Полный текст (694 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وَحدث جَعْفَر بن قدامَة قَالَ كنت عِنْد ابْن المعتز يَوْمًا وَعِنْده سَرِيَّة وَكَانَ يُحِبهَا ويهيم بهَا فَخرجت علينا من صدر الْبُسْتَان فِي زمن الرّبيع وَعَلَيْهَا غلالةٌ معصفرة وَفِي يَدهَا جنابي من باكورة باقلاء والجنابي لعبة للصبيان فَقَالَت لَهُ يَا سَيِّدي تلعب معي جنابي فَالْتَفت إِلَيْنَا وَقَالَ على بديهته غير متفكر وَلَا مُتَوَقف
(فديتُ من مر يمشي فِي معصفرةٍ ... عَشِيَّة فسقاني ثمَّ حياني)
(وَقَالَ تلعب جنابي فَقلت لهُ ... من جَدَّ بالوصل لم يلْعَب بهجران) // الْبَسِيط //
وَأمر فغنى بِهِ
وَحدث جَعْفَر قَالَ كَانَ لعبد الله بن المعتز غُلَام يُحِبهُ وَكَانَ يُغني غناء صَالحا وَكَانَ يدعى بنشوان فجدر فجزع عبد الله لذَلِك جزعاً شَدِيدا ثمَّ عوفي وَلم يُؤثر الجدري فِي وَجهه أثرا قبيحاً فَدخلت عَلَيْهِ ذَات يَوْم فَقَالَ لي يَا أَبَا الْقَاسِم قد عوفي فلَان بعْدك وَخرج أحسن مِمَّا كَانَ وَقلت فِيهِ بَيْتَيْنِ وغنت زرياب فيهمَا رملاً ظريفاً فاسمعهما إنشاداً إِلَى أَن تسمعهما غناء فَقلت يتفضل الْأَمِير أبده الله بإنشادي إيَّاهُمَا فأنشدني
(بِي قمرٌ جدِّرَ لما اسْتَوى ... فَزَادهُ حُسناً وزالت هُمُومْ)
(أظُنُّه غَنَّى لشمس الضُّحى ... فَنَقطَتهُ طَرباً بالنجوم) // السَّرِيع //
فَقلت أَحْسَنت وَالله أَيهَا الْأَمِير فَقَالَ لَو سمعته من زرياب كنت أَشد اسْتِحْسَانًا لَهُ وَخرجت زرياب فغنته لنا فِي طَريقَة الرمل غناء شربنا عَلَيْهِ عَامَّة يَوْمنَا
قَالَ وَغَضب هَذَا الْغُلَام عَلَيْهِ فجهد أَن يترضاه فَلم تكن لَهُ فِيهِ حِيلَة وَدخلت عَلَيْهِ فأنشدني فِيهِ
стр. 422
(بِأبي أنتَ قد تماديت ... فِي الهجْر والغَضَبْ)
(واصطباري على صدودك ... يَوْمًا من العَجَبْ)
(ليسَ لي إِن فَقَدْت وجهَكَ فِي الْعَيْش من أرب ... )
(رحم الله من أعَان ... على الصُّلْح واحتَسبْ) // من مجزوء الْخَفِيف //
قَالَ فمضيت إِلَى الْغُلَام وَلم أزل أداريه وأرفق بِهِ حَتَّى ترضيته لَهُ وجئته بِهِ فَمر لنا يَوْمئِذٍ أطيب يَوْم وَأحسنه وغنتنا زرياب فِي هَذَا الشّعْر رملاً عجيباً
وَحدث عبد الله بن مُوسَى الْكَاتِب قَالَ دخلت على عبد الله بن المعتز وَفِي دَاره طَبَقَات من الصناع وَهُوَ يبنيها ويبيضها فَقلت لَهُ مَا هَذِه الغرامة الجادة والكلفة فَقَالَ السَّيْل الَّذِي جَاءَ من لَيَال أحدث فِي دَاري مَا أحْوج إِلَى هَذِه الغرامة الجادة والكلفة فَقلت
(أَلا من لنفسٍ وأحزانها ... وَدَار تدَاعَى بحيطانها)
(أظلُّ نهاريَ فِي شمسهَا ... شَقيّاً مُعنًّى ببنُيانها)
(أُسَوِّدِ وَجْهي بتَبييضها ... وأَهدمُ كيسي بعُمرانها) // المتقارب //
стр. 423
وَمن هُنَا أَخذ أَبُو الْحُسَيْن الجزار قَوْله
(أُكلِّفُ نَفسِي كلَّ يَوْم وَلَيْلَة ... شروراً على من لَا أفوز بخيرهِ)
(كَمَا سَوَّدَ القصَّار فِي الشَّمْس وجههُ ... ليَجْهدَ فِي تَبْييض أَثوَاب غَيره) // الطَّوِيل //
وَحدث جَعْفَر بن قدامَة قَالَ كنت عِنْد عبد الله بن المعتز ومعنا النميري فَحَضَرت الصَّلَاة فَقَامَ النميري فصلى صَلَاة خَفِيفَة جدا ثمَّ دَعَا بعد انْقِضَاء صلَاته وَسجد سَجْدَة طَوِيلَة جدا حَتَّى استثقله جَمِيع من حضر بِسَبَبِهَا وَعبد الله ينظر مُتَعَجِّبا ثمَّ قَالَ
(صَلاتُكَ بَين الملا نَقْرَةٌ ... كَمَا اخْتَلس الجرْعَة الوالغُ)
(وتسجُدُ من بعْدِها سجْدةً ... كَمَا خُتمَ المزودُ الفارغ) // المتقارب //
وَقَالَ كُنَّا عِنْد عبد الله بن المعتز يَوْمًا ومعنا النميري وَعِنْده جَارِيَة لبَعض بَنَات المعتز تغنيه وَكَانَت محسنة إِلَّا أَنَّهَا كَانَت فِي غَايَة الْقبْح فَجعل عبد الله يجمشها ويتعاشق فَلَمَّا قَامَت قَالَ لَهُ النميري أَيهَا الْأَمِير سَأَلتك بِاللَّه أتعشق هَذِه الَّتِي مَا رَأَيْت قطّ أقبح مِنْهَا فَقَالَ وَهُوَ يضْحك
(قَلبيَ وثَّابٌ إِلَى ذَا وَذَا ... ليسَ يرى شَيْئا فَيأباهُ)
(يهيمُ بالْحسنِ كَمَا ينبَغي ... ويرْحَم القبحَ فيهواه) // السَّرِيع //
وَقَالَ كنت أشْرب مَعَ عبد الله بن المعتز فِي يَوْم من أَيَّام الرّبيع بالعباسية وَالدُّنْيَا كالجنة المزخرفة فَقَالَ عبد الله
(حَبَّذا آذارُ شَهراً ... فيهِ للنور انتشارُ)
(يَنقص الليلُ إِذا حَلَّ ويمتَدُّ النهارُ ... )
стр. 424
(وعَلى الأَرْض اصفرارٌ ... واخضرارٌ واحمرارُ)
(فكأنَّ الرَّوضَ وَشْيٌ ... بالَغَتْ فِيهِ التَّجَارُ)
(نَقْشه آسٌ ونَسْرينٌ ووَرْدٌ وبهار ... ) // من مجزوء الرمل //
وَكتب ابْن المعتز إِلَى عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر وَقد اسْتخْلف مؤنس ابْنه مُحَمَّد بن عبيد الله على شرطة بَغْدَاد
(فَرحْتُ بِمَا أضعَافُهُ دون قَدْركمْ ... وقلتُ عَسى قد هَبَّ من نَومه الدهرُ)
(فترجعُ فِينَا دَولةٌ طاهِرِيَّة ... كَمَا بدَأت والأمرُ من بعده الأمرُ)
(عَسى الله إِنَّ اللهَ ليسَ بغافِلٍ ... وَلَا بدَّ من يُسْرٍ إِذا مَا انْتهى العُسْرُ) // الطَّوِيل //
فَكتب إِلَيْهِ عبيد الله قصيدة مِنْهَا
(وَنحن لكم إِن نالنا مَسَّ جَفْوة ... فمنَّا على لأوائها الصَّبْرُ والعُذْرُ)
(فَإِن رَجَعت من نعمةِ الله دَولَةٌ ... إِلَيْنَا فمنا عندَها الْحَمد وَالشُّكْر) // الطَّوِيل //
وَجَاء مُحَمَّد بن عبيد الله الْمَذْكُور بعقب هَذَا شاكراً لتهنئته وَلم يعد إِلَيْهِ مُدَّة طَوِيلَة فَكتب إِلَيْهِ ابْن المعتز يَقُول
(قد جئتنا مرّة وَلم تكد ... وَلم تزُرْ بعدَها وَلم تَعُدِ)
(لست تُرَى واجداً بِنَا عِوضاً ... فاطلب وجَرِّبْ واستقص واجتهِدِ)
(ناولَنِي حَبل وصْلِه بيَدِ ... وهجْرُهُ جاذبٌ لَهُ بيَدِ)
(فَلم يكن بينَ ذَا وَذَا أمَدٌ ... إِلَّا كَمَا بَين لَيْلَة وغد) // المنسرح //
وَلم يزل فِي طيب عَيْش ودعة من عوادي الزَّمَان إِلَى أَن قَامَت الدولة ووثبوا على المقتدر وخلعوه وَأَقَامُوا ابْن المعتز فَقَالَ بِشَرْط أَن لَا يقتل بِسَبَب مُسلم ولقبوه المرتضى بِاللَّه وَقيل الْمنصف وَقيل الْغَالِب وَقيل الراضي
فَحدث الْمعَافي بن زَكَرِيَّا الْجريرِي قَالَ لما خلع المقتدر وبويع ابْن المعتز
стр. 425
دخلُوا على شَيخنَا مُحَمَّد بن جرير ﵀ فَقَالَ مَا الْخَبَر فَقيل لَهُ بُويِعَ ابْن المعتز قَالَ فَمن رشح للوزارة فَقيل مُحَمَّد بن دَاوُد قَالَ فَمن ذكر للْقَضَاء قيل الْحسن بن الْمثنى فَأَطْرَقَ ثمَّ قَالَ هَذَا الْأَمر لَا يتم قيل وَكَيف قَالَ كل وَاحِد مِمَّن سميتم فَتقدم فِي مَعْنَاهُ على الرُّتْبَة وَالدُّنْيَا مولية وَالزَّمَان مُدبر وَمَا أرى هَذَا إِلَّا لاضمحلال وَمَا أرى لمدته طولا
