← Баляга

Баляга · id 6951

معاهد التنصيص على شواهد التلخيص

أبو الفتح العباسي

Полный текст (694 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَالشَّاهِد فِيهِ تَحْقِيق التَّشْبِيه فِي الإيغال لِأَنَّهُ شبه عُيُون الْوَحْش بالجزع وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم وتكسر الخرز الْيَمَانِيّ الصيني فِيهِ سَواد وَبَيَاض تشبه بِهِ عُيُون الْوَحْش لكنه أَتَى بقوله لم يثقب إيغالاً وتحقيقاً للتشبيه لِأَن الْجزع إِذا كَانَ غير مثقوب كَانَ أشبه بالعيون وَقد اشْتَمَل هَذَا الْبَيْت على نوع من أَنْوَاع البديع يُسمى التَّبْلِيغ والتتميم وَيُسمى الإيغال أَيْضا وَهُوَ أَن يتم قَول الشَّاعِر دون مقطع الْبَيْت ويبلغ بِهِ القافية فَيَأْتِي بِمَا يتمم بِهِ الْمَعْنى وَيزِيد فِي فَائِدَة الْكَلَام لِأَن للقافية محلا من الأسماع والخواطر فاعتناء الشَّاعِر بهَا آكِد وَلَا شَيْء أقبح من بنائها على فضول الْكَلَام الَّذِي لَا يُفِيد وَمن الشواهد عَلَيْهِ قَول ذِي الرمة أَيْضا (قِف الصَّبْر فِي أطْلَال مَيَّة فأسألِ ... رُسوماً كأخلاقِ الرِّداء ... ... .) // الطَّوِيل // فتم كَلَامه ثمَّ احْتَاجَ إِلَى القافية فَقَالَ المسلسل فزاده شَيْئا ثمَّ قَالَ (أظُن الذِي يُجدِي عَليكَ سؤالها ... دُموعاً كتبديد الجمان ... .) فتم كَلَامه ثمَّ احْتَاجَ إِلَى القافية فَقَالَ الْمفصل فزاده شَيْئا قيل وَكَانَ الرشيد يعجب بقول مُسلم بن الْوَلِيد (إِذا مَا علت مِنَّا ذؤابةَ شاربٍ ... تَمشَّتْ بهِ مشي المُقيَّدِ فِي الوحلِ) // الطَّوِيل // وَكَانَ يَقُول قَاتله الله أما كَفاهُ أَن يجمله مُقَيّدا حَتَّى جعله فِي وَحل وَمِنْه قَول ابْن الرُّومِي (لَهَا صَريحٌ كأنهُ ذَهبٌ ... وَرغوةٌ كاللآلئ الفلق) // المنسرح // فَزَاد بقوله الفلق تمكيناً فِي التَّشْبِيه وَمن أبدع مَا وَقع فِيهِ لمتأخر قَول أبي بكر بن مجير (وَخَلِيفَة ابْن خَليفَة ابْن خَليفَة وَسَتَفْعَلُ ... ) // من مجزوء الْكَامِل //

стр. 352

فَقَوله وستفعل تَبْلِيغ بديع أَفَادَ بِهِ بِشَارَة الممدوح بِأَن سلسلة الْخلَافَة فِي عقبه وَحكى أَن بعض الشُّعَرَاء قَالَ لأبي بكر بن مجير هَذَا إِنِّي نظمت قصيدة مَقْصُورَة الروي وأعجزني مِنْهَا رُوِيَ بَيت وَاحِد فَمَا أَدْرِي كَيفَ أتممه فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر أنشدنيه فانشده قَوْله (سَليلُ الإِمَام وصنو الإِمام ... وعمُّ الإِمام ... ... . .) // المتقارب // فَقَالَ لَهُ من غير تفكير وَلَا روية قل وَلَا مُنْتَهى فَوَضعه فِي قصيدته على مَا تممه لَهُ وَكَانَ أمكن قوافيه وأقواها وَللسَّيِّد أبي الْقَاسِم شَارِح مَقْصُورَة حَازِم فِي هَذَا النَّوْع قَوْله (لم يبرحِ المجدُ يسمو ذَاهِبًا بهمُ ... حَتَّى أجَاز الثريَّا وَهُوَ مَا قنعا) // الْبَسِيط // فَقَوله وَهُوَ مَا قنعا من التَّبْلِيغ الَّذِي أَفَادَ زِيَادَة فِي الْمَعْنى ظَاهِرَة ٦٦ - (وَلَسْتَ بمُسْتَبقٍ أَخاً لَا تَلُمُهُ ... عَلى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ) الْبَيْت للنابغة الذبياني من قصيدة من الطَّوِيل يُخَاطب بهَا النُّعْمَان أَولهَا (أَرسماً جَدِيدا من سعاد تجنب ... عفَت رَوْضَة الأجداد مِنْهَا فيثُقبُ)

стр. 353

(عَفا آيَهُ نسجُ الْجنُوب مَعَ الصَّبا ... وأُسحمُ دانٍ مزنُه متصوب) // الطَّوِيل // يَقُول فِيهَا أَيْضا (فَلَا تتركنِّي بالوعيد كأنني ... إِلَى النَّاس مطليٌّ بِهِ القارُ أَجرب) (أَلم ترَ أَن الله أَعطاك سَوْرَةً ... يُرى كل مَلك دونهَا يتذبذب) (فَإنَّك شمس والملوك كواكب ... إِذا طلعت لم يبد مِنْهُنَّ كَوْكَب) // الطَّوِيل // وَبعده الْبَيْت وَبعده (فإِن يكُ مَظْلُوما فعبدٌ ظلمتَهُ ... وإِن تكُ ذَا عُتْبي فمثلك يُعتبُ) (أَتاني أبَيْت اللعنَ أنكَ لمتني ... وَتلك الَّتِي أهتم مِنْهَا وأنصبُ) والشعث انتشار الْأَمر والمهذب المنقح الفعال المرضي الْخِصَال وَالْمعْنَى لَا تقدر على اسْتِبْقَاء مَوَدَّة أَخ حَال كونك مِمَّن لَا تلمه وَلَا تصلحه على تفرق وذميم خِصَال ذكرت هُنَا قَول الشَّاعِر مُعَارضا للنابغة فِي هَذَا الْبَيْت وَهُوَ (ألومُ زياداً فِي ركاكة عقله ... وَفِي قَوْله أيُّ الرِّجَال الْمُهَذّب) (وهلْ يحسنُ التهذيبُ منكَ خلائقاً ... أرقُّ من المَاء الزلَال وأَطيب) (تكلمَ والنعمانُ شمسُ سمائه ... وكل مليك عِنْد نعمانَ كوكبُ) (وَلَو أبصرتْ عَيناهُ شخصك مرّة ... لأبصرَ منهُ شمسَهُ وَهُوَ غيهَبُ) // الطَّوِيل // وَهَذَا نوع من البديع يُسمى التوليد وَسَيَأْتِي الْكَلَام على شَيْء مِنْهُ فِي الْفَنّ الثَّالِث إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 354

وَالشَّاهِد فِيهِ التذييل لتأكيد مَفْهُوم فصدر الْبَيْت دلّ بمفهومه على نفي الْكَامِل من الرِّجَال وعجزه تَأْكِيد لذَلِك وَتَقْرِير لِأَن الِاسْتِفْهَام فِيهِ إنكاري أَي لَا مهذب فِي الرِّجَال وَفِي معنى الْبَيْت قَول أبي الْحسن مُحَمَّد الموقت الْمَكِّيّ (إِذا الْمَرْء لم يبرحْ يُمَارِي صديقهُ ... وَلم يحْتَمل مِنْهُ فَكيف يعايشُهْ) (وأنَى يدومَ الوُد والعهدُ بينهُ ... وَبَين أَخ فِي كل وَقت يناقشه) // الطَّوِيل // وَمَا أحسن قَول مؤيد الدّين الطغرائي (أَخَاك أَخَاك فَهوَ أَجلُّ ذُخرٍ ... إِذا نابتك نائبة الزمانِ) (فإِنْ رابَتْ إساءتهُ فهَبْها ... لما فِيهِ من الشَّيَم الحسانِ) (تُرِيدُ مُهَذّباً لَا عيب فِيهِ ... وهلْ عُودٌ يفوحُ بِلَا دُخان) // الوافر // وبديع قَول ابْن الْحداد أَيْضا (واصلْ أخاكَ وَإِن أتاكَ بمنكر ... فخلوص شَيْء قَلما يتمكنُ) (وَلكُل حُسْنٍ آفةٌ مَوجودة ... إِنَّ السِّرَاجَ على سناهُ يدخَّنُ) // الْكَامِل // وَمَا أحسن قَول ابْن شرف أَيْضا (لَا تسألِ النَّاس والأَيامَ عَن خبر ... هما يبُثَانِكَ الأخبارَ تفصيلَا) (وَلَا تعاقِبْ على نقص الطباع أَخا ... فإِنَّ بدرَ السما لم يُعْطَ تكميلا) // الْبَسِيط // وَمن النفيس قَول ابْن حمديس (أَكرمْ صديقكَ عنْ سؤالك ... عنهُ واحفظ منْهُ ذِمَّهْ) (فلربما استخبرتَ عَنهُ عدوّه فسمعتَ ذمه ... ) // من مجزوء الْكَامِل // وَقَول عمر الْخَرَّاط وَهُوَ رجل من القيروان (لَا تسألنّ عَن الصّديق وسل وسل فُؤَادك عَن فؤادهْ ... )

стр. 355

(فلربما بحث السُّؤَال ... على فسادكَ أَو فسادة) // من مجزوء الْكَامِل // ولمؤلفه فِي مَعْنَاهُ (لستُ عَن ود صديقي ساثلا ... غيرَ قلبِي فَهُوَ يدْرِي ودَّه) (فَكَمَا أعلم مَا عِنْدِي لَهُ ... فَكَذَا أعلمُ مَالِي عِنْده) // الرمل // وَمَا أحسن قَول بَعضهم (عتبي عليكَ مقارنُ الْعذر ... قدْ رَدَّ عَنكَ حفيظتي صبري) (فَمَتَى هفوتَ فأنتَ فِي سَعَةٍ ... وَمَتى جفوتَ فأنتَ فِي عذرِ) (تَركُ العتابِ إِذا اسْتحق أخٌ ... مِنكَ العتابَ ذريعةُ الهجر) // الْكَامِل // وَقَول بَعضهم (إِذا أَنْت لم تغْفر ذنوباً كَثِيرَة ... تَرِيبكَ لم يسلم لكَ الدهرَ صاحبُ) (وَمن لم يغمِّضْ عينه عَن صديقهِ ... وَعَن بعض مَا فِيهِ يمتْ وَهُوَ عَاتب) // الطَّوِيل // وَقَول أبي الْفَتْح البستي (تحمّلْ أخاكَ على مَا بهِ ... فَما فِي استقامته مطمعُ) (وأنيَّ لهُ خُلُقٌ وَاحِد ... وَفِيه طبائعه الْأَرْبَع) // المتقارب // وَمَا أحسن قَول بَعضهم (لَا تثقْ من آدميّ ... فِي وِدَادٍ بصفاءِ) (كيفَ تَرْجُو مِنْهُ صفواً ... وَهْوَ مِنْ طين ومَاء) // من مجزوء الرمل // وَهُوَ كَقَوْل الآخر (ومنْ يكُ أصلهُ مَاء وطيناً ... بعيدٌ من جِبلَّتهِ الصفاءُ) // الوافر // وَمَا أبدع قَول الْجمال بن نباتة (يَا مشتكي الهمّ دعهُ وانتظرْ فرَجاً ... ودارِ وقتكَ من حِين إِلَى حِين)

