← Баляга

Баляга · id 6951

معاهد التنصيص على شواهد التلخيص

أبو الفتح العباسي

Полный текст (694 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(يَطيرُ إِلَى الطَّعَام أَبُو رياشٍ ... مُبَادرةً وَلَو واراهُ قبرُ) (أصابعهُ من الحَلَواء صُفْرٌ ... ولكنَّ الأخادِعَ مِنْهُ حمر) // الوافر // وَكَانَ أَبُو رياش هَذَا باقعة فِي حفظ أَيَّام الْعَرَب وأنسابها وَأَشْعَارهَا غَايَة بل آيَة فِي هَذ دواوينها وسرد أَخْبَارهَا مَعَ فصاحة وَبَيَان وإعراب وإتقان وَلكنه كَانَ عديم الْمُرُوءَة وسخ اللبسة كثير التقشف قَلِيل التنظف وَفِيه يَقُول أَبُو عُثْمَان الخالدي (كَأَنَّمَا قمْلُ أبي رياشٍ ... مَا بينَ صِئْبَان قَفَاهُ الفاشي) (وَذَا وَذَا قد لج فِي انْتِفاشِ ... شهدانج يُذَرُّ فِي خشخاش) // الرجز // وَفِيه يَقُول ابْن لنكك وَقد ولي عملا بِالْبَصْرَةِ (قل للوَضيع أَبي رياش لَا تُبَلْ ... بِهِ كلُّ تِيهكَ بالولايةِ والعَمَلْ) (مَا ازْدَدتَ حِين ولِيَت إِلَّا خِسّةً ... كَالْكَلْبِ أنجسُ مَا يكون إِذا اغْتسل) // الْكَامِل // وَله فِيهِ أَيْضا (نبئت أَن أَبَا رياش قَدْ حَوَى ... علم اللُّغَات وفاقَ فِيمَا يَدِّعى) (مَنْ مُخْبري عنهُ فَإِنِّي سائلٌ ... من كَانَ حَنِّكهُ بإير الْأَصْمَعِي) // الْكَامِل // وَله فِيهِ أَو فِي غَيره من الأدباء (يَا مَنْ تَطَيَّبَ وَهُوَ من خَرْقِ اسْتِهِ ... قَلِقٌ يكابِد كل داءٍ مُعْضِلِ) (فشل الصيال وَمَا عهدنا دبره ... مذ كَانَ بغشل عَن صيال الفيشل) (وأراهُ فِي الكُتُبِ الجليلَةِ زاهداً ... لَا يَسْتَجيد سوى كتابِ المَدْخَلِ) (قَبِّلتهُ ولثمتُ فاهُ مُسَلماً ... لثم الصّديقِ فَم الصّديق المجملِ)

стр. 562

(فدَنا إليَّ على المكانِ وقالَ لي ... أفديكَ من مُتَعَشِّقٍ متعزل) (إِن كنتَ تلثمني بودٍّ فاشْفِني ... بلِسَانِ بطنِكَ فِي فمي من أسفلي) // الْكَامِل // وَقد زاغ الْقَلَم وطاش بجريرة أبي رياش وَأَنا أسْتَغْفر الله من ذَلِك ١١٥ - (لَا تعجبي يَا سلم من رجل ... ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبَكى) الْبَيْت لدعبل من قصيدة من الْكَامِل أَولهَا (أينَ الشَّبَاب وأية سلكا ... لَا أَيْن يطلَبُ ضَلِّ بل هَلكا) وَبعده الْبَيْت وَبعده (يَا سَلْمَ مَا بالشيبِ مَنْقَصَةٌ ... لَا سوقَةً يُبْقِي وَلَا ملِكا) (قَصَرَ الْغَوايةَ عَن هَوَى قَمرٍ ... أجِدُ السَّبيلَ إليهِ مُشتركا) (يَا لَيْتَ شعري كَيْفَ نومكما ... يَا صاحِبَيَّ إِذا دمي سُفِكا) (لَا تأخذا بِظُلَامتي أحَداً ... قلبِي وطَرْفي فِي دمي اشْتَركَا) // الْكَامِل // حدث أَبُو هفان قَالَ قَالَ مُسلم بن الْوَلِيد (مُستَعبر يبكي على دِمْنَةٍ ... ورأسُهُ يضْحك فِيهِ المشيب) // السَّرِيع // فسرقه دعبل فَقَالَ وأنشا الْبَيْت فجَاء بِهِ أَجود من قَول مُسلم فَصَارَ أَحَق بِهِ مِنْهُ وَحدث أَبُو الْمثنى قَالَ كُنَّا فِي مجْلِس الْأَصْمَعِي فأنشده رجل لدعبل لَا تعجبي يَا سلم ... . الْبَيْت فاستحسناه فَقَالَ الْأَصْمَعِي إِنَّمَا سَرقه من قَول الْحُسَيْن

стр. 563

ابْن مطير الْأَسدي (أَيْن أهلُ القِبابِ بالدَهْناء ... أَيْن جيرانُنا على الأحْسَاء) (فارقونا وَالْأَرْض ملبسة نور ... الأقاحي تُجَادُ بالأنْوَاءِ) (كلَّ يَوْم بأقْحُوَانٍ جديدٍ ... تضحَكُ الأرضُ من بكاء السَّمَاء) // الْخَفِيف // وروى عَن أبي الْعَبَّاس الْمبرد أَنه قَالَ اخذ ابْن مطير قَوْله تضحك الأَرْض من بكاء السَّمَاء من قَول دُكَيْن الراجز (جُنَّ النباتُ فِي ذُراها ورَكا ... وضَحِكَ المزنُ بِهِ حَتَّى بَكَى) // الرجز // وَقَالَ أَبُو هفان أنشدت يَوْمًا بعض الْبَصرِيين الحمقاء قَول دعبل ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى فَجَاءَنِي بعد أَيَّام فَقَالَ قد قلت أحسن من الْبَيْت الَّذِي قَالَه دعبل فَقلت يَا هَذَا وَأي شَيْء قلت فتمنع سَاعَة ثمَّ قَالَ (قَهْقَه فِي رأسِهِ القتير ... ) // الرجز // وَقد تداول الشُّعَرَاء معنى بَيت دعبل فَمِنْهُ قَول الراضي الْقُرْطُبِيّ (ضحك المشيب بِرَأْسِهِ ... فَبَكى بأعينِ كأسِهِ) (رجل تخونه الزَّمَان ... ببُوسِهِ وببأسِهِ) (فجرَى على غُلَوَائِهِ ... طَلْقَ الجموحُ بفأسِهِ) (أخذا بأوفَرِ حَظِّه ... لرجائه من يأسه) // من مجزوء الْكَامِل // وَمِنْه أَيْضا قَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى (تَبسُّمُ الشيب بذقْن الْفَتى ... يوجِبُ سَحَّ الدمع من جَفْنهِ) (حسبُ الْفَتى بعد الصبذلة ... أَن يضْحك الشيب على ذقنه) // السَّرِيع // ولمؤلفه رَحمَه الله تَعَالَى أَيْضا فِي هَذَا الْمَعْنى

стр. 564

(ضحك الشيب برأسي ... فبكتْ عَيْني الشَّبَابا) // من مجزوء الرمل // وَمن الْبكاء على الشَّبَاب وَهُوَ أبكى بَيت قيل فِي فَقده وينسب لأبي الْغُصْن الْأَسدي (أتأَملُ رجْعَةَ الدُّنْيَا سَفَاهاً ... وَقد سَار الشبابُ إِلَى الذهابِ) (فَلَيْتَ الباكياتِ بكلِّ أرضٍ ... جُمِعْنَ لنا فَنُحْن على الشبابِ) // الوافر // وَمَا أحسن قَول أبي الْعَلَاء المعري فِيهِ أَيْضا (وَقد تَعَوَّضْتُ عَن كلٍّ بمشْبهِهِ ... فَمَا وجدتُ لأيام الصِّبَا عوضا) // الْبَسِيط // وَقَول الآخر (شَيآنِ لَو بكَتِ الدماءَ عَلَيهمَا ... عينايَّ حَتَّى تُؤْذنا بذَهاب) (لم تَبْلُغا المعشار من حَقِّيْهما ... فَقْدُ الشَّبَاب وفُرْقَة الأحبابِ) // الْكَامِل // وَلأبي بكر بن مجير (رَحَلَ الشَّبَاب وَمَا سمعْتُ بعَبرَةٍ ... تجْرِي لمثْلِ فِرَاقِ ذاكَ الرَّاحِلِ) (قد كنت أُزْهَى بالشباب وَلم أخَلْ ... أَن الشَّبيبَةَ كالخِضَاب الناصل) (ظِلٌّ صفا لي ثمَّ زَالَ بسرعةٍ ... يَا ويحَ مُغتُرٍ بِظِل زائل) // الْكَامِل // وَلابْن حمديس فِي قريب من مَعْنَاهُ (وَلم أرَ كالدنيا خَؤوناً لصَاحِبٍ ... وَلَا كمصابي بالشَّباب مُصَابا) (فَقَدْتُ الصِّبا فابيَضَّ مُسْودُّ لمتى ... كأنَّ الصِّبَا للشيب كَانَ خضابا) // الطَّوِيل // وَلأبي الْفَتْح البستي فِيهِ (دعْ دموعي تَسيلُ سَيْلاً بدارا ... وضُلوعي يَصْلَينَ بالوَجْدِ نَارا) (قد أعادَ الأسىَ نهاريَ لَيْلاً ... مذْ أعَاد المشيبُ ليلِي نَهَارا) // الْخَفِيف // ولعلى بن مُحَمَّد الْكُوفِي فِي الْبكاء من المشيب والبكاء عَلَيْهِ

стр. 565

(بَكَى للشَّيْبِ ثمَّ بَكَى عَلَيه ... فكانَ أعَزَّ من فَقْدِ الشبابِ) (فَقلْ للشيب لَا تبرَحْ حميدا ... إِذا نَادَى شَبَابِي بالذهاب) // الوافر // وَمثله قَول مُسلم بن الْوَلِيد (الشيب كُرْهٌ وكُرهٌ أَن يُفارقني ... فاعجَبْ لشَيْء على البَغْضاء مَوْدُود) (يمْضِي الشَّبَاب وَقد يَأْتِي لَهُ خَلفٌ ... والشيب يذهَبُ مفقودا بمفقود) // الْبَسِيط // وَقد أعَاد مُسلم بن الْوَلِيد هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ (لَا يرحل الشيبُ عَن دَار أَقَامَ بهَا ... حَتَّى يُرَحَّلُ عَنْهَا صاحِبُ الدَّار) // الْبَسِيط // وَيُقَال إِن مُسلما أَخذ هَذَا الْمَعْنى من قَول بعض الْأَعْرَاب (أسْتَغفر الله وأستَقِيله ... مَا أَنا مِمَّن شَيبُهُ يَهُولهُ) (أعظَم من حُلُوله رحيله ... ) // الرجز // وَمثل قَول مُسلم قَول البحتري (يعيبُ الغانياتُ علىَ شيبي ... ومَنْ لي أَن أُمَّتَع بالمشيبِ) (ووجْدِي بالشباب وَإِن تَقَضَّى ... حميدا دونَ وجدي بالمشيب) // الوافر // وَمَا أحسن قَول كشاجم الْكَاتِب (تَفَكرْتُ فِي شَيبِ الْفَتى وشبابه ... فأيقَنتُ أَن الْحق للشيب واجبُ) (يصاحِبني شرخُ الشَّبَاب فَينْقَضي ... وشيبي إِلَى حِين المماتُ مصاحب) // الطَّوِيل // وبديع قَول الْغَزِّي (ذهبَ الشَّبَاب ذهابَ سهم مارِقٍ ... لَا يُسْتطاعُ مَعَ التأسُّفِ ردُّهُ) (وأتى المشيب بقَضِّهِ وقَضيضهِ ... وأشَدُّ من وجدانِ ذَلِك فَقْدهُ) (أَنا فِي السُّرى والسَّير كالطِّفل الَّذِي ... يجدُ السكونَ إِذا تحَرَّكَ مَهدُه) (من يَقْتَدحْ زنداً بكف مَالهَا ... زنْدٌ فَكيف ترَاهُ يقْدَح زنده) // الْكَامِل //