وَبعث ابْن المعتز إِلَى المقتدر يَأْمُرهُ بالتحول إِلَى دَار مُحَمَّد بن طَاهِر لكَي ينْتَقل هُوَ إِلَى دَار الْخلَافَة فَأجَاب وَلم يكن بَقِي مَعَه غير مؤنس الْخَادِم ومؤنس الخازن وغريب خَاله وَجَمَاعَة من الخدم فباكر الْحُسَيْن بن حمدَان دَار الْخلَافَة فقاتلها فَاجْتمع الخدم فدفعوه عَنْهَا بعد أَن حمل مَا قدر عَلَيْهِ من المَال وَسَار إِلَى الْموصل ثمَّ قَالَ الَّذين عِنْد المقتدر يَا قوم نسلم هَذَا الْأَمر وَلَا نجرب أَنْفُسنَا فِي دفع مَا نزل بِنَا فنزلوا فِي الزوارق وألبسوا جمَاعَة مِنْهُم السِّلَاح وقصدوا المخرم وَبِه عبد الله بن المعتز فَلَمَّا رَآهُمْ من حوله أوقع الله فِي قُلُوبهم الرعب فانصرفوا منهزمين بِلَا حَرْب وَخرج ابْن المعتز فَركب فرسا وَمَعَهُ وزيره مُحَمَّد بن دَاوُد وحاجبه يمن وَقد شهر سَيْفه وَهُوَ يُنَادي معاشر الْعَامَّة ادعوا لخليفتكم وأشاروا إِلَى الْجَيْش ليتبعوهم إِلَى سامرا ليثبتوا أَمرهم فَلم يتبعهُم أحد فَنزل ابْن المعتز عَن دَابَّته وَدخل دَار بن الْجَصَّاص الْجَوْهَرِي واختفى الْوَزير ابْن دَاوُد وَالْقَاضِي الْحسن بن الْمثنى ونهبت دُورهمْ وَوَقع النهب وَالْقَتْل فِي بَغْدَاد وَقبض المقتدر على الْأُمَرَاء والقضاة الَّذين خلعوه وسلمهم إِلَى مؤنس الخازن فَقَتلهُمْ واستقام الْأَمر للمقتدر واستوزر ابْن الْفُرَات ثمَّ بعث جمَاعَة فكبسوا دَار ابْن الْجَصَّاص وَأخذُوا ابْن المعتز وَابْن الْجَصَّاص فصودر ابْن الْجَصَّاص وَحبس ابْن المعتز ثمَّ أخرج فِيمَا بعد مَيتا ورثاه عَليّ بن مُحَمَّد بن بسام بقوله
(لله دَرك من مَلْكٍ بمضيعة ... ناهيكَ فِي الْعقل والآداب والحسب)
стр. 426
(مَا فِيهِ لَوٌّلا وَلَا ليتٌ تنقصهُ ... وَإِنَّمَا أَدركتهُ حِرْفَة الْأَدَب) // الْبَسِيط //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول أبي تَمام الطَّائِي
(مَا زلتُ أرمي بآمالي مطالبها ... لم يخلقِ العرضَ مني سوءُ مُطَّلَبِي)
(إِذا قصدتُ لشأوٍ خِلتُ أنِّي قَدْ ... أَدركته أدركتني حِرْفَة الْأَدَب) // الْبَسِيط //
وَقد تلاعب الشُّعَرَاء بِهَذَا الْمَعْنى فَقَالَ ابْن الساعاتي
(عِفتُ القريضَ فَلَا أسمو لَهُ أبدا ... حَتَّى لقد عِفتُ أَن أرويه فِي الْكتب)
(هجرْتُ نظمي لهُ لَا من مهانتهِ ... لَكِنَّهَا خيفةٌ من حرفةِ الأدبِ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ ابْن قلاقس
(
(لَا أقتضيكَ لتقديمِ وعدْتَ بهِ ... من عادَةِ الْغَيْث أَن يَأْتِي بِلَا طلبِ)
(عيونُ جاهكَ عني غيرُ نائمةٍ ... وَإِنَّمَا أَنا أخْشَى حرْفةَ الْأَدَب) // الْبَسِيط //
وَذكرت بِهَذَا مَا أنشدنيه بعض أدباء الْعَصْر متسلياً حِين قعدت الْأَحْوَال وَقَامَت الْأَهْوَال وَهُوَ الشهَاب ابْن مَحْمُود النابلسي رَحمَه الله تَعَالَى
(عبدَ الرّحيم أضاعُوا ... بدَولة ضَيَّعَتْهُ)
(مَا فِيهِ لَو وَلَا لَيْت ... إِنَّمَا أَدْرَكته) // المجتث //
رَجَعَ إِلَى أَخْبَار ابْن المعتز ﵀
قَالَ بعض من كَانَ يَخْدمه إِنَّه خرج يَوْمًا يتنزه وَمَعَهُ ندماؤه وَقصد بَاب الْحَدِيد وبستان الناعورة وَكَانَ ذَلِك آخر أَيَّامه فَأخذ خزقة وَكتب على الجص
стр. 427
(سيقا لِظلّ زَماني ... ودهريَ المحمودِ)
(وَلَّي كليلةِ وصلٍ ... قدّامَ يومِ صدود) // المجتث //
قَالَ وَضرب الدَّهْر ضرباته ثمَّ عدت بعد قَتله فَوجدت خطه خفِيا وَتَحْته مَكْتُوب
(أفٍّ لظلّ زَمانِي ... وعيشيَ المنكودِ)
(فارَقتُ أَهلِي وإلفي ... وصاحبي ووَدُودي)
(وَمن هَويتُ جفاني ... مطاوعاً لِحَسودي)
(يَا ربّ موتا وَإِلَّا ... فراحةً من صدود) // المجتث //
وَيُقَال إِنَّه لما سلم لمؤنس الْخَادِم ليهلكه أنْشد
(يَا نفسُ صبرا لَعَلَّ الخيرَ عقباكِ ... خانتك من بعد طول الْأَمْن دنياكِ)
(مرّتْ بِنَا سحَراً طيرٌ فقلتُ لَهَا ... طُوباكِ يَا لَيْتَني إياكِ طوباكِ)
(إِن كانَ قصْدُكِ شوقاً بِالسَّلَامِ عَلَى ... شاطئ الْفُرَات ابلغي إِن كَانَ مثواكِ)
(مِنْ موثَقٍ بالمنايا لَا فكاكَ لهُ ... يبكي الدِّمَاء على إلفٍ لَهُ باكي) // الْبَسِيط //
إِلَى أَن قَالَ
(أظنهُ آخرَ الْأَيَّام من عُمُرِي ... وأوشَكَ الْيَوْم أَن يبكي لَهُ الباكي)
وَمن نثره الْجَارِي مجْرى الحكم والأمثال من تجَاوز الكفاف لم يغنه الْإِكْثَار رُبمَا أورد الطمع وَلم يصدر من ارتحل الْحِرْص أضناه الطّلب
стр. 428
الْحَظ يَأْتِي من لَا يَأْتِيهِ أَشْقَى النَّاس أقربهم من السُّلْطَان كَمَا أَن أقرب الْأَشْيَاء إِلَى النَّار أسرعها إِلَى الاحتراق من شَارك السُّلْطَان فِي عز الدُّنْيَا شَاركهُ فِي ذل الْآخِرَة يَكْفِيك للحاسد غمه بسرورك
وَمن شعره
(وَإِنِّي لمعذورٌ على طولِ حبها ... لِأَن لهَا وَجها يدلّ على عُذْرِي)
(إِذا مَا بدَتْ والبدرُ ليلةَ تِمِّهِ ... رأَيتَ لَهَا فضلا مُبينًا على البدرِ)
(وتهتز من تَحت الثِّيَاب كَأَنَّهَا ... قضيبٌ من الريحان فِي الْوَرق الخضرِ)
(أَبى الله إِلَّا أَن أَمُوت صبَابَة ... بِساحرةِ الْعَينَيْنِ طيبَة النشر) // الطَّوِيل //
وَمِنْه
(من لي بقَلبٍ صيغَ من صخرةٍ ... فِي جسدٍ من لُؤْلُؤ رطب)
(جرجت حديه بلحظي فَمَا ... برحتُ حَتَّى اقْتصّ من قلبِي) // السَّرِيع //
وَمِنْه ويعزى لغيره
(تفقد مساقط الخظ المريبِ ... فإِنَ العيونَ وُجُوه القلوبِ)
(وطالعْ بوادرهُ فِي الْكَلَام ... فإِنكَ تجني ثمار الغيوب) // المتقارب //
وَمِنْه
(سابقْ إِلَى مالِكَ وُرّاثهُ ... مَا المرءُ فِي الدُّنْيَا بلَبَّاثِ)
(كم صَامت تحفق أكياسهُ ... قدْ صاحَ فِي ميزَان ميراثِ) // السَّرِيع //
وَمِنْه
(يَا طارقي فِي الدُّجى والليلُ مُنبسطُ ... على الْبِلَاد بهيم ثابتُ الدَّعَمِ)
(طرقت بَاب غنى طابتْ مواردهُ ... ونائلاً كانهمال الْعَارِض السجم)
стр. 429
(حكم الضيوف بِهَذَا الرّبع أنفَذُ من ... حكم الخلائف آبَائِي على الْأُمَم)
(فَكل مَا فِيهِ مبذولٌ لطارقهِ ... وَلَا زِمَام لهُ إِلَّا على الْحرم) // الْبَسِيط //
وَمِنْه قَوْله فِي الْقَلَم
(قلم مَا أرَاهُ أم فَلكٌ يجْرِي بِمَا شَاءَ قاسمٌ ويسيرُ ... )
(راكعٌ ساجدٌ يقبل قرطاسا ... كَمَا قبل البساطَ شكور) // الْخَفِيف //
وَمِنْه قَول ابْن طَبَاطَبَا
(قلم يُدورُ بكفه فكأنهُ ... فَلكٌ يَدورُ بنحسِهِ وسعوده) // الْكَامِل //
وَقَوله فِيهِ أَيْضا وأجاد
(أَقسَمْتُ بالقَلم الحسام فَلَمْ يزلْ ... يَرْدَى بِهِ حَيٌّ ويَنْتَاش الرَّدِي)
(وَإِذا رَضيتَ فريقُهُ أرَبى وَإِن ... أَضْمَرت سُخطا مجَّ سَمِعت الأُسْوَدِ)
(فَكَأَنَّهُ فلك بكفك دائرٌ ... يُجري النُّجُوم بأنحُسٍ وبأسعُدِ) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول الآخر فِيهِ
(قلم يفل الْجَيْش وَهُوَ عرمْرَمٌ ... وَالْبيض مَا سُلَّت من الأغماد)
(وهبت لَهُ الآجام حِين نشا بهَا ... كرمَ السُّيُول وصولةَ الآساد) // الْكَامِل //
وَقَول التهامي فِيهِ أَيْضا
(قلم يقلِّم ظُفْرَ كل ملمةٍ ... ويكفّ كفَّ حوادث الْأَيَّام) // الْكَامِل //
وَقَول أبي سعيد بن بوقة
(قلم يمجُّ على العداة سمامهُ ... لكنه للمرتجين سَمَاء)
(كم قد أسَلتَ بِهِ لعبدك ريقةً ... سوداءَ فِيهَا نعمةٌ بيضاءُ) // الْكَامِل //
ومحاسن ابْن المعتز كَثِيرَة وَكَانَ قَتله فِي ربيع الآخر سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ ﵀ وسامحه
стр. 430
٨٠ - (يُقْعِي جلوسَ البَدَويِّ المُصْطَلى ... )
قَائِله المتنبي من أرجوزة قَالَهَا ارتجالاً فِي مَجْلِسه يصف كَلْبا أَخذ ظَبْيًا وَحده بِغَيْر صقر وأولها
(ومنزل ليسَ لنا بمنزل ... وَلَا لِغَير الغَادياتِ الهُطَّلِ)
(نَدى الخزامىَ ذَفرِ القَرَنفُل ... مُحَلَّلٍ مِلْوَحْشِ لم يَحلَّلِ)
