← Баляга

Баляга · id 6951

معاهد التنصيص على شواهد التلخيص

أبو الفتح العباسي

Полный текст (694 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وَأُرِيد الشَّرّ لمن أَرَادَهُ لَك قَالَ يَا هَذَا جَزَاك الله خيرا فَانْصَرف قلت إِن معي زاداً وَأُرِيد أَن آكله وَأُرِيد مواكلتك لتتأكد الْمَوَدَّة بَيْننَا ونرى أهل العسكرين هوانهم علينا قَالَ فافعل فتقدمت إِلَيْهِ حَتَّى اخْتلفت أَعْنَاق دوابنا وجمعنا أَرْجُلنَا على معارفها وَجَعَلنَا نَأْكُل وَالنَّاس قد غلبوا ضحكاً فَلَمَّا اسْتَوْفَيْنَا وَدعنِي ثمَّ قلت لَهُ إِن هَذَا الْجَاهِل إِن أَقمت على طلب المبارزة ندبني لَك فتتعب وتتعبني فَإِن رَأَيْت أَن لَا تبرز الْيَوْم فافعل قَالَ قد فعلت ثمَّ انْصَرف وانصرفت فَقلت لروح أما أَنا فقد كفيتك قَرْني فَقل لغيري يَكْفِيك قرنه قَالَ ثمَّ خرج آخر يُرِيد البرَاز فَقَالَ اخْرُج إِلَيْهِ فَقلت (إِني أعوذ بِروح أَن يُقدمني ... إِلَى القتَال فتَخْزَي بِي بَنو أَسد) (إنَّ البرَاز إِلَى الأقْرَان أعلَمُهُ ... ممَّا يُفَرِّق بَين الرّوح والجسد) (قَدْ حالَفَتْكَ المَنَايا إِذْ صَمَدْتَ لَهَا ... وأصبَحَتْ لجَمِيع الخَلْق بالرّصد) (إِنَ المُهَّلبَ حُبّ المَوْت أوْرثكم ... وَمَا وِرثْتَ اختيارَ المَوت عَن أحد) (لَو أَن لي مُهجةً أُخرى لجدتُ بهَا ... لكِنّها خُلقَتْ فَرْداً فَلم أجد) // الْبَسِيط // فَضَحِك وأعفاني وعزم مُوسَى بن دَاوُد على الْحَج فَقَالَ لأبي دلامة احجج معي وَلَك عشرَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ هَاتِهَا فَدفعت إِلَيْهِ فَأَخذهَا وهرب إِلَى السوَاد فَجعل ينفقها هُنَاكَ وَيشْرب الْخمر وَطَلَبه مُوسَى فَلم يقدر عَلَيْهِ وخشي فَوَات الْحَج فَخرج فَلَمَّا شَارف الْقَادِسِيَّة إِذا هُوَ بِأبي دلامة خَارِجا من قَرْيَة إِلَى قَرْيَة أُخْرَى وَهُوَ سَكرَان فَأمر بِأَخْذِهِ وتقييده وَطَرحه فِي الْمحمل بَين يَدَيْهِ فَفعل بِهِ ذَلِك فَلَمَّا سَار غير بعيد أقبل أَبُو دلامة على مُوسَى وناداه بقوله

стр. 597

(يَا أيُّها النّاس قُولوا أجْمَعينَ مَعًا ... صلّى الأله على مُوسَى بن دَاوُد) (كَأَن ديباجتي خَدّيه منْ ذَهبٍ ... إِذا بَدَا لكَ فِي أثْوَابه السُّود) (إنِّي أعوُذُ بدَاوُدٍ وأعظُمه ... مِنْ أَن أُكلَّفَ حجّاً يَا ابنَ دَاوُدِ) (أنبِئْتُ أَن طَريق الحجِّ مَعْطَشَةٌ ... منَ الشّراب وَمَا شُرْبي بتصريدُ) (وَالله مَا فيّ منْ أجرٍ فَتطلبهُ ... ولَا الثّناء على ديني بمحمود) // الْبَسِيط // فَقَالَ مُوسَى ألقوه لَعنه الله عَن الْمحمل وَدعوهُ ينْصَرف فَألْقى وَعَاد إِلَى قصفه بِالسَّوَادِ حَتَّى نفدت الْعشْرَة آلَاف وَدخل أَبُو دلامة يَوْمًا على الْمَنْصُور فأنشده (رَأَيْتُك فِي المنَام كسوت جلدي ... ثيَاباً جمَّةً وقَضَيْتَ دَيْني) (وكانَ بنَفْسَجيُّ الْخَزّ فِيهَا ... وساجٌ ناعمٌ فأتَّم زَيني) (فَصَدِّق يَا فَدَتكَ النّفْسُ رُؤيا ... رَأتهَا فِي المَنام كَذَاك عَيْني) // الوافر // فَأمر بذلك وَقَالَ لَا عدت تتحلم عَليّ ثَانِيَة فَاجْعَلْ حلمك أضغاثاً وَلَا أحققه ثمَّ خرج من عِنْده وَمضى فَشرب فِي بعض الحانات فَسَكِرَ وَانْصَرف وَهُوَ ثمل فَلَقِيَهُ العسس فَأخذ فَقيل لَهُ من أَنْت وَمَا دينك فَقَالَ (ديني عَلى دين بني العَبّاس ... مَا ختم الطينُ على القرْطاس) (إِذا اصطَبَحْتُ أرْبعاً بالكاس ... فَقَدْ أدارَ شُرْبهُا براسي) (فَهَلْ بمَا قُلْتُ لكُمْ من بَأْس ... ) // الرجز //

стр. 598

فَأَخَذُوهُ ومضوا بِهِ فخرقوا أثوابه وساجه وَأتوا بِهِ إِلَى الْمَنْصُور وَكَانَ يُؤْتى بِكُل من أَخذه العسس فحبسه مَعَ الدَّجَاج فِي بَيت فَلَمَّا أَفَاق جعل يُنَادي غُلَامه مرّة وجاريته مرّة فَلَا يجِيبه أحد وَهُوَ مَعَ ذَلِك يسمع صَوت الدَّجَاج وزقاء الديكة فَلَمَّا أَكثر قَالَ لَهُ السجان مَا شَأْنك قَالَ وَيلك من أَنْت وَأَيْنَ أَنا قَالَ فِي الْحَبْس وَأَنا فلَان السجان قَالَ وَمن حَبَسَنِي قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَمن خرق طيلساني قَالَ الحرس فَطلب مِنْهُ أَن يَأْتِيهِ بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس فَفعل فَكتب إِلَى الْمَنْصُور (أميرَ المؤمنينَ فدَتكَ نَفسِي ... عَلى مَ حبستني وخَرَقْتَ ساجِي) (أمِنْ صَهْباءَ صافيةِ المزَاجِ ... كأنَّ شُعاعها لهبُ السِّرَاجِ) (وَقد طبختْ بنارِ الله حَتَّى ... لقد صارَتْ من النطفِ النضاجِ) (تهشُّ لَهَا الْقُلُوب وتشتهيها ... إِذا بَرزت تَرقرَقُ فِي الزجاجِ) (أقاد إِلَى السجون بِغير جُرْمٍٍ ... كأنِّي بعضُ عمالِ الخراجِ) (وَلَو مَعَهم حُبستُ لكانَ سهلاً ... وَلَكِنِّي حُبستُ معَ الدجاجِ) (وَقد كَانَت تُخبرنِي ذنوبِي ... بأنِّي من عقابكَ غيرُ نَاجِي) (عَلَى أَنِّي وَإِن لَاقيُت شرَّاً ... لخيركَ بعْدَ الشَّرّ راجي) // الوافر // فَدَعَا بِهِ وَقَالَ لَهُ أَيْن حبست يَا أَبَا دلامة فَقَالَ مَعَ الدَّجَاج قَالَ فَمَا كنت تصنع قَالَ أقوقىء مَعَهم حَتَّى أَصبَحت فَضَحِك وخلى سَبيله وَأمر لَهُ بجائزة فَلَمَّا خرج قَالَ لَهُ الرّبيع إِنَّه شرب الْخمر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما سَمِعت قَوْله وَقد طبخت بِنَار الله يَعْنِي الشَّمْس فَأمر برده ثمَّ قَالَ لَهُ يَا خَبِيث شربت الْخمر قَالَ لَا قَالَ أفلم تقل طبخت بِنَار الله تَعْنِي الشَّمْس قَالَ لَا وَالله مَا عنيت إِلَّا نَار الله المؤصدة الَّتِي تطلع على فؤاد الرّبيع فَضَحِك وَقَالَ خُذْهَا يَا ربيع وَلَا تعاود التَّعَرُّض لَهُ

