← Баляга

Баляга · id 6951

معاهد التنصيص على شواهد التلخيص

أبو الفتح العباسي

Полный текст (694 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَلأبي الحكم مَالك بن المرحل يصف قصر اللَّيْل وأجاد (وعشيةٍ سبق الصباحُ عشاءها ... قِصَراً فَمَا أمسيت حَتَّى أسفرا) (مسكيَّة لبست حُلَّىً ذهبيةً ... وجلا تبسُّمُهَا نقاباً أحمرا) (وَكَأن شُهْبَ الرجمِ بعضُ حليها ... عثرت بِهِ من سرعةٍ فتكسرَا) // الْكَامِل // وَمَا أحسن قَول صَفْوَان بن إِدْرِيس من أَبْيَات (والورْدُ فِي شطِّ الخليج كَأَنَّهُ ... رَمد أَلَّم بمقلَةٍ زرقاء) // الْكَامِل // وَمَا ألطف قَول بَعضهم (وشادنٍ أبصرتهُ رَاكِبًا ... فِي كَفه جوكانه يلْعَب) (كالبدر فَوق الْبَرْق فِي كَفه ... هلالةَ والكرة الْكَوْكَب) // السَّرِيع // وَمثله قَول الصفي الْحلِيّ وَلم أدر أَيهمَا أَخذ من الآخر (ملك بروضٍ فَوق طرف ضَارِبًا ... كرة بجوكان حناه ضرابا) (فَكَأَن بَدْرًا فِي سَمَاء رَاكِبًا ... برقاً يزحزح بالهلال شهابا) // الْكَامِل // وَمن بديع التَّشْبِيه قَول الْأُسْتَاذ عَليّ بن الْحسن بن عَليّ بن سعد الْخَيْر فِي دولاب (لله دولابٌ يفيضُ بسلسل ... فِي رَوْضَة قد أينَعتْ أفنانا) (قد طارحَتْهُ بهَا الحمائم شَجْوَها ... فيجيبهَا وَيرجِّع الألحانا) (فَكَأَنَّهُ دَنِفٌ يَدُور بمعهدٍ ... يبكي وَيسْأل فِيهِ عَمَّنْ بانا) (ضَاقَتْ مجاري طَرْفه عَن دمعه ... فتفتحت أضلاعه أجفانا) // الْكَامِل // وَبَاب التَّشْبِيه وَاسع جدا تضيق الطَّاقَة عَن حصره وَهَذَا الْقدر كَاف فِيهِ

стр. 492

شَوَاهِد الاستعاره ٩٧ - (لَدَى أشدٍ شاكي السِّلَاح مُقَذَّفِ ... ) قَائِله زُهَيْر بن أبي سلمى من قصيدته السَّابِقَة فِي شَوَاهِد الإيجاز وَسَيَأْتِي كَامِلا فِيمَا بعد وَقَبله (لعمري لِنعْمَ الحيُّ جَرَّ عليهمُ ... بِمَا لَا يوايتهم حُصَيْنُ بن ضَمْضمِ) (وكانَ طوَى كشحاً على مُسْتكنةٍ ... فَلَا هُوَ أبداها وَلم يتقدَّمِ) (وَقَالَ سأقضِي مأربي ثمَّ أتفي ... عدوّى بألفٍ من ورائيَ مُلجِمِ) (فشدَّ وَلم ينظر بيوتَّاً كَثِيرَة ... لدي حَيْثُ ألقَتْ رَحْلها أم قَشْعَمِ) وَبعده الْبَيْت وَالْقَصِيدَة طَوِيلَة يَقُول مِنْهَا أَيْضا (سئمت تكاليفَ الْحَيَاة وَمن يَعِشْ ... ثَمَانِينَ عَاما لَا أبالكَ يَسْأمِ) (رَأَيْت المنايا خَبْطَ عَشْواء من تُصِب ... تُمِتْهُ وَمن تُخْطئ يعمر فيهرم) (وَمهما تكن عِنْد امْرِئ خَلِيقَة ... وَإِن خالها تخفي على النَّاس تُعْلَمِ) وشاكي السِّلَاح وشاكه وشائكه حديده والمقذف الَّذِي يقذف بِهِ كثيرا إِلَى الوقائع أَو الَّذِي رمى بِاللَّحْمِ رميا وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِعَارَة التحقيقية فالأسد هُنَا مستعار للرجل الشجاع وَهُوَ أَمر مُتَحَقق حسا

стр. 493

٩٨ - (قَامَت تظللني من الشَّمْس ... نفس أعز عَليّ من نَفسِي) (قَامَت تظللني وَمن عجب ... شمس تظللني مِنَ الشَّمْسِ) البيتان لِابْنِ العميد وهما من الْكَامِل قالهما فِي غُلَام حسن قَامَ على رَأسه يظلله من الشَّمْس وَقَالَ ابْن النجار فِي تَارِيخه قَرَأت على إِسْمَاعِيل بن سعد الله أَنبأَنَا بكر بن عَليّ التَّاجِر قَالَ أنشدنا رزق الله بن عبد الْوَهَّاب التَّمِيمِي الْوَاعِظ فِي وَلَده أبي الْعَبَّاس لِأَنَّهُ كَانَ يقوم إِذا جَاءَت عَلَيْهِ الشَّمْس ويظله فَقَالَ (قَامَت تظللني من الشَّمْس ... نفس أعز عَليّ من نَفسِي) (قَامَت تظللني وَمن عجب ... شمس تظللني من الشَّمْس) (لمَّا رَأيْتُ الشمسَ بارزةً ... ستَّرتُ عين الشمسِ بالْخَمْسِ) (ثمَّ اسْتَعنتُ على الَّتِي اختلست ... منى الْفُؤَاد بِآيةِ الكرْسي) وَقَالَ ياقوت فِي مُعْجم الأدباء كَانَ أَبُو إِسْحَاق الصابي وَاقِفًا بَين يَدي عضد الدولة وعَلى رَأسه غُلَام تركي جميل فَكَانَ إِذا رأى الشَّمْس عَلَيْهِ حجبها عَنهُ فَقَالَ للصابي هَل قلت شَيْئا يَا إِبْرَاهِيم فَقَالَ (وَقَفتْ لتحجبُني عَن الشَّمْس ... نفسٌ أعز عَليّ من نَفْسي) (ظلَّتْ تظللني وَمن عجب ... شمس تُغيِّبني عَن الشَّمْس) فسُرَّ بذلك وَالشَّاهِد فيهمَا أَن إِطْلَاق الْمُشبه بِهِ على الْمُشبه إِنَّمَا يكون بعد ادِّعَاء دُخُوله فِي جنس الْمُشبه بِهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيكون اسْتِعْمَال الِاسْتِعَارَة فِي الْمُشبه

стр. 494

اسْتِعْمَالا فِيمَا وضعت لَهُ فَهُنَا لَوْلَا أَنه ادّعى لَهُ معنى الشَّمْس الْحَقِيقِيّ وَجعله شمساً لما كَانَ لهَذَا التَّعَجُّب معنى إِذْ لَا تعجب فِي أَن إنْسَانا حسانا يظلل إنْسَانا آخر وَقَرِيب من معنى الْبَيْتَيْنِ مَا حكى أَن سيماء التركي غُلَام المعتصم كَانَ أحسن تركي على وَجه الأَرْض فِي وقته وَكَانَ المعتصم لَا يُفَارِقهُ وَلَا يصبر عَنهُ محبَّة لَهُ ووجداً بِهِ فاتفق أَن المعتصم دَعَا أَخَاهُ الْمَأْمُون ذَات يَوْم إِلَى دَاره فأجلسه فِي بَيت على سقفه جامات فَوَقع ضوء الشَّمْس من وَرَاء تِلْكَ الجامات على وَجه سيماء فصاح الْمَأْمُون لِأَحْمَد بن مُحَمَّد اليزيدي فَقَالَ انْظُر وَيلك إِلَى ضوء الشَّمْس على وَجه سيماء أَرَأَيْت أحسن من هَذَا قطّ وَقد قلت (قد طَلَعت شمسٌ على شَمْس ... وزَالَتِ الوحشة بالأنس) // السَّرِيع // فأجز فَقَالَ البزيدي بعده (قد كُنْتُ أشنْا الشَّمْسَ من قبل ذَا ... فصِرْتُ أرتاحُ إِلَى الشَّمْس) قَالَ وفطن المعتصم فعض شَفَتَيْه لِأَحْمَد قَالَ أَحْمد لِلْمَأْمُونِ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَئِن لم يعلم الْأَمِير حَقِيقَة الْأَمر مِنْك لأقعن مِنْهُ فِيمَا أكره فَدَعَاهُ الْمَأْمُون فَأخْبرهُ الْخَبَر فَضَحِك المعتصم فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون كثر الله يَا أخي فِي غلمانك مثله وَيقرب من هَذَا مَا حُكيَ أَن الْمُعْتَمد بن عباد صَاحب إشبيلية جلس يَوْمًا وَبَين يَدَيْهِ جَارِيَة تسقيه فخطف الْبَرْق فارتاعت مِنْهُ فَقَالَ ابْن عباد فِي ذَلِك (روَّعها البرقُ وَفِي كفِّها ... برقٌ من الْقَهْوةَ لَمَّاعُ) (عجبت مِنْهَا وهْيَ شمس الضُّحَى ... من مثل مَا تحمل ترتاعُ) // السَّرِيع //

стр. 495

ثمَّ أنْشد الأول لعبد الْجَلِيل بن وهبون المرسي واستجازه فَقَالَ (ولَنْ ترى أعجب من آنسٍ ... من مثل مَا يُمْسِكُ يرتاع) وَابْن العميد هُوَ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن الْحُسَيْن عين الْمشرق ولسان الْجَبَل وعماد ملك آل بويه وَصدر وزرائهم قَالَ فِي حَقه أَبُو مَنْصُور الثعالبي كَانَ أوحد الْعَصْر فِي الْكِتَابَة وَكَانَ يدعى الجاحظ الآخر والأستاذ والرئيس وَيضْرب بِهِ الْمثل فِي البلاغة وَيَنْتَهِي إِلَيْهِ فِي الْإِشَارَة بالفصاحة والبراعة مَعَ حسن الترسل وجزالة الْأَلْفَاظ وسلاستها مَعَ براعة الْمعَانِي ونفاستها وَمَا أحسن وأصدق مَا قَالَه الصاحب وَقد سَأَلَهُ عَن بَغْدَاد عِنْد مُنْصَرفه عَنْهَا بَغْدَاد فِي الْبِلَاد كالأستاذ فِي الْعباد وَكَانَ يُقَال بدئت الْكِتَابَة بِعَبْد الحميد وختمت بِابْن العميد وَقد أجْرى ذكرهمَا مَعًا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد الخازن فِي قصيدة مدح بهَا الصاحب بن عباد حَيْثُ وصف بلاغته فَقَالَ (دعوا الأقاصيصَ والأنباء نَاحيَة ... فَمَا على ظهرهَا غير ابْن عبَّادِ) (وَإِلَى بَيانٍ مَتى يُطْلق أعِنَّتَه ... يدَعْ لِسَان إِيادٍ رهْنَ أقْيادِ) (ومُورِدٌ كَلمَاتِ عَطَّلَتْ زهراً ... على رياضٍ ودرَّاً فوقَ أجْيادِ) (وتاركٌ أَولا عبدَ الحميدِ بهَا ... وابنَ العميد أخيراً فِي أبي جاد) // الْبَسِيط //

