Полный текст (694 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
انفصلت عَنهُ وقدمت مصر ثمَّ عَاد كثير إِلَى مصر فوافاها توفيت وَالنَّاس منصرفون عَن جنازتها فَأتى قبرها وأناخ رَاحِلَته وَمكث سَاعَة ثمَّ رَحل وَهُوَ يَقُول أبياتاً مِنْهَا قَوْله
(أقولُ ونِضْوي وَاقِف عِنْد قبرها ... عَلَيْك سَلام الله والعينُ تسفحُ)
(وَقد كنت أبْكِي من فراقك حَيَّة ... فأنتِ لعَمري الْآن أنأى وأنزحُ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ لَهُ عبد الْملك بن مَرْوَان يَوْمًا بِحَق عَليّ بن أبي طَالب هَل رَأَيْت أحدا أعشق مِنْك قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أنشدتني بحقك لأخبرتك بَيْننَا أَنا أَسِير فِي بعض الفلوات إِذْ أَنا بِرَجُل قد نصب حبالته فَقلت لَهُ مَا حَبسك هَا هُنَا فَقَالَ أهلكني وَأَهلي الْجُوع فَنصبت حبالتي هُنَا لأصيب لَهُم شَيْئا يكفينا ويعصمنا يَوْمنَا هَذَا قلت أَرَأَيْت إِن أَقمت مَعَك فَأَصَبْت صيدا تجْعَل لي جُزْءا مِنْهُ قَالَ نعم فَبينا نَحن كَذَلِك وَقعت ظَبْيَة فِي الحبالة فخرجنا نَبْتَدِر فبدرني إِلَيْهَا قحلها وأطلقها فَقلت مَا حملك على هَذَا قَالَ دخلتني لَهَا رقة لشبهها بليلى وَأَنْشَأَ يَقُول
(أيا شِبه ليلى لَا تُرَاعِي فإنني ... لَكِ الْيَوْم من وحشَّيةٍ لصديقُ)
(أقولُ وَقد أطلقتُها من وِثاقِها ... فَأَنت لليلىَ مَا حييت طليقُ) // الطَّوِيل //
وَحدث عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الزُّهْرِيّ قَالَ بَكَى بعض آل كثير عَلَيْهِ حِين نزل بِهِ الْمَوْت فَقَالَ لَهُ كثير لَا تبك فَكَأَنِّي بك بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا تسمع خشفة نَعْلي من تِلْكَ الشعبة رَاجعا إِلَيْكُم
وَحدث يزِيد ين عُرْوَة رَحِمهم الله تَعَالَى قَالَ مَاتَ كثير وَعِكْرِمَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي يَوْم وَاحِد فَقيل مَاتَ الْيَوْم أعلم النَّاس وأشعر النَّاس وَلم تتخلف امْرَأَة وَلَا رجل عَن جنازتيهما وَغلب النِّسَاء على جَنَازَة كثير يبكينه ويذكرن عزة فِي ندبهن فَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ افرجوا لي عَن جَنَازَة كثير لأرفعها
стр. 527
قَالَ فَجعلنَا ندفع عَنْهَا النِّسَاء وَجعل مُحَمَّد بن عَليّ ﵄ يضربهن بكمه وَيَقُول تنحين يَا صويحبات يُوسُف فانتدبت لَهُ امْرَأَة مِنْهُنَّ فَقَالَت يَا ابْن رَسُول الله لقد صدقت إننا لصويحباته وَقد كُنَّا خيرا مِنْكُم لَهُ فَقَالَ أَبُو جَعْفَر لبَعض موَالِيه احتفظ بهَا حَتَّى تجيئني بهَا إِذا انصرفنا فَلَمَّا انْصَرف أَتَى بِتِلْكَ الْمَرْأَة كَأَنَّهَا شرر النَّار فَقَالَ لَهَا أَيَّة أَنْت القائلة إنكن ليوسف خيرٌ منا قَالَت نعم تؤمنني غضبك يَا ابْن رَسُول الله قَالَ أَنْت آمِنَة من غَضَبي فأبيني قَالَت نَحن يَا ابْن رَسُول الله دعوناه إِلَى اللَّذَّات من الْمطعم وَالْمشْرَب والمتمتع والمتنعم وَأَنْتُم معاشر الرِّجَال ألقيتموه فِي الْجب وبعتموه بأبخس الْأَثْمَان وحبستموه فِي السجْن فأينا كَانَ عَلَيْهِ أحن وَبِه أرأف فَقَالَ لَهَا مُحَمَّد لله دَرك لن تغالب امْرَأَة إِلَّا غلبت ثمَّ قَالَ أَلَك بعل فَقَالَت لي من الرِّجَال من أَنا بعله فَقَالَ لَهَا مَا أصدقك مثلك من تملك زَوجهَا وَلَا يملكهَا فَلَمَّا انصرفت قَالَ رجل من الْقَوْم هَذِه ربيبة فُلَانَة بنت معيقب الْأَنْصَارِيَّة
وَكَانَت وَفَاة كثير سنة خمس وَمِائَة فِي ولَايَة يزِيد بن عبد الْملك رَحِمهم الله تَعَالَى
١٠٤ - (قَتَلَ البُخْلَ وَأَحْيَا السَّماحا ... )
هُوَ لِابْنِ المعتز من قصيدته السَّابِقَة فِي التَّشْبِيه وصدره
(جُمع الحقُّ لنا فِي إمامِ ... )
وَبعده قَوْله
(إِن عَفا لم يُلْغِ لله حقَاً ... أَو سَطَا لم يخْش مِنْهُ جنَاحا)
стр. 528
(ألف الهيجاء طفْلا وكهلاً ... يحسبُ السيفَ عَلَيْهِ وشاحا)
وَالشَّاهِد فِيهِ مدَار قرينَة الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة على الْمَفْعُول فَإِن الْقَتْل والإحياء الحقيقيين لَا يتعلقان بالبخل والجود
١٠٥ - (نَقْرِيهُمُ لَهْذَمِيَّاتِ)
قَائِله الْقطَامِي وَلَفظه
(نقريهمُ لهذميات نَقُدُّ بهَا ... مَا كانَ خاطَ عَلَيْهِم كلُّ زَرَّادِ)
وَهُوَ من قصيدة من الْبَسِيط يمدح بهَا زفر بن الْحَارِث الْكلابِي أَولهَا
(مَا اعْتادَ حُبُّ سُلَيْمَى غير مُعتادِ ... وَلَا تَقَضَّى بوافي دْينهْا الطَّادِي)
(بَيْضَاء مَحْطُوطَةٌ المتْنَينِ بهْكَنَةٌ ... ريَّا الرَّوادِف لم تمغلْ بأولادِ)
(مَا للكَواعِبِ ودَّعْنَ الحياةَ كَمَا ... ودَّعْنَني واتَّخَذْنَ الشَّيب ميعادِي)
(أبصارُهُنَّ إِلَى الشبانِ مائِلةٌ ... وَقد أراهُنَّ عني غيرَ صُدَّادِ)
(إِذْ باطلِيِ لم تَقَشَّعْ جاهِلِيَّتهُ ... عني وَلم يترُكِ الخُلَاّنُ تَقْوادِي)
(كَنِيَّةِ الحيِّ مِنْ ذِي اليَقْظَة احْتملوا ... مُسْتَحْقبينَ فؤاداً مَا لَهُ فادي)
стр. 529
(باتوا وَكَانَت حَيَاتي فِي اجتماعِهِمُ ... وَفِي تَفَرُّقهمْ قَتْلِي وإقصَادِي)
(يَقْتُلْنَنا بحديثٍ ليسَ يُعلمهُ ... من يتقين وَلَا مكنونه بَادِي)
(فهن ينبذن من قَول يصبن بِهِ ... مواقع المَاء من ذِي الْغلَّة الصادي) // الْبَسِيط //
وَهِي طَوِيلَة
واللهذم الْقَاطِع من الأسنة وَأَرَادَ بلهذميات طعنات منسوبة إِلَى الأسنة القاطعة أَو أَرَادَ نفس الأسنة والتشبيه للْمُبَالَغَة وَالْقد الْقطع والزراد صانع الدروع
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن مدَار قرينَة الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة فِي الْفِعْل وَمَا يشتق مِنْهُ على الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول كَمَا هُنَا فَإِن الْمَفْعُول الثَّانِي وَهُوَ اللهذميات قرينَة على أَن نقريهم اسْتِعَارَة
وَقد تقدم ذكر الْقطَامِي فِي شَوَاهِد الْقلب وَالله أعلم
١٠٦ - (غمْرُ الرِّداء إِذا تَبَسم ضَاحِكا ... )
هُوَ من الْكَامِل وَتَمَامه
(غلِقَتْ لضحْكَتِهِ رقابُ المالِ ... )
وَهُوَ من قصيدة لكثير عزة وَأَرَادَ بغمر الرِّدَاء كثير الْعَطاء
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِعَارَة الْمُجَرَّدَة وَهِي مَا قرنت بملائم الْمُسْتَعَار لَهُ فَإِنَّهُ اسْتعَار الرِّدَاء للعطاء لِأَنَّهُ يصون عرض صَاحبه كَمَا يصون الرِّدَاء مَا يلقى عَلَيْهِ ثمَّ وَصفه بالغمر الَّذِي يلائم الْعَطاء دون الرِّدَاء تجريداً للاستعارة والقرينة سِيَاق
стр. 530
الْكَلَام وَهُوَ قَوْله إِذا تَبَسم ضَاحِكا أَي شَارِعا فِي الضحك آخِذا فِيهِ غلقت لضحكته رِقَاب المَال يُقَال غلق الرَّهْن فِي يَد الْمُرْتَهن إِذا لم يقدر على انفكاكه وَهُوَ يُرِيد فِي الْبَيْت أَن ممدوحه إِذا تَبَسم غلقت رِقَاب أَمْوَاله فِي أَيدي السَّائِلين
وَمن اسْتِعَارَة الرِّدَاء قَوْله
(يُنَازعني رِدَائي عَبْدُ عمرٍو ... رُويْدَكَ يَا أَخا عمرِو بن بكرِ)
(لِيَ الشطْرُ الَّذِي مَلَكت يَمِيني ... فدونك فاعتجز مِنْهُ بِشَطْر) // الوافر //
فَإِنَّهُ اسْتعَار الرِّدَاء للسيف وَأثبت لَهُ الاعتجاز وَهُوَ من صفة الرِّدَاء
وَمَا أحسن اسْتِعَارَة الرِّدَاء فِي قَول أبي الْوَلِيد بن الْجنان الشاطبي وَهُوَ
(فَوقَ خَدِّ الوَرْدِ دَمْعٌ ... من عيونِ السُّحْبِ يَذْرِفْ)
(برداء الشَّمْس أضْحَى ... بعدَ مَا سالَ يُجَفَّفْ) // من مجزوء الرمل //
وَفِي معنى عجز الْبَيْت قَول امرىء الْقَيْس
(غلقن بَرَهْنٍ من حَبيبٍ بِهِ ادَّعَتْ ... سُليمى فأضْحَى حَبلُها قد تبترا) // الطَّوِيل //
وَقَول زُهَيْر
(وفارَقَتكَ برَهنٍ لَا فكاكَ لَهُ ... يومَ الوداعِ فأمْسَى الرهنُ قد غلقا) // الْبَسِيط //
