Полный текст (694 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
٧٣ - (وكأنَّ مُحْمرَّ الشَّقيقِ إِذا تصَوَّبَ أَو تَصَعَّدْ ... )
(أعلامُ ياقوتٍ نشرن ... عَلى رماح من زَبَرْجَدْ)
البيتان من الْكَامِل المجزوء المرفل وَلم أَقف على اسْم قائلهما وَرَأَيْت بعض أهل الْعَصْر نسبهما فِي مُصَنف لَهُ إِلَى الصنوبري الشَّاعِر
والشقيق أَرَادَ بِهِ شقائق النُّعْمَان وَهُوَ النُّور الْمَعْرُوف وَيُطلق على الْوَاحِد وَالْجمع وَسمي بذلك لحمرته تَشْبِيها بشقيقة الْبَرْق وأضيف إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَهُوَ آخر مُلُوك الْحيرَة لِأَنَّهُ خرج إِلَى ظهر الْحيرَة وَقد اعتم نبته مَا بَين أصفر وأحمر وأخضر وَإِذا فِيهِ من هَذِه الشقائق شَيْء كثير فَقَالَ مَا أحْسنهَا احموها فَكَانَ أول من حماها فنسبت إِلَيْهِ
وَكَانَ أَبُو العميثل يَقُول النُّعْمَان اسْم من أَسمَاء الدَّم وَلذَلِك قيل شقائق النُّعْمَان نسبت إِلَى الدَّم لحمرتها قَالَ وَقَوْلهمْ إِنَّهَا منسوبة إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر لَيْسَ بِشَيْء قَالَ وَحدثت الْأَصْمَعِي بِهَذَا فنقله عني انْتهى وَالَّذِي قدمْنَاهُ هُوَ الَّذِي ذكره أَرْبَاب اللُّغَة
وَالشَّاهِد فيهمَا التَّشْبِيه الخيالي وَهُوَ الْمَعْدُوم الَّذِي فرض مجتمعاً من أُمُور كل واحدٍ مِنْهَا مِمَّا يدْرك بالحس فَإِن الْأَعْلَام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مِمَّا لَا يُدْرِكهُ الْحس إِنَّمَا يدْرك مَا هُوَ مَوْجُود فِي الْمَادَّة حَاضر عِنْد الْمدْرك على هيآت محسوسة مَخْصُوصَة لَكِن مادته الَّتِي تركب مِنْهَا كالأعلام والياقوت والرماح والزبرجد كل مِنْهَا محسوس بالبصر
وَقَرِيب من هَذَا النَّوْع قَول بَعضهم
(كلنا باسِطُ اليدِ ... نَحْو نيلو فرندي)
(كَدَبابيسِ عسْجَدٍ ... قُضْبُها من زبرجد) // المقتضب //
وَمثله قَول أبي الْغَنَائِم الْحِمصِي
стр. 387
(خود كأنَّ بنانَها ... فِي خُضْرَةِ النْقشِ المزَرَّدْ)
(سمَكٌ من البلورِ فِي ... شَبك تكَوَّنَ من زبرجد) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقد تفنن الشُّعَرَاء فِي وصف الشقائق فمما ورد من ذَلِك قَول ابْن الرُّومِي أَو الأخيطل الْأَهْوَازِي
(هذي الشَّقَائِقُ قد أبْصَرْتَ حُمْرَتها ... معَ السوَاد على قُضبانها الذُّبُلِ)
(كَأَنَّهَا أدمُعٌ قد غسلت كُحُلاً ... جَادَتْ بهَا وَقْفَة فِي وَجْنَتَيْ خَجِلِ) // الْبَسِيط //
وَقَول سيدوك الوَاسِطِيّ
(انْظُر إِلَى مُقَلِ العقيق تَضَمَّنت حدق السبج ... )
(من فَوق قاماتٍ حَسُنّ وَمَا سَمجْنَ من العوَجْ ... ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَول الخباز الْبَلَدِي من أَبْيَات
(إِلَى الرَّوْض الَّذِي قد أضْحَكتْهُ ... شآبيبُ السَّحائِبِ بالبكاءِ)
(كَأَن شقائق النعمانِ فِيهِ ... ثيابٌ قد رَوِينَ من الدِّمَاء) // الوافر //
وَقَول ولد القَاضِي عِيَاض رحمهمَا الله تَعَالَى
(انْظُر إِلَى الزَّرع وخاماتهِ ... تحكي وَقد وَلّتْ أَمَام الرياحْ)
(كتَيبَةً خضراء مَهزومةً ... شقائق النُّعْمَان فِيهَا جراح) // السَّرِيع //
وَقَول الخالدي أَيْضا
(وصبغ شقائق النُّعْمَان يحْكى ... يواقيتاً نُظِمْنَ على اقترانِ)
(وَأَحْيَانا تُشَبِّهها خدُوداً ... كساها الرَّاحُ ثوبا أرجُواني)
(شقائق مثلُ أقداح مِلاءٍ ... وخَشخاشٌ كفارِغَةِ القَناني)
(وَلما غازَلّتنا الرِّيح خِلْنا ... بهَا جَيشَىْ وغيً يتقاتلانِ) // الوافر //
وَقَول الصنوبري
стр. 388
(وجوهُ شقائِقٍ تَبدو وتَحفى ... على قُضبٍ تميسُ بهِنَّ ضعفا)
(ترَاهَا كالعذارى مسبات ... عَلَيْهَا من حميم الشَّعْر سِجفا)
(إِذا طَلعت أرَتكَ السُّرجَ تذكى ... وَإِن غَرَبَت أرتك السرج تُطْفَا)
(تخَالُ إِذا هِيَ اعتَدَلت قَواماً ... زُجاجاتٍ ملئنَ الراحَ صِرفا)
(تَنازعتِ الخدودَ الْحمر حُسناً ... فَمَا قد أخطأتْ مِنْهُنَّ وَصفا) // الوافر //
وَقَول ابْن الدويدة
(كَأَن الشقائق والأقْحُوانَ ... خُدُود تقَبِّلُهنَّ الثُّغُور)
(فهاتيكَ أخْجَلَهن الحياءُ ... وهاتيك أضحكن السرُور) // المتقارب //
وَقَول أبي الْحسن بن وَكِيع من أرجوزة
(يضْحك فِيهَا زَهَرُ الشَّقِيق ... كَأَنَّهُ مَدَاهِنُ العقيقِ)
(مُضَمَّنات قطعا من السَّبَجْ ... فأشرَقت بَين احمرار ودَعَجْ)
(كَأَنَّمَا المحمَرُّ فِي المسْوَدِّ ... منهُ إِذا لَاحَ عيونُ الرَّمْدِ) // الرجز //
وَقَول أبي الْفضل الميكالي
(تَصوغُ لنَا أَيدي الرَّبيع حدائقاً ... كَعِقد عقيقٍ بينِ سْمطِ لآلِ)
(وفيهن أنوارُ الشقائق قد حَكَتْ ... خدودَ عذارَى نُقِّطَتْ بغوالي) // الطَّوِيل //
وَقَول الخبرأرزي أَيْضا
(ورَوضَةٍ راضَها النَّدى فَغَدَتْ ... لَهَا من الزَّهْرِ أنجُمٌ زُهْرُ)
(تنشر فِيهَا أَيدي الرّبيع لنا ... ثوبا من الوَشْيِ حاكه القَطْرُ)
(كأنمَا شُقّ من شقائِقهَا ... علىَ رُباها مطارفٌ خُضْرُ)
(ثمّ تبدَّتْ كَأَنَّهَا حَدَقٌ ... أجفانُهَا منْ دمائها حمر) // المنسرح //
стр. 389
٧٤ - (وَمَسْنُونة زُرْق كأنياب أغوالِ ... )
هُوَ من الطَّوِيل وصدره
(أيَقْتُلنِي والمشْرَفيُّ مضَاجِعِي ... )
وقائله امْرُؤ الْقَيْس الْكِنْدِيّ من قصيدة أَولهَا
(أَلا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي ... وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الخَالِي)
(وهلْ يَعِمَنْ إِلا َسعيدٌ مُخَلَّدُ ... قليلُ همُومٍ مَا يبيتُ بأوجالِ)
(وهلْ يعمن من كَانَ آخرُ عهِدِه ... ثلاثينَ شهرا أَو ثلاثةَ أحوالِ)
(دِيارٌ لسلمَى عافيَاتٌ بِذِي الخالِ ... ألَحَّ عَلَيْهَا كلُّ أسْحَمَ هَطّالِ)
(وتحسبُ سَلمَى لَا تزَال كعهدنَا ... بِوَادي الخُزَامىَ أَو على رأسِ أوعالِ)
(ألَا زَعمَتْ بَسباسةُ اليومَ أنني ... كبرْتُ وأَن لَا يشهَدَ اللهوَ أمثالي)
(بَلَى رُبّ يومٍٍ قدْ لهوتُ وليلةٍ ... بآنسَةٍ كأنهَا خطُّ تمثَالِ)
(يُضيء الْفراش وَجْهُهَا لضجيعها ... كمصباح زَيْتٍ فِي قناديل ذَبْالِ)
(إذَا مَا الضجيعُ ابتَزَّهَا منْ ثيابهَا ... تميلُ عليهِ هَونةً غيرَ مِعطالِ)
(كدعصِ النقَا يمشي الوَليدَانِ فوقهُ ... لما احتسبَا من لين مسّ وتسهْالِ)
стр. 390
(إذَا مَا اسْتَحَمَّتْ كانَ فيضُ حميمهَا ... على مَتنتَيهَا كالجُمان لدَى الجالِي)
(تَنوّرْتها من أَذْرُعَات وَأَهْلهَا ... بِيَثْرِب أدنى دارها نظرٌ عالِي)
(نَظرُت إِلَيْهَا والنجومُ كَأَنَّهَا ... مصابيحُ رُهبانٍ تُشَبُّ لِقُفَّالِ)
(سَمَوْتُ إِلَيْهَا بعدَ مَا نامَ أهلُها ... سُمُوّ حَبابِ المَاء حَالا على حالِ)
(فَقَالَت سباكَ اللهُ إِنكَ فاضِحِي ... أَلَسْت ترى السُّمَّارَ والناسَ أحوَالِي)
(فقلتُ يمينُ اللهِ لَا أَنا بارحٌ ... وَلَو قطعُوا رَأْسِي لديك وأوصالِي)
(فَلَمَّا تَنازَعنا الحديثَ وأسمَحَتْ ... هصرْتُ بغصنٍ ذِي شَمارِيخَ ميالِ)
(فصرْنا إِلَى الحُسنى ورقّ كلامُنا ... ورُضْتُ فَذَلت صعبة أيّ إذلال)
(حَلفتُ لَهَا بِاللَّه حَلفَةَ فاجرٍ ... لنامُوا فَمَا إِن من حديثٍ وَلَا صالِي)
(فأصبَحْتُ معشوقاً وأصبحَ بعلهُا ... عليهِ قَتامٌ كاسفُ اللونِ والبالِ)
(يَغُطُّ غَطيطَ البكرِ شُدَّ خِناقهُ ... ليقتْلَني والمرء ليسَ بقتالِ) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وليسَ بِذِي سيف فَيَقْتُلنِي بهِ ... وليسَ بِذِي رُمحٍ وليسَ بنبَّالِ)
(أيَقتلني وَقدْ قطرْتُ فؤادها ... كَمَا قَطرَ المَهْنوَّةَ الرَّجلُ الطالي)