стр. 566

وبديع أَيْضا قَول حسن بن النَّقِيب رَحمَه الله تَعَالَى (لَا تأسَفَنَّ على الشَّبَاب وفَقْده ... فَعلى المشيب وفَقْده يُتأسَّف) (هاذاك يخلُفه سواهُ إِذا انْقَضى ... ومَضَى وَهَذَا إِن مضى لَا يخلف) // الْكَامِل // وَقَوله أَيْضا (عجبت للشيب كنت أكرَههُ ... فأصبَحَ الْقلب وهوَ عاشقُهُ) (وَكنت لَا أشْتَهي أرَاهُ وَقد ... أصْبَحْتُ لَا أشتهي أفارقه) // المنسرح // وَمَا أحسن قَول الصفي الْحلِيّ (لَو تَيَقَّنْتُ أَن شَينَ بَيَاض الشيب يبْقى لما كَرهت البياضا ... ) (غيرَ أنِّي علمت من ذلكَ الزائر ... مَا يَقْتَضِي وَمَا يتقاضى) // الْخَفِيف // وَلأبي الْفَتْح البستي رَحمَه الله تَعَالَى فِيهِ (يَا شَيْبتي دومي وَلَا تترحَّلي ... وتيَّقِني أَنِّي بوصلك مُولَع) (قد كنت أجْزَعُ من حلولك مرّة ... والآن من خوف ارتحالك اجزع) // الْكَامِل // وَلأبي الْيمن الْكِنْدِيّ فِيهِ أَيْضا (عَفا الله عَمَّا جرَّه اللَّهْو وَالصبَا ... وَمَا مرَّ منْ قَالِ الشَّبَاب وقيله) (زمانٌ صحبناه بأرغد عيشة ... إِلَى أَن مضى مستكرهاً لسبيلهِ) (وأعقَبَنَا من بعدهِ غير مُشْتَهي ... مَشيباً نَفى عنَّا الكَرَى بحلُولهِ) (لَئِن عَظَمتْ أحْزَانُنا بقُدومِهِ ... فأعْظَمُ مِنْهَا خَوْفُنا من رحيله) // الطَّوِيل // وَقد خَالف ابْن الرُّومِي حَيْثُ يَقُول

стр. 567

(من كانَ يبكي الشبابَ من أسَفِ ... فَلَست أبْكِي عَلَيْهِ من أسَفِ) (كيفَ وشَرْخُ الشَّبَاب عرَّضني ... يومُ حِسَابي لِمَوْقفِ التَّلَفِ) (لَا صُوحِبَتْ شِرَّةُ الشَّبَاب وَلَا ... عدِمتُ مَا فِي المشيبِ مِنْ خَلَفِ) // المنسرح // وَمثله قَول بَعضهم (لم أقلْ للشباب فِي دعَة الله وَلَا حفظهِ غَدَاةَ اسْتَقَلَاّ ... ) (زائر زارنا أَقَامَ قَليلاً ... سَوَّدَ الصُّحْفَ بِالذنُوبِ وَولى) // الْخَفِيف // وَمن الْجيد أَيْضا قَول الْعلوِي (لَعَمْرُكَ لَلمشيبُ عليَّ مِمَّا ... فَقَدْتُ من الشَّبَاب أجَلُّ فوتا) (تمَليتُ الشَّبَاب فصارَ شيباً ... ومُلِّيتُ المشيبَ فَصَارَ موتا) // الوافر // وَمَا أحسن أَيْضا قَول الآخر (والمرءُ إِن حَلَّ شَيْبٌ فِي مفارقه ... فَمَا يفارِقُه أَو يرحلان مَعًا) // الْبَسِيط // وَمَا أحسن قَول المعري فِي مدح الشيب (خبرِيني مَاذَا كرِهْتِ من الشَّيْب فَلَا علم لي بذنبِ المشيب ... ) (أضيِاَء النهارِ أم وضح اللُّؤْلُؤ ... أم كونَهُ كثغر الحبيبِ) (أَخْبِرِينِي فضلَ الشَّبَاب وماذا ... فِيهِ من مَنْظر يَسُرُّ وطيبِ) (غَدْره بالخليل أم حبهُ للغي أم كونهُ كعيش الأديب ... ) // الْخَفِيف // وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا أحسن قَول الْحَافِظ بن سهل بن غَانِم الْأَصْفَهَانِي وأصدقه (من شابَ قد ماتَ وهوَ حَيٌّ ... يمشي على الأرضِ مَشْيَ هالِكِ) (لَو كانَ عمرُ الْفَتى حِساباً ... لَكَانَ فِي شيْبه فَذَلِك) // من مخلع الْبَسِيط // وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت الْجمع بَين مَعْنيين غير مُتَقَابلين عبر عَنْهُمَا بلفظيين يتقابل معنياهما الحقيقيان فَإِنَّهُ هُنَا لَا تقَابل بَين الْبكاء وَظُهُور الشيب لكنه عبر

стр. 568

عَن ظُهُوره بالضحك الَّذِي يكون مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ مضاداً لِمَعْنى الْبكاء وَيُسمى إِيهَام التضاد لِأَن الْمَعْنيين الْمَذْكُورين وَإِن لم يَكُونَا مُتَقَابلين حَتَّى يكون التضاد حَقِيقِيًّا لكنهما قد ذكرا بلفظيين يوهمان التضاد نظرا إِلَى الظَّاهِر وَالْحمل على الْحَقِيقَة وَمن الشواهد على إِيهَام التضاد قَول أبي تَمام الطَّائِي (وتَنَظَّرِي خَبَبَ الركاب ينُّصها ... مُحْيي القريض إِلَى مميت المَال) // الْكَامِل // فَلَيْسَ بَين محيي ومميت هُنَا تضَاد بِالْمَعْنَى إِلَّا بِمَا يتَوَهَّم من اللَّفْظ لِأَن محيي القريض هُنَا كِنَايَة عَن مجيده وَيَعْنِي بِهِ نَفسه ومميت المَال كِنَايَة عَن مفنيه فِي الْكَرم وَلَيْسَ بَينهمَا تضَاد وَمِنْه قَول الشَّاعِر (يُبْدِي وِشاحاً أبيضاً من سَيْفه ... والجوُّ قد لبس الرِّدَاء الأغبرا) // الْكَامِل // فَإِن الْأَبْيَض لَيْسَ بضد الأغبر وَإِنَّمَا يُوهم بِلَفْظِهِ أَنه ضِدّه ودعبل هُوَ ابْن على بن رزين بن سُلَيْمَان بن تَمِيم الْخُزَاعِيّ ويكنى أَبَا عَليّ وَهُوَ شَاعِر مطبوع مُتَقَدم هجاء خَبِيث اللِّسَان لم يسلم مِنْهُ أحد من الْخُلَفَاء وَلَا من وزرائهم وَلَا من أَوْلَادهم وَلَا ذُو نباهة أحسن إِلَيْهِ أَو لم يحسن وَلَا أفلت مِنْهُ كَبِير أحد وَحدث أَبُو هفان قَالَ قَالَ لي دعبل قَالَ لي أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ مِم اشتق دعبل قلت لَا أَدْرِي قَالَ الدعبل النَّاقة الَّتِي مَعهَا أَوْلَادهَا وَحدث مُحَمَّد بن أَيُّوب قَالَ دعبل اسْمه مُحَمَّد وكنيته أَبُو جَعْفَر ودعبل لقب لقب بِهِ

стр. 569

وَعَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ الدعبل الْبَعِير المسن وَحدث دعبل قَالَ كنت جَالِسا مَعَ بعض أَصْحَابنَا ذَات يَوْم فَلَمَّا قُمْت سَأَلَ الرجل وَلم يعرفنِي أَصْحَابِي عني فَقَالُوا هَذَا دعبل قَالَ قُولُوا فِي جليسكم خيرا كَأَنَّهُ ظن اللقب شتماً وَقَالَ دعبل صرع مَجْنُون مرّة فَصحت فِي أُذُنه دعبل ثَلَاث مَرَّات فأفاق وَكَانَ سَبَب خُرُوجه من الْكُوفَة أَنه كَانَ يتشطر ويصحب الشطار فَخرج هُوَ وَرجل من أَشْجَع فِيمَا بَين الْعشَاء وَالْعَتَمَة فَجَلَسَا على طَرِيق رجل من الصيارفة كَانَ يروح كل لَيْلَة بكيسه إِلَى منزله فَلَمَّا طلع مُقبلا عَلَيْهِمَا وثبا عَلَيْهِ وجرحاه وأخذا مَا فِي كيسه فَإِذا هِيَ ثَلَاث رمانات فِي خرقَة وَلم يكن كيسه مَعَه ليلتئذ وَمَات الرجل فِي مَكَانَهُ واستتر دعبل وَصَاحبه وجد أَوْلِيَاء الرجل فِي طلبهما وجد السُّلْطَان أَيْضا فِي ذَلِك فطال على دعبل الاستتار فاضطر إِلَى أَن يهرب من الْكُوفَة فَمَا دَخلهَا حَتَّى كتب إِلَيْهِ أَهله أَنه لم يبْق من أَوْلِيَاء الرجل أحد وَحدث أَحْمد بن أبي كَامِل قَالَ كَانَ دعبل يخرج فيغيب سِنِين يَدُور الدُّنْيَا كلهَا وَيرجع وَقد أَفَادَ وأثرى وَكَانَت الشراة والصعاليك يلفونه فَلَا يؤذونه ويؤاكلونه ويشاربونه ويبرونه وَكَانَ إِذا لَقِيَهُمْ وضع طَعَامه وَشَرَابه ودعاهم إِلَيْهِ ودعا بغلاميه نفنف وشنغف وَكَانَا مغنيين فأقعدهما يغنيان وسقاهم وَشرب مَعَهم وأنشدهم فَكَانُوا قد عرفوه وألفوه لِكَثْرَة

стр. 570

أَسْفَاره وَكَانُوا يواصلونه ويصلونه قَالَ وأنشدني دعبل لنَفسِهِ فِي بعض أَسْفَاره (حللتُ محلا يَقْصُر البرْقُ دونهُ ... ويعجز عَنهُ الطيفُ أَن يتجشما) // الطَّوِيل // وَحدث مُحَمَّد بن عمر الْجِرْجَانِيّ قَالَ دخل دعبل الرّيّ فِي أَيَّام الرّبيع فَجَاءَهُمْ ثلج لم ير مثله فِي الشتَاء فجَاء شَاعِر من شعرائهم فَقَالَ شعرًا وَكتبه فِي رقْعَة وَهُوَ (جاءَنا دِعبلٌ بثلج من الشّعْر فجادت سماؤنا بالثلوج ... ) (نزل الرّيّ بعد مَا سكن الْبرد ... وَقد أينعت رياضُ المروجِ) (فكسانا بِبرْدِهِ لَا كَسَاه الله ثوبا من كرسفٍ محلوج ... ) // الْخَفِيف // وَألقى الرقعة فِي دهليز دعبل فَلَمَّا قَرَأَهَا ارتحل عَن الرّيّ وَحدث أَحْمد بن خَالِد قَالَ كُنَّا يَوْمًا عِنْد دَار رجل يُقَال لَهُ صَالح ابْن عَليّ ابْن عبد الْقَيْس بِبَغْدَاد ومعنا جمَاعَة من أَصْحَابنَا فَسقط على كَنِيسَة فِي سطحها ديك طَار من بَيت دعبل فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ قُلْنَا هَذَا صيد فأخذناه فَقَالَ صَالح مَا نصْنَع بِهِ قُلْنَا نذبحه فذبحناه وشويناه يَوْمنَا وَخرج دعبل فَسَالَ عَن الديك فَعرف أَنه سقط فِي دَار صَالح فَطَلَبه منا فجحدناه وشربنا يَوْمنَا فَلَمَّا كَانَ من الْغَد خرج دعبل فصلى الْغَدَاة ثمَّ جلس على بَاب الْمَسْجِد وَكَانَ ذَلِك الْمَسْجِد مجمع النَّاس يجْتَمع فِيهِ جمَاعَة من الْعلمَاء ونبهاء النَّاس فَجَلَسَ دعبل على بَاب الْمَسْجِد وَقَالَ (أسَرَ المؤذِّنَ صالحٌ وضُيُوفُهُ ... أسْرَ الكمىِّ هفا خلالَ المأقط)