стр. 356

(ولَا تعانِدْ إِذا أمسيتَ فِي كدَر ... فإِنمَا أنتَ من مَاء وَمن طينِ) // الْبَسِيط // وللصلاح الصَّفَدِي فِيهِ أَيْضا (دع الإخوانَ إِن لم تَلْقَ مِنْهُم ... صفاءَ واستَعِنْ واسْتَغْنِ باللهْ) (أَلَيس المرءُ من ماءٍ وَطينٍ ... وأيُّ صفا لهاتيك الجبلة) // الوافر // وَمِمَّا ينظر إِلَى معنى الْبَيْت المستشهد بِهِ قَول بَعضهم (إِذا أَنْت لم تتْرك أخاكَ وزلةً ... أرادَ لَهَا أوشكتما أَن تفَرقا) // الطَّوِيل // وَقَوله أَيْضا (صديقَكَ مهما جَنى غَطِّه ... وَلَا تُخْفِ شَيْئا إِذا أحسْنا) (وَكن كالظلام معَ النَّار إِذْ ... يواري الدُّخانَ وَيبْدِي السنَّا) // المتقارب // ولمؤلفه (أَخاك اغتفر ذَنبه ... وسامِحْ إِذا مَا هفَا) (وغطِّ على عَيبه ... يَدُمْ منهُ عهدُ الوفا) (وَإِن رُمْتَ تقويمه ... تَجِد وُده قد عَفا) // من مجزوء المتقارب // ٦٧ - (فَسَقى دِيارَكِ غيرَ مُفْسِدِهَا ... صَوْبُ الرّبيع وديمةٌ تَهْمِي) الْبَيْت لطرفة بن العَبْد من قصيدة من الْكَامِل يمدح بهَا قَتَادَة بن مسلمة الْحَنَفِيّ وَكَانَ قد أصَاب قومه سنة فَأتوهُ فبذل لَهُم وأولها (إِن امرَأُ سَرفَ الفَؤادِ يرى ... عَسَلاً بِمَاء سَحَابَة شَتْمِي)

стр. 357

(وَأَنا امْرُؤ أكوى من الْقصر البادي ... وأغشى الدُّهمَ بالدهم) (وأصيبُ شاكلة الرَّمية إِذْ ... صدّت بصفحتها عَن السهْم) (وأُجِرُّ ذَا الكفل القَناةَ على ... أنسائه فَيظل يَستدمي) (وتَصد عَنْك مخيلة الرجل العريض ... موضِحةً عَن العَظمِ) (بحُسام سَيْفك أَو لسَانك والكلم ... الأصيلُ كأرغَبِ الكَلْمِ) (أبلغ قتادَةَ غيرَ سائلهِ ... مني الثوابَ وعاجل الشكم) (أَبى حَمَدتُكَ للعشيرةِ إِذْ ... جَاءَت إِلَيْك مُرِقة العَظم) (ألقوْا إِلَيْك بِكُل أرْمَلةٍ ... شعثاء تحمل مبقع الْبرم) (وفتحْتَ بابكَ للمكارم حِين ... تواصَتِ الأبوابُ بالأزم) // الْكَامِل // وَبعده الْبَيْت وَهُوَ آخرهَا وَصوب الرّبيع نزُول الْمَطَر ووقعه فِي الرّبيع والديمة مطر يَدُوم فِي سُكُون بِلَا رعد وَلَا برق أَو يَدُوم خَمْسَة أَيَّام أَو سِتَّة أَو سَبْعَة أَو يَدُوم يَوْمًا وَلَيْلَة أَو أَقَله ثلث النَّهَار أَو اللَّيْل وَأَكْثَره مَا بلغت وَجَمعهَا ديم وديوم وَمعنى تهمى تسيل وَالشَّاهِد فِيهِ التَّكْمِيل وَيُسمى الاحتراس أَيْضا وَهُوَ أَن يُؤْتى فِي كَلَام يُوهم خلاف الْمَقْصُود بِمَا يَدْفَعهُ وَهُوَ هُنَا قَوْله غير مفسدها فَإِن نزُول الْمَطَر قد يكون سَببا لخراب الدُّنْيَا وفسادها فَدفع ذَلِك بتوسط قَوْله غير مفسدها

стр. 358

وَفِي معنى الْبَيْت قَول جرير (فَسقاكِ حيثُ حلَلتِ غير فقَيدةٍ ... هَزَجُ الرِّيَاح وديمةٌ لَا تقلع) // الْكَامِل // وَمن الاحتراس قَول زُهَيْر بن أبي سلمى (من يَلقَ يَوْمًا على علَاّته هرِماً ... يلق السماحَةَ منهُ والندى خلقا) // الْبَسِيط // وَقَول امرىء الْقَيْس أَيْضا (على هَيكلٍ يُعطيك قبلَ سؤالهِ ... أفانينَ جَري غير كزٍّ وَلَا واني) // الطَّوِيل // وَقَول نَافِع بن خَليفَة الغنوي (رجال إِذا لم يُقبلِ الْحق منهُمُ ... ويُعطوهُ عَادوا بالسيُّوفِ القواضب) // الطَّوِيل // وَمثله قَول عنترة الْعَبْسِي (أثني عليَّ بِمَا علمت فإنني ... سَهلٌ محالفتي إِذا لم أظْلم) // الْكَامِل // وَقَول الآخر (فَإِنِّي إِن أفُتْكَ يفتُك مني ... فَلَا تُسْبَقْ بِهِ عِلْقٌ نَفِيس) // الوافر // وَمن مليح الاحتراس قَول الرَّمَادِي فِي وصف فرس (قامَتْ قوائمُه لنا بطعَامنا ... غضّا وَقَامَ الْعرف بالمنديل) // الْكَامِل // فَقَوله غضا احتراس عَجِيب إِذْ لَو لم يذكر لتوهم أَنهم ينقلون عَلَيْهِ أَزْوَادهم وطرفة بن العَبْد هُوَ ابْن سُفْيَان بن سعد بن مَالك بن عباد بن صعصعة ابْن قيس بن ثَعْلَبَة وَيُقَال إِن اسْمه عَمْرو وَسمي طرفَة بِسَبَب بَيت قَالَه

стр. 359

وَأمه وردة من رَهْط أَبِيه وفيهَا يَقُول لأخوالها وَقد ظلموها حَقّهَا (مَا تنْظرُون بحقِّ وردَةَ فيكُمُ ... صَغُرَ البنونَ ورهط وردة غيب) // الْكَامِل // وَكَانَ أحدث الشُّعَرَاء سنا وَأَقلهمْ عمرا قتل وَهُوَ ابْن عشْرين سنة فَيُقَال لَهُ ابْن الْعشْرين وَقيل قتل وَهُوَ ابْن سِتّ وَعشْرين سنة وإِلى ذَلِك تُشِير أُخْته حَيْثُ قَالَت ترثيه (عدَدنا لَهُ سِتا وَعشْرين حِجَّةً ... فَلَمَّا تَوَفَّاها استوَى سيِّداً ضخْمَا) (فُجِعنا بِهِ لما رَجونا إيابَهُ ... على خَير حالٍ لَا وليداً وَلَا فحما) // الطَّوِيل // وَكَانَ السَّبَب فِي قَتله أَنه كَانَ ينادم عَمْرو بن هِنْد فَأَشْرَفت ذَات يَوْم أُخْته فَرَأى طرفَة ظلها فِي الْجَام الَّذِي فِي يَده فَقَالَ (أَلا يَأْتِي ليَ الظبي الَّذِي ... يَبْرق شنفاه) (وَلَوْلَا الْملك الْقَاعِد ... قد ألثَمني فاهُ) // الهزج // فحقد عَلَيْهِ وَكَانَ قد قَالَ أَيْضا قبل ذَلِك (وليتَ لنا مكانَ الملكِ عَمْرٍو ... رَغوثاً حول قُبَّتنا تخُورُ) (لعَمرُك إِن قابوسَ بن هندٍ ... ليَخلطُ ملكَهُ نوك كثير) // الوافر // وقابوس هَذَا هُوَ أَخُو عَمْرو بن هِنْد وَكَانَ فِيهِ لين وَيُسمى قينة الْفرس فَكتب لَهُ عَمْرو بن هِنْد إِلَى الرّبيع بن حوثرة عَامله على الْبَحْرين كتابا أَوْهَمهُ فِيهِ أَنه أَمر لَهُ بجائزة وَكتب للمتلمس بِمثل ذَلِك فَأَما المتلمس ففك كِتَابه