стр. 599

وَلما قدم الْمهْدي من الرّيّ دخل عَلَيْهِ أَبُو دلامة فَأَنْشَأَ يَقُول (إِنِّي نذَرتُ لَئِن لقيتُكَ سالما ... بِقُرى العرَاق وأنتَ ذُو وفرِ) (لتصليَنَّ عَلى النبيّ محمدٍ ... ولتملأنَّ دراهما حجري) // الْكَامِل // فَقَالَ صلى الله على النَّبِي مُحَمَّد وَسلم وَأما الدَّرَاهِم فَلَا فَقَالَ لَهُ أَنْت أكْرم من أَن تفرق بَينهَا ثمَّ تخْتَار أسهلهما فَضَحِك وَأمر بِأَن يمْلَأ حجره دَرَاهِم وَدخل أَبُو دلامة على أم سَلمَة زوج السفاح بعد مَوته فعزاها بِهِ وَبكى فَبَكَتْ مَعَه فَقَالَت أم سَلمَة لم أجد أحدا أُصِيب بِهِ غَيْرِي وَغَيْرك يَا أَبَا دلامة قَالَ وَلَا سَوَاء يَرْحَمك الله لَك مِنْهُ ولد وَمَا ولدت أَنا مِنْهُ قطّ فَضَحكت وَلم تكن ضحِكت مُنْذُ مَاتَ السفاح إِلَّا ذَاك الْوَقْت وَقَالَت لَهُ لَو حدثت الشَّيْطَان لأضحكته وَدخل يَوْمًا على الْمهْدي وَهُوَ يبكي فَقَالَ لَهُ مَا لَك قَالَ مَاتَت أم دلامة وَأنْشد لنَفسِهِ فِيهَا (وَكُنَّا كَزَوج من قَطاً فِي مفازةٍ ... لدَى خَفْض عيشٍ مونِقٍ ناضِرٍ رغدِ) (فأفرَدَني رَيب الزَّمَان بصرفهِ ... وَلم أرَ شَيْئا قطُّ أوحشَ من فَرد) // الطَّوِيل // فَأمر لَهُ بِطيب وَثيَاب ودنانير وَخرج فَدخلت أم دلامة على الخيزران وأعلمتها أَن أَبَا دلامة قد مَاتَ فأعطتها مثل ذَلِك وَخرجت فَلَمَّا التقى الْمهْدي والخيزران عرفا حيلتهما فَجعلَا يضحكان لذَلِك ويعجبان مِنْهُ

стр. 600

وَحدث الْمَدِينِيّ قَالَ دخل أَبُو دلامة على الْمهْدي وَعِنْده جمَاعَة من بني هَاشم فَقَالَ الْمهْدي لَهُ أَنا أعطي الله تَعَالَى عهدا لَئِن لم تهج وَاحِدًا مِمَّن فِي الْبَيْت لَأَضرِبَن عُنُقك فَنظر إِلَيْهِ الْقَوْم وغمزوه بِأَن عَلَيْهِم رِضَاهُ قَالَ أَبُو دلامة فَعلمت أَنِّي وَقعت وَأَنَّهَا عَزمَة من عزماته وَلَا بُد مِنْهَا فَلم أر أحدا أَحَق بالهجاء مني وَلَا أَدعِي إِلَى السَّلامَة من هجائي نَفسِي فَقلت (إِلَّا أبلغْ لديكَ يَا أَبَا دلامة ... فَلَيْسَ من الْكِرَام وَلَا كرامهْ) (إِذا لبس الْعِمَامَة قلت قردٌ ... وخنزيرٌ إِذا وضع العمامهْ) (جمعت دمامةً وجمعت لؤماً ... كَذَاك اللؤم تتبعهُ الدمامهْ) (فإِن تكُ قد أصبتَ نَعيم دُنيا ... فَلَا تفرحْ فقد دنت القيامهْ) // الوافر // فَضَحِك الْقَوْم وَلم يبْق مِنْهُم أحد إِلَّا أجَازه وَخرج الْمهْدي وَعلي بن سُلَيْمَان إِلَى الصَّيْد فسنح لَهما قطيع من ظباء فَأرْسلت الْكلاب وأجريت الْخَيل فَرمى الْمهْدي سَهْما فصرع ظَبْيًا وَرمى عَليّ بن سُلَيْمَان فَأصَاب كَلْبا فَقتله فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو دلامة (قد رمى المهديُّ ظَبْيًا ... شكّ بِالسَّهْمِ فؤادهْ) (وعليٌّ بن سُلَيْمَان ... رمى كَلْبا فصادهْ) (فهنيئاً لَهما كلُّ امرىء يَأْكُل زَاده ... ) // من مجزوء الرمل // فَضَحِك الْمهْدي حَتَّى كَاد يسْقط عَن سَرْجه وَقَالَ صدق وَالله أَبُو دلامة وَأمر لَهُ بجائزة ولقب عَليّ بن سُلَيْمَان بصائد الْكَلْب فعلق بِهِ

стр. 601

وَتوفيت حمادة بنت عِيسَى وَحضر الْمَنْصُور جنازتها فَلَمَّا وقف على حفرتها قَالَ لأبي دلامة مَا أَعدَدْت لهَذِهِ الحفرة قَالَ بنت عمك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حمادة بنت عِيسَى يجاء بهَا السَّاعَة فتدفن فِيهَا فَضَحِك الْمَنْصُور حَتَّى غلب وَستر وَجهه وَحدث الْهَيْثَم بن عدي قَالَ حجت الخيزران فَلَمَّا خرجت صَاح أَبُو دلامة جعلني الله فدَاك الله الله فِي أَمْرِي فَقَالَت من هَذَا قَالُوا أَبُو دلامة قَالَت اسألوه مَا أمره قَالَ أدنوني من محملها فأدنى فَقَالَ أَيهَا السيدة إِنِّي شيخ كَبِير وأجرك فِي عَظِيم قَالَت فَمه قَالَ تهبين لي جَارِيَة من جواريك تؤنسني وترفق بِي وتريحني من عَجُوز عِنْدِي قد أكلت رفدي وأطالت كدي فقد عاف جلدي جلدهَا وتمنيت بعْدهَا وتشوقت فقدها فَضَحكت وَقَالَت سَوف آمُر لَك بِمَا سَأَلت فَلَمَّا رجعت تلقاها وأذكرها وَخرج مَعهَا إِلَى بَغْدَاد وَأقَام حَتَّى سئم ثمَّ دخل على عُبَيْدَة حاضنة مُوسَى وَهَارُون فَدفع إِلَيْهَا رقْعَة قد كتبهَا إِلَى الخيزران فِيهَا (أبلغي سيدتي بِاللَّه يَا أم عبيدَهْ ... ) (أَنَّهَا أرشدَها الله وَإِن كَانَت رَشيدهْ ... ) (وَعدتني قبلَ أَن تخرج ... لِلْحَجِّ وليدهْ) (فتأتيت وَأرْسلت بِعشْرين قصيدهْ ... ) (كلما أخلقنَ أخلفت لَهَا أُخْرَى جديده ... ) (لَيْسَ فِي بَيْتِي لتمهيد فِرَاشِي من قعيدهْ ... ) (غيرُ عجفاء عَجُوز ... ساقُها مثل القديده) (وَجههَا أقبح من حوت ... طريٍّ فِي عصيده) (مَا حَياتِي مَعَ أُنْثَى ... مثل عِرْسِي بسعيده) // من مجزوء الرمل //