стр. 571

(بَعثُوا عليهِ بناتهمْ وبنيهمُ ... مَا بينَ ناتفةٍ وَآخر سامطِ) (يتنازعون كَأَنَّهُمْ قد أوثقُوا ... خاقَان أَو هزموا كتائب ناعطِ) (نهشوه فانتزعتْ لَهُ أسنانهمْ ... وتهشمتْ أقفاؤهمْ بِالْحَائِطِ) // الْكَامِل // قَالَ فكتبها النَّاس عَنهُ ومضوا فَقَالَ لي أبي وَقد رَجَعَ إِلَى الْبَيْت وَيحكم ضَاقَتْ عَلَيْكُم المآكل فَلم تَجدوا شَيْئا تأكلونه سوى ديك دعبل ثمَّ أنشدنا الشّعْر وَقَالَ لي لَا تدع ديكاً وَلَا دجَاجَة تقدر عَلَيْهَا إِلَّا اشْتريت ذَلِك لدعبل وَبعثت بِهِ إِلَيْهِ وَإِلَّا أوقعتنا فِي لِسَانه فَفعلت ذَلِك قَالَ وناعط قَبيلَة من هَمدَان وَأَصله جبل نزلُوا بِهِ فنسبوا إِلَيْهِ وَقَالَ دعبل كُنَّا يَوْمًا عِنْد سهل بن هَارُون الْكَاتِب البليغ وَكَانَ شَدِيد الْبُخْل فأطلنا الحَدِيث واضطره الْجُوع إِلَى أَن دَعَا بغداء لَهُ فَأتى بقصعة فِيهَا ديك جاسٍ هرم لَا تخرقه سكين وَلَا يُؤثر فِيهِ ضرس فَأخذ كسرة خبز فَخَاضَ بهَا مرقته وقلب جَمِيع مَا فِي الْقَصعَة ففقد الرَّأْس فَبَقيَ مطرقا سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ للطباخ أَيْن الرَّأْس قَالَ رميت بِهِ فَقَالَ وَلم قَالَ ظننتك لَا تَأْكُله قَالَ بئس مَا ظَنَنْت وَالله إِنِّي لأمقت من يَرْمِي برجليه فَكيف من يَرْمِي بِرَأْسِهِ وَالرَّأْس رَئِيس وَفِيه الْحَواس الْأَرْبَع وَمِنْه يَصِيح وَلَوْلَا صَوته لما فضل وَفِيه فرقة الَّذِي يتبرك بِهِ وَفِيه عَيناهُ اللَّتَان يضْرب بهما الْمثل فَيُقَال شراب كعين الديك ودماغه عجب لوجع الكليتين وَلم ير عظم قد أهش من عظم رَأسه أَو مَا علمت أَنه خير من طرف الْجنَاح وَمن السَّاق وَمن الْعُنُق فَإِن كَانَ قد بلغ من نبلك أَنَّك لَا تَأْكُله فَإنَّا نأكله فَانْظُر أَيْن هُوَ قَالَ لَا أَدْرِي وَالله أَيْن هُوَ رميت بِهِ قَالَ لكني أَدْرِي أَيْن هُوَ رميت بِهِ فِي بَطْنك فَالله حسيبك وَحدث إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر قَالَ لقِيت دعبل بن عَليّ فَقلت لَهُ أَنْت

стр. 572

أخبر النَّاس عِنْدِي وأقدمهم حَيْثُ تَقول يَعْنِي فِي حق الْمَأْمُون (إِنِّي من الْقَوْم الذينَ سيوفهمْ ... قتلتْ أخاكَ وشرَّفتكَ بمقعدِ) (رفعوا مَحَلِّكَ بعد طول خُمولهِ ... واستنقذوكَ من الحضيض الأوهدِ) // الْكَامِل // فَقَالَ لي يَا أَبَا إِسْحَاق أَنا أحمل خشبتي مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة فَلَا أجد من يصلبني عَلَيْهَا بعد وَبَات دعبل لَيْلَة عِنْد صديق لَهُ من أهل الشأم وَبَات عِنْدهم رجل من أهل بَيت لهيان يُقَال لَهُ حوي بن عَمْرو السكْسكِي وَكَانَ جميل الْوَجْه فدب إِلَيْهِ صَاحب الْبَيْت وَكَانَ شَيخا كَبِيرا فانيا أَتَى عَلَيْهِ حِين فَقَالَ لَهُ دعبل (لَوْلَا حويٌّ لبيت لهيان ... مَا قامَ أيرُ العزب الفاني) (لهُ دَواةُ فِي سراويلهِ ... يليقها النازحُ والداني) // السَّرِيع // وشاع هَذَا البيتان فهرب حوي من ذَلِك الْبَلَد وَكَانَ الشَّيْخ إِذا رأى دعبلاً سبه وَقَالَ فضحتني أخزاك الله وَحدث مُحَمَّد بن الْأَشْعَث قَالَ سَمِعت دعبلاً يَقُول مَا كَانَت لأحد عِنْدِي منَّة قطّ إِلَّا تمنيت مَوته وَكَانَ دعبل قد مدح مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات فأنشده مَا قَالَه فِيهِ وَهُوَ جَالس وَفِي يَده طومار قد جعله على فِيهِ كالمتكئ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالس فَلَمَّا فرغ أَمر لَهُ بِشَيْء قَلِيل لم يرضه فَقَالَ (يَا منْ يقبلُ طوماراً ويلثمهُ ... مَاذَا بقلبكَ من حُبّ الطواميرِ) (فِيهِ مَشَابهُ من شَيْء تُسَرُّ بهِ ... طولا بطولٍ وتدويراً بتدويرِ)

стр. 573

(لَو كنتَ تجمعُ أَمْوَالًا كجمعكها ... إِذا جمعتَ بُيُوتًا من دَنَانِير) // الْبَسِيط // وَقَالَ دعبل فِي الْفضل بن مَرْوَان (نصحت فأخلصت النصحية فِي الفضلِ ... وقلتُ فسيرت الْمقَالة فِي الفضلِ) (أَلا إنّ فِي الْفضل بن سهلٍ لعبرةً ... إِذَا اعتبرَ الْفضل بن مروانَ بالفضلِ) (وللفضلِ فِي الْفضل بن يحيى مواعظٌ ... إِذا فكرَ الفضلُ بن مَرْوَان فِي الفضلِ) (فأبْقِ جميلاً من حديثٍ تَفزْ بهِ ... وَلَا تدعِ الإحسانَ والأخذَ بالفضلِ) (فإنكَ قدْ أصبحتَ للملكِ قَيْماً ... وصرتَ مَكَان الفضلِ والفضلِ والفضلِ) (وَلم أرَ أبياتاً منَ الشعرِ قبلهَا ... جميعُ قوافيها على الفضلِ والفضلِ) (وليسَ لَهَا عيْبٌ إِذا هِيَ أنشدت ... سوى أنَّ نصحي الفضلَ كَانَ من الْفضل) // الطَّوِيل // فَبعث إِلَيْهِ الْفضل بِدَنَانِير وَقَالَ لَهُ قد قبلت نصيحتك فَاكْفِنِي خيرك وشرك وَحدث مُحَمَّد بن حَاتِم الْمُؤَدب قَالَ فيل لِلْمَأْمُونِ إِن دعبلاً قد هجاك فَقَالَ وَأي عجب فِي هَذَا هُوَ يهجو أَبَا عباد فَلَا يهجوني أَنا وَمن أقدم على جُنُون أبي عباد أقدم على حلمي ثمَّ قَالَ لجلسائه من كَانَ فِيكُم يحفظ شعره فِي أبي عباد فلينشده فأنشده بَعضهم (أولىَ الأمورِ بضيعةٍ وفسادِ ... أمْرٌ يدبرُهُ أَبُو عبادِ) (خرقٌ على جُلَسَائِهِ فكأنهمْ ... حَضَرُوا لملحمة وَيَوْم جلادِ) (يَسْطُو على كِتَابه بدواتهِ ... فمضمخ بدمٍ ونضحِ مِدادِ) (وَكَأَنَّهُ من دير هِرقل مفلت ... خرد يجرُّ سلاسلَ الأقيادِ) (فاشددْ أَميرَ الْمُؤمنِينَ وثاقهُ ... فأصحُّ مِنْهُ بَقِيَّة الْحداد) // الْكَامِل // قَالَ وَكَانَ بَقِيَّة هَذَا مَجْنُونا فِي المارستان فَضَحِك الْمَأْمُون وَكَانَ إِذا

стр. 574

نظر إِلَى أبي عباد يضْحك وَيَقُول لمن يقرب مِنْهُ وَالله مَا كذب دعبلٌ فِي قَوْله وَحدث أَبُو نَاجِية قَالَ كَانَ المعتصم يبغض دعبلاً لطول لِسَانه وَبلغ دعبلاً أَنه يُرِيد اغتياله وَقَتله فهرب إِلَى الْجَبَل وَقَالَ يهجوه (بَكَى لشتات الدّين مكتئبٌ صبٌّ ... وفاضَ بفرط الدمعِ من عينهِ غَرْبُ) (وقامَ إمامٌ لم يكنْ ذَا هدايةٍ ... فليسَ لَهُ دينٌ وَلَيْسَ لهُ لبُّ) (وَمَا كَانَت الأنباءُ تَأتي بمثلهِ ... يُمَلَّكُ يَوْمًا أَو تدينُ لَهُ العُرْبُ) (وَلَكِن كَمَا قَالَ الَّذين تتابعوا ... من السّلف الْمَاضِي إِذا عظم الْخطب) (ملوكُ بني العباسِ فِي الْكتب سبعةٌ ... وَلم تأتيا عَن ثامنٍ لهمُ كتبُ) (كذلكَ أهلُ الْكَهْف فِي العدّ سبعةٌ ... خيارٌ إِذا عُدُّوا وثامنهم كلبُ) (وَإِنِّي لأُعْلِي كلبهمْ عنكَ رفْعَة ... لأنكَ ذُو ذنبٍ وليسَ لهُ ذَنبُ) (لقد ضَاعَ ملكُ النَّاس إِذْ سَاس ملكهمْ ... وصيفٌ وأشناسٌ وَقد عظم الكربُ) (وفضلُ بنُ مَرْوان سيثلمُ ثلمةً ... يظلّ لَهَا الإسلامُ ليسَ لهُ شعب) // الطَّوِيل //

стр. 575

وَلما مَاتَ المعتصم قَالَ ابْن الزيات يرثيه (قد قلت إِذْ غيبوه وَانْصَرفُوا ... فِي خير قبرٍ لخير مدفونِ) (لنْ يجْبر الله أُمة فقدَتْ ... مثلك إِلَّا بِمثل هرون) // المنسرح // فَقَالَ دعبل يُعَارضهُ (قد قلت إِذْ غيبوه وَانْصَرفُوا ... فِي شرّ قَبرٍ لشرِّ مدفونِ) (اذهبْ إِلَى النَّار وَالْعَذَاب فَما ... خلتكَ إِلَّا من الشياطينِ) (مَا زلتُ حَتَّى عقَدْتَ بيعةَ منْ ... أضَرَّ بِالْمُسْلِمين وَالدّين) // المنسرح // وَحدث مُحَمَّد بن جريرٍ قَالَ أَنْشدني عبد الله بن يَعْقُوب هَذَا الْبَيْت وَحده لدعبل يهجو بِهِ المتَوَكل وَمَا سَمِعت لَهُ غَيره فِيهِ (ولستُ بقائلٍ بدعا ولكنْ ... لأمرٍ مَا تعبدك العبيد) // الوافر // قَالَ يرميه فِي هَذَا الْبَيْت بالأبنة وَحدث مُحَمَّد بن جرير قَالَ كنت مَعَ دعبل بالصيمرة وَقد جَاءَنَا نعي المعتصم وَقيام الواثق فَقَالَ لي دعبل أَمَعَك مَا تكْتب فِيهِ قلت نعم فأخرجت قرطاساً فأملى عَليّ بديها (الْحَمد لله لَا صبرٌ وَلَا جلدُ ... وَلَا عزاءٌ إِذا أهلُ البلا رقدُوا) (خليفةٌ ماتَ لم يحزن لَهُ أحد ... وَآخر قامَ لم يفرح بِهِ أحدُ) // الْبَسِيط // وَكَانَ الْمَأْمُون قد تطلب دعبلاً وجد فِي ذَلِك وَهُوَ طَائِر على وَجهه حَتَّى دس إِلَيْهِ قَوْله (علم وتحكيمٌ وشيب مَفَارق ... تطميسُ ريعان الشَّبَاب الرائقِ) (وإمارةٌ فِي دولةٍ ميمونةٍ ... كَانَت على اللَّذَّات أَشغبَ عائقِ)

стр. 576

(نَعَوُا ابْن شكلةَ بالعراقِ وأهلهِ ... فَهَفَا إِلَيْهِ كلُّ أخرَقَ مائِق) (أَنى يكونُ وَلَا يكونُ وَلم يكنْ ... يرثُ الخلافةَ فاسقٌ عَن فاسقِ) (إِن كَانَ إِبْرَاهِيم مضطلعاً بهَا ... فلتصلُحَنْ من بعده الْمخَارِق) // الْكَامِل // وَلما قَرَأَهَا الْمَأْمُون ضحك وَقَالَ قد صفحت عَن كل مَا هجانا بِهِ إِذْ قرن إِبْرَاهِيم بمخارق فِي الْخلَافَة وولاه عَهده ثمَّ إِنَّه كتب إِلَى دعبل أَمَانًا فَلَمَّا دخل وَسلم عَلَيْهِ تَبَسم فِي وَجهه وَقَالَ أَنْشدني (مدارسُ آيَات خلت من تلاوةِ ... ) فجزع فَقَالَ لَهُ لَك الْأمان فَلَا تخف وَقد رويتها وَلَكِنِّي أحب سماعهَا من فِيك فأنشده إِيَّاهَا إِلَى آخرهَا والمأمون يبكي حَتَّى اخضلت لحيته بدمعه ثمَّ إِنَّه أحسن إِلَيْهِ وانسر بِهِ حَتَّى كَانَ أول دَاخل إِلَيْهِ وَآخر خَارج من عِنْده ثمَّ عَاد إِلَى خباثته وشاعت لَهُ أَبْيَات بعْدهَا أَيْضا يهجو بهَا الْمَأْمُون وَحدث دعبل قَالَ دخلت على عَليّ بن مُوسَى الرضي فَقَالَ أَنْشدني مِمَّا أحدثت فَأَنْشَدته (مدارس آيَات خلت مِنْ تِلَاوَةٍ ... ومنْزلُ وحْيٍ مُقْفرُ العَرَصاتِ) // الطَّوِيل //