стр. 360

وَعرف مَا فِيهِ فبخا كَمَا سَيَأْتِي فِي خَبره وَأما طرفَة فَمضى بِالْكتاب فَأَخذه الرّبيع فَسَقَاهُ الْخمر حَتَّى أثمله ثمَّ فصد أكحله فقبره بِالْبَحْرَيْنِ وَكَانَ لطرفة أَخ يُقَال لَهُ معبد فطالب بديته فَأَخذهَا من الحواثر قَالَ أَبُو عُبَيْدَة مر لبيد بِمَجْلِس لنهدٍ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ يتَوَكَّأ على عَصا فَلَمَّا جَاوز أمروا فَتى مِنْهُم أَن يلْحقهُ فيسأله من أشعر الْعَرَب فَفعل فَقَالَ لَهُ لبيد الْملك الضليل يَعْنِي امْرأ الْقَيْس فَرجع فَأخْبرهُم فَقَالُوا لَهُ إِلَّا سَأَلته ثمَّ من فَرجع فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ ابْن الْعشْرين يَعْنِي طرفَة فَلَمَّا رَجَعَ قَالُوا ليتك سَأَلته ثمَّ من فَرجع فَقَالَ صَاحب المحجن يَعْنِي نَفسه قَالَ أَبُو عُبَيْدَة طرفَة أجودهم وأجده لَا يلْحق بالبحور يَعْنِي امْرأ الْقَيْس وزهيراً والنابغة وَلكنه يوضع مَعَ أَصْحَابه الْحَارِث بن حلزة وَعَمْرو بن كُلْثُوم وسُويد بن أبي كَاهِل وَمن شعر طرفَة وَهُوَ صبي قَوْله (فَلولَا ثَلَاث هنَّ من عيشة الْفَتى ... وَجدك لم أحفل مَتى قامَ عُوَّدِي) (فمنهن سبقي العاذلات بشَرْبةٍ ... كمُيتٍ مَتى مَا تُغلَ بِالماء تزبد) (وَكَرِّى إذَا نادَى المُضافُ مُحنبا ... كَسيد الْغضا نَبهتهُ المُتوردِ) (وَتقصيرُ يَوم الدَّجن والدحن مُعجبٌ ... بِبهكنَةٍ تحتَ الخباء المعمد) // الطَّوِيل // وَقد أَخذه عبد الله بن نهيك بن إساف الْأنْصَارِيّ فَقَالَ (وَلَوْلَا ثلاثٌ هنَّ من عيشة الْفَتى ... وَجدك لم أحفل مَتى قامَ رامسُ) (فمنهن سبقي العاذلات بشرْبةٍ ... كَأَن أخاها مطلعَ الشَّمْس ناعسُ) (ومنهنَّ تَجْرِيد الكواعب كالدُّمى ... إِذا ابتُزَّ عَن أكفالهنَّ الملابسُ)

стр. 361

(ومنهنّ تقريطُ الجَواد عنانه ... إِذا استبق الشَّخْص الْقوي الفوارس) // الطَّوِيل // وَقد نَاقض عبد الحميد بن أبي الْحَدِيد الْبَغْدَادِيّ أَبْيَات طرفَة السَّابِقَة فَقَالَ (لَوْلَا ثَلَاث لم أخَفْ صرْعتي ... ليستْ كَمَا قَالَ فَتى العبدِ) (أَن أنْصُرَ التوحيدَ والعدلَ فِي ... كل مكانٍ باذلاً جهدِي) (وأنْ أُنَاجِي اللهَ مُستمتعاً ... بخلوةٍ أحلى منَ الشهدِ) (وأنْ أتيهَ الدهرَ كِبراً على ... كلِّ لئيم أَصْغَر الخدِّ) (لذاكَ أهوَى لَا فتاةٍ وَلَا ... خمرٍ وَلَا ذِي ميعة نهد) // السَّرِيع // وَمِمَّا سبق إِلَيْهِ أَيْضا وَكَانَ يتَمَثَّل بِهِ النَّبِي ﷺ قَوْله (ستبدِي لكَ الأيامُ مَا كنتَ جَاهِلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزَود) // الطَّوِيل // وَقَالَ غَيره (ويأتيك بالأخبار من لم تبعْ لهُ ... بتاتاً وَلم تضربْ لَهُ وقتَ موعدِ) // الطَّوِيل // وَمِمَّا يستجاد من قصيدته الَّتِي مِنْهَا الْبَيْت السَّابِق على هَذَا قَوْله (أَلا أيُّهاذا الزّاجري أحضرَ الوغى ... وأنْ أشهدَ اللَّذَّات هلْ أنتَ مُخلدِي)

стр. 362

(فَإِن كنت لَا تَسْتَطِيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بِمَا ملكت يدِي) (أَرَى قبرَ نحَّام بخيلٍ بمالهِ ... كقبرِ غويٍٍّ فِي البطالةِ مُفسدِ) (أَرَى العيشَ كنزاً نَاقِصا كلّ ليلةٍ ... وَمَا تنقصُ الأيامُ والدَّهرُ ينفدِ) (لعمركَ إنَّ الموتَ مَا أَخطَأ الْفَتى ... لكالطَّوَلِ المُرْخَى وثنياه بِالْيَدِ) // الطَّوِيل // وَمِمَّا يعاب من شعره قَوْله يمدح قوما (أسدغيل فإِذا مَا شربوا ... وَهبوا كلَّ أمون وطمرّ) (ثمّ راحوا عَبَقُ المسكِ بهمْ ... يُلْحفونَ الأرضَ أهدابَ الْأرز) // الرمل // ذكر أَنهم يُعْطون إِذا سَكِرُوا وَلم يشْتَرط ذَلِك فِي صحوهم كَمَا قَالَ عنترة (وإِذا شربتُ فإِنني مُستهلكٌ ... مَالِي وعِرضي وافرٌ لم يكلم) (وَإِذا صحوتُ فَمَا أقصرُ عنْ نَدىً ... وَكما علمت شمائلي وتكرمي) // الْكَامِل // قَالُوا والجيد هُوَ قَول زُهَيْر بن أبي سلمى (أَخُو ثقةٍ لَا يُتْلِفُ الخمرُ مالَهُ ... ولكنهْ قدْ يُتلفُ المَال نائله) // الطَّوِيل // وَقَالَ بعض الْمُحدثين (فَتى لَا يلوكُ الخمرُ شحمةَ مالهُ ... ولكنْ عطاياهُ ندًى وبواد) // الطَّوِيل // وَمَا ألطف قَول ابْن حمديس فِي معنى قَول عنترة (يعيدُ عطايا سكرهِ عندَ صحوهِ ... ليُعلم أَنّ الجودَ منهُ على علم) (وَيسلم فِي الإِنعام مِنْ قَول قَائِل ... تكرمَ لما خامرتهُ ابنةُ الْكَرم) // الطَّوِيل //

стр. 363

٦٨ - (إِن الثَّمَانِينَ وبلغتها ... قَدْ أحْوَجَتْ سمْعي إِلى تَرْجُمَانْ) الْبَيْت لعوف بن ملحم الشَّيْبَانِيّ من قصيدة من السَّرِيع قَالَهَا لعبد الله بن طَاهِر وَكَانَ قد دخل عَلَيْهِ فَسلم عَلَيْهِ عبد الله فَلم يسمع فَأعْلم بذلك فَدَنَا مِنْهُ ثمَّ ارتجل هَذِه القصيدة وأولها (يَا ابنَ الذِي دانَ لَهُ المشرقانْ ... طُرّاً وقدْ دانَ لَهُ المغربان) // السَّرِيع // وَبعده الْبَيْت وَبعده (وبدَّلَتْني بالشّطاط انحنا ... وكنتُ كالصَّعدة تَحت السِّنانْ) (وعوَّضتني منْ زماع الْفَتى ... وهمتي همَّ الجبان الْهِدَنْ) (وقارَبتْ مني خُطاً لم تكن ... مقارباتٍ وثنتْ منْ عنانْ) (وأنشأتْ بيني وَبَين الوَرَى ... سَحَابَة لَيستْ كنسجِ الْعَنَان) (وَلم تدعْ فيَّ لِمُستمتعٍ ... إِلَّا لساني وبحبسي لِسان) (أدْعو بهِ الله وأُثني بهِ ... على الْأَمِير المُصعَبِيِّ الهجان)

стр. 364

وَمن الِاعْتِرَاض أيضاُ قَول كثير عزة (وَلَو أنّ عزة حاكَمَتْ شمسَ الضُّحَى ... فِي الْحسن عندَ موفَّقٍ لقضى لَهَا) // الْكَامِل // وَهُوَ معترض إِذْ لَا بُد فِيهِ من ذكر موفق لِأَنَّهُ لَا يتم الْمَعْنى بِدُونِهِ وَمِنْه قَول كثير أَيْضا (لَو أنّ الباخلينَ وأنتِ منهمْ ... رَأوكِ تعلَّموا منكِ المِطالَا) // الوافر // وَمن مليح مَا سمع فِيهِ قَول نصيب وَكَانَ أسود (فكدتُ وَلم أُخْلَقْ من الطيرِ إِن بدَا ... سنَا بارق نَحْو الْحجاز أطير) // الطَّوِيل // يرْوى أَن الَّتِي قيل فِيهَا هَذَا الْبَيْت لما سمعته تنفست نفسا شَدِيدا فصاح ابْن أبي عَتيق أوه قد وَالله أَجَابَتْهُ بِأَحْسَن من شعره وَالله لَو سَمعك لنعق وطار فَجعله غراباً لسواده وَمن المستحسن فِيهِ أَيْضا قَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف (قدْ كنتُ أبْكِي وأنتِ راضية ... حِذَارَ هَذَا الصدود والغضبِ) (إِن تمَّ ذَا الهجرُ يَا ظلومُ وَلَا ... تَمَّ فَمَالِي فِي الْعَيْش من أرب) // المنسرح // وَمَا أحسن قَول أبي الْفَتْح البستي (أرَاحَ الله قلبِي من زَمان ... مَحَتْ يدهُ سروري بالإساءهْ) (فإِنْ حَمِدَ الكريمُ صباح يَوْم ... وأنى ذاكَ لم يحمَدْ مساءه) // الوافر // والمتأخرون يسمون هَذَا الِاعْتِرَاض حَشْو اللوزينج وَمَا أبدع قَول ابْن الساعاتي فِيهِ

стр. 365

(حالَ من دونكِ يَا أُخْت الكِللْ ... مُقَلُ الحيّ وفُرْسان الأسَلْ) (ومواضٍ مُرْهَفاتٌ فتكتْ ... بِي وحاشاكِ وَلَا مثل الكَحَلْ) // الرمل // وَقَول أبي الْحُسَيْن الجزار (ويهتز للجدوى إِذا مَا مدحتهُ ... كَمَا اهتز حاشا وَصفه شاربُ الْخمر) // الطَّوِيل // وَقد أَخذه من ابْن الساعاتي فَإِنَّهُ قَالَ (يهزُّهُ الْمَدْح هز الْجُود سائلَه ... أَولا وحاشاهُ هزَّ الشَّارِب الثمل) // الْبَسِيط // وَمَا أحسن قَول الْفَقِيه عمَارَة اليمني (لهُ راحةٌ ينهلُّ جوداً بنانُها ... وَوَجهٌ إِذا قابلتَه يتهلَّلُ) (يرَى الْحق للزوار حَتَّى كأنهُ ... عَلَيْهِم وحاشا قدره يتطفلُ) // الطَّوِيل // وَالْكل أخذُوا لَفْظَة حاشا من أبي الطّيب المتنبي حَيْثُ يَقُول (ويحتقرُ الدُّنْيَا احتقارَ مجرِّبٍ ... يرَى كل مَا فِيهَا وحاشاه فانيا) // الطَّوِيل // وَمَا أحسن أَيْضا قَوْله فِيهِ (وخُفُوقُ قلبٍ لَو رأيتَ لهيبهُ ... يَا جنتي لَوَجَدْتَ فِيهِ جهنما) // الْكَامِل // وللقاضي مهذب الدّين الغسساني (وَمَالِي إِلَى ماءٍ سوى النّيل غلةٌ ... وَلَو أَنه أسْتَغْفر الله زَمْزَم) // الطَّوِيل // وبديع قَول أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن يحيى بن حرم (أتجزع من دمعي وأنتَ أسلتهُ ... وَمن نَار أحشائي ومنك لهيبها) (وتزعمُ أنَّ النفسَ غَيرَك عُلِّقتْ ... وأنْتَ وَلَا منٌّ عَلَيْك حبيبها) // الطَّوِيل // وَمن الحشو الَّذِي زَاد حلاوة قَول الْجمال بن نباتة (لوْ ذُقتَ بَرْدَ رُضاب من مُقَبِّلِهِ ... يَا حارِ مَا لمتَ أعطافي الَّتِي ثملت) // الْبَسِيط //