(عَنَّ لنا فِيهِ مُرَاعِي مُغْزلِ ... مُحَيَّنُ النَّفس بعيدُ الموْئِل)
(كأنّه مُضَمَّخٌ بصَنْدَلِ ... مُعْتَرضًا بِمثل قَرْنِ الأيِّل)
(يحول بَين الْكَلْب والتأمُّل ... فحلَّ كلَاّبي وثَاق الأحْبلِ)
(عنْ أشدقٍ مُسَوْجَرٍٍ مُسلسلٍ ... أقبّ ساطٍ شَرِسٍ شَمَرْدلٍ)
(مِنها إِذا يُثْغَ لَهُ لَا يغزل ... مؤجِّد الفِقْرَةِ رخو الْمفصل)
(لَهُ إِذا أدبر لحظُ المقبِلِ ... يعدو إِذا أَحْزَن عَدْوَ المُسْهِلِ)
(إِذا تلَا جَاءَ المدَى وقدْ تُلِي ... )
وَبعده الْبَيْت وَبعده
стр. 431
(بأرْبع مَجْدُولة لم تُجدَلِ ... فُتْلِ الأيادي رَبِذَاتِ الأرجُلِ)
(آثارُها أَمثالُها فِي الجندَلِ ... يكادُ فِي الوثبِ من التفتُّلِ)
(يجمعُ بَين متنهِ والكلْكَلِ ... وَبَين أعلاهُ وَبَين الأسفلِ)
وَهِي طَوِيلَة
والإقعاء الْجُلُوس على الأليتين والمصطلى المتدفئ بالنَّار
وَالشَّاهِد فِيهِ وُقُوع التَّرْكِيب فِي هَيْئَة السّكُون لوجه الشّبَه من الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من موقع كل عُضْو من الْكَلْب فِي إقعائه فَإِنَّهُ يكون لكل عُضْو مِنْهُ موقع خَاص وَالْمَجْمُوع صُورَة خَاصَّة مؤلفة من تِلْكَ المواقع وَكَذَلِكَ صُورَة جُلُوس البدوي عِنْد الاصطلاء بالنَّار الموقدة على الأَرْض
وَفِي مثل ذَلِك قَول الأخيطل الْأَهْوَازِي يصف مصلوبا
(كَأَنَّهُ عاشقٌ قد مدَّ صفحتهُ ... يومَ الْفِرَاق إِلَى توديع مُرتحلِ)
(أَو قَائِم من نُعاس فِيهِ لُوثَتهُ ... مُواصلٌ لتمطِّيهِ من الكسل) // الْبَسِيط //
شبهه بالمتمطي المواصل لتمطيه مَعَ التَّعَرُّض لسببه وَهُوَ اللوثة والكسل فَنظر إِلَى الْجِهَات الثَّلَاث فلطف بِحَسب التَّرْكِيب وَالتَّفْصِيل بِخِلَاف تشبيهه بالمتمطي فَإِنَّهُ قريب التَّنَاوُل يَقع فِي نفس الرَّائِي للمصلوب لكَونه أمرا جلياً
وَقد أحسن ابْن الرُّومِي فِي وصف المصلوب بقوله
(كَأَن لَهُ فِي الجوّ حبلاً يَبُوعُهُ ... إِذا مَا انْقَضى حبْلٌ أُتيح لَهُ حبلُ)
(يُعانقُ أنفاسَ الرياحِ مُودَّعاً ... وَدَاعَ رحيلٍ لَا يحطّ لَهُ رَحل) // الطَّوِيل //
стр. 432
وللبحتري فِيهِ
(فتراهُ مطرداً على أعوادهِ ... مثلَ اطرادِ كواكبِ الجوزاء)
(مستشرفاً للشمس منتصباً لَهَا ... فِي أخريات الجذعِ كالحرباء) // الْكَامِل //
وَلابْن المعتز فِيهِ
(أرَانيكَ الإلهُ قرينَ جذعٍ ... يضمكَ غيرَ ضم الِالْتِزَام)
(كلُوطِيٍّ لهُ أيرٌ طَويلٌ ... يفخد للمواجر منْ قيامِ) // الوافر //
ولإبراهيم بن الْمهْدي فِيهِ
(كأنهُ شِلوُ كبشٍ والهجيرُ لهُ ... تَنُّورُ شاويةٍ والجذعُ سَفُّودُ) // الْبَسِيط //
وَلابْن حمديس فِيهِ
(ومُرتفعٍ فِي الْجذع إِذ حُطَّ قدرُهُ ... أَساء إِلَيْهِ ظالمٌ وَهُوَ محسنُ)
(كذي غَرَقٍ مدَّ الذرَاعين سابِحاً ... من الجوّ بحراً عومُهُ لَيْسَ يمكنُ)
(وتحسبهُ من جنَّة الْخلد دانياً ... يعانقُ حوراً لَا تراهن أعين) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول ابْن الْأَنْبَارِي فِي ابْن بَقِيَّة الْوَزير لما صلب من أَبْيَات
(كأنَّ النَّاس حولكَ حينَ قامُوا ... وُفُودُ يديكَ أيامَ الصِّلاتِ)
(كأنكَ قائمٌ فيهمْ خَطِيبًا ... وكلهُّمُ قيامٌ للصَّلَاة) // الوافر //
وَقد أَخذ معنى الْبَيْت الأول من قَول ابْن المعتز
(وصلَّوْا عليهِ خاشعين كأنهمْ ... وُفُودٌ وُقوفٌ للسلام عَلَيْهِ) // الطَّوِيل //
стр. 433
ولعمر الْخَرَّاط فِيهِ
(انظرْ إليهِ كَأَنَّهُ فِي وَصفه ... متظلم لَحَظَ السَّمَاء بطرفهِ)
(بسطَ الْيَدَيْنِ كأنهُ يدعوُ على ... من قد أشارَ على الْأَمِير بحتفه) // الْكَامِل //
وللفقيه عمَارَة اليمني فِيهِ
(ومَدَّ على صَليبٍ الصَّلبِ منهُ ... يَمِينا لَا تَطولُ إِلَى شمالِ)
(ونكَّسَ رأسَهُ لعتابِ قَلب ... دَعاهُ إِلَى الغَوايةِ والضَّلَالِ) // الوافر //
وَمن العجيب أَنه صلب بعد قَوْله هَذَا بِقَلِيل صلبه الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَكَانَت هَذِه الْكَلِمَات كالفأل عَلَيْهِ وَله فِي مَعْنَاهُ أَيْضا
(وَرَأَتْ يَدَاهُ عظيمَ مَا جَنَتا ... فَفَرَرنَ ذِي شَرْقاً وَذي غَرْبا)
(وأمالَ نحوَ الصدرِ منهُ فَمَا ... ليَلومَ فِي أفْعَالهِ القلبا) // الْكَامِل //
٨١ - (كَمَا أبرقت قوما عِطَاشاً غَمَامَةٌ ... فلمَّا رَأوْهَا أقْشَعَتْ وتجَلَّتِ)
الْبَيْت من الطَّوِيل وَلَا أعرف قَائِله
وَالْمعْنَى أبرقت الغمامة للْقَوْم فَحذف الْجَار وأوصل الْفِعْل وَمعنى أقشعت وتجلت تَفَرَّقت وانكشفت
وَالشَّاهِد فِيهِ الْمركب الْعقلِيّ من وَجه الشّبَه وَأَنه قد ينْزع من مُتَعَدد فَيَقَع الْخَطَأ لوُجُوب انْتِزَاعه من أَكثر كَمَا إِذا انتزع وَجه الشّبَه من الشّطْر الأول من الْبَيْت فَإِنَّهُ يكون خطأ لوُجُوب انْتِزَاعه من جَمِيعه فَإِن المُرَاد تَشْبِيه الْحَالة
стр. 434
الْمَذْكُورَة فِي الأبيات السَّابِقَة على هَذَا الْبَيْت بِظُهُور الغمامة لقوم عطاش ثمَّ تفرقها وانكشافها بِوَاسِطَة اتِّصَال مطمع بانتهاء مؤنس لِأَن الْبَيْت مثل فِي أَن يظْهر للْمُضْطَر إِلَى الشَّيْء الشَّديد الْحَاجة إِلَيْهِ أَمارَة وجوده ثمَّ يفوتهُ وَيبقى تحسره وَزِيَادَة ترجيه
وَفِي مَعْنَاهُ قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(وشمْتُكَ إِذْ أَقبلت فِي عارِض الغِنَى ... فأقْلَعْتَ لم تَنْبض بِرِيٍّ وَلَا مَحْلِ) // الطَّوِيل //
وَقَول بشار بن برد
(أظَلَّتْ علينا منكَ يَوْمًا سَحابةٌ ... أضاءَت لنا برقا وأبْطَا رَشاشُهَا)
(فَلَا غَيْمُها يُجْلي فيَيْأَسَ طامعٌ ... وَلَا غيْثها يَأْتِي فَيرْوَي عِطاشهُا) // الطَّوِيل //
وَقَوله
(لمروان مواعد كاذبات ... كَمَا برق الْحيَاء وَمَا استهلا) // الوافر //
وَالْأَصْل فِيهِ قَول الْأَحْوَص
(وكنْتُ وَمَا أمَّلْتُ مِنْك كَبارقٍ ... لوى قطره من بعد مَا كَانَ غيما) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
(أَلا إِنَّمَا الدُّنْيَا كَظِلِّ غَمَامَةٍ ... إِذَا مَا رَجاها المسْتَهِلُّ اضمَحَلَّتِ)
(فَلَا تكُ مِفْرَاحاً إِذا هِيَ أقْبلَتْ ... وَلَا تَكُ مْحِزَاناً إِذا مَا تولت) // الطَّوِيل //
وَلابْن الطراوة النَّحْوِيّ فِي معنى الْبَيْت وَقد خَرجُوا ليستسقوا على إِثْر قحط فِي يَوْم غامت سماؤه فَزَالَ ذَلِك عِنْد خُرُوجهمْ
(خَرَجوا ليَسْتَسْقُوا وَقد نَشأت ... بَحْريَّةٌ قَمِنٌ بهَا السَّحُّ)
(حَتَّى إِذا اصْطَفُّوا لدعوتهم ... وبدا لأعينُهم بهَا نَضْحُ)
(كُشِف الغمامُ إِجَابَة لهمُ ... فكأنهم خَرجُوا ليستصحوا) // الْكَامِل //
وَقد سبقه إِلَى ذَلِك أَبُو عَليّ المحسن التنوخي فَقَالَ
стр. 435
(خرجنَا لنستسقي بيُمْنِ دُعائهِ ... وَقد كَاد هُدْبُ الْغَيْم أَن يلبس الأرضا)
(فَلَمَّا بدا يَدْعُو تَقَشَّعت السما ... فَمَا تمّ إِلَّا والغمامُ قد ارفضا) // الطَّوِيل //
وَمِنْه قَول بَعضهم
(لما بدا وجهُ السَّمَاء لهمْ ... مُتَجهِّماً لم يُبْدِ أنَواءَ)
(قَامُوا ليَستسقوا الإلهَ لَهُم ... غَيْثاً فَلم يسقيهم المَاء) // الْكَامِل //
٨٢ - (فَإِن تَفُقِ الأنامَ وأنتَ مِنهُمْ ... فإنَّ الْمسك بعض دم الغَزَالِ)