стр. 577

حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى قولي فِيهَا (إِذا وُتِرُوا مَدُّوا إِلَى واتِريهِمُ ... أكُفّاً عَن الأوْتَارِ مُنقَبِضَاتِ) قَالَ فَبكى عِنْده حَتَّى أُغمي عَلَيْهِ فَأَوْمأ إِلَى خَادِم كَانَ على رَأسه أَن أسكت فَسكت فَمَكثَ سَاعَة ثمَّ قَالَ لي عد فَأَعَدْت حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى هَذَا الْبَيْت فَأَصَابَهُ مثل الَّذِي أَصَابَهُ فِي الْمرة الأولى وَأَوْمَأَ الْخَادِم أَيْضا إِلَيّ أَن أسكت فَسكت ثمَّ مكث سَاعَة أُخْرَى ثمَّ قَالَ لي أعد فَأَعَدْت حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى آخرهَا فَقَالَ أَحْسَنت أَحْسَنت ثَلَاث مَرَّات ثمَّ أَمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم مِمَّا ضرب باسمه وَلم تكن دفعت إِلَى أحد بعد وَأمر لي من فِي منزله بحلى كثير أخرجه إِلَى الْخَادِم فَقدمت الْعرَاق فَبِعْت كل دِرْهَم مِنْهَا بِعشْرَة اشْتَرَاهَا مني الشِّيعَة فَحصل لي مائَة ألف دِرْهَم فَكَانَ أول مَال اعتقدته ثمَّ إِن دعبلا استوهب من عَليّ بن مُوسَى الرضي ﵄ ثوبا قد لبسه ليجعله فِي أَكْفَانه فَخلع جُبَّة كَانَت عَلَيْهِ فَأعْطَاهُ إِيَّاهَا وَبلغ أهل قُم خَبَرهَا فَسَأَلُوهُ أَن يبيعهم إِيَّاهَا بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم فَلم يفعل فَخَرجُوا عَلَيْهِ فِي طَرِيقه فَأَخَذُوهَا غصبا وَقَالُوا لَهُ إِن شِئْت أَن تَأْخُذ المَال فافعل وَإِلَّا فَأَنت أعلم فَقَالَ لَهُم إِنِّي وَالله لَا أُعْطِيكُم إِيَّاهَا طَوْعًا وَلَا تنفعكم غصبا وأشكوكم إِلَى الرضي فَصَالَحُوهُ على أَن أَعْطوهُ ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وفردكم من بطانتها فَرضِي بذلك وَحدث دعبل قَالَ لما هربت من الْخَلِيفَة بت لَيْلَة بنيسابور وحدي وعزمت على أَن أعمل قصيدة فِي عبد الله بن طَاهِر فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَإِنِّي لفي ذَلِك إِذْ سَمِعت وَالْبَاب مَرْدُود عَليّ قَائِلا يَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته أَأَلِجُ يَرْحَمك الله فاقشعر بدني من ذَلِك ونالني أَمر عَظِيم فَقَالَ لي لَا ترع فَإِنِّي رجل من إخوانك من الْجِنّ من سَاكِني الْيمن طَرَأَ علينا طَارِئ من أهل الْعرَاق فأنشدنا قصيدتك مدارس آيَات ... إِلَى آخرهَا فَأَحْبَبْت أَن أسمعها مِنْك

стр. 578

قَالَ فَأَنْشَدته إِيَّاهَا فَبكى حَتَّى خر ثمَّ قَالَ يَرْحَمك الله أَلا أحَدثك بِحَدِيث فِي نيتك ويعينك على التَّمَسُّك بمذهبك قلت بلَى قَالَ مكثت حينا أسمع بِجَعْفَر بن مُحَمَّد رحمهمَا الله تَعَالَى فصرت إِلَى الْمَدِينَة المنورة فَسَمعته يَقُول حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن جده ﵃ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (على وشيعته هم الفائزون) ثمَّ وَدعنِي لينصرف فَقلت يَرْحَمك الله إِن رَأَيْت أَن تُخبرنِي بِاسْمِك فافعل قَالَ أَنا ظبْيَان بن عَامر وَحدث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ بُويِعَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بِبَغْدَاد وَقد قل المَال عِنْده وَكَانَ قد لَجأ إِلَيْهِ أَعْرَاب من أَعْرَاب السوَاد وَغَيرهم من أوباش النَّاس وأوغادهم فاحتبس عَلَيْهِم الْعَطاء فَجعل إِبْرَاهِيم يسوفهم وهم لَا يرَوْنَ لوعده حَقِيقَة إِلَى أَن خرج رَسُوله إِلَيْهِم يَوْمًا وَقد اجْتَمعُوا وضجوا فَصرحَ إِلَيْهِم بِأَنَّهُ لَا مَال عِنْده فَقَالَ قوم من غوغاء أهل بَغْدَاد أخرجُوا إِلَيْنَا خليفتنا ليقي أهل هَذَا الْجَانِب ثَلَاثَة أصوات فَتكون عطاءهم وَلأَهل هَذَا الْجَانِب مثلهَا قَالَ إِسْحَاق فأنشدني دعبل بعد أَيَّام (يَا مَعْشَر الأجْنَادِ لَا تَقْنَطُوا ... وارّضوْا بمَا كاَن وَلَا تَسْخَطُوا) (فَسَوْفَ تُعْطَونَ حنينية ... يَلْتذَها الأمْرَدُ وَالأشْمَطُ) (والمَعْبَدِيّاتُ لِقُوّادِكُمْ ... لَا تَدْخُلُ الكِيسَ وَلَا تُرْبَطُ) (وهَكَذَا يرزُقُ قُوَّادَه ... خليفَةٌ مُصْحَفه البربط) // السَّرِيع // وَدخل عبد الله بن طَاهِر على الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُ أَي شَيْء تحفظ يَا عبد الله لدعبل قَالَ أحفظ أبياتاً لَهُ فِي أهل بَيت أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ هَاتِهَا فأنشده عبد الله قَوْله

стр. 579

(سقيا ورَعْياً لأيّام الصِّبَاباتِ ... أيامَ أرفُلُ فِي أثْوَاب لَذَّاتي) (أَيَّام غُصني رَطيبٌ مِنْ ليانتهِ ... أصْبُو إِلَى غيْرِ جارَاتٍ وكنّاتِ) (دعْ عنْكَ ذكر زمَانٍ فاتَ مطْلَبه ... واقْذِف برجْلِكَ عَنْ متن الجَهَالَاتِ) (واقْصِدْ بِكلِّ مديح أنْتَ قائِلهُ ... نَحْوَ الهُدَاةِ بني بَيْتِ الكرامات) // الْبَسِيط // فَقَالَ الْمَأْمُون إِنَّه وجد وَالله مقَالا فَقَالَ ونال بِبَعِيد ذكراهم مَا لَا يَنَالهُ فِي وصف غَيرهم ثمَّ قَالَ الْمَأْمُون لقد أحسن فِي وصف سفر سافره فطال ذَلِك السّفر عَلَيْهِ فَقَالَ فِيهِ (ألم يأنِ لِلسّفْر الذِّينَ تَحَمّلوا ... إِلَى وطَنٍ قبْلَ المَماتِ رُجُوعُ) (فَقُلْتُ ولمْ أملك سوابق عِبْرَة ... نَطَقْنَ بمَا ضُمّتْ عَلَيْه ضلُوعُ) (تَبَّين فكَمْ دارٍ تَفَرَّقَ شَمْلُها ... وَشَمْلٍ شَتيتٍ عادَ وهْوَ جمِيعُ) (كَذَاك اللَّيَالي صَرْفُهُنّ كَمَا تَرَى ... لِكلِّ أُناسِ جَدْبَةٌ وَرَبيعُ) // الطَّوِيل // ثمَّ قَالَ الْمَأْمُون مَا سَافَرت قطّ إِلَّا كَانَت هَذِه الأبيات نصب عَيْني وهجيراى ومسليتي حَتَّى أَعُود وَمن شعره يهجو (رُفعَ الكلْبُ فاتَضَعْ ... لَيْسَ فِي الكلبِ مُصطَنعْ) (بَلَغَ الغايَةَ الَّتي ... دُونَهَا كلُّ مَا ارْتفَعْ) (إِنما قصر كل شَيْء ... إِذا طَارَ أنْ يَقَعْ) (لَعَنَ اللهُ نَخْوَةً ... صارَ مِنْ بعْدهَا ضرع) // من مجزوء الْخَفِيف // وَمن شعره يهجو أَيْضا

стр. 580

(سمت المَدِيحَ رجَالًا دون مَالهم ... رَدٌّ قَبيحٌ وقَوْلٌ لَيْسَ بالحَسَن) (فَلم أفُزْ مِنْهُم إِلَّا بمَا حَمَلتْ ... رِجْلُ البَعُوضةِ مِنْ فَخَّاَرة اللَّبن) // الْبَسِيط // وَمِنْه قَوْله فِيمَن استشفع بِهِ فِي حَاجَة فَاحْتَاجَ إِلَى شَفِيع يشفع لَهُ (يَا عَجَباً لِلْمرتَجِي فَضْلَهُ ... لَقَدْ رَجا مَا لَيْسَ بالنْافع) (جئْنا بِهِ يَشْفَعُ فِي حَاجَة ... فَاحْتَاجَ فِي الأذنِ إِلَى شَافِع) // السَّرِيع // وَحدث دعبل قَالَ خرجت إِلَى الْجَبَل هَارِبا من المعتصم فَكنت أَسِير فِي بعض طريقي والمكاري يَسُوق بِي بغلاً تحتي وَقد أتعبني تعباً شَدِيدا فتغني المكاري بِقَوْلِي (لَا تعجبي يَا سلم من رجل ... ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فَبكى) // الْكَامِل // فَقلت لَهُ وَأَنا أُرِيد أَن أَتَقَرَّب إِلَيْهِ ليكف مَا يَسْتَعْمِلهُ من الْحَث للبغل لِئَلَّا يتعبني تعرف لمن هَذَا الشّعْر يَا فَتى قَالَ لمن ناك أمه وَغرم دِرْهَمَيْنِ فَمَا أَدْرِي من أَي أُمُوره أعجب أَمن هَذَا الْجَواب أم من قلَّة الْغرم على عظم الْجِنَايَة وَحدث على بن عبد الله بن مسْعدَة قَالَ قَالَ لي دعبل وَقد أنشدته قصيدة بكر بن خَارِجَة فِي عِيسَى بن الْبَراء النَّصْرَانِي (زُنَّارُه فِي خَصْرِهِ مَعقُود ... كَأَنَّهُ مِنْ كَبِدِي مقدود) // الرجز // وَالله مَا أعلم أَنِّي حسدت أحدا كَمَا حسدت بكرا على قَوْله كَأَنَّهُ من كَبِدِي مقدود وَكَانَ بكر هَذَا وراقاً ضيقا عيشه معاقراً للشراب فِي منَازِل الخمارين وحاناتهم وَكَانَ طيب الشّعْر مليحاً مطبوعاً حسنا مَاجِنًا خليعاً وَكَانَت الْخمْرَة قد أفسدت عقله فِي آخر عمره فَصَارَ يهجو ويمدح بالدرهم وَالدِّرْهَمَيْنِ وَنَحْو هَذَا فاطرح وَحدث بعض الْكُوفِيّين قَالَ حَضَرنَا دَعْوَة ليحيى بن أبي يُوسُف القَاضِي وبتنا عِنْده ونمت فَمَا أنبهني إِلَّا صياح بكر يستغيث من الْعَطش فَقلت لَهُ مَالك قُم فَاشْرَبْ فالدار ملأى مَاء قَالَ أَخَاف قلت من أَي شَيْء قَالَ فِي الدَّار

