Полный текст (694 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
(وَفي كلّ قَوْسٍ كلّ يَوْمِ تَناضلٍ ... وَفي كلِّ طِرفٍ كلّ يَوْم رُكوب)
(يَعزُّ عَليه أنْ يُخلَّ بِعادةٍ ... وَتدعو لأمرٍ وَهوَ غيرُ مُجيب)
(وَكنتُ إذَا أبْصرتُهُ لكَ قَائِما ... نَظرتُ إِلَى ذيِ لِبدَتين أريب)
(فإِنْ يكن العلق النّفيسَ فَقدتَهُ ... فَمن كَفِّ مِتلافٍ أغَرَّ وَهوب)
(لأنَّ الردَي عادٍ على كل ماجدٍ ... إذَا لمْ يُعوِّذْ مَجدهُ بِعيوب)
(وَلوْلَا أيادِي الدَّهر فِي الجَمع بَيننا ... غَفلنا فَلمْ نَشعرْ لَهُ بذنوب) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة
وشعوب اسْم للمنية غير منصرف للعلمية والتأنيث وَصَرفه للضَّرُورَة سميت النتية بذلك لِأَنَّهَا تشعب أَي تفرق
وَالشَّاهِد فِيهِ الحشو الزَّائِد الْمُفْسد وَهُوَ هُنَا لَفْظَة الندى لِأَن الْمَعْنى أَن الدُّنْيَا لَا فضل فِيهَا للشجاعة وَالعطَاء وَالصَّبْر على الشدائد على تَقْدِير عدم الْمَوْت وَهَذَا إِنَّمَا يَصح فِي الشجَاعَة وَالصَّبْر دون الْعَطاء فَإِن الشجاع إِذا تَيَقّن الخلود هان عَلَيْهِ الاقتحام فِي الحروب لعدم خَوفه من الْهَلَاك فَلم يكن فِي ذَلِك فضل وَكَذَلِكَ الصابر إِذا تَيَقّن زَوَال الشدائد والحوادث وَبَقَاء الْعُمر هان عَلَيْهِ صبره على الْمَكْرُوه لوثوقه بالخلاص مِنْهُ بل مُجَرّد طول الْعُمر يهون على النُّفُوس الصَّبْر على المكاره وَلِهَذَا يُقَال هَب أَن لي صَبر أَيُّوب فَمن أَيْن لي عمر نوح بِخِلَاف الْبَاذِل مَاله فَإِنَّهُ إِذا تَيَقّن الخلود شقّ عَلَيْهِ بذل المَال لاحتياجه إِلَيْهِ فَيكون بذله حِينَئِذٍ أفضل أما إِذا تَيَقّن الْمَوْت فقد هان عَلَيْهِ بذله وَلِهَذَا قَالَ طرفَة
стр. 317
(فَإِن كنت لَا أَسْتَطِيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بِمَا ملكت يَدي) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول مهيار الديلمي
(فَكلْ إنْ أكلتَ وَأطعمْ أخاكَ ... فَلَا الزَّادُ يَبقى وَلا الْآكِل) // المتقارب //
وَقيل المُرَاد بالندى بذل النَّفس لَا المَال كَمَا قَالَ مُسلم بن الْوَلِيد
(يجود بِالنَّفسِ إِن ضن الْجواد بهَا ... والجود بِالنَّفسِ أقْصَى غَايَة الْجُود) // الْبَسِيط //
ورد بِأَن لفظ الندى لَا يكَاد يسْتَعْمل فِي بذل النَّفس وَإِن اسْتعْمل فعلى وَجه الْإِضَافَة وَالْأَقْرَب مَا ذكره ابْن جني وَهُوَ أَن فِي الخلود وتنقل الْأَحْوَال فِيهِ من عسر إِلَى يسر وَمن شدَّة إِلَى رخاء مَا يسكن النُّفُوس ويسهل الْبُؤْس فَلَا يظْهر لبذل المَال كثير فضل
٦١ - (وَأعْلَم عِلْمَ الْيَوْم والأمس قبله ... )
هُوَ من الْبَحْر الطَّوِيل وَتَمَامه
(وَلكنني عَن علم مَا فِي غَدٍ عَمِ ... )
وقائله زُهَيْر بن أبي سلمى وَهُوَ من آخر قصيدة قَالَهَا فِي الصُّلْح الْوَاقِع بَين عبس وذبيان وأولها
(أَمِنْ أمِّ أوفى دِمنةٌ لم تَكلم ... بِحوْمانةِ الدَّرَّاج فالمُتثلم)
стр. 318
(ودَارٌ لَهَا بالرَّقمتين كَأَنَّهَا ... مَراجِيعُ وَشمٍ فِي نَواشر مِعصم)
(بهَا الْعينُ والآرامُ يَمشينَ خِلفةً ... وَأطلاؤها يَنهضنَ من كلِّ مجثم) // الطَّوِيل //
وَمعنى الْبَيْت أَن علمي قد يُحِيط بِمَا مضى وَبِمَا هُوَ حَاضر ولكنني عمي الْقلب عَن الْإِحَاطَة بِمَا هُوَ منتظر متوقع يُرِيد لَا أَدْرِي مَاذَا يكون غَدا
وَالشَّاهِد فِيهِ الحشو الْغَيْر مُفسد للمعنى وَهُوَ لَفْظَة قبله
وَمثله قَول عدي الْمُتَقَدّم
(نحْنُ الرؤسُ وَما الرؤسُ إذَا سمتْ ... فِي المَجدِ لِلأقْوَام كالأذناب) // الْكَامِل //
فَقَوله للأقوام حَشْو وَفِيه نظر لِأَن اسْتِعْمَال الرَّأْس فِي الْمُقدم والرائس مجَاز وَذكر الأقوام كالقرينة
وَقَول الآخر
(ذكَرْتُ أخي فَعاودِني ... صداع الرَّأْس والوءصب) // من مجزوء الوافر //
فلفظة الرَّأْس حَشْو فَإِن الصداع لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الرَّأْس
وَمن الحشو الْمُفْسد قَول ديك الْجِنّ
(فتنفست فِي الْبَيْت إذْ مُزجتْ ... بِالماء وَاسْتلتْ سَنا اللهب)
(كتنفُّسِ الريحانِ خالطهُ ... منْ وردِ جور ناضر الشّعب) // الْكَامِل //
فَذكره المزاج يُغني وَالْمَاء فضل لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَقد قصر عَن قَول أبي نواس
стр. 319
(سلوا قنَاعَ الطينِ عَن رَمقٍ ... حيّ الحياةِ مُشَارف الحتف)
(فتنفستْ فِي الْبَيْت إِذْ مُزِجتْ ... كتنفس الريحانِ فِي الْأنف) // الْكَامِل //
وَزُهَيْر بن أبي سلمى هُوَ أَبُو كَعْب وبجير وَاسم أبي سلمى ربيعَة بن رَبَاح بن قُرَّة يَنْتَهِي نسبه لنزار وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة المقدمين على سَائِر الشُّعَرَاء وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَقْدِيم أحد الثَّلَاثَة على صَاحِبيهِ فَأَما الثَّلَاثَة فَلَا اخْتِلَاف فيهم وَهُوَ امْرُؤ الْقَيْس وَزُهَيْر والنابغة الذبياني
وَعَن عمر بن عبد الله اللَّيْثِيّ قَالَ قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ لَيْلَة فِي مسيره إِلَى الْجَابِيَة أَيْن ابْن عَبَّاس قَالَ فَأَتَيْته فَشَكا إِلَيّ تخلف عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَقلت أَو لم يعْتَذر إِلَيْك قَالَ بلَى قلت هُوَ مَا اعتذر بِهِ ثمَّ قَالَ إِن أول من ريثكم عَن هَذَا الْأَمر أَبُو بكر ﵁ إِن قومكم كَرهُوا أَن يجمعوا لكم بَين الْخلَافَة والنبوة ثمَّ ذكر ﵁ قصَّة طَوِيلَة قَالَ ثمَّ قَالَ لي هَل تروي لشاعر الشُّعَرَاء قلت وَمن هُوَ قَالَ الَّذِي يَقُول
(وَلَو أنَّ حمداً يخلدُ الناسَ خُلدوا ... ولكنَّ حَمْد النَّاس لَيْسَ بمخلد) // الطَّوِيل //
قلت ذَاك زُهَيْر بن أبي سلمى قَالَ هُوَ شَاعِر الشُّعَرَاء قلت وَبِمَ كَانَ شَاعِر الشُّعَرَاء قَالَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يعاظل فِي الْكَلَام وَكَانَ يتَجَنَّب وَحشِي الشّعْر وَكَانَ لَا يمدح أحدا إِلَّا بِمَا هُوَ فِيهِ
стр. 320
وَفِي رِوَايَة أَنه قَالَ لَهُ أَنْشدني لَهُ فَأَنْشَدته حَتَّى برق الْفجْر فَقَالَ حَسبك الْآن اقْرَأ الْقُرْآن قلت وَمَا أَقرَأ قَالَ الْوَاقِعَة فقرأتها وَنزل فَأذن وَصلى
وَسَأَلَ مُعَاوِيَة الْأَحْنَف بن قيس عَن أشعر الشُّعَرَاء فَقَالَ زُهَيْر قَالَ وَكَيف ذَاك قَالَ كف عَن المادحين فضول الْكَلَام قَالَ بِمَاذَا قَالَ بقوله
(فَمَا يَكُ من خيرٍ أتوْهُ فإِنما ... توارثه آبَاء آبَائِهِم قبل) // الطَّوِيل //
ويروى أَن رَسُول الله ﷺ نظر إِلَى زُهَيْر بن أبي سلمى وَله مائَة سنة فَقَالَ اللَّهُمَّ أعذني من شَيْطَانه فَمَا لاك بَيْتا حَتَّى مَاتَ
وَعَن الْأَصْمَعِي قَالَ قَالَ عمر ﵁ لبَعض ولد هرم بن سِنَان أَنْشدني مدح زُهَيْر أَبَاك فأنشده فَقَالَ عمر إِن كَانَ ليحسن القَوْل فِيكُم فَقَالَ وَنحن وَالله إِن كُنَّا لنحسن لَهُ الْعَطاء فَقَالَ ذهب مَا أعطيتموه وَبَقِي مَا أَعْطَاكُم
قَالَ وَبَلغنِي أَن هرم بن سِنَان كَانَ قد حلف أَن لَا يمدحه زُهَيْر إِلَّا أعطَاهُ وَلَا يسْأَله إِلَّا أعطَاهُ وَلَا يسلم عَلَيْهِ إِلَّا أعطَاهُ غرَّة عبدا أَو وليدة أَو فرسا فاستحيا زُهَيْر مِمَّا كَانَ يقبل مِنْهُ فَكَانَ إِذا رَآهُ فِي مَلأ قَالَ انعموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت
وَعَن عمر بن شيبَة قَالَ قَالَ عمر ﵁ لِابْنِ زُهَيْر مَا فعلت بالحلل الَّتِي كساها هرم أَبَاك قَالَ أبلاها الدَّهْر قَالَ لَكِن الْحلَل الَّتِي كساها أَبوك هرماً لم يبلها الدَّهْر
وَقَالَ أَبُو زيد الطَّائِي أنْشد عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَول زُهَيْر
стр. 321