الْبَيْت لأبي الطّيب المتنبي من قصيدة من الوافر يرثي بهَا وَالِدَة سيف الدولة بن حمدَان أَولهَا
(نُعِدُّ المْشَرفيَّة والعَوالي ... وتَقْتلنا المنُونُ بِلَا قِتَالِ)
(ونرْتَبطُ السَّوابِقَ مُقرَبَاتٍ ... وَمَا يُنْجينَ من خبب اللَّيَالِي) // الوافر // وَهِي طَوِيلَة وَقبل الْبَيْت قَوْله يُخَاطب سيف الدولة
(رَأيتُكَ فِي الَّذين أرى ملُوكاً ... كأَنكَ مُستقيمٌ فِي مَحالِ)
حكى أَن المتنبي قيل لَهُ إِن الْمحَال لَا يُطَابق الاسْتقَامَة وَلَكِن القافية ألجأتك إِلَى ذَلِك فَلَو فرض أَنَّك قلت كَأَنَّك مُسْتَقِيم فِي اعوجاج كَيفَ كنت تصنع فِي الثَّانِي فَقَالَ وَلم يتَوَقَّف فَإِن الْبيض بعض دم الدَّجَاج فَاسْتحْسن هَذَا من بديهته
وَالشَّاهِد فِيهِ بَيَان أَن الْمُشبه أَمر مُمكن الْوُجُود وَذَلِكَ فِي كل أَمر غَرِيب يُمكن أَن يُخَالف فِيهِ وَيَدعِي امْتِنَاعه فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن يَقُول إِن الممدوح
стр. 436
قد فاق النَّاس بِحَيْثُ لم يبْق بَينه وَبينهمْ مشابهة بِوَجْه بل صَار أصلا بِرَأْسِهِ وجنساً بمفرده وَهَذَا فِي الظَّاهِر كالممتنع لاستبعاد أَن تتناهى بعض آحَاد النَّوْع فِي الْفَضَائِل الْخَاصَّة بذلك النَّوْع إِلَى أَن يصير كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا فاحتج لهَذِهِ الدَّعْوَى وَبَين إمكانها بِأَن شبه حَاله بِحَال الْمسك الَّذِي هُوَ من الدِّمَاء ثمَّ إِنَّه لَا يعد مِنْهَا لما فِيهِ من الْأَوْصَاف الشَّرِيفَة الَّتِي لَا تُوجد فِي الدَّم وَيُسمى مثل هَذَا تَشْبِيها ضمنياً أَو مكنياً عَنهُ لدلَالَة الْبَيْت عَلَيْهِ ضمنا
وَقد أحسن السراج الْوراق تَضْمِينه بقوله
(وأصْيَدَ ظلَّ يدركُ يومَ صَيْدِ ... طَرائدَهُ بجُردٍ كالسِّعَالي)
(فَإِن عَبَقَتْ لنا يمناهُ مسكا ... فَإِن الْمسك بعض دم الغزال) // الوافر //
والشهاب ابْن بنت الْأَعَز بقوله
(وَقَالُوا بالعِذَارِ تَسَلَّ عَنهُ ... وَمَا أَنا عَن غزالِ الحْسنِ سَالي)
(وإنْ أبْدَتْ لنا خَدَّاهُ مسكاً ... فَإِن الْمسك بعض دم الغزال) // الوافر //
وَيُشبه قَول أبي الطّيب المتنبي هُنَا فِي سيف الدولة قَوْله فِي عضد الدولة
(وَلَوْلَا كَونكم فِي الناسِ كَانُوا ... هُرَاءَ كَالْكَلَامِ بِلَا معانِ) // الوافر //
وَمثله قَول يحيى بن بَقِي
(هَل يَسْتَوي النَّاس قَالُوا كلُّنا بَشَرٌ ... فالمنْدَلُ الرطبُ والطرفاءُ أَعْوَاد) // الْبَسِيط //
وللغزي فِي مثله
(فلَا غروَ إِن كنتَ بَعضَ الورَى ... فإِنَّ اليَلَنْجُوجَ بعضُ الْحَطب) // المتقارب //
стр. 437
وَمِنْه قَول خلف بن عبد الْعَزِيز النَّحْوِيّ
(مَا أنتَ بعضَ النَّاس إلَاّ مثل مَا ... بعضُ الْحَصَا الياقوتة الْحَمْرَاء) // الْكَامِل //
وللحصري فِيهِ
(أَبَا بكرٍ أَن أَصبَحت بعضَ ملوكهمْ ... فإِن اللَّيَالِي بعضُها لَيْلَة الْقدر) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول ابْن قلاقس وأجاد
(أنشرْتَ من آبائكَ الصيدِ الأولى ... ذكرا لسانُ الدَّهْر ناشر نَشْرهِ)
(كرُمُوا فزدتَ عليهمُ فكأنهمْ ... شهرُ الصّيام وأنتَ ليلةُ قدره) // الْكَامِل //
وَمثله قَول التهامي
(لقدْ شرّفَ الرحمنُ قدرَكَ فِي الورى ... كَمَا فِي اللَّيَالِي شُرِّفَتْ ليلةُ القدرِ)
(وَإِن كنتَ من جنس البرايا وفقتهُمْ ... فللمسك نشرٌ لَيْسَ يوجَدُ فِي العطرِ) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول شيخ الشُّيُوخ ﵀
(فَاقَتْ بيوسفُها الدُّنْيَا وفاحَ لَهَا ... طيبٌ طوى المسكَ من نشرٍ لَهَا أرجِ)
(فَإِن يُشارِكْهُ فِي اسْم الْملك طائفةٌ ... فَإِن شمس الضُّحَى من جملَة السُّرُجِ) // الْبَسِيط //
وَمثله قَول عبد الصَّمد بن بابك
(تقاعسَ عنكَ الفاخرون فأحجموا ... وخيْلُ المغاني غيرُ خيل المواكبِ)
(فَإِن زَعمَ الأملاكُ أنَّكَ منهُمُ ... فَخاراً فَإِن الشَّمْس بعضُ الْكَوَاكِب) // الطَّوِيل //
وَمن البديع فِي مَعْنَاهُ قَول ابْن شرف القيرواني
(سَلكَ الورى آثَار فضلكَ فانثنى ... متكلف عَن مسلكٍ مطبوعِ)
(أبناءُ جنسكَ فِي الحلى لَا فِي العُلَا ... وأقولُ قولا لَيْسَ بالمدفوع) // الْكَامِل //
أبدا ترى الْبَيْتَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي المعني ويتفقان فِي التقطيع
стр. 438
وَفِي مقلوب معنى الْبَيْت قَول الصاحب بن عباد يهجو
(أبوكَ أَبُو عليّ ذُو اعتلاءٍ ... إِذا عُدَّ الكرَامُ وأنتَ نَجْلُهْ)
(وَإِن أباكَ إِذْ تُعُزَى إليهِ ... لكالطَّاووس تقبُحُ منهُ رجلهْ) // الوافر //
٨٣ - (وَلَا زور دِيَة تزهو برُرْقتِها ... وسْطَ الرياض على حُمْر اليواقيت)
(كَأَنَّهَا وضعافُ القضب تحملهَا ... أوائلٌ النَّار فِي أَطْرَاف كبريتِ)
البيتان لِابْنِ الرُّومِي يصف البنفسج وقبلهما
(بنفسجٌ جُمِعَتْ أوْرَاقُهُ فحكىَ ... كُحلاً تَشَرِّبَ دَمعاً يَوْم تشتيتِ)
وَهِي من قصيدة من الْبَسِيط
وَالشَّاهِد فيهمَا كَون الْمُشبه بِهِ نَادِر الْحُضُور فِي الذِّهْن عِنْد حُضُور الْمُشبه فَإِن صُورَة اتِّصَال النَّار بأطراف الكبريت ينْدر حُضُورهَا فِي الذِّهْن عِنْد حُضُور صُورَة البنفسج فيستطرف لمشاهدة عنَاق بَين صُورَتَيْنِ متباعدتين غَايَة التباعد فَإِنَّهُ أَرَاك شبها لنبات غض يرف وأوراق رطبَة من لَهب نَار استولى عَلَيْهِ اليبس ومبنى الطبائع على أَن الشَّيْء إِذا ظهر من مَوضِع لم يعْهَد ظُهُوره مِنْهُ كَانَ ميل النُّفُوس إِلَيْهِ أَكثر وَهِي بالشغف بِهِ وأجدر
وَهَذَا البيتان من نَادِر التَّشْبِيه وغريبه وَلَيْسَ يعدلهما إِلَّا قَول النميري
стр. 439
(بَنفسجٌ بذكِيِّ الْمسك مخصوصُ ... مَا فِي زمانكَ إِن وافاكَ تنغيص)
(كَأَنَّمَا شغل الكبريت منظره ... أوخد أغيدَ بالتخميش مَقْروصُ) // الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
(مَا زلتُ من شغفي ألمعُ كفهَا ... وذراعها بالقَرْص والآثارِ)
(حَتَّى جعلتُ أدِيمَهَا وكأنما ... غُرِسَ البنفسجُ فِي نقَا الجمارِ) // الْكَامِل //
وَقد لطف ابْن كيغلغ فِي اسْتِعَارَة الْمَعْنى فَقَالَ
(لما الْتَقَيْنَا للودَاعِ وأعرَبتْ ... عبراتُنا عَنَّا بِدمعِ ناطقِ)
(فرْقنَ بينَ محاجرٍ ومعاجرٍ ... وجمعنَ بينَ بَنفسجٍ وشقائق) // الْكَامِل //
واستعارة أَبُو تَمام فِي قَوْله
(لَهَا من لوعة البينِ التدامٌ ... يُعيدُ بنفسجاً ورْدَ الخدودِ) // الوافر //
وَقَوله التدام مِمَّا أَخذ عَلَيْهِ بِهِ فِي جملَة مَا أَخذ
٨٤ - (وبَدَا الصباحُ كأنَّ غُرَّتهُ ... وَجْهُ الْخَلِيفَة حِين يُمتدحُ)
الْبَيْت لمُحَمد بن وهيب الْحِمْيَرِي من قصيدة من الْكَامِل يمدح بهَا الْمَأْمُون أَولهَا
(العذرُ إِن أنصفتَ متضحُ ... وشهودُ حبكَ أدمُعٌ سفُحُ)
стр. 440
(وَإِذا تكلمتِ العيونُ علىَ ... إعْجامها فالسرُّ مفتضحُ)
(فضحتْ ضميرَكَ عَن ودَائعهِ ... إِن الجفون نواطقٌ فُصُحُ)
(رُبَمَا أبيتُ مُعانقي قمرٌ ... لِلْحسنِ فِيهِ مخايلٌ تَضِحُ)
(نشرّ الجمالُ على مَحَاسنهِ ... بِدَعاً وأذهَبَ همهُ الْفَرح)
(يختال فِي حُلَلِ الشبابِ بِه ... مَرَحٌ وَدَاؤُكَ أَنه مرح)
(مَا زَالَ يُلْثمني مَرَاشفهُ ... ويعلّني الإِبريقُ والقدحُ)
(حَتَّى استردَّ الليلُ خِلعتَهُ ... ونشَا خِلَال سَوادِهِ وضح) // الْكَامِل //