стр. 581

كلب كَبِير فَأَخَاف أَن يظنني غزالاً فيثب عَليّ ويقطعني ويأكلني فَقلت لَهُ خرب الله بَيْتك أَنْت وَالله بالخنازير أشبه مِنْك بالغزلان قُم فَاشْرَبْ إِن كنت عطشانا وَأَنت آمن وَكَانَ عقله قد فسد من كَثْرَة الشّرْب وَحدث أَحْمد بن عُثْمَان الطَّبَرِيّ قَالَ سَمِعت دعبل بن عَليّ يَقُول لما هاجيت أَبَا سعد المَخْزُومِي أخذت معي جوزاً ودعوت الصّبيان فأعطيتهم مِنْهُ وَقلت لَهُم صيحوا بِهِ قائلين (يَا أَبَا سَعد قوصره ... زاني الأخْتِ والمَرَهْ) (لَو ترَاهُ مجيباً ... خِلْتَهُ عقْدَ قَنْطرَهْ) (أَو تَرَى الأير فِي استِهِ ... قلت سَاق بمقطره) // من مجزوء الْخَفِيف // فصاحوا بِهِ فغلبته وَلأبي سعد المخزمي يهجو دعبلاً وَكَانَ قد دَعَاهُ إِلَى بَيته وأضافه (لدعْبلٍ مِنّةٌ يَمُنُّ بهَا ... فَلسْتُ حَتَّى الْمَمَات أَنْسَاهَا) (أدخلنا بَيْتَهُ فَأَكْرَمَنَا ... ودَسّ امْرَأَته فنكناها) // المنسرح // وَحدث أَبُو سعد المَخْزُومِي واسْمه عِيسَى بن خَالِد الْوَلِيد قَالَ أنشدت الْمَأْمُون قصيدتي الدالية الَّتِي رددت فِيهَا على دعبل قَوْله (ويَسومني المأمونُ خُطّة عَاجز ... أَو مَا رأى بالْأَمْس رأسَ مُحَمَّد) // الْكَامِل // وَأول قصيدتي (أخَذَ َالمَشيبُ من الشَّبَاب الأغيد ... والنَّائِباتُ من الْأَنَام بِمرْصَدِ) // الْكَامِل // ثمَّ قلت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ائْذَنْ لي أَن أجيئك بِرَأْسِهِ فَقَالَ لَا هَذَا رجل قد فَخر علينا فافخر عَلَيْهِ كَمَا فَخر علينا فَأَما قَتله فَلَا حجَّة فِيهِ وَكَانَ الرشيد قد غنى بقول دعبل

стр. 582

(لَا تعجبي يَا سلم من رجل ... ... . الأبيات) فطرب لَهَا وَسَأَلَ عَن قَائِلهَا فَقيل لدعبل غُلَام نَشأ من خُزَاعَة فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وخلعة من ثِيَابه ومركب من مراكبه وجهز لَهُ ذَلِك مَعَ خَادِم من خدمه إِلَى خُزَاعَة فَأعْطَاهُ الْجَائِزَة وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَسلم أمره بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ واستنشده الشّعْر فأنشده إِيَّاه فَاسْتَحْسَنَهُ وَأمره بملازمته وأجرى عَلَيْهِ رزقا سنياً فَكَانَ أول من حرضه على قَول الشّعْر ثمَّ إِنَّه مَا بلغه أَن أَن الرشيد مَاتَ حَتَّى كافأه على فعله بأقبح مُكَافَأَة وَقَالَ فِيهِ من قصيدة مدح بهَا أهل الْبَيْت ﵃ وهجا الرشيد (وليْسَ حيٌّ من الْأَحْيَاء نَعلمه ... من ذِي يَمانٍ وَلَا بكرٍ وَلَا مُضَرِ) (إِلَّا وهم شُرَكَاء فِي دِمَائِهِمْ ... كَمَا تشارك أيسارٌ على جُزُر) (قتلٌ وأسْرٌ وتحريقٌ ومنهبة ... فعلُ الْغُزَاة بِأَرْض الرّوم والخَزَرِ) (أرى أُمية مَعذُورين إِن قتلوا ... وَلَا أرَى لبني العَباس من عُذُرِ) (أرْبع بطوس على القبْر الزِكي إِذا ... مَا كنْتَ تربع من دير إِلَى وطر) (قبْران فِي طوس خيرُ النَّاس كلهم ... وقبر شرَّهم هَذَا من العِبَر) (مَا ينفعُ الرِّجس من قرب الزكى وَلَا ... على الزكى بِقرب الرِّجس من ضَرَر) (هَيْهَات كل امرىء رَهْنٌ بِمَا كسبت ... لَهُ يَدَاهُ فخُذْ مَا شِئْت أَو فذر) // الْبَسِيط // يَعْنِي قبر الرشيد وقبر مُوسَى الكاظم ولعمري لقد هَذَا هَذَا ولنفسه ظلم وآذى

стр. 583

وَحدث أَبُو حَفْص النَّحْوِيّ مؤدب آل طَاهِر قَالَ دخل دعبل على عبد الله بن طَاهِر فأنشده وَهُوَ بِبَغْدَاد (جئتُ بِلَا حُرْمةٍ ولَا سَبَب ... إِلَيْك إِلَّا بحُرْمة الْأَدَب) (فاقْضِ ذِمَامِي فإنني رَجُلٌ ... غيرُ مُلِحٍّ عَلَيْك فِي الطلبِ) // المنسرح // قَالَ فانتقل عبد الله وَدخل إِلَى الْحرم وَوجه إِلَيْهِ بصرة فِيهَا ألف دِرْهَم وَكتب إِلَيْهِ مَعهَا (أعجلْتَنا فأتاك عاجلُ برنا ... ولَو انتَظَرْتَ كثيرَهُ لم يقلل) (فخُذِ القليلَ وَكن كأنّكَ لم تسل ... ونكُون نحْنُ كأننا لم نَفْعل) // الْكَامِل // وَكَانَ دعبل قد قصد مَالك بن طوق ومدحه فَلم يرض ثَوَابه فَخرج عَنهُ وَقَالَ فِيهِ (إنّ ابنَ طوْق وَبني تغلب ... لَو قُتلوا أَو جُرِحُوا قصره) (لم يَأْخُذُوا من دِيَة درْهما ... يَوْمًا وَلَا من أرْشِهِمْ بعْرَهْ) (دِمَاؤُهُمْ لَيْسَ لَهَا طالبٌ ... مطلولة مِثْل دم العذره) (وجوهُهُم بيضٌ وأحسابهُمْ ... سودٌ وَفِي آذانهمْ صفره) // السَّرِيع // وَقَالَ فِيهِ أَيْضا (سَأَلت عَنْكُم يَا بني مَالك ... فِي نازح الأرْضِينَ والدانيه) (طرّاً فَلم نَعْرِف لكم نِسْبَة ... حَتَّى إِذا قلتُ بني الزّانيهْ) (قَالُوا فَدعْ دَارا على يمنةٍ ... وَتلك هادارهم ثَانِيَة) // السَّرِيع // فبلغت الأبيات مَالِكًا فَطَلَبه فهرب فَأتى الْبَصْرَة وَعَلَيْهَا إِسْحَاق بن الْعَبَّاس ابْن مُحَمَّد بن عَليّ العباسي وَكَانَ قد بلغه هجاء دعبل وَعبد الله بن عُيَيْنَة نزاراً فَأَما ابْن عُيَيْنَة فَإِنَّهُ هرب مِنْهُ فَلم يظْهر بِالْبَصْرَةِ طول أَيَّامه وَأما دعبل فَإِنَّهُ حِين دخل الْبَصْرَة بعث إِلَيْهِ فَقبض عَلَيْهِ ودعا بالنطع وَالسيف ليضْرب عُنُقه فَحلف

стр. 584

بِالطَّلَاق على جَحدهَا وَبِكُل يَمِين تبرىء من الدَّم أَنه لم يقلها وَأَن عدوا لَهُ قَالَهَا إِمَّا أَبُو سعد المَخْزُومِي أَو غَيره ونسبها إِلَيْهِ ليغري بدمه وَجعل يتَضَرَّع إِلَيْهِ وَيقبل الأَرْض ويبكي بَين يَدَيْهِ فرق لَهُ فَقَالَ أما إِذا أعفيتك من الْقَتْل فَلَا بُد أَن أشهرك ثمَّ دَعَا لَهُ بِالْعِصِيِّ فَضَربهُ حَتَّى سلخ وَأمر بِهِ فألقي على قَفاهُ وَفتح فَمه فَرد سلحه فِيهِ والمقارع تَأْخُذ رجلَيْهِ وَهُوَ يحلف أَن لَا يكف عَنهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيه ويبلعه أَو يقْتله فَمَا رفعت عَنهُ حَتَّى بلع سلحه كُله ثمَّ خلاه فهرب إِلَى الأهواز وَبعث مَالك بن طوق رجلا حصيفاً مقداماً وَأَعْطَاهُ سما وَأمره أَن يغتاله كَيفَ شَاءَ وَأَعْطَاهُ على ذَلِك عشرَة آلَاف دِرْهَم فَلم يزل يَطْلُبهُ حَتَّى وجده فِي قَرْيَة من نواحي السوس فاغتاله فِي وَقت من الْأَوْقَات بعد صَلَاة الْعَتَمَة فَضرب ظهر قدمه بعكاز لَهَا زج مَسْمُوم فَمَاتَ من الْغَد وَدفن بِتِلْكَ الْقرْيَة وَقيل بل حمل إِلَى السوس فَدفن فِيهَا وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة ووفاته فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَلما مَاتَ وَكَانَ صديق البحتري وَكَانَ أَبُو تَمام قد مَاتَ قبله رثاهما البحتري بقوله (قدْ زادَ فِي كلفي وأوقدَ لوعتي ... مَثْوَى حبيب يَوْم مَاتَ ودعبلِ) (أخويّ لَا تزلِ السَّمَاء مخيلةَ ... تغشاكما بسماء مزنٍ مُسْبلِ) (جدثٌ على الأهواز يبعدُ دُونهُ ... مسرَى النعيِّ ورمة بالموصل) // الْكَامِل // ودعبل بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة

стр. 585

١١٦ - (مَا أحسن الدينَ والدُّنيا إِذا اجْتمعَا ... وأقبح الْكفْر والأفْلَاسَ بالرَّجُلِ) الْبَيْت من الْبَسِيط ويعزى لأبي دلامة يحْكى أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور سَالَ أَبَا دلامة عَن أشعر بَيت قالته الْعَرَب فِي الْمُقَابلَة فَقَالَ بَيت يلْعَب بِهِ الصّبيان قَالَ وَمَا هُوَ على ذَاك قَالَ قَول الشَّاعِر وأنشده الْبَيْت قَالَ ابْن أبي الْأصْبع لَا خلاف فِي أَنه لم يقل قبله مثله فَإِنَّهُ قَابل بَين أحسن وأقبح وَالدّين وَالْكفْر وَالدُّنْيَا والأفلاس وَهُوَ من مُقَابلَة ثَلَاثَة بِثَلَاثَة وَكلما كثر عدد الْمُقَابلَة كَانَت أبلغ وَأحسن من بَيت أبي دلامة قَول المتنبي (فَلَا الجودُ يفني المالَ والجدّ مقبلٌ ... وَلَا البخلُ يبقي المالَ والجدُّ مدبرِ) // الطَّوِيل // وَمن الْمُقَابلَة قَول النَّابِغَة الْجَعْدِي (فَتى تمّ فِيهِ مَا يَسْرُّ صديقَهُ ... على أَن فِيهِ مَا يسوء الأعاديا) // الطَّوِيل // وَقَول الفرزدق (وَإِنَّا لنمضي بالأكف رماحنَا ... إِذَا أُرعشتْ أَيْدِيكُم بالمعالق) // الطَّوِيل // وَقَول عبد الله بن الزبير الْأَسدي (فردّ شعورهنّ السودَ بيضًا ... وَرَدّ وُجوههن الْبيض سُودًا) // الوافر // وَقَول لأبي تَمام (يَا أُمةً كَانَ قبحُ الْجور يسخطها ... دَهراً فَأصْبح حسنُ الْعدْل يرضيها) // الْبَسِيط // وَقَول البحتري (فإِذا حَاربُوا أذلُّوا عَزِيزًا ... وإِذَا سالموا أعزوا ذليلا) // الْخَفِيف // وَقَول يزِيد بن مُحَمَّد المهلبي لِسُلَيْمَان بن وهب (فمنْ كانَ للآثامِ والذُلِّ أرضهُ ... فأرضكمُ للأجرِ والعزِّ مَعْقِلُ) // الطَّوِيل //