وَقَول الْوَلِيد
(وَمن يَكُ رهنا للحوادث يغلق ... ) // الطَّوِيل //
وَقَول عمر بن أبي ربيعَة
(وَكم من قَتيلٍ لَا يُبَاءُ بهِ دَمٌ ... وَمن غلق رهن إِذا ضمه مبْنى) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي جَعْفَر بن مسلمة بن وضاح يُخَاطب ساجع حمام من أَبْيَات
(وهاجَ مَبْكاك ببُسْتَان إبراهيمَ للنَّجْدِيِّ ذكْرَ القَطِينْ ... )
стр. 531
(فرج فَساعِدْني على لوْعتي ... فإنَّ رهني غَلِقٌ فِي الرهونْ) // السَّرِيع //
وَقَول أبي نصر السَّاجِي
(تَشْكُو إِلَيْك جُمْلتي مَا نالها ... فيا لهَا إِن صَبَرَتْ ويالها)
(لِأَنَّهَا مرْهونْةٌ بحُبكم ... طُوبَى لَهَا إِن غَلِقَتْ طُوبَى لَهَا) // الرجز //
وَمَا ألطف قَول الصّلاح الصَّفَدِي مَعَ زِيَادَة إِبْهَام وإيهام الطباق
(سهامُ لحظِكِ أصْمَتْ ... قَلبي وَلم تَتَرفَّقْ)
(مَا تَفتحُ الجفن إِلَاّ ... وَرهن قلبِي يغلق) // المجتث //
(لَدَى أَسد شاكي السِّلاحِ مُقذَّفِ ... لَهُ لبد أظْفَارُهُ لم تقُلَم)
تقدم قَرِيبا أَن قَائِله زُهَيْر بن أبي سلمى من قصيدة من الطَّوِيل
واللبد بِالْكَسْرِ شعر زبرة الْأسد وكنيته أَبُو لبد والتقليم مُبَالغَة الْقَلَم وَهُوَ قطع الْأَظْفَار
وَالشَّاهِد فِيهِ اجْتِمَاع التَّجْرِيد والترشيح فِي الِاسْتِعَارَة فالتجريد قد عرف قبله والترشيح هُوَ مَا قرن بملائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ فَقَوله هُنَا لَدَى أَسد شاكي السِّلَاح تَجْرِيد لِأَنَّهُ وصف يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ وَهُوَ الرجل الشجاع وَبَاقِي الْبَيْت ترشيح لِأَنَّهُ وصف يلائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ وَهُوَ الْأسد الْحَقِيقِيّ
وَمعنى الْبَيْت أَخذه زُهَيْر من قَول أَوْس بن حجر حَيْثُ قَالَ
стр. 532
(لَعَمْرُكَ إِنَّا والأحاليفَ هؤلا ... لفي حِقْبَةِ أظفارها لم تُقَلم) // الطَّوِيل //
أَي نَحن فِي حَرْب وَكَذَلِكَ أَخذه النَّابِغَة حَيْثُ قَالَ أَيْضا
(وَبَنُو قُعَينِ لَا محَالة إِنَّهُم ... آتوكَ غير مُقَلمي الأظفارِ) // الْكَامِل //
١٠٧ - (ويَصْعَدُ حَتَّى يَظُنَّ الجَهُولُ ... بأنَّ لهُ حاجَةً فِي السَّمَاء)
الْبَيْت لأبي تَمام الطَّائِي من قصيدة من المتقارب يرثي بهَا خَالِد بن يزِيد الشَّيْبَانِيّ وَيذكر أَبَاهُ وأولها
(نَعَاِء إِلَى كلِّ حَيٍّ نَعاء ... فَتى العَرَب اخْتَطَّ ربْعَ الفناءِ)
(أُصِبْنا جَمِيعًا بسهمِ النِّضال ... فَهلا أصبنَا بِسَهْم الغِلَاءِ)
(أَلا أَيهَا الموْتُ فَجْعَتنا ... بماءِ الحياةِ وماءِ الحياءِ)
(فَمَاذَا حَبَوتَ بِهِ حَاضرا ... وماذا خَبأتَ لأهلِ الخِباء)
(نعاء نعاء شَقيقَ النِّدَى ... إِلَيْهِ نعيَّاً قَليلَ الجَدَاءِ)
(وَكَانَا زَماناً شريكَيْ عِنانٍ ... رضيعى لبان خليلى صفاء) // المتقارب //
إِلَى أَن قَالَ يُخَاطب وَلَده
стр. 533
(أَبَا جَعْفَر ليعزك الزَّمَان ... عزّاً ويكْسُكَ طول البَقاء)
(فَمَا مُزْنُكَ المرْتَجَى بالجَهَام ... وَلَا ريحنُا منكَ بالجِرْبِيَاء)
(فَلَا رجعَتْ فِيك تِلْكَ الظنون ... حيارَى وَلَا انْسَدَّ شِعْبُ الرَّجَاء)
(وَقد نُكِسَ الثُغْر فَابْعَثْ لهُ ... صُدُور القنا فِي ابْتِغَاء الشَّقَاء)
(فقَدْ ماتَ جَدُّك جد الملوكِ ... ونجمُ أبيكَ حَدِيثُ الضياء)
(وَلم يَرْض قَبضَتهُ للحسام ... وَلَا حَمْل عَاتِقه لِلِّواء)
(فَمَا زَالَ يقرع تِلْكَ العُلَا ... مَعَ النَّجْم مرتديا بالعماء) // المتقارب //
وَبعده الْبَيْت وَهِي قصيدة طَوِيلَة وَهَذَا الْبَيْت فِي مدح أَبِيه وَذكر علوه
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن مبْنى الترشيح على تناسي التَّشْبِيه حَتَّى إِن المرشح يبْنى على علو الْقدر الَّذِي يستعار لَهُ علو الْمَكَان مَا يبْنى على علو الْمَكَان والارتقاء إِلَى السَّمَاء فلولا أَن قَصده أَن يتناسى التَّشْبِيه ويصر على إِنْكَاره فَيَجْعَلهُ صاعداً فِي السَّمَاء من حَيْثُ الْمسَافَة المكانية لما كَانَ لهَذَا الْكَلَام وَجه
وَمثله قَول بشار
(أتَتني الشمسُ زائرَةً ... وَلم تَكُ تبرَحُ الفلكا) // من مجزوء الوافر //
وَقَول ابْن الرُّومِي يمدح بِهِ بني نوبخت
(شافهتمُ البدرَ بالسؤال عَن الْأَمر ... إِلَى أنْ بلغتمُ زحلا) // المنسرح //
وَقَول أبي الطّيب المتنبي أَيْضا
(كبَرْتُ حَوْلَ ديارهمْ لما بدَتْ ... مِنْهَا الشموس وَلَيْسَ فِيهَا الْمشرق) // الْكَامِل //
стр. 534
وَقَول الآخر
(وَلم أرَ قبلي مَنْ مشي البدرُ نحوهُ ... وَلَا رَجلاً قامتْ تعْانقُهُ الأسْدُ) // الطَّوِيل //
وَقد اتّفق عُلَمَاء البديع على تَقْدِيم الِاسْتِعَارَة المرشحة على غَيرهَا فِي هَذَا الْبَاب وَأَنه لَيْسَ فَوق رتبتها رُتْبَة ولنذكر نبذة مِنْهَا وَمن غَيرهَا فَمن محَاسِن مَا ورد فِيهَا قَول أبي جَعْفَر الشقري
(يَا هلْ ترَى أظرَفَ منْ يَوْمنا ... قلدَ جِيدَ الأفقِ طَوْقَ العقيقْ)
(وأنقَ الْوَرق بِعِيدانِهِ ... مُرْقصةً كل قضيبٍ وَريقْ)
(والشمسُ لَا تشرَبُ خمرَ الندَى ... فِي الرَّوْض إِلَّا بكؤوس الشَّقِيق) // السَّرِيع //
وَمثله فِي الرشاقة قَول ابْن رَشِيق
(باكِرْ إِلَى اللَذَات واركَبْ لَهَا ... سَوَابقَ اللهوِ ذواتِ المزَاحْ)
(من قبل أَن ترْشفَ شمسُ الضُّحَى ... رِيقَ الغَوادي من ثغور الأقاح) // السَّرِيع //
ولطيف قَول بَعضهم أَيْضا
(شَرَابُنَا الرَيقُ وكاساتُنا ... شفاهُنا والقُبَلُ النَّقْلُ) // السَّرِيع //
وَيقرب من الْبَيْت الأول من قَول ابْن رَشِيق قَول ابْن المعتز
(وقدْ رَكضتْ بِنَا خيلُ الملَاهي ... وَقد طِرْنا بأجنحةِ السُّرُورِ) // الوافر //
وبديع أَيْضا قَول ابْن وَكِيع
(غَرّدَ الطيرُ فَنَبُهْ من نعَسْ ... وأدِرْ كأسكَ فالعيشُ خُلسْ)
(سُلْ سيفُ الْفجْر من غِمْد الدجى ... وتعرّى الصبحُ من ثَوب الغَلَسْ)
(وانجَلي عنْ حُلَلٍ فضَّيةٍ ... نالها من ظُلَم اللَّيْل دنس) // الرمل //
وَقَول أبي نواس
стр. 535
(بِصَحْنِ خد لم يغض مَاؤُهُ ... وَلم تخصه أعين النَّاس) // السَّرِيع //
وَقَوله أَيْضا
(فَإِذا بدا اقتادت محاسنه ... قسرا إِلَيْهِ أَعِنَّة الحدق) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا وَهُوَ عَجِيب هُنَا
(مَا زلتُ أستَلُّ رُوحَ الزْقّ فِي لَطَفٍ ... وأستقي دَمَهُ من جَفنِ مجْروحِ)
(حَتَّى انثنيت ْولي رُوحانِ فِي جَسَدِي ... وَالزِّقّ مُنطرحٌ جسم بِلَا روح) // الْبَسِيط //
وَقَول الْبَدْر الذَّهَبِيّ وأجاد
(مَا نظرت مُقلتي عجيباً ... كاللوز لما بدَا نَوّارُهُ)
(اشتعلَ الرأسُ منهُ شيباً ... واخضَرَّ من بعد ذَا عذاره) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَول ابْن خفاجة الأندلسي
(وَقد جالَ من حولِ الغمامة أدهمٌ ... لهُ البرقُ سوطٌ والشَّمالُ عِنانُ)
(وضمخَ درعُ الشَّمْس نحرَ حديقةٍ ... عَلَيْهِ من الطلّ السقيط جُمَانُ)
(ونَمّتْ بأسرار الرياض خميلةٌ ... لَهَا النَّوْرُ ثغرٌ والنسيم لسانُ) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن قرناص
(قد أَتَيْنَا الرياضَ حِين تجلَّتْ ... وتحلَّتْ من الندى بجُمَانِ)
(ورأَينا خواتمَ الزهر لما ... سقطتْ من أنامل الأغصان) // الْخَفِيف //
وبديع أَيْضا قَول ابْن نباتة السَّعْدِيّ
(خرَقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيُونا لَهَا وقعُ السيوف حواجبُ)
(لقوا نبلنَا مرْدَ الْعَوَارِض وانْثَنَوا ... لأوجُههم مِنْهَا لحي وشوارب) // الطَّوِيل //
وَقَول الشريف أبي الْحسن الْعقيلِيّ
стр. 536
(وفرّق تيجانَ نَوْارهِ ... فَلم ينسَ من غُصْن مفرقا) // المتقارب //
وَقَوله أَيْضا
(إِذا أبدَى مُؤامرَةَ التجني ... أقمتُ لهُ وُجوه الاحتمالِ)
وَقَوله أَيْضا