стр. 391
(وَقد علمت سلمى وَإِن كَانَ بَعْلهَا ... بِأَن الْفَتى يهذي وَلَيْسَ بفَعَّالِ)
(وماذَا عَلَيْهِ إِن ذكرتُ أوَانساً ... كغزلان رملٍ فِي مَحاريب أقوالِ) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة
والمشرفي بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء نِسْبَة إِلَى مشارف الشَّام وَهِي قرى من أَرض الْعَرَب تَدْنُو من الرِّيف مِنْهَا السيوف المشرفية والمسنون المحدد المصقول وَوصف النصال بالزرقة للدلالة على صفائها وَكَونهَا مجلوة وَأَرَادَ بقوله أَنْيَاب أغوال أَي شياطين وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يهول قَالَ أَبُو نصر سَأَلت الْأَصْمَعِي عَن الغول فَقَالَ همرجة من همرجة الْجِنّ
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّشْبِيه الوهمي وَهُوَ الْغَيْر الْمدْرك بِإِحْدَى الْحَواس وَلكنه بِحَيْثُ لَو أدْرك لَكَانَ مدْركا بهَا فَإِن أَنْيَاب الغول مِمَّا لَا يُدْرِكهُ الْحس لعدم تحققها مَعَ أَنَّهَا لَو أدْركْت لم تدْرك إِلَّا بحس الْبَصَر
وَذكرت بِأول القصيدة مَا حَكَاهُ ناشب بن هِلَال الْحَرَّانِي الْوَاعِظ البديهي وَكَانَ يلقب بِهِ لقَوْله الشّعْر بديهاً قَالَ قصدت ديار بكر متكسباً بالوعظ فَلَمَّا نزلت قلعة ماردين دَعَاني بهَا صَاحبهَا تمرداس بن المغان بن أرتق للإفطار عِنْده فِي شهر رَمَضَان فَحَضَرت إِلَيْهِ فَلم يرفع مجلسي وَلم يكرمني وَقَالَ بعد الْإِفْطَار لغلام عِنْده إئتنا بِكِتَاب فجَاء بِهِ فَقَالَ لَهُ ادفعه إِلَى الشَّيْخ ليقْرَأ فِيهِ فازداد غيظي لذَلِك وَفتحت الْكتاب فَإِذا هُوَ ديوَان امرىء الْقَيْس وَإِذا أول مَا فِيهِ
(ألَا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي ... وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي)
стр. 392
فَقلت فِي نَفسِي أَنا ضيف وغريب وأستفتح مَا أقرأه على سُلْطَان كَبِير وَقد مضى هزيع من اللَّيْل أَلا عَم صباحاً فَقلت
(أَلَا عِمْ مسَاء أَيهَا الملكُ العالِي ... ولَا زلْتَ فِي عز يدومُ وإقبالِ)
ثمَّ أتممت القصيدة فتهلل وَجه السُّلْطَان لذَلِك وَرفع مجلسي وأدناني إِلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك سَبَب حظوتي عِنْده
٧٥ - (وكأنَ النُّجُومَ بينَ دُجاها ... سُنن لاحَ بينهُنَّ ابتداعُ)
الْبَيْت للْقَاضِي التنوخي من أَبْيَات من الْخَفِيف أَولهَا
(رُبّ ليلٍ قطعْتُهُ بِصدُودٍ ... أَو فراقٍ مَا كانَ فِيهِ وَدَاعُ)
(موحشٍ كالثقيلِ تقذَى بِهِ العَينُ وتأبى حَدِيثه الأسماع ... ) // الْخَفِيف //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(مُشْرِقاتٌ كأنهنّ حجاجٌ ... تقطعُ الخصمَ والظلامَ انقطاعُ)
(وكأنّ السَّمَاء خيمة وَشْيٍ ... وكأنّ الجوزاء فِيهَا شراعُ) // الْخَفِيف //
والدجى جمع دجية وَهِي الظلمَة وَالضَّمِير رَاجع إِلَى اللَّيَالِي أَو النُّجُوم والابتداع الْحَدث فِي الدّين بعد الْكَمَال أَو مَا استحدث بعد النَّبِي ﷺ من الْأَهْوَاء والأعمال
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّشْبِيه التخييلي وَهُوَ أَن لَا يُوجد فِي أحد الطَّرفَيْنِ أَو فِي كليهمَا إِلَّا على سَبِيل التخييل والتأويل وَوَجهه فِي هَذَا الْبَيْت هُوَ الْهَيْئَة
стр. 393
الْحَاصِلَة من حُصُول أَشْيَاء مشرقة بيض فِي جَوَانِب شَيْء مظلم أسود فَتلك الْهَيْئَة غير مَوْجُودَة فِي الْمُشبه بِهِ إِلَّا على طَرِيق التخييل وَذَلِكَ أَنه لما كَانَت الْبِدْعَة وكل مَا هُوَ جهل تجْعَل صَاحبهَا كمن يمشي فِي الظلمَة فَلَا يَهْتَدِي للطريق وَلَا يَأْمَن أَن ينَال مَكْرُوها شبهت بالظلمة وَلزِمَ بطرِيق الْعَكْس أَن تشبه السّنة وكل مَا هُوَ علم بِالنورِ لِأَن السّنة وَالْعلم تقَابل الْبِدْعَة وَالْجهل كَمَا أَن النُّور يُقَابل الظلمَة
وَالْقَاضِي التنوخي هُوَ عَليّ بن مُحَمَّد بن دَاوُد أَبُو الْقَاسِم التنوخي قدم بَغْدَاد وتفقه على مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ حَافِظًا للشعر ذكياً وَله عرُوض بديع وَولي الْقَضَاء بعدة بلدان وَهُوَ وَالِد أبي عَليّ الْحسن التنوخي صَاحب نشوار المحاضرة وَكتاب الْفرج بعد الشدَّة وَغَيرهمَا وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم هَذَا بَصيرًا بِعلم النُّجُوم قَرَأَ على الْكسَائي المنجم وَيُقَال إِنَّه كَانَ يقوم بِعشْرَة عُلُوم وَكَانَ يحفظ للطائيين سَبْعمِائة قصيدة ومقطوعة سوى مَا يحفظ لغَيرهم من الْمُحدثين وَغَيرهم وَكَانَ يحفظ من النَّحْو واللغة شَيْئا كثيرا وَكَانَ فِي الْفِقْه والفرائض والشروط غَايَة واشتهر بالْكلَام والمنطق والهندسة وَكَانَ فِي الْهَيْئَة قدوة
وَقَالَ الثعالبي فِي حَقه رحمهمَا الله تَعَالَى هُوَ كَمَا قرأته فِي فصل للصاحب إِن أردْت فَإِنِّي سبْحَة ناسك أَو أَحْبَبْت فَإِنِّي تفاحة فاتك أَو اقترحت فَإِنِّي مدرعة رَاهِب أَو آثرت فَإِنِّي نخبة شَارِب
وَكَانَ الْوَزير المهلبي وَغَيره من وزراء الْعرَاق يميلون إِلَيْهِ جدا ويتعصبون لَهُ ويعدونه رَيْحَانَة الندماء وتاريخ الظرفاء ويعاشرون مِنْهُ من تطيب عشرته
стр. 394
وتلين قشرته وتكرم أخلاقه وتحسن أخباره وتسير أشعاره ناظمة حاشيتي الْبر وَالْبَحْر وناحيتي الشرق والغرب
ويحكى أَنه كَانَ من جملَة الْقُضَاة الَّذين ينادمون الْوَزير المهلبي ويجتمعون عِنْده فِي الْأُسْبُوع لَيْلَتَيْنِ على أطراح الحشمة والتبسط فِي القصف والخلاعة وهم ابْن قريعة وَابْن مَعْرُوف والأيذحي وَغَيرهم وَمَا مِنْهُم إِلَّا أَبيض اللِّحْيَة طويلها وكذاك كَانَ المهلبي فَإِذا تَكَامل الانس وطاب الْمجْلس ولذ السماع وَأخذ الطَّرب مِنْهُم مأخذه وهبوا أَثوَاب الْوَقار للعقار وتقلبوا فِي أعطاف الْعَيْش بَين الخفة والطيش وَوضع فِي يَد كل مِنْهُم طاس من ذهب ألف مِثْقَال مَمْلُوء شرابًا قطربليا أَو عكبرياً فيغمس لحيته فِيهِ بل ينقعها حَتَّى تتشرب أَكْثَره ثمَّ يرش بهَا بَعضهم على بعض ويرقصون بأجمعهم وَعَلَيْهِم المصبغات ومخانق الْبرم وإياهم عني السرى الرفاء بقوله
(مَجَالسٌ ترقُصُ القضاةُ بهَا ... إِذا انتَشَوْا فِي مخانِقِ البُرَمِ)
(وصاحبٌ يخلط المجونَ لنا ... بِشيمَة حُلوَةٍ من الشِّيمِ)
(تخْضِبُ بِالرَّاحِ شَيبُه عَبَثاً ... أَناملٌ مثل حمرَة العنم)
(حَتَّى تخَالَ العيونُ شيبتَهُ ... شيبةَ عُثمانَ ضرجت بِدَم) // المنسرح //
فَإِذا أَصْبحُوا عَادوا لعادتهم من الْتِزَام التوقر والتحفظ بأبهة الْقَضَاء وحشمة الْمَشَايِخ الكبراء
وَكَانَ لَهُ غُلَام يؤثره على غَيره من غلمانه يُسمى نسيماً فَكتب إِلَى القَاضِي التنوخي بعض أَصْحَابه
(هَل عليٌّ لامُهُ مُدْغمةٌ ... لاضطرار الوَزنِ فِي ميمِ نَسيم) // الرمل //
стр. 395
فَوَقع تَحْتَهُ نعم وَلم لَا
وَقَالَ مَنْصُور الخالدي كنت ذَات لَيْلَة عِنْد التنوخي فِي ضِيَافَة فأغفى إغْفَاءَة فَخرج مِنْهُ ريح فَضَحِك بعض الْقَوْم فانتبه بضحكه وَقَالَ لَعَلَّ ريحًا فسكتنا من هيبته فَمَكثَ سَاعَة ثمَّ قَالَ
(إِذَا نَامَتْ العينانِ من مُتيَقِّظٍ ... تراخَتْ بِلَا شكٍ تشاريجُ فَقحتهْ)
(فَمن كَانَ ذَا عقلٍ فيعذر نَائِما ... وَمن كَانَ ذَا جهل فَفِي جَوفِ لحيته) // الطَّوِيل //
وَهَذِه نبذة من شعره
قَالَ من قصيدة كَثِيرَة الْعُيُون وَكَانَ الصاحب بن عباد يفضلها على سَائِر شعره ويروي أَنَّهَا من أُمَّهَات قلائده وَهِي
