاد الْمَرْزُبَان فِي صحابته فَقَالَ عِنْد ذَلِك للْملك إِن عِنْدِي غُلَاما من الْعَرَب مَاتَ أَبوهُ وَخَلفه فِي حجري فربيته وَهُوَ أفْصح النَّاس وأكتبهم بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية وَالْملك مُحْتَاج إِلَى مثله فَإِن رأى الْملك أَن يُثبتهُ فِي وَلَدي فعل فَقَالَ ادْعُه فَأرْسل إِلَى عدي بن زيد وَكَانَ جميل الْوَجْه فائق الْحسن وَكَانَت الْفرس تتبرك بالجميل فَلَمَّا كَلمه وجده أظرف النَّاس وأحضرهم جَوَابا فَرغب فِيهِ وأثبته مَعَ ولد الْمَرْزُبَان فَكَانَ عدي أول من كتب بِالْعَرَبِيَّةِ فِي ديوَان كسْرَى فَرغب أهل الْحيرَة إِلَى عدي ورهبوه فَلم يزل بِالْمَدَائِنِ فِي ديوَان

стр. 310

كسْرَى يُؤذن لَهُ عَلَيْهِ فِي الْخَاصَّة وَهُوَ معجب بِهِ قريب مِنْهُ وَأَبوهُ زيد بن حَمَّاد حيٌّ إِلَّا أَن ذكر عدي قد ارْتَفع وخمل ذكر أَبِيه فَكَانَ عدي إِذا دخل على الْمُنْذر قَامَ لَهُ هُوَ وَجَمِيع من عِنْده حَتَّى يقْعد عدي فعلا لَهُ بذلك صيت عَظِيم وَكَانَ إِذا أَرَادَ الْمقَام فِي الْحيرَة مَعَ أَبِيه وَأَهله اسْتَأْذن كسْرَى فَأَقَامَ فيهم الشَّهْر والشهرين وَأكْثر وَأَقل ثمَّ إِن كسْرَى أرْسلهُ إِلَى ملك الرّوم بهدية من طرف مَا عِنْده فَلَمَّا أَتَاهُ عدي بهَا أكْرمه وَحمله إِلَى أَعماله على الْبَرِيد ليريه سَعَة أرضه وَعظم ملكه وَكَذَلِكَ كَانُوا يصنعون فَمن ثمَّ وَقع عدي بِدِمَشْق وَقَالَ بهَا الشّعْر فمما قَالَه بِالشَّام وَهُوَ أول شعر قَالَه فِيمَا ذكر (رُبَّ دارٍ بأسفَلِ الْجزع من دومة ... أشهى إِلَيّ من جيرُون) (وَنَدامَى لَا يفرحون بِمَا نالوا ... وَلَا يَتْقُونَ صرفَ المُنونِ) (قَدْ سُقِيتْ الشمُولَ فِي دَار بشرٍ ... قَهْوَةً مُرَةً بِمَاء سخين) // الْخَفِيف // ثمَّ إِن عديا قدم الْمَدَائِن على كسْرَى بهدية قَيْصر فصادف أَبَاهُ والمرزبان الَّذِي رباه قد هلكا جَمِيعًا فَاسْتَأْذن كسْرَى فِي الْمقَام بِالْحيرَةِ فَتوجه إِلَيْهَا وَبلغ الْمُنْذر خَبره فَخرج فَتَلقاهُ وَرجع مَعَه وعدي أنبل أهل الْحيرَة فِي أنفسهم وَلَو أَرَادَ أَن يملكوه لملكوه وَلكنه كَانَ يُؤثر الصَّيْد وَاللَّهْو واللعب على الْملك فَمَكثَ سِنِين يَبْدُو فِي فَصلي السّنة فيقم فِي الْبر صيفاً ويشتو