стр. 602

فَلَمَّا قُرِئت عَلَيْهَا الأبيات ضحِكت واستعادت قَوْله وَجههَا أقبح من حوت إِلَى آخِره وَجعلت تضحك ودعت بِجَارِيَة من جواريها فائقة فَقَالَت لَهَا خذي كل مَا لَك فِي قصري فَفعلت ثمَّ دعت بخادم وَقَالَت لَهُ سلمهَا إِلَى أبي دلامة فَانْطَلق الْخَادِم بهَا فَلم يصبهُ فِي منزله فَقَالَ لامْرَأَته إِذا رَجَعَ فادفعيها إِلَيْهِ وَقَوْلِي لَهُ تَقول لَك السيدة أحسن صُحْبَة هَذِه الْجَارِيَة فقد آثرتك بهَا فَقَالَت لَهُ نعم فَلَمَّا خرج دخل إِلَيْهَا ابْنهَا دلامة فَوجدَ أمه تبْكي فَسَأَلَهَا عَن خَبَرهَا فَأَخْبَرته وَقَالَت إِن أردْت أَن تبرني يَوْمًا من الدَّهْر فاليوم قَالَ قولي مَا شِئْت فَإِنِّي أَفعلهُ قَالَت تدخل عَلَيْهَا فتعلمها أَنَّك مَالِكهَا فتطؤها وتحرمها عَلَيْهِ وَإِلَّا ذهبت بعقله وجفاني وجفاك فَفعل وَدخل على الْجَارِيَة فَوَطِئَهَا ووافقها ذَلِك مِنْهُ وَخرج ثمَّ دخل أَبُو دلامة فَقَالَ لامْرَأَته أَيْن الْجَارِيَة فَقَالَت فِي ذَلِك الْبَيْت فَدخل إِلَيْهَا شيخ محطم ذَاهِب فَمد يَده إِلَيْهَا وَذهب ليقبلها فَقَالَت لَهُ مَا لَك وَيلك تَنَح عني وَإِلَّا لطمتك لطمة دققت بهَا أَنْفك فَقَالَ أَبِهَذَا أوصتك السيدة فَقَالَت إِنَّهَا بعثت بِي إِلَى فَتى من حَاله وهيئته كَيْت وَكَيْت وَقد كَانَ عِنْدِي آنِفا ونال مني حَاجته فَعلم أَنه قد دهى من أم دلامة وَابْنهَا فَخرج إِلَى دلامة فَلَطَمَهُ وتلبب بِهِ وَحلف أَنه لَا يُفَارِقهُ إِلَى الْمهْدي فَمضى بِهِ متلبباً حَتَّى وقف على بَاب الْمهْدي فَعرف خَبره وَأَنه قد جَاءَ بِابْنِهِ على تِلْكَ الْحَالة فَأمر بإدخاله فَلَمَّا دخل قَالَ لَهُ مَا لَك وَيلك قَالَ عمل هَذَا الْخَبيث ابْن الخبيثة مَا لم يعمله ولد بِأَبِيهِ وَلَا يرضيني إِلَّا أَن تقتله فَقَالَ وَيلك فَمَا فعل بك فَأخْبرهُ الْخَبَر فَضَحِك حَتَّى اسْتلْقى على قَفاهُ ثمَّ جلس فَقَالَ لَهُ أَبُو دلامة أعْجبك فعله فتضحك مِنْهُ فَقَالَ عَليّ بِالسَّيْفِ والنطع فَقَالَ لَهُ دلامة قد سَمِعت قَوْله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فاسمع حجتي قَالَ هَات قَالَ هَذَا الشَّيْخ أصفق النَّاس وَجها وَهُوَ ينيك أُمِّي مُنْذُ أَرْبَعِينَ مَا غضِبت نكت أَنا جَارِيَته مرّة وَاحِدَة فَغَضب وصنع بِي مَا ترى فَضَحِك الْمهْدي أَشد من ضحكه الأول ثمَّ قَالَ دعها لَهُ وَأَنا أُعْطِيك خيرا مِنْهَا قَالَ على أَن

стр. 603

تخبأها لي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَإِلَّا ناكها وَالله كَمَا ناك هَذِه فتعهد الْمهْدي إِلَى أبي دلامة أَن لَا يعاود دلامة مثل فعله وَحلف أَنه إِن عاود قَتله وَأمر لَهُ بِجَارِيَة أُخْرَى كَمَا وعده وَدخل أَبُو دلامة على الْمهْدي وَسَلَمَة الوصيف وَاقِف فَقَالَ إِنِّي قد أهديت لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مهْرا لَيْسَ لأحد مثله فَإِن رَأَيْت أَن تشرفني بقبوله فَأمر بإدخاله إِلَيْهِ فَخرج أَبُو دلامة وَأدْخل فرسه الَّذِي كَانَ تَحْتَهُ فَإِذا هُوَ برذون محطم أعجف هرم فَقَالَ لَهُ الْمهْدي أَي شَيْء وَيلك هَذَا ألم تزْعم أَنه مهر فَقَالَ لَهُ أَو لَيْسَ هَذَا سَلمَة الوصيف بَين يَديك قَائِما تسميه الوصيف وَله ثَمَانُون سنة وَهُوَ بعد عنْدك وصيفاً فَإِن كَانَ سَلمَة وصيفاً فَهَذَا مهر فَجعل سَلمَة يشتمه وَالْمهْدِي يضْحك ثمَّ قَالَ لسَلمَة وَيحك إِن لهَذِهِ مِنْهُ أَخَوَات وَإِن أَتَى بِمِثْلِهَا فِي محفل يفضحك فَقَالَ أَبُو دلامة إِي وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لأفضحنه فَلَيْسَ فِي مواليك أحد إِلَّا وَقد وصلني غَيره فَإِنِّي مَا شربت لَهُ المَاء قطّ قَالَ فقد حكمت عَلَيْهِ أَن يَشْتَرِي نَفسه مِنْك بِأَلف دِرْهَم حَتَّى يتَخَلَّص من يدك قَالَ قد فعلت عَليّ أَن لَا يعاود قَالَ أفعل وَلَوْلَا أَنِّي مَا أخذت مِنْهُ شئيا قطّ مَا اسْتعْملت مَعَه مثل هَذَا فَمضى سَلمَة فحملها إِلَيْهِ وَسلمهُ إِيَّاهَا وَجَاء دلامة يَوْمًا إِلَى أَبِيه وَهُوَ فِي محفل من جِيرَانه وعشيرته جَالِسا فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ ثمَّ أقبل عَليّ الْجَمَاعَة فَقَالَ لَهُم إِن شَيْخي كَمَا ترَوْنَ قد كبر سنه ودق عظمه وبنا إِلَى حَيَاته حَاجَة شَدِيدَة وَلَا أَزَال أُشير عَلَيْهِ بالشَّيْء يمسك رمقه ويبقي قوته فيخالفني وَإِنِّي أسالكم أَن تسألوه قَضَاء حَاجَة لي أذكرها بحضرتكم فِيهَا صَلَاح جِسْمه وَبَقَاء حَيَاته فأسعفوني بمسألته معي فَقَالُوا نَفْعل وحباً وكرامة ثمَّ أَقبلُوا على أبي دلامة بألسنتهم فتناولوه بالعتاب حَتَّى رَضِي ابْنه وَهُوَ سَاكِت فَقَالَ قُولُوا لهَذَا الْخَبيث فَلْيقل مَا يُرِيد فستعلمون أَنه لم يَأْتِ إِلَّا ببلية فَقَالُوا قل فَقَالَ إِن أبي مَا يقْتله إِلَّا كَثْرَة الْجِمَاع

стр. 604

فتعاونوني عَلَيْهِ حَتَّى أخصيه فَلَنْ يقطعهُ عَن ذَلِك غير الخصاء فَيكون أصح لجسمه وأطول لعمره فعجبوا مِمَّا أَتَى بِهِ وَعَلمُوا أَنه أَرَادَ أَن يبْعَث بِأَبِيهِ ويخجله حَتَّى يشيع ذَلِك عَنهُ ويرتفع لَهُ بِهِ ذكر فضحكوا مِنْهُ ثمَّ قَالُوا لأبي دلامة قد سَمِعت فأجب قَالَ قد سمعتهم أَنْتُم وعرفتم أَنه لم يَأْتِ بِخَير قَالُوا فَمَا عنْدك فِي هَذَا قَالَ قد جعلت أمه حكما بيني وَبَينه فَقومُوا بِنَا إِلَيْهَا فَقَامُوا بأجمعهم ودخلوا إِلَيْهَا وقص أَبُو دلامة الْقِصَّة عَلَيْهَا وَقَالَ قد حكمتك فَأَقْبَلت على الْجَمَاعَة فَقَالَت إِن ابْني هَذَا أبقاه الله فد نصح أَبَاهُ وبره وَلم يأل جهداً وَمَا أَنا إِلَى بَقَاء أَبِيه بأحوج مني إِلَى بَقَائِهِ وَهَذَا أَمر لم تقع بِهِ تجربة وَلَا جرت بِمثلِهِ عَادَة وَلَا أَشك فِي مَعْرفَته بذلك فليبدأ بِنَفسِهِ أَولا فليخصها فَإِذا عوفي ورأينا ذَلِك قد أثر عَلَيْهِ أثرا مَحْمُودًا اسْتَعْملهُ أَيْضا فَجعل أَبوهُ يضْحك مِنْهُ وخجل ابْنه دلامة وَانْصَرف الْقَوْم يَضْحَكُونَ ويعجبون من خبثهمْ جَمِيعًا واتفاقهم فِي ذَلِك الْمَذْهَب وَكَانَ عِنْد الْمهْدي رجل من بني مَرْوَان قد جَاءَهُ مُسلما فَأتى الْمهْدي بعلج فَأمر المرواني أَن يضْرب عُنُقه فَأخذ السَّيْف وَقَامَ فَضَربهُ فنبا عَنهُ فَرمى بِهِ المرواني وَقَالَ لَو كَانَ من سُيُوفنَا مَا نبا فَسَمعَهَا الْمهْدي فَغَاظَهُ حَتَّى تغير وَجهه وَبَان فِيهِ فَقَامَ يَقْطِين فَأخذ السَّيْف وحسر عَن ذِرَاعَيْهِ ثمَّ ضرب العلج فَرمى بِرَأْسِهِ ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذِه السيوف سيوف الطَّاعَة وَلَا تعْمل إِلَّا فِي أَيدي الْأَوْلِيَاء وَلَا تعْمل فِي أَيدي أهل الْمعْصِيَة ثمَّ قَامَ أَبُو دلامة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد حضرني بيتان أفأقول قَالَ قل فأنشده (أبهَذَا الإمامُ سيْفُك َماضٍ ... وَبِكَفِّ الوَليِّ غيْرُ كهَام) (فإِذا مَا نبَا بِكَفٍّ عَلمْنَا ... أَنه كَفُّ مبغض للْإِمَام) // خَفِيف // فَقَامَ الْمهْدي من مَجْلِسه وسرى عَنهُ وَأمر حجابه بقتل المرواني فَقتل وَقَالَ ابْن النطاح دخل أَبُو دلامة على الْمهْدي فأنشده قصيدته فِي بغلته