وَبعده الْبَيْت ثمَّ إِنَّه يَقُول فِيهَا
(نشرَتْ بكَ الدُّنيا محاسنها ... وتزَينتْ بصفاتكَ المِدَحُ)
(وكأنَّ مَا قد غابَ عنكَ لهُ ... بإِزاء طرفكَ عارضاً شبَحُ)
(وإِذا سَلمْتَ فكلُّ حَادِثَة ... جَلَلٌ فلَا بُؤْسٌ وَلَا تَرحُ)
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت إِيهَام أَن الْمُشبه بِهِ أتم من الْمُشبه وَيُسمى التَّشْبِيه
стр. 441
المقلوب فَإِنَّهُ قصد إِيهَام أَن وَجه الْخَلِيفَة أتم من الصَّباح فِي الوضوح والضياء وَفِي قَوْله حِين يمتدح دلَالَة على اتصاف الممدوح بِمَعْرِِفَة حق المادح وتعظيم شَأْنه عِنْد الْحَاضِرين بالإصغاء إِلَيْهِ والارتياح لَهُ وعَلى كَونه كَامِلا فِي الْكَرم يَتَّصِف بالبشر والطلاقة عِنْد اسْتِمَاع المديح
وَفِي مَعْنَاهُ قَول البحتري
(كَأَن سَنَاها بالعَشِيِّ لصبُحها ... تبَسُّمُ عِيسَى حِين يلفظُ بالوعْدِ) // الطَّوِيل //
وَتقدم ذكر ابْن وهيب فِي شَوَاهِد الْمسند
٨٥ - (تَشَابَهَ دَمْعِي إِذْ جَرَى وَمُدَامَتي ... فمِنْ مِثْل مَا فِي الكأسِ عَيْنَي تَسْكبُ)
(فوَاللَّه مَا أَدْري أَبالخمر أسْبَلَتْ ... جُفونيَ أمْ من عَبْرَتي كُنْتُ أشْرَبُ)
البيتان لأبي إِسْحَاق الصابي من الطَّوِيل وَرَأَيْت فِي الْيَتِيمَة الْبَيْت الأول بِلَفْظ تورد بدل تشابه
وَالشَّاهِد فيهمَا ترك التَّشْبِيه والعدول إِلَى الحكم بالتشابه ليَكُون كل وَاحِد من الشَّيْئَيْنِ مشبهاً ومشبهاً بِهِ احْتِرَازًا من تَرْجِيح أحد المتساويين فِي وَجه الشّبَه فَإِن الشَّاعِر لما اعْتقد التَّسَاوِي بَين الْخمر والدمع وَلم يعْتَقد أَن أَحدهمَا زَائِد فِي الْحمرَة وَالْآخر نَاقص يلْحق بِهِ حكم بَينهمَا بالتشابه وَترك التَّشْبِيه
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الصاحب بن عباد
стр. 442
(رقَّ الزجاجُ ورَاقَتِ الخمرُ ... وتَشَابها فَتشاكلَ الْأَمر)
(فَكَأَنَّمَا خمرٌ وَلَا قَدَحٌ ... وكأنما قدح وَلَا خمر) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا من أَبْيَات
(مُتغايرات قد جمِعْنَ وكلُّها ... مُتشاكلٌ أشْباحُها أرْواحُ)
(وَإِذا أرَدتَ مُصَرَّحاً تَفسيرها ... فالرَّاحُ والمِصباحُ والتُّفاحُ)
(لم يَعلم السَّاقي وَقد جُمِّعَن لي ... من أَي هذي تملأ الأقداح) // الْكَامِل //
وَمثله مَا كتب بِهِ أَبُو الْوَلِيد بن زيدون إِلَى الْمُعْتَمد بن عباد صَاحب إشبيلية مَعَ تفاح أهداه إِلَيْهِ
(يَا من تَزينت السِّيَادَة ... حِين أُلْبسَ ثوبهَا)
(جاءتك جامدة المدام ... فَخذ عَلَيْهَا ذَوْبهَا) // من مجزوء الْكَامِل //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الخليع
(الرَّاحُ تفاحٌ جرى ذائباً ... كَذَلِك التُّفْاحُ راحٌ جمَدْ)
(فاشْرَب على جامده ذُوْبَهُ ... وَلَا تَدَعْ لَذَّة يَوْم لغد) // السَّرِيع //
وللسري الرفاء فِي مَعْنَاهُ
(وَقد أَضَاءَت نجومُ مَجْلِسنَا ... حَتَّى اكتسى غرَّة وأوضاحا)
(لَو جمَدَتْ راحُنا اغتدت ذَهَبا ... أَو ذابَ تفاحنا اغتدى رَاحا) // المنسرح //
ولطاهر العتابي فِي هَذَا الْمَعْنى
(أيا لَيْلَة قد بت أهزمُ بردَها ... بجيشين من خمر عَتيق وَمن جَمْرِ)
стр. 443
(فطوراً أَظن الْخمر من ذوب جمرها ... وطوراً أَظن الْجَمْر من جَمِدَ الْخمر) // الطَّوِيل //
والصابي هُوَ إِبْرَاهِيم بن هِلَال بن هَارُون الْحَرَّانِي قَالَ فِي حَقه أَبُو مَنْصُور الثعالبي هُوَ أوحد الْعرَاق فِي البلاغة وَمن بِهِ تثنى الخناصر فِي الْكِتَابَة وتتفق الشَّهَادَات لَهُ ببلوغ الْغَايَة من البراعة فِي الصِّنَاعَة وَكَانَ قد بلغ التسعين فِي خدمَة الْخُلَفَاء وَخِلَافَة الوزراء وتقلد الْأَعْمَال الجلائل مَعَ ديوَان الرسائل وحلب الدَّهْر أشطره وذاق حلوه ومره ولابس خَيره ومارس شَره ورئس وَرَأس وخدم وخدم ومدحه شعراء الْعرَاق فِي جملَة الرؤساء وشاع ذكره فِي الْآفَاق وَدون لَهُ من الْكَلَام الْبَهِي النقي الْعلوِي مَا تناثرت درره وتكاثرت غرره وَفِيه يَقُول بعض أهل الْعَصْر
(أصبحْتُ مُشتاقاً حَليفَ صَبابةٍ ... برَسائلِ الصابي أبي إِسحَاقِ)
(صَوبُ البلاغَة وَالحلاوَةِ والحِجَى ... ذَوْبُ البراعةِ سَلوةُ العُشاقِ)
(طَوْراً كَمَا رَقَّ النسيمُ وتارَةً ... يحْكى لنا الأطواقَ فِي الأعْنَاقِ)
(لَا يَبْلُغ البُلغاءُ شأوَ مبرز ... كتبت بدائعه على الأحداق) // الْكَامِل //
وَيَقُول أَيْضا
(يَا بؤس من يُمْنَى بدمع ساجم ... يَهْمِي على حُجُبِ الْفُؤَاد الوجم)
(لَوْلَا تعللهُ بكأسِ مُدَامَةٍ ... ورَسائل الصَّابي وَشعر كشاجم) // الْكَامِل //
стр. 444
ويحكى أَن الْخُلَفَاء والملوك والوزراء راودوه كثيرا على الْإِسْلَام وأداروه بِكُل حِيلَة وتمنية جميلَة حَتَّى إِن السُّلْطَان بختيار عرض عَلَيْهِ الوزارة إِن أسلم فَلم يهده الله تَعَالَى لِلْإِسْلَامِ كَمَا هداه إِلَى محَاسِن الْكَلَام وَكَانَ يعاشر الْمُسلمين أحسن عشرَة ويخدم الأكابر أوقع خدمَة ويساعدهم على صِيَام شهر رَمَضَان ويحفظ الْقُرْآن الْكَرِيم حفظا يَدُور على طرف لِسَانه وَسن قلمه وَكَانَ فِي أَيَّام شبابه واقتباله أحسن حَالا وأرخى بالأمنه فِي أَيَّام استكماله وَفِي زمن اكتهاله أورى زنداً وأسعد جدا مِنْهُ حِين مَسّه الْكبر وَأخذ مِنْهُ الْهَرم فَفِي ذَلِك يَقُول من قصيدة فِي فنها فريدة كتب بهَا إِلَى الصاحب يشكو بثه وحزنه ويستمطر سَحَابَة وحزنه بعد أَن كَانَ يخاطبه بِالْكَاف وَلَا يرفعهُ عَن رُتْبَة الْأَكفاء
(عجبا لحظي إِذْ أرَاهُ مُصالحي ... عَصْرَ الشَّبَاب فِي المشيب مغاضبي)
(أمنَ الغَواني كانَ حَتَّى خانني ... شَيخا وكانَ لَدَى الشبيبَةِ صَاحِبي)
(أمَعَ التَضعضع مَلَّنِي متجنباً ... وَمَعَ التَّرَعرع كَانَ غير مجانبي)
(يَا لَيْت صَبْوَته إلىَّ تأخَّرَت ... حَتَّى تكون ذخيرةً لعواقبي) // الْكَامِل //
وَكَانَ المهلبي لَا يرى الدُّنْيَا إِلَّا بِهِ ويحن إِلَى براعته وَتقدم قدمه ويصطنعه لنَفسِهِ ويستدعيه فِي أَوْقَات أنسه فَلَمَّا مَاتَ المهلبي وَأَبُو إِسْحَاق
стр. 445
يَلِي ديوَان الرسائل والخلافة على ديوَان الوزارة اعتقل فِي جملَة عُمَّال المهلبي وَأَصْحَابه فَمن قَوْله فِي ذَلِك الاعتقال من قصيدة
(يَا أَيهَا الرُّؤساءُ دعوةَ خَادِمٍ ... أَوْفَتْ رَسائلهُ على التعديدِ)
(أيجوزُ فِي حكمِ المُرُوءةِ عندكَمْ ... حبسي وَطول تهدودي وَوعيدي)
(أَنسيتمُ كتبا شحنت فُصولَهَا ... بفصول دُرّ عنكمُ منضودِ)
(ورسائلاً نَفَذَتْ إِلَى أطرافكمْ ... عبدُ الحميد بهنّ غيرُ حميدِ)
(يهتزُّ سامعُهنّ من طَرَبٍ كَمَا ... هزّ النديمَ سمَاعُ صوتِ العودِ) // الْكَامِل //
وَمِنْهَا
(قصرَتْ خُطاهُ خلَاخلٌ من قَيده ... فتراه فِيهَا كالفتاة الرُّودِ)
(يمشي الهوَيْني ذِلةً لَا عزة ... مشيَ النزيفِ الخائفِ المزؤدِ)
وَلما خلى عَنهُ وأعيد إِلَى عمله لم يزل يطير وَيَقَع وينخفض ويرتفع إِلَى أَن دفع فِي أَيَّام عضد الدولة إِلَى النكبة الْعُظْمَى والطامة الْكُبْرَى إِذْ كَانَ فِي صَدره حزازات كَثِيرَة من إنشا آتٍ لَهُ عَن الْخَلِيفَة وَعَن بختيار نقمها مِنْهُ واحتقدها عَلَيْهِ قيل كَانَ من أقوى أَسبَاب تغير عضد الدولة على أبي إِسْحَاق بعد ميله إِلَيْهِ وضنه بِهِ فصلٌ لَهُ من كتاب أنشأه عَن الْخَلِيفَة فِي شَأْن بختيار وَهُوَ وَقد جدد لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ هَذِه المساعي السوابق والمعالي