стр. 496

وَلم يَرث ابْن العميد الْكِتَابَة عَن كَلَالَة بل كَانَ كَمَا قَالَ ذُو الرمة فِي وصف صائد حاذق (أَلفى أَبَاهُ بِذَاكَ الْكسْب يكْتَسب ... ) // الْبَسِيط // لِأَن أَبَاهُ أَبَا عبد الله الملقب بكله كَانَ فِي الرُّتْبَة الْكُبْرَى من الْكِتَابَة وَكَانَ قد تقلد ديوَان الرسائل للْملك نوح بن نصر وَكَانَ يحضر ديوَان الرسائل فِي محفة لسوء أثر النقرس فِي قدمه وَفِيه يَقُول أَبُو الْقَاسِم الإسكافي وَكَانَ يكْتب فِي ديوانه إِذْ ذَاك وَيرى نَفسه أَحَق مِنْهُ برتبته ويتمنى زَوَال أمره ليقوم مقَامه (يَا ذَا الَّذِي ركب المحفة ... جَامعا فِيهَا جهازهْ) (أَتَرَى الإِله يُعِيشُني ... حتَّى يرينيها جنازهْ) // الْكَامِل // وَلم تطل الْأَيَّام حَتَّى أَتَت على أبي عبد الله منيته ووافت أَبَا الْقَاسِم أمْنِيته وَتَوَلَّى ديوَان الرسائل فَسبق من قبله وأتعب من بعده وَلم يزل أَبُو الْفضل هَذَا فِي حَيَاة أَبِيه وَبعد وَفَاته بِالريِّ وكورة الْجَبَل وَفَارِس يتدرج إِلَى الْمَعَالِي ويزداد فضلا وبراعة على الْأَيَّام والليالي حَتَّى بلغ مَا بلغ وَاسْتقر فِي الذرْوَة من وزارة ركن الدولة ورياسة الْجَبَل وخدمة الكبراء وانتجعه الشُّعَرَاء وَورد عَلَيْهِ أَبُو الطّيب المتنبي عِنْد صدوره من حَضْرَة كافور الأخشيدي فمدحه بِتِلْكَ القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي مِنْهَا يَقُول (من مبلغ الأعرابِ أنيَ بَعدها ... شاهدت رسطاليس والاسكندرا) (ومللت نحر عشارها فأضافني ... من ينْحَر البِدَرَ النُّضار لمن قرى) (وسمعتُ بطليموس دَارِسَ كتبِهِ ... مُتملكاً متبدياً متحضرَا)

стр. 497

(ولقيتُ كلَّ الفاضلين كَأَنَّمَا ... رَدَّ الإِلهُ نُفُوسهم والأعصرا) // الْكَامِل // وَمِنْهَا (نسقوا لنا نسق الْحساب مقدما ... وأنى فَذَلِك إِذْ أتيت مؤخَّرَا) (بِأبي وَأمي ناطقٌ فِي لفظهِ ... ثمن تباعُ لَهُ الْقُلُوب وتشترَى) (قطفَ الرجالُ القولَ قبلَ نَّبَاتهِ ... وقطفتَ أنتَ القَوْل لما نوَّرَا) // الْكَامِل // ومدحه الصاحب بن عباد بقصائد كَثِيرَة استفرغ فِيهَا جهده فَمِنْهَا قَوْله فِيهِ (من الْقلب يهيم فِي كل وَادي ... وقتيلٍ للحب من غير وَادي) (إِنَّمَا أذكر الغوانيَ والمقصدُ سعدى تكثُّراً للسوَادِ ... ) (وَإِذا مَا صدقتُ فَهْيَ مرامي ... ومُرَادي وَرَوْضتي ومَرَادي) (ونَدَى ابنِ العميد إِنِّي عميدٌ ... من هَواهَا أليةَ الأمجادِ) (لوْ دَرَى الدَهرُ أَنه من بنيهِ ... لازَدْرى قدرَ سَائِر الْأَوْلَاد) (أورأي الناسُ كَيفَ يهتزُّ للجود ... لما عدَدوهُ فِي الأطواد) // الْخَفِيف //

стр. 498

وَله أَيْضا (قَالُوا رَبيعك قد قَدِمْ ... فلكَ البشارةُ بالنَّعَمْ) (قلتُ الربيعُ أَخُو الشتَاء ... أم الرّبيع أَخُو الْكَرم) (قَالُوا الَّذِي بنواله ... يَغْنَي المقلّ من العَدَمْ) (قلتُ الرئيسُ ابنُ العميد إِذا فَقَالُوا لي نعم ... ) // الْكَامِل // ولبعضهم فِيهِ عِنْد انْتِقَاله إِلَى قصر جَدِيد قد بناه وَهُوَ مستبدع (لَا يعجبنَّكَ حسنُ الْقصر تنزلهُ ... فَضِيلَة الشَّمْس ليستْ فِي منازلها) (لَو زِيدتِ الشمسُ فِي أبراجها مائَة ... مَا زَاد ذَلك شَيْئا فِي فضائلها) وَهَذِه نبذة من محَاسِن نثره فصل من رِسَالَة كتب بهَا إِلَى أبي الْعَلَاء السروي كتابي جعلني الله تَعَالَى فدَاك وَأَنا فِي جد وتعب مُنْذُ فَارَقت شعْبَان وَفِي جهد وَنصب من رَمَضَان وَفِي الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر من ألم الْجُوع وَوَقع الصَّوْم ومرتهن بتضاعف حر لَو أَن اللَّحْم يُصَلِّي بِبَعْضِه غريضا أَتَى أَصْحَابه وَهُوَ منضج وممتحن بهواجر يكَاد أوراها يذيب دماغ الضَّب وَيصرف وَجه الحرباء عَن التحنف ويزويه عَن التنصر وَيقبض يَده عَن إمْسَاك سَاق وإرسال سَاق (وَيتْرك الجأبَ فِي شغل عَن الحقب ... ويقدح النارَ بَين الْجلد والعصب)

стр. 499

ويغادر الْوَحْش قد مَالَتْ هواديها (سجوداً لدَى الأرطي كأنَّ رؤسها ... عَلَاها صداعٌ أَو فواقٌ يصورها) // الطَّوِيل // كَمَا قَالَ الفرزدق (ليَوْم أَتَى دون الظلال شموسه ... تظل المها صُوراً جماجمُهَا تغلى) // الطَّوِيل // وكما قَالَ مِسْكين الدَّارمِيّ (وهاجِرَةٍ ظلت كأنَّ ظباءها ... إِذا مَا اتقتها بالقُرون سجودُ) (تلوذ بشؤْبوب من الشَّمْس فَوْقهَا ... كَمَا لاذَ من وَخْزِ السنان طريد) // الطَّوِيل // وممنو بأيام تحاكي ظلّ الرمْح طولا وليال كإبهام القطاة قصرا ونوم كلا وَلَا قلَّة وكحسو الطَّائِر من المَاء الثماد دقة وكتصفيقة الطَّائِر المستحرخفة (كَمَا أبرقت قوما عِطَاشاً غَمَامَةٌ ... فلمَّا رَأها أقشعتْ وَتجلتِ) وكنقر العصافير وَهِي خائفة من النواطير يَانِع الْعِنَب وَأحمد الله تَعَالَى على كل حَال وأسأله أَن يعرفنِي بركته ويلقيني الْخَيْر فِي أَيَّامه وخاتمته وأرغب إِلَى الله أَن يقرب على الْقَمَر دوره وَيقصر سيره ويخفف حركته ويعجل نهضته وَينْقص مَسَافَة فلكه ودائرته ويزيل بركَة الطول من ساعاته وَيرد على غرَّة شَوَّال فَهِيَ أسر سَائِر الْغرَر عِنْدِي وأقرها لعَيْنِي ويسمعني النعرة فِي قفا شهر رَمَضَان ويعرض عَليّ هلاله أخْفى من السِّرّ وأظلم من الْكفْر وأنحف من مَجْنُون بني عَامر وأضنى من قيس

стр. 500

ابْن ذريح وأبلى من أَسِير الهجر ويسلط عَلَيْهِ الْحور بعد الكور وَيُرْسل على رقاقته الَّتِي يغشى الْعُيُون ضوءها ويحط من الْأَجْسَام نوءها كلفا يغمرها وكسوفاً يَسْتُرهَا ويرينيه مغمور النُّور مقمور الظُّهُور قد جمعه وَالشَّمْس برجٌ وَاحِد ودرجة مُشْتَركَة وَينْقص من أَطْرَافه كَمَا تنقص النَّار من أَطْرَاف الزند وَيبْعَث إِلَيْهِ الأرضة وَيهْدِي إِلَيْهِ السوس ويغري بِهِ الدُّود ويبليه بالفأر ويخترمه بالجراد ويبيده بالنمل ويجتحفه بالذر ويجعله من نُجُوم الرَّجْم وَيَرْمِي بِهِ مسترق السّمع ويخلصنا من معاودته ويريحنا من دوره ويعذبه كَمَا عذب عباده وخلقه وَيفْعل بِهِ فعله بالكتان ويصنع بِهِ صَنِيعه بالألوان ويقابله بِمَا تَقْتَضِيه دَعْوَة السَّارِق إِذا افتضح بضوئه وتهتك بطلوعه وَيرْحَم الله عبدا قَالَ آمينا وَأَسْتَغْفِر الله جلّ وَجهه مِمَّا قلته إِن كرهه وأستعفيه من توفيقي لما يذمه وأسأله صفحاً يفيضه وعفواً يسبغه وحالي بعد مَا شَكَوْت صَالِحَة وعَلى مَا تحب وتهوى جَارِيَة وَللَّه الْحَمد تقدست أسماؤه وَالشُّكْر وَمن فصوله الْقصار الْجَارِيَة مجْرى الْأَمْثَال قَوْله مَتى خلصت للدهر حَال من اعتوار أَذَى وَصفا فِيهِ شرب من اعْتِرَاض قذى خير القَوْل مَا أَغْنَاك جده وألهاك هزله الرتب لَا تبلغ إِلَّا بتدرج وتدرب وَلَا تدْرك إِلَّا بتجشم كلفة وتصعب الْمَرْء أشبه شئ بِزَمَانِهِ وَصفه كل زمَان منتسخة من سجايا سُلْطَانه الْمَرْء يبْذل مَاله فِي إصْلَاح أعدائه فَكيف يذهل الْعَاقِل عَن حفظ

стр. 501

أوليائه هَل السَّيِّد إِلَّا من يهابه إِذا حضر وتغتابه إِذا أدبر اجْتنب سُلْطَان الْهوى وَشَيْطَان الْميل المرح والهزل بَابَانِ إِذا فتحا لم يغلقا إِلَّا بعد الْعسر وفحلان إِذا لقحا لم ينتجا غير الشَّرّ وَمِمَّا أخرج لَهُ من الشّعْر قَوْله (آخ الرجالَ من الأباعد ... والأقاربَ لَا تُقَارب) (إِن الْأَقَارِب كالعقارب ... بل أضرّ من العقارب) // الْكَامِل // وَكتب إِلَى الْعلوِي (يَا من تخلى وَولى ... وصدّ عني وملَاّ) (وأوسع الْعَهْد نَكْثاً ... وأتبع العقد حلَا) (مَا كَانَ عَهْدك إِلَّا ... عهد الشبيبة ولى) (أوْ طَائِفًا منْ خيالٍ ... ألَمَّ ثُمَّ تَولَّى) (أَو عَارضاً لاحَ حَتّى ... إِذا دَنا فتَدلى) (ألوَتْ بهِ نَسمات ... من الصِّبا فَتجلَّى) (أهْلاً بِما تَرْتضيهِ ... فِي كلّ حالٍ وسَهلَا) (ليَجزيَنّكَ وُدّي ... بمثْل فعْلِكَ فعْلَا) (إنْ شِئتَ هَجْراً فهَجراً ... أَو شئتَ وَصْلاً فوَصلا) (صَبَرْتَ عنَّيَ فانظْر ... ظفرِتَ بالصَّبر أمْ لَا)