(أحْبب إليَّ بنهر مَعْقلٍ الَّذِي ... فيهِ لقَلبي من همومي معقِلُ)
(عَذْبٌ إِذا مَا عبَّ منهُ ناهلٌ ... فَكَأَنَّهُ من ريق حِبّ يَنْهَلُ)
(مُتَسَلسلٌ وكأنهُ لِصَفائه ... دمْعٌ بخدَّي كاعبٍ يتسلسلُ)
(وَإِذا الرِّياح جَرين فَوق متونه ... فَكَأَنَّهُ دِرْعٌ جلاها صقيل)
(وكأنّ دجلةَ إِذْ تغطغط مَوْجها ... ملك يُعظِّم خيفةً ويبجل)
(وَكَأَنَّهُ ياقوتة أَو أعين ... زرق يلاءم بَينهَا ويوصل)
стр. 396
(عذبت فَمَا نَدْرِي أماء مَاؤُهَا ... عِنْد المذاقة أم رَحيقٌ سَلْسَل)
(وَلها بمدٍّ بعد جَزْر ذاهبٍ ... جيشان يُدْبر ذَا وَهَذَا يُقْبل)
(وَإِذا نظرت إِلَى الأبْلَّةِ خلتها ... من جنَّة الفردوس حِين تخيَّلُ)
(كم منزل فِي نهرها آلى السرُور ... بِأَنَّهُ فِي غَيره لَا ينزل)
(وكأنما تِلْكَ الْقُصُور عرائس ... وَالرَّوْض حَلْى فَهِيَ فِيهِ تَرْفُل)
(غَنَّتْ قِيان الوُرْق فِي أرجائها ... هَزَجاً يقلّ لَهُ الثقيلُ الأولُ)
(وتعانقت تِلْكَ الغصون فأذكرت ... يومَ الْوَدَاع وعِيرُهُمْ تترحَّلُ)
(ربع الرّبيع بهَا فحاكت كفُّه ... حللاً بهَا عُقَدُ الهمومِ تحلل)
(فمدَّبج وموشح ومدنر ... ومعمد ومحبر ومهلهل)
(فتخال ذَا عَيْناً وَذَا ثغراً وَذَا ... خَدّاً يعضض مرّة وَيقبل) // الْكَامِل //
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
(كَأَنَّمَا المرِّيخُ والمشْترِي ... أمامَهُ فِي شامِخ الرِّفعه)
(مُنْصَرف بِاللَّيْلِ عَن دَعوة ... قد أوقدَتْ قُدامَه شمعه) // السَّرِيع //
وَمثله قَول أبي عَتيق السفار
(وكأنّ البدرَ والمرّيخ إِذْ وافى إليهِ ... )
(ملكٌ توقدُ لَيْلًا ... شَمْعةٌ بَين يَدَيْهِ) // الرمل //
رَجَعَ إِلَى شعر القَاضِي التنوخي ﵀ قَالَ
стр. 397
(وَلَيْلَة مشتاق كأنّ نجومها ... قد اغتصبت عَيْني الْكرَى فَهِيَ نُوّمُ)
(كأنّ سَوَادَ الليلِ والفجرُ ضاحكٌ ... يلوحُ وَيخْفى أسودٌ يبتسم) // الطَّوِيل //
وَله أَيْضا فِي غور الْكَوَاكِب عِنْد الصَّباح
(عَهْدِي بهَا وضياء الصُّبْح يُطْفئها ... كالسُّرْج تُطْفأ أَو كالأعينِ العورِ)
(أعجبْ بهَا حينَ وافىَ وَهيَ نَيرةٌ ... فظلَّ يطمسُ مِنْهَا النَورُ بالنورِ) // الْبَسِيط //
وَكتب إِلَى الْوَزير المهلبي وَقد مَنعه الْمَطَر من خدمته
(سَحابٌ أَتَى كالأمن بعد تخوفِ ... لهُ فِي الثرى فعلُ الشِّفَاء بُمدْنَفِ)
(أكبّ على الْآفَاق إطراقَ مطرقٍ ... يفكرُ أَو كالنادِمِ المتلهف)
(ومدّ جناحيه على الأَرْض جانحاً ... فراحَ عَلَيْهَا كالغراب المرَفْرِفِ)
(غَدَا الْبر بحرا زاجرا وانثَنَى الضُّحَى ... بظلمَته فِي ثوب ليلٍ مُسَجِّفِ)
(يعبسُ عَن برْقٍ بِهِ مُتبسمٍ ... عبُوُسً بخيلٍ فِي تَبَسم مُعتفي)
(تُحَاولُ منهُ الشمسُ فِي الجوّ مخرَجاً ... كَمَا حَاولَ المغلوبُ تجريدَ مرهف) // الطَّوِيل //
أَيْن هَذَا من قَول ابْن المعتز ﵀
(تحاول فتْقَ غيم وهوَ يَأْبَى ... كَعنينٍ يريدُ نكاحَ بكرِ)
(فأفرَغَ مَاء قَالَ حَوْضه واردُ حَوْضه ... أسَلْسال مَاء أمْ سُلافةُ قَرْقفِ)
стр. 398
أَتَى رَحْمَة للنَّاس غَيْرِي فإِنهُ ... عليّ عَذَاب مَاله من تَكَشُّفِ)
(سَحَاب عَدَا بِي عَن سَحَاب وعارضٌ ... مُنعتُ بِهِ من عَارض متكفكِفِ) // الوافر //
أَخذه من قَول الْحسن بن وهب لمُحَمد بن عبد الْملك الزيات
(لستُ أدرى مَاذَا أذمّ وأشكو ... مِنْ سمَاء تعوقني عَن سَمَاء) // الْخَفِيف //
وَمن شعر القَاضِي التنوخي أَيْضا
(أَما ترَى البردَ قد وافتْ عساكرُهُ ... وعسكر الحرّ كَيفَ انصاع منطلقَا)
(فالأرض تَحت ضريب الثَّلج تحسبُهَا ... قد أُلبستْ حُبكاً أَو غُشيت ورقَا)
(فانهض بِنَار إِلَى فَحم كَأَنَّهُمَا ... فِي الْعين ظلمٌ وإنصافٌ قد اتفقَا)
(جاءَتْ وَنحن كقلب الصب حِين سلا ... بردا فصرنا كقلب الصب إِذْ عشقا) // الْبَسِيط //
وَمِنْه أَيْضا
(رضاكَ شبابٌ لَا يَلِيهِ مشيبُ ... وسخطك دَاء لَيْسَ مِنْهُ طبيبُ)
(كَأَنَّك من كل النُّفُوس مُركبٌ ... فَأَنت إِلَى كل النُّفُوس حبيب) // الطَّوِيل //
وَله فِي معذر
(قلتُ لِأَصْحَابِي وَقد مرّ بِي ... منتقباً بعد الضياءِ بالظُّلَم)
(باللهِ يَا أَهْلَ ودادِي قفُوا ... كي تبصروا كَيفَ زَوَال النعم) // السَّرِيع //
ومحاسنه ﵀ كَثِيرَة وَهَذَا الأنموذج كافٍ فِيهَا وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثلثمائة
стр. 399
٧٦ - (وَقد لَاحَ فِي الصُّبْح الثريا لمن رأى ... كعنقود ملاحية حِين نَوْرَا)
الْبَيْت لأبي الْقَيْس بن الأسلت من الطَّوِيل
والملاحي بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف اللَّام وَقد تشدد عِنَب أَبيض فِي حبه طول وَمعنى نور تفتح نوره والثريا مصغرة قيل تَصْغِير تَعْظِيم وَقيل تَصْغِير تقريب إعلاماً بِأَن نجومها قريب بَعْضهَا من بعض ومكبرها ثروي وَهِي الْكَثْرَة وَسميت هَذِه النُّجُوم المجتمعة بِالثُّرَيَّا لِكَثْرَة نورها وَقيل لِكَثْرَة نجومها مَعَ صغر مرآها فَكَأَنَّهَا كَثِيرَة الْعدَد بِالْإِضَافَة إِلَى ضيق الْمحل وَعدد نجومها سَبْعَة أنجم سِتَّة ظَاهِرَة وَوَاحِد خَفِي تختبر بِهِ النَّاس أَبْصَارهم وَذكر القَاضِي عِيَاض رَحمَه الله تَعَالَى أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَرَاهَا أحد عشر نجماً
وَالشَّاهِد فِيهِ الْمركب الْحسي فِي التَّشْبِيه الَّذِي طرفاه مفردان الْحَاصِل من الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من تقارن الصُّور الْبيض الصغار الْمَقَادِير فِي المرأى وَإِن كَانَت كبارًا فِي الْوَاقِع على الْكَيْفِيَّة الْمَخْصُوصَة منضمة إِلَى الْمِقْدَار الْمَخْصُوص وَالْمرَاد بالكيفية الْمَخْصُوصَة أَنَّهَا لَا مجتمعة اجْتِمَاع التضام والتلاصق وَلَا هِيَ شَدِيدَة الِافْتِرَاق بل لَهَا كَيْفيَّة مَخْصُوصَة من التقارب والتباعد على نِسْبَة قريبَة مِمَّا نجده فِي رأى الْعين بَين تِلْكَ الأنجم والطرفان المفردان هما الثريا والعنقود
وَمِمَّا جَاءَ فِي وصف الثريا أَيْضا قَول امرىء الْقَيْس
(إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء تعرضت ... تعرض أثْنَاء الوشاح الْمفصل) // الطَّوِيل //
стр. 400
وَقد أبدعَ الْمُتَأَخّرُونَ فِي وصفهَا فَمن ذَلِك قَول ابْن المعتز
(قَدِ انقَضَتْ دولةُ الصّيام وقَدْ ... بَشَّرَ سُقْمُ الهلالِ بالعيدِ)
(يَتلوُ الثريا كفَاغِرٍ شَرِهٍ ... يفتحُ فاهُ لأكل عنقود) // المنسرح //
وَمثله قَوْله أَيْضا
(زَارَني والدُّجى أحمُّ الحوَاشي ... والثريا فِي الغْربِ كالعُنقُودِ)
(وهلَالُ السَّمَاء طوقُ عَرُوسٍ ... باتَ يُجْلَي على غلائل سود) // الْخَفِيف //
وَقَول ابْن بابك
(وليلةٍ جوْزَاؤها ... مثلُ الخِباء المنهَتِكْ)
(قَطعتُها والبدرُ عنْ ... سَمْتِ الثريا مُنفركْ)
(كأنهَا فِي عُرْضِهِ ... بازٍ على كفّ مَلكْ) // من مجزوء الرجز //
وَقَول سهل بن الْمَرْزُبَان
(كمْ لَيْلَة أحييتها ومُؤَانسي ... طُرَفُ الحَدِيث وَطيب حثّ الأكؤُسِ)
(شَبَّهتُ بَدْرَ سمائها لما دَنتْ ... منهُ الثريا فِي قميصٍ سندُسي)
(مَلِكاً مَهيباً قَاعِدا فِي روضةٍ ... حيَّاهُ بعضُ الزائرينَ بنرجس) // الْكَامِل //
وَمثله قَول ابْن المعتز أَيْضا
(أتانيَ والإِصباحُ يَرْفُلُ فِي الدُّجى ... بِصفرَاء لم تفسدْ بطبْخٍ وإحراقِ)
стр. 401
(فناوَلَنِيها والثريا كَأَنَّهَا ... جَنىَ نرجسٍ حيّا الندَامى بِهِ الساقِي) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول النَّاشِئ الْأَصْغَر
(وليلٍ تَوارى النجمُ من طُولِ مُكثهِ ... كَمَا ازْوَرَ محبوبٌ لخوف رقيبهِ)