стр. 446
السوامق الَّتِي يلْزم كل دَان وَقاص وعام وخاص أَن يعرف لَهُ حق مَا أكْرم بِهِ مِنْهَا ويتزحزح عَن رُتْبَة الْمُمَاثلَة فِيهَا فَإِن عضد الدولة أنكر هَذِه اللَّفْظَة أَشد إِنْكَار وَلم يشك فِي التَّعْرِيض بِهِ وأسرها فِي نَفسه إِلَى أَن ملك بَغْدَاد وَسَائِر الْعرَاق وَأمر أَبَا إِسْحَاق بتأليف كتاب فِي أَخْبَار الدولة الديلمية يشْتَمل على ذكر قديمَة وحديثة وَشرح سيره وحروبه وفتوحه فامتثل أمره وافتتح كِتَابه المترجم بالتاجي واشتغل بِهِ فِي منزله وَأخذ يتأنق فِي تصنيفه وترصيفه وَينْفق من روحه على تقريظه وتشنيفه فَرفع إِلَى عضد الدولة أَن صديقا للصابي دخل إِلَيْهِ فَرَآهُ فِي شغل شاغل من التَّعْلِيق والتسويد والتبديل والتبيض فَسَأَلَهُ عَمَّا يعْمل من ذَلِك فَقَالَ أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها فانضاف تَأْثِير هَذِه الْكَلِمَة فِي قلب عضد الدولة إِلَى مَا كَانَ فِي نَفسه من أبي إِسْحَاق وتحرك من ضغنه السَّاكِن وثار من سخطه الكامن فَأمر أَن يلقى تَحت أرجل الفيلة فأكب جمَاعَة من أَرْبَاب الدولة على الأَرْض يقبلونها بَين يَدَيْهِ ويشفعون إِلَيْهِ فِي أمره ويتلطفون فِي استيهابه إِلَى أَن أَمر باستحيائه مَعَ الْقَبْض عَلَيْهِ وعَلى أَسبَابه واستصفاء أَمْوَاله فَبَقيَ فِي ذَلِك الاعتقال بضع سِنِين إِلَى أَن تخلص فِي آخر أَيَّام عضد الدولة وَقد رزحت حَاله وتهتك ستره
وَكَانَ الصاحب ابْن عباد يُحِبهُ أَشد الْحبّ ويتعصب لَهُ ويتعهده على بعد الدَّار بالمنح والصابي يخْدم حَضرته بالمدح وَكَانَ الصاحب يتَمَنَّى انحيازه إِلَيْهِ وقدومه عَلَيْهِ وَيضمن لَهُ الرغائب على ذَلِك إِمَّا تشوقاً أَو تشرفاً وَكَانَ هُوَ يحْتَمل ثقل الْخلَّة وَسُوء أثر العطلة وَلَا يتواضع للاتصال بجملة الصاحب بعد كَونه من نظرائه وتحليه بالرياسة فِي أَيَّامه
وَكَانَ الصاحب كثيرا مَا يَقُول كتاب الدُّنْيَا وبلغاء الْعَصْر أَرْبَعَة
стр. 447
الْأُسْتَاذ ابْن العميد وَأَبُو الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن يُوسُف وَأَبُو إِسْحَاق الصابي وَلَو شِئْت لذكرت الرَّابِع يَعْنِي نَفسه
فَأَما التَّرْجِيح بَين هذَيْن الصادين أَعنِي الصاحب والصابي فقد خَاضَ فِيهِ الخائضون وخب فِيهِ المخبون وَمن أشف مَا سمعته من ذَلِك أَن الصاحب كَانَ يكْتب كَمَا يُرِيد والصابي يكْتب كَمَا يُؤمر أَي كَمَا يُرَاد وَبَين الْحَالين بونٌ بعيد وَكَيف جرى الْأَمر فهما هما وَلَقَد وقف فلك البلاغة بعدهمَا
ولنذكر نبذا من نثره ونظمه لتَكون كالعنوان على محاسنه
فَمن ذَلِك فصل لَهُ من كتاب إِلَى عضد الدولة فِي التهنئة بتحويل سنة أسأَل الله مبتهلاً لَدَيْهِ مَادًّا يَدي إِلَيْهِ أَن يحِيل على مَوْلَانَا هَذِه السّنة وَمَا يتلوها من أخواتها بالصالحات الْبَاقِيَات والزيادات الغامرات ليَكُون كل دهر يستقبله وأمد يستأنفه موفياً على الْمُتَقَدّم لَهُ قاصراً عَن الْمُتَأَخر عَنهُ ويوفيه من الْعُمر أطوله وأبعده وَمن الْعَيْش أعذبه وأرغده عَزِيزًا منصوراً محمياً موفوراً باسطاً يَده لَا يقبضهَا إِلَّا على نواصي أَعدَاء وحساد سامياً طرفه فَلَا يعضه إِلَّا على لَذَّة غمض ورقاد مستريحة ركابه فَلَا يعملها إِلَّا لاستضافة عز وَملك فائزة قداحه فَلَا يجيلها إِلَّا لحيازة مَال وَملك حق ينَال أقْصَى مَا تتَوَجَّه إِلَيْهِ أُمْنِية صَالِحَة وتسمو لَهُ همة طامحة
فصل من رسَالَته فِي وصف المتصيد وَالصَّيْد وخيلنا كالأمواج المتدفقة والأطواد الموثقة متشوقة عاطية مستبقة جَارِيَة تشتاق الصَّيْد وَهِي لَا تطعمه وتحن إِلَيْهِ كَأَنَّهُ قضيم تقضمه وعَلى أَيْدِينَا جوارح مؤللة المخالب والمناسر
стр. 448
مذربة النصال والخناجر طامحة الألحاظ والمناظر بعيدَة المرامي والمطارح ذكية الْقُلُوب والنفوس قَليلَة القطوب والعبوس سابغة الأذناب كَرِيمَة الْأَنْسَاب صلبة الأعواد قَوِيَّة الأوصال تزيد إِذا طعمت شَرها وقرماً وتتضاعف إِذا شبعت كَلْبا ونهماً فَبينا نَحن سائرون وَفِي الطّلب ممعنون إِذْ وردنا مَاء زرقاً جمامه طامية أرجاؤه يبوح بأسراره صفاؤه وتلوح فِي قراره حصباؤه وأفانين الطير بِهِ محدقة وغوائبه عَلَيْهِ وَاقعَة مُتَغَايِرَة الألوان وَالصِّفَات مختلفات الْأَصْوَات واللغات فَمن صَرِيح خلص وتهذب نَوعه وَمن مشوب تهجن أَو أقرف عرقه فَلَمَّا أوفينا عَلَيْهَا أرسلنَا الْجَوَارِح إِلَيْهَا كَأَنَّهَا رسل المنايا أَو سِهَام القضايا فَلم نسْمع إِلَّا مسمياً وَلم نر إِلَّا مذكياً ثمَّ عدنا لشأننا دفعات وأطلقنا مَرَّات
وَمن فصل مِنْهَا ثمَّ عدلنا عَن مطارح الْخيام إِلَى مسارح الآرام نستقرئ ملاعبها ونؤم مجامعها حَتَّى أفضينا إِلَى أسراب لاهية بأطلائها راتعة بأكلائها ومعنا فهود أخطف من البروق وألقف من الليوث وأمكر من الثعالب وأدب من العقارب وأنزى من الجنادب خمص الخصور قب الْبُطُون رقش الْمُتُون حمر الآماق خزر الأحداق هرت الأشداق عراض الجباه غلب الرّقاب كاشرة عَن أَنْيَاب كالحراب
وَله فصل فِي ذكر الأقدار لله تَعَالَى أقدار ترد فِي أَوْقَاتهَا وقضايا تجْرِي إِلَى غاياتها لَا يرد شَيْء مِنْهَا عَن شأوه ومداه وَلَا يصددون مطلبه ومنحاه فَهِيَ كالسهام الَّتِي لَا تثبت إِلَّا فِي الْأَغْرَاض وَلَا ترجع بالاعتراض وَالنَّاس
стр. 449
فِيهَا بَين عَطِيَّة يجب الشُّكْر عَلَيْهَا ورزية يوثق بِالْعِوَضِ عَنْهَا
وَله من فصل عَن بختيار إِلَى سبكتكين الغزنى لَيْت شعري بِأَيّ قدم توافينا وراياتنا خافقة على رَأسك ومماليكنا عَن يَمِينك وشمالك وخيلنا الموسومة بأسمائنا تَحْتك وثيابنا المنسوجة فِي طرزنا على جسدك وَسِلَاحنَا المشحوذ لأعدائنا فِي يدك
وَمن فصل فِي ذكره هُوَ أرق دنيا وَأَمَانَة وأخفض قدرا ومكانة وَأتم ذلاً ومهانة وَأظْهر عَجزا وزمانة من أَن تستقل بِهِ قدم فِي مطاولتنا أَو تطمئِن لَهُ ضلوع على منابذتنا وَهُوَ فِي نشوره عَنَّا وطلبنا إِيَّاه كالضالة المنشودة وَفِيمَا نرجو من الظفر بِهِ كالظلامة الْمَرْدُودَة
وَمن ملح شعره قَوْله فِي الْغَزل وَهُوَ فِي معنى الْبَيْتَيْنِ المستشهد بهما
(جَرَتِ الدُّمُوع دَماً وكأسِي فِي يَدي ... شَوْقاً إِلَى من لَجِ فِي هِجْرَاني)
(فَتَخالفَ الفعلانِ شَارِب قَهْوَةٍ ... يبكي دَمًا وتَشابهَ اللوْنانِ)
(فَكَأَن مَا فِي الجِفن من كأسي جرى ... وَكَأن مَا فِي الكأس من أجفاني) // الْكَامِل //
وَقَالَ
(لَسْت أَشْكُو هواكَ يَا من هَواهُ ... كلَّ يومٍ يَرُوعُني مِنْهُ خطبُ)
(مُرُّ مَا مر بِي منَ أَجلك حلوٌ ... وعذابي فِي مثل حبك عذب) // الْخَفِيف //
وَقَالَ
(إِنْ نحنُ قِسناكَ بالغُصْنِ الرَّطيب فقدْ ... حفْنَا عليكَ بِهِ ظلما وعُدْوانَا)
(الغُصْنُ أحسنُ مَا نلقاهُ مكتسياً ... وأنتَ أحسنُ مَا نلقاكَ عُرْيانا) // الْبَسِيط //
стр. 450
وَقَالَ
(مَرِضتُ منَ الهَوى حَتَّى إِذا مَا ... بَدَا مَا بِي لإِخواني الحُضُورِ)