стр. 605

الْمَشْهُورَة يهجوها وَيذكر معايبها فَلَمَّا أنْشدهُ قَوْله (أتَاني خائِبٌ يَستَامُ منِّي ... عريْقاً فِي الخَسارَةِ والضَّلال) (فقالَ تبيعُهَا قُلْتُ ارتبِطْها ... بِحُكمِكَ إِن بَيْعي غَيْرُ غالي) (فأقْبَلَ ضَاحِكا نَحْوِي سرُوراً ... وقالَ أراكَ سَهْلاً ذَا جَمَال) (هَلُم إليَّ يخْلو بِي خِدَاعاً ... وَمَا يَدْري الشَّقي لِمَنْ يُخالي) (فقلْتُ بأرْبعينَ فقَالَ أحْسِنْ ... إِليَّ فإنَّ مِثلكَ ذُو سِجَال) (فأتْرُكُ خَمْسةً مِنْهَا لِعلْمي ... بِما فيهِ يَصيرُ مِنَ الخَبَالِ) // الوافر // فَقَالَ لَهُ الْمهْدي لقد أفلت من بلَاء عَظِيم فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد مكثت شهرا أتوقع صَاحبهَا أَن يردهَا عَليّ قَالَ ثمَّ أنْشدهُ (فأبدِلني بِهَا يَا رَبِّ طِرْفاً ... يكُونُ جَمَالُ مَرْكبِهِ جَمَالي) // الوافر // فَقَالَ الْمهْدي لصَاحب دوابه خَيره بَين مركبين من الاصطبل فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن كَانَ الِاخْتِيَار إِلَيّ وَقعت فِي شَرّ من البغلة وَلَكِن مره أَن يخْتَار لي فَقَالَ اختر لَهُ وأخبار أبي دلامة كَثِيرَة وَقد أثبتنا مِنْهَا طرفا صَالحا وَكَانَت وَفَاته سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة رَحمَه الله تَعَالَى ١١٧ - (كَالْقِسِيِّ الْمُعَطِّفَاتِ بَلِ ... الأسْهُم مَبْرِيَّةً بَلِ الأوْتَار ... ) الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الْخَفِيف يمدح بهَا أَبَا جَعْفَر بن حميد ويستوهبه غُلَاما وَمِنْهَا قَوْله (أبُكَاءً فِي الدَّار بَعْدَ الدَّار ... وَسُلوَّاً بِزَينَبٍ عَنْ نَوَار)

стр. 606

(لَا هَنَاكَ الشغْلُ الجديدُ بحُزْوَي ... عَن رُسُوم برَامتين قفَارِ) (مَا ظَنَنْتُ الْأَهْوَاء قَبلكَ تُمحي ... فِي صُدُور العُشَّاق مَحْوَ الديار) // الْخَفِيف // إِلَى أَن قَالَ مِنْهَا فِي وصف النوق (يَتَرقْرَقْنَ كالسّرَاب وقَدْ خُضْنَ غماراً من السّراب الجَاري ... ) وَبعده الْبَيْت وَالْقَصِيدَة طَوِيلَة يَقُول مِنْهَا فِي تشكيه من الْغُلَام الْأَجِير وَيسْأل مخدومه فِي هِبته غُلَاما ويصفه (قَدْ مَللْنَاكَ يَا غلَامُ فغَادٍ ... بِسلَامِ أوْ رائحٌ أوْ سَاري) (سَرقات منِّي خُصُوصا فَهَلا ... منْ عَدُو أوْ صاحبٍ أوْ جَار) (أَنا مِنْ ياسرٍ وَسعْدٍ وَفتْح ... لَسْتُ من عامرٍ وَلَا عَمْار) (لَا أحبُّ النّظيرَ يُخْرِجهُ الشم ... إِلَى الاحتْجاِج والافْتخار) (فإذَا رُعتَهُ بِناحيَةِ السَّوْط ... على الذنْبِ رَاعني بالفرار) (مَا بأَرض العِرَاق يَا قَوْمُ حرٌّ ... يشترَيني منْ خِدمةِ الْأَحْرَار) (هلْ جوَاد بأبْيض من بني الأصفَر محْض الجُدُود محْض النِّجار ... ) (لم يُرْم قَومهُ السِّرَايا وَلم يغْزُهُم غيْرُ جَحفَلٍ جرَّار ... ) (فحوته الرِّماح أغيَدَ مجدولا ... قصيرَ الزُّنار وافي الأزَار) (فوْقَ ضعْفِ الصِّغار إِن وكِلَ الأمرْ إِلَيْهِ وَدون كبر الكِبار ... )

стр. 607

(لَك من ثَغْره وخَدّيه مَا شئتَ من الأقحوَان والجُلّنار ... ) (وكأنّ الذكاءَ يبْعَثُ مِنهُ ... فِي سَوادِ الأمُور شعلَةَ نَار) (يَا أَبَا جَعْفَر وَما أنْتَ بالمَدْ ... عوِّ إِلَّا لِكلِّ أمرٍ كُبَار) (ولعمْري للجود بِالنَّاسِ للنَّاس ... سِواهُ بالثّوْبِ والدِّينَار) (وقليلٌ إِلَّا لَدَيكَ بهذَا الْفَج أخْذُ الغلمان بالأشعار ... ) // الْخَفِيف // وَمعنى الْبَيْت أَنه يصف إبِلا أنحلها السرى بِحَيْثُ صَارَت من الهزال كالقسي بل السِّهَام بل الأوتار وَقد تداول الشُّعَرَاء هَذَا الْمَعْنى وتجاذبوا أَطْرَافه فَمن ذَلِك قَول الشريف الموسوي (هُنّ القسيُّ مِنَ النُّحُول فإنْ سمَا ... خَطْبٌ فهُنّ منَ النَّجَاء الأسهم) // الْكَامِل // وَقد أَخذه ابْن قلاقس فَقَالَ أَيْضا (خوض كأمثال القسيِّ نَوَاحلا ... وَإِذا سَمَا خَطبٌ فهن سِهَام) // الْكَامِل // وَقَالَ أَيْضا (طرحنا الْعَجز عَن أعجاز عيس ... توشحها على الحزم الحزاما) (ونَدْفعُ بالسُّرَى مِنْها قِسياً ... فتَقْذِفُ بِالنّوَى مِنْهَا سهاما) // الوافر // وَقَالَ ابْن خفاجة أَيْضا (وقِدْ مَا برَتْ مِنْها قِسيّاً يدُ السُّرَى ... وفَوَّق منْها فَوْقَها المَجْدُ أسهُما) // الطَّوِيل // وَقَالَ ابْن النبيه (إنَ خَوْضَ الظَّلَماِء أطُيَبُ عنْدِي ... مِنْ مَطايا أمْسَتْ تَشكي كَلَالَهْ) (فَهْيَ مِثْلُ القِسيِّ شكْلاً ولكِنْ ... هيَ فِي السّبْق أسهُمٌ لَا مَحَالَهْ) // الْخَفِيف //