(وَمهما يكنْ عندَ امْرِئ من خَلِيقَة ... وَإِن خالها تخفي على النَّاس تعلم) // الطَّوِيل //
فَقَالَ أحسن زُهَيْر وَصدق وَلَو أَن رجلا دخل بَيْتا فِي جَوف بَيت لتحدث بِهِ النَّاس قَالَ وَقَالَ النَّبِي ﷺ (لَا تعْمل عملا تكره أَن يتحدث النَّاس بِهِ عَنْك) وَمِنْه قَول عَمْرو بن الْأَهْتَم
(إِذا الْمَرْء لم يجببك إِلَّا تكرهاً ... بدَا لَك من أخلاقه مَا يغالب) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الطّيب المتنبي
(وللنفسِ أخلاقٌ تدلّ على الْفَتى ... أكَانَّ سخاءً مَا أَتَى أم تساخيا) // الطَّوِيل //
وَعَن الْمَدَائِنِي أَن عُرْوَة بن الزبير ﵁ لحق بِعَبْد الْملك بن مَرْوَان ﵄ فَكَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ مُنْفَردا أكْرمه وَإِذا دخل عَلَيْهِ وَعِنْده أهل الشَّام استخف بِهِ فَقَالَ لَهُ يَوْمًا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بئس المزور أَنْت تكرم ضيفك فِي الخلا وتهينه فِي الملا ثمَّ قَالَ لله در زُهَيْر حَيْثُ يَقُول
(فَحُلى من دِيَارك إنّ قوما ... مَتى يَدعُوا ديارهمُ يهونوا) // الوافر //
ثمَّ استأذنه فِي الرُّجُوع إِلَى الْمَدِينَة المنورة فَقضى حَوَائِجه وَأذن لَهُ
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي كَانَ لزهير فِي الشّعْر مَا لم يكن لغيره كَانَ أَبوهُ شَاعِرًا وَهُوَ شَاعِر وخاله شَاعِر وابناه كَعْب وبجيرٌ شاعران وَأُخْته سلمى شاعرة وَأُخْته الخنساء شاعرة وَهِي القائلة ترثيه
(وَمَا يُغني توَقِّي المرءِ شَيْئا ... وَلَا عقدُ التميم وَلَا الغضارُ)
(إِذا لَاقَى منيتهُ فأمسى ... يساقُ بِهِ وَقد حق الحذارُ)
(ولاقاهُ من الأيامِ يومٌ ... كَمَا من قبلُ لم يخلد قدار) // الوافر //
وَكَانَ زُهَيْر يضْرب بِهِ الْمثل فِي التَّنْقِيح فَيُقَال حوليات زُهَيْر لِأَنَّهُ كَانَ يعْمل القصيدة فِي لَيْلَة ثمَّ يبْقى حولا ينقحها
стр. 322
وَمِمَّا يعد من محاسنه قَوْله
(وأَبيض فياض نداهُ غمامةٌ ... على مقتفيه مَا تُغِبّ فواضله)
(ترَاهُ إِذا مَا جِئْته متهللا ... كَأَنَّك تعطيه الَّذِي أَنْت سائله) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(كمْ زرتهُ وظلامُ الليلَ منسدلٌ ... مسهم راقَ إعجاباً بأنجمه)
(وأُبتُ وَالصُّبْح منحور بكوكبهِ ... وسائق الشَّفق المحمر من دمهِ) // الْبَسِيط //
ومحاسنه ومحاسن أَوْلَاده كَثِيرَة وغرتها قصيدة كَعْب وَهِي
(بَانَتْ سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ ... )
المشرفة بِمن قيلت فِيهِ ﷺ ٦٢
(فإِنكَ كالليل الَّذِي هُوَ مدركي ... وَإنْ خلتُ أَن المنتأى عَنْك واسعُ)
الْبَيْت للنابغة الذبياني من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا أَبَا قَابُوس وَهُوَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة وأولها
(عفاذ وحسا من فرتني فالفوارعُ ... فجنبا أريك فالتلاع الدوافع)
(فمجتمع الأشراج غيَّرَ رسمَها ... مصايفُ قد مرتْ بِنَا ومرابع)
(توهمْتُ آيَات لَهَا فعرفتهَا ... لستةِ أعوامِ وذَا الْعَام سَابِع) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
(وَقد حَال همّ دون ذَلِك شاغلٌ ... مَكَان الشغاف تبتغيه الأصابعُ)
(وَعيدُ أبي قابوسَ فِي غير كهنه ... أَتَانِي ودوني راكسٌ فالضواجِعُ)
стр. 323
(فَبت كَأَنِّي ساورتني ضَئيلةٌ ... من الرُّقْش فِي أنيابها السم ناقعُ)
(يُسهَّدُ من ليل التَّمام سليمها ... لحَلى النِّسَاء فِي يَدَيْهِ قَعَاقعُ)
(تَناذَرها الراقونَ من سوءِ سمها ... تُطَلقِّهُ طَوْراً وطَوْراً تراجعُ)
(أَتَانِي أبَيْت اللعنَ أنكَ لمتني ... وَتلك الَّتِي تَستْكَ مِنْهَا المسامعُ)
(مقالةُ أَن قد قلت سَوف أنالُهُ ... وذلكَ من تلقاءِ مثلك رائع) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
(فَإِن كنتَ لَا ذُو الضَّغِن عني مُكذَّب ... وَلَا حَلفِي على البرَاءَةِ نافُع)
(وَلَا أَنا مأمونٌ بشيءِ أقوُلهُ ... وَأَنت بِأمرٍ لَا محالةَ واقعُ)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(خَطاطيفُ حُجْنٌ فِي حِبالٍ متينة ... تمدُّ بهَا أيدٍ إلَيكَ نوازُع)
(سَتبلُغ عذرا أَو نجاحاً من امرِئ ... إِلَى رَبّهِ ربّ البريةِ رَاكِع)
(أتوعِدُ عبدا لم يخُنكَ أَمَانَة ... وَيتْرك عبدٌ ظَالِم وَهُوَ ظالعُ)
(وَأَنت رَبيعٌ يُنعش الناسَ سيبْهُ ... وَسَيفٌ أُعيرَتهُ المنيةُ قاطعُ)
(أبي الله إِلَّا عَدْلَهُ ووفاءَهُ ... فَلَا النكر معروفٌ وَلَا الْعرف ضائع)
стр. 324
(وتُسقي إِذا مَا شِئْت غيرَ مُصَرَّد ... بزَورَاءَ فِي حافاتها الْمسك كانع) // الطَّوِيل //
والمنتأى اسْم مَوضِع من انتأى عَنهُ أَي بعد وَشبهه بِاللَّيْلِ لِأَنَّهُ وَصفه فِي حَال سخطه وهوله
وَالْمعْنَى أَنه لَا يفوت الممدوح وَإِن أبعد فِي الْهَرَب وَصَارَ إِلَى أقْصَى الأَرْض لسعة ملكه وَطول يَده وَلِأَن لَهُ فِي جَمِيع الْآفَاق مُطيعًا لأَمره يرد الهارب إِلَيْهِ
وَقد اعْترض الْأَصْمَعِي على النَّابِغَة فَقَالَ أما تشبيهه الْإِدْرَاك بِاللَّيْلِ فقد تساوى اللَّيْل وَالنَّهَار فِيمَا يدركانه وَإِنَّمَا كَانَ سَبيله أَن يَأْتِي بِمَا لَا قسيم لَهُ حَتَّى يَأْتِي بِمَعْنى مُنْفَرد فَلَو قَالَ قَائِل إِن قَول النميري فِي ذَلِك أحسن مِنْهُ لوجد مساغاً إِلَى ذَلِك حَيْثُ يَقُول
(فَلَو كنتُ كالعَنقاءِ أَو كسموها ... لَخِلْتكَ إِلَّا أَن تَصدَّ تراني) // الطَّوِيل //
وَالشَّاهِد فِيهِ مُسَاوَاة اللَّفْظ للمعنى المُرَاد
وَفِي معنى بَيت النَّابِغَة قَول عَليّ بن جبلة
(وَمَا لامرئ حاوَلْتُه منكَ مَهَربٌ ... وَلَو رَفَعتهُ فِي السماءِ المطالعُ)
(بَلى هاربٌ لَا يَهْتَدِي لمكانه ... ظلامٌ وَلَا ضوءٌ من الصُّبْح سَاطِع) // الطَّوِيل //
وَأكْثر الأدباء يرجحه على بَيت النَّابِغَة وَفِي هَذَا الْمَعْنى أَيْضا قَول سلم الخاسر
(فأنْتَ كالدهر مَبثوثاً حبائُلُه ... والدهرُ لَا ملْجأ منهُ وَلَا هربُ)
(وَلَو مَلَكتُ عنانَ الرّيح أصْرِفها ... فِي كل نَاحيَة مَا فاتَكَ الطلَبُ) // الْبَسِيط //
وتناوله البحتري أَيْضا فَقَالَ
(وَلَو أَنهم ركبُوا الْكَوَاكِب لم يكن ... ينجيهمُ من خوفِ بأسك مهرب) // الْكَامِل //
стр. 325
وَمَا أبدع قَول أبي الْقَاسِم بن هَانِئ فِيهِ
(أَيْن المفر وَلَا مفَرَّ لهاربٍ ... ولكَ البسيطانِ الثرَي والماءُ) // الْكَامِل //
وَقَول الآخر
(فَلَو كُنْتُ فوقَ الرّيح ثمَّ طَلَبتني ... لَكُنْت كمن ضَاقَتْ عَلَيْهِ المذاهِبُ) // الطَّوِيل //
وبديع قَول أبي الْعَرَب الصّقليّ
(كَأَن بلادَ الله كفَّاكَ إِن يَسِرْ ... بهَا هاربٌ تجمعْ عَلَيْهِ الأنامِلُ)
(وأبن يَفِرُّ المرءُ عَنْك بجرمِهِ ... إِذا كَانَ تُطْوَي فِي يديكَ المراحل) // الطَّوِيل //
والنابغة اسْمه زِيَاد بن مُعَاوِيَة بن ضباب يَنْتَهِي نسبه إِلَى ذبيان ثمَّ لمضر ويكنى أَبَا أُمَامَة وَإِنَّمَا سمي النَّابِغَة لقَوْله
(وَقد نَبَغَتْ لَهُم منَّا شُؤون ... )
وَهُوَ أحد الْأَشْرَاف الَّذين غض مِنْهُم الشّعْر وَهُوَ من الطَّبَقَة الأولى المقدمين على سَائِر الشُّعَرَاء
عَن ربعي بن خرَاش قَالَ قَالَ لنا عمر ﵁ يَا معشر غطفان من الَّذِي يَقُول
(أتَيتكَ عَارِيا خَلَقاً ثِيَابِي ... على خوفٍ تُظن بيَ الظنونُ) // الوافر //
قُلْنَا النَّابِغَة قَالَ ذَاك أشعر شعرائكم
وَعَن جرير بن يزِيد بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ قَالَ كُنَّا عِنْد الْجُنَيْد
стр. 326
أَرَادَ لملتنا وأدفأتنا وأظلتنا إِلَّا أَنه حذف الْمَفْعُول من هَذِه الْمَوَاضِع ليدل على مَطْلُوبه بطرِيق الْكِنَايَة