(تكنَفَني ذَوُو الإشفاق منهمْ ... ولَاذُوا بِالدُّعَاءِ وبالنذُورِ)
(وَقَالُوا للطبيبِ أشِرْ فإنَّا ... نُعِدُّكَ للمهمّ منَ الأمورِ)
(فقالَ شفَاؤهُ الرُّمانُ مِمَّا ... تضمنَهُ حشاهُ منَ السعيرِ)
(فقلتُ لُهمْ أصابَ بغيرِ عَمدٍ ... ولكنْ ذَاكَ رُمانُ الصُّدُور) // الوافر //
وَقَالَ
(مَا أنسَ لَا أنسَ لَيلةَ الأحدِ ... والبدرُ ضَيْفي وأَمرهُ بيدِي)
(قبَّلتُ منهُ فَمَا مُجَاجَتُهُ ... تجمعُ بينَ المدَامِ والشُّهُدِ)
(كأنَّ مجرَى سِوَاكِه بَرَدٌ ... وَريقهُ ذَوْبُ ذَلِك الْبرد) // المنسرح //
وَقَالَ فِي شمامة كافور
(وشَمَّامةٍ كالبدرِ عندَ اعتراضهِ ... وكالكوكبِ الدريّ عندَ انقضاضهِ)
(يَودُّ سوَادُ الْعين من شغفٍ بهَا ... لَو اعتاضهَا مُسْتَبْدِلاً ببياضهِ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ
(وحرورة الأحشاء تحسبُ أنهَا ... مُتيمةٌ تَشْكُو منَ الْحبّ تبريجا)
(تُناجيك نجوَى يسمعُ الأنفُ وَحيْها ... وتجهله الْأذن السمعية إِذْ يُوحَى)
(تحرق فِيهَا الندَّ عَوْداً وبَدْأة ... فتأخذهُ جسماً وتنفثه روحا) // الطَّوِيل //
وَقَالَ فِي غُلَام لَهُ أسود اسْمه رشد
(أَبصرتُ فِي رُشْدٍ وَقد أحببتهُ ... رُشدي وَلم أَحفل بِمن قَدْ يُنكرُ)
стр. 451
(يَا لائمي أَعلَى السوَاد تَلومني ... من لونهِ وبهِ عليكَ المفخرُ)
(دَعْ لي السوادَ وَخذ بياضكَ إِنَّنِي ... أدْرَي بِمَا آتِي وَمَا أتخيَّرُ)
(مثوى البصيرةِ فِي الْفُؤَاد سوَادُه ... والعينُ بالمسودّ مِنْهَا تُبْصرُ)
(فالدينُ أنتَ مُناظرٌ فِيهِ بذَا ... وكذاكَ فِي الدُّنْيَا بِهذِي تنظرُ)
(بسواد ذَيْنِك تستضيء ولوهما ابْيضَّا تَغَشَّاكَ الظلامُ الأكدرُ ... )
(فغدَا بياضُكَ وَهُوَ ليلٌ دامسٌ ... وغدَا سوَادِي وَهُوَ فجر أنور) // الْكَامِل //
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا
(قد قَالَ رشدٌ وَهُوَ أَسودُ للَّذي ... ببياضه يَعْلُو علوّ الخاتن)
(مَا فحر خَدِّكَ بالبياض وَهل ترى ... أَن قد أفدت بِهِ مُرِيد محاسنِ)
(لَو أنّ مني فِيهِ خالاً زانهُ ... وَلَو أَن منهُ فيّ خالاً شانني) // الْكَامِل //
وَلَقَد تفنن الشُّعَرَاء فِي مدح السودَان وَأَكْثرُوا فَمن ذَلِك قَول ابْن الرُّومِي من قصيدة طَوِيلَة
(أكسبها الحبُّ أَنَّهَا صُبِغَتْ ... صِبْغَةَ حَبِّ الْقُلُوب والحدق) // المنسرح //
وَقَول ابْن خفاجة الندلسي أَيْضا
(وأَسودٍ يسبحُ فِي لجةٍ ... لَا تكتمُ الْحَصْبَاء غُدْرانُهَا)
(كَأَنَّهَا فِي شكلها مقلة ... زرقاء والأسودُ إنسانها) // السَّرِيع //
وَقَول الآخر
(يَا أسودا يسبح فِي بركةٍ ... فقتَ الورى حسنا وإحسانَا)
стр. 452
(كنت لحسن الخدِّ خالاً وقدْ ... صرتَ لعين الْعين إنسانَا) // السَّرِيع //
وَقَول شرف الدّين بن عنين
(وماذَا عَلَيْهِم أَن كلفتُ بأسودٍ ... محلَّتهُ بِالْقَلْبِ وَالْعين منهمُ)
(وَقد عابني قوم بتقبيل خَدّه ... وَمَا ذاكَ عيبٌ أسودُ الركنِ يُلْثْمُ)
(وَمَا شأنهُ ذاكَ السوادُ لأنهُ ... لغير الثنايا وَالْخَلَائِق معلم) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ابْن ريَاح الملقب بالحجام
(يَا لُعبةً بذوي الْأَلْبَاب لاعبةً ... فِي أصلِ حسنكَ معنى غير متفقِ)
(خُلِقْتِ بَيْضَاء كالكافور ناصعَةً ... فصرت سَوْدَاء من مثواك فِي الحدق) // الْبَسِيط //
وَقَالَ أَحْمد بن بكر الْكَاتِب
(يَا من فؤاديَ فِيهَا ... متيما لَا يزالُ)
(إِن كَانَ لِليْل بدرٌ ... فأنتَ للصبح خَال) // المجتث //
وَقَالَ الْوَزير المغربي
(يَا رُبَّ سَوْدَاء تيمتني ... يَحْسُن فِي مثلهَا الغرامُ)
(كالليل تستهل الْمعاصِي ... فِيهِ ويستعذبُ الْحَرَام) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَرِيب مِنْهُ قَول ابْن أبي الجهم
(غُصْنٌ من الآبنوس أهْدَى ... من مسك دَارِينَ لي ثمارَا)
(ليلُ نعيمٍ أظلُّ فِيهِ ... للطيب لَا أشتهي نَهَارا) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم مضمنا
(وسوداءِ الْأَدِيم إِذا تَبَدَّتْ ... ترى مَاء النَّعيم جَرَى عليهِ)
(رَآهَا ناظري فَصَبَا إِلَيْهَا ... وشِبْهُ الشيءِ منجذب إِلَيْهِ) // الوافر //
стр. 453
وَقَالَ نجم الدّين يَعْقُوب بن صابر
(وَجاريةٍ من بَنَات الحُبوش ذَات جفون صِحَاح مراض ... )
(تعشقها للتصابي فشِبْتُ ... غراماً وَلم أك بالشيب راضي)
(وكنتُ أعَيِّرُها بِالسَّوَادِ ... فَصَارَت تعيرني بالبياض) // المتقارب //
وَقد أغرب ابْن دفتر خوان بقوله
(إِن لمعتْ لَيْلًا نجومُ السما ... بيضًا على أدهم مُرْخَي الإِزارْ)
(وأوجبَ العكسُ مِثَالا لَهَا ... فِي الأَرْض فالسودُ نجومُ النَّهَار) // السَّرِيع //
رَجَعَ إِلَى شعر الصابي
قَالَ يرثي ابْنه سِنَانًا
(أَسعداني بالدمعةِ الحمراءِ ... جلُّ مَا حلّ بِي عَن الْبَيْضَاء)
(يُؤلم القلبَ كلُّ فقدٍ ولَا مِثْلَ افْتقاد الآباءِ للأبناء ... )
(كُنتَ مِني وكُنتُ مِنكَ اتِّفَاقًا ... والتئَاماً مِثلَ الْعَصَا واللِّحاءِ)
(كُنتَ لِليُتْم فيَّ أجملَ مِنِّي ... فيكَ للثُّكلِ فِي أوَانِ فنائي)
(ولئنْ كَانَ من أَخِيك وأولادكما ... مَا يَغُضُّ منْ بُرحائي)
(فَلَعَمْري لرُبما هيجوا الشوق ... فزادوا فِي لَوْعَتي وبكائي) // الْخَفِيف //
ألم فِيهِ بقول ابْن الرُّومِي وَلم يحسن إحسانه
стр. 454
(وإِنِّي وإِنْ مُتِّعْتُ بِابنىَّ بعدهُ ... لذاكِرُهُ مَا حَنَّتِ النَّيبُ فِي نَجدِ)
(وأوْلادنا مِثل الجوارحِ أيُّما ... فقدناه كانَ الفاجعَ البينَ الفَقْدِ)
(لكٍّل مكانٌ لَا يسدّ اختلالَه ... مَكانُ أخيهِ منْ جزوع ومنْ جَلْدِ)
(هلِ العينُ بعد السمعِ تَكْفِي مَكَانَهُ ... أمِ السمعُ بعدَ الْعين يَهدِي كَمَا تهدي) // الطَّوِيل //
وَقَالَ الصابي مفتخراً من قصيدة
(وَقد علم السُّلطان أنِّي أمِينُه ... وكاتبهُ الْكَافِي السِّديدُ الموفّق)
(أوازره فِيما عرَى وأمدّه ... بِرأى يُريهِ الشمسَ وَاللَّيْل أغسقُ)
(يُجدِّد بِي نَهجَ الْعلَا وهْوَ دارسٌ ... وَيفتح بِي بابَ الهدَى وَهْوَ مُغْلَق)
(فَيمنايَ يُمناه ولَفظيَ لفظُه ... وعيني لَهُ عينٌ بهَا الدَّهرَ يَرْمُقُ)
(ولِي فِقرٌ تُضْحِي الْمُلُوك فقيرةً ... إِلَيْهَا لدَى أحداثِها حينَ تطرق)
(أرد بِها رأسَ الجَموحِ فينثني ... وأجعلُها سَوْط الحرون فيُعْنِقُ)
(فإِنْ حاولتْ لطفاً فماء مُرَوَّقٌ ... وإِنْ حاولَتْ عُنفاً فَنارٌ تألق)
(يسلم لِي قُسٌّ وسحبانُ وائلٍ ... ويَرْضَى جريرٌ مَذْهبي والفرزْدق)
(فيغضي لنثرِي خاطبٌ وهوَ مِصْقَعٌ ... ويعنو لنظمي شاعرٌ وهوَ مُفْلقُ)
(مَعالٍ لَو الْأَعْشَى رآهنُّ لم يَقُلْ ... وباتَ على النارِ الندَي والمحلق) // الطَّوِيل //
стр. 455
وَقَالَ فِي المهلبي الْوَزير
(قلْ للوزير أبي محمدٍ الَّذِي ... قدْ أعجزَتْ كلّ الوَرَى أوْصافُهُ)
(لكَ فِي المحافلِ منطقٌ يشفي الجوَى ... ويسوغ فِي أذُنِ الأديب سُلَافُهُ)
(فكأنَّ لفظكَ لُؤْلُؤ متنخَّلٌ ... وكأنما آذاننا أصدافه) // الْكَامِل //
وَقَالَ أَيْضا
(تلوح نواجذِي والكأس شربي ... وأشربُها كَأَنِّي مستطيب)
(وَفَوق السرِّ لي جهرٌ ضحوك ... وتحتَ الجهرِ لي سرٌّ كئيب)
(سأثبتُ إِذْ يُصادمني زَماني ... بِركنيه كَمَا ثبتَ النحيب)