(خَلَصْ بجاه الوصلِ قلب متيم ... غمر الصّدُودُ عَلَيْهِ أعوانَ الضنى) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا
(كلما لاحَ وَجههُ بمكانٍ ... كثرت زحمةُ الْعُيُون عَلَيْهِ) // الْخَفِيف //
وَقَوله أَيْضا
(فَلَمَّا تبدّى لنا وَجهه ... نبهنا محاسنه بالعيون) // المتقارب //
وَقَول السّري الرفاء فِي يَوْم بَارِد من أَبْيَات
(متلون يبدى لنا ... طرفا بأطراف النهارِ)
(فهواه منكسب الرِّدَاء ... وغيمهُ جافي الإِزارِ)
(يبكي فيجمدُ دمعهُ ... والبرقُ يكحله بنارِ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَول أبي الْقَاسِم الدينَوَرِي
(من عذيري من بديع الْحسن ... ذِي قدٍّ رشيقِ)
(أنبتَتْ فِي فمهِ اللُّؤْلُؤ ... أرضٌ من عقيقِ) // من مجزوء الرمل //
وَمَا ألطف قَول أبي زَكَرِيَّاء المغربي من قصيدة أَولهَا
(نامَ طفلُ النبتِ فِي حجرِ النعامى ... لاهتزاز الطلّ فِي مهد الخزامى) // الرمل //
يَقُول فِيهَا
(كحّلَ الفجرُ لَهُم جفنَ الدّجى ... وغدَا فِي وجنة الصُّبْح لثامَا)
(تحسبُ البدرَ مُحَيَّا ثَمِلٍ ... قد سقتهُ راحةُ الْفجْر مدامَا)
وَقَول السلَامِي وَهُوَ بديع
(والكأسْ للسََّكِر التبريِّ صائغةٌ ... وَالماء للحَبَبِ الدرّي نَظَّامُ)
стр. 537
(بتنا نكفكفُ بالكاسات أدمُعَنا ... كأننا فِي حجور الرَّوْض أيتامُ) // الْبَسِيط //
وَمَا أبدع قَوْله أَيْضا
(تبسطنا عَلى الآثامِ لمّا ... رأيْنَا العَفْوَ مِنْ ثَمَر الذُّنُوبِ) // الوافر //
قيل كَانَ الصاحب بن عباد يستحسن هَذَا الْبَيْت وَكَانَ يستشهد بِهِ كثيرا وَيَقُول مَا درى قَائِله أَي درة رمى بهَا وَأي غرَّة سَيرهَا وخلدها
وَقَول التنوخي وَهُوَ من غَرِيب الاستعارات
(وَريَاضٍ حَاكَتْ لَهُنّ الثُّرَيا ... حُلَلاً كانَ غَزْلُها لِلرُّعودِ)
(نثَرَ الغَيْثُ دُرَ دَمْع عَلَيْهَا ... فتخلت بمِثْل دُرّ العُقُودِ)
(أقحوانُ مُعانقُ لشقيقٍ ... كثغورٍ تعض ورد الخدود)
(وعيونٌ من نرجسٍ تتراأى ... كعيونٍ مَوْصُولَة التسهيد)
(وَكَأن الشَّقِيق حِين تبدّى ... ظلمةُ الصدغ فِي خدود الغيدِ)
(وكأنّ الندَى عَلَيْهَا دموعٌ ... فِي عيونٍ مفجوعةٍ بفقيد) // الْخَفِيف //
وَقَول السَّيِّد أبي الْحسن عَليّ بن أبي طَالب الْبَلْخِي من أَبْيَات
(وكَمْ قد مضى ليلٌ على أبرُقِ الحِمَى ... مُضِيء ويومٌ بالمشذرق مُشْرِقُ)
(تسرَّقْتُ فِيهِ اللهوَ أَملس نَاعِمًا ... وأطيَبُ أنس الْمَرْء مَا يتسرَّقُ)
(وَيَا حُسْنَ طيفٍ قد تعرَّض مَوْهناً ... وقلبُ الدُّجى من صَوْلَةٍ الصُّبْح يخْفق) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن الساعاتي
(وَلَوْلَا وُشاةٌ بل رُواةٌ تَخَرَّصوا ... أحاديثَ ليستْ فِي سماعِ وَلَا نقلِ)
(لثْمتُ ثغورَ النَّوْر فِي شَنَب الندَى ... خلالَ جبين النَّهر فِي طرر الظل) // الطَّوِيل //
وَقَول القَاضِي كَمَال الدّين بن النبيه
стр. 538
(تبسّمَ ثغرُ الروضِ عَن شَنبِ القَطْرِ ... وَدَبّ عِذارُ الظلّ فِي وَجْنَةِ النهرِ) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(والنهرُ خدٌّ بالشعاعِ مُوَرّدُ ... قد دَبّ فِيهِ عذارُ ظلّ البَانِ)
(وَالْمَاء فِي سُوقِ الغصون خلاخلٌ ... من فضةٍ والزهرُ كالتيجان) // الْكَامِل //
وَقَول ابْن قرناص أَيْضا
(لقد عقدَ الربيعُ نطاقَ زهرٍ ... يضمُّ بغصنه خصراً نحيلَا)
(ودبَّ مَعَ العشيّ عذارُ ظلّ ... على نهرٍ حكى خَدَّاً أسيلا) // الوافر //
وَكلهمْ قد أخذُوا الْوَجْه والعذار من ابْن خفاجة حَيْثُ قَالَ
(وَإِنِّي وَإِن جئتُ المشيبَ لمولعٌ ... بطُرَة ظلّ فَوق وَجه غَدِير) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول الشهَاب مَحْمُود الْوراق
(إِذا الْكرَى ذرَّ فِي أجفاننا سِنَةً ... من النعاس نفضناها عَن الهدب) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ أَيْضا
(وَلما جنى طرفى رياضَ جمَالكمْ ... جعلتُ سُهادي فِي عُقُوبَة مَنْ جَنَى)
(أأحبابَنَا إِن عفتمُ السفحَ منزلا ... وأخليتمُ من جَانب الْجذع موطنّا)
(فقد حزتم دمعي عقيقاً ومهُجتي ... غَضىً وسكنتم من ضلوعي منحنى) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
(هذِي الحمائم فِي مَنَابِر أيكها ... تُمْلي الْغِنَا والطلُّ يكتبُ فِي الورَقْ)
(والقَضبُ تخْفض للسلام رُؤوسها ... والزهرُ يرفعُ زائريه على الحدق) // الْكَامِل //
وَهُوَ أحسن من قَول الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم
(إِنِّي لأشهدُ للحِمَى بفضيلةٍ ... من أجلهَا أصبحتُ من عشاقهِ)
стр. 539
(مَا زارَهُ أيامَ نرجسهِ فَتى ... إِلَّا وأجلسهُ على أحداقهِ) // الْكَامِل //
وَقَول مجد الدّين الأربلي
(أصْغِي إِلَى قَول العذولِ بجملتي ... مستفهماً عَنْكُم بِغَيْر ملالِ)
(لتلقُّطِي زهرات وَردٍ حديثكمْ ... من بَين شوك مَلامةِ العذّالِ) // الْكَامِل //
وَقَول ماني الموسوس
(دعتني إِلَى وَصلهَا جَهْرَةً ... وَلم تدر أَنِّي لَهَا أعشقُ)
(فقمتُ وللسكر من مفرقي ... إِلَى قدمي ألسنٌ تنطق) // المتقارب //
وَمَا أَجود قَول أبي طَاهِر الْبَغْدَادِيّ فِي نَار الْقرى
(خطرتْ فكادَ الوُرقُ تَسْجَعُ فَوْقهَا ... إِن الحمامَ لمولعٌ بالبانِ)
(من معشرٍ نَشَرُوا على تَاج الريا ... للطارقين ذوائبَ النيرانِ) // الْكَامِل //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الأول
(يبيتُونَ فِي المَشْتَى خِماصاً وعندُهمْ ... من الزَّاد فضلَاتٌ تعدُّ لمن يقْرَى)
(إِذا ضلَّ عَنْهُم طارقٌ رفعوا لَهُ ... من النَّار فِي الظلماء ألوية حمرا) // الطَّوِيل //
وَقَول صر در فِيهَا
(قومٌ إِذا حَيا الضيوفُ جفانَهُمْ ... رَدَّتْ عَلَيْهِم ألسنُ النيرَان) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول التهامي
(نادَته ُنارُكَ وهيَ غيرُ فصيحةٍ ... وَهنا بخَفْقٍ ذوائب النيرَان) // الْكَامِل //
وَقد بَالغ مهيار الديلمي فِي قَوْله
(ضرَبوا بمَدْرَجة الطريقِ قِبَابهمْ ... يتقارعونَ على قرِى الضيفانِ)
(ويكادُ موقدُهمْ يَجُودُ بنفسهِ ... حُبّ القرَى طَرَباً على النيرَان) // الْكَامِل //
стр. 540
وَمَا أحسن قَول ابْن سكرة وَهُوَ صَاحب الْبَيْتَيْنِ الجامعين لكافات الشتَاء
(قيلَ مَا أعددتَ للبرد ... فقد جَاءَ بشدّهْ)
(قلتُ دُرّاعةَ عُرْيٍ ... تحتهَا جُبة رعْدَهْ) // من مجزوء الرمل //
وَمَا ألطف قَول ابْن عمار
(أدرِ الزجاجة فالنسيم قد انبرَى ... والنجمُ قد صرف العِنَانَ عَن السُّرَى)
(والصبحُ قد أهْدى لنا كافورهُ ... لما اسْتردَّ الليلُ منَّا العنبرا) // الْكَامِل //
وَمن بديع الِاسْتِعَارَة على سخفه ومجونه قَول سعيد بن سناء الْملك
(يَا هَذِه لَا تَسْتَحي ... مني قد انْكَشَفَ المُغَطَّى)
(إِن كَانَ كُسُّكِ قد تثاءب ... إِن أبري قد تمطى) // من مجزوء الْكَامِل //
فاستعارة التثاؤب والتمطي هُنَا من أحسن الاستعارات قَالَ ابْن جبارَة أَنْشدني هَذَا ابْن سناء الْملك وَزَاد فِي الْإِعْجَاب بِهِ فَلَمَّا عدت إِلَى الْبَيْت أخذت جُزْءا من البصائر والذخائر لأبي حَيَّان التوحيدي فَوجدت فِيهِ أَن بغدادية قَالَت لأخرى خرجت الْيَوْم إِلَى الْعِيد قَالَت إِي وحياتك قَالَت لَهَا فَمَا رَأَيْت قَالَت أحراحاً تتثاءب وأيوراً تتمطى فَلَمَّا اجْتمعت بِهِ قلت لَهُ قد عرفت وعثرت على الْكَنْز الَّذِي انتهبته وحكيت لَهُ الْحِكَايَة قَالَ سيدنَا يفتش عَن أَمْرِي
وَمن ظريف الاستعارات قَول الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم
(كيفَ السبيلُ لأنْ أُقَبلَ خَدَّ مَنْ ... أَهوى وَقد نَامَتْ عيونُ الحرّسِ)
(وأَصابعُ المنثور تُومِي نحوَنا ... حسداً وتغمزها عُيُون النرجس) // الْكَامِل //
وبديع قَول السلَامِي أَيْضا فِي وصف الْحَرْب