والبحتري هُوَ الْوَلِيد بن عبيد بن يحيى يَنْتَهِي نسبه إِلَى طَيئ ويكنى أَبَا عبَادَة وَهُوَ شَاعِر فصيح فَاضل حسن المشرب وَالْمذهب نفي الْكَلَام مطبوع وَله تصرف فِي ضروب الشّعْر سوى الهجاء فَإِن بضاعته فِيهِ نزرة وجيده مِنْهُ قَلِيل وَكَانَ ابْنه أَبُو الْغَوْث يزْعم أَن السَّبَب فِي قلَّة بضاعته فِي هَذَا الْفَنّ أَنه لما حَضَره الْمَوْت دَعَا بِهِ وَقَالَ لَهُ اجْمَعْ كل شَيْء قلته فِي الهجاء فَفعل فَأمره بإحراقه
وَكَانَ البحتري يتشبه بِأبي تَمام فِي شعره ويحذو حَذْو مذْهبه وينحو نَحوه فِي الْبَدَائِع الَّتِي كَانَ أَبُو تَمام يستعملها وَيَرَاهُ صاحباً وإماماً ويقدمه على نَفسه وَيَقُول فِي الْفرق بَينه وَبَينه قَول منصف إِن جيد أبي تَمام خير من جيده ووسطه ورديئه خير من وسط أبي تَمام وردئيه وَكَذَا هُوَ حكم لنَفسِهِ
وَسُئِلَ أَبُو الْعَلَاء المعري أَي الثَّلَاثَة أشعر أَبُو تَمام أم البحتري أم المتنبي فَقَالَ هما حكيمان والشاعر البحتري
стр. 327
ابْن عبد الرَّحْمَن بخراسان وَعِنْده بَنو مرّة وجلساؤه من النَّاس فتذاكروا شعر النَّابِغَة حَتَّى أنشدوا قَوْله
(فَإنَّك كالليل الَّذِي هُوَ مدركي ... )
الْبَيْت فَقَالَ شيخ من بني مرّة وَمَا الَّذِي رأى فِي النُّعْمَان حَتَّى يَقُول مثل هَذَا وَهل كَانَ النُّعْمَان إِلَّا على منظرة من مناظر الْحيرَة وَقَالَت ذَلِك القيسية أَيْضا فَأَكْثَرت فَنظر إِلَيّ الْجُنَيْد فَقَالَ يَا أَبَا خَالِد لَا يهولنك قَول هَؤُلَاءِ الأعاريب وَأقسم بِاللَّه لَو عاينوا من النُّعْمَان مَا عاين صَاحبهمْ لقالوا أَكثر مِمَّا قَالَ وَلَكنهُمْ قَالُوا مَا تسمع وهم آمنون
وَقَالَ عمر بن الْمُنْتَشِر الْمرَادِي وفدنا على عبد الْملك بن مَرْوَان فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقَامَ رجل فَاعْتَذر إِلَيْهِ من أَمر وَحلف عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عبد الْملك مَا كنت حرياً أَن تفعل وَلَا تعتذر ثمَّ أقبل على أهل الشَّام فَقَالَ أَيّكُم يروي من اعتذار النَّابِغَة إِلَى النُّعْمَان
(حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَة ... وَلَيْسَ وَرَاء الله للمرء مَذْهَب) // الطَّوِيل //
فَلم يجد فيهم من يرويهِ فَأقبل عَليّ فَقَالَ أترويه قلت نعم فَأَنْشَدته القصيدة كلهَا فَقَالَ هَذَا أشعر الْعَرَب
وَعَن أبي عُبَيْدَة وَغَيره أَن النَّابِغَة كَانَ خَاصّا بالنعمان وَكَانَ من ندمائه وَأهل أنسه فَرَأى زَوجته المتجردة يَوْمًا وَقد غشيها شَيْء شَبيه بالفجاءة فَسقط نصيفها فاستترت بِيَدَيْهَا وذراعيها فَكَادَتْ ذراعها تستر وَجههَا لعبالتها
стр. 328
وغلظها فَقَالَ قصيدته الَّتِي أَولهَا
(من آلِ مَيَّةَ رائحٌ أَو مُغتدي ... عَجْلان ذَا زادٍ وغيرَ مُزوَّدِ)
(زعم البَوارحُ أَن رحْلَتَنا غَدا ... وبذاك تَنْعاب الغرابِ الأسودِ)
(لَا مرْحَبًا بغد وَلَا أَهلا بهِ ... إِن كانَ تفريقُ الأحبةِ فِي غدِ)
(أزفَ الترحُّلُ غيرَ أَن ركابَنا ... لما نزل برحالِنا وَكَأن قد)
(فِي إنرغانية رَمَتك بِسهمها ... فَأصَاب قلْبَكَ غيرَ أَن لم تقصِد)
(بالدُّر والياقوت زُيْنَ نحرُها ... ومُفَصَّلٍ مِن لؤلؤٍ وزبرجَدِ)
(سقط النصيف وَلم ترد إِسْقَاطه ... فتناولته واتَّقتنا باليَدِ)
(بُمخَضَّبٍ رَخْصٍ كَأَن بَنَانَهُ ... عنمٌ على أغصانه لم يُعقَدِ)
(وبفاحِمٍ رَجْلٍ أثيثٍ نَبْتُهُ ... كالكرم مَال على الدِّعام المسَندِ)
(نَظرتْ إليكَ لحَاجةٍ لم تَقضها ... نَظرَ السَّقيم إِلَى وُجوهِ الْعودِ) // الْكَامِل //
وَهِي طَوِيلَة فأنشدها النَّابِغَة مرّة بن سعد القريعي فأنشدها مرّة النُّعْمَان فَامْتَلَأَ غَضبا وأوعد النَّابِغَة وتهدده فهرب فَأتى قومه ثمَّ شخص إِلَى مُلُوك غَسَّان بِالشَّام فامتدحهم
وَقد اعْترض الْأَصْمَعِي على الْبَيْت الْأَخير من هَذِه الأبيات فَقَالَ أما تشبيهه مرض الطّرف فَحسن إِلَّا أَنه هجنه بِذكر الْعلَّة وتشبيهه الْمَرْأَة بالعليل
стр. 329
وَأحسن مِنْهُ قَول عدي بن الرّقاع العاملي
(وَكَأَنَّهَا بَين النِّساءِ أَعارَها ... عَينيهِ أحْوَر مِنْ جآذِر جاسم)
(وسْنانُ أقْصدهُ النُّعاسُ فرنقت ... فِي عَيْنَيْهِ سِنَةٌ ولَيسَ بِنائم) // الْكَامِل //
وَأما قَوْله سقط النصيف الْبَيْت فيروى أَن عبد الْملك بن مَرْوَان قَالَ يَوْمًا لجلسائه أتعلمون أَن النَّابِغَة كَانَ مخنثاً قَالُوا وَكَيف ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أَو مَا سَمِعْتُمْ قَوْله يَعْنِي هَذَا الْبَيْت وَالله مَا عرف هَذِه الْإِشَارَة إِلَّا مخنث
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى أَبُو حَيَّة النميري فَقَالَ
(فألقتْ قناعاً دُونهُ الشَّمسُ واتقتْ ... بأحْسن مَوْصولين كفٍّ ومِعصمِ) // الطَّوِيل //
ثمَّ أَخذه الشماخ فَقَالَ
(إذَا مَرَّ مَنْ تخشى اتَّقته بِكفها ... وَسِبٍّ بنضْحِ الزَّعفران مُضرَّج) // الطَّوِيل //
وأظرف مَا يعرف من هَذَا الْمَعْنى مَا أنْشدهُ القَاضِي التنوخي لنَفسِهِ
(لم أنسَ شمسَ الضُّحى تُطالعني ... وَنحنُ فِي رَوضةٍ على فَرقِ)
(وَجفنُ عَيني بِمائهِ شَرِقٌ ... وَقدْ بَدَت فِي مُعصفرٍ شرِق)
(كَأَنَّهُ دَمعتي وَوجنتها ... حِين رَمتنا العيونُ بِالحدقِ)
(ثمَّ تَغطَّتْ بِكمها خَجلاً ... كالشمسِ غابتْ فِي حمرَة الشَّفق) // المنسرح //
رَجَعَ إِلَى أَخْبَار النَّابِغَة
عَن الْمفضل أَن مرّة الَّذِي وشى بالنابغة كَانَ لَهُ سيف قَاطع يُقَال لَهُ ذُو الريقة من كَثْرَة فرنده وجودته فَذكره النَّابِغَة للنعمان فاضطغن من ذَلِك مرّة حَتَّى وشى بِهِ إِلَى النُّعْمَان وحرضه عَلَيْهِ
وَقيل إِن الَّذِي من أَجله هرب النَّابِغَة من النُّعْمَان أَنه كَانَ هُوَ والمنخل بن عبيد ابْن عَامر الْيَشْكُرِي جالسين عِنْده وَكَانَ النُّعْمَان دميماً أبرش قَبِيح المنظر وَكَانَ
стр. 330
المنخل من أجمل الْعَرَب وَكَانَ يَرْمِي بالمتجردة زَوْجَة النُّعْمَان وتتحدث الْعَرَب أَن ابنى النُّعْمَان مِنْهَا كَانَا من المنخل فَقَالَ النُّعْمَان للنابغة يَا أَبَا أُمَامَة صف المتجردة فِي شعرك فَقَالَ قصيدته هَذِه وَوصف فِيهَا بَطنهَا وروادفها وفرجها فلحق المنخل من ذَلِك غيرةٌ فَقَالَ للنعمان مَا يَسْتَطِيع أَن يَقُول هَذَا الشّعْر إِلَّا من جرب فوقر ذَلِك فِي نفس النُّعْمَان وَبلغ النَّابِغَة فخافه فهرب فَصَارَ إِلَى غَسَّان فَنزل بِعَمْرو بن الْحَارِث الْأَصْغَر ومدحه ومدح أَخَاهُ النُّعْمَان وَلم يزل مُقيما مَعَ عَمْرو حَتَّى مَاتَ وَملك أَخُوهُ النُّعْمَان فَصَارَ مَعَه إِلَى أَن استعطفه النُّعْمَان فَعَاد إِلَيْهِ
وَعَن أبي بكر الْهُذلِيّ قَالَ قَالَ حسان بن ثَابت ﵁ قدمت على النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَقد امتدحته فَأتيت حَاجِبه عِصَام بن شهير فَجَلَست إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي أرى عَرَبيا أَفَمَن الْحجاز أَنْت قلت نعم قَالَ فَكُن قحطانياً قلت فَإِنِّي قحطاني قَالَ فَكُن يثربياً قلت فَإِنِّي يثربي قَالَ فَكُن خزرجياً قلت فَإِنِّي خزرجي قَالَ فَكُن حسان بن ثَابت قلت فَأَنا هُوَ قَالَ أجئت بمدحة الْملك قلت نعم قَالَ فَإِنِّي سأرشدك إِذا دخلت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ سيسألك عَن جبلة بن الْأَيْهَم ويسبه فإياك أَن تساعده على ذَلِك وَلَكِن أمرر ذكره إمراراً لَا توَافق فِيهِ وَلَا تخَالف وَقل مَا دُخُول مثلي أَيهَا الْملك بَيْنك وَبَين جبلة وَهُوَ مِنْك وَأَنت مِنْهُ فَإِن دعَاك إِلَى الطَّعَام فَلَا تواكله فَإِن أقسم عَلَيْك فأصب مِنْهُ الْيَسِير إِصَابَة مبر قسمه متشرف بمواكلته لَا أكل جَائِع سغب وَلَا تبدأه بأخبار عَن شَيْء حَتَّى يكون هُوَ السَّائِل لَك وَلَا تطل الْإِقَامَة فِي مَجْلِسه فَقلت أحسن الله رفدك قد أوصيت واعياً وَدخل ثمَّ خرج إِلَيّ فَقَالَ ادخل فَدخلت وحييت بِتَحِيَّة الْملك فجاراني فِي أَمر جبلة مَا قَالَه لي عِصَام كَأَنَّهُ كَانَ حَاضرا فأجبت بِمَا أَمرنِي ثمَّ استأذنته فِي الإنشاد فَأذن لي فَأَنْشَدته ثمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ فَفعلت مثل ذَلِك فَأمر لي بجائزة سنية وَخرجت فَقَالَ لي عِصَام بقيت عَلَيْك وَاحِدَة لم أوصك بهَا بَلغنِي أَن النَّابِغَة الذبياني