стр. 366

وَقَول السراج الْوراق (إنّ عَيْني وَهِي عُضْو دَنِفٌ ... مَا على مَا كابدَتْهُ جلدُ) (مَا كفاها بُعدُها عَنْك إِلَى ... أَن دَهاهَا وكُفِيتَ الرمد) // الرمل // وَمَا أحسن قَول ابْن اللبانة فِي نَاصِر الدولة صَاحب ميورقة (وغمرْتَ بِالْإِحْسَانِ أهل ميورقة ... وبنيتَ فِيهَا مَا بنى الْإِسْكَنْدَر) (فَكَأَنَّهَا بغدادُ أنتَ رَشيدهَا ... ووزيرها وَله السَّلامَة جَعْفَر) // الْكَامِل // قَوْله وَله السَّلامَة من أَمْلَح الحشو وأحلاه قَالُوا وَهُوَ أَمْلَح وأوضح من قَول المتنبي ويحتقر الدُّنْيَا. . الْبَيْت الْمَار وَمن المضحك فِيهِ قَول الجزار (لئنْ قطعَ الغيثُ الطريقَ فبغلتي ... وحاشاكَ قبقابي وجوختيَ الدارُ) (وَإِن قيلَ لي لَا تخش فَهُوَ عبورة ... خشيتُ على علمي بأنيَ جزار) // الطَّوِيل // وَمَا ألطف قَوْله فِي معنى رقة الْحَال وَإِن لم يكن من هَذَا الْبَاب (لي منَ الشمسِ حلَّة صفراءُ ... لَا أُبالي إِذا أَتَانِي الشتاءُ) (ومنَ الزمْهريرِ إِن حدثَ الغَيمُ ثِيَابِي وطيلساني الهواءُ ... ) (بيتيَ الأرضُ والفضافيهِ سورٌ ... لي مدَار وسقفُ بَيْتِي السماءُ) (شَنَّعَ الناسُ أنني جاهلي ... ثانوىّ وَمَا لَهُم أهواءُ) (أخذُوني بظاهِرِي إِذْ رأوني ... عبدَ شمس تسوءُني الظلماءُ) // الْخَفِيف // وَمَا ألطف قَول الْبَهَاء زُهَيْر فِي هَذَا الْمَعْنى (أدرِكوني فَبِي منَ البردِ همّ ... ليسَ يُنْسَى وَفِي حشاي التهاب) (كلما ازرق لونُ جسمي منَ الْبرد ... تخيَّلْتُ أَنه سِنجابُ) // الْخَفِيف //

стр. 367

رَجَعَ إِلَى الِاعْتِرَاض وَمِنْه قَول أبي مُحَمَّد الميطراني وَكتب بِهِ إِلَى صديق لَهُ رأى عِنْده غُلَاما استخدمه (رأيتُ ظَبْيًا يطوف فِي حَرَمكْ ... أغرَّ مستأنسا إِلَى كرَمكْ) (أطمعني فِيهِ أنهُ رَشأ ... يرشي ليخشى وَلَيْسَ من خدمك) (فاشَغْلُه بِي سَاعَة إِذا فرَغَتْ ... دَوَاتُهُ إِن رَأيت من قلمك) // المنسرح // وَمن بديعه مَعَ الرقة والانسجام قَول ريسم بن شادلويه صَاحب أذربيجان (سُعادُ تسُبُّني ذُكرَت بِخَير ... وتزعُم أنني مَلِقٌ خَبيثُ) (وَأَن موَدَّتي كذبٌ ومَيْن ... وَأَنِّي بِالَّذِي أَهْوى بَثُوثُ) (ولَيسَ كَذا وَلَا ردٌّ عَلَيْهَا ... ولكنَّ الملولَ هُوَ النكوثُ) (رأَت شَغَفي بهَا ونحولَ جسمي ... فصَدَّت هَكَذَا كَانَ الحَدِيث) // الوافر // وَمَا ألطف قَول الْبَهَاء زُهَيْر يهجو (صديقٌ لي سأذكرهُ بخيرٍ ... وإِن عَرَّفتُ باطنهُ الخبيثا) (وحاشا السامعينَ يُقالُ عَنْهُم ... وَبِاللَّهِ اكتموا هَذَا الحديثا) // الوافر // وَبَالغ ابْن الساعاتي بقوله (تودُّ نجُوم اللَّيْل لَو نَصَلت بهَا ... وَإِن لَقِيتْ بُؤساً ذوابلُ مُلدِهِ) (وَلَو تملكُ الحكم الأهلَّةُ لم تكن ... وَيَا فخرها إِلَّا نعالاً لجرده) // الطَّوِيل //

стр. 368

وعَوْف بن ملحم الْخُزَاعِيّ أَبُو الْمنْهَال هُوَ أحد الْعلمَاء الأدباء الروَاة الفهماء الندماء الظرفاء الشُّعَرَاء الفصحاء وَكَانَ صَاحب نَوَادِر وأخبار وَمَعْرِفَة بأيام النَّاس واختصه طَاهِر بن الْحُسَيْن بن مُصعب لمنادمته ومسامرته فَلَا يُسَافر إِلَّا وَهُوَ مَعَه فَيكون زميله وعديله ويعجب بِهِ وَقَالَ مُحَمَّد بن دَاوُد إِن سَبَب اتِّصَاله بطاهر أَنه نَادَى على الجسر بِهَذِهِ الأبيات أَيَّام الْفِتْنَة بِبَغْدَاد وطاهرٌ منصرف فِي حراقة لَهُ بدجلة فَأدْخلهُ مَعَه وأنشده إِيَّاهَا وَهِي (عجبتُ لحرَّاقَة ابْن الحسَين كيفَ تَعومُ وَلَا تغرقُ ... ) (وبحرانِ من تحتهَا واحدٌ ... وآخرُ من فَوْقهَا مُطْبقُ) (وأعجَبُ من ذاكَ عيدانُها ... وَقد مَسَّها كَيفَ لَا تورق) // المتقارب // وَأَصله من حران وَبَقِي مَعَ طَاهِر ثَلَاثِينَ سنة لَا يُفَارِقهُ وَكلما استأذنه فِي الِانْصِرَاف إِلَى أَهله ووطنه لَا يَأْذَن لَهُ فَلَمَّا مَاتَ ظن أَنه تخلص وَأَنه يلْحق بأَهْله فقر بِهِ عبد الله بن طَاهِر وأنزله مَنْزِلَته من أَبِيه وَأفضل عَلَيْهِ حَتَّى كثر مَاله وَحسنت حَاله وتلطف بِجهْدِهِ أَن يَأْذَن لَهُ فِي الْعود إِلَى أَهله فاتفق أَنه خرج عبد الله من بَغْدَاد إِلَى خُرَاسَان فَجعل عوفاً عديله فَلَمَّا شَارف الرّيّ سمع صَوت عندليب يغرد أحسن تغريد فأعجب ذَلِك عبد الله والتفت إِلَى عَوْف وَقَالَ يَا ابْن ملحم هَل سَمِعت بأشجى من هَذَا فَقَالَ لَا وَالله فَقَالَ عبد الله قَاتل الله أَبَا كَبِير حَيْثُ يَقُول (أَلا يَا حمام الأيك إلفك حَاضر ... وغصنك مياد فَفِيمَ تَنوحُ)

стр. 369

(أفق لَا تنج من غير بَين فأنني ... بَكَيْتُ زَمَانا والفؤادُ صَحيحُ) (وَلوعاً فَشَطَّتْ غُربةً دارُ زَيْنَب ... فها أَنا أبْكِي والفؤادُ قريحُ) // الطَّوِيل // فَقَالَ عَوْف أحسن وَالله وأجاد أَبُو كَبِير إِنَّه كَانَ فِي الهذليين مائَة وَثَلَاثُونَ شَاعِرًا مَا فيهم إِلَّا مفلق وَمَا كَانَ فيهم مثل أبي كَبِير وَأخذ يصفه فَقَالَ لَهُ عبد الله أَقْسَمت عَلَيْك إِلَّا أجزت قَوْله فَقَالَ لَهُ قد كبر سني وفني ذهني وَأنْكرت كل مَا كنت أعرفهُ فَقَالَ عبد الله بِحَق طَاهِر إِلَّا فعلت فابتدر عَوْف فَقَالَ (أَفِي كل عَام غُربَةٌ ونزُوحُ ... أما للنوى من ونْيَةٍ فتريحُ) (لقد طَلَّحَ البينُ المشِتُّ ركائبي ... فَهَل أرَيَنَّ البينَ وَهُوَ طليحُ) (وأَرَّقَني بالريِّ نوحُ حمامةٍ ... فَنُحتُ وَذُو اللبِّ الغريبُ ينوحُ) (على أَنَّهَا ناحَتْ وَلم تُذْر دمْعَةً ... ونحتُ وأسْرابُ الدُّمُوع سُفوحُ) (وناحت وفَرْخَاها بحيثُ تراهما ... وَمن دون أفراخي مهامه فيح) (أَلا يَا حمام الأيك إلفك حَاضر ... وغصنك مياد فَفِيمَ تنوح) (عَسى جُودَ عبد الله أَن يعكس النَّوَى ... فَتُلفَي عَصا التَّطواف وَهِي طَريحُ) (فَإِن الغنِي يُدْني الْفَتى من صدِيقهِ ... وعُدْمُ الْفَتى بالمغربين طروح) // الطَّوِيل // فاستعبر عبد الله ورق لَهُ وَجَرت دُمُوعه وَقَالَ وَالله إِنَّنِي لضنين بمفارقتك شحيح على الْفَائِت من محاضرتك وَلَكِن وَالله لَا أعملت معي خفاً وَلَا حافراً إِلَّا رَاجعا إِلَى أهلك وَأمر لَهُ بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم فَقَالَ عَوْف الأبيات الْمَشْهُورَة وَسَار رَاجعا إِلَى أَهله فَلم يصل إِلَيْهِم وَمَات فِي حُدُود الْعشْرين والمائتين وَمن شعره رَحمَه الله تَعَالَى قَوْله (وكنتُ إِذا صَحِبت رجالَ قوم ... صحبُتُهُم ونِيَّتَي الوفاءُ)