стр. 541
(وَالنَّقْع ثوبٌ بالنُّسُورِ مُطَرَّزٌ ... والأرضُ فَرْشٌ بالجياد مخيلِ)
(وسطورُ خيلكَ إِنَّمَا ألفِاتهَا ... سمْرٌ تنقط بالدماء وتشكل) // الْكَامِل //
وأجاد الْبَدْر بن يُوسُف الذَّهَبِيّ بقوله
(هلمّ يَا صَاح إِلَى روضةٍ ... يجلو بهَا العاني صداهمه)
(نسيمها يَعثر فِي ذيلهِ ... وزَهرها يضحكُ فِي كمه) // السَّرِيع //
وَمن ظريف الِاسْتِعَارَة أَيْضا قَول ابْن الغويرة
(عاينتُ حبةَ خالهِ ... فِي رَوضةٍ من جُلَّنارِ)
(فغدا فؤادِي طائراً ... فاصطاده شركُ العذار) // من مجزوء الْكَامِل //
وَمَا أبدع أَيْضا قَول الشريف الرضي الموسوي
(أرسى النسيمُ بواديكمْ وَلَا برِحتْ ... حواملُ المزنِ فِي أجداثكم تضعُ)
(وَلَا يزالُ جَنِين النبت ترْضِعه ... على قبوركُمُ العرَّاضةُ الهمع) // الْبَسِيط //
وَقد أَخذه ابْن أسعد الْموصِلِي فَقَالَ من قصيدة يتشوق فِيهَا إِلَى دمشق
(سقى دمشقَ وأياماً مضتْ فِيهَا ... حواملُ السُّحب باديهَا وعادِيهَا)
(وَلَا يزَال جَنِين النبت تُرضعهُ ... حواملُ المزن فِي أحشا أراضيها) // الْبَسِيط //
ومحاسن هَذَا الْبَاب كَثِيرَة والاقتصار على هَذِه النبذة أولى
١٠٨ - (هيَ الشَّمْسُ مَسكنها فِي السَّمَاء ... فعزِّ الفؤادَ عَزاءَ جميلَا)
(فلنْ تستطيعَ إِلَيْهَا الصُّعودَ ... ولنْ تستطيعَ إليكَ النزولَا)
البيتان للْعَبَّاس بن الْأَحْنَف من المتقارب
стр. 542
وَالشَّاهِد فيهمَا جَوَاز الْبناء على الْفَرْع وَهُوَ الْمُشبه بِهِ مَعَ جحد الأَصْل وَهُوَ الْمُشبه لِأَنَّهُ هُنَا طوى ذكر الأَصْل وَجعل الْكَلَام خلوا مِنْهُ وَيُسمى هَذَا الْمجَاز الْمُفْرد وَمِنْه قَول الفرزدق
(أَبى أحمدُ الغيثين صعصعة الَّذِي ... مَتى تبخلِ الجوزاءُ والدَّلْو يُمْطِرِ) // الطَّوِيل //
وَقَول عدي بن الرّقاع يصف حِمَارَيْنِ وحشيين
(يتعاوَرانِ من الغبارِ مُلَاءةً ... بَيْضَاء محكمَة إِذا نسجاهَا)
(تُطوَى إِذا وَرَدَا مَكَانا محزناً ... وَإِذا السنابكُ أسهلت نشراها) // الْكَامِل //
وَقَول سعيد الْكَاتِب التسترِي النَّصْرَانِي
(قلتُ زوري فأرسلتْ ... أَنا آتِيك سُحرَهْ)
(قلتُ فالليلُ كَانَ أخْفى وَأدنى مسرّه ... )
(فأجَابتْ بحجةٍ ... زَادتِ القلبَ حسرَهْ)
(أَنا شمْسٌ وإِنَما ... تطلعُ الشَّمْس بكرَة) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَله فِي مَعْنَاهُ أَيْضا
(وعدَ البدرُ بالزيارة لَيْلًا ... فَإِذا مَا وفى قضيتُ نذورِي)
(قلت يَا سَيِّدي فَلِمْ تُؤثر الليلَ على بهْجةٍ النَّهَار المنيرِ ... )
(قَالَ لي لَا أحبُّ تَغْيِير رسمي ... هَكَذَا الرَّسمُ فِي طُلُوع البدور) // الْخَفِيف //
وَقَالَ فِي مَعْنَاهُ أَيْضا
(قلتُ للبدر حينَ أعتبَ زرني ... واشمت الوصلَ بالقلا والتجافي)
(قالَ إِنِّي معَ الْعشَاء سآتي ... فانتظرني وَلَا تخفْ من خلافِ)
(قلتُ يَا سَيِّدي فزرني نَهَارا ... فَهُوَ أدنى لقربةِ الإيلافِ)
(قالَ لَا أستطيعُ تغييرَ رسمي ... إِنَّمَا البدرُ فِي الظلام يوافي) // الْخَفِيف //
стр. 543
وَقد جمع أَبُو الْعَلَاء المعري الْمَعْنيين فِي قَوْله
(هِيَ قَالَت لما رَأَتْ شيبَ رَأْسِي ... وأرادتْ تنكراً وازورارَا)
(أَنا بدرٌ وَقد بدا الصبحُ من شيبكَ وَالصُّبْح يطرد الأقمارَا ... )
(قلتُ لَا بل أراكِ فِي الْحسن شمساً ... لَا تَرَى فِي الدُّجى وتبدو نَهَارا) // الْخَفِيف //
١٠٩ - (وَإِذا الْمنية انشبت أظفارَهَا ... ألفيتَ كل تميمةٍ لَا تنفعُ)
الْبَيْت لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ من قصيدة من الْكَامِل قَالَهَا وَقد هلك لَهُ خمس بَنِينَ فِي عَام وَاحِد وَكَانُوا فِيمَن هَاجر إِلَى مصر فرثاهم بِهَذِهِ القصيدة وأولها
(أمنَ المنونِ وَرَيبها تتوجَعُ ... والدهر لَيْسَ بمعتب مَنْ يَجْزعُ)
(قالتْ أُمامةُ مَا لجسمكَ شاحباً ... منذُ ابتذلتَ ومثلُ مالكَ ينفعُ)
(أَمْ مَا لجسمكَ لَا يلائم مضجعاً ... إِلَّا أقضَّ عليكَ ذَاك المضجعُ)
(فأجبتها أمّا لجسميَ أنهُ ... أودَى بَنِيّ من الْبِلَاد فودّعُوا)
(أوَدى بَنِيّ فأعقبوني حسرةً ... عِنْد الرّقاد وعَبْرةً لَا تُقْلعُ)
(فالعينُ بعدُهمُ كأنّ حداقَهَا ... كحلت بشوك فَهِيَ عور ثدمع)
стр. 544
(فَغَبَرْتُ بعدهمْ بعيش ناصبٍ ... وإِخالُ أَنِّي لَاحق مستتبع)
(سبقوا هَوَىّ وأعنقوا لهواهمُ ... فتُخُرّموا وَلكُل جنبٍ مَصْرعُ)
(وَلَقَد حرصتُ بِأَن أُدافعَ عنهمُ ... فإذَا الْمنية أقبلتْ لَا تُدْفَعُ)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(وتجلُّدِي للشامتين أُريهُم ... أَنِّي لريب الدهرِ لَا أتضعضعُ)
(حَتَّى كَأَنِّي للحوادث مَرْوَةٌ ... بصفا المشِّرق كلَّ يومِ تُقْرعُ)
(والدّهرُ لَا يبْقى على حَدثانهِ ... جَونُ السّراةِ لَهُ جدائد أربعُ) // الْكَامِل //
يرْوى أَن عبد الله ابْن عَبَّاس ﵄ اسْتَأْذن على مُعَاوِيَة فِي مرض مَوته ليعوده فادهن واكتحل وَأمر أَن يقْعد ويسند وَقَالَ ائذنوا لَهُ وليسلم قَائِما ولينصرف فَلَمَّا سلم عَلَيْهِ وَولى أنْشد مُعَاوِيَة قَول الْهُذلِيّ فِي هَذِه القصيدة وتجلدي للشامتين ... الْبَيْت فَأَجَابَهُ ابْن عَبَّاس على الْفَوْر وَإِذا الْمنية أنشبت ... . . الْبَيْت ثمَّ مَا خرج من دَاره حَتَّى سمع الناعية عَلَيْهِ
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ والاستعارة التخييلية فَهُوَ هُنَا شبه فِي نَفسه الْمنية بالسبع فِي اغتياله النُّفُوس بالقهر وَالْغَلَبَة من غير تَفْرِقَة بَين نفاع وَضِرَار وَلَا رقة لمرحوم فَأثْبت لَهَا الْأَظْفَار الَّتِي لَا يكمل الاغتيال فِي السَّبع بِدُونِهَا تَحْقِيقا للْمُبَالَغَة فِي التَّشْبِيه فتشبيه الْمنية بالسبع اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ وَإِثْبَات الْأَظْفَار لَهَا اسْتِعَارَة تخييلية
стр. 545
وَأَبُو ذُؤَيْب اسْمه خويلد بن خَالِد بن محرث بن زبيد بن مَخْزُوم يَنْتَهِي نسبه لنزار وَهُوَ أحد المخضرمين مِمَّن أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَلم تثبت لَهُ رُؤْيَة
وَحدث أَبُو ذُؤَيْب قَالَ بلغنَا أَن رَسُول الله ﷺ عليل فاستشعرت حزنا وَبت بأطول لَيْلَة لَا ينجاب ديجورها وَلَا يطلع نورها فظللت أقاسي طولهَا حَتَّى إِذا كَانَ قرب السحر أغفيت فَهَتَفَ بِي هاتفٌ وَهُوَ يَقُول
(خطبٌ أجلَ أناخَ بِالْإِسْلَامِ ... بَين النخيل ومغقدِ الآطامِ)
(قبضَ النبيُّ محمدٍ فعيوننَا ... تُذْرِي الدُّموعَ عَلَيْهِ بالتسجام) // الْكَامِل //
قَالَ أَبُو ذُؤَيْب فَوَثَبت من نومي فَزعًا فَنَظَرت إِلَى السَّمَاء فَلم أر إِلَّا سعد الذَّابِح فتفاءلت بِهِ ذبحا يَقع فِي الْعَرَب وَعلمت أَن النَّبِي ﷺ قد قبض فركبت نَاقَتي وسرت فَلَمَّا أَصبَحت طلبت شَيْئا أزْجر بِهِ فَعَن لي شيهمٌ يَعْنِي الْقُنْفُذ قد قبض على صل يَعْنِي الْحَيَّة فَهِيَ تلتوي عَلَيْهِ والشيهم يقضمها حَتَّى أكلهَا فزجرت ذَلِك وَقلت شيهم شَيْء مُهِمّ والتواء الصل التواء النَّاس عَن الْحق على الْقَائِم بعد رَسُول الله ﷺ ثمَّ أولت أكل الشيهم إِيَّاهَا غَلَبَة الْقَائِم بعد رَسُول الله ﷺ على الْأَمر فحثثت نَاقَتي حَتَّى إِذا كنت بِالْغَابَةِ زجرت الطَّائِر فَأَخْبرنِي بوفاته وَنهب غراب سانح فَنَطَقَ بِمثل ذَلِك فتعوذت بِاللَّه من شَرّ مَا عَن
стр. 546