стр. 331
(وَرَنَّة تَحت غنة قدرتْ ... من هَالك الرَّاء ذامر الألفِ)
(كَأَن فِي فِيهِ لقْمَة عقلت ... لِسَانه فالتوى على حنفِ)
(محركٌ رأسَهُ توهمهْ ... قدْ قامَ من عطسة على شرف) // المنسرح //
وَهُوَ بليغ التَّشْبِيه فِي مَعْنَاهُ
وَأنْشد البحتري شَيْئا من شعر أبي سهل بن نوبخت فَجعل يُحَرك رَأسه فَقيل لَهُ مَا تَقول فِيهِ فَقَالَ هُوَ يشبه مضغ المَاء لَيْسَ لَهُ طعم وَلَا معنى
وَقد نظمت هَذَا لغَرَض عرض لي فَقلت
(ربّ خُذ للشعر من زُمَرِ ... أسمعونا مِنْهُ مَا أضني)
(مثلُ طعم المَاء لَيْسَ لَهُ ... فِي فمٍ طعمٌ وَلَا معنى) // المديد //
وَرَأَيْت بعد ذَلِك بَيْتا آخر فِي الْمَعْنى وَهُوَ
(حَدِيث مثلْ لعق المَاء بحتاً ... وَلَيْسَ للعق بحت المَاء طعم) // الوافر //
والبحت بِالْمُثَنَّاةِ فَوق الصّرْف
وَذكرت بِأَبْيَات البحتري فِي الحبسة مَا نظمته قَدِيما وَهُوَ
(إِن قالَ شعرًا خلته ... علكاً قَوِيا يعلك)
(وإنَ شدا فصوتهُ ... صَوت دَجَاج يمسك) // الرجز //
واجتازت جاريةٌ بالمتوكل مَعهَا كوز مَاء وَهِي أحسن من الْقَمَر فَقَالَ مَا اسْمك قَالَت برهَان قَالَ وَلمن هَذَا المَاء قَالَت لستي قبيحة قَالَ صَبِيه فِي حلقي فشربه عَن آخِره ثمَّ قَالَ للبحتري قل فِي هَذَا شَيْئا فَقَالَ
(مَا قهوةٌ من رحيق كأسها ذهبٌ ... جَاءَت بهَا الْحور من جنَّات رضوانِ)
(يَوْمًا بأطيب من مَاء بِلَا عطشٍ ... شربته عَبَثا من كف برهانِ) // الْبَسِيط //
стр. 332
قادم عَلَيْهِ وَإِذا قدم عَلَيْهِ فَلَيْسَ لأحد مِنْهُ حَظّ سواهُ فَاسْتَأْذن حِينَئِذٍ وَانْصَرف مكرماً خير من أَن تَنْصَرِف مجفوا قَالَ فأقمت بِبَابِهِ شهرا ثمَّ قدم عَلَيْهِ خَارِجَة ابْن سِنَان ومنظور بن زبان الفزاريان وَكَانَ بَينهمَا وَبَين النُّعْمَان دخلل أَي خَاصَّة وَكَانَ مَعَهُمَا النَّابِغَة قد استجار بهما وسألهما مسالة النُّعْمَان أَن يرضى عَنهُ فَضرب عَلَيْهِمَا قبَّة وَلم يشْعر أَن النَّابِغَة مَعَهُمَا فَدس النَّابِغَة قينة تغنية بِشعرِهِ
(يَا دارمية بالْعلياء فالسَّندِ ... )
فَلَمَّا سمع الشّعْر قَالَ أقسم بِاللَّه إِنَّه لشعر النَّابِغَة وَسَأَلَ عَنهُ فَأخْبر أَنه مَعَ الفزاريين وَكَلَّمَاهُ فِيهِ فَأَمنهُ ثمَّ خرج فِي غب سَمَاء فعارضه الفزاريان والنابغة بَينهمَا قد خضب بحناء وأقنى خضابه فَلَمَّا رَآهُ النُّعْمَان قَالَ هِيَ بِدَم كَانَت أَحْرَى أَن تخضب فَقَالَ الفزاريان أَبيت اللَّعْن لَا تَثْرِيب قد أجرناه وَالْعَفو أجمل قَالَ فَأَمنهُ واستنشده أشعاره فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ حسان بن ثَابت فحسدته على ثَلَاث لَا أَدْرِي على أيتهن كنت أَشد لَهُ حسداً على إدناء النُّعْمَان لَهُ بعد المباعدة ومسايرته لَهُ وإصغائه إِلَيْهِ أم على جودة شعره أم على مائَة بعير من عصافيره أَمر لَهُ بهَا
قَالَ وَكَانَ النَّابِغَة يَأْكُل وَيشْرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة من عطايا النُّعْمَان وَأَبِيهِ وجده لَا يسْتَعْمل غير ذَلِك
وَقيل إِن السَّبَب فِي رُجُوع النَّابِغَة إِلَيْهِ بعد هربه مِنْهُ أَنه بلغه أَنه عليل لَا يُرْجَى فأقلقه ذَلِك وَلم يملك الصَّبْر على الْبعد عَنهُ مَعَ علته وَمَا خافه عَلَيْهِ وأشفق من حُدُوثه بِهِ فَصَارَ إِلَيْهِ فألفاه مَحْمُولا على سَرِير ينْقل مَا بَين الْعمرَان وقصور الْحيرَة فَقَالَ لعصام حَاجِبه
стр. 333
(ألم أقسمْ عَليكَ لَتخبرنِّي ... أمحمولٌ على النَّعش الهمامُ)
(فإِني لَا ألامُ على دُخولي ... وَلكنْ مَا وَراءكَ يَا عِصامُ)
(فإِنْ يَهلكْ أَبو قابوسَ يَهلك ... رَبيعُ النَّاسِ والشَّهرُ الحَرامُ)
(ونُمْسِكْ بَعدُه بذناب عَيش ... أجْبِّ الظَّهرِ لَيسُ لهُ سَنامُ) // الوافر //
وَمَات النَّابِغَة الذبياني على جاهليته وَلم يدْرك الْإِسْلَام
٦٣ - (أنَا ابْنَ جَلَا ... ... . ... ) هُوَ أول بَيت لسحيم بن وثيل الريَاحي وَلَفظه
(أَنا ابنُ جلا وطلاع الثنايا ... مَتى أَضَع الْعِمَامَة تَعرفونِي)
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة من الوافر أَولهَا
(أفاطِمَ قبل بَيْنك متعيني ... ومنعُكِ مَا سألتُ كَأَن تبيني) // الوافر //
يَقُول فِيهَا أَيْضا
(فإنَّ عُلالتي وجرَاء حَولي ... لذُو شقّ عَلى الضَّرع الظَّنونِ)
(أَنا ابنُ الغرّ من سلفي رياحٍ ... كنصلِ السيفِ وضاح الجبين) // الوافر //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وإنَّ مكانَنا من حِميرِيّ ... مكانُ الليثِ من وَسطِ العرينِ)
стр. 334
(وإِن قَناتنا مَشِظٌ شَظاها ... شديدٌ مدّها عنقَ القرِين)
(وَإِنِّي لَا يعودُ إليَّ قِرني ... غداةَ الغبِّ إِلَّا فِي قَرين)
(بِذِي لِبَدٍ يَصُدُّ الرَّكبَ عنهُ ... وَلَا تُؤتي فريستهُ لحينِ)
(عذرت البُزلَ إِذْ هيَ صاوَلتني ... فَمَا بالي وبالُ ابنْي لَبون)
(وماذا يَبْتَغِي الشعراءُ مني ... وَقد جاوزتُ حدَّ الْأَرْبَعين)
(أَخو الْخمسين مجتمعٌ أشِدّي ... ونَجَّذَنِي مُداوَرَةُ الشؤونِ)
(سأجني مَا جنيتُ وإنَّ ظَهْري ... لذُو سندٍ إِلَى نضد أَمِين) // الوافر //
وَكَانَ السَّبَب فِي قَوْله هَذِه الأبيات أَن رجلا أَتَى الأبيرد الريَاحي وَابْن عَمه الْأَحْوَص وهما من ردف الْمُلُوك من بني ريَاح يطْلب مِنْهُمَا قطراناً لإبله فَقَالَا لَهُ إِن أَنْت أبلغت سحيم بن وثيل الريَاحي هَذَا الشّعْر أعطيناك قطراناً فَقَالَ قولا فَقَالَا اذْهَبْ فَقل لَهُ
стр. 335
(فَإِن بُداهتي وجراءَ حَولي ... لذُو شقّ على الحطمِ الحَرُون)
فَلَمَّا أَتَاهُ وأنشده الشّعْر أَخذ عَصَاهُ وَانْحَدَرَ فِي الْوَادي يقبل فِيهِ وَيُدبر ويهمهم بالشعر ثمَّ قَالَ اذْهَبْ فَقل لَهما وَأنْشد الأبيات قَالَ فَأتيَاهُ فاعتذرا فَقَالَ إِن أحد كَمَا لَا يرى أَنه صنع شَيْئا حَتَّى يقيس شعره بشعرنا وحسبه بحسبنا ويستطيف بِنَا استطافة الْمهْر الأزب فَقَالَا لَهُ فَهَل إِلَى النزع من سَبِيل فَقَالَ إِنَّا لم نبلغ أنسابنا
وَذكر ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشّعْر وَالشعرَاء مطلع هَذِه القصيدة فِي أَبْيَات أخر ونسبها للمثقب الْعَبْدي وَقَالَ لَو كَانَ الشّعْر كُله على هَذِه القصيدة لوَجَبَ على النَّاس أَن يتعلموه وَصُورَة مَا أوردهُ ابْن قُتَيْبَة
(أفاطمَ قبلَ بَيْنك متعيني ... ومنعك مَا سَأَلت كَأَن تبيني)
(وَلا تُبدي مواعدَ كاذبات ... تمرُّ بهَا رياحُ الصيفِ دوني)
(فَإِنِّي لَو تُخالفني شِمالي ... بنصرٍ لم تصاحبْها يَمِيني)
(إِذاً لقطعتُها ولقلتُ بيني ... كَذَلِك أجتوِي من يجتوِيني)
(فإِما أَن تكون احي بِحَق ... فأعرف مِنْك غثِّي مِن سَميني)
(وَإِلَّا فاطرحني واتركنني ... عدوا أتقيك وتتقيني)
стр. 336
(وَما أَدْرِي إِذا يمَّمت أَرضًا ... أُرِيد الْخَيْر أيُّهما يليني)
(أألخير الَّذِي أَنا أبتغيه ... أم الشرُّ الَّذِي هُوَ يبتغيني)
والأبيات الْمَارَّة تقَوِّي أَنَّهَا لسحيم الْمَذْكُور فَلَعَلَّ اتِّفَاقهمَا فِي المطلع من بَاب توارد الخواطر وَالله أعلم
وجلا هُنَا غير منون لِأَنَّهُ أَرَادَ الْفِعْل فحكاه مُقَدرا فِيهِ الضَّمِير الَّذِي هُوَ فَاعل وَالْفِعْل إِذا سمي بِهِ غير منتزع عَنهُ الْفَاعِل لم يكن إِلَّا حِكَايَة كَقَوْل تأبط شرا