стр. 311

بِالْحيرَةِ وَيَأْتِي الْمَدَائِن فِي خلال ذَلِك فيخدم كسْرَى فَمَكثَ بذلك سِنِين ثمَّ إِن الْمُنْذر هلك وَقَامَ ابْنه النُّعْمَان مقَامه بمعاونة عدي فِي خبر طَوِيل ثمَّ لم يزل الحسدة يوقعون بَينه وَبَين عدي إِلَى أَن حَبسه فَقَالَ فِي ذَلِك أشعاراً كَثِيرَة مِنْهَا (طالَ ذَا الليلُ علينا واعْتَكَر ... وَكَأَنِّي بادِرُ الصبْحِ شَمَرْ) (مِنْ نجىَ الهمّ عِندِي ثاوياً ... فوقَ مَا أُعلنُ منهُ وأسرّ) (وكأنْ الليلَ فِيهِ مثلُه ... ولَقِدْماً ظُنّ بِاللَّيْلِ الْقصر) (لَمْ أغمَّضّ طولَهُ حَتَّى انْقَضى ... أتمنَّى لَو أرَى الصبحَ حَشَرْ) (غيرَ مَا عشق ولكنْ طارقٌ ... خَلَسَ النومَ وأجداني السهر) // الرمل // وَقَالَ يُخَاطب النُّعْمَان بن الْمُنْذر أَيْضا (أبلِغ النعمانَ عني مَالُكاً ... أنهُ قدْ طالَ حبسي وانتظارْ) (لَو بِغَيْر المَاء حلقي شرِقٌ ... كنت كالغَصَّانِ بِالْمَاءِ اعتصارْ) (ليتَ شعري مَنْ دخيلٌ يعترى ... حينما أدركَ ليْلي ونهَارْ) (قَاعِدا يكربُ نَفسِي بثهَا ... وَحرَام كانَ سجني واختصار) // الرمل //

стр. 312

فِي قصائد كَثِيرَة كَانَ يَقُولهَا وَيكْتب بهَا إِلَيْهِ فَلَا تجدي عِنْده شَيْئا وَلَقَد تداول الشُّعَرَاء معنى بَيت عدي لَو بِغَيْر المَاء حلقي شَرق إِلَخ بعد عدي فَقَالَ أَبُو نواس (غصصْتُ منكَ بِمَا لَا يدفعُ الماءُ ... وصحّ حبكَ حَتَّى مَا بِهِ داءُ) // الْبَسِيط // وَقَالَ الآخر (من غصّ داوَى بِشرب المَاء غصته ... فَكيف يصنعُ من قدْ غص بِالْمَاءِ) // الْبَسِيط // وَقَالَ الخزأرزي (بِالْمَاءِ أدفعُ شَيْئا إِن غَصصتُ بهِ ... فَمَا احتيالي وغصِّي مِنْك بِالْمَاءِ) // الْبَسِيط // ثمَّ لما طَال سجن عدي كتب إِلَى أَخِيه أبي وَهُوَ مَعَ كسْرَى يُعلمهُ بِحَالهِ فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابه قَامَ إِلَى كسْرَى فَكَلمهُ فِي أمره وعرفه بِخَبَرِهِ فَكتب إِلَى النُّعْمَان يَأْمُرهُ بِإِطْلَاقِهِ وَبعث مَعَه رجلا وَكتب خَليفَة النُّعْمَان إِلَيْهِ إِنَّه قد كتب إِلَيْك فِي أمره فَأتى النُّعْمَان أَعدَاء عدي وَقَالُوا اقتله السَّاعَة فَأبى عَلَيْهِم وَجَاء الرَّسُول وَقد كَانَ أَخُو عدي تقدم إِلَيْهِ ورشاه وَأمره أَن يبْدَأ بعدِي فَيدْخل عَلَيْهِ وَهُوَ مَحْبُوس بالصنين فَقَالَ لَهُ ادخل عَلَيْهِ وَانْظُر مَاذَا يَأْمُرك بِهِ فامتثله فَدخل الرَّسُول على عدي فَقَالَ لَهُ إِنِّي قد جِئْت بإرسالك فَمَا عنْدك قَالَ عِنْدِي الَّذِي تحب ووعده عدَّة سنية وَقَالَ لَا تخرجن من عِنْدِي وَأَعْطِنِي الْكتاب حَتَّى أرْسلهُ إِلَيْهِ فَإنَّك وَالله لَئِن خرجت من عِنْدِي لأقتلن فَقَالَ لَا أَسْتَطِيع إِلَّا أَن آتِي الْملك بِالْكتاب فأوصله إِلَيْهِ فَانْطَلق بعض من كَانَ هُنَاكَ من أَعدَاء عدي فَأخْبر النُّعْمَان أَن رَسُول كسْرَى دخل على عدي وَهُوَ ذَاهِب بِهِ وَإِن فعل وَالله لم يستبق منا أحدا أَنْت وَلَا غَيْرك فَبعث إِلَيْهِ النُّعْمَان أعداءه فغموه حَتَّى مَاتَ ثمَّ دفنوه وَدخل الرَّسُول إِلَى النُّعْمَان فأوصل الْكتاب إِلَيْهِ فَقَالَ حبا وكرامة وَأمر لَهُ بأَرْبعَة آلَاف