стр. 502

(إِني إِذا الخِلُّ ولَّى ... ولَّيْتُهُ مَا تولى) // المقتضب // وَكتب إِلَى أبي الْحسن بن هندو وأرسلها إِلَيْهِ صَبِيحَة عرسه (أنعمْ أَبَا حَسَن صباحاً ... وازْدَدْ بَزوْجتِكَ ارتياحَا) (قَدْ رضْتَ طرْفَكَ خَالِيا ... فَهل استَلنتَ لَهُ جِمَاحَا) (وقدَحتَ زَنْدَك جاهِداً ... فَهل استبَنْتَ لهُ انقِدَاحَا) (وطَرَقتَ منغَلقاً فهلْ ... سَنَّ الآله لَهُ انْفِتَاحَا) (قَدْ كنت أرْسلت الْعُيُون ... صَباحَ يوْمِكَ والرَّوَاحَا) (وبعَثتُ مُصغيةً تبيت ... لدَيْكَ تَرْتقِبُ النَّجَاحا) (فَغَدْت عليّ بجُملةٍ ... لم تُولني إِلَا افتِضاحَا) (وشَكتْ إِليّ خلاخلاً ... خرْساً وأوشجةً فِصاحا) (مَنعت وساوسُها المسامع ... مَعَ أَن تُحسَّ لكم صباحا) // الْكَامِل // وللصاحب ابْن عباد فِي هَذَا الْمَعْنى إِلَّا أَنه أقرب فِي التَّصْرِيح (قلبِي على الجمرَة يَا أَبَا الْعلَا ... فَهَل فتَحتَ الموْضع المقفلا) (وَهل فَككت الْخَتْم عَن كيسه ... وَهل كحلت النَّاظر الأكحلا) (إِن قُلت يَا هَذَا نعم صَادِقا ... أبْعث نثاراً يمْلَأ المنْزلا) (وإنْ تُجبني مِنْ حياءَ بِلَا ... أبعَثْ إليْكَ الْقطن والمغزلا) // السَّرِيع // وَلابْن العميد فِي المغنى الْقرشِي (إِذا غناني الْقرشِي يَوْمًا ... وعنَّاني برؤيتهِ وضربهْ) (وَدِدْتُ لَوَ أنّ أُذني مثْلُ عَيْني ... هنَاكَ وأنّ عيْني مثلُ قلبِهْ) // الوافر //

стр. 503

وللوزير المهلبي فِيهِ أَيْضا (إِذا غناني الْقرشِي ... دعوْتُ الله بالطَّرش) (وَإِنْ أبصرْتُ طَلعتهُ ... فَوالهفي على العَمَش) // من مجزوء الوافر // وَاجْتمعَ عِنْد ابْن العميد يَوْمًا أَبُو مُحَمَّد بن هندو وَأَبُو الْقَاسِم بن أبي الْحُسَيْن وَأَبُو الْحُسَيْن بن فَارس وَأَبُو عبد الله الطَّبَرِيّ وَأَبُو الْحسن البديهي فحياه بعض الزائرين بأترجة حَسَنَة فَقَالَ لَهُم تَعَالَوْا نتجاذب أهداب وصفهَا فَقَالُوا إِن رأى سيدنَا أَن يَبْتَدِئ فعل فابتدأ وَقَالَ (وأَتُرجَّةٍ فِيهَا طبائعُ أَربع ... ) // الطَّوِيل // فَقَالَ أَبُو مُحَمَّد (وفيهَا فُنونُ اللَّهْو وَالشرب أجْمَعُ ... ) فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم (يُشبهُها الرَّائي سبيكةَ عَسجَدٍ ... ) فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم بن أبي الْحُسَيْن (على أَنَّهَا منْ فَأرةِ المِسْكِ أضْوَعُ ... ) فَقَالَ أَبُو عبد الله (وَمَا اصفَرَّ منْها اللَّوْنُ للْعشق والهوى ... ) فَقَالَ أَبُو الْحسن (وَلَكِن أَرَاهَا لِلْمحبِّين تجْمَعُ ... ) وَكَانَ ابْن العميد متفلسفاً مُتَّهمًا بِرَأْي الْأَوَائِل وَيُقَال إِنَّه كَانَ مَعَ فنونه لَا يدْرِي الشَّرْع فَإِذا تكلم أحد بِحَضْرَتِهِ فِي أَمر الدّين شقّ عَلَيْهِ وخنس ثمَّ

стр. 504

قطع على الْمُتَكَلّم فِيهِ وَكَانَ قد ألف كتابا سَمَّاهُ الْخلق والخلق وَلم يبيضه وَلم يكن الْكتاب بِذَاكَ وَلَكِن جعس الرؤساء خبيص وصنان الْأَغْنِيَاء ند وَتُوفِّي فِي سنة ثلثمِائة وَسِتِّينَ وَقَامَ ابْنه عَليّ أَبُو الْفَتْح ذُو الكفايتين مقَامه إِذْ هُوَ ثَمَرَة تِلْكَ الشَّجَرَة وشبل ذَلِك القسوره وَحقّ على ابْن الصَّقْر أَن يشبه الصقرا وَمَا أصدق قَول الشَّاعِر (إِنَّ السَّرىّ إِذا سراره فبنَفْسِه ... وابُن السَّرىِّ إِذا سرا أسراهما) // الْكَامِل // وَكَانَ نجيباً ذكياً لطيفاً سخياً رفيع الهمة كَامِل الْمُرُوءَة تأنق أَبوهُ فِي تأديبه وتهذيبه وجالس بِهِ أدباء عصره وفضلاء وقته وَخرج حسن الترسل مُتَقَدم الْقدَم فِي النّظم آخِذا من محَاسِن الْأَدَب بأوفر الْحَظ وَلما قَامَ مقَام أَبِيه قبل الاستكمال وعَلى مدى بعيد من الاكتهال وَجمع تَدْبِير السَّيْف والقلم لركن الدولة بن بويه لقب بِذِي الكفايتين وَعلا شَأْنه وارتفع قدره وطاب ذكره وَجرى أمره أحسن مجْرى إِلَى أَن توفّي ركن الدولة وأفضت حَال أبي الْفَتْح إِلَى مَا سَيذكرُ إِلَى قَرِيبا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وعونه وَمن طرف أخباره أَن أَبَاهُ كَانَ قد قيض جمَاعَة من ثقاته فِي السِّرّ يشرفون على وَلَده الْأُسْتَاذ أبي الْفَتْح فِي منزله ومكتبه ويشاهدون أَحْوَاله ويعدون أنفاسه وأفعاله وَينْهَوْنَ إِلَيْهِ جَمِيع مَا يَأْتِيهِ ويذره ويقوله ويفعله

стр. 505

فَرفع إِلَيْهِ بَعضهم أَن أَبَا الْفَتْح اشْتغل لَيْلَة بِمَا يشْتَغل بِهِ الْأَحْدَاث المترفون من عقد مجْلِس أنس واتخاذ الندماء وتعاطي مَا يجمع شَمل اللَّهْو فِي خُفْيَة شَدِيدَة واحتياط تَامّ وَأَنه فِي تِلْكَ الْحَال كتب رقْعَة إِلَى بعض أصدقائه فِي استهداء الشَّرَاب فَحمل إِلَيْهِم مَا يصلح لَهُم من المشروب وَالنَّقْل والمشموم فَدس أَبوهُ إِلَى ذَلِك الْإِنْسَان من أَتَاهُ بالرقعة فَإِذا فِيهَا بِخَطِّهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قد اغتنمت اللَّيْلَة أَطَالَ الله بقاك يَا سَيِّدي ومولاي رقدة من عين الدَّهْر وانتهزت فرْصَة من فرص الْعُمر وانتظمت مَعَ أَصْحَابِي فِي سمط الثريا فَإِن لم تحفظ علينا النظام باهداء المدام عدنا كبنات نعش وَالسَّلَام فاستطير الْأُسْتَاذ فَرحا وإعجاباً بِهَذِهِ الرقعة البديعة وَقَالَ الْآن ظهر لي أَمر براعته ووثقت بجريه فِي طريقي ونيابته منابي وَوَقع لَهُ بألفي دِينَار وَحكى أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس قَالَ كنت عِنْد الْأُسْتَاذ أبي الْفَتْح فِي يَوْم شَدِيد الْحر فرمت الشَّمْس بجمرات الهاجرة فَقَالَ لي مَا قَول الشَّيْخ فِي قلبه فَلم أحر جَوَابا لِأَنِّي لم أفطن لما أَرَادَ وَلما كَانَ بعد هنيَّة أقبل رَسُول وَالِده الْأُسْتَاذ يستدعيني إِلَى مَجْلِسه فَلَمَّا مثلت بَين يَدَيْهِ تَبَسم ضَاحِكا إِلَيّ وَقَالَ مَا قَول الشَّيْخ فِي قلبه فبهت وَسكت وَمَا زلت متفكراً حَتَّى تنبهت أَنه يُرِيد الخيش وَكَأن من يشرف على أبي الْفَتْح من جِهَة أَبِيه أَتَاهُ بِتِلْكَ اللَّفْظَة فِي تِلْكَ السَّاعَة فأفرط اهتزازه لَهَا وقرأت صحيفَة السرُور فِي وَجهه ثمَّ أخذت أتحفه بنكت نظمه ونثره فَكَانَ مِمَّا أعجب بِهِ واستضحك لَهُ رقْعَة لَهُ وَردت عَليّ وصدرها وصلت رقْعَة الشَّيْخ أَصْغَر من عنفقة بقة وأقصر من أُنْمُلَة نملة قَالَ أَبُو الْحُسَيْن وَجرى فِي بعض أيامنا ذكر أَبْيَات اسْتحْسنَ الرئيس الْأُسْتَاذ وَزنهَا واستحلى رويها وَأنْشد كل من الْحَاضِرين مَا حَضَره على ذَلِك وَهُوَ قَول الْقَائِل

стр. 506

(لَئِن كَفَفْتَ وَإلَاّ ... شققتُ مِنْك ثِيَابِي) // المقتضب // فأصغى الْأُسْتَاذ أَبُو الْفَتْح ثمَّ أنْشد فِي الْوَقْت وَقَالَ (يَا مولَعاً بعذابي ... أما رحمتَ شَبَابِي) (تركت قلبِي قريحاً ... نهب الأسى والتصابي) (إِن كنتَ تُنْكِر مَا بِي ... من ذِلّتي واكتئابي) (فارفعْ قَلِيلا قَلِيلا ... عَن العظامِ ثِيَابِي) وَله من نوروزيه (أبْشر بنورُوزٍ أتاكَ مبشراً ... بسعادةٍ وزيادةٍ ودوامِ) (واشرَبْ فقد حلَّ الربيعُ نقابَهُ ... عَن منظرٍ متهللٍ بَسَّامِ) (وهديَّتي شعر عَجِيب نظمُهُ ... ومديحهُ يبْقى على الأيامِ) (فاقبلْهُ وَأَقْبل عذرَ منْ لم يستطعْ ... إهداءَ غير نتيجة الأفهام) // الْكَامِل // وَمن بدائعه الْمَشْهُورَة قَوْله من قصيدة (عُودي وماءُ شبيبتي فِي عودي ... لَا تَعمدي لِمقَاتِل المعمودِ) (وِصليهِ مَا دامتْ أَصائلُ عيشهِ ... تُؤويه فِي ظلٍّ لهَا ممدودِ) (مَا دَامَ من ليلِ الصِّبا فِي فاحمٍ ... رجل الذرى متهدلِ العُنقودِ) (قبلَ المشيب وطارقاتُ جنُودِه ... يُبْدِلْنَهُ يَققا بسحم سود) // الْكَامِل // وَمن شعره