стр. 608

وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت مُرَاعَاة النظير وَيُسمى التناسب والتوافق والائتلاف والمؤاخاة وَهُوَ جمع أَمر وَمَا يُنَاسِبه مَعَ إِلْغَاء التضاد لتخرج الْمُطَابقَة فَهُوَ هُنَا قصد الْمُنَاسبَة بالأسهم والأوتار لما تقدم من ذكر القسي وَهَذِه الْمُنَاسبَة هُنَا معنوية لَا لفظية كَمَا فِي قَول مهيار (ومُدبِر سيّانِ عيْنَاهُ والإبريقُ فَتْكاً ولحظُهُ والمدام ... ) // الْخَفِيف // والإبريق هُنَا السَّيْف سمي بذلك لبريقه وَكَانَ يَصح أَن يُقَال سيان عَيناهُ والصمصام أَو الْهِنْدِيّ فَاخْتَارَ الإبريق لمناسبته لفظا للمدام إِذْ الإبريق يُطلق على إِنَاء الْخمر وَلَيْسَ هَذَا من الْمَعْنى فِي شَيْء وَإِنَّمَا هُوَ مُرَاعَاة مُجَرّد اللَّفْظ وَمن أحسن مَا ورد فِي مُرَاعَاة النظير قَول ابْن خفاجة يصف فرسا وَهُوَ (وأشْقَر تضرم منْهُ الوَغى ... بشُعْلةٍ مِنْ شُعِل البَاس) (منْ جلّنار ناضر خدُّهُ ... وأذنُهُ مِنْ وَرَق الآسِ) (تَطْلُعُ للغرِّةِ فِي وَجهه ... جبابة تَضحكُ فِي الكاس) // السَّرِيع // فالمناسبة هُنَا بَين الجلنار والآس والنضارة وَقَول ابْن الساعاتي من أَبْيَات فِي وصف الثَّلج (السُّحْبُ راياتٌ ولمعُ بُرُوقها ... بيضُ الظُّبي والأرْضُ طِرْفُ أشهَبُ) (والنَدُّ قَسطَلُه وَزَهرُ شمُوعنا ... صُمُّ القَنا والفحْمُ نَبْلٌ مُذْهَبُ) // الْكَامِل // وَمَا أبدع قَول بَعضهم فِي آل النَّبِي ﷺ (أنتُمْ بنُو طهَ ونَ والضُّحى ... وبنوُ تَبارَك والكِتابِ المُحكَم) (وَبَنُو الأبّاطِح والمَشاعرِ والصّفا ... والركْن والبَيتِ الْعَتِيق وزمزم) // الْكَامِل // فَإِنَّهُ أحسن فِي الْمُنَاسبَة فِي الْبَيْت الأول بَين أَسمَاء السُّور وَفِي الثَّانِي بَين الْجِهَات الحجازية وَمَا أعجب قَول السلَامِي

стр. 609

(أَو مَا ترى البروق تَوسطَتْ ... أُفُقاً كأنَّ المُزنَ فِيهِ شُنُوفُ) (واليَوْمُ مِنْ خَجَل الشَّقِيق مُضَرَّجٌ ... خَجلٌ ومنْ مَرَض النّسيم ضعيفُ) (والأرْضُ طِرْس والرِّياض سطُورُه ... والزَّهْرُ شكْل بَيْنها وحروف) // الْكَامِل // وَقَوله فِي وصف النارنج والسماريات فِي نهر طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس (تَنَشطْ لِلصّبوح أَبَا عَليٍّ ... على حُكْم المُنَى وَرضَا الصّدِيق) (بِنَهْر لِلرِّياح علَيْهِ دِرْعٌ ... يُذَهَّبُ بالغُرُوب وبالشُّرُوق) (إِذا اصفَرّتْ علَيْهِ الشمْسُ صبَّتْ ... عَلى أمْوَاجه ماءَ الخلوق) (وقفت بِعْ فكمْ خَدٍّ رَقِيق ... يُغازلُني على قَدٍّ رَشيق) (وجَمْر شبّ فِي الأغْصان حَتَّى ... أضاعَ المَاء فِي وهج الْحَرِيق) (فهم الْحل فِي ميدان تبْرٍ ... يُصاغ لَهَا كُراتٌ من عقيق) // الوافر // وَقَوله أَيْضا فِي وصف الْحبّ (الْحبّ كالدَهرْ يُعطينا ويرْتَجعُ ... لَا اليأسُ يَصرفُنا عنْهُ وَلَا الطّمَعُ) (صَحِبتُهُ والصِّبا تعزى الصَّبابة بِي ... والوَصلُ طفْلٌ غريرٌ والهَوى يفَعُ) (أيامَ لَا النّوْمُ فِي أجفَانِنا خلَسٌ ... وَلَا الزّيارَةُ منْ أحْبابنا لمَعُ) (إِذْ الشبيبة سَيْفي والهَوَى فَرسي ... وَرايتي اللَهْوُ والَّلذاتُ لي شيع) // الْبَسِيط // وَمَا أحسن قَول السّري الرفاء (وغيْمٍ مُرْهفَاتُ البَرْقِ فيهِ ... عَوَارٍ والرِّياضُ بِهَا كَوَاسي) (وقَدْ سلت جيوش الفِطْر فِيهِ ... عَلى شَهْرِ الصِّيام سُيُوفَ باسِ) (ولاحَ لنا الهِلَالُ كَشَطْر طَوْقٍ ... على لَباتِ زَرقاء اللبَاس) // الوافر // وبديع قَول أبي طَالب الْبَغْدَادِيّ النَّحْوِيّ من أَبْيَات (ومَهْمَةٍ سِرْتُ فِيهِ والبِساطُ دمٌ ... والجَوُّ نَقْعٌ وهاماتُ الرِّجالِ رَبًّا) // الْبَسِيط //

стр. 610

وَقَول أبي حنيفَة الاسترابادي غَايَة هُنَا وَهُوَ (هَلْ عثَرَتْ أقلَامُ خَطِّ العذار ... فِي مشْقِها فالخَالُ نَضْخُ العِثَارْ) (أَو استَدَارَ الخَطّ لما غَدَتْ ... نُقْطَتُه مركَزَ ذاكَ المدَارْ) (وَريقُه الخَمْرُ فَهَلْ ثَغْرُهُ ... دُرُّ حباب نظمته الْعقار) // السَّرِيع // وَقَوله وَهُوَ بديع (إِذا الرميّ بسَهْم اللّحْظ إِذْ رشَقَا ... فَلم تدَرّع من أصْدَاغِهِ الحلقا) // الْبَسِيط // وَقَول أبي عَليّ الْحسن الباخرزي وَالِد صَاحب دمية الْقصر (وذِي زَجَلٍ وَالِي سِهامَ رُهامه ... وَولَّي فَألقَى قَوْسهُ فِي انهزامِهِ) (ألم تَرَ خد الوَرْدِ مُدْمىَ لوَقعها ... وأنْصُلها مَخْضوبةٌ فِي كمامه) // الطَّوِيل // وَمَا أحسن قَول الْحُسَيْن بن عَليّ النميري من قصيدة (رَوضٌ إذَا جَرَت الرياحُ مَرِيضَة ... فِي زهرهِ استشفتْ بهِ مرضاهَا) (وَإِذا تقابلت الندامى وسطهُ ... سكر الصحَاة كَمَا صحَا سكراها) // الْكَامِل // وَمَا أَزْهَر قَول بَعضهم يرثي فَقِيها حنفيا (َروضة الْعلم قَطِّبي بعدَ بشرٍ ... والْبَسِي من بنفسج جِلبَابَا) (وَهبي النائحات منثورَ دَمعٍ ... فشقيق النعمانِ بَان وغابا) // الْخَفِيف // وَلأبي العصب الملحي (ذَرَفتْ عينُ الغَمَامِ ... فاستهلت بِسجامِ) (وَبكى الإبريق فِي الكأس ... بدمع من مدام) (فاسقني دَمعاً بدمعٍ ... من مُدَام وغمَامِ) (واعْصِ من لامك فيهِ ... لَيْسَ ذَا وَقت الملام) // من مجزوء الرمل // وَلأبي الْعَلَاء المعري