стр. 586

وَقَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف (اليومُ مِثلُ الحولِ حَتَّى أرَى ... وَجهكَ والساعة كالشهر) // السَّرِيع // لِأَن السَّاعَة من الْيَوْم كالشهر من الْحول جُزْء من اثْنَي عشر ولمؤلفه من أَبْيَات (لَو كَانَ ذَا الكاشحُ فِي بلدتي ... لم يستطعْ يُوِمضُنِي وَمْضاً) (وكنتُ فِي العزِّ سماءَ لهُ ... وكانَ لي مِنْ ذلة أَرضًا) // السَّرِيع // وحسنٌ فِي الْمُقَابلَة قَول الشريف الموسوي (ومنظرٍ كانَ بالسَّرَّاء يضحكُنِي ... يَا قربَ مَا عادَ بالضرَّاء يبكيني) // الْبَسِيط // وَقَول أبي عبد الله الغواص (جَهْلُ الرئيسِ وحقّ الله يضحكنُا ... وفعلهُ وإلهِ الناسِ يبُكينَا) // الْبَسِيط // وَقَول ابْن شمس الْخلَافَة (طالتِ الشّقوَةُ للمرْءِ إذَا ... قَصُرَ الرزقُ وَطَالَ الْعُمر) // الرمل // وَقَول السّري الرفاء (وَصَاحب يقدَحُ لِي ... نارَ السرُورِ بالقدَح) (فِي رَوْضَة قد لبستْ ... منْ لُؤْلُؤ الطلّ سبحْ) (والجَوُّ فِي مُمسَّكٍ ... طرازُهُ قوسُ قزَحْ) (يبكي بِلَا حزنٍ كمَا ... يضْحك من غير فَرح) // من مجزوء الرجز // وَقَوله وَقد شرب لَيْلَة فِي زورق (ومعتدلٍ يسْعَى إليَّ بكأسهِ ... وَقد كادَ ضوءُ الصُّبْح بِاللَّيْلِ يفتكُ)

стр. 587

(وَقد حجبَ الغيمُ السَّمَاء كَأَنَّمَا ... يُزَرُّ عَلَيْهَا منهُ ثوبٌ ممسّكُ) (ظَلِلنا نبثُّ فِي الوجدَ والكأسُ دائرٌ ... ونهتكُ أَسْتَار الْهوى فتهتَّكُ) (ومجلسنا فِي المَاء يهوى ويَرْتقى ... وإبرِيقنا فِي الكأس يبكي ويضحك) // الطَّوِيل // وَقَول التمتام الْحداد الْمصْرِيّ (أَما ترى الغيثَ كلما ضحكتْ ... كمائمُ الزهرِ فِي الرياض بكىَ) (كالحبّ يبكي لديهِ عاشقهُ ... وَكلما فاضَ دَمعهُ ضحكَا) // المنسرح // وَمَا أحسن قَول الأرجاني وأرشقه (شبتُ أَنا والتَحى حبيبِي ... حَتَّى برغمي سلوتُ عنهُ) (وابيضّ ذَاكَ السوادُ مني ... واسودّ ذَاكَ البياضُ مِنْهُ) // من مخلع الْبَسِيط // وَمَا أصفى قَول الصفي الْحلِيّ (مليحُ يغيرُ الغصنَ عِنْد اهتزازهِ ... ويخجلُ بدرَ التمِّ عندَ شُروقهِ) (فَمَا فيهِ معنى ناقصٌ غيرُ خَصرهِ ... وَلَا فيهِ شيءٌ باردٌ غيرُ رِيقه) // الطَّوِيل // وَمَا أشرق قَول الشَّمْس التلمساني (فكم يتجافى خصرُه وَهُوَ ناحلٌ ... وَكم يتحالى ريقهُ وَهُوَ باردُ) (وَكم يَدعِي صَوتا وهذِي جفونهُ ... بفَتْرتها للعاشقين تواعد) // الطَّوِيل // وَمن مُقَابلَة خَمْسَة بِخَمْسَة قَول المتنبي (أزُورُهم وسوادُ اللَّيْل يشفعُ لي ... وأنثني وَبَيَاض الصُّبْح يغري بِي) // الْبَسِيط // وَقد أَخذه بَعضهم أخذا مليحاً فَقَالَ (أقلى النهارَ إِذا أَضَاء صَاحبه ... وأظَلُّ أنْتَظر الظلامَ الدامسَا) (فالصبح يَشْمت بِي فيقبلُ ضَاحِكا ... والليلُ يَرثي لي فيدير عَابِسا) // الْكَامِل // والمتنبي أَخذ معنى بَيته من مصراع بَيت لِابْنِ المعتز وَهُوَ قَوْله

стр. 588

(لَا تلقَ إِلَّا بليلٍ مَنْ تواعدُهُ ... فالشمسُ نَمَّامةٌ والليلُ قواد) // الْبَسِيط // إِلَّا أَن ابْن المعتز هجن هَذَا الْمَعْنى بِذكر نمامة وقواد وَأَبُو الطّيب سبكه أحسن سبك وأبدعه فَصَارَ أَحَق بِهِ مِنْهُ وَقَالَ عبد الله بن خَمِيس من شعراء المغاربة (باتتْ لَهُ الْأَهْوَاء أدهم سَابِقًا ... وغدَتْ بِهِ الأيامُ أشهبَ كابي) // الْكَامِل // فَأحْسن مَا شَاءَ لمقابلته الأدهم بالأشهب والسبق بالكابي على أَنه مَأْخُوذ من قَول ذِي الوزارتين أبي عبد الله بن أبي الْخِصَال رَحمَه الله تَعَالَى (وَقد كنتُ أسرى فِي الظلام بأدهم ... فها أَنا أغدو فِي الصبَاح بأشهَبِ) // الطَّوِيل // وَفِي بَيت كل مِنْهُمَا زِيَادَة على الآخر وَمن مُقَابلَة سِتَّة بِسِتَّة مَا أوردهُ الصاحب شرف الدّين مُسْتَوْفِي إربل وَهُوَ (على رَأس عبدٍ تاجُ عِزٍّ يزينهُ ... وَفِي رِجْلِ حرّ قيد ذُلٍّ يَشينهُ) // الطَّوِيل // حكى غرس الدّين الأربلي أَن الصاحب الْمَذْكُور لما أنْشد لغيره هَذَا الْبَيْت قَالَ هُوَ بديهاً (تسر لئيماً مكرماتٌ تزينهُ ... وتبكي كَرِيمًا حادثات تهينه) // الطَّوِيل // وَمن مُقَابلَة خَمْسَة بِخَمْسَة قَول الْقَائِل فِي ذِي أبنة (يَأْتِي إِلَى الْأَحْرَار يجلسُ فوقهمْ ... وينامُ من تَحت العبيد ويوتى) // الْكَامِل // وَمن مُقَابلَة خَمْسَة بِخَمْسَة قَول النميري الغرناطي (هنّ البدُورُ تغيرتْ لما رأتْ ... شعرَاتِ رَأْسِي آذنَتْ بتغيرِ) (رَاحت تحبُّ دُجى شباب مظلم ... وغدَتْ تعاف ضحى مشيب نير) // الْكَامِل //

стр. 589

وَأَبُو دلامة اسْمه زند بن الجون وَأكْثر النَّاس يصحف اسْمه وَيَقُول زيد بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّة وَهُوَ خطأ وَإِنَّمَا هُوَ بالنُّون وَهُوَ كُوفِي أسود مولى لبني أَسد وَكَانَ أَبُو دلامة عبدا لرجل مِنْهُم يُقَال لَهُ قضاقض فَأعْتقهُ وَأدْركَ آخر أَيَّام بني أُميَّة وَلم يكن لَهُ فِيهَا نباهة ونبغ فِي أَيَّام بني الْعَبَّاس فَانْقَطع إِلَى السفاح والمنصور وَالْمهْدِي وَكَانُوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون مُجَالَسَته ونوادره وَلم يصل لأحد من الشُّعَرَاء مَا وصل لأبي دلامة من الْمَنْصُور خَاصَّة وَكَانَ أَبُو دلامة فَاسد الدّين رَدِيء الْمَذْهَب مرتكباً للمحارم مجاهراً بذلك وَكَانَ يعلم هَذَا مِنْهُ وَيعرف بِهِ فيتجافى عَنهُ للطف مَحَله وَكَانَ أول مَا حفظ من شعره وأسنيت لَهُ الْجَائِزَة بِهِ قصيدة مدح بهَا أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور وَذكر قَتله أَبَا مُسلم وفيهَا يَقُول (أَبَا مُسلم خوّفتني القتلَ فانْتَحَى ... عليكَ بِمَا خوفتني الأسدُ الوَرد) (أَبَا مُسلم مَا غير اللهُ نعْمَة ... على عَبده حَتَّى يغيرها العبدُ) // الطَّوِيل // وأنشدها الْمَنْصُور فِي محفل من النَّاس فَقَالَ لَهُ احتكم فَقَالَ لَهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم فَأمر لَهُ بهَا فَلَمَّا خلا بِهِ قَالَ لَهُ أما وَالله لَو تعديتها لقتلتك وَكَانَ الْمَنْصُور قد أَمر أَصْحَابه بِلبْس السوَاد وقلانس طوال تدعم بعيدان من داخلها وَأَن يلْقوا السيوف فِي المناطق ويكتبوا على ظُهُورهَا ﴿فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ فَدخل عَلَيْهِ أَبُو دلامة فِي هَذَا الزي فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَر مَا حالك قَالَ شَرّ حَال وَجْهي فِي وسطي وسيفي فِي استي وَقد صبغت بِالسَّوَادِ ثِيَابِي ونبذت كتاب الله وَرَاء ظَهْري فَضَحِك مِنْهُ وأعفاه وحذره من ذَلِك وَقَالَ لَهُ إياك أَن يسمع مِنْك هَذَا أحد وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو دلامة

стр. 590

(وَكُنَّا نرجِّى منحةً من إمامنَا ... فجاءتْ بطُولٍ زادهُ فِي القلانسِ) (ترَاهَا على هام الرِّجَال كَأَنَّهَا ... دنانُ يهود جُلِّلتْ بالبرانس) // الطَّوِيل // وَحدث الجاحظ قَالَ كَانَ أَبُو دلامة وَاقِفًا بَين يَدي الْمَنْصُور أَو السفاح فَقَالَ لَهُ سلني حَاجَتك قَالَ أَبُو دلامة كلب صيد قَالَ أَعْطوهُ إِيَّاه قَالَ ودابة أتصيد عَلَيْهَا قَالَ أَعْطوهُ قَالَ وَغُلَام يَقُود الْكَلْب قَالَ أَعْطوهُ غُلَاما قَالَ وَجَارِيَة تصلح لنا الصَّيْد وتطعمنا مِنْهُ قَالَ أَعْطوهُ جَارِيَة قَالَ هَؤُلَاءِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عِيَال فَلَا بُد من دَار يسكنونها قَالَ أَعْطوهُ دَارا تجمعهم قَالَ وَإِن لم يكن لَهُم ضَيْعَة فَمن أَيْن يعيشون قَالَ قد أقطعتك مائَة جريب عامرة وَمِائَة جريب غامرة قَالَ وَمَا الغامرة قَالَ مَا لَا نَبَات فِيهِ من الأَرْض قَالَ قد أقطعتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ خَمْسمِائَة ألف جريب غامرة من فيا فِي بني أَسد فَضَحِك وَقَالَ اجعلوا الْمِائَتَيْنِ كلهَا عامرة قَالَ فَأذن لي أَن أقبل يدك قَالَ أما هَذِه فدعها فَأنى لَا أفعل قَالَ وَالله مَا منعت عيالي شَيْئا أقل ضَرَرا عَلَيْهِم مِنْهَا قَالَ الجاحظ فَانْظُر إِلَى حذقه بِالْمَسْأَلَة ولطفه فِيهَا حَيْثُ ابْتَدَأَ بكلب فسهل الْقَضِيَّة وَجعل يَأْتِي بِمَا يَلِيهِ على تَرْتِيب فكاهة حَتَّى نَالَ مَا لَو سَأَلَهُ بديهة لما وصل إِلَيْهِ وَحدث الْهَيْثَم بن عدي قَالَ دخل أَبُو دلامة على الْمَنْصُور فأنشده قصيدته الَّتِي أَولهَا (إنّ الخليط أجدَّ الْبَين فانتجعوا ... وزودوك خبالاً بئس مَا صَنَعُوا) // الْبَسِيط //