(كَذبْتُمْ وبيتِ الله لَا تأخذونها ... بني شابَ قرناها تُصَرُّ وتحلب) // الطَّوِيل //
وكقول الشَّاعِر
(وَالله مَا زيدٌ ينَام صاحبهْ ... وَلَا مخالطِ النيام جَانِبه) // الرجز //
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنا ابْن الَّذِي جلا وَبني الَّتِي يُقَال لَهَا شَاب قرناها وَوَاللَّه مَا زيد بِالَّذِي يُقَال فِيهِ نَام صَاحبه
وَابْن جلا يُقَال للرجل الْمَشْهُور أَي ابْن رجل قد انْكَشَفَ أمره أَو جلا الْأُمُور أَي كشفها والثنايا جمع ثنية وَهِي الْعقبَة يُقَال فلَان طلاع الثنايا أَي ركاب لصعاب الْأُمُور
وَالشَّاهِد فِيهِ إيجاز الْحَذف والمحذوف مَوْصُوف وَهُوَ هُنَا رجل من قَوْله أَنا ابْن جلا
وَهَذَا الْبَيْت تمثل بِهِ الْحجَّاج على مِنْبَر الْكُوفَة حِين دَخلهَا أَمِيرا حدث
стр. 337
عبد الْملك بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ قَالَ بَيْنَمَا نَحن بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع بِالْكُوفَةِ وَأهل الْكُوفَة يَوْمئِذٍ ذَوُو حَالَة حَسَنَة يخرج الرجل مِنْهُم فِي الْعشْرَة وَالْعِشْرين من موَالِيه إِذْ أَتَانَا آتٍ فَقَالَ هَذَا الْحجَّاج قدم أَمِيرا على الْعرَاق وَإِذا بِهِ قد دخل الْمَسْجِد معتماً بعمامة قد غطى بهَا أَكثر وَجهه مُتَقَلِّدًا سَيْفا متنكباً قوساً يؤم الْمِنْبَر فَمَال النَّاس نَحوه حَتَّى صعد الْمِنْبَر فَمَكثَ سَاعَة لَا يتَكَلَّم فَقَالَ بعض النَّاس لبَعض قبح الله بني أُميَّة كَيفَ تسْتَعْمل مثل هَذَا على الْعرَاق حَتَّى قَالَ عُمَيْر بن ضابئ البرجمي أَلا أحصبه لكم فَقَالُوا أمْهل حَتَّى نَنْظُر فَلَمَّا رأى الْحجَّاج أعين النَّاس تَدور إِلَيْهِ حسر اللثام عَن وَجهه ونهض فَقَالَ أَنا ابْن جلا وَأنْشد الْبَيْت وَقَالَ يَا أهل الْكُوفَة إِنِّي لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وَإِنِّي لصَاحِبهَا وَكَأَنِّي أنظر إِلَى الدِّمَاء بَين العمائم واللحى
(هَذَا أَوان الشَّد فاشتدِّي زِيَمْ ... قد لفها اللَّيْل بسواق حُطَمْ)
(لَيْسَ براعي إبل وَلَا غنم ... وَلَا بجزَّار على ظهر وَضَمْ)
ثمَّ قَالَ
(قد لفَّا اللَّيْل بعصلبيِّ ... أروعَ خرَّاج من الدَّوِّيِّ)
(مُهاجر لَيْسَ بأعرابي ... معاودٍ لِلطَّعْنِ بالخطىّ)
ثمَّ قَالَ أَيْضا
(قد شمرت عَن سَاقيهَا فشدّوا ... وجَدَّتِ الْحَرْب بكم فجدّوا)
(والقوس فِيهَا وترٌ عُرُدٌّ ... مثل ذِرَاع الْبكر أَو أشدُّ)
إِنِّي وَالله يَا أهل الْعرَاق لَا يقعقع لي بالشنان وَلَا يغمر جَانِبي كتغماز التنين
стр. 338
وَلَقَد فَرَرْت عَن ذكاء وفتشت عَن تجربة وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ نثل كِنَانَته بَين يَدَيْهِ فعجم عيدانها عوداً عوداً فرآني أمرهَا عوداً وأصلبها مكسراً وأبعدها مرمى فرماكم بِي لأنكم طالما أوضعتم فِي الْفِتْنَة واضطجعتم فِي مراقد الضلال وَالله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الْإِبِل فَإِنَّكُم لكأهل قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة يَأْتِيهَا رزقها رغداً من كل مَكَان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف بِمَا كَانُوا يصنعون وَإِنِّي وَالله مَا أَقُول إِلَّا وفيت وَلَا أهم إِلَّا أمضيت وَلَا أخلق إِلَّا فريت وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرنِي بإعطائكم أعطياتكم وَأَن أجهزكم إِلَى عَدوكُمْ مَعَ الْمُهلب بن أبي صفرَة وَإِنِّي أقسم بِاللَّه لَا أجد رجلا تخلف بعد أَخذ عطائه ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا ضربت عُنُقه يَا غُلَام اقْرَأ عَلَيْهِم كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى من بِالْكُوفَةِ من الْمُسلمين سَلام عَلَيْكُم فَلم يقل أحد مِنْهُم شَيْئا فَقَالَ الْحجَّاج اكفف يَا غُلَام ثمَّ أقبل عَليّ النَّاس فَقَالَ أيسلم عَلَيْكُم أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلم تردوا عَلَيْهِ شَيْئا هَذَا أدب ابْن سميَّة أما وَالله لأؤدبنكم غير هَذَا الْأَدَب أَو لتستقيمن
стр. 339
اقْرَأ يَا غُلَام كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا بلغ إِلَى قَوْله سَلام عَلَيْكُم لم يبْق فِي الْمَسْجِد أحد إِلَّا قَالَ وعَلى أَمِير الْمُؤمنِينَ السَّلَام ثمَّ نزل فَوضع للنَّاس أعطياتهم فَجعلُوا يأخذونها حَتَّى أَتَاهُ شيخ يرعش كبرا فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير إِنِّي من الضعْف على مَا ترى ولي ابْن هُوَ أقوى على الْأَسْفَار مني أفتقبله مني بَدَلا فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج نَفْعل أَيهَا الشَّيْخ فَلَمَّا ولي قَالَ لَهُ قَائِل أَتَدْرِي من هَذَا أَيهَا الْأَمِير قَالَ لَا قَالَ هَذَا عُمَيْر بن ضابئ البرجمي الَّذِي يَقُول أَبوهُ
(هَمَمْت وَلم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عُثْمَان تبْكي حلائُلهْ)
وَدخل هَذَا الشَّيْخ على عُثْمَان ﵁ يَوْم الدَّار وَهُوَ مقتول فوطئ بَطْنه وَكسر ضلعين من أضلاعه وَهُوَ يَقُول أَيْن تركت ضابئاً يَا نعثل فَقَالَ ردُّوهُ فَلَمَّا ردُّوهُ قَالَ لَهُ الْحجَّاج أَيهَا الشَّيْخ هلا بعثت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بَدَلا يَوْم الدَّار إِن فِي قَتلك لصلاحاً للْمُسلمين يَا حرسي اضْرِب عُنُقه فَسمع الْحجَّاج ضوضاء فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا هَذِه البراجم جَاءَت لتنصر عُمَيْرًا فِيمَا ذكرت فَقَالَ أتحفوهم بِرَأْسِهِ فَرَمَوْهُمْ بِرَأْسِهِ فَوَلوا هاربين وَجعل الرجل يضيق عَلَيْهِ أمره فيرتحل وَيَأْمُر وليه أَن يلْحقهُ بزاده وازدحم النَّاس على الجسر للعبور إِلَى الْمُهلب بن أبي صفرَة وَفِي ذَلِك يَقُول عبد الله بن الزبير الْأَسدي
(أقولُ لإِبْرَاهِيم لما رأيتهُ ... أرى الْأَمر أَمْسَى داهياً متشعباً)
(تخير فإمَّا أَن تزور ابْن ضابئ ... عُمَيْرًا وَإِمَّا أَن تزور المهلبا)
стр. 340
(هما خطتا خسف نجاؤكَ مِنْهُمَا ... ركوبك حولياً من الثَّلج أشهبَا)
(فَأضحى وَلَو كانتْ خراسانُ دونهُ ... رَآهَا مَكَان السُّوق أَو هِيَ أقربا) // الطَّوِيل //
٦٤ - (وإنّ صخراً لتأتمّ الهداةُ بهِ ... كَأَنَّهُ علم فِي رَأسه نارُ)
الْبَيْت للخنساء من مرثية فِي أَخِيهَا صَخْر وَهِي قصيدة من الْبَسِيط أَولهَا
(قذًى بعينكِ أم بِالْعينِ عُوَّارُ ... أم ذرّفت إِذْ خلتْ من أَهلهَا الدارُ)
(كأنَّ عَيْني لذكراهُ إِذا خطرَتْ ... فيضٌ يسيل على الخَدين مدرارُ)
(تبْكي خناسُ على صَخْر وحُق لَهَا ... إِذْ رأبها الدهرُ إنَّ الدَّهْر ضرِّارُ)
(تبْكي لصخر هِيَ العبرى وَقد ثكلت ... ودونهُ من جَدِيد الترب أستارُ)
(لَا بدّ من ميتةٍ فِي صرفهَا غيرٌ ... والدهرُ فِي صرفهِ حولٌ وأطوارُ)
(يَا صخرُ وَارد مَاء قدْ تنَاذرهُ ... أهلُ المواردِ مَا فِي وِردِهِ عارُ)
(مَشى السبنتيَ إِلَى هيجاء معضلة ... لهُ سِلاحان أَنْيَاب وأظفار)
(فَمَا عجول على بوٍّ تُطيفُ بهِ ... لهَا حَنينانِ إصغار وإكبَارُ)
(ترْعى إِذا نَسِيت حَتَّى إِذا ذكرتْ ... فَإِنَّمَا هِيَ إقبال وَإِدبارُ)
стр. 341
(لَا تسمنُ الدهرَ فِي أَرض وَإِن ربعت ... فَإِنَّمَا هِيَ تَحْنَان وتسجارُ)
(يَوْمًا بأوجدَ مني حينَ فارَقني ... صَخْر وللدهر إحلاء وإمرار)
(وإنّ صَخراً لوالينا وسيدُنا ... وإِنَّ صَخراً إِذا نشتو لنحَّارُ) // الْبَسِيط //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(لمْ ترَهُ جَارة يمشي بساحتها ... لريبةِ حينَ يُخلِي بيتَهُ الجارُ)