стр. 611

(دَع اليراعَ لقومٍ يفخرون بهَا ... وبالطوال الرُّدَيْنِيَّاتِ فافتخرِ) (فهن أقلامكَ اللَّاتِي إذَا كتبت ... مجداً أَتَت بمداد من دَم هدر) // الْبَسِيط // وَمَا أحسن قَول الوأواء الدِّمَشْقِي (سقيا ليومٍ غَدا قوسُ الغمَام بهِ ... والشمسُ مشرقةٌ والبرقُ خلاسُ) (كأنهُ قوسُ رَامٍ والبُرُوقُ لهُ ... رَشقُ السِّهَام وَعين الشَّمْس برجاس) // الْبَسِيط // وَمَا أبدع قَول السلَامِي (وَقد خالطَ الفجرَ الظلامُ كَمَا التقى ... علىَ رَوضةٍ خضراء وَردٌ وأدهمْ) (وعهدي بهَا والليلُ ساقٍ ووصلنَا ... عُقارٌ وَفْوها الكأسُ أَو كأسهَا الْفَم) // الطَّوِيل // ولبعض شعراء الذَّخِيرَة (بدارٍ سقتها ديمةٌ إِثْر ديمةٍ ... فمالت بهَا الجدران شطراً على شطرِ) (فَمن عارضٍ يسقى وَمن سقف مجلسٍ ... يُغني وَمن بيتٍ يميلُ من السكر) // الطَّوِيل // وَمن الغايات فِي هَذَا الْبَاب قَول البديع الهمذاني من قصيدة يصف فِيهَا طول السرى (لكَ الله من عزم أجوبُ جيوبهُ ... كأنيَ فِي أَجفان عين الردى كحلُ) (كَأَن السرى ساقٍ كَأَن الْكرَى طلاً ... كأنَّا لَهَا شَربٌ كَأَن المنى نَقْلُ) (كأنا جياعٌ والمطيُّ لنا فمٌ ... كَأَن الفلَا زادٌ كَأَن السرى أكلُ) (كَأَن ينابيع الثرى ثدىُ مرضعٍ ... وَفِي حجرها مِنِّي وَمن نَاقَتي طفلُ) (كأَنا على أرجوحةٍ فِي مسيرنا ... لِغَورٍ بِنَا تَهْوِى ونجدٍ بِنَا تعلوُ) // الطَّوِيل // وَمِنْهَا فِي المديح وَلم يخرج عَن حسن الْمُنَاسبَة (كَأَن فمي قوسٌ لساني لهُ يدٌ ... مديحي لهُ نزعٌ بهِ أملي نبلُ) ((كَأَن دواتي مُطْفِلٌ حبشيةٌ ... بناني لَهَا بعلٌ ونقشي لَهَا نسلُ)

стр. 612

(كَأَن يَدي فِي الطِّرْس غَوَّاص لجةٍ ... بهَا كلمي دُرُّ بِهِ قيمتي تغلوُ) // الطَّوِيل // وَله أَيْضا فِي قريب مِنْهُ يمدح الممدوح فِي القصيدة قبله وَهُوَ الْملك خلف ابْن أَحْمد صَاحب سجستان (وليلٍ كذكراه كمعناه كاسمهِ ... كَدين ابْن عباد كأدبار فائقِ) (شققنا بأيدي العيس بُرْدَ ظلامهِ ... وبتنا على وعدٍ من السّير صادقِ) (تزجُّ بِنَا الأسفاُر فِي كل شاهقٍ ... وَتَرْمِي بِنَا الآمال فِي كل حَالقِ) (كَأَن مطايانا شفار كَأَنَّمَا ... تمدُّ إليهنَّ الفلَا كفّ سارقِ) (كَأَن نُجُوم اللَّيْل نَظَّارةٌ لنا ... تعجب من آمالنا والعوائقِ) (كَأَن نسيم الصُّبْح فرْصَة آيسٍ ... كَأَن سراب القيظ خجلةُ وامقِ) // الطَّوِيل // وَمن الْغَرِيب هُنَا قَول ابْن الرُّومِي يصف أينقا (تطوى الفلَا وَكَأن الآلَ أرديةٌ ... وَتارَة وكأنَّ اللَّيْل سيجانُ) (كَأَنَّهَا فِي ضَحَاضيح الضُّحَى سفنٌ ... وَفِي الغمار من الظلماء حيتان) // الْبَسِيط // وَمَا أرشق قَول ابْن رَشِيق (أصح وَأقوى مَا سمعناهُ فِي الندى ... من الْخَبَر الْمَأْثُور مُنْذُ قديمٍ) (أَحَادِيث ترْوِيهَا السُّيُول عَن الحيا ... عَن الْبَحْر عَن كف الْأَمِير تَمِيم) // الطَّوِيل // وَمن المستحسن فِي هَذَا النَّوْع قَول ابْن زيلاق فِي غُلَام مَعَه خَادِم يَحْرُسهُ (وَمن عجَبٍ أَن يحرسوكَ بخادمٍ ... وخدّامُ هَذَا الْحسن من ذاكَ أكثرُ) (عذاركَ ريحانٌ وثغرك جوهرٌ ... وخدُّكَ ياقوت وخَالكَ عنبر) // الطَّوِيل // وَمَا أبدع قَول ابْن مطروح (وَلَيْلَة وصلٍ خلَتْ ... فيا عاذلي لَا تسَلْ)

стр. 613

(لبسنا ثِيَاب العناقِ ... مزررة بالقبل) // من مجزوء المتقارب // وَمثله قَول الْعِمَاد السلمامسي (شَقَّتْ عليكَ يَد الأسىَ ... ثوبَ الدُّمُوع إِلَى الذيول) // من مجزوء الْكَامِل // وَعَجِيب قَول ابْن الخشاب فِي المستضئ وأجاد (وَرَدَ الورى سلسال جودكَ فارتَوَوْا ... وَوَقفت دون الوِرْد وَقفة حائمِ) (ظمآن أطلبُ خفَّة من زحمةٍ ... والوِرد لَا يزدَاد غير تزاحم) // الْكَامِل // وَقَول بن شرف فِي اجْتِمَاع البعوض والذباب والبراغيث فِي مجْلِس مُخَاطبا لصَاحبه يستهزىء بِهِ (لكَ مجلسٌ كملتْ ستارتنَا بهِ ... للهو لَكِن تحتَ ذَاك حديثُ) (غنَّى الذبابُ وظلّ يزمر حولهُ ... فِيهِ البعوض ويرقص البرغوث) // الْكَامِل // وَمن النهايات هُنَا قَول القَاضِي عبد الرَّحِيم الْفَاضِل (فِي خدّه فخّ كعطفة صُدْغهِ ... والخالُ حَبَّتهُ وقلبي الطائرُ) // الْكَامِل // وَقَول مجير الدّين بن تَمِيم (لَو كنت تَشْهَدُني وَقد حمىَ الوغَى ... فِي موقفٍ مَا الْمَوْت عَنهُ بمعزلِ) (لتَرى أنابيبَ الْقَنَاة علىَ يَدي ... تجْرِي دَماً من تَحت ظلّ القسطل) // الْكَامِل // وَقد أغرب الأديب بدر الدّين حسن الزغاري بقوله (كَأَن السَّحَاب الغر لمَّا تجمعتْ ... وَقد فرقتْ عَنَّا الهمومَ بجمعهَا) (نياقٌ ووجهُ الأَرْض قعبٌ وثلجها ... حَليبٌ وكف الرّيح حالب ضرْعهَا) // الطَّوِيل // وَالْبَاب وَاسع وَلَا بُد من مُرَاعَاة الِاخْتِصَار هُنَا

стр. 614

١١٨ - (إِذا لم تستطع شَيْئا فَدَعْهُ ... وجاوزه إِلَى مَا تَسْتَطِيع) الْبَيْت لعَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ من قصيدة من الوافر وأولها (أمِنْ رَيحانةَ الدَّاعي السميعُ ... يُؤَرْقني وأصحَابي هُجُوعُ) (سبَاهَا الصمَّةُ الجشميُّ غصبا ... كأنَّ بيَاضَ غرتها صديغ) (وحَالت دونهَا فرسانُ قيسٍ ... تكشفُ عَن سواعدها الدروع) // الوافر // وَبعده الْبَيْت وَبعده (وصلهُ بِالزَّمَانِ فكلُّ أمرٍ ... سمَا لكَ أَو سمَوتَ لهُ ولوعُ) وَهِي طَوِيلَة قَالَ الْمَدَائِنِي حَدثنِي رجل من قُرَيْش قَالَ كُنَّا عِنْد فلَان الْقرشِي فَجَاءَهُ رجلٌ بِجَارِيَة فغنته (بِاللَّه يَا ظبيَ بني الحارثِ ... هَلْ مَنْ وفى بالعهد كالناكث) // السَّرِيع // وغنته أَيْضا بغناء ابْن سُرَيج