стр. 370

(فأحسِنُ حِين يحسنُ محسنوهم ... وأجتنب الإساءةَ إِن أَساءَوا) (وأُبصر مَا يريبُهمُ بعينٍ ... عَلَيْهَا من عُيوبهِمُ غِطاءُ) // الوافر // وَمِنْه قَوْله (وصَغيرَةٍ عُلِّقتُها ... كَانَت من الفِتنِ الكِبارِ) (بلْهاء لم تَعرف لغرتها ... اليمينَ من اليسارِ) (كالبدرِ إلَاّ أَنَّهَا ... تبقى على ضوءِ النَّهَار) // من مجزوء الْكَامِل // ٦٩ - (واعْلمْ فَعلمُ المرْءِ يَنْفَعهُ ... أَن سَوْفَ يآتي كل مَا قُدِرا) الْبَيْت من السَّرِيع وأنشده أَبُو عَليّ الْفَارِسِي وَلم يعزه إِلَى أحد وَأَن هُنَا مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَضمير الشَّأْن مَحْذُوف يَعْنِي أَن الْمَقْدُور آتٍ لَا محَالة وَإِن وَقع فِيهِ تَأْخِير وَفِي هَذَا تَسْلِيَة وتسهيل لِلْأَمْرِ وَالشَّاهِد فِيهِ الِاعْتِرَاض بالتنبيه وَهُوَ قَوْله فَعلم الْمَرْء يَنْفَعهُ وَهُوَ جملَة مُعْتَرضَة بَين اعْلَم ومعموليه وَالْفَاء اعتراضية وفيهَا شَائِبَة من السَّبَبِيَّة ٧٠ - (يَصُدُّ عَن الدُّنْيَا إِذا عَن سؤود ... ) هُوَ من الطَّوِيل وَتَمَامه (وَلَو برزَتْ فِي زِيِّ عذراءَ ناهِدِ ... ) وقائله أَبُو تَمام من قصيدة يمدح بهَا أَبَا الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْهَيْثَم أَولهَا (قفوا جدِّدوا من عهدكم بالمهاهد ... وَإِن هِيَ لم تَسمع لِنِشدان ناشِدِ)

стр. 371

(لقد أطرق الرّبع المحيلُ لفقدهم ... وبَيْنهمُ إطراقَ ثكْلان فَاقِد) (وأبقَوْا لضيف الشوقِ منِّيَ بعدهمْ ... قرى من جَوًى سارٍ وطيفٍ معاود) (سقته ذعاقا عَادة الدَّهْر فيهمُ ... وسم اللَّيَالِي فَوق سم الأساود) (بِهِ عِلّة صماء للبين لم تُصخْ ... لبرءِ وَلم توجِبْ عيادةَ عَائِد) (وَفِي الكِلَّةِ الورديَّةِ اللَّوْن جؤذر ... من العينِ وردي الخدود المجاسد) (رمته بخلف بعد مَا عَاشَ حِقْبةً ... لَهُ رَسَفَانٌ فِي قيود المواعد) (غدَتْ مُغْتَدَي الغضبي وأوصت خيالها ... بهجران نِضْوِ العيس نِضْو الخرائد) (وقالتْ نكاحُ الْحبّ يفْسد شكلهُ ... وَكم نكحوا حبا وليسَ بفاسد) // الطَّوِيل // وَهِي طَوِيلَة يَقُول فِي مديحها

стр. 372

(هُم حسدوهُ لَا مَلُومينَ مجدَهُ ... وَمَا حاسدٌ فِي المكرُمَات بحاسدِ) (قرَاني اللُّهى والوُدَّ حَتَّى كَأَنَّمَا ... أفادَ الْغَنِيّ من نائلي وفوائدي) (فأصبحتُ يلقاني الزمانُ مِنَ أجلهِ ... بإِعظام مَوْلُود وإشفاق والدِ) وَبعده الْبَيْت وَبعده (إِذا الْمَرْء لم يزهد وَقد صُبِغَتْ لهُ ... بعصفُرِها الدُّنْيَا فَلَيْسَ بزاهد) (فواكبدي الحرى وواكبد النوَى ... لأيامهِ لَو كنَّ غيرَ بوائدِ) (وَهيهاتَ مَا ريبُ الزمانِ بمِخْلِدٍ ... غَرِيبا وَلَا ريبُ الزَّمَان بِخَالِد) والزي بِكَسْر الزَّاي الْهَيْئَة والعذراء الْبكر والناهد الَّتِي نهد ثديها أَي ارْتَفع وَالشَّاهِد فِيهِ وَصفه بالإيجاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَلَام آخر مساوٍ لَهُ فِي أصل الْمَعْنى وَهُوَ الْبَيْت الْآتِي بعده وَهُوَ إِذا الْمَرْء لم يزهد إِلَخ ٧١ - (ولستُ بمَيَّالٍ إِلَى جانبِ الغنىَ ... إِذا كَانَت العَلْيَاءُ فِي جَانب الفقرِ) الْبَيْت من الطَّوِيل وَهَكَذَا رويته وَإِن كَانَ فِي التَّلْخِيص بِلَفْظ نظار بدل ميال وقائله وقائله المعذل بن غيلَان أَبُو عبد الصَّمد أحد الشاعرين الْمَشْهُورين روى ذَلِك عَنهُ الْأَخْفَش عَن الْمبرد وَمُحَمّد بن خلف الْمَرْزُبَان عَن الربعِي وَبعد الْبَيْت

стр. 373

(وَقد قَالَ الأديب مقَال صدقٍ ... رآهُ الْآخرُونَ لَهُم إِمَامَا) (إِذا كرمتكم وأهنتموني ... وَلم أغضبْ لذلكم فداما) // الوافر // قَالَ وَانْصَرف فبكر إِلَيْهِ عبد الله بن سوار فَقَالَ لَهُ رَأَيْتُك أَبَا عبد الله مغضباً فَقَالَ أجل مَاتَت بنت أُخْتِي وَلم تأتني قَالَ مَا علمت ذَلِك قَالَ ذَنْبك أيسر من عذرك وَمَالِي أَنا أعرف خبر حقوقك وَأَنت لَا تعرف خبر حقوقي فَمَا زَالَ عبد الله يعْتَذر إِلَيْهِ حَتَّى رَضِي عَنهُ وَحدث الجماز قَالَ هجا أبان اللاحقي المعذل بن غيلَان فَقَالَ (كنتُ أَمْشِي مَعَ المعذل يَوْمًا ... ففسا فَسْوَةً فكدتُ أطيرُ) (فتلفَّتُّ هَل أرَى ظَرِباناً ... من ورائي والأرضُ بِي تستديرُ) (فإِذا ليسَ غَيره وَإِذا إعصارُ ذاكَ الفساءِ منهُ يفورُ ... ) (فتعجبتُ ثمَّ قلتُ لقدْ أعرقَ فِي ذَا فِيمَا أرى خِنْزِير ... ) // الْخَفِيف // فَأَجَابَهُ المعذل بقوله (صحَّفَتْ أُمُّكَ إِذْ سمتكَ ... فِي المهد أَبَانَا ... ) (صيرت بَاء مَكَان التاءِ ... فاللُه أعانَا) (قطعَ اللُه وشيكاً ... من مسميكَ اللسانا) // الرمل // وَقد روى عَن المعذل وَأَبِيهِ شَيْء من الْأَخْبَار والْحَدِيث واللغة لَيْسَ بالكثير وَمن شعره

стр. 374

(إِلَى الله أَشْكُو لَا إِلَى النَّاس أَنني ... أَرى صَالح الْأَعْمَال لَا أستطيعها) (أَرى خَلَّةً فِي إخْوَة وقرابة ... وَذي رحم مَا كَانَ مثلي يضيعها) (فَلَو ساعدتني فِي المكارم قدرَة ... لفاضَ عَلَيْهِم بالنوال ربيعها) // الطَّوِيل // وَأما ابْن المعذل عبد الصَّمد فَكَانَ شَاعِرًا فصيحاً من شعراء الدولة العباسية وَكَانَ هجاء خَبِيث اللِّسَان شَدِيد الْمُعَارضَة وَكَانَ أَخُوهُ أَحْمد شَاعِرًا أَيْضا إِلَّا أَنه كَانَ عفيفاً ذَا مُرُوءَة وَدين وَتقدم عِنْد الْمُعْتَزلَة وجاه وَاسع فِي بَلَده وَعند سُلْطَانه لَا يُقَارِبه عبد الصَّمد فِيهِ وَكَانَ يحسده ويهجوه فيحلم عَنهُ وَعبد الصَّمد أشعرهما وَمن هجاء أَحْمد لِأَخِيهِ عبد الصَّمد قَوْله وَهُوَ فِي غَايَة الأذي مَعَ مَا فِيهِ من اللطافة (قَالَ لي أَنْت أَخُو الْكَلْب وَفِي ... ظنَّهِ أَن قد هجاني واجتهدْ) (أحمدُ الله تَعَالَى أنهُ ... مَا درى أَنِّي أَخُو عبد الصمدْ) // الرمل // ٧٢ - (وتُنْكرُ إِن شئَنا على النَّاس قولهُمْ ... وَلَا يُنكرُونَ القولَ حِين نقولُ) الْبَيْت للسموأل بن عادياء الْيَهُودِيّ من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا (إِذا الْمَرْء لم يَدْنَسْ من اللؤم عرضُه ... فَكل رِدَاء يرتديه جميلُ) (وإِنْ هُوَ لم يحمل على النَّفس ضَيْمَهَا ... فَلَيْسَ إِلَى حسن الثَّنَاء سبيلُ) (تُعيِّرنا أَنا قَلِيل عديدُنا ... فَقلت لَهَا إِن الْكِرَام قليلُ)