стр. 313

مِثْقَال ذهب وَجَارِيَة حسناء وَقَالَ لَهُ إِذا أَصبَحت فَادْخُلْ أَنْت بِنَفْسِك الْحَبْس فَأخْرجهُ فَلَمَّا أصبح ركب فَدخل السجْن فَأخْبرهُ الحارس أَنه قد مَاتَ مُنْذُ أَيَّام وَلم نجترئ على إِخْبَار الْملك بذلك خوفًا مِنْهُ وَقد عرفنَا كراهيته لمَوْته فَرجع إِلَى النُّعْمَان فَقَالَ إِنِّي قد كنت أمس دخلت على عدي وَهُوَ حَيّ وَجئْت الْيَوْم فجحدني السجان وبهتني وَذكر لي أَنه قد مَاتَ مُنْذُ أَيَّام فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان أيبعث بك الْملك إِلَيّ فَتدخل إِلَيْهِ قبلي كذبت وَلَكِنَّك أردْت الرِّشْوَة والخبث وتهدده ثمَّ زَاد جائزته وأكرمه وتوثق مِنْهُ أَن لَا يخبر كسْرَى إِلَّا أَنه قد مَاتَ قبل أَن يقدم عَلَيْهِ فَرجع الرَّسُول إِلَى كسْرَى وَقَالَ إِنِّي قد وجدت عديا قد مَاتَ قبل أَن أَدخل عَلَيْهِ وَنَدم النُّعْمَان على قَتله وَعلم أَنه قد احتيل عَلَيْهِ فِي قَتله واجترأ أعداؤه عَلَيْهِ وهابهم هَيْبَة شَدِيدَة وَكَانَ لعدي ولد اسْمه زيد فسيره النُّعْمَان إِلَى كسْرَى وَوَصفه بأوصاف جميلَة فَوَقع من كسْرَى الْموقع فَمَا زَالَ يعْمل الْحِيلَة إِلَى أَن غير كسْرَى على النُّعْمَان وَأرْسل إِلَيْهِ أَن أقبل علينا فَحمل سلاحه وَمَا قوي عَلَيْهِ ثمَّ لحق بجبل طَيئ ثمَّ بعث إِلَى كسْرَى بخيل وحلل وجواهر وطرف فقبلها كسْرَى وَأظْهر لَهُ الرِّضَا وَأمره بالقدوم فَعَاد الرَّسُول وَأخْبرهُ بذلك وَأَنه لم ير لَهُ عِنْد كسْرَى سوءا فَمضى إِلَيْهِ حَتَّى إِذا وصل إِلَى ساباط لقِيه زيد بن عدي عِنْد قنطرة ساباط فَقَالَ لَهُ انج نعيم إِن اسْتَطَعْت النجَاة فَقَالَ لَهُ أفعلتها يَا زيد أما وَالله إِن عِشْت لَك لأَقْتُلَنك قتلة لم يَقْتُلهَا عَرَبِيّ قطّ ولألحقتك بأبيك فَقَالَ لَهُ زيد امْضِ لشانك نعيم فقد وَالله أخيت لَك أخية لَا يقطعهَا الْمهْر