لي فِي طريقي وقدمت الْمَدِينَة المنورة وَلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إِذا انطوى بِالْإِحْرَامِ فَقلت مَه قَالُوا قبض رَسُول الله ﷺ فَجئْت إِلَى الْمَسْجِد فَوَجَدته خَالِيا فَأتيت بَيت رَسُول الله ﷺ فَأَصَبْت بَابه مرتجاً وَقيل هُوَ مسجي وَقد خلا بِهِ أَهله فَقلت أَيْن النَّاس فَقيل فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة صَارُوا إِلَى الْأَنْصَار فَجئْت إِلَى السَّقِيفَة فَوجدت أَبَا بكر وَعمر وَأَبا عُبَيْدَة بن الْجراح وسالماً وَجَمَاعَة من قُرَيْش وَرَأَيْت الْأَنْصَار فيهم سعد بن عبَادَة وَفِيهِمْ شعراؤهم حسان بن ثَابت وَكَعب بن مَالك وملأ مِنْهُم فأويت إِلَى قُرَيْش وتكلمت الْأَنْصَار فَأَطَالُوا الْخطاب وَأَكْثرُوا الصَّوَاب وَتكلم أَبُو بكر فَللَّه دره من رجل لَا يُطِيل الْكَلَام وَيعلم مَوَاضِع فصل الْخِصَام وَالله لقد تكلم بِكَلَام لَا يسمعهُ سامع إِلَّا مَال إِلَيْهِ وانقاد لَهُ ثمَّ تكلم عمر بعده بِكَلَام دون كَلَامه وَمد يَده فَبَايعهُ وَبَايَعُوهُ وَرجع أَبُو بكر وَرجعت مَعَه فَشَهِدت الصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد ﷺ وَشهِدت مدفنه ﷺ ثمَّ أنشأ أَبُو ذُؤَيْب يبكي النَّبِي ﷺ
(لما رأيتُ النَّاس فِي عسلَانهم ... مَا بَين ملحودٍ لَهُ ومُضَرَّحِ)
(متنابذين لشرجع بأكفهمْ ... نصّ الرّقاب لفقد أَبيض أروحِ)
(فهناك صرتُ إِلَى الهموم ومَنْ يبتْ ... جَار الهموم يبيتُ غير مروّحِ)
стр. 547
(كسفتْ لمصرعه النجومُ وبدرها ... وتضعضعت آطامُ بطن الأبطحِ)
(وتزعزعتْ أجبالُ يثرب كلُّها ... ونخيلها لحلول خطبٍ مفدحِ)
(ولقدْ زَجرتُ الطيرَ قبل وفاتهِ ... بمُصابهِ وزجرتُ سعد الأذبحِ)
(وزَجرتُ أَن نَعَبَ المشحجُ سانحاً ... متفائلاً فِيهِ بفألٍ أقبح) // الْكَامِل //
ثمَّ اصرف أَبُو ذُؤَيْب رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى باديته فَأَقَامَ بهَا
وَقَالَ مُحَمَّد بن سَلام كَانَ أَبُو ذُؤَيْب شَاعِرًا فحلاً لَا غميزة فِيهِ وَلَا وهق وَسُئِلَ حسان بن ثَابت من أشعر النَّاس قَالَ أَحْيَا أم رجلا قَالُوا حَيا قَالَ أشعر النَّاس حَيا هُذَيْل وأشعر هُذَيْل غير مدافع أَبُو ذُؤَيْب وَقَالَ مُحَمَّد بن معَاذ الْعمريّ فِي التَّوْرَاة مَكْتُوب أَبُو ذُؤَيْب مؤلف زوراء وَكَانَ اسْم الشَّاعِر بالعبرانية مؤلف زوراء فَأخْبرت بذلك بعض أَصْحَاب العبرانية وَهُوَ كثير بن إِسْحَاق فَعجب مِنْهُ وَقَالَ قد بَلغنِي ذَلِك
وَكَانَ أَبُو ذُؤَيْب يهوى امْرَأَة يُقَال لَهَا أم عَمْرو وَكَانَ يُرْسل إِلَيْهَا خَالِد ابْن زُهَيْر فخانه فِيهَا وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو ذُؤَيْب فعل بِرَجُل يُقَال لَهُ عُوَيْمِر ابْن مَالك بن عُوَيْمِر وَكَانَ رَسُوله إِلَيْهَا فَلَمَّا علم أَبُو ذُؤَيْب بِمَا فعل خَالِد صرمها فَأرْسلت تترضاه فَلم يفعل وَقَالَ فِيهَا
(تُريدين كَيْمَا تجمعيني وخالداً ... وهلْ يُجمعُ السيفان ويحكِ فِي غمدِ)
(أخالدُ مَا راعيتَ من ذِي قرابةٍ ... فتحفظني بِالْغَيْبِ أَو بعض مَا تبدِى)
(دعاكَ إِلَيْهَا مقلتاها وجيدها ... قملت كَمَا مالَ المحبّ على عمدِ)
стр. 548
(وَكنت كرقراق السرابِ إِذا جرى ... لِقومٍ وَقد بَات المطيّ بهم تَخْدِى)
(فآليتُ لَا أنفكُّ أحذو قصيدةً ... تكون وَإِيَّاهَا لَهَا مثلا بعدِي) // الطَّوِيل //
وَقَالَ أَبُو زيد عَمْرو بن شيبَة تقدم أَبُو ذُؤَيْب جَمِيع شعراء هُذَيْل بقصيدته العينية يَعْنِي قصيدته المثبتة قَرِيبا
وَعَن ابْن عَيَّاش بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّة والشين الْمُعْجَمَة قَالَ لما مَاتَ جَعْفَر الْأَكْبَر بن مَنْصُور مَشى فِي جنَازَته من الْمَدِينَة إِلَى مَقَابِر قُرَيْش وَمَشى النَّاس أَجْمَعُونَ مَعَه حَتَّى دَفنه ثمَّ انْصَرف إِلَى قصره فَأقبل على الرّبيع فَقَالَ يَا ربيع انْظُر من فِي أَهلِي ينشدني
(أمنَ الْمنون وَرَيبها يتوجعُ ... )
حَتَّى أَتَسَلَّى عَن مصيبتي قَالَ الرّبيع فَخرجت إِلَى بني هَاشم وهم بأجمعهم حُضُور فسألتهم عَنْهَا فَلم يكن فيهم أحد يحفظها فَرَجَعت فَأَخْبَرته فَقَالَ وَالله لمصيبتي بِأَهْل بَيْتِي أَلا يكون فيهم أحد يحفظ هَذِه القصيدة لقلَّة رغبتهم فِي الْأَدَب أعظم وَأَشد عَليّ من مصيبتي بِابْني ثمَّ قَالَ انْظُر هَل فِي القواد والعوام من يعرفهَا فَإِنِّي أحب أَن اسمعها من إِنْسَان ينشدها فَخرجت فاعترضت النَّاس فَلم أجد أحدا ينشدها إِلَّا شَيخا مؤدباً قد انْصَرف من تأديبه فَسَأَلته هَل يحفظ شَيْئا من الشّعْر قَالَ نعم شعر أبي ذُؤَيْب فَقلت أَنْشدني
стр. 549
فابتدأ بِهَذِهِ القصيدة العينية فَقلت أَنْت بغيتي فأوصلته إِلَى الْمَنْصُور فأنشده إِيَّاهَا فَلَمَّا قَالَ
(والدَّهرُ لَيْسَ بمعتب من يجزعُ ... )
قَالَ صدق وَالله فأنشدني هَذَا الْبَيْت مائَة مرّة لتردد هَذَا المصراع عَليّ فأنشده ثمَّ مر فِيهَا فَلَمَّا انْتهى إِلَى قَوْله
(والدهر لَا يبْقى على حدثانِهِ إِلَخ. . ... )
قَالَ سلا أَبُو ذُؤَيْب عِنْد هَذَا القَوْل ثمَّ أَمر الشَّيْخ بالانصراف فاتبعته فَقلت أَمر لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ بِشَيْء قَالَ نعم وَأرَانِي صرة فِي يَده فِيهَا مائَة دِرْهَم
وَعَن الزبير بن بكار قَالَ حَدثنِي عمي قَالَ كَانَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ خرج فِي جند عبد الله بن سعد بن أبي سرح أحد بني عَامر بن لؤَي إِلَى إفريقية سنة سِتّ وَعشْرين غازياً فِي زمن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَبعث مَعَه نَفرا مِنْهُم أَبُو ذُؤَيْب فَفِي عبد الله يَقُول
(وصاحِبِ صِدقٍْ كَسِيدِ الضراء ... ينهضُ فِي الغزوِ نهضا نجيحا) // المتقارب //
فِي قصيدة لَهُ فَلَمَّا قدمُوا إِلَى مصر مَاتَ أَبُو ذُؤَيْب بهَا
وَعَن أبي عَمْرو عبد الله بن الْحَارِث الْهُذلِيّ من أهل الْمَدِينَة المنورة قَالَ خرج أَبُو ذُؤَيْب مَعَ ابْنه وَابْن أَخ لَهُ يُقَال لَهُ أَبُو عبيد حَتَّى قدمُوا على عمر
стр. 550
ابْن الْخطاب ﵁ فَقَالَ أَي الْعَمَل أفضل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله قَالَ قد فعلت فأيه أفضل بعده قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ ذَلِك كَانَ عَمَلي وَلَا أَرْجُو جنَّة وَلَا أَخَاف نَارا ثمَّ خرج فغزا أَرض الرّوم مَعَ الْمُسلمين قَلما قَفَلُوا أَخذه الْمَوْت فَأَرَادَ ابْنه وَابْن أَخِيه أَن يتخلفا عَلَيْهِ جَمِيعًا فمنعهما صَاحب السَّاقَة وَقَالَ ليتخلف عَلَيْهِ أَحَدكُمَا وليعلم أَنه مقتول فكلاهما أَرَادَ أَن يتَخَلَّف عَلَيْهِ فَقَالَ لَهما أَبُو ذُؤَيْب اقترعاً فطارت الْقرعَة لأبي عبيد فَتخلف عَلَيْهِ وَمضى ابْنه مَعَ النَّاس فَكَانَ أَبُو عبيد يحدث قَالَ قَالَ لي أَبُو ذُؤَيْب يَا أَبَا عبيد احْفِرْ ذَلِك الجرف برمحك ثمَّ اعضد من الشّجر بسيفك ثمَّ اجررني إِلَى هَذَا النَّهر فَإنَّك لَا تفرغ حَتَّى أفرغ فاغسلني وكفني بكفني ثمَّ اجْعَلنِي فِي حفيرتي وانثل على الجرف برمحك وألق عَليّ الغصون وَالْحِجَارَة ثمَّ اتبع النَّاس فَإِن لَهُم رهجة ترَاهَا فِي الْأُفق إِذا أمسيت كَأَنَّهَا جهامة قَالَ فَمَا أَخطَأ مِمَّا قَالَ شَيْئا وَلَوْلَا نَعته لم أهتد لأثر الْجَيْش وَقَالَ وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ
(َأبا عُبيدٍ رُفعَ الكتابُ ... واقترَب الموعودُ وَالحسابُ)
(وعندَ رِجلي جملٌ نحاب ... أحمرُ فِي حارِكِه انْصِبَابُ) // الرجز //
ثمَّ مضيت حَتَّى لحقت بِالنَّاسِ فَكَانَ يُقَال إِن أهل الْإِسْلَام أبعدوا الْأَثر فِي بِلَاد الرّوم فَمَا كَانَ وَرَاء قبر أَبُو ذُؤَيْب قبر يعلم لأحد من الْمُسلمين وَهَذَا يُخَالف رِوَايَة الزبير بن بكار السَّابِقَة وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ
١١٠ - (وَلَئِن نطقتُ بشكرِ بِرِّكَ مفْصِحا ... فلسانُ حَالي بالشِّكايةِ أنطَقُ)
الْبَيْت من الْكَامِل وَلَا أعرف قَائِله
стр. 551