(وأرْقب مَا تجيءُ بِهِ اللَّيَالِي ... فَفِي أثنائهِ فرجٌ قريب) // الوافر //
وَقَالَ أَيْضا فِي عضد الدولة
(لَا تحسبِ المُلكَ الَّذِي أوتيتَهُ ... يُفْضِي وإِنْ طالَ الزّمان إِلَى مَدَى)
(كالدَّوْحِ فِي أفق السَّمَاء فروعهُ ... وعروقه متولِّجَاتٌ فِي الندَى)
(فِي كل عامٍ يستجدّ شبيبةً ... فَيَعُود ماءُ العُودِ فيهِ كَمَا بَدا)
(حَتَّى كأنكَ دائر فِي حلقةٍ ... فلكيةٍ فِي مُنْتَهَاهَا المبتدا) // الْكَامِل //
وَكتب إِلَى عضد الدولة فِي يَوْم مهرجان مَعَ اصطرلاب أهداه إِلَيْهِ
(أهدَى إليكَ بَنو الأَمَوالِ وَاخْتلفُوا ... فِي مِهرجانٍ جديدٍ أَنْت مُبْليهِ)
(لكنَّ عبدكَ إبراهيمَ حِين رَأى ... علوَّ قدركَ عنْ شَيْء يُدَانيهِ)
стр. 456
(لم يرضَ بالأرضِ مُهْدَاة إليكَ فقدْ ... أهدَى لكَ الفلكَ الْأَعْلَى بِمَا فيهِ) // الْبَسِيط //
وَمن لطيف شعره قَوْله
(دفتري مؤنسي وفكري سميري ... ويدِي خادِمي وحِلْمي ضجيعي)
(ولسانِي سَيْفي وبطشي قَريضي ... ودَوَاتِي غَيثي ودرجي ربيعي) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول أبي مُحَمَّد الخازن
(فدفتري رَوضتي ومحبرَتي ... غديرُ عِلمي وصارمِي قَلَمِي)
(ورَاحتي فِي قَرَار صَوْمَعَتِي ... تُعْلمني كيفَ موقعُ النعم) // المنسرح //
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الصابي وَهُوَ فِي الْحَبْس
(إِذا لم يكن للمرء بدٌّ من الرّدى ... فأسهلُه مَا جَاءَ والعيشُ أنكد)
(وأصعبهُ مَا جَاءَهُ وهْوَ راتِعٌ ... تطيف بهِ اللذّات والحظّ مُسْعِد)
(فإِن أك سوءَ العيشتينِ أعيشُها ... فإِني إِلَى خيرِ المماتينِ أقصد)
(وسيَّانِ يَوْمًا شقوةٍ وسعادةٍ ... إِذا كانَ غبّاً وَاحِدًا لَهما الْغَد) // الطَّوِيل //
وَقَالَ
(لقدْ أخلقتْ جدَّتِي الحادثاتُ ... ومَنْ عاشَ فِي رَيْبها يَخلق)
(وبذلني صَلَعاً شَامِلًا ... من الشَّعَرِ الفاحم الأغْسَقِ)
стр. 457
(وَقد كنْتُ أمْرَدَ من عارضني ... فَقد صرت أَمْرَد من مفرقي) // المتقارب //
وَكتب إِلَى قَاضِي الْقُضَاة ابْن مَعْرُوف وَكَانَ قد زَارَهُ فِي معتقله رقْعَة نسختها
قوى دُخُول قَاضِي الْقُضَاة إِلَى نَفسِي وجدد أنسي وَأغْرب نحسي ووسع حبسي فدعوت الله لَهُ بِمَا قد ارْتَفع إِلَيْهِ وسَمعه فَإِن لم اكن أَهلا لِأَن يُسْتَجَاب مني فَهُوَ أيده الله تَعَالَى أهلٌ لِأَن يُسْتَجَاب فِيهِ وَأَقُول مَعَ ذَلِك
(دخلتَ حَاكم حكام الزَّمان إِلَى ... صَنيعةٍ لَك رَهْنِ الْحَبْس ممتَحَنِ)
(أخْنتْ علَيه خطوبٌ جارَ جائرُها ... حَتَّى توفاهُ طولُ الْهم والحَزَنِ)
(فَعاشَ عَن كلماتٍ مِنكَ كنَّ لهُ ... كالرُّوح عائِدَةً منهُ إِلى الْبدن) // الْبَسِيط //
وَكتب إِلَى بعض الرؤساء عرفت أَن سيدنَا الْأُسْتَاذ الْجَلِيل أَطَالَ الله بَقَاءَهُ يشتكي الثنايا
(فَلَو اسْتَطَعْت أخذت علَّةَ جِسمهِ ... فَقَرنتُها مني بعِلِةِ حَالي)
(وجَعلتُ صحَّتَي الَّتِي تَصْفُ لي ... صَفواً لَهُ معَ صِحَة الإقْبَالِ)
(فَتكونُ عِنْدِي العَّلتانِ كِلَاهُمَا ... والصِّحَّتانِ لَهُ بغيرِ زَوالِ) // الْكَامِل //
وَقَالَ
(عهدِي بشعري وكلَّه غَزَلُ ... يضحكُ عنهُ السرُور والجذَلُ)
(أيامَ همِّي أحبةٌ بِهمُ القلبُ عَن النَائباتِ يشتغلُ ... )
(والآنَ شِعري فِي كلِّ داهيةٍ ... نِيرانُها فِي الضلوعِ تشتعل)
(أَخرجُ منْ نكبةِ وأدخلُ فِي ... أُخرَى فنحسي بهنَّ متصلُ)
стр. 458
(كأنَّها سُنَّةٌ مؤكدةٌ ... لَا بُد من أَنْ تقُيمَهَا الدولُ)
(فالعيشُ مرٌّ كأنهُ صَبِرٌ ... والموتُ حُلْو كَأَنَّهُ عسل) // المنسرح //
وَقَالَ يهجو
(أيُّها النابحُ الذِي يتَصَدَّى ... بقبيح يَقُوله لجَوابي)
(لَا تؤمَّلْ أنِّي أقولُ لكَ اخْسَأْ ... لستُ أسخو بهَا لكلِّ الكلابِ) // الْخَفِيف //
وَحكى أَبُو الْقَاسِم بن برهَان قَالَ دخلت على أبي إِسْحَاق الصابي وَكَانَ قد لحقه وجع المفاصل وَقد أبل والمجلس عِنْده حافل وَأَرَادَ أَن يُرِيهم أَنه قَادر على الْكِتَابَة فَفتح الدواة ليكتب فتطاولوا بِالنّظرِ إِلَى كِتَابَته فَوضع الْقَلَم وَقَالَ بديها
(وجعُ المفاصل وهوَ أيسرُ مَا لقيتُ منَ الأذَى ... )
(جعل الذِي استحسنتهُ ... واليأسَ منْ حظي كذَا)
(والعمرُ مثلُ الكاسِ يرسب ... فِي أواخرهِ القذَى) // الْكَامِل //
وَقد ألم بِهَذَا الْمَعْنى أَمِين الدولة سبط التعاويذي وَزَاد فِيهِ فَقَالَ
(فَمن شَبَّه الْعُمر كأساً يقرَّ ... قَذَاهُ ويرسب فِي أسفلِهْ)
(فَإِنِّي رأيتُ القَذَى طافياً ... على صفحة الكاس من أَوله) // المتقارب //
والأمير سيف الدّين بن المشد بقوله
(إِن ترقى إِلَى الْمَعَالِي أولو الْفضل وَساخت تَحت الثرى السفهاءُ ... )
(فَحَبابُ المدام يَعْلُو على الكأس ... محلاًّ وترسب الأقذاء) // الْخَفِيف //
стр. 459
وَمَا أحسن قَول ابْن زِيَاد فِيهِ أَيْضا
(باضطراب الزَّمَان ترتفعُ الأنذالُ فِيهِ حَتَّى يعم البلاءُ ... )
(وَكَذَا المَاء راكداً فَإِذا حرّكَ ثارت من قَعْره الأقذاء ... ) // الْخَفِيف //
وَقَول الآخر
(بَادر إِلَى الْعَيْش فالأيام راقدةٌ ... وَلَا تكن لصروف الدَّهْر تنتظرُ)
(فالعمر كالكأس يَبْدُو فِي أَوَائِله ... صفواً وآخِرُه فِي قَعْره كدر) // الْبَسِيط //
وَلما مَاتَ أَبُو إِسْحَاق الصابي رثاه الشريف أَبُو الْحسن الموسوي بقوله
(أَعلمتَ من حَمَلوا على الأَعْوادِ ... أرأيتَ كَيفَ خَبَا ضِياء النادِي)
(جَبلٌ هوى لَو خَرَّ فِي البَحر اغتَدَى ... من وَقعِه مُتَتابعَ الإِزبادِ)
(مَا كنت أعلم قبلَ حطكَ فِي الثرى ... أَن الثرَى يَعْلُو على الأطْوَاد) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
(بَعْداً ليومكَ فِي الزمانِ فإِنهُ ... أقْذَى العُيُونَ وفَتَّ فِي الأعْضَادِ)
(لَا تطلبي يَا نفسُ خِلاًّ بعدهُ ... فلمثلُهُ أعيا على المرتادِ)
(فُقِدتْ ملاءمةُ الشكولِ بفقدهِ ... وبقيتُ بينَ تباينِ الأضدادِ)
(مَا مَطْعمُ الدُّنيا بحلوٍ بعدهُ ... أبدا وَمَا مَاء الْحَيَاة ببادي)
(لكَ فِي الحشا قبرٌ وإنْ لم تأوِهِ ... ومنَ الدُّموعِ روائحٌ وغوادي)
(سَلُّوا منَ الأبرادِ جسمك فانثنى ... جِسمي يُسلّ عليكَ فِي الأبراد)
стр. 460
وَمِنْهَا
(الفضلُ ناسبَ بَيْننَا إِذْ لم يكنْ ... شَرَفي مناسبهُ وَلَا ميلادِي)
(إنْ لم تكن من أسرتي وعشيرتي ... فلأنت أعقلهمْ يدا بفؤادي)
(أولَا تكنْ عالي الأصولِ فقدْ وَفَى ... عظمُ الجدود بِسودَد الأجداد) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة ورثاه بِغَيْر ذَلِك أَيْضا وَقَالَ وَقد ليم على رثائه لَهُ إِنِّي رثيت علمه وَكَانَ سنه أَرْبعا وَثَمَانِينَ سنة وَمَات ابْنه المحسن على كفره أَيْضا وَابْن ابْنه هِلَال أسلم بآخرة وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
٨٦ - (يَا صَاحِبيّ تَقَصَّيَا نَظَرَيكما ... تَرَيا وجُوهَ الأرْضِ كَيْف تُصَوَّرُ)
(تَرَيا نَهاراً مُشْمِساً قَدْ شَابَهُ ... زَهْرُ الرُّبا فَكأنَّما هُوً مُقْمِرُ)
البيتان لأبي تَمام الطَّائِي من قصيدة من الْكَامِل يمدح بهَا المعتصم أَولهَا
(رقَّتْ حَوَاشي الدهرِ فَهِيَ تَمَرْمَرُ ... وَغدا الثرى فِي حَلْيهِ يتكسرُ)
следующие страницы →