стр. 314

الأرن فَلَمَّا بلغ كسْرَى أَنه بِالْبَابِ بعث إِلَيْهِ فقيده وَبعث بِهِ إِلَى سجن لَهُ بخانقين فَلم يزل فِيهِ حَتَّى وَقع الطَّاعُون هُنَالك فَمَاتَ فِيهِ وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ أَلْقَاهُ تَحت أرجل الفيلة فوطئته حَتَّى مَاتَ وَأنكر هَذَا من زعم أَنه مَاتَ بخانقين وَقَالُوا لم يزل مَحْبُوسًا مُدَّة طَوِيلَة وَإِنَّمَا مَاتَ بعد ذَلِك بِحِين قبيل الْإِسْلَام وغضبت لَهُ الْعَرَب حِينَئِذٍ وَكَانَ قَتله سَبَب وقْعَة ذِي قار وَكَانَ عدي يهوى هِنْد بنت النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَلها يَقُول (عَلقَ الأحْشاء مِنْ هندَ عُلقْ ... مُستسِرّ فِيهِ نَصْبٌ وَأرقْ) // الرمل // وفيهَا يَقُول أَيْضا (مَنْ لِقلب دَنفٍ أوْ مُعتمدْ ... قَد عَصى كلَّ نَصيحٍ ومفد) // الرمل // وفيهَا يَقُول أَيْضا (يَا خَليليّ يَسِّرَا التَعسيرَا ... ثمَّ رُوحا فَهجِّرَا تهَجيرَا) (عَرَّجا بِي على دِيارٍ لِهندٍ ... لَيسَ أَن عُجتما الْمطِي كَبيرا) // الْخَفِيف // وَقد تزَوجهَا عدي فِي خبر طَوِيل فَمَكثت مَعَه حَتَّى قَتله النُّعْمَان فترهبت وحبست نَفسهَا فِي الدَّيْر الْمَعْرُوف بدير هِنْد فِي ظَاهر الْحيرَة وَكَانَ هلاكها بعد الْإِسْلَام بِزَمن طَوِيل فِي ولَايَة الْمُغيرَة بن شُعْبَة الْكُوفَة وخطبها الْمُغيرَة فَردته

стр. 315

وَقَالَت والصليب لَو علمت أَن فِي خصْلَة من جمال أَو شباب رغبتك فِي لأجبتك وَلَكِنَّك أردْت أَن تَقول فِي المواسم ملكت مملكة النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَتَزَوَّجت ابْنَته فَبِحَق معبودك أَهَذا أردْت قَالَ إِي وَالله قَالَت فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ ٦٠ - (وَلَا فَضْلَ فيهَا لِلشجَاعَةِ وَالنَّدَى ... وَصَبرِ الفَتى لَوْلَا لِقَاءُ شَعُوبِ) الْبَيْت لأبى الطّيب المتنبي من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا سيف الدولة ابْن حمدَان ويعزيه بغلامه يماك التركي وأولها وَفِيه الخرم وَهُوَ حذف الْحَرْف الأول من الوتد الْمَجْمُوع (لَا يُحزنِ اللهُ الأميرَ فإِنني ... لآخُذُ مِنْ حالاتهِ بنصيبِ) (وَمنْ سَرَّ أَهْلَ الأَرْض ثمَّ بَكَى أسىً ... بَكى بُعيونٍ سرَّها وَقلوب) (وَإني وَإِنْ كانَ الدَّفينُ حَبيبهُ ... حَبيبٌ إِلَى قلبِي حَبيبُ حَبيبي) (وقَدْ فارَقَ النَّاسُ الأحبَّةَ قبلنَا ... وَأَعيا دَواءُ الموْت كلَّ طَبيب) (سُبقنا إِلَى الدُّنيا فَلوْ عاشَ أهْلها ... مُنعنا بِها مِنْ جَيئةٍ وذُهوب) (تَملكها الآتِي تملُّكَ سالب ... وفارقها الْمَاضِي فِرَاق سليب) // الطَّوِيل // وَبعده الْبَيْت وَبعده (وأؤفي حَياةِ الغابرينَ لِصاحبٍ ... حَياةُ امْرِئ خانتهُ بعدَ مَشيب) (لأبقي يَماك فِي حَشايَ صَبابة ... إِلَى كلِّ تركيِّ النِّجار جَليب) (وَمَا كلُّ وَجهٍ أبْيضٍ بِمباركٍ ... ولَا كلُّ جَفنٍ ضَيِّق بنجيب) (لئنْ ظَهرتْ فِينا عَليهِ كآبةٌ ... لقدْ ظَهرتْ فِي حَدِّ كل قَضيب)