(وَلا ترَاهُ وَمَا فِي الْبَيْت يأكلهُ ... لكنهُ بارز بالصحن مِهمَارُ)
(مِثلُ الرديني لم تنفذ شبيبتهُ ... كَأَنَّهُ تحتَ طيِّ البرْدِ أسوارُ)
(فِي جَوف رمسٍ مُقيم قدْ تضمنهُ ... فيِ رمسهِ مقمَطرَّات وأحجار)
(طلق الْيَدَيْنِ بفعلِ الْخَيْر ذُو فجر ... ضخم الدسيعة بالخيرات أمار) // الْبَسِيط //
وَالْعلم الْجَبَل الطَّوِيل وَقيل هُوَ عَام فِي كل جبل
وَالشَّاهِد فِيهِ زِيَادَة الْمُبَالغَة فِي الإيغال وَهُوَ قَوْلهَا فِي رَأسه نَار
стр. 342
فَإِن قَوْلهَا علم واف بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ تَشْبِيه بِمَا هُوَ مَعْرُوف بالهداية لَكِنَّهَا أَتَت بالتتمة إيغالاً وَزِيَادَة للْمُبَالَغَة
وَقد ضمن عز الدّين الْموصِلِي عجز الْبَيْت فِي سامري اسْمه نجم فَقَالَ
(وسامريّ أعارَ البدرَ فضلَ سنَا ... سَمَّوْهُ نجماً وذاكَ النجْمُ غَرَّارُ)
(تهتز قامَتهُ من تَحت عِمتهِ ... كَأَنَّهُ علم فِي رَأسه نَار) // الْبَسِيط //
والخنساء اسْمهَا تماضر بنت عَمْرو بن الْحَارِث بن الشريد يَنْتَهِي نَسَبهَا لمضر والخنساء لقب غلب عَلَيْهَا وفيهَا يَقُول دُرَيْد بن الصمَّة وَكَانَ خطبهَا فَردته وَكَانَ رَآهَا تهنأ بَعِيرًا
(حيُّوا تماضرَ وارْبَعُوا صحبي ... وقفُوا فإِنّ وقوفكم حسبي)
(أخُنَاسُ قد هامَ الفؤادُ بكم ... وأصابه تَبلٌ من الْحبّ)
(مَا إِنْ رأيتُ وَلَا سمعتُ بهِ ... كَالْيَوْمِ طالي أنيق جُرْبِ)
(متبذلاً تبدو مَحاسنهُ ... يضعُ الهناء مَوَاضِع النقب) // الْكَامِل //
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَمُحَمّد بن سَلام لما خطبهَا دُرَيْد بعثت خَادِمًا لَهَا وَقَالَت انظري إِلَيْهِ إِذا بَال فَإِن كَانَ بَوْله يخرق الأَرْض ويخد فِيهَا فَفِيهِ بَقِيَّة وَإِن كَانَ بَوْله يسيح على الأَرْض فَلَا بَقِيَّة فِيهِ فَرَجَعت إِلَيْهَا وأخبرتها أَن بَوْله ساح على وَجه الأَرْض فَقَالَت لَا بَقِيَّة فِي هَذَا وَأرْسلت إِلَيْهِ مَا كنت لأدع
стр. 343
بني عمي وهم مثل عوالي الرماح وأتزوج شَيخا فَقَالَ
(وقاكِ اللهُ يَا ابْنة آل عَمْرو ... منَ الفتيَان أشبَاهي وَنفسي)
(وقالَتْ إِنَّنِي شيخٌ كبيرٌ ... ومَا نبأتها أَنِّي ابنُ أمس)
(فَلَا تلدي وَلَا ينكحك مِثلي ... إذَا مَا ليلةٌ طرفت بنخس)
(تُرِيدُ شَرّ نبث الْقَدَمَيْنِ شَثناً ... يبَاشرُ بالعشية كل كرسِ) // الوافر //
فَقَالَت الخنساء
(مُعَاذَ الله ينكحني حَبَرْكَى ... يقَال أَبوهُ منْ جُشَم بن بكرِ)
(ولوْ أصبحتُ فِي جُشم هديّا ... إِذَا أصبحتُ فِي دنس وفقر) // الوافر //
وَكَانَت الخنساء فِي أول أمرهَا تَقول الْبَيْتَيْنِ وَالثَّلَاثَة حَتَّى قتل أَخَوَاهَا مُعَاوِيَة وصخر وَكَانَ صَخْر أخاها لأَبِيهَا وَكَانَ أحبهما إِلَيْهَا لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيمًا جواداً محبوباً فِي الْعَشِيرَة
وَكَانَ من حَدِيث قَتله مَا ذكره أَبُو عُبَيْدَة قَالَ غزا صَخْر بن عَمْرو وَأنس ابْن عَبَّاس الرعلي بني أَسد بن خُزَيْمَة فَأَصَابُوا غَنَائِم وسبياً وَأخذ صَخْر يَوْمئِذٍ بديلة امْرَأَة من بني أَسد وأصابته يَوْمئِذٍ طعنة طعنة بهَا رجل يُقَال لَهُ ربيعَة بن ثَوْر ويكنى أَبَا ثَوْر فَأدْخل جَوْفه حلقا من الدرْع فاندمل عَلَيْهِ حَتَّى شقّ عَلَيْهِ بعد سِنِين وَكَانَ ذَلِك سَبَب مَوته وروى أَن صخرا مرض من تِلْكَ الطعنة قَرِيبا من حول
стр. 344
حَتَّى مله أَهله فَسمع صخرا امْرَأَة تسْأَل سلمى امْرَأَته كَيفَ بعلك فَقَالَت لَا حيٌ فيرجى وَلَا ميت فيسلى وَقد لَقينَا مِنْهُ الْأَمريْنِ فَقَالَ صَخْر فِي ذَلِك
(أَرى أمَّ صخرٍ لَا تمَلُّ عيادتي ... ومَلَّتْ سُلَيمى مِضْجَعي ومَكاني)
(وَما كنتُ أخشَى أَن أكونَ جَنَازَة ... عليكِ وَمن يَغترُّ بالحَدَثان)
(أهُمُّ بِأَمْر الحزم لَو أستطيعه ... وَقد حيلَ بينَ العْيرِ والنَّزَوان)
(لعمري بقد نَبُهْتَ من كَانَ نَائِما ... وأسمعت من كَانَت لَهُ أذُنان)
(وللموتُ خيرٌ من حَيَاة كَأَنَّهَا ... محلّة يَعسوبٍ بِرَأْس سِنان)
(وأيُّ امْرِئ سَاوَى بأمٍّ حَلِيلَة ... فَلَا عَاشَ إِلَّا فِي شقا وهوان) // الطَّوِيل //
وَزعم قوم أَن الَّتِي قَالَت هَذِه الْمقَالة بديلة الأَسدِية الَّتِي كَانَ سباها من بني أَسد واتخذها لنَفسِهِ وَأنْشد مَكَان الْبَيْت الأول
(أَلا تلكُمُ عرسي بديلةُ أوْجَسَتْ ... فراقي وملت مضجعي ومكاني)
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فَمَا طَال عَلَيْهِ الْبلَاء وَقد نتأت قِطْعَة مثل الْيَد فِي جنبه من مَوضِع الطعنة فتدلت وَاسْتَرْخَتْ قَالُوا لَهُ لَو قطعتها لرجونا أَن تَبرأ فَقَالَ شَأْنكُمْ وَهِي فأشفق عَلَيْهِ بَعضهم فنهاهم فَأبى صَخْر وَقَالَ الْمَوْت أَهْون على مِمَّا أَنا فِيهِ فأحموا لَهُ شفرة ثمَّ قطعوها فيئس من نَفسه قَالَ وَسمع صَخْر أُخْته الخنساء وَهِي تَقول كَيفَ كَانَ صبره فَقَالَ صَخْر فِي ذَلِك
(أجارتنا إِن الخطوب تنوب ... على النَّاس كلِّ المخطئين تُصيبُ)
стр. 345
(فَإِن تسأليني هَل صَبرتُ فإنني ... صبورٌ على ريب الزَّمَان أريبُ)
(كَأَنِّي وَقد أدْنَوْا إلىَّ شِفارهم ... من الصَّبْر دامي الصفحتين ركُوب)
(أجارتنا لستُ الغداةَ بظاعنٍ ... وَلَكِن مقيمٌ مَا أَقَامَ عسيب) // الطَّوِيل //
فَمَاتَ فَدفن هُنَاكَ فقبره قريب من عسيب وَهُوَ جبل بِأَرْض بني سليم إِلَى جنب الْمَدِينَة المنورة
وروى أَنه لما طعن وَدخلت حلق الدرْع فِي جَوْفه ضجر مِنْهَا زَمَانا وَبعث إِلَى ربيعَة الْأَسدي الَّذِي طعنه إِنَّك أخذت خلقا من دِرْعِي بسنانك فَقَالَ لَهُ ربيعَة اطلبها فِي جوفك فَكَانَ ينفث الدَّم وَتلك الْحلق مَعَه فملته امْرَأَته وَكَانَ يكرمها ويعينها على أَهله فَمر بهَا رجل وَهِي قَائِمَة وَكَانَت ذَات كفل وأوراك فَقَالَ لَهَا أيباع هَذَا الكفل فَقَالَت عَمَّا قَلِيل وصخر يسمع ذَلِك فَقَالَ لَئِن اسْتَطَعْت لأقدمنك أَمَامِي ثمَّ قَالَ لَهَا ناوليني السَّيْف أنظر هَل تقله يَدي فَدَفَعته إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ لَا يقلهُ فَعندهَا أنْشد الأبيات السَّابِقَة ثمَّ لم يلبث أَن مَاتَ وَكَانَ أَخُوهُ مُعَاوِيَة قد قتل قبله ورثته الخنساء أَيْضا وَكَانَ صَخْر قد أَخذ بثأره وَقتل قَاتله
ثمَّ لما كَانَت وقْعَة بدر وَقتل عتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة والوليد بن عتبَة أَقبلت هِنْد بنت عتبَة ترثيهم وَبَلغهَا تسويم الخنساء هودجها فِي الْمَوْسِم ومعاظمتها الْعَرَب بمصيبتها بأبيها وأخويها وَأَنَّهَا جعلت تشهد الْمَوْسِم وتبكيهم وَقد سومت هودجها براية وَأَنَّهَا تَقول أَنا أعظم الْعَرَب مُصِيبَة وَأَن الْعَرَب عرفت ذَلِك لَهَا فَقَالَت هِنْد بل أَنا أعظم الْعَرَب مُصِيبَة فَأمرت بهودجها قسوم براية أَيْضا وَشهِدت الْمَوْسِم بعكاظ وَكَانَت عكاظ سوقاً تَجْتَمِع فِيهِ الْعَرَب فَقَالَت
стр. 346
اقرنوا جملي بجمل الخنساء فَفَعَلُوا فَلَمَّا دنت مِنْهَا قَالَت لَهَا الخنساء من أَنْت يَا أخية قَالَت أَنا هِنْد بنت عتبَة أعظم الْعَرَب مُصِيبَة وَقد بَلغنِي أَنَّك تعاظمين الْعَرَب بمصيبتك فَبِمَ تعاظمينهم قَالَت بِأبي عَمْرو بن الشريد وأخوي صَخْر وَمُعَاوِيَة فَبِمَ تعاظمينهم أَنْت قَالَت بِأبي عتبَة وَعمي شيبَة وَأخي الْوَلِيد قَالَت الخنساء لسواهم عنْدك ثمَّ أنشأت تَقول
(أبكِّى أبي عمْراً بعينٍ غزيرةٍ ... قليلٍ إِذا نَام الخليُّ هُجودهَا)
(وَصِنَويَّ لَا أنسي مُعَاوِيَة الَّذِي ... لَهُ من سَرَاة الحرتين وفودُهَا)
(وصخراً وَمن ذَا مثلُ صَخْر إِذا غَدَا ... بسَلْهَبةِ الآطال قُبٍّ يقودُها)