стр. 591

إِلَى أَن قَالَ فِيهَا يهجو زَوجته (لَا وَالَّذِي يَا أميرَ المؤمنينَ قَضىَ ... لَك بالخلافة فِي أَسبَابهَا الرَّفَعُ) (مَا زلتُ أخلصها كسبي فتأكلهُ ... دوني وَدون عيالي ثمَّ تضطجعُ) (شوهاء مَشْنِيَّة فِي بَطنهَا بجَرٌ ... وَفِي المفاصل من أوصالها فدعُ) (ذكرتها بِكِتَاب الله حرمتنَا ... وَلم تكن بِكِتَاب الله ترتدعُ) (فاخرَ نظمت ثمّ قالَتْ وَهِي مغضبةٌ ... أَأَنْت تتلو كتاب الله يَا لُكَعُ) (أخرجْ لتبغِ لنا مَالا ومزرعةً ... كَمَا لجيراننا مالٌ ومُزْدَرَعُ) (واخدعْ خليفتنا عَنَّا بمسألةٍ ... إنَّ الْخَلِيفَة للسؤَّالِ ينخدعُ) // الْبَسِيط // فَضَحِك الْمَنْصُور وَقَالَ أرضوها عَنهُ واكتبوا لَهَا سِتّمائَة جريب عامرة وغامرة فَقَالَ أَنا أقطعك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرْبَعَة آلَاف جريب غامرة فِيمَا بَين الْحيرَة والنجف وَإِن شِئْت زدتك فَضَحِك وَقَالَ اجْعَلُوهَا كلهَا عامرة وَشهد أَبُو دلامة لجارة لَهُ عِنْد ابْن أبي ليلى القَاضِي على أتان نازعها فِيهِ رجلٌ فَلَمَّا فرغ من الشَّهَادَة قَالَ لِابْنِ أبي ليلى اسْمَع مَا قلت قبل أَن آتِيك ثمَّ اقْضِ بِمَا شِئْت قَالَ هَات فأنشده (إِن النَّاسُ غطوني تغطَّيت عنهمُ ... وَإِن بَحثُوا عني ففيهم مَباحث) (وَإِن حَفَروا بئري حفرت بئارهم ... ليعلم يَوْمًا كَيفَ تِلْكَ النبائت) // الطَّوِيل //

стр. 592

فَأقبل القَاضِي على الْمَرْأَة وَقَالَ أتبيعينني الأتان قَالَت نعم قَالَ بكم قَالَت بِمِائَة دِرْهَم قَالَ ادفعوها إِلَيْهَا فَفَعَلُوا وَأَقْبل على الرجل فَقَالَ قد وهبتها لَك وَقَالَ لأبي دلامة قد أمضيت شهادتك وَلم أبحث عَنْك وابتعت مِمَّن شهِدت لَهُ ووهبت ملكي لمن رَأَيْت أرضيت قَالَ نعم وَانْصَرف وَدخل أَبُو عَطاء السندي يَوْمًا إِلَى أبي دلامة فاحتبسه ودعا بِطَعَام وشراب فأكلا وشربا وَخرجت إِلَى أبي دلامة صبية لَهُ فحملها على كتفه فبالت عَلَيْهِ فنبذها عَن كتفه ثمَّ قَالَ (بَللْتِ عليّ لأحُيِّيتِ ثَوبِي ... فَبالَ علَيْكِ شيطانٌ رَجيمُ) (فمَا وَلَدَتك مَرْيمُ أمُّ عيسىَ ... وَلَا ربَّاكَ لُقْمَان الْحَكِيم) // الوافر // ثمَّ الْتفت إِلَى أبي عَطاء فَقَالَ لَهُ أجزيا أَبَا عَطاء فَقَالَ (صَدقتَ أَبَا دُلامةَ لَمْ تَلدْها ... مُطهَّرَةٌ وَلَا فحلٌ كَريمُ) (ولكِنْ قَدْ حَوَتهَا أمُّ سوءٍ ... إِلَى لَبَّاتها وأبٌ لئيمُ) // الوافر // فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة عَلَيْك لعنة الله مَا حملك على أَن بلغت بِي هَذَا كُله وَالله لَا أنازعك بَيت شعر أبدا فَقَالَ لَهُ أَبُو عَطاء يكون الَّذِي من جهتك أحب إِلَيّ ثمَّ غَدا أَبُو دلامة إِلَى الْمَنْصُور فَأخْبرهُ بِقصَّة ابْنَته وأنشده الأبيات ثمَّ انْدفع فأنشده بعْدهَا (لَو كَانَ يقْعد فوْقَ الشمسِ مِنْ كَرَم ... قَوْمٌ لَقيلَ اقْعُدُوا يَا آلَ عَبَّاسِ) (ثمْ ارْتَقْوا فِي شُعاع الشّمسُ كلكُمُ ... إِلَى السماءِ فأنتُمْ أكرَمُ النّاسِ) (وقَدّمُوا القائمِ المَنْصُورَ رأسَكُمُ ... فالعيْنُ والأنْف والأذنان فِي الراس) // الْبَسِيط // فاستحسنها وَقَالَ بِأَيّ شَيْء تحب أَن أعينك على قبح ابْنَتك هَذِه

стр. 593

فَأخْرج خريطة قد خاطها من اللَّيْل وَقَالَ تملأ لي هَذِه دَرَاهِم فوسعت أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم وَلما توفّي أَبُو الْعَبَّاس السفاح دخل أَبُو دلامة على الْمَنْصُور وَالنَّاس يعزونه فَأَنْشَأَ أَبُو دلامة يَقُول (أمْسيتَ بالأنْبار يَا ابنَ مُحَمّدٍ ... لم تَستطعْ عَن عُقرِها تحويلا) (وَيليَ عَليكَ وَوَيل أهْلي كلِّهم ... ويلاً وعَوْلا فِي الحَياةِ طَويلَا) (فلتَبكِيَنَّ لكَ السّماءُ بِعَبْرَةٍ ... ولتَبكيَنَّ لَكَ الرِّجالُ عويلا) (ماتَ النَدى إِذْ مُتّ يَا ابنَ مُحَمّدٍ ... فجعَلْتَهُ لكَ فِي التُّرَابِ عَدِيلا) (إنِّي سألْتُ النّاسَ بَعْدَك كلَّهُمْ ... فوَجَدْتُ أسمَحَ مَنْ سألتُ بخيلَا) (ألِشَقْوَتي أُخِّرْتُ بَعْدَكَ لِّلتي ... تَدَعُ العزِيزَ مِنَ الرِّجال ذليلَا) (فلأحْلِفَنَّ يَمينَ حَقٍّ بَرّةً ... بِاللَّه مَا أُعْطِيتُ بَعْدَكَ سولَا) فأبكى النَّاس قَوْله وَغَضب الْمَنْصُور غَضبا شَدِيدا وَقَالَ لَئِن سَمِعتك تنشد هَذِه القصيدة لأقطعن لسَانك فَقَالَ أَبُو دلامة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أَبَا الْعَبَّاس كَانَ لي مكرماً وَهُوَ الَّذِي جَاءَنِي من البدو كَمَا جَاءَ الله بإخوة يُوسُف ﵇ إِلَيْهِ فَقل أَنْت كَمَا قَالَ يُوسُف ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ فسرى عَن الْمَنْصُور وَقَالَ قد أقلناك يَا أَبَا دلامة فسل حَاجَتك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد كَانَ أَبُو الْعَبَّاس أَمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَخمسين ثوبا

стр. 594

وَهُوَ مَرِيض وَلم أقبضها فَقَالَ الْمَنْصُور وَمن يعلم ذَلِك قَالَ هَؤُلَاءِ وَأَشَارَ إِلَى جمَاعَة مِمَّن حضر فَوَثَبَ سُلَيْمَان بن مجَالد وَأَبُو الجهم فَقَالَا صدق يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَنحْن نعلم ذَلِك فَقَالَ الْمَنْصُور لأبي أَيُّوب الخازن وَهُوَ مغيظ يَا سُلَيْمَان ادْفَعْ إِلَيْهِ وسيره إِلَى هَذَا الطاغية يَعْنِي عبد الله بن عَليّ وَكَانَ قد خرج بِنَاحِيَة الشَّام وَأظْهر الْخلاف فَوَثَبَ أَبُو دلامة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أُعِيذك بِاللَّه أَن أخرج مَعَهم فَإِنِّي وَالله لمشؤم فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور امْضِ فَإِن يمني يغلب شؤمك فَاخْرُج فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أحب لَك أَن تجرب ذَلِك مني على مثل هَذَا الْعَسْكَر فَإِنِّي لَا أَدْرِي أَيهمَا يغلب يمنك أَو شؤمي إِلَّا أَنِّي بنفسي أدرى وأوثق وَأعرف وأطول تجربة فَقَالَ دَعْنِي من هَذَا فَمَا لَك من الْخُرُوج بُد قَالَ فَإِنِّي أصدقك الْآن شهِدت وَالله تِسْعَة عشر عسكراً كلهَا هزمت وَكنت سَببهَا فَإِن شِئْت الْآن على بَصِيرَة أَن يكون عسكرك الْعشْرين فافعل فاستفرغ الْمَنْصُور ضحكاً وَأمره أَن يتَخَلَّف مَعَ عِيسَى بن مُوسَى بِالْكُوفَةِ وَحدث أَبُو دلامة قَالَ أَتَى بِي إِلَى الْمَنْصُور أَو إِلَى الْمهْدي وَأَنا سَكرَان فَحلف ليخرجني فِي بعث حَرْب فَأَخْرجنِي مَعَ روح بن عدي بن حَاتِم المهلبي لقِتَال الشراة فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ قلت لروح أما وَالله لَو أَن تحتي فرسك وَمَعِي سِلَاحك لأثرت فِي عَدوك الْيَوْم أثرا ترتضيه مني فَضَحِك وَقَالَ وَالله الْعَظِيم لأدفعن ذَلِك إِلَيْك ولآخذنك بِالْوَفَاءِ بشرطك وَنزل عَن فرسه وَنزع سلاحه ودفعهما إِلَيّ ودعا لَهُ بِغَيْرِهِمَا فاستبدل بِهِ فَلَمَّا حصل ذَلِك فِي يَدي وزالت عني حلاوة الطمع

стр. 595

قلت لَهُ أَيهَا الْأَمِير هَذَا مقَام العائذ بك وَقد قلت بَيْتَيْنِ فاسمعهما فَقَالَ هَات فَأَنْشَدته (إنِّي استَجَرْتكَ أَنْ أقدم الوَغى ... لِتَطَاعُنٍ وتَنَازُل وَضِرَابِ) (فَهَبِ السُّيُوفَ لما رَأَيْتُهَا مَشْهُورةً ... فَتَركتُهَا ومَضَيْتُ فِي الهُرَّابِ) (ماذَا تَقُولُ لِمَا يَجِيءُ وَلَا يُرَى ... من وَاردَاتِ المَوْتِ فِي النشاب) // الْكَامِل // فَقَالَ دع عَنْك هَذَا وستعلم فبرز رجل من الْخَوَارِج يطْلب المبارزة فَقَالَ اخْرُج إِلَيْهِ يَا أَبَا دلامة فَقلت أنْشدك الله أَيهَا الْأَمِير فِي دمي فَقَالَ وَالله لتخْرجن قلت أَيهَا الْأَمِير إِنَّه أول يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة وَآخر يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا وَأَنا وَالله جَائِع مَا تنبعث مني جارحة من الْجُوع فَمر لي بِشَيْء آكله ثمَّ أخرج فَأمر لَهُ بِرَغِيفَيْنِ ودجاجة فَأخذت ذَلِك وبرزت من الصَّفّ فَلَمَّا رَآنِي الشاري أقبل نحوي وَعَلِيهِ فرو قد أَصَابَهُ الْمَطَر فابتل وأصابته الشَّمْس فاقفعل وَعَيناهُ تقدان فأسرع إِلَيّ فَقلت على رسلك يَا هَذَا كَمَا أَنْت فَوقف فَقلت أتقتل من لَا يقاتلك قَالَ لَا قلت أفتستحل أَن تقتل رجلا على دينك قَالَ لَا قلت أفتستحل ذَلِك قبل أَن تَدْعُو من يقاتلك إِلَى دينك قَالَ لَا فَاذْهَبْ عني إِلَى لعنة الله فَقلت لَا أفعل أَو تسمع مني قَالَ قل قلت هَل كَانَ بَيْننَا عَدَاوَة قطّ أوترة أَو تعلم بَين أَهلِي وَأهْلك وترا قَالَ لَا وَالله قلت وَلَا أَنا وَالله لَك إِلَّا على جميل وَإِنِّي لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين بِدينِك