وَالشَّاهِد فِيهِ مَا فِي الْبَيْت قبله فَإِنَّهُ شبه الْحَال بِإِنْسَان مُتَكَلم فِي الدّلَالَة على الْمَقْصُود وَهَذَا هُوَ الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ فَأثْبت لَهَا اللِّسَان الَّذِي بِهِ قوام الدّلَالَة فِي الْإِنْسَان الْمُتَكَلّم وَهَذِه الِاسْتِعَارَة التخييلية
وَقَرِيب من مَعْنَاهُ قَول ابْن الخيمي
(أبدا أحِنُّ إِلَى محيَّاك الَّذِي ... يُصبي الْبعيد إِلَيْهِ نورٌ مشرقُ)
(وأرومُ شكوى موجعات الْحبّ لَا استحظا بهَا لَكِن لَعَلَّك تشفقُ ... )
(فَأرى لساني بالصبابة أخرساً ... ولسانُ حَالي بالشكاية ينطقُ)
(وأفوه بِاسْمِك والمسافة بَيْننَا ... قصوى فيضحي الجو طيبا يعبق) // الْكَامِل //
١١١ - (صَحا القلبُ عَن سلمى وأقصر باطلُهْ ... وعرّى أَفْرَاس الصِّبَا ورواحلُهْ)
الْبَيْت لزهير بن أبي سلمى وَهُوَ أول قصيدة من الطَّوِيل وَبعده
(وأقصرتُ عَمَّا تعلمين وُسدِّدتْ ... عليَّ سوى قصد السَّبِيل معادِ لَهُ) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
(فَقُلْنَا لَهُ أبْصر وسَدِّد طريقهُ ... وَمَا هُوَ فِيهِ عَن وَصاتيَ شاغلُه)
(وَقلت تعلم أَن فِي الصَّيْد غِرَّةً ... وَإِن لَا تضيعه فَإنَّك قاتلُه)
(فأتبع آثَار الشياه وليدُنا ... كشؤبوب غيث يحفش الأكْمَ وابلُه)
стр. 552
(نظرت إِلَيْهِ نظرة فرأيته ... على كل حَال مرّة وَهْوَ حامله) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة
يُقَال أقصر عَن الشَّيْء بِمَعْنى انْتهى أَو عجز عَنهُ
وَالشَّاهِد فِيهِ مَا فِي الْبَيْت قبله أَيْضا فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن يبين أَنه ترك مَا كَانَ يرتكبه من الْمحبَّة زمن الْجَهْل والغي وَأعْرض عَن معاودته فبطلت آلاته فَشبه فِي نَفسه الصِّبَا بِجِهَة من جِهَات الْمسير كَالْحَجِّ وَالتِّجَارَة قضى مِنْهَا الوطر فأهملت آلاتها
وَوجه الشّبَه الِاشْتِغَال التَّام بِهِ وركوب المهامه والمسالك الصعبة غير مبال بمهلكة وَلَا متحرز عَن معركة
وَهَذَا التَّشْبِيه الْمُضمر فِي النَّفس اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ أثبت لَهُ بعض مَا يخْتَص بِتِلْكَ الْجِهَة وَهِي الأفراس والرواحل الَّتِي بهَا قوام السّير وَالسّفر فإثبات الأفراس والرواحل اسْتِعَارَة تخييلية وَالصبَا على هَذَا من الصبوة بِمَعْنى الْميل إِلَى الْجَهْل والفتوة وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ بالأفراس والرواحل دواعي النَّفس وشهواتها والقوى الْحَاصِلَة لَهَا فِي اسْتِيفَاء اللَّذَّات أَو أَرَادَ بهَا الْأَسْبَاب الَّتِي قَلما تتَّخذ فِي اتِّبَاع الغي إِلَّا أَوَان الصِّبَا وعنفوان الشَّبَاب فَتكون اسْتِعَارَة الأفراس والرواحل تحقيقية لتحَقّق مَعْنَاهَا عقلا إِذا أُرِيد بهَا الدَّوَاعِي وحساً إِذا أُرِيد بهَا اتِّبَاع أَسبَاب الغي
١١٢ - (والطاعنينَ مَجَامعَ الأضغانِ ... )
هُوَ من الْكَامِل وَلَا أعرف قَائِله وصدره
стр. 553
(الضاربينَ بِكُل ابيض مخذمٍ ... )
والمخذم بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة السَّيْف والأضغان جمع ضغن وَهُوَ الحقد
وَالشَّاهِد فِيهِ الْقسم الأول من أَقسَام الْكِنَايَة وَهُوَ أَن يكون الْمَطْلُوب بهَا غير صفة وَلَا نِسْبَة وَتَكون لِمَعْنى وَاحِد كَمَا هُنَا وَتَكون لمجموع معَان فَقَوله بِمَجَامِع الأضغان معنى وَاحِد كِنَايَة عَن الْقُلُوب
وَنَحْوه قَول البحتري
(فأتبعتها أُخْرَى فأضْلَلْتُ نَصْلها ... بحيثُ يكون اللبُّ والرعب والحقد) // الطَّوِيل //
١١٣ - (
(إِن السماحة والمروءة والندى ... فِي قبةٍ ضُرِبت على ابْن الحشرج)
الْبَيْت لزياد الْأَعْجَم من أَبْيَات من الْكَامِل قَالَهَا فِي عبد الله بن الحشرج وَكَانَ قد وَفد عَلَيْهِ وَهُوَ أَمِير على نيسابور فَأمر بإنزاله وألطفه وَبعث إِلَيْهِ بِمَا يَحْتَاجهُ فغدا إِلَيْهِ فأنشده الْبَيْت وَبعده
(ملك أغر متوجٌ ذُو نائلٍ ... للمعتفِينَ يمينُهَ لم تشنج)
(يَا خَيْرَ من صعد المنابر بالتُّقَى ... بعد النَّبِي الْمُصْطَفى المتحرِّج)
(لما أَتَيْتُك راجياً لنوالكم ... ألفَيْتُ بَاب نوالكم لم يرتج) // الْكَامِل //
فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم
والمروءة كَمَال الرجولية
وَالشَّاهِد فِيهِ الْقسم الثَّالِث من أَقسَام الْكِنَايَة وَهُوَ أَن يكون الْمَطْلُوب بهَا إِثْبَات أَمر لأمر أَو نَفْيه عَنهُ فَهُوَ هُنَا أَرَادَ أَن يثبت اخْتِصَاص ممدوحه بِهَذِهِ الصِّفَات وَترك التَّصْرِيح باختصاصه بهَا إِلَى الْكِنَايَة بِأَن جعلهَا فِي قبَّة ضربت
стр. 554
عَلَيْهِ تَنْبِيها على أَن محلهَا ذُو قبَّة وَهِي تكون فَوق الْخَيْمَة يتخذها الرؤساء قَالَ أَبُو تَمام
(لَوْلَا بَنو جُشَمَ بْن بكر فيكمُ ... كَانَت خيامكم بغيرِ قباب) // الْكَامِل //
وَإِنَّمَا احْتَاجَ فِي هَذَا الْبَيْت إِلَى هَذَا لوُجُود ذَوي قباب فِي الدُّنْيَا كثيرين فَأفَاد إِثْبَات الصِّفَات الْمَذْكُورَة لَهُ لِأَنَّهُ إِذا أثبت الْأَمر فِي مَكَان الرجل وحيزه فقد أثْبته لَهُ
وَفِي معنى الْبَيْت قَول زِيَاد أَيْضا فِي مرثية الْمُغيرَة بن الْمُهلب
(إِن السماحة والمروءة ضُمِّنَاً ... قبراً بمَرْوَ على الطَّرِيق الْوَاضِح) // الْكَامِل //
وَقَرِيب مِنْهُ قَول ابْن خَلاد يمدح ابْن العميد
(لقد شهدَتْ عقولُ الْخلق طراً ... وحسْبك بالبصائر من شُهُود)
(بِأَن محاسنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا ... بأفْنِيَةِ الرئيس ابْن العميد) // الوافر //
وَقَول الآخر
(والمجدُ يَدْعُو أَن يَدُوم بجيدِهِ ... عقدٌ مساعِي ابْن العميد نظامه) // الْكَامِل //
وَابْن الحشرج الممدوح اسْمه عبد الله وَكَانَ سيداً من سَادَات قيس وأميراً من أمرائها ولي كثيرا من أَعمال خُرَاسَان وَمن أَعمال فَارس وكرمان وَكَانَ جواداً ممدوحاً وَفِيه يَقُول زِيَاد أَيْضا
(إِذا كنت مرتاد السماحة والندى ... فسائل تُخَبَّرْ عَن ديار الأشاهب) // الطَّوِيل //
وَكَانَ عبد الله كثير الْعَطاء أعْطى بخراسان حَتَّى أعْطى فرَاشه ولحافه فَقَالَت لَهُ امْرَأَته لشد مَا تلاعب بك الشَّيْطَان وصرت من إخوانه مبذراً كَمَا قَالَ الله
стр. 555
تَعَالَى ﴿إِن المبذرين كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين﴾ فَقَالَ عبد الله بن الحشرج لِرفَاعَة ابْن درى النَّهْدِيّ وَكَانَ أَخا لَهُ وصديقاً أَلا تسمع مَا تَقول هَذِه النوكى وَمَا تَتَكَلَّم بِهِ فَقَالَ لَهُ رِفَاعَة صدقت وَالله وبرت وَإنَّك لمبذر وَإِن المبذرين لإخوان الشَّيَاطِين فَقَالَ ابْن الحشرج فِي ذَلِك
(مَتى يأتنا الْغَيْث المغيث تجدْ لنا ... مَكَارِم مَا تعيي بِأَمْوَالِنَا التُّلْدِ)
(مَكَارِم قد جد نابها إِذْ تمنعت ... رجالٌ وضنت فِي الرخَاء وَفِي الْجهد)
(أردنَا بِمَا جُدْنَا بِهِ من تِلادنا ... خلافَ الَّذي يَأْتِي خِيَار بني نَهد)
(تلوم على إتلافيَ المَال خُلَّتي ... ويُسْعدها نهد بن زيد على الزّهْد)
(أنَهْدَ بن زيدٍ لست مِنْكُم فتُشْفقوا ... عليَّ وَلَا مِنْكُم غوائي وَلَا رشدي)
(أتيتُ صَغِيرا ناشئاً مَا أردتم ... وكهلاً وَحَتَّى تُبصرونيَ فِي اللَّحْد)
(سأبذل مَالِي إنَّ مَالِي ذخيرة ... لِعقْبي وَمَا أجني بِهِ ثَمَر الْخلد)
(وَلست بمبكاء على الزَّاد باسل ... يهر على الأزواد كالأسَدِ الوَرْدِ)
(ولكنَّني سَمْحٌ بِمَا حزت باذلٌ ... لما كلفت كفاي فِي الزَّمن الْجَحْدِ)
(بذلك أَوْصَانِي الرقاد وَقَبله ... أَبوهُ بِأَن أعْطى وأُوفِىَ بالعهد) // الطَّوِيل //
والرقاد كَانَ أحد عمومته وَكَانَ سيداً جواداً
стр. 556
شَوَاهِد الْفَنّ الثَّالِث وَهُوَ علم البديع
١١٤ - (تردى ثِيَاب الْمَوْت حْمراً فَمَا أتىَ ... لَهَا الليلُ إِلَّا وَهِي من سندس خُضْرُ)