(كأنّ الثريا فِيهِ باقةُ نرجسٍ ... يُحيّى بهَا ذُو صبوةٍ لحبيبهِ) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْفَرح الببغاء من أَبْيَات
(تَرى الثريا والبدر فِي قَرَنٍ ... كَمَا يُحَيَّا بنرجسٍ مَلكْ) // المنسرح //
وَقَول الْوَزير أبي الْعَبَّاس الضَّبِّيّ
(خلت الثريا إِذا بَدَتْ ... طالعةً فِي الحِندِسِ)
(مُرْسلَة من لؤلؤٍ ... أَو باقةً من نرجس) // من مجزوء الرجز //
وَقَوله أَيْضا
(إِذا الثريا اعترضتْ ... عندَ طلوعِ الفجرِ)
(حَسبْتَها لامعةً ... سَبيكةً من در) // من مجزوء الرجز //
ونفيس قَول ابْن حمديس أَيْضا من قصيدة
(فاسْقِني عَن إِذن سُلطانِ الْهوى ... لَيْسَ يَشْفي الرُّوحَ إِلَّا كاسُ راحْ)
(وانتَظر للحلم مني كَرَّةً ... كم فَسادٍ كانَ عُقباهُ صَلاحْ)
(فالقَضيبُ اهتزّ والبَدرُ بدا ... والكَثيبُ ارْتَجّ والعَنبرُ فاحْ)
(والثرَيا زجج الجو بهَا ... كابنِ مَاء ضَمَّ للوَكْرِ جَناحْ)
(وكأَنَّ الغَرْبَ مِنْهَا نَاشِقٌ ... باقَةً من ياسمينٍ أَو أفاح) // الرمل
وَقَول الصاحب بن عباد
(تُنيرُ الثريا وَهِي قُرْطٌ مُسَلسلٌ ... وَيَعقلُ مِنْهَا الطرْفَ دُرٌّ مبدد) // الطَّوِيل //
وَمَا ألطف قَول ابْن حُصَيْن
стр. 402
(عَليَّ أَن أَتَذَلَّلْ ... لهُ وأنْ يتَدَلَّلْ)
(خَدّ كأَن الثريا ... عَليهِ قُرْط مُسلسل) // المقتضب //
وَقَول أبي الْفرج الببغاء
(خُذُوا من الْعَيْش فالأعمارُ فانِيةٌ ... والدهر منصَرِفٌ والعيشُ منقرضُ)
(فِي حامِلِ الكأس من بدرِ الدجَى خلف ... وَفِي المدَامَةِ من شمس الضُّحى عِوضُ)
(كَأَن نجم الثريا كفُّ ذِي كرم ... مَبسوطَة للعطايا لَيْسَ تنقبض) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن سكرة الْهَاشِمِي
(ترى الثريا والغربُ يجذبها ... والبدر يَسري والفجرُ يَنفجرُ)
(كَفَّ عروسِ لاحَتْ خواتمهُا ... أَو عِقْدَ دُرٍّ فِي الجو يَنتثرُ) // المنسرح //
وَمثله قَول أبي الْقَاسِم عَليّ بن جلبات
(وَخِلتُ الثريا كف عَذراءَ طفلةٍ ... مختَّمةٍ بالدر مِنْهَا الأنامِلُ)
(تخيلتُها فِي الْأُفق طُرَّةَ جعبة ... مُكوكَبة لم تَعْتَلقها حَبَائِلُ) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْقَاسِم بن هَانِئ الأندلسي
(وَوَلَّتْ نُجُوم للثريا كَأَنَّهَا ... خَوَاتِم تبدو فِي بنان يَد تخفى) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول محيي الدّين بن عبد الظَّاهِر
(مَلأتَ اللَّيَالِي من عُلاً وخَتَمْتَهَا ... فقد أصبَحَتْ محشُوَّةً من مَكارمكْ)
(خَتمت عَلَيْهَا بِالثُّرَيَّا فَقُلْ لنا ... أَهَذا الَّذِي فِي كَفِّها من خواتِمكْ) // الطَّوِيل //
وَقد أحسن الصنوبري فِي تشبيهه الثريا فِي جَمِيع أحوالها حَيْثُ يَقُول من أَبْيَات
(قُم فاسقني والظلام مُنْهَزِمُ ... والصُّبح بادٍ كأنهُ عَلمُ)
(والطَيرُ قد طرَّبَتْ فأفصحت الألحان طُرّاً وكلُّها عجم ... )
стр. 403
(ومَيَّلت رَأسهَا الثريا لاسرارٍ إِلَى الغَرْبِ وَهِي تحْتَشمُ ... )
(فِي الشرق كأس وَفِي مَغاربها ... قُرط وَفِي أوْسَطِ السما قدم) // المنسرح //
وَقد وصفهَا الوأواء الدِّمَشْقِي فِي حالتي الشروق والغروب فَقَط فَقَالَ
(قد تأمَّلْتُ الثريا ... فِي شروق وغروب)
(فَهِيَ كأس فِي شروق ... وَهِي قرط فِي غرُوب) // من مجزوء الرمل //
وَمَا أبدع قَول بَعضهم أَيْضا
(وكأنما نجم ... إِذْ تَعَرَّضَ كالوِشاحْ ... )
(كأس بكَف خَرِيدَةٍ ... تَسقى الْمَسَابِيَدِ الصَّباح) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَول الوأواء الدِّمَشْقِي
(وجَلا الثريا فِي ملاءة ... نُورِهِ بدرُ التمامْ)
(فَكَأَنَّهَا كأسٌ ليَشْربها الدجَى والبدرُ جامْ ... )
(وَكَأن زُرْقَ نجومها ... حدق مفتحة نيام) // من مجزوء الْكَامِل //
وبديع قَول عبد الْوَهَّاب الْأَزْدِيّ الْمَشْهُور بالمثقال
(يَا ساقيَ الكأس اسْقِ صحبي ... وأسقني إِنَّنِي أُوَاسِي)
(وَانْظُر إِلَى حيرةِ الثريا ... والليلُ قد سُدَّ باندماسِ)
(مَا بَين بَهْرامِها المُلاحي ... وَبَين مرِّيخها المواسِي)
(كَأَنَّهَا رَاحَةٌ أشارَتْ ... لأخذِ تفاحة وكاس) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَوله أَيْضا
(رَأَيْت بهْرَام والثريا ... والمُشْتري فِي القِران كرَّهْ)
(كراحَةٍ حَيَّرتْ يداها ... مَا بَين ياقوتة ودره) // من مخلع الْبَسِيط //
стр. 404
قَالَ عبد الْوَهَّاب الْمَذْكُور هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لما أنْشدهُ ابْن رَشِيق قَوْله
(والثريا قُبَالَةَ الْبَدْر تحكي ... باسطاً كفَّه ليَأْخُذ جَاما) // الْخَفِيف //
وللوأواء الدِّمَشْقِي
(رُبَّ ليلٍ مَا زلتُ ألثم فِيهِ ... قمراً لابساً غُلالَةَ وردِ)
(والثريا كَأَنَّهَا كفُّ خَوْدٍ ... داخلتها للبين رِعْدَةُ وَجدِ) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول بَعضهم
(كَأَن الثريا بَين شَرْقٍ ومغرب ... وَقد سَلْمَتّ للصبح طَوعاً عِنانها)
(مُرَوَّعة بالبينِ نحوَ أليفِها ... تُقَلب من خوف الْفِرَاق بنانها) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
(والليلُ قد ولىَّ يُقَلصُ بُردَهُ ... كدّاً ويَسحب ذيله فِي الْمغرب)
(وكأنما نجم الثريا سُحْرَةً ... كفٌّ تمسّحُ عَن مَعَاطِفِ أَشهب) // الْكَامِل //
ولإبراهيم بن الْعَبَّاس الصولي فِي اقتران الثريا والهلال
(وليلةٍ من ليَالِي النس بتُّ بهَا ... والرَّوضُ مَا بيَن منظوم ومنضودِ)
(والنسرُ قد حام فِي الظلماءِ من ظمإِ ... وللمَجَرَّةِ نهرٌ غيرُ مَوْرودِ)
(وَابْن الغَزَالَةِ فَوق النَّجْم منعطفٌ ... كَمَا تأوَّدَ عُرجُونٌ بعنقود) // الْبَسِيط //
وَلأبي عَاصِم الْبَصْرِيّ فِي اقتران الْهلَال والثريا والزهرة
(رأيتُ الْهلَال وَقد أحدقته ... نُجُوم السَّمَاء لكَي تَسْبقْه)
(فشبَّهته وَهُوَ فِي إثْرهَا ... وَبَينهمَا الزهرة المشرقة)
(ِبقوْسٍ لرامٍ رمى طائراً ... فأتبعَ فِي إثره بندقه) // المتقارب //
وَلأبي الْحسن الْكَرْخِي فِي مثله
стр. 405
(كأنّ الهلالَ المستنيرَ وَقد بدَا ... وَنجم الثريا واقفٌ فوقَ هَالَتهْ)
(مليكٌ على أعلاهُ تاجٌ مرصَّعٌ ... ويُزْهى على من دونه بجلالته) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول ابْن طَبَاطَبَا الْعلوِي
(أمَا والثريا والهلال جلتْهُما ... لِيَ الشمسُ إِذْ ودّعت كُرْهاً نهارَها)
(كأسماء إِذْ زارت عشيا وغادَرَتْ ... دَلالاً لدينا قُرْطهَا وسوارها) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي عَليّ الْحَاتِمِي
(وليلٍ أَقَمْنَا فِيهِ نُعملُ كأسنا ... إِلَى أَن بَدَا للصبح فِي اللَّيْل عسكرُ)
(ونجمُ الثريا فِي السَّمَاء كأنهُ ... على حُلةٍ زرقاء جَيْبٌ مدنر) // الطَّوِيل //
وَمن بديع أَوْصَاف الثريا قَول البديع القليوبي الْكَاتِب
(وصافية باتَ الغلامُ يديرُها ... على الشرْبِ فِي جنحٍ من اللَّيْل أدعجِ)
(كأنَ حَبابَ المَاء فِي وَجنَاتها ... فرائدُ دُرّ فِي عقيق مُدَحرجِ)
(ولَا ضوء إلاّ من هلالٍ كَأَنَّمَا ... نفرق عَنهُ الغيمُ عَن نصف دُملجِ)
(وقدْ حَالَ دونَ المشتريْ من شعاعهِ ... ومِيضٌ كمثْلِ الزئبقِ المُتَرجرجِ)
(كَأَن الثريا فِي أواخرِ ليلِها ... نجيةُ وَرْدٍ فَوقَ زَهرِ بنفسج) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول ابْن فضال
(كأنّ بهرَامَ وَقد عارضَتْ ... فِيهِ الثريا نظرَ المبصرِ)
(ياقوتةٌ يعرضهَا بائعٌ ... فِي كَفه والمشتَري المشترِي) // السَّرِيع //