стр. 507

(أَيْن لي من يَفِي بشكر اللَّيَالِي ... إِذْ أضافتْ خيالهَا وخيالي) (لم يكنْ لي على الزمانِ اقتراحٌ ... غيرَها منية فجاد بهَا لِي) // الْخَفِيف // وَمِنْه (إِذا أَنا بُلِّغتُ الَّذِي كنت أشتهي ... وأضعافَهُ ألفا فكِلْنِي إِلَى الْخمر) (وَقل لنديمي قمْ إِلَى الدَّهْر واقترح ... عَلَيْهِ الَّذِي يهوى وكلني إِلَى الدَّهْر) // الطَّوِيل // يحْكى أَنه سر يَوْمًا وَطلب الندماء وهيأ مَجْلِسا عَظِيما بآلات الذَّهَب وَالْفِضَّة والمغاني والفواكه وَشرب بَقِيَّة يَوْمه وَعَامة ليلته ثمَّ عمل شعرًا وغنوه بِهِ وَهُوَ هَذَا (دعوتُ الغِنا ودعوت المنى ... فَلَمَّا أجابا دعوتُ القَدَحْ) (إِذا بلغ المرءُ آمالَهُ ... فَلَيْسَ لَهُ بعْدهَا مقترح) // المتقارب // وَكَانَ ذَلِك بعد تَدْبيره على الصاحب وإبعاده عَن ركن الدولة وانفراده بالدست كَمَا سَنذكرُهُ ثمَّ طرب بالشعر وَشرب إِلَى أَن سكر وَقَالَ غطوا الْمجْلس لأصطبح عَلَيْهِ غَدا وَقَالَ لندمائه باكروني ثمَّ نَام فَدَعَاهُ مؤيد الدولة فِي السحر وَقبض عَلَيْهِ وَأخذ مَا يملكهُ ثمَّ قَتله وَكَانَ من خبر ذَلِك أَنه لما توفّي ركن الدولة وَقَامَ بعده وَلَده مؤيد الدولة مقَامه خَليفَة لِأَخِيهِ عضد الدولة أقبل من أَصْبَهَان إِلَى الرّيّ وَمَعَهُ الصاحب أَبُو الْقَاسِم بن عباد فَخلع على أبي الْفَتْح هَذَا خلع الوزارة وَألقى إِلَيْهِ مقاليد المملكة والصاحب على حَالَته فِي الْكِتَابَة لمؤيد الدولة والاختصاص بِهِ وَشدَّة الحظوة لَدَيْهِ فكره أَبُو الْفَتْح مَكَانَهُ وأساء بِهِ الظَّن فَبعث الْجند على أَن يشغبوا عَلَيْهِ وهموا بِمَا لم ينالوا مِنْهُ فَأمره مؤيد الدولة بمعاودة أَصْبَهَان وَأسر فِي نَفسه الموجدة على أبي الْفَتْح وانضاف إِلَى ذَلِك تغير عضد الدولة واحتقاده عَلَيْهِ أَشْيَاء كَثِيرَة فِي أَيَّام أَبِيه وَبعدهَا مِنْهَا ممايلته عز الدولة بختيار وَمِنْهَا ميل القواد إِلَيْهِ بل غلوهم فِي موالاته ومحبته وَمِنْهَا ترفعه عَن التَّوَاضُع لَهُ فِي مكاتباته وَاجْتمعَ رَأْي الْأَخَوَيْنِ على اعتقاله وَأخذ أَمْوَاله وَلما قبض عَلَيْهِ بدرت مِنْهُ كَلِمَات

стр. 508

أَيْضا نقلت إِلَى عضد الدولة فزادت فِي استيحاشه مِنْهُ وأنهض من حَضرته من طَالبه بالأموال وعذبه بأنواع الْعَذَاب وَيُقَال إِنَّه سمل إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَقطع أَنفه وجز لحيته وَفِي تِلْكَ الْحَال يَقُول وَقد أيس من نَفسه وَاسْتَأْذَنَ فِي صَلَاة رَكْعَتَيْنِ ودعا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وَكتب (بدِّلَ من صُورَتيَ المنظَرُ ... لكنَّهُ مَا غُيرَ المخبرُ) (ولسْتُ ذَا حُزْنٍ على فائتٍ ... لَكِن على من باتَ يَسْتَعْبِرُ) (وواله الْقلب لما مسني ... مُسْتَخبرٌ عني وَلَا يخبر) // السَّرِيع // وَحدث أَبُو جَعْفَر الْكَاتِب قَالَ كَانَ أَبُو الْفَتْح قبل النكبة الَّتِي أَتَت على نَفسه قد لهج بإنشاد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي أَكثر أوقاته وَلست أَدْرِي أهماله أم لغيره وهما (سكنَ الدُّنيا أناسٌ قبلنَا ... رَحلوا عَنْهَا وخلوها لنا) (ونزلناها كَمَا قد نزلُوا ... ونُخَلِّيهَا لقومٍ بَعدنَا) // الرمل // وَلما تَيَقّن بهلاكه وَأَنه لَا ينجو مِنْهُم ببذل المَال مد يَده إِلَى جيب جُبَّة كَانَت عَلَيْهِ ففتقه عَن رقْعَة فِيهَا مَكْتُوب مَا لَا يُحْصى من ودائعه وكنوز أَبِيه وذخائره وَأَلْقَاهَا فِي كانون كَانَ بَين يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ للْمُوكل بِهِ الْمَأْمُور بقتْله اصْنَع مَا أَنْت صانع فوَاللَّه لَا يصل من أَمْوَالِي المستورة إِلَى صَاحبك الدِّرْهَم الْوَاحِد فَمَا زَالَ يعرضه على الْعَذَاب ويمثل بِهِ حَتَّى تلف وَفِيه يَقُول بعض الشُّعَرَاء المتعصبين لَهُ (آلَ العميدِ وَآل برمك مالكم ... قَلّ المُعينُ لكُمْ وقَلّ النَاصِرُ) (كَانَ الزَّمَان يحبكم فبداله ... إِنَّ الزَّمَان هُوَ المحبُّ الغادرُ) ورثاه كثير من الشُّعَرَاء بغرر القصائد

стр. 509

٩٩ - (لَا تْعَجبوا مِنْ بلَى غِلَالَتهِ ... قَدْ زُرَّ أزْرارهُ عَلَى القَمرِ) الْبَيْت لأبي الْحسن بن طَبَاطَبَا الْعلوِي من المنسرح وَقَبله (يَا منْ حكى فرطَ رِقَّتِهِ ... وقلبهُ فِي قساوة الحجرِ) (يَا ليتَ حظي كحظِّ ثوبكَ منْ ... جسمكَ يَا وَاحِدًا من الْبشر) // المنسرح // وَبعده الْبَيْت ورأيته بِلَفْظ (قد زُرّ كِتَّانُهَا علىَ القمرِ ... ) وَلَعَلَّه أبلغ فِي المُرَاد والغلالة بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة شعار يلبس تَحت الثَّوْب وَالشَّاهِد فِيهِ مَا فِي الْبَيْت الَّذِي قبله لِأَنَّهُ لَو لم يَجعله قمرا حَقِيقِيًّا لما كَانَ للنَّهْي عَن التَّعَجُّب معنى لِأَن الْكَتَّان إِنَّمَا يسْرع إِلَيْهِ البلى بِسَبَب ملازمته للقمر الْحَقِيقِيّ لَا بِسَبَب مُلَابسَة إِنْسَان كَالْقَمَرِ حسنا ورد كَون الِاسْتِعَارَة مجَازًا عقلياً بَان ادِّعَاء دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ لَا يَقْتَضِي كَونهَا مستعملة فِيمَا وضعت لَهُ للْعلم الضَّرُورِيّ بِأَنَّهَا مستعملة فِي الرجل الشجاع مثلا والموضوع لَهُ هُوَ السَّبَب الْمَخْصُوص وَأما التَّعَجُّب وَالنَّهْي عَنهُ فِي الْبَيْت وَالَّذِي قبله فللبناء على تناسي التَّشْبِيه قَضَاء لحق الْمُبَالغَة وَدلَالَة على أَن الْمُشبه بِحَيْثُ لَا يتَمَيَّز عَن الْمُشبه بِهِ أصلا حَتَّى إِن كل مَا يَتَرَتَّب على الْمُشبه بِهِ من التَّعَجُّب وَالنَّهْي عَنهُ يَتَرَتَّب على الْمُشبه أَيْضا وَأَبُو الْحسن ابْن طَبَاطَبَا اسْمه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَهُوَ شَاعِر مفلق وعالم مُحَقّق مولده بأصبهان وَبهَا مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة وَله عقب كثير بأصبهان فيهم عُلَمَاء

стр. 510

وأدباء ومشاهير وَكَانَ مَذْكُورا بالفطنة والذكاء وصفاء القريحة وَصِحَّة الدّهن وجودة الْمَقَاصِد وَله من المصنفات كتاب عيار الشّعْر وَكتاب تَهْذِيب الطَّبْع وَكتاب الْعرُوض وَلم يسْبق إِلَى مثله وَمن شعره قصيدة تِسْعَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا لَيْسَ فِيهَا رَاء وَلَا كَاف أَولهَا (يَا سيداً دَانتْ لهُ السادَاتُ ... وَتَتَابَعَتْ فِي فعله الحسناتُ) // الْكَامِل // يَقُول مِنْهَا فِي وصف القصيدة (ميزانها عندَ الخليلِ مُعَدَّلٌ ... متفاعلنْ متفاعلن فَعَلَاتٌ) (لَو واصلُ بنُ عطاءِ الْبَانِي لَهَا ... تُليَتْ تُوُهِّم أَنَّهَا آياتُ) وَمن شعره يهجو أَبَا عَليّ الرستمي ويرميه ... بالدعوة والبرص (أنتَ أعطيتَ من دَلَائِل رُسل الله آياً بهَا علوتَ الرُّؤسَا ... ) (جئتَ فردَاً بِلَا أَب وبيمناك ... بياضٌ فأنتَ عِيسَى ومُوسَى) // الْخَفِيف // وَمَا أحسن قَول أبي المطاوع نَاصِر الدولة ابْن حمدَان فِي معنى الْبَيْت المستشهد بِهِ (ترَى الثيابَ من الْكَتَّان يلمحها ... نُورٌ من الْبَدْر أَحْيَانًا فيُبْليها) (فكيفَ تُنْكر أَن تَبْلَى معاجرُها ... والبدرُ فِي كل وقتٍ طالعٌ فِيهَا) // الْبَسِيط // وَقَالَ مَنْصُور البستي الْمَعْرُوف بالغزال فِيهِ من قصيدة يصف الساقي (وَمَشى بكتانٍ فخلتُ عناكبا ... نسجت على الْيَاقُوت ثوب قَتَامٍ) (أعجِبْ ببدرٍ سالمٍ كتانُهُ ... وَبِه يحرق أنفس الأقوام) // الْكَامِل //

стр. 511

وَمثله قَول الآخر (كيفَ لَا تَبْلَي غلائلهُ ... وَهْوَ بَدْرٌ وَهِي كتَّان) // المديد // ١٠٠ - (فَإِن تعافُوا العدلَ والإِيمانَا ... فإنَّ فِي إيمَانِنَا نِيرَاناً) قَائِله بعض الْعَرَب من الرجز وَالشَّاهِد فِيهِ ذكر الْقَرِينَة فِي الِاسْتِعَارَة لِأَنَّهَا مجَاز وَلَا بُد لَهَا من قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ وَهِي إِمَّا أَمر وَاحِد أَو أَكثر وَهُوَ هُنَا قَوْله تعافوا فَإِن تعلقه بِكُل من الْعدْل وَالْإِيمَان قرينَة دَالَّة على أَن المُرَاد بالنيران السيوف أَي سيوفاً تلمع كشعل النيرَان لدلالته على أَن جَوَاب هَذَا الشَّرْط تحاربون وتلجئون إِلَى الطَّاعَة بِالسُّيُوفِ ١٠١ - (وصاعقةٍ من نَصْله تَنْكَفي بهَا ... على أرْؤُسِ الأقران حمسُ سَحائِبِ) الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا (هَبِيهِ لمنهلِّ الدُّمُوع السواكِبِ ... وهَبَّاتِ شوقٍ فِي حَشَاه لَوَاعِبِ) (وَإِلَّا فَرُدِّى نَظرَة فِيهِ تَعْجَبِي ... لما فِيهِ أَولا تحفلي بالعجائب) // الطَّوِيل // وَهِي طَوِيلَة وَالرِّوَايَة فِيهِ وصاعقة فِي كَفه كَمَا فِي الدِّيوَان وَبعده