(فَذلك يَا هِنْدُ الرَّزِيَّةُ فاعلمي ... ونيران حَرْب جين شب وقودها) // الطَّوِيل //
فَقَالَت هِنْد بنت عتبَة تجيبها
(أُبكِّي عَميدَ الأبْطَحينِ كليهمَا ... وحاميَهَا من كل بَاغ يريدُهَا)
(أبي عُتبةُ الْخيرَات ويحَكِ فاعلمي ... وشَيْبةُ والحامي الذمار وليدهَا)
(أُولَئِكَ آل الْمجد من آل غَالب ... وَفِي الْعِزّ مِنْهَا حِين يُنْمي عديدُهَا) // الطَّوِيل //
وَقَالَت الخنساء أَيْضا يَوْمئِذٍ
(من حس لي الْأَخَوَيْنِ كالغصنين أَو من رآهمَا ... )
стр. 347
(قرمين لَا يتظالمان ... وَلَا يُرام حماهُمَا)
(وَيلي على الْأَخَوَيْنِ والقبر ... الَّذِي وارَاهُما)
(لَا مِثلَ كهَلي فِي الكهول ... وَلَا فَتى كفتاهُما)
(رُمْحَيْنِ خطيين فِي ... كبد السَّمَاء سناهُما)
(مَا خَلَّفَا إِذْ ودَّعا ... فِي سؤود شرواهما)
(سَادًّا بغيرِ تَكلُّفٍ ... عَفواً يفِيض نداهما) // من مجزوء الرمل //
وَقد أجمع أهل الْعلم بالشعر أَنه لم تكن امْرَأَة قبلهَا وَلَا بعْدهَا أشعر مِنْهَا
ووفدت على رَسُول الله ﷺ مَعَ قَومهَا من بني سليم فَأسْلمت مَعَهم وَذكروا أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يستنشدهما وَيُعْجِبهُ شعرهَا وَكَانَت تنشده وَهُوَ يَقُول هيه يَا خناس ويومئ بِيَدِهِ ﷺ
وَعَن أبي وجرة عَن أَبِيه قَالَ حضرت الخنساء بنت عَمْرو السليمية حَرْب الْقَادِسِيَّة وَمَعَهَا بنوها أَرْبَعَة رجال ﵃ أَجْمَعِينَ فَقَالَت لَهُم من أول اللَّيْل يَا بني إِنَّكُم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين وَالله الَّذِي لَا إِلَه غَيره إِنَّكُم لبنو رجلٍ وَاحِد كَمَا أَنكُمْ بَنو امْرَأَة وَاحِدَة مَا خُنْت أَبَاكُم وَلَا فضحت خالكم وَلَا هجنت حسبكم وَلَا غيرت نسبكم وَقد تعلمُونَ مَا أعد الله تَعَالَى للْمُسلمين من الثَّوَاب الجزيل فِي حَرْب الْكَافرين وَاعْلَمُوا أَن الدَّار الْبَاقِيَة خير من الدَّار الفانية لقَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ فَإِذا أَصْبَحْتُم غَدا إِن شَاءَ الله سَالِمين فاغدوا إِلَى قتال عَدوكُمْ مستبصرين وَبِاللَّهِ على أعدائه مستنصرين فَإِذا رَأَيْتُمْ الْحَرْب قد شمرت عَن سَاقهَا واضطرمت لظى مساقها فَتَيَمَّمُوا وطيسها وجالدوا رئيسها عِنْد احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة فِي دَار الْخلد والمقامة فَخرج بنوها قابلين لنصحها عازمين على قَوْلهَا فَلَمَّا أَضَاء لَهُم الصُّبْح بَادرُوا مراكزهم وَأَنْشَأَ أَوَّلهمْ يَقُول
стр. 348
(يَا إِخوتي إنَّ العجوزَ الناصحَهْ ... قَدْ نَصحتنا إِذْ دَعَتْنا البارحهْ)
(بِقالةٍ ذَاتِ بَيانٍ وَاضحهْ ... فَباكُروا الحَربَ الضَّرُوس الكالحهْ)
(وَإِنما تَلقونَ عِندَ الصَّائحهْ ... منْ آل ساسان كِلابا نابحهْ)
(قدْ أيْقنوا مِنكم بوَقع الجَائحهْ ... وَأنْتمُ بينَ حَياةٍ صالحهْ)
(وَميتةٍ تورثُ غُنما رابحة ... ) // الرجز //
وَتقدم فقاتل حَتَّى قتل رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ حمل الثَّانِي وَهُوَ يَقُول
(إنَّ العجوزَ ذَاتُ حَزْم وَجَلَدْ ... والنَّظر الأوْفق والرُأي السَّدَد)
(قَدْ أمَرَتنْا بِالسَدَاد وَالرَّشدْ ... نَصيحةً مِنْها وَبِرَّاً بِالوَلدْ)
(فَباكرُوا الحَربَ كماةً فِي العُدَدْ ... إِمَّا بِفوز باردٍ على الْكبدْ)
(أَوْ مِيتةٍ تورثكم غُنْم الأبدْ ... فِي جَنة الفردَوْس والعيش الرغد) // الرجز //
وَقَاتل حَتَّى اسْتشْهد رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ حمل الثَّالِث أَيْضا وَهُوَ يَقُول
(واللهِ لَا نَعصي العجوزَ حَرْفاً ... قَدْ أمرتنا حَربًا وَعطف)
(نُصحاً وَبراً صَادِقا وَلطفاً ... فَبادِرُوا الحَربَ الضَّرُوس زَحفْا)
(حَتى تَلفُّوا آلَ كِسرَى لفّاً ... أوْ تكشفوهمْ عنْ حِماكم كَشفا)
(إِنا نَرى التَّقصيرَ مِنكم ضَعفاً ... والقَتلَ فِيكم نجْدَة وَعرفَا) // الرجز //
وَقَاتل أَيْضا حَتَّى اسْتشْهد ﵀ ثمَّ حمل الرَّابِع وَهُوَ يَقُول
стр. 349
(لَسنا لخَنساء ولَا للأحَزمِ ... وَلَا لعَمْرو ذِي السَّناء الأقدَم)
(إنْ لم أرَى فِي الجَيش جَيش الْأَعْجَم ... مَاض على هول خضم خِضرم)
(إِمَّا لِفوز عَاجل ومَغنم ... أوْ لوفاةٍ فِي السَّبيل الأكرم) // الرجز //
وَقَاتل حَتَّى قتل أَيْضا رَحْمَة الله عَلَيْهِ وعَلى إخْوَته فبلغها الْخَبَر ﵂ فَقَالَت الْحَمد لله الَّذِي شرفني بِقَتْلِهِم وَأَرْجُو من رَبِّي أَن يجمعني مَعَهم فِي مُسْتَقر رَحمته
وَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يُعْطِيهَا أرزاق أَوْلَادهَا الْأَرْبَعَة لكل وَاحِد مِنْهُم مِائَتي دِرْهَم إِلَى أَن قبض ﵀ وَرَضي عَنهُ
وَكَانَت وفاتها فِي زمن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان نَحْو سنة خمسين من الْهِجْرَة
٦٥ - (كأَنَّ عُيُونَ الوَحْشِ حَوْلَ خُبَائِنَا ... وَأرْحُلِنَا الجزَّعُ الَّذِي لم يِثَقَّبِ)
الْبَيْت لامرىء الْقَيْس من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا
(خليلي مرا بِي على أم جُنْدُب ... لِنقضيَ حاجاتِ الفؤادِ المُعذَّبِ)
(فإِنكما إنْ تَنظرانيَ سَاعَة ... مِنَ الدَّهر تَنفْعني لدَى أمِّ جُندبِ)
стр. 350
(ألم تريانِي كلَّما جِئتُ طَارِقًا ... وَجدتُ بِها طِيباً وَإِنْ لم تَطيَّبِ)
(عَقيلة أخذان لَهَا لَا ذَميمةٌ ... وَلا ذَاتُ خَلْق إِن تأملتَ جَانِّب) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
(وَقلتُ لِفتيانٍ كِرَام ألَا انْزلوا ... فَعالوا عَلينا فَضلّ بُردٍ مُطنَّبِ)
(فَفِئْنا إِلَى بَيت بعلياء مُرْدَحٍ ... سماوتهُ منْ أتْحمىٍّ مُعَصَّبِ)
(وَأَوتادهُ عاديَّة وعِمادهُ ... رُدينية فِيها أسِنةُ قَعضبِ)
(فَلما دَخلناه أضَفنا ظُهورَنا ... إِلى كلِّ حاريٍّ جَدِيدٍ مُشطبِ)
(فَظَل لنَا يومٌ لذِيذٌ بِنعمةٍ ... فَقل فِي مَقيل نحْسُه متغيب) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(نمش بأعرافِ الجِياد أكُفَّنا ... إِذَا نحنُ قُمنا عنَّ شِواءِ مُضِّهبِ) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة
قَالَ الْأَصْمَعِي الظبي وَالْبَقَرَة إِذا كَانَا حيين فعيونهما كلهَا سود فَإِذا مَاتَا بدا بياضها وَإِنَّمَا شبهها بالجزع وَفِيه سَواد وَبَيَاض بعد مَا موتت وَالْمرَاد كَثْرَة الصَّيْد يَعْنِي مِمَّا أكلناه كثرت الْعُيُون عندنَا كَذَا فِي شرح ديوَان امرىء الْقَيْس وَبِه يتَبَيَّن بطلَان مَا قيل إِن المُرَاد أَنَّهَا قد طَالَتْ مسايرتهم حَتَّى ألفت الوحوش رحالهم وأخبيتهم
стр. 351
وَالشَّاهِد فِيهِ تَحْقِيق التَّشْبِيه فِي الإيغال لِأَنَّهُ شبه عُيُون الْوَحْش بالجزع وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم وتكسر الخرز الْيَمَانِيّ الصيني فِيهِ سَواد وَبَيَاض تشبه بِهِ عُيُون الْوَحْش لكنه أَتَى بقوله لم يثقب إيغالاً وتحقيقاً للتشبيه لِأَن الْجزع إِذا كَانَ غير مثقوب كَانَ أشبه بالعيون
وَقد اشْتَمَل هَذَا الْبَيْت على نوع من أَنْوَاع البديع يُسمى التَّبْلِيغ والتتميم وَيُسمى الإيغال أَيْضا وَهُوَ أَن يتم قَول الشَّاعِر دون مقطع الْبَيْت ويبلغ بِهِ القافية فَيَأْتِي بِمَا يتمم بِهِ الْمَعْنى وَيزِيد فِي فَائِدَة الْكَلَام لِأَن للقافية محلا من الأسماع والخواطر فاعتناء الشَّاعِر بهَا آكِد وَلَا شَيْء أقبح من بنائها على فضول الْكَلَام الَّذِي لَا يُفِيد
وَمن الشواهد عَلَيْهِ قَول ذِي الرمة أَيْضا
(قِف الصَّبْر فِي أطْلَال مَيَّة فأسألِ ... رُسوماً كأخلاقِ الرِّداء ... ... .) // الطَّوِيل // فتم كَلَامه ثمَّ احْتَاجَ إِلَى القافية فَقَالَ المسلسل فزاده شَيْئا ثمَّ قَالَ
(أظُن الذِي يُجدِي عَليكَ سؤالها ... دُموعاً كتبديد الجمان ... .)