وبديع قَول الشهَاب مَحْمُود فِي تَشْبِيه الثريا والهلال والدارة
(كأنّ الثريا والهلالَ ودارَةً ... حوَتهُ وَقد زَان الثريا التئامُهَا)
(حَبابٌ طَفا من فوقِ زورقِ فضةٍ ... بكَفِّ فتاة طَاف بِالرَّاحِ جامها) // الطَّوِيل //
وَقد أغرب ابْن عون بقوله
стр. 406
(رُبَّ ليلٍ لم أنمهُ ... ونجوم اللَّيْل تَشْهَدْ)
(والثريا فِي مَدَاها ... حِين تَنْحَط وتَصْعَدْ)
(عقْرَبٌ يسعَى من الدّرّ ... على صحن زَبْرجد)
(خَلْفها طالبُ نَار ... وشهاب لَيْسَ يخمد)
(فَهِيَ حَيرَى مَا أَرَاهَا ... من سَبِيل الغي ترشد) // من مجزوء الرمل //
وبديع قَول ظافر الْحداد
(كَأَن الثريا تَقْدُم الفجرَ والدجى ... يَضُمُّ حَوَاشِي سِجْفِهِ للمغاربِ)
(مُقَّدَم جَيش الرومِ أَوْمَأ بكفِّه ... لتَبديدِ جَيش من بني الزنج هارب) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(كَأَن نُجُوم اللَّيْل لما تَنَحَّلت ... تَوقُّدَ جمرٍ فِي سَوادٍ رَمَادِ)
(حكى فوقَ ممتَدُّ المجرَة شكلُها ... فواقعَ تَطفو فَوق لجةِ وادِ)
(وَقد سَبَحَتْ فِيهِ الثريا كَأَنَّهَا ... بَقيةُ وشْي فِي قَمِيص حِدَادِ)
(ولاحَتْ بتو نَعْش كتنقيط كاتِبٍ ... بيُسْراه للتعليم هيئةَ صادِ)
(إِلى أَن بدا وَجه الصَّباح كأنهُ ... رِدَاء عَروسٍ فِيهِ صِبْغ مداد) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(وليلةٍ مثلِ عين الظَبي داجيةٍ ... عَسَفتها ونجوم اللَّيْل لم تَقِدِ)
(كَأَن أنْجمَهَا فِي اللَّيْل زاهرةً ... دَرَاهِم والثريا كفّ منتَقِدِ) // الْبَسِيط //
وظريف قَول بَعضهم فِي شكاية طول اللَّيْل
(كَأَن الثريا راحَة تَشبْرُ الدجى ... لتعلم طَال اللَّيْل أم لي تَعَرَّضا)
(عجبت لليلٍ بَين شَرق ومغرب ... يُقَاسُ بشبرٍ كَيفَ يُرْجى لَهُ انقضا) // الطَّوِيل //
стр. 407
ولبعضهم
(والثريا كَأَنَّهَا رأَسُ طِرْفٍ ... أدهم زين باللجام الْمحلى) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول ابْن المعتز
(أَلا فاسقنيها والظلام مُقَوَّض ... وَنجم الدجى فِي لجةِ اللَّيْل يركضُ)
(كَأَن الثريا فِي أَوَاخِر لَيْلهَا ... مفتحُ نورٍ أَو لجام مفضض) // الطَّوِيل //
واالاطلاع على تفنن الأدباء فِي أَوْصَاف الثريا يغتقر الإطالة هُنَا
وَأَبُو قيس لم يَقع لي إِلَى الْآن اسْمه والأسلت لقب أَبِيه واسْمه عَامر بن جشم بن وَائِل يَنْتَهِي نسبه لِلْأَوْسِ وَهُوَ شَاعِر من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَأسلم ابْنه عقبَة بن أبي قيس ﵁ وَاسْتشْهدَ يَوْم الْقَادِسِيَّة وَكَانَ يزِيد بن مرداس السّلمِيّ أَخُو عَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ الشَّاعِر قتل قيس بن أبي قيس فِي بعض حروبهم فَطلب بثأره هَارُون بن النُّعْمَان بن الأسلت حَتَّى تمكن من يزِيد ابْن مرداس فَقتله بقيسٍ ابْن عَمه ولقيس يَقُول أَبوهُ أَبُو قيس بن الأسلت الْمَذْكُور
(أقيسٌ إِن هلكتُ وَأَنت حيّ ... فَلَا تَعْدَم مواصلَةَ الْفَقِير) // الوافر //
وَقَالَ هِشَام الْكَلْبِيّ كَانَت الْأَوْس قد أسندوا أَمرهم فِي يَوْم بغاث إِلَى
стр. 408
أبي قيس بن الأسلت الوائلي فَقَامَ بِحَرْبِهِمْ وآثرها على كل أَمر حَتَّى شحب وَتغَير ولبث أشهراً لَا يقرب امْرَأَته ثمَّ إِنَّه جَاءَ لَيْلَة فدق على امْرَأَته وَهِي كَبْشَة بنت ضَمرَة بن مَالك من بني عَمْرو بن عَوْف ففتحت لَهُ فَأَهوى بِيَدِهِ إِلَيْهَا فأنكرته ودفعته فَقَالَ أَنا أَبُو قيس فَقَالَت وَالله مَا عرفتك حَتَّى تَكَلَّمت فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو قيس
(قالتْ وَلم تقصِدْ مقَال الْخَنَا ... مَهلاً فقد أبلَغْتَ أسماعي)
(استَنكرتْ لوناً لَهُ شاحباً ... وَالْحَرب غولٌ ذاتُ أوجاع)
(مَنْ يَذُقِ الْحَرْب يجد طعمها ... مُرّاً وتتركْهُ بجمجاع)
(لَا نألم الْقَتْل ونجزي لَهُ الْأَعْدَاء كيلَ الصَّاع بالصاع ... ) // السَّرِيع //
وَلما قتل عبد الْملك بن مَرْوَان مُصعب بن الزبير ﵄ خطب النَّاس بالنخيلة فَقَالَ فِي خطبَته أَيهَا النَّاس دعوا الْأَهْوَاء المضلة والآراء المشتتة وَلَا تكلفونا أَعمال الْمُهَاجِرين وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ بهَا فقد جاريتمونا إِلَى السَّيْف برأيتم كَيفَ صنع بكم وَلَا أعرفنكم بعد الموعظة تزدادون جَرَاءَة فَإِنِّي لَا أزداد فَعَدهَا إِلَّا عُقُوبَة وَمَا مثلي ومثلكم إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو قيس بن الأسلت
стр. 409
(مَنْ يَصْلَ نَارِي بِلَا ذَنبٍ وتِرَلاةٍ ... يصلَ بنارِ كريمٍ غيرِ غَدّارِ)
(أَنا النذيرُ لكمْ مني مُجَاهرةً ... كيلَا أُلامَ عَلى نَهْيٍ وإِعذارِ)
(فإِن عصيتم مقالي اليومَ فاعترِفُوا ... أنْ سوفَ تَلقون خزياً ظاهرَ العارِ)
(لتُتْرَكُنّ أحاديثاً وملعبةً ... عندَ المقيمِ وَعند المُدْلِجِ السارِي)
(وصاحبُ الْوتر ليسَ الدهْرَ يدركهُ ... عِنْدِي وإِني لَطَلَاّبٌ لأوتارِ)
(أقيم عَوْجتهُ إِن كَانَ ذَا عِوَج ... كَمَا يُقوّمُ قدحَ النَّبْعَةِ الْبَارِي)
وَعَن الْهَيْثَم بن عدي قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد صَالح بن حسان فَقَالَ لنا أنشدوني بَيْتا خفراً فِي امْرَأَة خفرة فَقُلْنَا قَول حَاتِم
(يُضيءُ بهَا البيتُ الظليلُ خَصاصُهُ ... إِذا هِيَ يَوْمًا حاولَتْ أَن تبسما) // الطَّوِيل //
فَقَالَ هَذِه من الْأَصْنَام أُرِيد أحسن من هَذَا فَقُلْنَا قَول الْأَعْشَى
(كأنّ مشيتهَا من بَيت جارتها ... مرُّ السحابة لَا رَيْثٌ وَلَا عجل) // الْبَسِيط //
فَقَالَ هَذِه خراجة ولاجة كَثِيرَة الِاخْتِلَاف فَقُلْنَا مَا عندنَا شَيْء فَقَالَ قَول أبي الْقَيْس بن الأسلت
(ويُكرمُها جارَاتُهَا فيزُرْنها ... وتعتلّ عَن إتيانهنّ فتُعْذَرُ)
(وليسَ لَهَا أَن تستهينَ بجارةٍ ... وَلكنهَا منهنّ تَحْيا وتخفر) // الطَّوِيل //
стр. 410
ثمَّ قَالَ انشدوني أحسن بَيت وصفت بِهِ الثريا فَقُلْنَا بَيت الزبير الْأَسدي وَهُوَ
(وَقد لَاحَ فِي الْغَوْر الثريا كَأَنَّمَا ... بِهِ رايةٌ بيضاءُ تخفق لِلطَّعْنِ) // الطَّوِيل //
فَقَالَ أُرِيد أحسن من هَذَا فَقُلْنَا بَيت امرىء الْقَيْس
(إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء تعرضت ... تعرض أثْنَاء الوشاح الْمفضل) // الطَّوِيل //
قَالَ أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا بَيت ابْن الطثرية
(إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء كَأَنَّهَا ... جمان وَهِي من سلكه فتسرعا) // الطَّوِيل //
قَالَ أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا مَا عندنَا شَيْء قَالَ قَول أبي قيس ابْن الأسلت
(وَقد لَاحَ فِي الصُّبْح الثريا لمن رأى ... كعنقود ملاحية حِين نورا) // الطَّوِيل //
قَالَ فَحكم لَهُ بالتقدم عَلَيْهِم فِي هذَيْن الْمَعْنيين وَالله أعلم
٧٧ - (كأنّ مُثارَ النَّقعِ فوقَ رُؤُّوسنا ... وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبُه)
الْبَيْت لبشار بن برد من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا ابْن هُبَيْرَة وأولها
(جَفا ودّه فازْورَّ أَو مَلَّ صاحبهْ ... وأزرى بِهِ أَن لَا يزَال يعاتبهُ)
(خليليَّ لَا تستكثر الوعة الهوىَ ... وَلَا سلوةَ المحزون شَطَّتْ حبائبهْ) // الطَّوِيل //
стр. 411
يَقُول فِيهَا
(إِذا كنتَ فِي كل الْأُمُور معاتباً ... صديقكَ لم تلقَ الَّذِي لَا تعاتبهْ)