стр. 512

(يكَاد الندى مِنْهَا يفِيض على العدَا ... لَدَى الْحَرْب فِي ثنيتي قِنَا وقَوَاضبِ) والصاعقة الْمَوْت وكل عَذَاب مهلك وصيحة الْعَذَاب والمحراق الَّذِي بيد الْملك سائق السَّحَاب وَلَا يَأْتِي على شَيْء إِلَّا أحرقه أَو نَار تسْقط من السَّمَاء والانكفاء الانقلاب والأرؤس جمع رَأس والأقران جمع قرن وَهُوَ الْكُفْء وَالشَّاهِد فِيهِ مَجِيء الْقَرِينَة مَعَاني ملتئمة مربوطة بَعْضهَا بِبَعْض يكون الْجَمِيع قرينَة لَا كل وَاحِد فههنا أَرَادَ بِخمْس سحائب أنامل الممدوح الْخمس الَّتِي هِيَ فِي الْجُود وَعُمُوم الْعَطاء سحائب أَي يصبهَا على أكفائه فِي الْحَرْب فيهلكهم بهَا وَأَرَادَ بأرؤس الأقران جمع الْكَثْرَة بِقَرِينَة الْمَدْح لِأَن كلا من صِيغَة جمع الْقلَّة وَالْكَثْرَة يستعار للْآخر فههنا لما اسْتعَار السحائب لأنامل الممدوح ذكر أَن هُنَاكَ صَاعِقَة وَبَين أَنَّهَا من نصل سَيْفه ثمَّ قَالَ على أرؤس الأقران ثمَّ قَالَ خمس فَذكر الْعدَد الَّذِي هُوَ عدد الأنامل فَظهر من جَمِيع ذَلِك أَنه أَرَادَ بالسحائب الْخمس الأنامل ١٠٢ - (وإذَا احْتَبَى قَرَبُوسهُ بِعِنَانِهِ ... ) قَائِله يزِيد بن مسلمة بن عبد الْملك بن مَرْوَان من قصيدة من الْكَامِل يصف فرسا لَهُ بِأَنَّهُ مؤدب وَأَنه إِذا نزل عَنهُ وَألقى عنانه فِي قربوس سَرْجه وقف مَكَانَهُ إِلَى أَن يعود إِلَيْهِ وَتَمَامه (عَلكَ الشَّكيم إِلَى انْصِرَافِ الزائِرِ ... ) والقربوس بِفَتْح الرَّاء وَلَا تسكن إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر وَهُوَ حنو السرج وهما قربوسان والعنان بِكَسْر الْعين سير اللجام الَّذِي تمسك

стр. 513

بِهِ الدَّابَّة والشكيم والشكيمة الحديدة المعترضة فِي فَم الْفرس فِيهَا الفأس وَأَرَادَ بالزائر نَفسه بِدَلِيل مَا قبله وَهُوَ (عودته فِيمَا أَزور حبائبي ... إهماله وكذاك كل مخاطر) // الْكَامِل // وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِعَارَة الْخَاصَّة وَهِي الغريبة والغرابة قد تكون فِي نفس الشّبَه كَمَا فِي الْبَيْت فَإِنَّهُ شبه هَيْئَة وُقُوع الْعَنَان فِي موقعه من قربوس السرج ممتداً إِلَى جَانِبي فَم الْفرس بهيئة وُقُوع الثَّوْب موقعه من ركبة المحتبي ممتداً إِلَى جَانِبي ظَهره وساقيه بِثَوْب أَو غَيره كوقوع الْعَنَان فِي قربوس السرج فَجَاءَت الِاسْتِعَارَة غَرِيبَة كغرابة الْمُشبه وَمن الاستعارات الغريبة قَول طفيل الغنوي (وجَعَلْتُ كُوري فَوقَ ناجِيةٍ ... يقْتَاتَ شَحْمَ سنامها الرحل) // الْكَامِل // وَكَذَا قَول الْأُسْتَاذ ابْن المعتز (حَتَّى إِذا مَا عَرَفَ الصَّيْدَ انْصَارْ ... وأذنَ الصُّبحُ لنا بالأبصار) // الرجز // وَقَول جرير (تُحْيِي الرَّوَامِسُ رَبْعَهَا فَتُجِدُّهُ ... بعدَ البِلَى وتميته الأمطار) // الْكَامِل // وَقَول أبي نواس (بِصَحْنِ خد لم يغض مَاؤُهُ ... وَلم تخضه أعين النَّاس) // السَّرِيع // وَقَوله أَيْضا

стр. 514

(فَإِذا بدا اقتادت محاسنه ... قسرا إِلَيْهِ أعنه الحدق) // الْكَامِل // ١٠٣ - (وسالت بأعناق الْمطِي الأباطِحُ ... ) قَائِله كثير عزة من قصيدة من الطَّوِيل وصدره (أَخذنَا بأطراف الْأَحَادِيث بينَنَا ... ) وَقَبله (وَلما قضينا من منى كل حَاجَة ... وَمسح بالأركان من هُوَ ماسحُ) (وشُدَّتْ على حُدْبِ المَهَارى رحالُنَا ... وَلم ينظر الغادي الَّذِي هُوَ رائحُ) وَقيل الأبيات لِابْنِ الطثرية وَذكر الشريف الرضي فِي كِتَابه غرر الفرائد قَالَ أَنْشدني ابْن الْأَعرَابِي للمضرب وَهُوَ عقبَة بن كَعْب بن زُهَيْر بن أبي سلمى رَحِمهم الله تَعَالَى (وَمَا زلْتُ أَرْجُو نَفْعَ سَلْمى ووُدَّها ... وتبْعُدُ حَتَّى ابْيَضَّ مني المسائحُ) (وَحَتَّى رأيْتُ الشَّخْصَ يَزْدَادُ مِثْلُهُ ... إليهِ وَحَتَّى نصْفُ رأسيَ واضحُ)

стр. 515

(عَلَا حاجبَيَّ الشيبُ حَتَّى كأنُهُ ... ظباءٌ جَرَتْ مِنْهَا سَنيحٌ وبارحُ) (وهَزَّةَ أظْعَانٍ علَيهِنَّ بهجَةٌ ... طَلَبْتُ ورَيْعَانُ الصِّبَا بِي جامحُ) (فَلَمَّا قضينا من منى كل حَاجَة ... وَمسح بالأركان من هُوَ ماسح) (أَخذنَا بأطراف الْأَحَادِيث بَيْننَا ... وسالت بأعناق الْمطِي الأباطحُ) (وشُدِّت على حُدْبِ المَهَارى رِحَالهَا ... وَلم ينظر الغادي الَّذِي هُوَ رائحُ) (قَفَلْنا على الخوصِ الْمَرَاسِيل وارْتَمَتْ ... بِهِنَّ الصَّحَارى والصِّفَاح الصَّحَاصحُ) والأباطح جمع بطح وَهُوَ مسيل وَاسع فِيهِ دقاق الْحَصَى وَالْمعْنَى لما فَرغْنَا من أَدَاء مَنَاسِك الْحَج ومسحنا أَرْكَان الْبَيْت الشريف عِنْد طواف الْوَدَاع وشددنا الرّحال على المطايا وارتحلنا وَلم ينظر السائرون فِي الْغَدَاة السائرين فِي الرواح للاستعجال أَخذنَا فِي الْأَحَادِيث وَأخذت المطايا فِي سرعَة السّير وَالشَّاهِد فِيهِ حُصُول الغرابة فِي الِاسْتِعَارَة العامية بِتَصَرُّف فِيهَا فَإِنَّهُ اسْتعَار سيلان السُّيُول الْوَاقِعَة فِي الأباطح لسير الْإِبِل سيراً عنيفاً حثيثاً فِي غَايَة السرعة الْمُشْتَملَة على لين وسلاسة والشبه فِيهَا ظَاهر عَامي لكنه تصرف فِيهِ بِمَا أَفَادَ اللطف والغرابة حِين أسْند الْفِعْل وَهُوَ سَالَتْ إِلَى الأباطح دون الْمطِي أَو أعناقها حَتَّى أَفَادَ أَنه امْتَلَأت الأباطح من الْإِبِل وَأدْخل الْأَعْنَاق فِي السّير لِأَن السرعة والبطء فِي سير الْإِبِل يظهران غَالِبا فِي الْأَعْنَاق ويتبين أَمرهمَا فِي الهوادي وَسَائِر الْأَجْزَاء يسْتَند إِلَيْهَا فِي الْحَرَكَة ويتبعها فِي الثّقل والخفة وَمثل هَذِه الِاسْتِعَارَة فِي الْحسن وعلو الطَّبَقَة فِي هَذِه اللَّفْظَة بِعَينهَا قَول ابْن المعتز رَحمَه الله تَعَالَى حَيْثُ يَقُول (سَالَتْ عَلَيْهِ شِعَابُ الحيِّ حِين دَعَا ... أنصارهُ بوُجوهٍ كالدَّنانيرِ) // الْبَسِيط //

стр. 516

أَرَادَ أَنه مُطَاع فِي الْحَيّ وَأَنَّهُمْ يسرعون إِلَى نصرته كالسيل وكما أَن إِدْخَال الْأَعْنَاق فِي السّير أكد كلا من الرقة والغرابة فِي الأول أكده هُنَا تَعديَة الْفِعْل إِلَى ضمير الممدوح بعلى لِأَنَّهُ يُؤَكد مَقْصُوده من كَونه مُطَاعًا فِي الْحَيّ وَكثير عزة هُوَ كثير بن عبد الرَّحْمَن بن أبي جُمُعَة الْأسود بن عَامر ابْن عُوَيْمِر أَبُو صَخْر الْخُزَاعِيّ الشَّاعِر الْمَشْهُور أحد عشاق الْعَرَب وَإِنَّمَا صغروه لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيد الْقصر حدث الوقاصي قَالَ رَأَيْت كثيرا يطوف بِالْبَيْتِ فَمن حَدثَك أَنه يزِيد على ثَلَاثَة أشبار فَلَا تصدقه وَكَانَ إِذا دخل على عبد الْملك ابْن مَرْوَان أَو أَخِيه عبد الْعَزِيز رحمهمَا الله تَعَالَى يَقُول لَهُ طأطئ رَأسك لِئَلَّا يُصِيبهُ السّقف وَكَانَ يلقب زب الذُّبَاب وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ كَانَ الحزين الْكِنَانِي قد ضرب على كل رجل من قُرَيْش دِرْهَمَيْنِ فِي كل شهر مِنْهُم ابْن أبي عَتيق فَجَاءَهُ لأخذ درهميه على حمَار لَهُ أعجف قَالَ وَكثير مَعَ ابْن أبي عَتيق فَأمر ابْن أبي عَتيق للحزين بِدِرْهَمَيْنِ فَقَالَ الحزين لِابْنِ أبي عَتيق من هَذَا الَّذِي مَعَك قَالَ أَبُو صَخْر كثير بن أبي جُمُعَة قَالَ وَكَانَ قَصِيرا دميماً فَقَالَ لَهُ الحزين أتأذن لي فِي أَن أهجوه بِبَيْت من الشّعْر قَالَ لعمري لَا آذن لَك أَن تهجو جليسي وَلَكِنِّي أَشْتَرِي عرضه مِنْك بِدِرْهَمَيْنِ ودعا لَهُ بهما فَأَخذهُمَا وَقَالَ لَا بُد لي من هجائه بِبَيْت قَالَ وأشترى ذَلِك مِنْك بِدِرْهَمَيْنِ آخَرين فَدَعَا لَهُ بهما فَأَخذهُمَا أَيْضا وَقَالَ مَا أَنا بتاركه حَتَّى أهجوه قَالَ وأشترى ذَلِك مِنْك بِدِرْهَمَيْنِ أَيْضا فَقَالَ لَهُ كثير