стр. 375

(وَمَا قَلَّ مَنْ كَانَت بقاياه مثلنَا ... شباب تسامت للعلا وكهولُ) (وَإِنَّا لَقَوْمٌ لَا نرى الْقَتْل سُبة ... إِذا مَا رَأَتْهُ عَامر وسلول) (يقرب حب الْمَوْت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهمْ فتطولُ) (وَمَا ماتَ منَّا سيِّدٌ فِي فِراشهِ ... وَلَا طُلَّ منّا حيثُ كانَ قتيلُ) (تَسيلُ على حدِّ الظُّبات نفوسُنَا ... وَلَيْسَ على غير السُّيوف تسيلُ) // الطَّوِيل // إِلَى أَن يَقُول فِيهَا (فنحنُ كماءِ المُزن مَا فِي نِصالنا ... كَهَامٌ وَلَا فِينا يعدُّ بخيلُ) وَبعده الْبَيْت وَبعده (إِذا سيدٌ منَّا خلَا قامَ سيدٌ ... قؤولٌ لما قالَ الكرامُ فَعُولُ) (وَما أُخمِدتْ نارٌ لنا دُون طَارق ... وَلَا ذمَّنا فِي النَّازلينَ نَزيلُ) (وأيامُنا مشهورَةٌ فِي عدُونا ... لَهَا غُرَر معرُوفة وحُجُولُ) (وأسْيافُنَا فِي كلِّ شرقٍ ومغربٍ ... بهَا منْ قِراع الدَّارعينَ فلولُ) (مُعَوَّدة أنْ لَا تُسلَّ نِصالها ... فتغمدَ حَتَّى يُستباحَ قتيلُ) (سلى إنْ جهلتِ النَّاسَ عنّا وعنهمُ ... فليسَ سواءَ عَالم وجهول) // الطَّوِيل // وَمعنى الْبَيْت إِنَّا نغير مَا نُرِيد تَغْيِيره من قَول غَيرنَا وَلَا يَجْسُر أحد على الِاعْتِرَاض علينا انقيادا لهوانا واقتداء بحرمنا يصف رياستهم ونفاذ حكمهم وَرُجُوع النَّاس فِي الْمُهِمَّات إِلَى رَأْيهمْ

стр. 376

وَالشَّاهِد فِيهِ وَصفه بالإطناب بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوْله تَعَالَى لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وَهُوَ يسْأَلُون وَوصف الْآيَات الْكَرِيمَة بالإيجاز بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَفِي قَوْله من القصيدة وَإِنَّا لقوم لَا نرى الْقَتْل سبة ... الْبَيْت نوع من البديع يُسمى الاستطراد وَهُوَ أَن يرى الشَّاعِر أَنه يُرِيد وصف شَيْء وَهُوَ إِنَّمَا يُرِيد غَيره وَمِنْه قَول الفرزدق (كأنّ فقاحَ الأزْد حَوْلَ ابْن مِسمعٍ ... إِذا اجْتمعوا أفْوَاهُ بكر بن وَائِل) // الطَّوِيل // وَقَول جرير (لما وضعتُ على الفرزْدق مِيسمى ... وضغا البعيثُ جدعتُ أنفَ الأخطل) // الْكَامِل // ويروى أَن الفرزدق وقف على جرير بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ ينشد قصيدته الَّتِي هجا فِيهَا الرَّاعِي فَلَمَّا بلغ إِلَى قَوْله (بهَا برصٌ بِأَسْفَل أسكَتيها ... ) وضع الفرزدق يَده على فِيهِ وغطى عنفقته فَقَالَ جرير (كَعَنْفقَةِ الفرزْدقِ حِينَ شَابًّا ... ) فَانْصَرف الفرزدق وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اخزه وَالله لقد علمت حِين بَدَأَ بِالْبَيْتِ أَنه لَا يَقُول غير هَذَا ولكنني طمعت أَن لَا يَأْتِي بِهِ فغطيت وَجْهي فَمَا أغْنى ذَلِك شَيْئا وَيُقَال إِن يُونُس كَانَ يَقُول مَا أرى جَرِيرًا قَالَ هَذَا المصراع إِلَّا حِين غطى الفرزدق عنفقته فَإِنَّهُ نبهه عَلَيْهِ بتغطيته إِيَّاهَا وَمن الاستطراد قَول أبي تَمام فِي وصف فرس (فَلَو ترَاهُ مشيخا والحَصا فِلقٌ ... تَحت السَّنابكِ مِنْ مَثْنَي ووُحدانِ)

стр. 377

(حَلَفْتَ إنْ لم تَثَبَّتْ أَنَّ حافِرهُ ... من صخْرِ تدْمُرَ أوْ منْ وجهِ عُثْمَان) // الْبَسِيط // وَقَول بكر بن النطاح فِي مَالك بن طوق (عرضتُ عَلَيْهَا مَا أَرَادَت منَ المُنى ... لتَرْضَى فقالتْ قمْ فجئني بِكوكبِ) (فقلتُ لَهَا هذَا التَّعنُّتُ كلُّه ... كمَن يَشْتَهِي منْ لحم عنْقاء مُغربِ) (سلى كلَّ أمرٍ يستقيمُ طِلَابهُ ... وَلَا تذهبي يَا درتي كلَّ مذهبِ) (فاقسمُ لَو أَصبَحت فِي عزِّ مالكٍ ... وقدرتهِ أعْيا بِما رُمتِ مطلبي) (فَتى شقيَتْ أموالُه بعُفاتهِ ... كَمَا شقيتْ قيسٌ بأرماح تغلب) // الطَّوِيل // وَقَول بَعضهم يمدح الْوَزير المهلبي (بِأبي منْ إِذا أرادَ سِراري ... عَبَّرَتْ لي أنفاسهُ عنْ عبيرِ) (وسبانِي ثغرٌ كُدرٍّ نظيم ... تحتهُ مَنْطقٌ كَدرٍّ نثيرِ) (ولهُ طَلْعةٌ كنَيْلِ الْأَمَانِي ... أَو كشعر المهلبي الْوَزير) // الْخَفِيف // وَقَول أبي الطَّاهِر الْخُزَاعِيّ (وليل كوجه البرقعيدي ظُلمةً ... وبردِ أَغانيهِ وَطول قُرُونهِ)

стр. 378

(قَطَعْتُ دَياجيهِ بنوْمٍ مُشرَّدٍ ... كعقل سُليمانَ بن فَهْدٍ ودِينهِ) (على أوْلَقٍ فيهِ التفاتٌ كأنهُ ... أَبُو جابرٍ فِي خبَّطه وجنونه) (إِلَى أَن بدا ضوءُ الصَّباح كأنهُ ... سنا وجهِ قِرْواشٍ وضوء جَبينه) // الطَّوِيل // وَقَول إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يهجو أَحْمد بن هِشَام (وصافيةٍ يغشى العُيونَ صفاؤها ... رَهينةِ عامٍ فِي الدِّنان وعامِ) (أدرنابها الكأسَ الرَّوِيَّةَ مَوْهِناً ... منَ اللَّيل حَتَّى انجابَ كلُّ ظلامِ) (فَمَا ذَر قرْنُ الشَّمس حَتَّى رأيتُنا ... منَ العيِّ نحكي أَحْمد بن هِشَام) // الطَّوِيل // وَقَول الْحُسَيْن بن عَليّ القمي (جاوزتُ أجبالاً كأنّ صخورها ... وَجنَاتُ نجم ذِي الْحيَاء الباردِ) (والشَّوْكُ يعملُ فِي ثِيَابِي مِثلَ مَا ... عملَ الهجاءُ بِعرْض عبد الْوَاحِد) // الْكَامِل // وَقَول أبي الْفرج الببغاء (لنا روْضة فِي الدّار صيغَ لزهرها ... قلائدُ من حلي النَدَى وشُنوفُ) (يطيفُ بِنَا مِنها إِذا مَا تنفستْ ... نسيمٌ كعقل الخالدِيّ ِضعيفُ) // الطَّوِيل // وَمن ظريف الاستطراد وغريبه قَول بَعضهم (اكْشفي وجهكِ الذِي أَو حلتني ... فيهِ منْ قبل كَشفهِ عيناكِ)

стр. 379

(غَلَطِي فِي هواكِ يشبه عندِي ... غَلطي فِي أبي عَليّ بن زاكي) // الْخَفِيف // وَقَول أبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ (وصفراءَ كالدَّينار بنت ثلاثةٍ ... شَمَالٍ وأَنْهار ودهرٍ مُجرّمٍ) (مَسَرْةِ محزونٍ وعُذْر مُعربدٍ ... وكنز مجوسيٍّ وفتنةِ مُسلمِ) (مماتٌ لأحياء حياةٌ لميتٍ ... وعُدْمٌ لمن أثرَى ثراءٌ لمعدِم) (يدورُ بِها ظبيٌ تدورُ عيونُنا ... على عينهِ مِنْ شَرط يِحيى بن أكْثم) (ينزِّهنا من ثغرهِ ومُدَامه ... وخدّيه فِي شمسٍ وبدرٍ وأنجُم) (نهضتُ إِلَيْهَا والظَّلَام كأنهُ ... معاشُ فقيرٍ أَو فؤاد معلم) // الطَّوِيل // وَقَوله (ولقدْ بكيتُ عليكَ حَتَّى قدْ بدَا ... دَمعي يُحاكِي لفظكَ المنظوما) (وَلَقَد حزنتُ عَلَيْك حَتَّى قد حكى ... قلبِي فؤادَ حسودك المحموما) // الْكَامِل // وَمِنْه قَول ابْن رَشِيق وَكتب بِهِ إِلَى بعض الرؤساء (إِنِّي لَقيتُ مَشقّهْ ... فَابْعَثْ إليَّ بشُقهْ) (كَمثلِ وَجهك حسنا ... ومِثل دينيَ رِقهْ) // المقتضب // فَقَالَ لَهُ الرئيس أما مثل دينك رقة فَلَا يُوجد بِوَزْن أَمْثَال رمال الرقة ولشرف الدّين ابْن عنين الشَّاعِر على هَذَا الأسلوب فِي فقيهين كَانَا بِدِمَشْق يدعى أَحدهمَا بالبغل وَالْآخر بالجاموس البَغلُ والجاموسُ فِي جَدَليهما ... قد أصبحا عظةً لكل مُناظرِ) (برزَا عَشيَّة ليلةٍ فتباحثَا ... هَذَا بقَرْنَيْهِ وذَا بالحافرِ) (مَا أتْقنا غيرَ الصِّياح كَأَنَّمَا ... لقيا جدالَ المرْتضى بن عساكرِ) (لفظٌ طويلٌ تحتَ معنى قاصرٍ ... كالعقل فِي عبدِ اللَّطيف النَّاظرِ)