(فعش وَاحِدًا أَو صِلْ أخاكَ فإِنهُ ... مُقارفُ ذنبٍ مرّة ومُجَانبهْ)
(إِذا أَنْت لم تشرب مرَارًا على القَذَى ... ظمئتَ وأيُّ النَّاس تصفو مشاربه)
(رُوَيداً نصاهل بالعراق جيادنا ... كَأَنَّك بِالضحاكِ قد قَامَ نادبُهْ) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
(وَسامٍ لمروان وَمن دونه الشَّجا ... وهولٌ كلُجّ الْبَحْر جَاشَتْ غواربه)
(أخلت بِهِ أمُّ المنايا بنانها ... بأسيافنا إِنَّا رَدَى مَنْ نحاربه)
(وَكُنَّا إِذا دبّ العدوِّ لسخطنا ... وراقبنا فِي ظاهرٍ لَا نراقبهْ)
(رَكبنا لَهُ جَهرا لكل مثقَّفٍ ... وأبيضَ تستسقي الدماءَ مضاربُهْ)
(وجيشٍ كجنح اللَّيْل يزحف بالحصا ... وبالشوك والْخطىِّ حمرا ثعالبه) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
(غدونا لَهُ والشمسُ فِي خِدْر أمهَا ... تطالعها والطلّ لم يجر ذائبُهْ)
(بِضرب يذوقُ الموتَ من ذاق طعمه ... وتدركُ من نَجيَّ الفرارُ مثالبهْ)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(بعثنَا لَهُم موت الفُجَاءة إننا ... بَنو الْمَوْت خَفَّاقٌ علينا سبائبهْ)
(فراحوا فريقٌ فِي الأسَارَى ومثلهُ ... قتيلٌ ومثلٌ لَاذَ بالبحر هاربُهْ)
(إِذا الْملك الْجَبَّار صغر خدَّهُ ... مشينا إِلَيْهِ بِالسُّيُوفِ نعاتبه) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة فوصله ابْن هُبَيْرَة بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَكَانَت أول عَطِيَّة سنية أعطيها بشار بالشعر وَرفعت من ذكره
стр. 412
وَالنَّقْع الْغُبَار وَمعنى تهاوى كواكبه يتساقط بَعْضهَا فِي إِثْر بعض وَالْأَصْل تتهاوى فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ
وَالشَّاهِد فِيهِ الْمركب الْحسي فِي التَّشْبِيه الَّذِي طرفاه مركبان الْحَاصِل من الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من هوى أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة الْمِقْدَار مُتَفَرِّقَة فِي جَوَانِب شَيْء مظلم فَوجه الشّبَه مركب كَمَا ترى وَكَذَا طرفاه كَمَا فِي أسرار البلاغة
يرْوى أَنه قيل لبشار وَقد أنْشد هَذَا الْبَيْت مَا قيل أحسن من هَذَا التَّشْبِيه فَمن أَيْن لَك هَذَا وَلم تَرَ الدُّنْيَا قطّ وَلَا شَيْئا مِنْهَا فَقَالَ إِن عدم النّظر يُقَوي ذكاء الْقلب وَيقطع عَنهُ الشّغل بِمَا ينظر إِلَيْهِ من الْأَشْيَاء فيتوفر حسه وتذكو قريحته وأنشدهم قَوْله
(عميتُ جَنِينا والذكاءُ من الْعَمى ... فَجئْت عَجِيب الظَّن للْعلم موئلا)
(وغاضَ ضياءُ الْعين للْعلم رافداً ... لقلب إِذا مَا ضيعَ الناسُ حَصَّلا)
(وشعرٍ كنَوْر الرَّوْض لاءَمْت بينهُ ... بقول إِذا مَا أَحْزَن الشعرُ أسهلا) // الطَّوِيل //
وَحدث أَبُو يَعْقُوب الخريمي الشَّاعِر أَن بشاراً قَالَ لم أزل مُنْذُ سَمِعت قَول امرىء الْقَيْس فِي تشبيهه شَيْئَيْنِ بشيئين فِي بَيت وَاحِد حَيْثُ يَقُول
(كَأَن قُلُوب الطير رطبا ويابسا ... لَدَى وَكرها الْعنَّاب والحشف الْبَالِي) // الطَّوِيل //
أعمل نَفسِي فِي تَشْبِيه شَيْئَيْنِ بشيئين حَتَّى قلت
(كأنَّ مُثار النَّقْع ... الْبَيْت ... )
وَقد كَرَّرَه بشار فَقَالَ
(خلقت سَمَاء فَوْقنَا بنجومها ... سيوفاً ونقعاً يقبض الطّرف أقْتَمَا) // الطَّوِيل //
стр. 413
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى مَنْصُور النمري فَقَالَ وَأحسن
(ليلٌ من النَّقْع لَا شمسٌ وَلَا قمرٌ ... إِلَّا جَببنُكَ والمذروبة الشَّرْع) // الْبَسِيط //
وَمُسلم بن الْوَلِيد أَيْضا حَيْثُ يَقُول
(فِي عَسكر تُشْرق الأَرْض الفضاء بِهِ ... كالليل أنْجُمُه القضبانُ والأسل) // الْبَسِيط //
ولمؤلفه ﵀ من قصيدة عثمانية مظفرية
(وَالنَّقْع ليلُ سَمَاء لَا نجومَ لَهُ ... إِلَّا الأسِنَّهُ والهِنْدِيةُ البتر) // الْبَسِيط //
وَله فِي مَعْنَاهُ من قصيدة مظفرية أَيْضا مَعَ زِيَادَة مخترعة فِيمَا يظنّ
(يَعقُد النقُع فوقَها سحباً كالليل فيهِ السيوفُ أضحَتْ نجومَا ... )
(فَمَتَى مَا رَأَتْ سَواد شَيَاطينِ بُغاةِ الحروب عَادَتْ رجومَا ... ) // الْخَفِيف //
وَابْن المعتز حَيْثُ قَالَ
(إِذا شئتُ أوقَرْتُ الْبِلَاد حَوافِراً ... وسارت ورائي هاشمٌ ونزارُ)
(وعمَّ السَّمَاء النقعُ حَتَّى كَأَنَّهُ ... دُخانٌ وأطرافُ الرِّماح شَرَارُ) // الطَّوِيل //
وَبَعْضهمْ أَيْضا حَيْثُ قَالَ
(نَسجَتْ حوافرُهَا سَمَاء فَوْقهَا ... جعلَتْ أَسِنَّتَها نُجُوم سمائها) // الْكَامِل //
وَأَبُو الطّيب المتنبي حَيْثُ قَالَ
(فَكَأَنَّمَا كُسِىَ النَّهَار بهَا دجى ... ليلٍ وأطلَعَت الرماحَ كواكبا) // الْكَامِل //
وَقد نَقله إِلَى مِثَال آخر فَقَالَ
(تزور الأعادي فِي سماءِ عجاجةٍ ... أسنَّتُها فِي جانبيها الكواكبُ) // الطَّوِيل //
стр. 414
وَقد ضمنه سيف الدّين بن المشد فَقَالَ
(كَأَن دُخان الْعود والنَّد بَيْننَا ... وأقداحنا ليل تهاوى كواكبه)
(ولاحَتْ لنا شمسُ العُقارِ فمزّقت ... دُجى اللَّيْل حَتَّى نظم الْجزع ثاقبه) // الطَّوِيل //
والبرهان القيراطي ضمن المصراع الْأَخير وَإِن كَانَ من غير هَذِه القصيدة بقوله وأجاد
(وَلما بدَا والليلُ أسْوَدُ فاحمٌ ... قدْ انْتَشَرت فِي الخافقَينِ ذَوائبهْ)
(أَضَاء ببَدْر الثغر عنْدَ ابتسامهِ ... دجى اللَّيْل حَتَّى نظم الْجزع ثاقبه) // الطَّوِيل //
٧٨ - (والشَّمْسُ كَالمرْآةِ فِي كف الأشل ... )
هُوَ من الرجز وَاخْتلف فِي قَائِله فَقيل الشماخ وَقيل ابْن أَخِيه وَقيل أَبُو النَّجْم وَقيل ابْن المعتز
والأشل هُوَ الَّذِي يَبِسَتْ يَده أَو ذهبت
وَالشَّاهِد فِيهِ مَجِيء الْمركب الْحسي فِي الهيآت الَّتِي تقع عَلَيْهَا الْحَرَكَة من الاستدارة والاستقامة وَغَيرهَا وَيعْتَبر فِيهَا التَّرْكِيب وَيكون مَا يَجِيء فِي تِلْكَ الهيآت على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يقرن بالحركة غَيرهَا من أَوْصَاف الْجِسْم كالشكل
стр. 415
واللون وَالثَّانِي أَن تجرد هَيْئَة الْحَرَكَة حَتَّى لَا يُرَاد غَيرهَا فَالْأول كَمَا فِي الْبَيْت وَوجه الشّبَه من الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من الاستدارة مَعَ الْإِشْرَاق وَالْحَرَكَة السريعة الْمُتَّصِلَة مَعَ تموج الْإِشْرَاق واضطرابه بِسَبَب تِلْكَ الْحَرَكَة حَتَّى يرى الشعاع كَأَنَّهُ يهم بِأَن ينبسط حَتَّى يفِيض من جَوَانِب الدائرة ثمَّ يَبْدُو لَهُ فَيرجع من الانبساط إِلَى الانقباض فالشمس إِذا أحد الْإِنْسَان النّظر إِلَيْهَا ليتبين جرمها وجدهَا مؤدية إِلَى هَذِه الْهَيْئَة وَكَذَلِكَ الْمرْآة إِذا كَانَت فِي كف الأشل
وَمَا أعدل قَول المعوج الشَّاعِر فِي مَعْنَاهُ
(كَأَن شُعَاعَ الشمسِ فِي كل غُدْوةٍ ... على ورَقِ الْأَشْجَار أول طالع)
(دنانيُر فِي كف الأشل يضمنهَا ... لقَبْضٍ فتَهْوِى من فروج الْأَصَابِع) // الطَّوِيل //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول أبي الطّيب المتنبي
(وَألقى الشرق مِنْهَا فِي ثِيَابِي ... دنانيراً تَفِرُّ من البَنَان) // الوافر //
وَأَخذه أَيْضا القَاضِي عبد الرَّحِيم الْفَاضِل فَقَالَ
(والشمسُ من بَين الأرائِكِ قد حكَتْ ... سَيْفا صَقيلاً فِي يدرعشاء) // الْكَامِل //
وَمَا أبدع قَول الشهَاب التلعفري
(أفدي الَّذِي زارني فِي اللَّيْل مُستتراً ... أحلى من الأَمْنِ عندَ الخائِفِ الدهِشِ)
(ولاحَتِ الشَّمْس تحكي عِنْد مَطْلعها ... مرآةَ تبرٍ بَدَتْ فِي كف مرتعش) // الْبَسِيط //