стр. 517

ايذن لَهُ وَمَا عَسى أَن يَقُول فِي بَيت وَاحِد قَالَ فَأذن لَهُ ابْن عَتيق فَقَالَ (قَصيرُ القَميصِ فاحِشٌ عندَ بَيْتِهِ ... يَعَضُّ القُرَادُ باسْتِهِ وَهُوَ قَائِم) // الطَّوِيل // قَالَ فَوَثَبَ إِلَيْهِ كثير فلكزه فَسقط عَن الْحمار فخلص ابْن أبي عَتيق بَينهمَا وَقَالَ لكثير قبحك الله أتأذن لَهُ وتسفه عَلَيْهِ فَقَالَ كثير وَأَنا مَا ظَنَنْت أَن يبلغ بِي فِي بَيت وَاحِد هَذَا كُله وَكَانَ كثير يَقُول بتناسخ الْأَرْوَاح وَكَانَ يدْخل على عمَّة لَهُ يزورها فتكرمه وتطرح لَهُ وسَادَة يجلس عَلَيْهَا فَقَالَ لَهَا يَوْمًا لَا وَالله مَا تعرفينني وَلَا تكرمينني حق كَرَامَتِي قَالَت بلَى وَالله إِنِّي لأعرفك قَالَ فَمن أَنا قَالَت فلَان بن فلَان وَابْن فُلَانَة وَجعلت تمدح أَبَاهُ وَأمه فَقَالَ قد علمت أَنَّك لَا تعرفينني قَالَت فَمن أَنْت قَالَ أَنا يُونُس بن مَتى وَكَانَ يقْرَأ ﴿فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ وَكَانَ يُؤمن بالرجعة وَدخل عَلَيْهِ عبد الله بن حسن بن حسن ين عَليّ بن أبي طَالب ﵃ يعودهُ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ كثير أبشر فكأنك بِي بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَة قد طلعت عَلَيْك على فرس عَتيق فَقَالَ لَهُ عبد الله بن حسن ﵁ مَالك عَلَيْك لعنة الله فوَاللَّه لَئِن مت لَا أشهدك وَوَاللَّه لَا أعودك وَلَا أُكَلِّمك أبدا وَكَانَ شِيعِيًّا غالياً فِي التَّشَيُّع وَكَانَ يَأْتِي ولد حسن بن حسن ﵃ إِذا أَخذ الْعَطاء فيهب لَهُم الدَّرَاهِم وَيَقُول بِأبي الْأَنْبِيَاء

стр. 518

الصغار وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز رحمهمَا الله تَعَالَى إِنِّي لأعرف صَالح بني هَاشم من فاسدهم بحب كثير من أحبه مِنْهُم فَهُوَ فَاسد وَمن أبغضه فَهُوَ صَالح لِأَنَّهُ كَانَ خشبياً يُؤمن بالرجعة وَحدث رجل من مزينة قَالَ ضفت كثيرا لَيْلَة وَبت عِنْده ثمَّ تحدثنا وَنِمْنَا فَلَمَّا طلع الْفجْر تضور ثمَّ قُمْت فَتَوَضَّأت وَصليت وَكثير نَائِم فِي لِحَافه فَلَمَّا طلع قرن الشَّمْس تضور ثمَّ قَالَ يَا جَارِيَة اسجري لي مَاء أَي سخني قَالَ فَقلت تَبًّا لَك سَائِر الْيَوْم وَبعده وَركبت رَاحِلَتي وَتركته وَكَانَ كثير عاقاً لِأَبِيهِ وَكَانَ أَبوهُ قد أَصَابَته قرحَة فِي أصْبع من أَصَابِع يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ كثير أَتَدْرِي لم أصابتك القرحة فِي أصبعك قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ مِمَّا ترفعها إِلَى الله فِي يَمِين كَاذِبَة وَعَن طَلْحَة بن عبيد الله قَالَ مَا رَأَيْت أَحمَق من كثير دخلت عَلَيْهِ فِي نفر من قُرَيْش وَكُنَّا كثيرا مَا نهزأ بِهِ وَكَانَ يتشيع تشيعاً قبيحاً فَقلت لَهُ كَيفَ تجدك يَا أَبَا صَخْر وَهُوَ مَرِيض فَقَالَ أجدني ذَاهِبًا فَقلت كلا فَقَالَ هَل سَمِعْتُمْ النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا قلت نعم يتحدثون بأنك الدَّجَّال قَالَ أما إِذْ قلت ذَاك فَإِنِّي لأجد فِي عَيْني هَذِه ضعفا مُنْذُ أَيَّام

стр. 519

وَعَن عبد الْعَزِيز بن عمر رحمهمَا الله أَن أُنَاسًا من أهل الْمَدِينَة المنورة كَانُوا يهزأون بِكَثِير فَيَقُولُونَ وَهُوَ يسمع إِن كثيرا لَا يلْتَفت من تيهه فَكَانَ الرجل يَأْتِيهِ من وَرَائه فَيَأْخُذ رِدَاءَهُ فَلَا يلْتَفت من الْكبر ويمضي فِي قَمِيص وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان معجباً بِشعرِهِ قَالَ لَهُ يَوْمًا كَيفَ ترى شعري يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أرَاهُ يسْبق السحر ويغلب الشّعْر وَقَالَ عبد الْملك لَهُ يَوْمًا من أشعر النَّاس يَا أَبَا صَخْر قَالَ من يروي أَمِير الْمُؤمنِينَ شعره فَقَالَ لَهُ عبد الْملك إِنَّك لمنهم وَحدث كثير قَالَ مَا قلت الشّعْر حَتَّى قولته قيل لَهُ وَكَيف ذَاك قَالَ بَينا أَنا نصف النَّهَار أَسِير على بعير لي بالغميم أَو بقاع حمْرَان إِذْ رَاكب قد دنا إِلَيّ حَتَّى صَار إِلَى جَنْبي فتأملته فَإِذا هُوَ من صفر وَهُوَ يجر نَفسه فِي الأَرْض جراً فَقَالَ لي قل الشّعْر وألقاه عَليّ قلت من أَنْت قَالَ قرينك من الْجِنّ فَقلت الشّعْر وَكَانَ أول أمره مَعَ عزة الَّتِي يتعشقها أَنه مر بنسوة من بني ضَمرَة وَمَعَهُ جلب غنم فأرسلن إِلَيْهِ عزة وَهِي صَغِيرَة فَقَالَت لَهُ يقلن لَك النسْوَة بعنا كَبْشًا من هَذِه الْغنم وأنسئنا بِثمنِهِ إِلَى أَن ترجع فَأَعْطَاهَا كَبْشًا وأعجبته فَلَمَّا رَجَعَ جَاءَتْهُ امْرَأَة مِنْهُنَّ بدراهمه فَقَالَ وَأَيْنَ الصبية الَّتِي أخذت مني الْكَبْش قَالَت وَمَا تصنع بهَا هَذِه دراهمك قَالَ لَا آخذ دراهمي إِلَّا مِمَّن دفعت إِلَيْهِ وَولى وَهُوَ يَقُول (قَضى كلُّ ذِي دَينِ فَوَفَّى غَريمَهُ ... وعَزةُ ممطُولٌ مُعنَّى غريمها) // الطَّوِيل // فَقُلْنَ لَهُ أَبيت إِلَّا عزة وأبرزنها لَهُ وَهِي كارهة ثمَّ إِنَّهَا أحبته بعد ذَلِك أَشد من حبه لَهَا

стр. 520

وَعَن الْهَيْثَم بن عدي أَن عبد الْملك سَأَلَ كثيرا عَن أعجب خبر لَهُ مَعَ عزة فَقَالَ حججْت سنة من السنين وَحج زوج عزة بهَا وَلم يعلم أحد منا بِصَاحِبِهِ فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْض الطَّرِيق أمرهَا زَوجهَا بابتياع سمن يصلح بِهِ طَعَاما لأجل رفقته فَجعلت تَدور الْخيام خيمة خيمةً حَتَّى دخلت إِلَيّ وَهِي لَا تعلم أَنَّهَا خَيْمَتي وَكنت أبري سَهْما لي فَلَمَّا رَأَيْتهَا جعلت أبري وَأنْظر إِلَيْهَا وَلَا أعلم حَتَّى بريت ذراعي وَأَنا لَا أشعر بِهِ وَالدَّم يجْرِي فَلَمَّا تبينت ذَلِك دخلت إِلَيّ فَأَمْسَكت بيَدي وَجعلت تمسح الدَّم بثوبها وَكَانَ عِنْدِي نحيٌ من سمن فَحَلَفت لتأخذنه فَجَاءَت بِهِ إِلَى زَوجهَا فَلَمَّا رأى الدَّم سَأَلَهَا عَن خَبره قَالَ فكاتمته حَتَّى حلف عَلَيْهَا لتصدقنه فَلَمَّا أخْبرته ضربهَا وَحلف لتشتمني فِي وَجْهي فوقفت عَليّ وَهُوَ مَعهَا فَقَالَت لي يَا ابْن الزَّانِيَة وَهِي تبْكي ثمَّ انصرفا فَذَلِك حَيْثُ أَقُول (أسِيئِي بِنا أَو أحسني لَا مَلومةً ... لدَينا وَلَا مَقْليَّةً إِن تَقَلّت) (هَنِيئاً مَريئاً غيْرَ داءٍ مخامرٍ ... لعَزَّةَ منْ أعراضنا مَا استحلتِ) // الطَّوِيل // وَمِنْه قَوْله فِيهَا أَيْضا (وددْت وحَقَّ الله أَنَّك بكْرَةٌ ... وأنِّي هَجانٌ مُصْعَبٌ ثمّ نَهْرب) (كِلَانَا بِه عرٌّ فَمن يرَنا يقلْ ... على حسنِها جرباء تُعْدِى وأجْرَب) (نَكُون لذِي مالٍ كثير مغَفّلٍ ... فَلَا هوَ يرعانا وَلَا نَحْنُ نُطْلَب) (إِذا مَا وردْنا منْهلاً صَاح أَهله ... علينا فَمَا ننفك نرمى ونضرب) // الطَّوِيل // يحْكى أَن عزة لما بلغَهَا ذَلِك وَحضر إِلَيْهَا أنشدته الأبيات وَقَالَت لَهُ وَيحك لقد أردْت بِي الشَّقَاء أما وجدت أُمْنِية أوطأ من هَذِه فَخرج من عِنْدهَا خجلاً وأسوأ من هَذِه الأمنية أُمْنِية الْفَزارِيّ حَيْثُ قَالَ