стр. 596

وَأُرِيد الشَّرّ لمن أَرَادَهُ لَك قَالَ يَا هَذَا جَزَاك الله خيرا فَانْصَرف قلت إِن معي زاداً وَأُرِيد أَن آكله وَأُرِيد مواكلتك لتتأكد الْمَوَدَّة بَيْننَا ونرى أهل العسكرين هوانهم علينا قَالَ فافعل فتقدمت إِلَيْهِ حَتَّى اخْتلفت أَعْنَاق دوابنا وجمعنا أَرْجُلنَا على معارفها وَجَعَلنَا نَأْكُل وَالنَّاس قد غلبوا ضحكاً فَلَمَّا اسْتَوْفَيْنَا وَدعنِي ثمَّ قلت لَهُ إِن هَذَا الْجَاهِل إِن أَقمت على طلب المبارزة ندبني لَك فتتعب وتتعبني فَإِن رَأَيْت أَن لَا تبرز الْيَوْم فافعل قَالَ قد فعلت ثمَّ انْصَرف وانصرفت فَقلت لروح أما أَنا فقد كفيتك قَرْني فَقل لغيري يَكْفِيك قرنه قَالَ ثمَّ خرج آخر يُرِيد البرَاز فَقَالَ اخْرُج إِلَيْهِ فَقلت (إِني أعوذ بِروح أَن يُقدمني ... إِلَى القتَال فتَخْزَي بِي بَنو أَسد) (إنَّ البرَاز إِلَى الأقْرَان أعلَمُهُ ... ممَّا يُفَرِّق بَين الرّوح والجسد) (قَدْ حالَفَتْكَ المَنَايا إِذْ صَمَدْتَ لَهَا ... وأصبَحَتْ لجَمِيع الخَلْق بالرّصد) (إِنَ المُهَّلبَ حُبّ المَوْت أوْرثكم ... وَمَا وِرثْتَ اختيارَ المَوت عَن أحد) (لَو أَن لي مُهجةً أُخرى لجدتُ بهَا ... لكِنّها خُلقَتْ فَرْداً فَلم أجد) // الْبَسِيط // فَضَحِك وأعفاني وعزم مُوسَى بن دَاوُد على الْحَج فَقَالَ لأبي دلامة احجج معي وَلَك عشرَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ هَاتِهَا فَدفعت إِلَيْهِ فَأَخذهَا وهرب إِلَى السوَاد فَجعل ينفقها هُنَاكَ وَيشْرب الْخمر وَطَلَبه مُوسَى فَلم يقدر عَلَيْهِ وخشي فَوَات الْحَج فَخرج فَلَمَّا شَارف الْقَادِسِيَّة إِذا هُوَ بِأبي دلامة خَارِجا من قَرْيَة إِلَى قَرْيَة أُخْرَى وَهُوَ سَكرَان فَأمر بِأَخْذِهِ وتقييده وَطَرحه فِي الْمحمل بَين يَدَيْهِ فَفعل بِهِ ذَلِك فَلَمَّا سَار غير بعيد أقبل أَبُو دلامة على مُوسَى وناداه بقوله

стр. 597

(يَا أيُّها النّاس قُولوا أجْمَعينَ مَعًا ... صلّى الأله على مُوسَى بن دَاوُد) (كَأَن ديباجتي خَدّيه منْ ذَهبٍ ... إِذا بَدَا لكَ فِي أثْوَابه السُّود) (إنِّي أعوُذُ بدَاوُدٍ وأعظُمه ... مِنْ أَن أُكلَّفَ حجّاً يَا ابنَ دَاوُدِ) (أنبِئْتُ أَن طَريق الحجِّ مَعْطَشَةٌ ... منَ الشّراب وَمَا شُرْبي بتصريدُ) (وَالله مَا فيّ منْ أجرٍ فَتطلبهُ ... ولَا الثّناء على ديني بمحمود) // الْبَسِيط // فَقَالَ مُوسَى ألقوه لَعنه الله عَن الْمحمل وَدعوهُ ينْصَرف فَألْقى وَعَاد إِلَى قصفه بِالسَّوَادِ حَتَّى نفدت الْعشْرَة آلَاف وَدخل أَبُو دلامة يَوْمًا على الْمَنْصُور فأنشده (رَأَيْتُك فِي المنَام كسوت جلدي ... ثيَاباً جمَّةً وقَضَيْتَ دَيْني) (وكانَ بنَفْسَجيُّ الْخَزّ فِيهَا ... وساجٌ ناعمٌ فأتَّم زَيني) (فَصَدِّق يَا فَدَتكَ النّفْسُ رُؤيا ... رَأتهَا فِي المَنام كَذَاك عَيْني) // الوافر // فَأمر بذلك وَقَالَ لَا عدت تتحلم عَليّ ثَانِيَة فَاجْعَلْ حلمك أضغاثاً وَلَا أحققه ثمَّ خرج من عِنْده وَمضى فَشرب فِي بعض الحانات فَسَكِرَ وَانْصَرف وَهُوَ ثمل فَلَقِيَهُ العسس فَأخذ فَقيل لَهُ من أَنْت وَمَا دينك فَقَالَ (ديني عَلى دين بني العَبّاس ... مَا ختم الطينُ على القرْطاس) (إِذا اصطَبَحْتُ أرْبعاً بالكاس ... فَقَدْ أدارَ شُرْبهُا براسي) (فَهَلْ بمَا قُلْتُ لكُمْ من بَأْس ... ) // الرجز //

стр. 598

فَأَخَذُوهُ ومضوا بِهِ فخرقوا أثوابه وساجه وَأتوا بِهِ إِلَى الْمَنْصُور وَكَانَ يُؤْتى بِكُل من أَخذه العسس فحبسه مَعَ الدَّجَاج فِي بَيت فَلَمَّا أَفَاق جعل يُنَادي غُلَامه مرّة وجاريته مرّة فَلَا يجِيبه أحد وَهُوَ مَعَ ذَلِك يسمع صَوت الدَّجَاج وزقاء الديكة فَلَمَّا أَكثر قَالَ لَهُ السجان مَا شَأْنك قَالَ وَيلك من أَنْت وَأَيْنَ أَنا قَالَ فِي الْحَبْس وَأَنا فلَان السجان قَالَ وَمن حَبَسَنِي قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَمن خرق طيلساني قَالَ الحرس فَطلب مِنْهُ أَن يَأْتِيهِ بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس فَفعل فَكتب إِلَى الْمَنْصُور (أميرَ المؤمنينَ فدَتكَ نَفسِي ... عَلى مَ حبستني وخَرَقْتَ ساجِي) (أمِنْ صَهْباءَ صافيةِ المزَاجِ ... كأنَّ شُعاعها لهبُ السِّرَاجِ) (وَقد طبختْ بنارِ الله حَتَّى ... لقد صارَتْ من النطفِ النضاجِ) (تهشُّ لَهَا الْقُلُوب وتشتهيها ... إِذا بَرزت تَرقرَقُ فِي الزجاجِ) (أقاد إِلَى السجون بِغير جُرْمٍٍ ... كأنِّي بعضُ عمالِ الخراجِ) (وَلَو مَعَهم حُبستُ لكانَ سهلاً ... وَلَكِنِّي حُبستُ معَ الدجاجِ) (وَقد كَانَت تُخبرنِي ذنوبِي ... بأنِّي من عقابكَ غيرُ نَاجِي) (عَلَى أَنِّي وَإِن لَاقيُت شرَّاً ... لخيركَ بعْدَ الشَّرّ راجي) // الوافر // فَدَعَا بِهِ وَقَالَ لَهُ أَيْن حبست يَا أَبَا دلامة فَقَالَ مَعَ الدَّجَاج قَالَ فَمَا كنت تصنع قَالَ أقوقىء مَعَهم حَتَّى أَصبَحت فَضَحِك وخلى سَبيله وَأمر لَهُ بجائزة فَلَمَّا خرج قَالَ لَهُ الرّبيع إِنَّه شرب الْخمر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما سَمِعت قَوْله وَقد طبخت بِنَار الله يَعْنِي الشَّمْس فَأمر برده ثمَّ قَالَ لَهُ يَا خَبِيث شربت الْخمر قَالَ لَا قَالَ أفلم تقل طبخت بِنَار الله تَعْنِي الشَّمْس قَالَ لَا وَالله مَا عنيت إِلَّا نَار الله المؤصدة الَّتِي تطلع على فؤاد الرّبيع فَضَحِك وَقَالَ خُذْهَا يَا ربيع وَلَا تعاود التَّعَرُّض لَهُ

стр. 599

وَلما قدم الْمهْدي من الرّيّ دخل عَلَيْهِ أَبُو دلامة فَأَنْشَأَ يَقُول (إِنِّي نذَرتُ لَئِن لقيتُكَ سالما ... بِقُرى العرَاق وأنتَ ذُو وفرِ) (لتصليَنَّ عَلى النبيّ محمدٍ ... ولتملأنَّ دراهما حجري) // الْكَامِل // فَقَالَ صلى الله على النَّبِي مُحَمَّد وَسلم وَأما الدَّرَاهِم فَلَا فَقَالَ لَهُ أَنْت أكْرم من أَن تفرق بَينهَا ثمَّ تخْتَار أسهلهما فَضَحِك وَأمر بِأَن يمْلَأ حجره دَرَاهِم وَدخل أَبُو دلامة على أم سَلمَة زوج السفاح بعد مَوته فعزاها بِهِ وَبكى فَبَكَتْ مَعَه فَقَالَت أم سَلمَة لم أجد أحدا أُصِيب بِهِ غَيْرِي وَغَيْرك يَا أَبَا دلامة قَالَ وَلَا سَوَاء يَرْحَمك الله لَك مِنْهُ ولد وَمَا ولدت أَنا مِنْهُ قطّ فَضَحكت وَلم تكن ضحِكت مُنْذُ مَاتَ السفاح إِلَّا ذَاك الْوَقْت وَقَالَت لَهُ لَو حدثت الشَّيْطَان لأضحكته وَدخل يَوْمًا على الْمهْدي وَهُوَ يبكي فَقَالَ لَهُ مَا لَك قَالَ مَاتَت أم دلامة وَأنْشد لنَفسِهِ فِيهَا (وَكُنَّا كَزَوج من قَطاً فِي مفازةٍ ... لدَى خَفْض عيشٍ مونِقٍ ناضِرٍ رغدِ) (فأفرَدَني رَيب الزَّمَان بصرفهِ ... وَلم أرَ شَيْئا قطُّ أوحشَ من فَرد) // الطَّوِيل // فَأمر لَهُ بِطيب وَثيَاب ودنانير وَخرج فَدخلت أم دلامة على الخيزران وأعلمتها أَن أَبَا دلامة قد مَاتَ فأعطتها مثل ذَلِك وَخرجت فَلَمَّا التقى الْمهْدي والخيزران عرفا حيلتهما فَجعلَا يضحكان لذَلِك ويعجبان مِنْهُ

стр. 600

وَحدث الْمَدِينِيّ قَالَ دخل أَبُو دلامة على الْمهْدي وَعِنْده جمَاعَة من بني هَاشم فَقَالَ الْمهْدي لَهُ أَنا أعطي الله تَعَالَى عهدا لَئِن لم تهج وَاحِدًا مِمَّن فِي الْبَيْت لَأَضرِبَن عُنُقك فَنظر إِلَيْهِ الْقَوْم وغمزوه بِأَن عَلَيْهِم رِضَاهُ قَالَ أَبُو دلامة فَعلمت أَنِّي وَقعت وَأَنَّهَا عَزمَة من عزماته وَلَا بُد مِنْهَا فَلم أر أحدا أَحَق بالهجاء مني وَلَا أَدعِي إِلَى السَّلامَة من هجائي نَفسِي فَقلت (إِلَّا أبلغْ لديكَ يَا أَبَا دلامة ... فَلَيْسَ من الْكِرَام وَلَا كرامهْ) (إِذا لبس الْعِمَامَة قلت قردٌ ... وخنزيرٌ إِذا وضع العمامهْ) (جمعت دمامةً وجمعت لؤماً ... كَذَاك اللؤم تتبعهُ الدمامهْ) (فإِن تكُ قد أصبتَ نَعيم دُنيا ... فَلَا تفرحْ فقد دنت القيامهْ) // الوافر // فَضَحِك الْقَوْم وَلم يبْق مِنْهُم أحد إِلَّا أجَازه وَخرج الْمهْدي وَعلي بن سُلَيْمَان إِلَى الصَّيْد فسنح لَهما قطيع من ظباء فَأرْسلت الْكلاب وأجريت الْخَيل فَرمى الْمهْدي سَهْما فصرع ظَبْيًا وَرمى عَليّ بن سُلَيْمَان فَأصَاب كَلْبا فَقتله فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو دلامة (قد رمى المهديُّ ظَبْيًا ... شكّ بِالسَّهْمِ فؤادهْ) (وعليٌّ بن سُلَيْمَان ... رمى كَلْبا فصادهْ) (فهنيئاً لَهما كلُّ امرىء يَأْكُل زَاده ... ) // من مجزوء الرمل // فَضَحِك الْمهْدي حَتَّى كَاد يسْقط عَن سَرْجه وَقَالَ صدق وَالله أَبُو دلامة وَأمر لَهُ بجائزة ولقب عَليّ بن سُلَيْمَان بصائد الْكَلْب فعلق بِهِ
следующие страницы →