стр. 615

(يَا طولَ ليلى وبتُّ لم أنمِ ... وساديَ الهمُّ مبُطنٌ سقمي) // المنسرح // فَأَعْجَبتهُ واستام مَوْلَاهَا فاشتط عَلَيْهِ فَأبى شراءها وأعجبت الْجَارِيَة بالفتى فَلَمَّا امْتنع مَوْلَاهَا من البيع إِلَّا بشطط قَالَ الْقرشِي فَلَا حَاجَة لنا فِي جاريتك فَلَمَّا قَامَت الْجَارِيَة للانصراف رفعت صَوتهَا تَقول (إذَا لم تستطع شَيْئا فَدَعْهُ) الْبَيْت قَالَ فَقَالَ الْفَتى الْقرشِي أفأنا لَا أَسْتَطِيع شراءك وَالله لأشترينك بِمَا بلغت قَالَت الْجَارِيَة فَذَلِك أردْت قَالَ الْقرشِي إِنِّي لَا أخيبك وابتاعها من سَاعَته وَالشَّاهِد فِيهِ الإرصاد ويسميه بَعضهم التسهيم وَهُوَ أَن يَجْعَل قبل الْعَجز من الْفَقْرَة أَو الْبَيْت مَا يدل على الْعَجز إِذا عرف الروي وَهُوَ الْحَرْف الَّذِي تبنى عَلَيْهِ أَوَاخِر الأبيات أَو الْفقر وَيجب تكراره فِي كل مِنْهَا فَإِنَّهُ قد يكون مِنْهَا مَا لَا يعرف مِنْهُ الْعَجز لعدم مَعْرفَته حرف الروي كَقَوْل البحتري (أحَلَّت دمي من غير جرم وحَرَّمت ... بِلَا سَبَب يَوْم اللِّقَاء كَلَامي) (فَلَيْسَ الَّذِي قد حللت بِمُحَلل ... وَلَيْسَ الَّذِي قد حرمت بِحرَام) // الطَّوِيل // فَإِنَّهُ لَو لم يعرف أَن القافية مثل سَلام وَكَلَام لربما توهم أَن الْعَجز بحرم وَقَول جنوب أُخْت عمرٍو ذِي الْكَلْب (وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكَّى الكلالا) (فَكنت النَّهَار بِهِ شمسه ... وَكنت دجى اللَّيْل فِيهِ الهلالا) // المتقارب // وَالْقَوْل فِيهِ كَالَّذي قبله

стр. 616

وَمِمَّا اختير من شَوَاهِد هَذَا النَّوْع قَول الرَّاعِي (وَإِن وَزِنَ الْحَصَى فوزَنْتُ قومِي ... وجدتُ حَصى ضريبتهم وزينا) // الوافر // وَقد حكى أَن عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي جلس إِلَى ابْن عَبَّاس ﵄ فابتدأ ينشده (تشطُّ غَدا دارُ جيرانِنا ... ) فَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ (وللَدارُ بعدَ غدٍ أبعدُ ... ) وَكَانَ كَذَلِك وَلم يسمع غير الشّطْر الأول وَكَذَلِكَ يحْكى عَن عدي بن الرّقاع أَنه أنْشد فِي صفة الظبية وَوَلدهَا (تُزْجي أغَنَّ كَأَن إبرة روقه ... ) // الْكَامِل // وغفل الممدوح عَنهُ فَسكت وَكَانَ جَرِيرًا حَاضرا فَقيل لَهُ مَا ترَاهُ يَقُول فَقَالَ جرير (قلم أصابَ من الدواة مدادَها ... ) وَأَقْبل عَلَيْهِ الممدوح فَقَالَ كَمَا قَالَ جرير لم يُغَادر حرفا وَمِنْه قَول الخنساء (ببيض الصفاح وَسمر الرماح ... فبالبيض ضربا وبالسمر وخزا) // المتقارب // وَقَول دعبل (وَإِذا عاندنا ذُو قوةٍ ... غضب الرّوح عَلَيْهِ فعرجْ) (فعلى أَيْمَاننَا يجْرِي النَّدَى ... وعَلى أسيافنا تجْرِي المهج) // الرمل // وَمن جيده قَول بَعضهم (وَلَو أنني أعطيتُ من دهريَ المنى ... وَمَا كل من يُعْطَى المنى بمسَدِّدِ)

стр. 617

(لَقلت لأيامِ مضيْنَ أَلا ارجعي ... وَقلت لأيام أتَيْنَ أَلا ابعدي) // الطَّوِيل // وَمَا أحسن قَول البحتري (أبكيكما دمعاً وَلَو أَنِّي على ... قَدْرِ الجوى أبْكِي بكيتكما دَمَا) // الْكَامِل // وَحدث إِبْرَاهِيم بن أبي مُحَمَّد اليزيدي قَالَ كنت عِنْد الْمَأْمُون يَوْمًا وبحضرته عريب فَقَالَت لَهُ على سَبِيل الولع يَا سلعوس وَكَانَت جواري الْمَأْمُون يلقبنني بذلك عَبَثا فَقلت (وَقل لعريب لَا تَكُونِي مسلعسه ... وكوني كتعريف وكوني كمؤنسه) // الطَّوِيل // فَقَالَ الْمَأْمُون (فَإِن كثرت مِنْك الْأَقَاوِيل لم يكن ... هُنَالك شَيْء إِن ذَا مِنْك وسوسه) فَقلت كَذَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أردْت أَن أَقُول وَعَجِبت من ذهن الْمَأْمُون وطبعه وفطنته ولمؤلفه من أَبْيَات (لَيْسَ التَّقَدُّم بِالزَّمَانِ مقدِّماً ... أحدا وَلَا التَّأْخِير فِيهِ يؤخِّرُ) (فَلِكُل عصر مستجد تُبَّعٌ ... وَلكُل وَقت مقبل إسكندر) // الْكَامِل // ومدح أَبُو الرَّجَاء الْأَهْوَازِي الصاحب ابْن عباد لما ورد الأهواز بقصيدة مِنْهَا (إِلَى ابْن عبادٍ أبي الْقَاسِم الصاحب ... إِسْمَاعِيل كَافِي الكفاة) // السَّرِيع // فَاسْتحْسن جمعه بَين اسْمه ولقبه وكنيته وَاسم أَبِيه فِي بَيت وَاحِد ثمَّ ذكر وُصُوله إِلَى بَغْدَاد وَملكه إِيَّاهَا فَقَالَ (ويشربُ الجندُ هَنِيئًا بهَا ... ) فَقَالَ لَهُ ابْن عباد أمسك امسك أَتُرِيدُ أَن تَقول (من بعد مَاء الرّيّ مَاء الفراة ... )

стр. 618

فَقَالَ هَكَذَا وَالله أردْت وَضحك وَعَمْرو بن معدي كرب هُوَ أَبُو عبد الله وَقيل أَبُو ربيعَة بن عبد الله بن عَمْرو بن عَاصِم بن عَمْرو بن زبيد يَنْتَهِي نسبه لقحطان ويكنى أَبَا ثَوْر وَأمه وَأم أَخِيه عبد الله امْرَأَة من جرهم فِيمَا ذكر وَهِي مَعْدُودَة من المنجبات وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ عَمْرو بن معدي كرب فَارس الْيمن وَهُوَ مقدم على زيد الْخَيل فِي الشدَّة والبأس وَعَن زيد بن قحيف الْكلابِي قَالَ سَمِعت أشياخنا يَزْعمُونَ أَن عَمْرو بن معدي كرب كَانَ يُقَال لَهُ مائق بني زبيد فَبَلغهُمْ أَن خثعم تريدهم فتأهبوا لَهُم وَجمع معدي كرب بني زبيد فَدخل عَمْرو على أُخْته فَقَالَ لَهَا أشبعيني إِنِّي غَدا آتِي الكتيبة فجَاء معدي كرب فَأَخْبَرته ابْنَته فَقَالَ هَذَا المائق يَقُول ذَلِك قَالَت نعم قَالَ فسليه مَا يشبعه فَسَأَلته فَقَالَ فرق من ذرة وعنز ربَاعِية قَالَ وَكَانَ الْفرق يَوْمئِذٍ ثَلَاثَة آصَع فَصنعَ لَهُ ذَلِك وَذبح العنز وهيأ الطَّعَام قَالَ فَجَلَسَ عَمْرو عَلَيْهِ فسلته جَمِيعًا وأتتهم خثعم الصَّباح فلقوهم وَجَاء عَمْرو فَرمى بِنَفسِهِ ثمَّ رفع رَأسه فَإِذا لِوَاء أَبِيه قَائِم فَوضع رَأسه ثمَّ رَفعه فَإِذا هُوَ قد زَالَ فَقَامَ كَأَنَّهُ سرحة محرقة فَتلقى أَبَاهُ وَقد انْهَزمُوا فَقَالَ لَهُ انْزِلْ عَنْهَا فَقَالَ إِلَيْك يَا مائق فَقَالَ بَنو زبيد خله أَيهَا الرجل وَمَا يُرِيد فَإِن قتل كفيت مُؤْنَته وَإِن ظهر فَهُوَ لَك فَألْقى إِلَيْهِ سلاحه ثمَّ ركب فَرمى خثعم بِنَفسِهِ حَتَّى خرج من