стр. 521

(منْ حبَّها أتمنّى أنْ يُلاقَيِنِي ... منْ نَحْو بلدنها ناعٍ فيَنْعاها) (كَيْمَا أَقُول فراقٌ لَا لِقَاء لَهُ ... وتضمرَ النفْس يأساً ثمَّ تَسلاها) // الْبَسِيط // وَلكنه استدرك بعد ذَلِك فَقَالَ (وَلَو تَموتُ ورَاعتْني لَقلت لَهَا ... يَا بؤْسِ للمْوت لَيتَ الدَّهر أبقاها) // الْبَسِيط // وَقَالَ الآخر (تمَنّيت من حبيِّ بثينةَ أننا ... وئِدْنا جَمِيعًا ثمَّ تَحيا وَلَا أَحْيَا) (فَترْجع دنياها عَلَيْهَا وإنني ... بساعة ضَمِّيها رَضيتُ من الدُّنْيَا) // الطَّوِيل // وكل امْرِئ أمانيه تلِيق بمعاليه قيل للْإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ مَا تتمنى قَالَ سنداً عَالِيا وبيتاً خَالِيا وَقيل لبَعض الوراقين مَا تتمنى قَالَ قَلما مشاقاً وحبراً براقاً وجلوداً وأوراقا وَقيل لبَعض الصُّوفِيَّة مَا تتمنى قَالَ دقنا ودلقا وَلَا أُرِيد رزقا وَقَالَ بَعضهم (لَو قَالَ لي خَالِقي تَمنى ... قلْت لهُ سَائِلاً بصِدْق) (أُريدُ فِي صُبحِ كلِّ يوْمٍ ... فُتُوحَ خيْر يَأْتِي برزْقِ) (كف حشيش وَرِطل لحم ... ومَنّ خبز ونيك علق) // من مخلع الْبَسِيط // وَقَول الآخر (لَو قيل مَا تَتَمَنَّى قلت فِي عجَل ... أَخا صدُوقا أَمينا غيرَ خوّان) (إِذا فَعَلت جَميلاً ظلّ يشكرني ... وَإن أسأتُ تَلَقّاني بغفران) // الْبَسِيط // وَمَا أحسن قَول ابْن سارة فِي الْأَمَانِي (أمانِيّ منْ ليلى حسان كَأَنَّمَا ... سقني بهَا ليلِي على ظمإِ برْدَا)

стр. 522

(مُنىً إِن تكن حقّاً تكن أحسَنَ المنى ... وَإِلَّا فَقَدْ عِشْنَا بهَا زَمنا رغدا) // الطَّوِيل // وبديع قَول الْوَزير مؤيد الدّين الطغرائي رَحمَه الله تَعَالَى (أعَلِّلَ النفسَ بالآمال أَرْقبها ... مَا أَضيَقَ العَيْشَ لوْلا فُسْحَةُ الأمل) // الْبَسِيط // وَقد أَخذه الْعِمَاد الْكَاتِب فَقَالَ (وَمَا هذِهِ الْأَيَّام إلَاّ صحائفٌ ... نؤرخُ فِيهَا ثمَّ تُمْحَى وَتُمْحق) (وَلم أرَ عَيْشًا مِثلَ دَائرَةِ المنى ... توسِّعُها الآمالُ والعيش ضيق) // الطَّوِيل // وَقَالَ الْعَفِيف إِسْحَاق بن خَلِيل كَاتب الْإِنْشَاء للناصر دَاوُد (لَوْلَا مواعيدُ آمالٍ أعيشُ بهَا ... لُمتُّ يَا أهلَ هَذَا الحيِّ من زَمنِ) (وَإِنَّمَا طِرْفُ آمالي بِهِ مرحٌ ... يَجْرِي بِوَعد الْأَمَانِي مطلقَ الرسن) // الْبَسِيط // وَقَالَ آخر (فِي المنى راحةٌ وَإِن عللتنا ... مِنْ هَوَاها بِبَعْض مَا لَا يكون) // الْخَفِيف // وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد بن زيدون أَيْضا (أمَّا مُنَى قلبِي فأنتِ جميعُهُ ... يَا لَيْتَني أصبحتُ بعضَ مُناكِ) (يُدني مزارَك حِين شط بِهِ النَّوَى ... وهْمٌ أكادُ بِهِ أقبلُ فاكِ) // الْكَامِل // وَمن هُنَا أَخذ الحاجري قَوْله (يمِّثُلَك الشوقُ الشديدُ لناظري ... فَأَطْرَقَ إجلالا كَأَنَّك حَاضر) // الطَّوِيل // وَقَالَ ابْن رزين من شعراء الذَّخِيرَة (لأسَرِّحَنَّ نواظري ... فِي ذَلِك الروضِ النَّضِير) (ولآكلنَّكَ بالمنى ... ولأشْرَبَنَّكَ بالضمير) // من مجزوء الْكَامِل // وَقَالَ علم الدّين أيدمر المحيوي (كم لَدَيْنَا أمانياً ... قد حَوَتْ مُحكم العملْ) (فارغاتٍ من الدَّنا ... نيرِ مَلأى من الأمل) // من مجزوء الْخَفِيف //

стр. 523

وَهُوَ عكس قَول الآخر (وإنَّ رَجَاء كامناً فِي نواله ... لكالمالِ فِي الأكياسِ تَحت الْخَوَاتِم) // الطَّوِيل // وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الجزار (لَيْت شعري مَا العذرُ لَوْلَا قَضَاء الله فِي رزقِهِ وَفِي حرماني ... ) (وَلَقَد كدت أَن أهيمَ بِحمْل الْهم لَوْلَا تعللي بالأماني ... ) // الْخَفِيف // وَله أَيْضا (حَسْبُ الْفَتى حسن الْأَمَانِي إِنَّه ... لَا يَعْتَرِيه مدى الزَّمَان زَوَال) // الْكَامِل // وَقَالَ أَبُو البركات مُحَمَّد بن الْحسن الخاتمي (لي حبيب لَو قيل مَا تتمنى ... مَا تعدَّيْتُه وَلَو بالمنوِن) (أشتهي أَن أحلَّ فِي كل طَرْفٍ ... فَأرَاهُ بِلحظ كل الْعُيُون) // الْخَفِيف // وَقَالَ غَيره (أُعلل بالمنى قلبِي لِأَنِّي ... أُفرجُ بالأماني الهمَّ عني) (وَأعلم أَن وصلك لَا يرجَّى ... وَلَكِن لَا أقل من التَّمَنِّي) // الوافر // وَقَالَ الآخر وَهُوَ أصرح مِمَّا قبله (إِذا مَا عَن ذكرك فِي ضميري ... وقابلني محيَّاكَ الجميلُ) (أصير لفرط أشواقي أيوراً ... لِعلمي أنَّ نيكك مُسْتَحِيل) // الوافر // وَهُوَ يشبه قَول الصفي الْحلِيّ أَيْضا (إِذا صدَّ الحبيب لغير ذنبٍ ... وقاطعني وَأعْرض عَن وصالي) (أمثله وأنكسح عِنْد صلحي ... بأيْرِ الْفِكر فِي ثقُب الخيال) // الوافر // وَقد سد ابْن المعتز بَاب المنى بقوله (لَا تأسفنَّ من الدُّنْيَا على أمل ... فَلَيْسَ بَاقِيه إِلَّا مثل ماضيه) // الْبَسِيط // وَتَابعه الخالدي فَقَالَ

стр. 524

(وَلَا تكن عبد المنى فالمني ... رُءُوس أَمْوَال المفاليس) // السَّرِيع // وَقَالَ الآخر (من نَالَ من دُنْيَاهُ أُمْنِية ... أسقطت الْأَيَّام مِنْهَا الْألف) // السَّرِيع // وَقَالَ شرف الدّين القيرواني أَيْضا (غلف تمنوا فِي الْبيُوت أمانياً ... وجميعُ أعمارِ اللئامِ أمانِي) // الْكَامِل // وَقَالَ الآخر (أَلا يَا نفسُ إِن تَرْضَي بقوتٍ ... فَأَنت عزيزة أبدا غنيَّهْ) (دعِي عَنْك المطامع والأماني ... فكم أمنيةٍ جلبت مَنِيَّهْ) // الوافر // وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الجزار (أَنا فِي راحةٍ من الآمال ... أيْنَ من همتي بلوغُ الْمَعَالِي) (ليَ عجز أراح قلبِي من الْهم وَمن طول فكرتي فِي الْمحَال ... ) (مَا لِبَاس ُالحرير مِمَّا أرجيِّه فيُرْجَى وَلَا ركوبُ البغال ... ) (رَاحَة السِّرّ فِي التَّخَلُّف عَن كل محلٍّ أضحى بعيدَ المنال ... ) // الْخَفِيف // وَقَالَ بَعضهم (وَأكْثر مَا تلقى الْأَمَانِي كواذبا ... فإِن صدقت جَازَت بصاحبها القدرا) // الطَّوِيل // (وَقَالَ آخر (ولي من تمنِّي النفسِ دُنْيَا عريضةٌ ... ومستفتيح يَغْدُو عليَّ ويَطْرُقُ) (فقدت المنى لَا النفسُ تلهو عَن المنى ... لتجربةٍ مِنْهَا وَلَا هِيَ تصدُقُ) // الطَّوِيل // وَقَالَ الصّلاح الصَّفَدِي (أَلا فاطَّرِح عَنْك التَّمَنِّي وَلَا تَبِتْ ... بكاساته نَشْوَان غير مُفيقِ) (فإنْ كَانَ مِمَّا لَا غِنَى عَنهُ فَلْيَكُن ... وفاةَ عدوٍّ أَو حياةَ صديق) // الطَّوِيل //

стр. 525

وَقد أكثرنا فِي طول الأمل وضده فلنرجع إِلَى أَخْبَار كثير عزة يحْكى أَنه خرج فِي الْحَج بجمل يَبِيعهُ فَمر بسكينة بنت الْحُسَيْن ﵄ وَمَعَهَا عزة وَهُوَ لَا يعرفهَا فَقَالَت لَهَا سكينَة هَذَا كثير سوميه بالجمل فسامته فاستام بِمِائَتي دِرْهَم فَقَالَت ضع عَنَّا كَذَا وَكَذَا لشَيْء قَلِيل فَأبى فدعَتْ لَهُ بِتَمْر وزبد فَأكل فَقَالَت لَهُ ضع عَنَّا كَذَا وَكَذَا لشَيْء قَلِيل فَأبى أَيْضا فَقَالَتَا لَهُ قد أكلت بِأَكْثَرَ مِمَّا نَسْأَلك فَقَالَ مَا أَنا بواضع شَيْئا فَقَالَت سكينَة اكشفوا فكشفوا عَنْهَا وَعَن عزة فَلَمَّا رَآهَا استحيا وَانْصَرف وَهُوَ يَقُول هُوَ لكم هُوَ لكم وَحدث مُحَمَّد بن سَلام قَالَ كَانَ كثير يتقول وَلم يكن عَاشِقًا وَكَانَ جميلا صَادِق الصبابة والعشق وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَ جميل يصدق فِي حبه وَكَانَ كثير يكذب فِي حبه ويروى أَنه نظر ذَات يَوْم إِلَى عزة وَهِي تميس فِي مشيتهَا فَلم يعرفهَا فاتبعها وَقَالَ لَهَا يَا سيدتي قفي لي أُكَلِّمك فَإِنِّي لم أر مثلك قطّ فَمن أَنْت قَالَت وَيحك وَهل تركت عزة فِيك بَقِيَّة لأحد فَقَالَ بِأبي أَنْت لَو أَن عزة أمة لوهبتها لَك قَالَت فَهَل لَك فِي المخاللة قَالَ وَكَيف لي بذلك قَالَت وَكَيف بِمَا قلته فِي عزة قَالَ أقلبه كُله وأحوله إِلَيْك فَكشفت عَن وَجههَا وَقَالَت أغدراً يَا فَاسق وَإنَّك لهكذا فَأبْلسَ وَلم ينْطق وبهت فَلَمَّا مَضَت أنشأ يَقُول (أَلا لَيْتَني قبل الَّذِي قلتُ شِيبَ لي ... من السم جرعاتٌ بِمَاء الذَّرارحِ) ( (فمتُّ وَلم تعلم عليَّ خِيَانَة ... وَكم طَالب للربح لَيْسَ برابحِ) (أبوءُ بذنبي إِنَّنِي قد ظلمتُها ... وَإِنِّي بباقي سِرِّها غير بائح) // الطَّوِيل // وَكَانَ كثير بِمصْر وَعزة بِالْمَدِينَةِ المنورة فاشتاق إِلَيْهَا فسافر ليلقاها فصادفها فِي الطَّرِيق وَهِي متوجهة إِلَى مصر فَجرى بَينهمَا كَلَام طَوِيل الشَّرْح ثمَّ إِنَّهَا