стр. 316

(وَفي كلّ قَوْسٍ كلّ يَوْمِ تَناضلٍ ... وَفي كلِّ طِرفٍ كلّ يَوْم رُكوب) (يَعزُّ عَليه أنْ يُخلَّ بِعادةٍ ... وَتدعو لأمرٍ وَهوَ غيرُ مُجيب) (وَكنتُ إذَا أبْصرتُهُ لكَ قَائِما ... نَظرتُ إِلَى ذيِ لِبدَتين أريب) (فإِنْ يكن العلق النّفيسَ فَقدتَهُ ... فَمن كَفِّ مِتلافٍ أغَرَّ وَهوب) (لأنَّ الردَي عادٍ على كل ماجدٍ ... إذَا لمْ يُعوِّذْ مَجدهُ بِعيوب) (وَلوْلَا أيادِي الدَّهر فِي الجَمع بَيننا ... غَفلنا فَلمْ نَشعرْ لَهُ بذنوب) // الطَّوِيل // وَهِي طَوِيلَة وشعوب اسْم للمنية غير منصرف للعلمية والتأنيث وَصَرفه للضَّرُورَة سميت النتية بذلك لِأَنَّهَا تشعب أَي تفرق وَالشَّاهِد فِيهِ الحشو الزَّائِد الْمُفْسد وَهُوَ هُنَا لَفْظَة الندى لِأَن الْمَعْنى أَن الدُّنْيَا لَا فضل فِيهَا للشجاعة وَالعطَاء وَالصَّبْر على الشدائد على تَقْدِير عدم الْمَوْت وَهَذَا إِنَّمَا يَصح فِي الشجَاعَة وَالصَّبْر دون الْعَطاء فَإِن الشجاع إِذا تَيَقّن الخلود هان عَلَيْهِ الاقتحام فِي الحروب لعدم خَوفه من الْهَلَاك فَلم يكن فِي ذَلِك فضل وَكَذَلِكَ الصابر إِذا تَيَقّن زَوَال الشدائد والحوادث وَبَقَاء الْعُمر هان عَلَيْهِ صبره على الْمَكْرُوه لوثوقه بالخلاص مِنْهُ بل مُجَرّد طول الْعُمر يهون على النُّفُوس الصَّبْر على المكاره وَلِهَذَا يُقَال هَب أَن لي صَبر أَيُّوب فَمن أَيْن لي عمر نوح بِخِلَاف الْبَاذِل مَاله فَإِنَّهُ إِذا تَيَقّن الخلود شقّ عَلَيْهِ بذل المَال لاحتياجه إِلَيْهِ فَيكون بذله حِينَئِذٍ أفضل أما إِذا تَيَقّن الْمَوْت فقد هان عَلَيْهِ بذله وَلِهَذَا قَالَ طرفَة