وبديع قَول إِدْرِيس بن اليماتي الْعَبْدي
(قُبلةٌ كانَتْ على دهَشٍ ... أُذهَبَتْ مَا بِي من العَطَش)
(وَلها فِي القَلْبِ مَنزلةٌ ... لَو عَدَتها النفسُ لم تَعِشِ)
(طَرَقَتني والدجى لابِسٌ ... خِلَعاً من جِلَدةِ الحَبَش)
(وكأنَّ النجمَ حِين بدا ... درْهمٌ فِي كف مرتعش) // المديد //
стр. 416
وَقَول النامي
(سَمَاء غصُونٍ تحْجُبُ الشمسَ أَن تُرَى ... على الأرضِ إِلَّا مثلَ نثرِ الدراهِمِ) // الطَّوِيل //
٧٩ - (وكأنَّ الْبَرْق مصحفُ قارٍ ... فَانْطِبَاقاً مرةَ وانفتاحا)
الْبَيْت لِابْنِ المعتز من قصيدة من المديد وأولها
(عَرَفَ الدَّار فحيَّا وناحا ... بَعْدَمَا كَانَ صَحا واسترَاحَا)
(ظَلَّ يَلحاه العَذُولُ ويأبى ... فِي عِنَان العَذْلِ إِلَّا جِمَاحا)
(عَلِّموني كَيفَ أسْلُو وَإِلَّا ... فَخُذُوا من مُقْلَتيَّ الملاحَا)
(من رأى بَرْقاً يُضيءُ التماحا ... ثَقَبَ الليلَ سَنَاهُ فلاحا) // المديد //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(لم يزل يلمعُ بِاللَّيْلِ حَتَّى ... خِلْتُه نَبه فِيهِ صَبَاحَا)
(وَكَأن الرَّعْدَ فحلُ لِقَاح ... كلما يُعْجِبُهُ الْبَرْق صاحا) // المديد //
стр. 417
والبرق وَاحِد بروق السَّحَاب أَو هُوَ ضرب ملك السَّحَاب وتحريكه إِيَّاه لينساق فترى النيرَان
وَالشَّاهِد فِيهِ الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ تجرد الْحَرَكَة عَن غَيرهَا من الْأَوْصَاف مَعَ اخْتِلَاط حركات كَثِيرَة للجسم إِلَى جِهَات مُخْتَلفَة لَهُ كَأَن يَتَحَرَّك بعضه إِلَى الْيَمين وَبَعضه إِلَى الشمَال وَبَعضه إِلَى الْعُلُوّ وَبَعضه إِلَى السّفل ليتَحَقَّق التَّرْكِيب وَإِلَّا لَكَانَ وَجه الشّبَه مُفردا وَهُوَ الْحَرَكَة لَا مركبا فحركة الْمُصحف الشريف فِي انطباقه وانفتاحه فِيهَا تركيب لِأَن الْمُصحف يَتَحَرَّك فِي الْحَالَتَيْنِ إِلَى جِهَتَيْنِ فِي كل حَالَة إِلَى جِهَة
وَمثله قَول القلعي المغربي
(والسحب تلعبُ بالبروق كَأَنَّهَا ... قار على عجلٍ يقلبُ مصحفَا)
(قد قلدت بالنَّوْر أجيادَ الرُّبا ... حَلْياً وألبست الخمائل مُطْرفَا) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم فِي وصف الْبَرْق
(عارضٌ أقبلَ فِي جنح الدُّجى ... يتهادى كتهَادي ذِي الوجَى)
(أتلفتْ ريحُ الصِّبَا لؤلؤهُ ... فانبرَى يُوقد عَنْهَا سُرُجَا)
(وكأنَّ الرَّعْد حادِي مُصْعَبٍ ... كلما صالَ عَلَيْهِ وشجا)
(وكأنّ البرقَ كأسٌ سكبتْ ... فِي لهاه المزنُ حَتَّى لهجا)
(وكأنَّ الجوَّ ميدان وغىً ... رَفعتْ فِيهِ المذاكي رهجا) // الرمل //
وَمَا أحسن قَول ابْن المعتز فِيهِ أَيْضا
(رأيتُ فِيهَا برقها منذُ بدتْ ... كَمثل طرف الْعين أَو قلبٍ وجبْ)
стр. 418
(ثمَّ حدا بهَا الصِّبَا حَتَّى بدا ... فِيهَا لِيَ البرقُ كأمثال الشُّهْبُ)
(تحسبه فِيهَا إِذا مَا انصدعتْ ... أحشاؤها عَنهُ شجاعاً يضطرب)
(وَتارَة تحسبهُ كَأَنَّهُ ... أبلقُ مالَ جُلُّه حِين وثبْ)
(حَتَّى إذَا مَا رَفعَ الْيَوْم الضُّحَى ... حسبته سلاسلاً من الذَّهَب) // الرجز //
وَقد ولد أَبُو الْعَبَّاس بن أبي طَالب الْعَرَبِيّ من تَشْبِيه الْبَرْق بالسلاسل توليداً بديعاً فَقَالَ يصف ممدوحه بِسُرْعَة البديهة إِذا كتب
(لَهُ قلم لَو يجاري البروقَ ... لخلتَ السلَاسِل فِيهِ قيودَا) // المتقارب //
وللأديب أبي حَفْص أَحْمد بن برد فِي السَّحَاب والبرق
(وَيَوْم تفنن فِي طيبهِ ... وجاءَت مواقيته بالعجبْ)
(تجلَّى الصَّباح بِهِ عَن حَياً ... قد أسْقى وَعَن زَهَر قد شرب)
(وَمَا زلت أَحسب فِيهِ السَّحَاب ... ونار بوارِقه تلتهبْ)
(بخاتيَّ تُوضِع فِي سَيرهَا ... وَقد فُزِّعَتْ بسياط الذَّهَب) // المتقارب //
وَلأبي عُثْمَان الخالدي فِي مثله
(أدْنِ من الدَّنِّ لي فداكَ أبي ... واشربْ وأُسق الْكَبِير وانتخب)
(أما ترى الطَّلَّ وَهُوَ يلمع فِي ... عُيُون نَوْرٍ تَدْعُو إِلَى الطربِ)
стр. 419
(وَالصُّبْح قد جُرِّدَتْ صَوَارمهُ ... وَاللَّيْل قد همّ مِنْهُ بالهَربِ)
(والجوُّ فِي حُلَّةٍ ممسَّكةٍ ... قدْ كتبتها البروق بِالذَّهَب) // المنسرح //
وللسري الرفاء فِي مثله
(غيومٌ تمسِّك أفقَ السَّمَاء ... وبرقٌ يكتِّبها بِالذَّهَب) // المتقارب //
وَله أَيْضا وينسب للخالدي
(وبرقٍ مِثلُ حاشيتي رداءٍ ... جديدٍ مُذْهَبٍ فِي يَوْم ريحِ) // الوافر //
وللخالدي فِيهِ أَيْضا وأجاد
(أَلا فاسقني وَاللَّيْل قد غابَ نوره ... لغيبة بدر فِي الظلام غريق)
(وَقد فَضَحَ الظلماء برقٌ كَأَنَّهُ ... فؤاد مشوق مولع بخفوق) // الطَّوِيل //
وَقد سَرقه من قَول ابْن المعتز
(أمنك سرى يَا بشر طيفٌ كَأَنَّهُ ... فؤاد مشوق مولع بخفوق) // الطَّوِيل //
وَسَرَقَهُ السّري الرفاء أَيْضا فَقَالَ من قصيدة
(أما ترى الصُّبْح قد قَامَت عساكرهُ ... فِي الشرق تنشر أعلاماً من الذَّهَب)
(والجوُّ يختال فِي حُجْبٍ ممسكة ... كَأَنَّمَا الْبَرْق فِيهَا قلبُ ذِي رعب) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَوْله فِيهِ أَيْضا
(وَحَدَائِق يَسبيكَ وشيُ برودها ... حَتَّى تشبهها سَبائبَ عَبْقَرِ)
(يجْرِي النسيمُ خلالها فَكَأَنَّمَا ... غُمِسَتْ فُضُولُ رِدائه فِي عنبرِ)
(باتتْ قُلُوب الْمَحْلِ تخفقُ بَينهَا ... بخفوقِ رايات السَّحَاب الممطرِ)
(من كل نائي الحجزتين مولعٍ ... بالبرق دَانى الظلتين مُشَهَّرِ)
стр. 420
(تُحْدَى بألسنة الرعود عشاره ... فتيسير بَين مُغَرّدٍ ومُزَمُجِرِ)
(طارتْ عقيقةُ برقه فَكَأَنَّمَا صَدَعَتْ ممسكَ غيمه بمعصفر) // الْكَامِل //
وَلأبي الْقَاسِم الزاهي فِيهِ أَيْضا
(الريحُ تعصفُ والأغصان تعتنقُ ... وَالمزنُ باكيةٌ والزهرُ معتبقُ)
(كَأَنَّمَا الليلُ جفنٌ والبروقُ لهُ ... عينٌ من الشَّمْس تبدو ثمَّ تنطبق) // الْبَسِيط //
ولبعضهم
(برقٌ أطارَ القلبَ لما استطارْ ... أنارَ جَنحَ اللَّيْل لما استنارَ)
(ذابَ لجينُ المزنِ لما رَمى ... معدنه مِنْهُ بمقياس نَار) // السَّرِيع //
وَابْن المعتز هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد وَقيل الزبير المعتز بِاللَّه ابْن المتَوَكل بن المعتصم بن الرشيد العباسي الْأَمِير الأديب صَاحب النّظم البديع والنثر الْفَائِق أَخذ الْأَدَب والعربية عَن الْمبرد وثعلب ومؤدبه أَحْمد بن سعيد الدِّمَشْقِي ومولده فِي شعْبَان سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ أول من صنف فِي صَنْعَة الشّعْر وضع كتاب البديع وَهُوَ أشعر بني هَاشم على الْإِطْلَاق وأشعر النَّاس فِي الْأَوْصَاف والتشبهات وَكَانَ يَقُول إِذا قلت كَأَن وَلم آتٍ بعْدهَا بالتشبيه ففض الله فاي
стр. 421
وَحدث جَعْفَر بن قدامَة قَالَ كنت عِنْد ابْن المعتز يَوْمًا وَعِنْده سَرِيَّة وَكَانَ يُحِبهَا ويهيم بهَا فَخرجت علينا من صدر الْبُسْتَان فِي زمن الرّبيع وَعَلَيْهَا غلالةٌ معصفرة وَفِي يَدهَا جنابي من باكورة باقلاء والجنابي لعبة للصبيان فَقَالَت لَهُ يَا سَيِّدي تلعب معي جنابي فَالْتَفت إِلَيْنَا وَقَالَ على بديهته غير متفكر وَلَا مُتَوَقف
(فديتُ من مر يمشي فِي معصفرةٍ ... عَشِيَّة فسقاني ثمَّ حياني)
(وَقَالَ تلعب جنابي فَقلت لهُ ... من جَدَّ بالوصل لم يلْعَب بهجران) // الْبَسِيط //
وَأمر فغنى بِهِ