стр. 380

(اثْنَان مالَهُمَا وحقكَ ثالثٌ ... إْلاّ رَقاعة مدلوية الشَّاعِر) // الْكَامِل // وَمِنْه قَول ابْن جَابر الأندلسي (تطولُ بهِ للمجدِ أشرفُ هِمةٍ ... فَمَا باعهُ عنْ غايةٍ بقصير) (سما لاقِتناص المكرُمات كَمَا سَمَا ... بعمرٍو إِلَى الزَبَّاء سعي قصير) // الطَّوِيل // وَقَوله أَيْضا (سراةٌ كِرامٌ من ذُؤابةِ هاشمٍ ... يقولونَ للأضيافِ أَهلا ومَرْحَبَا) (ويفعلُ فِي فقر المُقلِّينَ جودهمْ ... كَفعل عليٍّ يومَ حاربَ مرْحَبًا) // الطَّوِيل // والسموأل هُوَ ابْن غريض بن عادياء ذكر ذَلِك أَبُو خَليفَة عَن مُحَمَّد بن سَلام والسكري عَن الطوسي وَأبي حبيب وَذكر أَن النَّاس يدرجون غريضاً فِي النّسَب وينسبونه إِلَى عادياء جده وَقَالَ عَمْرو بن شيبَة هُوَ السموأل ابْن عادياء وَلم يذكر غريضاً وَقد قيل إِن أمه كَانَت من غَسَّان وَكلهمْ قَالَ إِنَّه صَاحب الْحصن الْمَعْرُوف بالأبلق بتيماء وَقيل بل هُوَ من ولد الكاهن بن هَارُون بن عمرَان وَكَانَ هَذَا الْحصن لجده عادياء واحتفر فِيهِ بِئْرا عذبة روية وَقد ذكرته الشُّعَرَاء فِي أشعارها قَالَ السموأل (فبالأبلق الفردِ بَيْتِي بهِ ... وَبَيت النَّضِير سوى الأبلق) // المتقارب // وَكَانَت الْعَرَب تنزل بِهِ فيضيفها وتمتار من حصنه وَيُقِيم هُنَاكَ سوقاً وَبِه يضْرب الْمثل فِي الْوَفَاء لِأَنَّهُ رَضِي بقتل ابْنه وَلم يخن أَمَانَته فِي أَدْرَاع أودعها وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك إِن امْرأ الْقَيْس بن حجر الْكِنْدِيّ لما سَار إِلَى الشَّام يُرِيد قَيْصر نزل على السموأل بن عادياء بحصنه الأبلق بعد إِيقَاعه ببني كنَانَة على أَنهم

стр. 381

بَنو أَسد وَكَرَاهَة من مَعَه لفعله وتفرقهم عَنهُ حَتَّى بَقِي وَحده وَاحْتَاجَ إِلَى الْهَرَب وَطَلَبه الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وَوجه إِلَى طلبه جيوشاً وخذلته حمير وَتَفَرَّقَتْ عَنهُ فلجأ إِلَى السموأل بن عادياء وَكَانَ مَعَه خَمْسَة أَدْرَاع الفضفاضة والضافية والمحصنة والخريق وَأم الذيول وَكَانَت لبني آكل المرار يتوارثونها ملك عَن ملك وَمَعَهُ ابْنَته هِنْد وَابْن عَمه يزِيد بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث وَسلَاح وَمَال وَكَانَ بَقِي مِمَّا كَانَ مَعَه رجل من بني فَزَارَة يُقَال لَهُ الرّبيع وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ امْرُؤ الْقَيْس (بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونه ... وأيقنَ أنَّا لَا حِقانِ بقيْصرَا) (فقلتُ لَهُ لَا تبك عَيْنك إِنَّمَا ... نحاول ملكا أَو نموت فنعذرا) // الطَّوِيل // فَقَالَ لَهُ الْفَزارِيّ قل فِي السموأل شعرًا تمدحه بِهِ فَإِن الشّعْر يُعجبهُ فَقَالَ فِيهِ امْرُؤ الْقَيْس قصيدته الَّتِي مطْلعهَا (طَرَقَتْكَ هِنْد بعدَ طولِ تَجَنُّبٍ ... وَهْناً وَلم تكُ قبلَ ذَلِك تطرق) // الْكَامِل // فَقَالَ لَهُ الْفَزارِيّ إِن السموأل يمْنَع مِنْهَا وَهُوَ فِي حصن حُصَيْن وَمَال كثير فَقدم بِهِ على السموأل وعرفه إِيَّاه وأنشده الشّعْر فَعرف لَهما حَقّهمَا وَضرب على هِنْد قبَّة من أَدَم وَأنزل الْقَوْم فِي مجْلِس لَهُ فأقاموا عِنْده مَا شَاءَ الله ثمَّ إِن امْرأ الْقَيْس سَأَلَهُ أَن يكْتب لَهُ إِلَى الْحَارِث بن أبي شمر الغساني

стр. 382

أَن يوصله إِلَى قَيْصر فَفعل واستصحب رجلا يدله على الطَّرِيق وأودع ابْنَته وَمَاله وأدراعه السموأل ورحل إِلَى الشَّام وَخلف ابْن عَمه مَعَ ابْنَته هِنْد قَالَ وَنزل الْحَارِث بن ظَالِم فِي بعض غاراته بالأبلق وَيُقَال بل كَانَ الْمُنْذر وَجهه فِي خيل وَأمره بِأخذ مَال امرىء الْقَيْس من السموأل فَلَمَّا نزل بِهِ تحصن مِنْهُ وَكَانَ لَهُ ابْن قد يفع وَخرج إِلَى قنصٍ لَهُ فَلَمَّا رَجَعَ أَخذه الْحَارِث بن ظَالِم ثمَّ قَالَ للسموأل أتعرف هَذَا قَالَ نعم هَذَا ابْني فَقَالَ أفتسلم مَا قبلك أَو أَقتلهُ قَالَ شَأْنك بِهِ فلست أَخْفَر ذِمَّتِي وَلَا أسلم مَال جاري فَضرب الْحَارِث وسط الْغُلَام فَقتله وقطعه قطعتين وَانْصَرف عَنهُ فَقَالَ السموأل فِي ذَلِك (وفيت بأدراع الكندِيِّ إِني ... إِذا مَا ذّم أقوامٌ وفيتُ) (وأوْصى عادِياً يَوْمًا بِأن لَا ... تُهدِّمَ يَا سموألُ مَا بنيتُ) (بنى لي عادِياً حِصناً حصينا ... وبئرا كلما شِئْت استقيت) // الوافر // وَفِي ذَلِك يَقُول الْأَعْشَى وَكَانَ قد استجار بشريح بن السموأل من رجل كَلْبِي قد هجاه ثمَّ ظفر بِهِ فَأسرهُ وَهُوَ لَا يعرفهُ فَنزل بِابْن السموأل فَأحْسن ضيافته وَمر بالأسرى فناداه الْأَعْشَى من جملَة أَبْيَات (كن كالسموأل إِذْ طافَ الهمامُ بهِ ... فِي عَسْكَر كسواد اللَّيْل جرار) (إذَ سامهُ خُطَّتَيْ خَسْفٍ فقالَ لهُ ... قُل مَا تشاءُ فإِني سامعٌ حَار) (فَقَالَ غَدْرٌ وثُكْلٌ أنتَ بَينهمَا ... فاخترْ وَمَا فِيهَا حَظٌّ لمختار) (فشكَّ غيرَ طويلٍ ثمَّ قَالَ لهُ ... اقتلْ أسيركَ إِنِّي مانعٌ جاري)

стр. 383

(وسوف يُعْقبنيهِ إِنْ ظفرْتَ بهِ ... ربٌّ كريمٌ وبِيضٌ ذاتُ أطْهار) (لَا سرُّهنّ لدَينا ذاهبٌ أبدا ... وحافظات إِذا استُودِعْنَ أَسراري) فاختارَ أَدْراعهُ كَيْلا يُسَبَّ بهَا ... وَلم يكنْ وعدهُ فِيهَا بختار) // الْبَسِيط // فجَاء شُرَيْح إِلَى الْكَلْبِيّ فَقَالَ لَهُ هَب لي هَذَا الْأَسير المضرور فَقَالَ هُوَ لَك فَأَطْلقهُ وَقَالَ لَهُ أقِم عِنْدِي حَتَّى أكرمك وأجيزك فَقَالَ لَهُ الْأَعْشَى إِن تَمام صنيعك أَن تُعْطِينِي نَاقَة نَاجِية فَأعْطَاهُ نَاقَة نجية فركبها وَمضى من سَاعَته وَبلغ الْكَلْبِيّ أَن الَّذِي وهب لشريح هُوَ الْأَعْشَى فَأرْسل إِلَى شُرَيْح ابْعَثْ إِلَى الْأَسير الَّذِي وهبته لَك حَتَّى أحبوه وأعطيه فَقَالَ قد مضى فَأرْسل الْكَلْبِيّ وَرَاءه فَلم يلْحقهُ وشعية بن غريض أَخُو السموأل شَاعِر أَيْضا وَمن شعره (إِنا إِذا مالتْ دَواعِي الهوَى ... وأنصتَ السّامعُ للقائل) (لَا نجعلُ الباطلَ حقّاًً وَلَا ... نُلِظُّ دُون الْحق بِالْبَاطِلِ) (نَخَاف أنْ تَسْفَهَ أَحلامُنَا ... فنخملَ الدَّهرَ معَ الخامل) // السَّرِيع // عَن الْعُتْبِي قَالَ كَانَ مُعَاوِيَة ﵁ كثيرا مَا يتَمَثَّل إِذا اجْتمع النَّاس فِي مَجْلِسه بِهَذَا الشّعْر وَعَن يُوسُف بن الْمَاجشون قَالَ كَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان إِذا جلس للْقَضَاء بَين النَّاس أَقَامَ وصيفاً على رَأسه فأنشده هَذِه الأبيات ثمَّ يجْتَهد فِي الْحق بَين الْخَصْمَيْنِ

стр. 384

قد تمّ بعون الله تَعَالَى وَحسن تيسيره طبع الْجُزْء الأول من كتاب معاهد التَّنْصِيص على شَوَاهِد التَّلْخِيص للشَّيْخ عبد الرَّحِيم بن أَحْمد العباسي ويتلوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الثَّانِي مفتتحا بشواهد الْفَنّ الثَّانِي وَهُوَ علم الْبَيَان نسْأَل الَّذِي بِيَدِهِ مقاليد الْأُمُور أَن يعين على إكماله وييسر سَبِيل اختتامه آمين