стр. 317

(فَإِن كنت لَا أَسْتَطِيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بِمَا ملكت يَدي) // الطَّوِيل // وَمثله قَول مهيار الديلمي (فَكلْ إنْ أكلتَ وَأطعمْ أخاكَ ... فَلَا الزَّادُ يَبقى وَلا الْآكِل) // المتقارب // وَقيل المُرَاد بالندى بذل النَّفس لَا المَال كَمَا قَالَ مُسلم بن الْوَلِيد (يجود بِالنَّفسِ إِن ضن الْجواد بهَا ... والجود بِالنَّفسِ أقْصَى غَايَة الْجُود) // الْبَسِيط // ورد بِأَن لفظ الندى لَا يكَاد يسْتَعْمل فِي بذل النَّفس وَإِن اسْتعْمل فعلى وَجه الْإِضَافَة وَالْأَقْرَب مَا ذكره ابْن جني وَهُوَ أَن فِي الخلود وتنقل الْأَحْوَال فِيهِ من عسر إِلَى يسر وَمن شدَّة إِلَى رخاء مَا يسكن النُّفُوس ويسهل الْبُؤْس فَلَا يظْهر لبذل المَال كثير فضل ٦١ - (وَأعْلَم عِلْمَ الْيَوْم والأمس قبله ... ) هُوَ من الْبَحْر الطَّوِيل وَتَمَامه (وَلكنني عَن علم مَا فِي غَدٍ عَمِ ... ) وقائله زُهَيْر بن أبي سلمى وَهُوَ من آخر قصيدة قَالَهَا فِي الصُّلْح الْوَاقِع بَين عبس وذبيان وأولها (أَمِنْ أمِّ أوفى دِمنةٌ لم تَكلم ... بِحوْمانةِ الدَّرَّاج فالمُتثلم)

стр. 318

(ودَارٌ لَهَا بالرَّقمتين كَأَنَّهَا ... مَراجِيعُ وَشمٍ فِي نَواشر مِعصم) (بهَا الْعينُ والآرامُ يَمشينَ خِلفةً ... وَأطلاؤها يَنهضنَ من كلِّ مجثم) // الطَّوِيل // وَمعنى الْبَيْت أَن علمي قد يُحِيط بِمَا مضى وَبِمَا هُوَ حَاضر ولكنني عمي الْقلب عَن الْإِحَاطَة بِمَا هُوَ منتظر متوقع يُرِيد لَا أَدْرِي مَاذَا يكون غَدا وَالشَّاهِد فِيهِ الحشو الْغَيْر مُفسد للمعنى وَهُوَ لَفْظَة قبله وَمثله قَول عدي الْمُتَقَدّم (نحْنُ الرؤسُ وَما الرؤسُ إذَا سمتْ ... فِي المَجدِ لِلأقْوَام كالأذناب) // الْكَامِل // فَقَوله للأقوام حَشْو وَفِيه نظر لِأَن اسْتِعْمَال الرَّأْس فِي الْمُقدم والرائس مجَاز وَذكر الأقوام كالقرينة وَقَول الآخر (ذكَرْتُ أخي فَعاودِني ... صداع الرَّأْس والوءصب) // من مجزوء الوافر // فلفظة الرَّأْس حَشْو فَإِن الصداع لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الرَّأْس وَمن الحشو الْمُفْسد قَول ديك الْجِنّ (فتنفست فِي الْبَيْت إذْ مُزجتْ ... بِالماء وَاسْتلتْ سَنا اللهب) (كتنفُّسِ الريحانِ خالطهُ ... منْ وردِ جور ناضر الشّعب) // الْكَامِل // فَذكره المزاج يُغني وَالْمَاء فضل لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَقد قصر عَن قَول أبي نواس