стр. 526

انفصلت عَنهُ وقدمت مصر ثمَّ عَاد كثير إِلَى مصر فوافاها توفيت وَالنَّاس منصرفون عَن جنازتها فَأتى قبرها وأناخ رَاحِلَته وَمكث سَاعَة ثمَّ رَحل وَهُوَ يَقُول أبياتاً مِنْهَا قَوْله (أقولُ ونِضْوي وَاقِف عِنْد قبرها ... عَلَيْك سَلام الله والعينُ تسفحُ) (وَقد كنت أبْكِي من فراقك حَيَّة ... فأنتِ لعَمري الْآن أنأى وأنزحُ) // الطَّوِيل // وَقَالَ لَهُ عبد الْملك بن مَرْوَان يَوْمًا بِحَق عَليّ بن أبي طَالب هَل رَأَيْت أحدا أعشق مِنْك قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أنشدتني بحقك لأخبرتك بَيْننَا أَنا أَسِير فِي بعض الفلوات إِذْ أَنا بِرَجُل قد نصب حبالته فَقلت لَهُ مَا حَبسك هَا هُنَا فَقَالَ أهلكني وَأَهلي الْجُوع فَنصبت حبالتي هُنَا لأصيب لَهُم شَيْئا يكفينا ويعصمنا يَوْمنَا هَذَا قلت أَرَأَيْت إِن أَقمت مَعَك فَأَصَبْت صيدا تجْعَل لي جُزْءا مِنْهُ قَالَ نعم فَبينا نَحن كَذَلِك وَقعت ظَبْيَة فِي الحبالة فخرجنا نَبْتَدِر فبدرني إِلَيْهَا قحلها وأطلقها فَقلت مَا حملك على هَذَا قَالَ دخلتني لَهَا رقة لشبهها بليلى وَأَنْشَأَ يَقُول (أيا شِبه ليلى لَا تُرَاعِي فإنني ... لَكِ الْيَوْم من وحشَّيةٍ لصديقُ) (أقولُ وَقد أطلقتُها من وِثاقِها ... فَأَنت لليلىَ مَا حييت طليقُ) // الطَّوِيل // وَحدث عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الزُّهْرِيّ قَالَ بَكَى بعض آل كثير عَلَيْهِ حِين نزل بِهِ الْمَوْت فَقَالَ لَهُ كثير لَا تبك فَكَأَنِّي بك بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا تسمع خشفة نَعْلي من تِلْكَ الشعبة رَاجعا إِلَيْكُم وَحدث يزِيد ين عُرْوَة رَحِمهم الله تَعَالَى قَالَ مَاتَ كثير وَعِكْرِمَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي يَوْم وَاحِد فَقيل مَاتَ الْيَوْم أعلم النَّاس وأشعر النَّاس وَلم تتخلف امْرَأَة وَلَا رجل عَن جنازتيهما وَغلب النِّسَاء على جَنَازَة كثير يبكينه ويذكرن عزة فِي ندبهن فَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ افرجوا لي عَن جَنَازَة كثير لأرفعها

стр. 527

قَالَ فَجعلنَا ندفع عَنْهَا النِّسَاء وَجعل مُحَمَّد بن عَليّ ﵄ يضربهن بكمه وَيَقُول تنحين يَا صويحبات يُوسُف فانتدبت لَهُ امْرَأَة مِنْهُنَّ فَقَالَت يَا ابْن رَسُول الله لقد صدقت إننا لصويحباته وَقد كُنَّا خيرا مِنْكُم لَهُ فَقَالَ أَبُو جَعْفَر لبَعض موَالِيه احتفظ بهَا حَتَّى تجيئني بهَا إِذا انصرفنا فَلَمَّا انْصَرف أَتَى بِتِلْكَ الْمَرْأَة كَأَنَّهَا شرر النَّار فَقَالَ لَهَا أَيَّة أَنْت القائلة إنكن ليوسف خيرٌ منا قَالَت نعم تؤمنني غضبك يَا ابْن رَسُول الله قَالَ أَنْت آمِنَة من غَضَبي فأبيني قَالَت نَحن يَا ابْن رَسُول الله دعوناه إِلَى اللَّذَّات من الْمطعم وَالْمشْرَب والمتمتع والمتنعم وَأَنْتُم معاشر الرِّجَال ألقيتموه فِي الْجب وبعتموه بأبخس الْأَثْمَان وحبستموه فِي السجْن فأينا كَانَ عَلَيْهِ أحن وَبِه أرأف فَقَالَ لَهَا مُحَمَّد لله دَرك لن تغالب امْرَأَة إِلَّا غلبت ثمَّ قَالَ أَلَك بعل فَقَالَت لي من الرِّجَال من أَنا بعله فَقَالَ لَهَا مَا أصدقك مثلك من تملك زَوجهَا وَلَا يملكهَا فَلَمَّا انصرفت قَالَ رجل من الْقَوْم هَذِه ربيبة فُلَانَة بنت معيقب الْأَنْصَارِيَّة وَكَانَت وَفَاة كثير سنة خمس وَمِائَة فِي ولَايَة يزِيد بن عبد الْملك رَحِمهم الله تَعَالَى ١٠٤ - (قَتَلَ البُخْلَ وَأَحْيَا السَّماحا ... ) هُوَ لِابْنِ المعتز من قصيدته السَّابِقَة فِي التَّشْبِيه وصدره (جُمع الحقُّ لنا فِي إمامِ ... ) وَبعده قَوْله (إِن عَفا لم يُلْغِ لله حقَاً ... أَو سَطَا لم يخْش مِنْهُ جنَاحا)

стр. 528

(ألف الهيجاء طفْلا وكهلاً ... يحسبُ السيفَ عَلَيْهِ وشاحا) وَالشَّاهِد فِيهِ مدَار قرينَة الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة على الْمَفْعُول فَإِن الْقَتْل والإحياء الحقيقيين لَا يتعلقان بالبخل والجود ١٠٥ - (نَقْرِيهُمُ لَهْذَمِيَّاتِ) قَائِله الْقطَامِي وَلَفظه (نقريهمُ لهذميات نَقُدُّ بهَا ... مَا كانَ خاطَ عَلَيْهِم كلُّ زَرَّادِ) وَهُوَ من قصيدة من الْبَسِيط يمدح بهَا زفر بن الْحَارِث الْكلابِي أَولهَا (مَا اعْتادَ حُبُّ سُلَيْمَى غير مُعتادِ ... وَلَا تَقَضَّى بوافي دْينهْا الطَّادِي) (بَيْضَاء مَحْطُوطَةٌ المتْنَينِ بهْكَنَةٌ ... ريَّا الرَّوادِف لم تمغلْ بأولادِ) (مَا للكَواعِبِ ودَّعْنَ الحياةَ كَمَا ... ودَّعْنَني واتَّخَذْنَ الشَّيب ميعادِي) (أبصارُهُنَّ إِلَى الشبانِ مائِلةٌ ... وَقد أراهُنَّ عني غيرَ صُدَّادِ) (إِذْ باطلِيِ لم تَقَشَّعْ جاهِلِيَّتهُ ... عني وَلم يترُكِ الخُلَاّنُ تَقْوادِي) (كَنِيَّةِ الحيِّ مِنْ ذِي اليَقْظَة احْتملوا ... مُسْتَحْقبينَ فؤاداً مَا لَهُ فادي)

стр. 529

(باتوا وَكَانَت حَيَاتي فِي اجتماعِهِمُ ... وَفِي تَفَرُّقهمْ قَتْلِي وإقصَادِي) (يَقْتُلْنَنا بحديثٍ ليسَ يُعلمهُ ... من يتقين وَلَا مكنونه بَادِي) (فهن ينبذن من قَول يصبن بِهِ ... مواقع المَاء من ذِي الْغلَّة الصادي) // الْبَسِيط // وَهِي طَوِيلَة واللهذم الْقَاطِع من الأسنة وَأَرَادَ بلهذميات طعنات منسوبة إِلَى الأسنة القاطعة أَو أَرَادَ نفس الأسنة والتشبيه للْمُبَالَغَة وَالْقد الْقطع والزراد صانع الدروع وَالشَّاهِد فِيهِ أَن مدَار قرينَة الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة فِي الْفِعْل وَمَا يشتق مِنْهُ على الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول كَمَا هُنَا فَإِن الْمَفْعُول الثَّانِي وَهُوَ اللهذميات قرينَة على أَن نقريهم اسْتِعَارَة وَقد تقدم ذكر الْقطَامِي فِي شَوَاهِد الْقلب وَالله أعلم ١٠٦ - (غمْرُ الرِّداء إِذا تَبَسم ضَاحِكا ... ) هُوَ من الْكَامِل وَتَمَامه (غلِقَتْ لضحْكَتِهِ رقابُ المالِ ... ) وَهُوَ من قصيدة لكثير عزة وَأَرَادَ بغمر الرِّدَاء كثير الْعَطاء وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِعَارَة الْمُجَرَّدَة وَهِي مَا قرنت بملائم الْمُسْتَعَار لَهُ فَإِنَّهُ اسْتعَار الرِّدَاء للعطاء لِأَنَّهُ يصون عرض صَاحبه كَمَا يصون الرِّدَاء مَا يلقى عَلَيْهِ ثمَّ وَصفه بالغمر الَّذِي يلائم الْعَطاء دون الرِّدَاء تجريداً للاستعارة والقرينة سِيَاق

стр. 530

الْكَلَام وَهُوَ قَوْله إِذا تَبَسم ضَاحِكا أَي شَارِعا فِي الضحك آخِذا فِيهِ غلقت لضحكته رِقَاب المَال يُقَال غلق الرَّهْن فِي يَد الْمُرْتَهن إِذا لم يقدر على انفكاكه وَهُوَ يُرِيد فِي الْبَيْت أَن ممدوحه إِذا تَبَسم غلقت رِقَاب أَمْوَاله فِي أَيدي السَّائِلين وَمن اسْتِعَارَة الرِّدَاء قَوْله (يُنَازعني رِدَائي عَبْدُ عمرٍو ... رُويْدَكَ يَا أَخا عمرِو بن بكرِ) (لِيَ الشطْرُ الَّذِي مَلَكت يَمِيني ... فدونك فاعتجز مِنْهُ بِشَطْر) // الوافر // فَإِنَّهُ اسْتعَار الرِّدَاء للسيف وَأثبت لَهُ الاعتجاز وَهُوَ من صفة الرِّدَاء وَمَا أحسن اسْتِعَارَة الرِّدَاء فِي قَول أبي الْوَلِيد بن الْجنان الشاطبي وَهُوَ (فَوقَ خَدِّ الوَرْدِ دَمْعٌ ... من عيونِ السُّحْبِ يَذْرِفْ) (برداء الشَّمْس أضْحَى ... بعدَ مَا سالَ يُجَفَّفْ) // من مجزوء الرمل // وَفِي معنى عجز الْبَيْت قَول امرىء الْقَيْس (غلقن بَرَهْنٍ من حَبيبٍ بِهِ ادَّعَتْ ... سُليمى فأضْحَى حَبلُها قد تبترا) // الطَّوِيل // وَقَول زُهَيْر (وفارَقَتكَ برَهنٍ لَا فكاكَ لَهُ ... يومَ الوداعِ فأمْسَى الرهنُ قد غلقا) // الْبَسِيط // وَقَول الْوَلِيد (وَمن يَكُ رهنا للحوادث يغلق ... ) // الطَّوِيل // وَقَول عمر بن أبي ربيعَة (وَكم من قَتيلٍ لَا يُبَاءُ بهِ دَمٌ ... وَمن غلق رهن إِذا ضمه مبْنى) // الطَّوِيل // وَقَول أبي جَعْفَر بن مسلمة بن وضاح يُخَاطب ساجع حمام من أَبْيَات (وهاجَ مَبْكاك ببُسْتَان إبراهيمَ للنَّجْدِيِّ ذكْرَ القَطِينْ ... )
следующие страницы →