وَحدث جَعْفَر قَالَ كَانَ لعبد الله بن المعتز غُلَام يُحِبهُ وَكَانَ يُغني غناء صَالحا وَكَانَ يدعى بنشوان فجدر فجزع عبد الله لذَلِك جزعاً شَدِيدا ثمَّ عوفي وَلم يُؤثر الجدري فِي وَجهه أثرا قبيحاً فَدخلت عَلَيْهِ ذَات يَوْم فَقَالَ لي يَا أَبَا الْقَاسِم قد عوفي فلَان بعْدك وَخرج أحسن مِمَّا كَانَ وَقلت فِيهِ بَيْتَيْنِ وغنت زرياب فيهمَا رملاً ظريفاً فاسمعهما إنشاداً إِلَى أَن تسمعهما غناء فَقلت يتفضل الْأَمِير أبده الله بإنشادي إيَّاهُمَا فأنشدني
(بِي قمرٌ جدِّرَ لما اسْتَوى ... فَزَادهُ حُسناً وزالت هُمُومْ)
(أظُنُّه غَنَّى لشمس الضُّحى ... فَنَقطَتهُ طَرباً بالنجوم) // السَّرِيع //
فَقلت أَحْسَنت وَالله أَيهَا الْأَمِير فَقَالَ لَو سمعته من زرياب كنت أَشد اسْتِحْسَانًا لَهُ وَخرجت زرياب فغنته لنا فِي طَريقَة الرمل غناء شربنا عَلَيْهِ عَامَّة يَوْمنَا
قَالَ وَغَضب هَذَا الْغُلَام عَلَيْهِ فجهد أَن يترضاه فَلم تكن لَهُ فِيهِ حِيلَة وَدخلت عَلَيْهِ فأنشدني فِيهِ
стр. 422
(بِأبي أنتَ قد تماديت ... فِي الهجْر والغَضَبْ)
(واصطباري على صدودك ... يَوْمًا من العَجَبْ)
(ليسَ لي إِن فَقَدْت وجهَكَ فِي الْعَيْش من أرب ... )
(رحم الله من أعَان ... على الصُّلْح واحتَسبْ) // من مجزوء الْخَفِيف //
قَالَ فمضيت إِلَى الْغُلَام وَلم أزل أداريه وأرفق بِهِ حَتَّى ترضيته لَهُ وجئته بِهِ فَمر لنا يَوْمئِذٍ أطيب يَوْم وَأحسنه وغنتنا زرياب فِي هَذَا الشّعْر رملاً عجيباً
وَحدث عبد الله بن مُوسَى الْكَاتِب قَالَ دخلت على عبد الله بن المعتز وَفِي دَاره طَبَقَات من الصناع وَهُوَ يبنيها ويبيضها فَقلت لَهُ مَا هَذِه الغرامة الجادة والكلفة فَقَالَ السَّيْل الَّذِي جَاءَ من لَيَال أحدث فِي دَاري مَا أحْوج إِلَى هَذِه الغرامة الجادة والكلفة فَقلت
(أَلا من لنفسٍ وأحزانها ... وَدَار تدَاعَى بحيطانها)
(أظلُّ نهاريَ فِي شمسهَا ... شَقيّاً مُعنًّى ببنُيانها)
(أُسَوِّدِ وَجْهي بتَبييضها ... وأَهدمُ كيسي بعُمرانها) // المتقارب //
стр. 423
وَمن هُنَا أَخذ أَبُو الْحُسَيْن الجزار قَوْله
(أُكلِّفُ نَفسِي كلَّ يَوْم وَلَيْلَة ... شروراً على من لَا أفوز بخيرهِ)
(كَمَا سَوَّدَ القصَّار فِي الشَّمْس وجههُ ... ليَجْهدَ فِي تَبْييض أَثوَاب غَيره) // الطَّوِيل //
وَحدث جَعْفَر بن قدامَة قَالَ كنت عِنْد عبد الله بن المعتز ومعنا النميري فَحَضَرت الصَّلَاة فَقَامَ النميري فصلى صَلَاة خَفِيفَة جدا ثمَّ دَعَا بعد انْقِضَاء صلَاته وَسجد سَجْدَة طَوِيلَة جدا حَتَّى استثقله جَمِيع من حضر بِسَبَبِهَا وَعبد الله ينظر مُتَعَجِّبا ثمَّ قَالَ
(صَلاتُكَ بَين الملا نَقْرَةٌ ... كَمَا اخْتَلس الجرْعَة الوالغُ)
(وتسجُدُ من بعْدِها سجْدةً ... كَمَا خُتمَ المزودُ الفارغ) // المتقارب //
وَقَالَ كُنَّا عِنْد عبد الله بن المعتز يَوْمًا ومعنا النميري وَعِنْده جَارِيَة لبَعض بَنَات المعتز تغنيه وَكَانَت محسنة إِلَّا أَنَّهَا كَانَت فِي غَايَة الْقبْح فَجعل عبد الله يجمشها ويتعاشق فَلَمَّا قَامَت قَالَ لَهُ النميري أَيهَا الْأَمِير سَأَلتك بِاللَّه أتعشق هَذِه الَّتِي مَا رَأَيْت قطّ أقبح مِنْهَا فَقَالَ وَهُوَ يضْحك
(قَلبيَ وثَّابٌ إِلَى ذَا وَذَا ... ليسَ يرى شَيْئا فَيأباهُ)
(يهيمُ بالْحسنِ كَمَا ينبَغي ... ويرْحَم القبحَ فيهواه) // السَّرِيع //
وَقَالَ كنت أشْرب مَعَ عبد الله بن المعتز فِي يَوْم من أَيَّام الرّبيع بالعباسية وَالدُّنْيَا كالجنة المزخرفة فَقَالَ عبد الله
(حَبَّذا آذارُ شَهراً ... فيهِ للنور انتشارُ)
(يَنقص الليلُ إِذا حَلَّ ويمتَدُّ النهارُ ... )
стр. 424
(وعَلى الأَرْض اصفرارٌ ... واخضرارٌ واحمرارُ)
(فكأنَّ الرَّوضَ وَشْيٌ ... بالَغَتْ فِيهِ التَّجَارُ)
(نَقْشه آسٌ ونَسْرينٌ ووَرْدٌ وبهار ... ) // من مجزوء الرمل //
وَكتب ابْن المعتز إِلَى عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر وَقد اسْتخْلف مؤنس ابْنه مُحَمَّد بن عبيد الله على شرطة بَغْدَاد
(فَرحْتُ بِمَا أضعَافُهُ دون قَدْركمْ ... وقلتُ عَسى قد هَبَّ من نَومه الدهرُ)
(فترجعُ فِينَا دَولةٌ طاهِرِيَّة ... كَمَا بدَأت والأمرُ من بعده الأمرُ)
(عَسى الله إِنَّ اللهَ ليسَ بغافِلٍ ... وَلَا بدَّ من يُسْرٍ إِذا مَا انْتهى العُسْرُ) // الطَّوِيل //
فَكتب إِلَيْهِ عبيد الله قصيدة مِنْهَا
(وَنحن لكم إِن نالنا مَسَّ جَفْوة ... فمنَّا على لأوائها الصَّبْرُ والعُذْرُ)
(فَإِن رَجَعت من نعمةِ الله دَولَةٌ ... إِلَيْنَا فمنا عندَها الْحَمد وَالشُّكْر) // الطَّوِيل //
وَجَاء مُحَمَّد بن عبيد الله الْمَذْكُور بعقب هَذَا شاكراً لتهنئته وَلم يعد إِلَيْهِ مُدَّة طَوِيلَة فَكتب إِلَيْهِ ابْن المعتز يَقُول
(قد جئتنا مرّة وَلم تكد ... وَلم تزُرْ بعدَها وَلم تَعُدِ)
(لست تُرَى واجداً بِنَا عِوضاً ... فاطلب وجَرِّبْ واستقص واجتهِدِ)
(ناولَنِي حَبل وصْلِه بيَدِ ... وهجْرُهُ جاذبٌ لَهُ بيَدِ)
(فَلم يكن بينَ ذَا وَذَا أمَدٌ ... إِلَّا كَمَا بَين لَيْلَة وغد) // المنسرح //
وَلم يزل فِي طيب عَيْش ودعة من عوادي الزَّمَان إِلَى أَن قَامَت الدولة ووثبوا على المقتدر وخلعوه وَأَقَامُوا ابْن المعتز فَقَالَ بِشَرْط أَن لَا يقتل بِسَبَب مُسلم ولقبوه المرتضى بِاللَّه وَقيل الْمنصف وَقيل الْغَالِب وَقيل الراضي
فَحدث الْمعَافي بن زَكَرِيَّا الْجريرِي قَالَ لما خلع المقتدر وبويع ابْن المعتز
стр. 425
دخلُوا على شَيخنَا مُحَمَّد بن جرير ﵀ فَقَالَ مَا الْخَبَر فَقيل لَهُ بُويِعَ ابْن المعتز قَالَ فَمن رشح للوزارة فَقيل مُحَمَّد بن دَاوُد قَالَ فَمن ذكر للْقَضَاء قيل الْحسن بن الْمثنى فَأَطْرَقَ ثمَّ قَالَ هَذَا الْأَمر لَا يتم قيل وَكَيف قَالَ كل وَاحِد مِمَّن سميتم فَتقدم فِي مَعْنَاهُ على الرُّتْبَة وَالدُّنْيَا مولية وَالزَّمَان مُدبر وَمَا أرى هَذَا إِلَّا لاضمحلال وَمَا أرى لمدته طولا
وَبعث ابْن المعتز إِلَى المقتدر يَأْمُرهُ بالتحول إِلَى دَار مُحَمَّد بن طَاهِر لكَي ينْتَقل هُوَ إِلَى دَار الْخلَافَة فَأجَاب وَلم يكن بَقِي مَعَه غير مؤنس الْخَادِم ومؤنس الخازن وغريب خَاله وَجَمَاعَة من الخدم فباكر الْحُسَيْن بن حمدَان دَار الْخلَافَة فقاتلها فَاجْتمع الخدم فدفعوه عَنْهَا بعد أَن حمل مَا قدر عَلَيْهِ من المَال وَسَار إِلَى الْموصل ثمَّ قَالَ الَّذين عِنْد المقتدر يَا قوم نسلم هَذَا الْأَمر وَلَا نجرب أَنْفُسنَا فِي دفع مَا نزل بِنَا فنزلوا فِي الزوارق وألبسوا جمَاعَة مِنْهُم السِّلَاح وقصدوا المخرم وَبِه عبد الله بن المعتز فَلَمَّا رَآهُمْ من حوله أوقع الله فِي قُلُوبهم الرعب فانصرفوا منهزمين بِلَا حَرْب وَخرج ابْن المعتز فَركب فرسا وَمَعَهُ وزيره مُحَمَّد بن دَاوُد وحاجبه يمن وَقد شهر سَيْفه وَهُوَ يُنَادي معاشر الْعَامَّة ادعوا لخليفتكم وأشاروا إِلَى الْجَيْش ليتبعوهم إِلَى سامرا ليثبتوا أَمرهم فَلم يتبعهُم أحد فَنزل ابْن المعتز عَن دَابَّته وَدخل دَار بن الْجَصَّاص الْجَوْهَرِي واختفى الْوَزير ابْن دَاوُد وَالْقَاضِي الْحسن بن الْمثنى ونهبت دُورهمْ وَوَقع النهب وَالْقَتْل فِي بَغْدَاد وَقبض المقتدر على الْأُمَرَاء والقضاة الَّذين خلعوه وسلمهم إِلَى مؤنس الخازن فَقَتلهُمْ واستقام الْأَمر للمقتدر واستوزر ابْن الْفُرَات ثمَّ بعث جمَاعَة فكبسوا دَار ابْن الْجَصَّاص وَأخذُوا ابْن المعتز وَابْن الْجَصَّاص فصودر ابْن الْجَصَّاص وَحبس ابْن المعتز ثمَّ أخرج فِيمَا بعد مَيتا ورثاه عَليّ بن مُحَمَّد بن بسام بقوله
(لله دَرك من مَلْكٍ بمضيعة ... ناهيكَ فِي الْعقل والآداب والحسب)
следующие страницы →