الْبَيْت لأبي تَمام الطَّائِي من قصيدة من الطَّوِيل يرثي بهَا أَبَا نهشل مُحَمَّد بن حميد حِين اسْتشْهد وأولها
(كَذَا فليجلّ الْخطب وليفدح الْأَمر ... وَلَيْسَ لعين لم يفض مَاؤُهَا عذر)
(تُوفيتِ الآمالُ بعد محمدٍ ... فَأصْبح فِي شعل عَن السفَرِ السفْر)
(وَمَا كَانَ إِلَّا مالَ من قلَّ مالهُ ... وذُخراً لمن أَمْسَى وليسَ لهُ ذُخرُ)
(وَمَا كانَ يدرى مَنْ بَلَا يُسْرَ كفهِ ... إِذا مَا استهلَّتْ أنهُ خُلق العسرْ) // الطَّوِيل //
يَقُول فِيهَا
(غدَا غدْوَة والحمدُ نسجُ ردائهِ ... فَلم ينصرفْ إِلَّا وأكفانهُ الأجرْ)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(كأنَّ بني نَبهَان يومَ وفاتهِ ... نجومُ سَمَاء خرَّ من بَينهَا البدرُ)
(يُعَزَّوْنَ عَن ثاوٍ تُعَزَّى بهِ العلَا ... ويبكِي عَلَيْهِ الْبَأْس والجود والنصرُ)
(وأنِّي لَهُم صَبر عَلَيْهِ وَقد مضى ... إِلَى الموتِ حَتَّى استشهَدَا هُوَ وَالصَّبْر) // الطَّوِيل //
وَمعنى الْبَيْت أَنه ارتدى الثِّيَاب الملطخة بِالدَّمِ فَلم ينْقض يَوْم قَتله وَلم
стр. 557
يدْخل فِي ليلته إِلَّا وَقد صَارَت الثِّيَاب خضرًا من سندس الْجنَّة
أَقُول وَلَو قَالَ أَبُو تَمام
(تردَّى ثِيَاب الْمَوْت حمرا فَمَا اختفى ... عَن الْعين إِلَّا وَهِي من سندسٍ خضرُ)
لَكَانَ أبلغ فِي الْقَصْد وأبدع فَإِنَّهُ جعل غَايَة تبديلها بالسندس دُخُوله فِي اللَّيْل وَهَذَا لَيْسَ بِمَعْلُوم فَإِن الْمَيِّت إِذا غيب بالدفن عَن الْأَعْين تبدلت أَحْوَاله إِلَى خير أَو شَرّ وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وَيشْهد لذَلِك مَا ورد أَن الْمَيِّت بِمُجَرَّد ستره عَن الْأَعْين يَأْتِيهِ ملكا السُّؤَال
وَفِي معنى بَيت أبي تَمام قَول القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم ﵀
(لهفي لمقتول تلاحظه ... عيونُ الْبيض شَزْرَا)
(متضرّجاً بدَمٍ رَأَتْهُ ُالحورُ فِي الجناتَ عطرَا ... )
(متكفنٌ بملابسٍ ... حَمْرَاء وَهِي تعودُ خضرًا) // من مجزوء الْكَامِل //
يرْوى أَنه لما ورد نعي هَذَا المرثي غمس أَبُو تَمام طرف رِدَائه فِي مداد ثمَّ ضرب بِهِ كفيه وصدره وَأنْشد هَذِه القصيدة
وإِلى ذَلِك أَشَارَ ابْن زنجي الْكَاتِب المغربي فِي قَوْله يرثي الشَّيْخ أَبَا عَليّ ابْن خلدون
(لَوْلَا الحياءُ وَأَن أجيء بفعلةٍ ... تنْضَى عليَّ بهَا سيوفُ ملامِ)
(وأكون مُتبعا لأشنعِ سنةٍ ... قد سنّهَا فبلي أَبُو تمامِ)
(للبست لبس الثاكلات وَكنت فِي ... سود الوجوهِ كأنني من حام) // الْكَامِل //
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت الطباق الْمُسَمّى بالتدبيج وَهُوَ أَن يذكر الشَّاعِر أَو الناثر فِي معنى من الْمَدْح أَو غَيره ألواناً لقصد الْكِنَايَة أَو التورية وَيُسمى
стр. 558
تدبيج الْكِنَايَة أَيْضا فَإِنَّهُ هُنَا ذكر لون الْحمرَة والخضرة وَالْمرَاد من الأول الْكِنَايَة عَن الْقَتْل وَمن الثَّانِي الْكِنَايَة عَن دُخُول الْجنَّة
وَمن طباق التدبيج قَول عَمْرو بن كُلْثُوم
(بأنَّا نوردُ الراياتِ بيضًا ... ونصدرهن حمرا قد روينَا) // الوافر //
وَلَو اتّفق لَهُ أَن يَقُول
(منَ الأسل الظِّماء يردنَ بيضًا ... ونصدرهن حمرا قد روينَا)
لَكَانَ أبدع بَيت للْعَرَب فِي الطباق لِأَنَّهُ يكون قد طابق بَين الْإِيرَاد والإصدار وَالْبَيَاض والحمرة والظمأ والري وَقد تمّ لأبي الشيص فَقَالَ
(فأورَدها بِيضاً ظماءً صدورُها ... وأصدرَها بالريّ ألوانها حمرا) // الطَّوِيل //
فَصَارَ أَخذه مغفورا بِكَمَال مَعْنَاهُ وَمَا أحسن قَول ابْن حيوس
(وتملكِ العلياءَ بالسعي الَّذِي ... أغناكَ عَن متعالم الأنسابِ)
(ببياض عِرْضٍ واحمرار صوارمٍ ... وَسَوَاد نَقْع واخضرار رِحابِ)
(وأفخر بعمّ عمَّ جودُ نوالهِ ... وأبٍ لأفعال الدنيةِ آبي) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا
(إنْ تردْ عِلمَ حَالهم عَن يقينٍ ... فالْقَهُمْ فِي مكارمٍ أَو نزالِ)
(تلقَ بيضَ الْأَعْرَاض سمرَ مثار النَّقْع خضرَ الأكناف حمر النصال ... ) // الْخَفِيف //
وَقد أَخذه ابْن النبيه فقصر عَنهُ فِي قَوْله
(لهمْ بنانٌ طافحٌ بالندَى ... فهنَّ إِمَّا دِيَمٌ أوْ بِحارْ)
(بيضُ الأيادي خضرُ رَوض الرُّبا ... حُمْرُ المواضِي فِي العَجَاج المثار) // السَّرِيع //
وَقَول بَعضهم
стр. 559
(الغصنُ فوقَ المَاء تَحت شقائقٍ ... مثلُ الأسنة خُضِّبَتْ بدماءِ)
(كالصَّعْدةِ السمراءِ تحتَ الرَّايَة الْحَمْرَاء ... فوقَ الَّلأمة الخضراءِ) // الْكَامِل //
وَقَرِيب من لَفظه قَول الصّلاح الصَّفَدِي رَحمَه الله تَعَالَى
(مَا أبصرَتْ عيناكَ أحسنَ منْظرًا ... فِيمَا يُرَى من سَائِر الأشياءِ)
(كالشامةِ الخضراءِ فَوق الوجنة الْحَمْرَاء ... تحتَ المقلةِ السوداءِ) // الْكَامِل //
وَلابْن النبيه
(دَع النوحَ خلف حُدُوجِ الركائبْ ... وَسلّ فؤادكَ عَن كل ذاهبْ)
(ببيضِ السوالف حمر المراشف صفر الترائبِ سود الذوائبْ ... )
(فَمَا العيشُ إلَاّ إِذا مَا نظمتَ ... ثغر الْحَبَاب ثنايا الحبائبْ) // المتقارب //
وَلابْن الساعاتي
(من معشر ويجلُّ قدرُ علائهِ ... عَن أَن يقاَل لمثلهِ من معشرِ)
(بيض الْوُجُوه كَأَن زُرْقَ رماحهم ... سر يحلُّ سَواد قلب الْعَسْكَر) // الْكَامِل //
وَلابْن دبوقاء الْعِمَاد من أَبْيَات
(أرَى العقدَ فِي ثغره محكما ... يرينا الصِّحاح منَ الجوهرِ)
(وتكملَةُ الْحسن إيضاحُها ... روينَاهُ عَن وَجهك الأزهرِ)
(ومنثورُ دَمعي غدَا أحمرَا ... على آس عارضكَ الأخضرِ)
(وبعتُ رشادي بغيِّ الْهوى ... لأجلكَ يَا طلعة المُشْتَرِي) // المتقارب //
وَلأبي الْحسن مُحَمَّد بن القنوع من أَبْيَات
(ويخترمُ الْأَرْوَاح والموتُ أحمرُ ... بأبيضَ يتلوه لَدَى الطعْن أزرقُ) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن مَا قَالَ بعده
(وُيجْرِي عتاقَ الْخَيل قُبَّاً شوازباً ... تبارى هبوبَ الرّيح بل هِيَ أسبقُ)
стр. 560
(إِذَا حفرت مِنْهَا الحوافرُ فِي الصَّفَا ... محَاريبَ ظلتْ بالنجيع تخلق) // الطَّوِيل //
وَلأبي الْفَرح الببغاء فِي قريب من مَعْنَاهُ
(وكأنما نقشت حَوافرُ خيلهِ ... للناظرين أهلةً فِي الجلْمَد) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَوْله بعده
(وَكَأن طَرْفَ الشَّمْس مطروفٌ وقدْ ... جعلَ الغبارُ لهُ مَكَان الأثمدِ)
وَلأبي سعيد الرستمي
(من النَّفر العالينَ فِي السّلم والوغى ... وأهلِ الْمَعَالِي والعواليَ واللُّهَا)
(إِذا نزلُوا اخضرَّ الثرَى من نُزُولهَا ... وَإِن نازلوا احمرَّ القنا منِ نزالها) // الطَّوِيل //
وَلابْن جَابر الأندلسي
(تَشْتَكِي الصفر من يَدَيْهِ وترضى السمر من راحتيه عِنْد الحروب ... )
(أحمرُ السَّيْف أخضرُ السيب حَيْثُ الأَرْض غبراء من سَواد الخطوب ... ) // الْخَفِيف //
وَلأبي الْقَاسِم عبد الصَّمد بن عَليّ الطَّبَرِيّ من قصيدة
(حَمِّر يَدي بالكأس فالروضُ مخضرُّ الرُّبا قبل اصفرار البنان ... ) // السَّرِيع //
وَلأبي بكر الخالدي
(ومدامة صفراءَ فِي قارورةٍ ... زَرقاء تحملهَا يدٌ بيضاءُ)
(فالراح ُشمسٌ والْحَبَاب كواكبٍ ... والكفّ قُطْبٌ والإناءُ سَمَاء) // الْكَامِل //
ولنجم الدّين الْبَارِزِيّ فِي وصف قلم
(ومثقف للخَطّ يحْكى فعلَ سمرِ الْخط إِلَّا أَن هَذَا أصغرُ ... )
(فِي رأسهِ المسودِّ إِن أجروه فِي المبيض للأعداء موت أَحْمَر ... ) // الْكَامِل //
وَمن المضحك فِيهِ قَول ابْن لنكك الْبَصْرِيّ يهجو أَبَا رياش وَكَانَ نهما شَرها على الطَّعَام
стр. 561
(يَطيرُ إِلَى الطَّعَام أَبُو رياشٍ ... مُبَادرةً وَلَو واراهُ قبرُ)
(أصابعهُ من الحَلَواء صُفْرٌ ... ولكنَّ الأخادِعَ مِنْهُ حمر) // الوافر //