فتم كَلَامه ثمَّ احْتَاجَ إِلَى القافية فَقَالَ الْمفصل فزاده شَيْئا
قيل وَكَانَ الرشيد يعجب بقول مُسلم بن الْوَلِيد
(إِذا مَا علت مِنَّا ذؤابةَ شاربٍ ... تَمشَّتْ بهِ مشي المُقيَّدِ فِي الوحلِ) // الطَّوِيل //
وَكَانَ يَقُول قَاتله الله أما كَفاهُ أَن يجمله مُقَيّدا حَتَّى جعله فِي وَحل
وَمِنْه قَول ابْن الرُّومِي
(لَهَا صَريحٌ كأنهُ ذَهبٌ ... وَرغوةٌ كاللآلئ الفلق) // المنسرح //
فَزَاد بقوله الفلق تمكيناً فِي التَّشْبِيه
وَمن أبدع مَا وَقع فِيهِ لمتأخر قَول أبي بكر بن مجير
(وَخَلِيفَة ابْن خَليفَة ابْن خَليفَة وَسَتَفْعَلُ ... ) // من مجزوء الْكَامِل //
стр. 352
فَقَوله وستفعل تَبْلِيغ بديع أَفَادَ بِهِ بِشَارَة الممدوح بِأَن سلسلة الْخلَافَة فِي عقبه
وَحكى أَن بعض الشُّعَرَاء قَالَ لأبي بكر بن مجير هَذَا إِنِّي نظمت قصيدة مَقْصُورَة الروي وأعجزني مِنْهَا رُوِيَ بَيت وَاحِد فَمَا أَدْرِي كَيفَ أتممه فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر أنشدنيه فانشده قَوْله
(سَليلُ الإِمَام وصنو الإِمام ... وعمُّ الإِمام ... ... . .) // المتقارب //
فَقَالَ لَهُ من غير تفكير وَلَا روية قل وَلَا مُنْتَهى فَوَضعه فِي قصيدته على مَا تممه لَهُ وَكَانَ أمكن قوافيه وأقواها
وَللسَّيِّد أبي الْقَاسِم شَارِح مَقْصُورَة حَازِم فِي هَذَا النَّوْع قَوْله
(لم يبرحِ المجدُ يسمو ذَاهِبًا بهمُ ... حَتَّى أجَاز الثريَّا وَهُوَ مَا قنعا) // الْبَسِيط //
فَقَوله وَهُوَ مَا قنعا من التَّبْلِيغ الَّذِي أَفَادَ زِيَادَة فِي الْمَعْنى ظَاهِرَة
٦٦ - (وَلَسْتَ بمُسْتَبقٍ أَخاً لَا تَلُمُهُ ... عَلى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ)
الْبَيْت للنابغة الذبياني من قصيدة من الطَّوِيل يُخَاطب بهَا النُّعْمَان أَولهَا
(أَرسماً جَدِيدا من سعاد تجنب ... عفَت رَوْضَة الأجداد مِنْهَا فيثُقبُ)
стр. 353
(عَفا آيَهُ نسجُ الْجنُوب مَعَ الصَّبا ... وأُسحمُ دانٍ مزنُه متصوب) // الطَّوِيل //
يَقُول فِيهَا أَيْضا
(فَلَا تتركنِّي بالوعيد كأنني ... إِلَى النَّاس مطليٌّ بِهِ القارُ أَجرب)
(أَلم ترَ أَن الله أَعطاك سَوْرَةً ... يُرى كل مَلك دونهَا يتذبذب)
(فَإنَّك شمس والملوك كواكب ... إِذا طلعت لم يبد مِنْهُنَّ كَوْكَب) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(فإِن يكُ مَظْلُوما فعبدٌ ظلمتَهُ ... وإِن تكُ ذَا عُتْبي فمثلك يُعتبُ)
(أَتاني أبَيْت اللعنَ أنكَ لمتني ... وَتلك الَّتِي أهتم مِنْهَا وأنصبُ)
والشعث انتشار الْأَمر والمهذب المنقح الفعال المرضي الْخِصَال
وَالْمعْنَى لَا تقدر على اسْتِبْقَاء مَوَدَّة أَخ حَال كونك مِمَّن لَا تلمه وَلَا تصلحه على تفرق وذميم خِصَال
ذكرت هُنَا قَول الشَّاعِر مُعَارضا للنابغة فِي هَذَا الْبَيْت وَهُوَ
(ألومُ زياداً فِي ركاكة عقله ... وَفِي قَوْله أيُّ الرِّجَال الْمُهَذّب)
(وهلْ يحسنُ التهذيبُ منكَ خلائقاً ... أرقُّ من المَاء الزلَال وأَطيب)
(تكلمَ والنعمانُ شمسُ سمائه ... وكل مليك عِنْد نعمانَ كوكبُ)
(وَلَو أبصرتْ عَيناهُ شخصك مرّة ... لأبصرَ منهُ شمسَهُ وَهُوَ غيهَبُ) // الطَّوِيل //
وَهَذَا نوع من البديع يُسمى التوليد وَسَيَأْتِي الْكَلَام على شَيْء مِنْهُ فِي الْفَنّ الثَّالِث إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 354
وَالشَّاهِد فِيهِ التذييل لتأكيد مَفْهُوم فصدر الْبَيْت دلّ بمفهومه على نفي الْكَامِل من الرِّجَال وعجزه تَأْكِيد لذَلِك وَتَقْرِير لِأَن الِاسْتِفْهَام فِيهِ إنكاري أَي لَا مهذب فِي الرِّجَال
وَفِي معنى الْبَيْت قَول أبي الْحسن مُحَمَّد الموقت الْمَكِّيّ
(إِذا الْمَرْء لم يبرحْ يُمَارِي صديقهُ ... وَلم يحْتَمل مِنْهُ فَكيف يعايشُهْ)
(وأنَى يدومَ الوُد والعهدُ بينهُ ... وَبَين أَخ فِي كل وَقت يناقشه) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول مؤيد الدّين الطغرائي
(أَخَاك أَخَاك فَهوَ أَجلُّ ذُخرٍ ... إِذا نابتك نائبة الزمانِ)
(فإِنْ رابَتْ إساءتهُ فهَبْها ... لما فِيهِ من الشَّيَم الحسانِ)
(تُرِيدُ مُهَذّباً لَا عيب فِيهِ ... وهلْ عُودٌ يفوحُ بِلَا دُخان) // الوافر //
وبديع قَول ابْن الْحداد أَيْضا
(واصلْ أخاكَ وَإِن أتاكَ بمنكر ... فخلوص شَيْء قَلما يتمكنُ)
(وَلكُل حُسْنٍ آفةٌ مَوجودة ... إِنَّ السِّرَاجَ على سناهُ يدخَّنُ) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول ابْن شرف أَيْضا
(لَا تسألِ النَّاس والأَيامَ عَن خبر ... هما يبُثَانِكَ الأخبارَ تفصيلَا)
(وَلَا تعاقِبْ على نقص الطباع أَخا ... فإِنَّ بدرَ السما لم يُعْطَ تكميلا) // الْبَسِيط //
وَمن النفيس قَول ابْن حمديس
(أَكرمْ صديقكَ عنْ سؤالك ... عنهُ واحفظ منْهُ ذِمَّهْ)
(فلربما استخبرتَ عَنهُ عدوّه فسمعتَ ذمه ... ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَول عمر الْخَرَّاط وَهُوَ رجل من القيروان
(لَا تسألنّ عَن الصّديق وسل وسل فُؤَادك عَن فؤادهْ ... )
стр. 355
(فلربما بحث السُّؤَال ... على فسادكَ أَو فسادة) // من مجزوء الْكَامِل //
ولمؤلفه فِي مَعْنَاهُ
(لستُ عَن ود صديقي ساثلا ... غيرَ قلبِي فَهُوَ يدْرِي ودَّه)
(فَكَمَا أعلم مَا عِنْدِي لَهُ ... فَكَذَا أعلمُ مَالِي عِنْده) // الرمل //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
(عتبي عليكَ مقارنُ الْعذر ... قدْ رَدَّ عَنكَ حفيظتي صبري)
(فَمَتَى هفوتَ فأنتَ فِي سَعَةٍ ... وَمَتى جفوتَ فأنتَ فِي عذرِ)
(تَركُ العتابِ إِذا اسْتحق أخٌ ... مِنكَ العتابَ ذريعةُ الهجر) // الْكَامِل //
وَقَول بَعضهم
(إِذا أَنْت لم تغْفر ذنوباً كَثِيرَة ... تَرِيبكَ لم يسلم لكَ الدهرَ صاحبُ)
(وَمن لم يغمِّضْ عينه عَن صديقهِ ... وَعَن بعض مَا فِيهِ يمتْ وَهُوَ عَاتب) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْفَتْح البستي
(تحمّلْ أخاكَ على مَا بهِ ... فَما فِي استقامته مطمعُ)
(وأنيَّ لهُ خُلُقٌ وَاحِد ... وَفِيه طبائعه الْأَرْبَع) // المتقارب //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
(لَا تثقْ من آدميّ ... فِي وِدَادٍ بصفاءِ)
(كيفَ تَرْجُو مِنْهُ صفواً ... وَهْوَ مِنْ طين ومَاء) // من مجزوء الرمل //
وَهُوَ كَقَوْل الآخر
(ومنْ يكُ أصلهُ مَاء وطيناً ... بعيدٌ من جِبلَّتهِ الصفاءُ) // الوافر //
وَمَا أبدع قَول الْجمال بن نباتة
(يَا مشتكي الهمّ دعهُ وانتظرْ فرَجاً ... ودارِ وقتكَ من حِين إِلَى حِين)
следующие страницы →