стр. 385

٢ - الْجُزْء الثَّانِي شَوَاهِد الْفَنّ الثَّانِي وَهُوَ علم الْبَيَان

стр. 386

٧٣ - (وكأنَّ مُحْمرَّ الشَّقيقِ إِذا تصَوَّبَ أَو تَصَعَّدْ ... ) (أعلامُ ياقوتٍ نشرن ... عَلى رماح من زَبَرْجَدْ) البيتان من الْكَامِل المجزوء المرفل وَلم أَقف على اسْم قائلهما وَرَأَيْت بعض أهل الْعَصْر نسبهما فِي مُصَنف لَهُ إِلَى الصنوبري الشَّاعِر والشقيق أَرَادَ بِهِ شقائق النُّعْمَان وَهُوَ النُّور الْمَعْرُوف وَيُطلق على الْوَاحِد وَالْجمع وَسمي بذلك لحمرته تَشْبِيها بشقيقة الْبَرْق وأضيف إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَهُوَ آخر مُلُوك الْحيرَة لِأَنَّهُ خرج إِلَى ظهر الْحيرَة وَقد اعتم نبته مَا بَين أصفر وأحمر وأخضر وَإِذا فِيهِ من هَذِه الشقائق شَيْء كثير فَقَالَ مَا أحْسنهَا احموها فَكَانَ أول من حماها فنسبت إِلَيْهِ وَكَانَ أَبُو العميثل يَقُول النُّعْمَان اسْم من أَسمَاء الدَّم وَلذَلِك قيل شقائق النُّعْمَان نسبت إِلَى الدَّم لحمرتها قَالَ وَقَوْلهمْ إِنَّهَا منسوبة إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر لَيْسَ بِشَيْء قَالَ وَحدثت الْأَصْمَعِي بِهَذَا فنقله عني انْتهى وَالَّذِي قدمْنَاهُ هُوَ الَّذِي ذكره أَرْبَاب اللُّغَة وَالشَّاهِد فيهمَا التَّشْبِيه الخيالي وَهُوَ الْمَعْدُوم الَّذِي فرض مجتمعاً من أُمُور كل واحدٍ مِنْهَا مِمَّا يدْرك بالحس فَإِن الْأَعْلَام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مِمَّا لَا يُدْرِكهُ الْحس إِنَّمَا يدْرك مَا هُوَ مَوْجُود فِي الْمَادَّة حَاضر عِنْد الْمدْرك على هيآت محسوسة مَخْصُوصَة لَكِن مادته الَّتِي تركب مِنْهَا كالأعلام والياقوت والرماح والزبرجد كل مِنْهَا محسوس بالبصر وَقَرِيب من هَذَا النَّوْع قَول بَعضهم (كلنا باسِطُ اليدِ ... نَحْو نيلو فرندي) (كَدَبابيسِ عسْجَدٍ ... قُضْبُها من زبرجد) // المقتضب // وَمثله قَول أبي الْغَنَائِم الْحِمصِي

стр. 387

(خود كأنَّ بنانَها ... فِي خُضْرَةِ النْقشِ المزَرَّدْ) (سمَكٌ من البلورِ فِي ... شَبك تكَوَّنَ من زبرجد) // من مجزوء الْكَامِل // وَقد تفنن الشُّعَرَاء فِي وصف الشقائق فمما ورد من ذَلِك قَول ابْن الرُّومِي أَو الأخيطل الْأَهْوَازِي (هذي الشَّقَائِقُ قد أبْصَرْتَ حُمْرَتها ... معَ السوَاد على قُضبانها الذُّبُلِ) (كَأَنَّهَا أدمُعٌ قد غسلت كُحُلاً ... جَادَتْ بهَا وَقْفَة فِي وَجْنَتَيْ خَجِلِ) // الْبَسِيط // وَقَول سيدوك الوَاسِطِيّ (انْظُر إِلَى مُقَلِ العقيق تَضَمَّنت حدق السبج ... ) (من فَوق قاماتٍ حَسُنّ وَمَا سَمجْنَ من العوَجْ ... ) // من مجزوء الْكَامِل // وَقَول الخباز الْبَلَدِي من أَبْيَات (إِلَى الرَّوْض الَّذِي قد أضْحَكتْهُ ... شآبيبُ السَّحائِبِ بالبكاءِ) (كَأَن شقائق النعمانِ فِيهِ ... ثيابٌ قد رَوِينَ من الدِّمَاء) // الوافر // وَقَول ولد القَاضِي عِيَاض رحمهمَا الله تَعَالَى (انْظُر إِلَى الزَّرع وخاماتهِ ... تحكي وَقد وَلّتْ أَمَام الرياحْ) (كتَيبَةً خضراء مَهزومةً ... شقائق النُّعْمَان فِيهَا جراح) // السَّرِيع // وَقَول الخالدي أَيْضا (وصبغ شقائق النُّعْمَان يحْكى ... يواقيتاً نُظِمْنَ على اقترانِ) (وَأَحْيَانا تُشَبِّهها خدُوداً ... كساها الرَّاحُ ثوبا أرجُواني) (شقائق مثلُ أقداح مِلاءٍ ... وخَشخاشٌ كفارِغَةِ القَناني) (وَلما غازَلّتنا الرِّيح خِلْنا ... بهَا جَيشَىْ وغيً يتقاتلانِ) // الوافر // وَقَول الصنوبري

стр. 388

(وجوهُ شقائِقٍ تَبدو وتَحفى ... على قُضبٍ تميسُ بهِنَّ ضعفا) (ترَاهَا كالعذارى مسبات ... عَلَيْهَا من حميم الشَّعْر سِجفا) (إِذا طَلعت أرَتكَ السُّرجَ تذكى ... وَإِن غَرَبَت أرتك السرج تُطْفَا) (تخَالُ إِذا هِيَ اعتَدَلت قَواماً ... زُجاجاتٍ ملئنَ الراحَ صِرفا) (تَنازعتِ الخدودَ الْحمر حُسناً ... فَمَا قد أخطأتْ مِنْهُنَّ وَصفا) // الوافر // وَقَول ابْن الدويدة (كَأَن الشقائق والأقْحُوانَ ... خُدُود تقَبِّلُهنَّ الثُّغُور) (فهاتيكَ أخْجَلَهن الحياءُ ... وهاتيك أضحكن السرُور) // المتقارب // وَقَول أبي الْحسن بن وَكِيع من أرجوزة (يضْحك فِيهَا زَهَرُ الشَّقِيق ... كَأَنَّهُ مَدَاهِنُ العقيقِ) (مُضَمَّنات قطعا من السَّبَجْ ... فأشرَقت بَين احمرار ودَعَجْ) (كَأَنَّمَا المحمَرُّ فِي المسْوَدِّ ... منهُ إِذا لَاحَ عيونُ الرَّمْدِ) // الرجز // وَقَول أبي الْفضل الميكالي (تَصوغُ لنَا أَيدي الرَّبيع حدائقاً ... كَعِقد عقيقٍ بينِ سْمطِ لآلِ) (وفيهن أنوارُ الشقائق قد حَكَتْ ... خدودَ عذارَى نُقِّطَتْ بغوالي) // الطَّوِيل // وَقَول الخبرأرزي أَيْضا (ورَوضَةٍ راضَها النَّدى فَغَدَتْ ... لَهَا من الزَّهْرِ أنجُمٌ زُهْرُ) (تنشر فِيهَا أَيدي الرّبيع لنا ... ثوبا من الوَشْيِ حاكه القَطْرُ) (كأنمَا شُقّ من شقائِقهَا ... علىَ رُباها مطارفٌ خُضْرُ) (ثمّ تبدَّتْ كَأَنَّهَا حَدَقٌ ... أجفانُهَا منْ دمائها حمر) // المنسرح //

стр. 389

٧٤ - (وَمَسْنُونة زُرْق كأنياب أغوالِ ... ) هُوَ من الطَّوِيل وصدره (أيَقْتُلنِي والمشْرَفيُّ مضَاجِعِي ... ) وقائله امْرُؤ الْقَيْس الْكِنْدِيّ من قصيدة أَولهَا (أَلا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي ... وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الخَالِي) (وهلْ يَعِمَنْ إِلا َسعيدٌ مُخَلَّدُ ... قليلُ همُومٍ مَا يبيتُ بأوجالِ) (وهلْ يعمن من كَانَ آخرُ عهِدِه ... ثلاثينَ شهرا أَو ثلاثةَ أحوالِ) (دِيارٌ لسلمَى عافيَاتٌ بِذِي الخالِ ... ألَحَّ عَلَيْهَا كلُّ أسْحَمَ هَطّالِ) (وتحسبُ سَلمَى لَا تزَال كعهدنَا ... بِوَادي الخُزَامىَ أَو على رأسِ أوعالِ) (ألَا زَعمَتْ بَسباسةُ اليومَ أنني ... كبرْتُ وأَن لَا يشهَدَ اللهوَ أمثالي) (بَلَى رُبّ يومٍٍ قدْ لهوتُ وليلةٍ ... بآنسَةٍ كأنهَا خطُّ تمثَالِ) (يُضيء الْفراش وَجْهُهَا لضجيعها ... كمصباح زَيْتٍ فِي قناديل ذَبْالِ) (إذَا مَا الضجيعُ ابتَزَّهَا منْ ثيابهَا ... تميلُ عليهِ هَونةً غيرَ مِعطالِ) (كدعصِ النقَا يمشي الوَليدَانِ فوقهُ ... لما احتسبَا من لين مسّ وتسهْالِ)

стр. 390

(إذَا مَا اسْتَحَمَّتْ كانَ فيضُ حميمهَا ... على مَتنتَيهَا كالجُمان لدَى الجالِي) (تَنوّرْتها من أَذْرُعَات وَأَهْلهَا ... بِيَثْرِب أدنى دارها نظرٌ عالِي) (نَظرُت إِلَيْهَا والنجومُ كَأَنَّهَا ... مصابيحُ رُهبانٍ تُشَبُّ لِقُفَّالِ) (سَمَوْتُ إِلَيْهَا بعدَ مَا نامَ أهلُها ... سُمُوّ حَبابِ المَاء حَالا على حالِ) (فَقَالَت سباكَ اللهُ إِنكَ فاضِحِي ... أَلَسْت ترى السُّمَّارَ والناسَ أحوَالِي) (فقلتُ يمينُ اللهِ لَا أَنا بارحٌ ... وَلَو قطعُوا رَأْسِي لديك وأوصالِي) (فَلَمَّا تَنازَعنا الحديثَ وأسمَحَتْ ... هصرْتُ بغصنٍ ذِي شَمارِيخَ ميالِ) (فصرْنا إِلَى الحُسنى ورقّ كلامُنا ... ورُضْتُ فَذَلت صعبة أيّ إذلال) (حَلفتُ لَهَا بِاللَّه حَلفَةَ فاجرٍ ... لنامُوا فَمَا إِن من حديثٍ وَلَا صالِي) (فأصبَحْتُ معشوقاً وأصبحَ بعلهُا ... عليهِ قَتامٌ كاسفُ اللونِ والبالِ) (يَغُطُّ غَطيطَ البكرِ شُدَّ خِناقهُ ... ليقتْلَني والمرء ليسَ بقتالِ) // الطَّوِيل // وَبعده الْبَيْت وَبعده (وليسَ بِذِي سيف فَيَقْتُلنِي بهِ ... وليسَ بِذِي رُمحٍ وليسَ بنبَّالِ) (أيَقتلني وَقدْ قطرْتُ فؤادها ... كَمَا قَطرَ المَهْنوَّةَ الرَّجلُ الطالي)
следующие страницы →