وَكَانَ أَبُو رياش هَذَا باقعة فِي حفظ أَيَّام الْعَرَب وأنسابها وَأَشْعَارهَا غَايَة بل آيَة فِي هَذ دواوينها وسرد أَخْبَارهَا مَعَ فصاحة وَبَيَان وإعراب وإتقان وَلكنه كَانَ عديم الْمُرُوءَة وسخ اللبسة كثير التقشف قَلِيل التنظف وَفِيه يَقُول أَبُو عُثْمَان الخالدي
(كَأَنَّمَا قمْلُ أبي رياشٍ ... مَا بينَ صِئْبَان قَفَاهُ الفاشي)
(وَذَا وَذَا قد لج فِي انْتِفاشِ ... شهدانج يُذَرُّ فِي خشخاش) // الرجز //
وَفِيه يَقُول ابْن لنكك وَقد ولي عملا بِالْبَصْرَةِ
(قل للوَضيع أَبي رياش لَا تُبَلْ ... بِهِ كلُّ تِيهكَ بالولايةِ والعَمَلْ)
(مَا ازْدَدتَ حِين ولِيَت إِلَّا خِسّةً ... كَالْكَلْبِ أنجسُ مَا يكون إِذا اغْتسل) // الْكَامِل //
وَله فِيهِ أَيْضا
(نبئت أَن أَبَا رياش قَدْ حَوَى ... علم اللُّغَات وفاقَ فِيمَا يَدِّعى)
(مَنْ مُخْبري عنهُ فَإِنِّي سائلٌ ... من كَانَ حَنِّكهُ بإير الْأَصْمَعِي) // الْكَامِل //
وَله فِيهِ أَو فِي غَيره من الأدباء
(يَا مَنْ تَطَيَّبَ وَهُوَ من خَرْقِ اسْتِهِ ... قَلِقٌ يكابِد كل داءٍ مُعْضِلِ)
(فشل الصيال وَمَا عهدنا دبره ... مذ كَانَ بغشل عَن صيال الفيشل)
(وأراهُ فِي الكُتُبِ الجليلَةِ زاهداً ... لَا يَسْتَجيد سوى كتابِ المَدْخَلِ)
(قَبِّلتهُ ولثمتُ فاهُ مُسَلماً ... لثم الصّديقِ فَم الصّديق المجملِ)
стр. 562
(فدَنا إليَّ على المكانِ وقالَ لي ... أفديكَ من مُتَعَشِّقٍ متعزل)
(إِن كنتَ تلثمني بودٍّ فاشْفِني ... بلِسَانِ بطنِكَ فِي فمي من أسفلي) // الْكَامِل //
وَقد زاغ الْقَلَم وطاش بجريرة أبي رياش وَأَنا أسْتَغْفر الله من ذَلِك
١١٥ - (لَا تعجبي يَا سلم من رجل ... ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبَكى)
الْبَيْت لدعبل من قصيدة من الْكَامِل أَولهَا
(أينَ الشَّبَاب وأية سلكا ... لَا أَيْن يطلَبُ ضَلِّ بل هَلكا)
وَبعده الْبَيْت وَبعده
(يَا سَلْمَ مَا بالشيبِ مَنْقَصَةٌ ... لَا سوقَةً يُبْقِي وَلَا ملِكا)
(قَصَرَ الْغَوايةَ عَن هَوَى قَمرٍ ... أجِدُ السَّبيلَ إليهِ مُشتركا)
(يَا لَيْتَ شعري كَيْفَ نومكما ... يَا صاحِبَيَّ إِذا دمي سُفِكا)
(لَا تأخذا بِظُلَامتي أحَداً ... قلبِي وطَرْفي فِي دمي اشْتَركَا) // الْكَامِل //
حدث أَبُو هفان قَالَ قَالَ مُسلم بن الْوَلِيد
(مُستَعبر يبكي على دِمْنَةٍ ... ورأسُهُ يضْحك فِيهِ المشيب) // السَّرِيع //
فسرقه دعبل فَقَالَ وأنشا الْبَيْت فجَاء بِهِ أَجود من قَول مُسلم فَصَارَ أَحَق بِهِ مِنْهُ
وَحدث أَبُو الْمثنى قَالَ كُنَّا فِي مجْلِس الْأَصْمَعِي فأنشده رجل لدعبل لَا تعجبي يَا سلم ... . الْبَيْت فاستحسناه فَقَالَ الْأَصْمَعِي إِنَّمَا سَرقه من قَول الْحُسَيْن
стр. 563
ابْن مطير الْأَسدي
(أَيْن أهلُ القِبابِ بالدَهْناء ... أَيْن جيرانُنا على الأحْسَاء)
(فارقونا وَالْأَرْض ملبسة نور ... الأقاحي تُجَادُ بالأنْوَاءِ)
(كلَّ يَوْم بأقْحُوَانٍ جديدٍ ... تضحَكُ الأرضُ من بكاء السَّمَاء) // الْخَفِيف //
وروى عَن أبي الْعَبَّاس الْمبرد أَنه قَالَ اخذ ابْن مطير قَوْله تضحك الأَرْض من بكاء السَّمَاء من قَول دُكَيْن الراجز
(جُنَّ النباتُ فِي ذُراها ورَكا ... وضَحِكَ المزنُ بِهِ حَتَّى بَكَى) // الرجز //
وَقَالَ أَبُو هفان أنشدت يَوْمًا بعض الْبَصرِيين الحمقاء قَول دعبل ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى فَجَاءَنِي بعد أَيَّام فَقَالَ قد قلت أحسن من الْبَيْت الَّذِي قَالَه دعبل فَقلت يَا هَذَا وَأي شَيْء قلت فتمنع سَاعَة ثمَّ قَالَ
(قَهْقَه فِي رأسِهِ القتير ... ) // الرجز //
وَقد تداول الشُّعَرَاء معنى بَيت دعبل فَمِنْهُ قَول الراضي الْقُرْطُبِيّ
(ضحك المشيب بِرَأْسِهِ ... فَبَكى بأعينِ كأسِهِ)
(رجل تخونه الزَّمَان ... ببُوسِهِ وببأسِهِ)
(فجرَى على غُلَوَائِهِ ... طَلْقَ الجموحُ بفأسِهِ)
(أخذا بأوفَرِ حَظِّه ... لرجائه من يأسه) // من مجزوء الْكَامِل //
وَمِنْه أَيْضا قَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى
(تَبسُّمُ الشيب بذقْن الْفَتى ... يوجِبُ سَحَّ الدمع من جَفْنهِ)
(حسبُ الْفَتى بعد الصبذلة ... أَن يضْحك الشيب على ذقنه) // السَّرِيع //
ولمؤلفه رَحمَه الله تَعَالَى أَيْضا فِي هَذَا الْمَعْنى
стр. 564
(ضحك الشيب برأسي ... فبكتْ عَيْني الشَّبَابا) // من مجزوء الرمل //
وَمن الْبكاء على الشَّبَاب وَهُوَ أبكى بَيت قيل فِي فَقده وينسب لأبي الْغُصْن الْأَسدي
(أتأَملُ رجْعَةَ الدُّنْيَا سَفَاهاً ... وَقد سَار الشبابُ إِلَى الذهابِ)
(فَلَيْتَ الباكياتِ بكلِّ أرضٍ ... جُمِعْنَ لنا فَنُحْن على الشبابِ) // الوافر //
وَمَا أحسن قَول أبي الْعَلَاء المعري فِيهِ أَيْضا
(وَقد تَعَوَّضْتُ عَن كلٍّ بمشْبهِهِ ... فَمَا وجدتُ لأيام الصِّبَا عوضا) // الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
(شَيآنِ لَو بكَتِ الدماءَ عَلَيهمَا ... عينايَّ حَتَّى تُؤْذنا بذَهاب)
(لم تَبْلُغا المعشار من حَقِّيْهما ... فَقْدُ الشَّبَاب وفُرْقَة الأحبابِ) // الْكَامِل //
وَلأبي بكر بن مجير
(رَحَلَ الشَّبَاب وَمَا سمعْتُ بعَبرَةٍ ... تجْرِي لمثْلِ فِرَاقِ ذاكَ الرَّاحِلِ)
(قد كنت أُزْهَى بالشباب وَلم أخَلْ ... أَن الشَّبيبَةَ كالخِضَاب الناصل)
(ظِلٌّ صفا لي ثمَّ زَالَ بسرعةٍ ... يَا ويحَ مُغتُرٍ بِظِل زائل) // الْكَامِل //
وَلابْن حمديس فِي قريب من مَعْنَاهُ
(وَلم أرَ كالدنيا خَؤوناً لصَاحِبٍ ... وَلَا كمصابي بالشَّباب مُصَابا)
(فَقَدْتُ الصِّبا فابيَضَّ مُسْودُّ لمتى ... كأنَّ الصِّبَا للشيب كَانَ خضابا) // الطَّوِيل //
وَلأبي الْفَتْح البستي فِيهِ
(دعْ دموعي تَسيلُ سَيْلاً بدارا ... وضُلوعي يَصْلَينَ بالوَجْدِ نَارا)
(قد أعادَ الأسىَ نهاريَ لَيْلاً ... مذْ أعَاد المشيبُ ليلِي نَهَارا) // الْخَفِيف //
ولعلى بن مُحَمَّد الْكُوفِي فِي الْبكاء من المشيب والبكاء عَلَيْهِ
стр. 565
(بَكَى للشَّيْبِ ثمَّ بَكَى عَلَيه ... فكانَ أعَزَّ من فَقْدِ الشبابِ)
(فَقلْ للشيب لَا تبرَحْ حميدا ... إِذا نَادَى شَبَابِي بالذهاب) // الوافر //
وَمثله قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(الشيب كُرْهٌ وكُرهٌ أَن يُفارقني ... فاعجَبْ لشَيْء على البَغْضاء مَوْدُود)
(يمْضِي الشَّبَاب وَقد يَأْتِي لَهُ خَلفٌ ... والشيب يذهَبُ مفقودا بمفقود) // الْبَسِيط //
وَقد أعَاد مُسلم بن الْوَلِيد هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ
(لَا يرحل الشيبُ عَن دَار أَقَامَ بهَا ... حَتَّى يُرَحَّلُ عَنْهَا صاحِبُ الدَّار) // الْبَسِيط //
وَيُقَال إِن مُسلما أَخذ هَذَا الْمَعْنى من قَول بعض الْأَعْرَاب
(أسْتَغفر الله وأستَقِيله ... مَا أَنا مِمَّن شَيبُهُ يَهُولهُ)
(أعظَم من حُلُوله رحيله ... ) // الرجز //
وَمثل قَول مُسلم قَول البحتري
(يعيبُ الغانياتُ علىَ شيبي ... ومَنْ لي أَن أُمَّتَع بالمشيبِ)
(ووجْدِي بالشباب وَإِن تَقَضَّى ... حميدا دونَ وجدي بالمشيب) // الوافر //
وَمَا أحسن قَول كشاجم الْكَاتِب
(تَفَكرْتُ فِي شَيبِ الْفَتى وشبابه ... فأيقَنتُ أَن الْحق للشيب واجبُ)
(يصاحِبني شرخُ الشَّبَاب فَينْقَضي ... وشيبي إِلَى حِين المماتُ مصاحب) // الطَّوِيل //
وبديع قَول الْغَزِّي
(ذهبَ الشَّبَاب ذهابَ سهم مارِقٍ ... لَا يُسْتطاعُ مَعَ التأسُّفِ ردُّهُ)
(وأتى المشيب بقَضِّهِ وقَضيضهِ ... وأشَدُّ من وجدانِ ذَلِك فَقْدهُ)
(أَنا فِي السُّرى والسَّير كالطِّفل الَّذِي ... يجدُ السكونَ إِذا تحَرَّكَ مَهدُه)
(من يَقْتَدحْ زنداً بكف مَالهَا ... زنْدٌ فَكيف ترَاهُ يقْدَح زنده) // الْكَامِل //
следующие страницы →