стр. 319

(سلوا قنَاعَ الطينِ عَن رَمقٍ ... حيّ الحياةِ مُشَارف الحتف) (فتنفستْ فِي الْبَيْت إِذْ مُزِجتْ ... كتنفس الريحانِ فِي الْأنف) // الْكَامِل // وَزُهَيْر بن أبي سلمى هُوَ أَبُو كَعْب وبجير وَاسم أبي سلمى ربيعَة بن رَبَاح بن قُرَّة يَنْتَهِي نسبه لنزار وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة المقدمين على سَائِر الشُّعَرَاء وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَقْدِيم أحد الثَّلَاثَة على صَاحِبيهِ فَأَما الثَّلَاثَة فَلَا اخْتِلَاف فيهم وَهُوَ امْرُؤ الْقَيْس وَزُهَيْر والنابغة الذبياني وَعَن عمر بن عبد الله اللَّيْثِيّ قَالَ قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ لَيْلَة فِي مسيره إِلَى الْجَابِيَة أَيْن ابْن عَبَّاس قَالَ فَأَتَيْته فَشَكا إِلَيّ تخلف عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَقلت أَو لم يعْتَذر إِلَيْك قَالَ بلَى قلت هُوَ مَا اعتذر بِهِ ثمَّ قَالَ إِن أول من ريثكم عَن هَذَا الْأَمر أَبُو بكر ﵁ إِن قومكم كَرهُوا أَن يجمعوا لكم بَين الْخلَافَة والنبوة ثمَّ ذكر ﵁ قصَّة طَوِيلَة قَالَ ثمَّ قَالَ لي هَل تروي لشاعر الشُّعَرَاء قلت وَمن هُوَ قَالَ الَّذِي يَقُول (وَلَو أنَّ حمداً يخلدُ الناسَ خُلدوا ... ولكنَّ حَمْد النَّاس لَيْسَ بمخلد) // الطَّوِيل // قلت ذَاك زُهَيْر بن أبي سلمى قَالَ هُوَ شَاعِر الشُّعَرَاء قلت وَبِمَ كَانَ شَاعِر الشُّعَرَاء قَالَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يعاظل فِي الْكَلَام وَكَانَ يتَجَنَّب وَحشِي الشّعْر وَكَانَ لَا يمدح أحدا إِلَّا بِمَا هُوَ فِيهِ

стр. 320

وَفِي رِوَايَة أَنه قَالَ لَهُ أَنْشدني لَهُ فَأَنْشَدته حَتَّى برق الْفجْر فَقَالَ حَسبك الْآن اقْرَأ الْقُرْآن قلت وَمَا أَقرَأ قَالَ الْوَاقِعَة فقرأتها وَنزل فَأذن وَصلى وَسَأَلَ مُعَاوِيَة الْأَحْنَف بن قيس عَن أشعر الشُّعَرَاء فَقَالَ زُهَيْر قَالَ وَكَيف ذَاك قَالَ كف عَن المادحين فضول الْكَلَام قَالَ بِمَاذَا قَالَ بقوله (فَمَا يَكُ من خيرٍ أتوْهُ فإِنما ... توارثه آبَاء آبَائِهِم قبل) // الطَّوِيل // ويروى أَن رَسُول الله ﷺ نظر إِلَى زُهَيْر بن أبي سلمى وَله مائَة سنة فَقَالَ اللَّهُمَّ أعذني من شَيْطَانه فَمَا لاك بَيْتا حَتَّى مَاتَ وَعَن الْأَصْمَعِي قَالَ قَالَ عمر ﵁ لبَعض ولد هرم بن سِنَان أَنْشدني مدح زُهَيْر أَبَاك فأنشده فَقَالَ عمر إِن كَانَ ليحسن القَوْل فِيكُم فَقَالَ وَنحن وَالله إِن كُنَّا لنحسن لَهُ الْعَطاء فَقَالَ ذهب مَا أعطيتموه وَبَقِي مَا أَعْطَاكُم قَالَ وَبَلغنِي أَن هرم بن سِنَان كَانَ قد حلف أَن لَا يمدحه زُهَيْر إِلَّا أعطَاهُ وَلَا يسْأَله إِلَّا أعطَاهُ وَلَا يسلم عَلَيْهِ إِلَّا أعطَاهُ غرَّة عبدا أَو وليدة أَو فرسا فاستحيا زُهَيْر مِمَّا كَانَ يقبل مِنْهُ فَكَانَ إِذا رَآهُ فِي مَلأ قَالَ انعموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت وَعَن عمر بن شيبَة قَالَ قَالَ عمر ﵁ لِابْنِ زُهَيْر مَا فعلت بالحلل الَّتِي كساها هرم أَبَاك قَالَ أبلاها الدَّهْر قَالَ لَكِن الْحلَل الَّتِي كساها أَبوك هرماً لم يبلها الدَّهْر وَقَالَ أَبُو زيد الطَّائِي أنْشد عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَول زُهَيْر
следующие страницы →