стр. 619

بَين أظهرهم ثمَّ كرّ عَلَيْهِم وَفعل ذَلِك مرَارًا وحملت عَلَيْهِم بَنو زبيد فانهزمت خثعم وقهروا فَقيل لَهُ يَوْمئِذٍ فَارس بَنو زبيد وَكَانَ من خبر إِسْلَام عَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ مَا حَكَاهُ الْمَدَائِنِي عَن أبي الْيَقظَان عَن جوَيْرِية بن أَسمَاء قَالَ أقبل النَّبِي ﷺ من غزَاة تَبُوك يُرِيد الْمَدِينَة فَأدْرك عَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ فِي رجال من بني زبيد فَتقدم عَمْرو ليلحق برَسُول الله ﷺ فَأمْسك عَنهُ حَتَّى أودن بِهِ فَلَمَّا تقدم وَرَسُول الله يسير قَالَ حياك إلهك أَبيت اللَّعْن فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن لعنة الله وَمَلَائِكَته وَالنَّاس أَجْمَعِينَ على الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَآمن بِاللَّه يُؤمنك الله يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر) فَقَالَ عَمْرو ابْن معدي كرب وَمَا الْفَزع الْأَكْبَر قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَنه فزع لَيْسَ كَمَا تحسب وتظن إِنَّه يصاح بِالنَّاسِ صَيْحَة لَا يبْقى حَيّ إِلَّا مَاتَ إِلَّا مَا شَاءَ الله تَعَالَى من ذَلِك ثمَّ يصاح بِالنَّاسِ صَيْحَة لَا يبْقى ميت إِلَّا نشر ثمَّ تلج تِلْكَ الأَرْض بدوي تنهد مِنْهُ الأَرْض وتخر مِنْهُ الْجبَال وتنشق السَّمَاء انْشِقَاق الْقبْطِيَّة الجديدة مَا شَاءَ الله من ذَلِك ثمَّ تبرز النَّار فَينْظر إِلَيْهَا حَمْرَاء مظْلمَة قد صَار لَهَا لِسَان فِي السَّمَاء ترمي بِمثل رُؤُوس الْجبَال من شرر النَّار فَلَا يبْقى ذُو روح إِلَّا انخلع قلبه وَذكر ذَنبه أَيْن أَنْت يَا عَمْرو فَقَالَ إِنِّي أسمع أمرا عَظِيما فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا عَمْرو أسلم تسلم) فَأسلم وَبَايع لِقَوْمِهِ على الْإِسْلَام وَذَلِكَ منصرف رَسُول الله ﷺ من تَبُوك وَكَانَت فِي رَجَب سنة تسع وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ لما ارْتَدَّ عَمْرو ابْن معدي كرب مَعَ من ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام من مذْحج استجاش فَرْوَة النَّبِي ﷺ فَوجه إِلَيْهِم خَالِد

стр. 620

ابْن سعيد بن الْعَاصِ وخَالِد بن الْوَلِيد وَقَالَ لَهما إِذا اجْتَمَعْتُمْ فعلي بن أبي طَالب أميركم وَهُوَ على النَّاس وَوجه عليا ﵁ فَاجْتمعُوا بِكَسْر من أَرض الْيمن فَاقْتَتلُوا وَقتل بَعضهم وَنَجَا بعض فَلم تزل جَعْفَر وزبيد وأدد بَنو سعد الْعَشِيرَة بعْدهَا قَليلَة يرْوى أَنه لما بلغ عَمْرو ابْن معدي كرب قرب مكانهم أقبل فِي جمَاعَة من قومه فَلَمَّا دنا مِنْهُم قَالَ دَعونِي حَتَّى آتِي هَؤُلَاءِ الْقَوْم فَإِنِّي لم أسم لأحد قطّ إِلَّا هابنى فَلَمَّا دنا مِنْهُم نَادَى أَنا أَبُو ثَوْر أَنا عَمْرو ابْن معدي كرب فَابْتَدَرَهُ عَليّ وخَالِد وَكِلَاهُمَا يَقُول لصَاحبه خَلِّنِي وإياه ويفديه بابيه وَأمه فَقَالَ عَمْرو إِذْ سمع قَوْلهمَا الْعَرَب تفزع مني وَأرَانِي لهَؤُلَاء جزراً فَانْصَرف عَنْهُمَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى الإٍسلام وَفِي هَذَا الْوَجْه وَقعت الصمصامة إِلَى آل سعيد وَكَانَ سَبَب وُقُوعهَا إِلَيْهِم أَن رَيْحَانَة بنت معدي كرب وَهِي المعنية أول القصيدة سبيت يَوْمئِذٍ فأفداها خَالِد وأثابه عَمْرو الصمصامة فَصَارَ إِلَى أَخِيه سعيد فَوجدَ سعيد جريحاً يَوْم قتل عُثْمَان ﵁ حِين حصر أَي فِي الدَّار وَقد ذهب السَّيْف والغمد ثمَّ وجد الغمد فَلَمَّا قَامَ مُعَاوِيَة جَاءَهُ أَعْرَابِي بِالسَّيْفِ بِغَيْر غمد وَسَعِيد حَاضر فَقَالَ سعيد هَذَا سَيفي فَجحد الْأَعرَابِي مقَالَته فَقَالَ سعيد الدَّلِيل على أَنه سَيفي أَن تبْعَث إِلَى غمده فتغمده فَيكون كفافه فَبعث مُعَاوِيَة إِلَى الغمد فَأتى بِهِ من منزل سعيد فَإِذا هُوَ عَلَيْهِ فَأقر الْأَعرَابِي أَنه أَصَابَهُ يَوْم الدَّار فَأَخذه سعيد مِنْهُ وأثابه فَلم يزل عِنْدهم حَتَّى أصعد الْمهْدي من الْبَصْرَة

стр. 621

فَلَمَّا كَانَ بواسط فَأرْسل إِلَى آل سعيد فِيهِ فَقَالُوا إِنَّه للسبيل فَقَالَ خَمْسُونَ سَيْفا قَاطعا أغْنى من سيف وَاحِد فَأَعْطَاهُمْ خمسين ألف دِرْهَم وَأَخذه وَعَن الشّعبِيّ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ فرض لعَمْرو بن معدي كرب فِي الْفَيْء أَلفَيْنِ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ألف هَهُنَا وَأَوْمَأَ إِلَى شقّ بظنه الْأَيْمن وَألف هَهُنَا وَأَوْمَأَ إِلَى شقّ بَطْنه الْأَيْسَر فَمَا يكون هَهُنَا وَأَوْمَأَ إِلَى وسط بَطْنه فَضَحِك عمر من كَلَام عَمْرو رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا وزاده خَمْسمِائَة وَقَالَ أَبُو الْيَقظَان قَالَ عَمْرو بن معدي كرب لَو سرت بظعينة وحدي على مياه معد كلهَا مَا خفت أَن أغلب عَلَيْهَا مالم يلقني حراها وعبداها فَأَما الحران فعامر بن الطُّفَيْل وعتيبة بن الْحَارِث بن شهَاب وَأما العبدان فأسود بني عبس يَعْنِي عنترة والسليك بن السلكة وَكلهمْ لقِيت فَأَما عَامر بن الطُّفَيْل فسريع الطعْن على الصَّوْت وَأما عتيبة بن الْحَرْث فَأول الْخَيل إِذا غارت وَآخِرهَا إِذا آبت وَأما عنترة فقليل النُّبُوَّة شَدِيد الْكَلْب وَأما السليك فبعيد الْغَارة كالليث الضاري وَعَن قيس أَن عمر ﵁ كتب إِلَى سعد بن أبي وَقاص إِنِّي قد أمددتك بألفي رجل عَمْرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد وَهُوَ طليحة الْأَسدي فشاورهما فِي الْحَرْب وَلَا تولهما شَيْئا وَعنهُ قَالَ شهِدت الْقَادِسِيَّة وَكَانَ سعد على النَّاس فجَاء رستم فَجعل يمر بِنَا وَعَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ يمر على الصُّفُوف ويحض النَّاس وَيَقُول يَا معشر الْمُهَاجِرين كونُوا أسداً أَعنِي عباساً فَإِنَّمَا الْفَارِسِي تَيْس بعد أَن

стр. 622

يلقى يبرك قَالَ وَكَانَ مَعَ رستم أسوار لَا تسْقط لَهُ نشابة فَقيل لَهُ يَا أَبَا ثَوْر اتَّقِ ذَلِك فَإنَّا لنقول لَهُ ذَلِك إِذْ رَمَاه رمية فَأصَاب فرسه وَحمل عَلَيْهِ عَمْرو فاعتنقه ثمَّ ذبحه وسلبه سوارى ذهبٍ كَانَا عَلَيْهِ وقباء ديباج قَالَ غير قيس وَرجع بسلبه وَهُوَ يَقُول (أَنا أَبُو ثَوْر وسيفي ذُو النونْ ... أضربهم ضربَ غلامٍ مجنونْ) (يالَ زَبيدٍ إِنَّهُم يموتون ... ) // الرجز // وَفِي رِوَايَة عَن أبي زيد أَن عمرا شهد الْقَادِسِيَّة وَهُوَ ابْن مائَة وست سِنِين وَقيل بل ابْن مائَة وَعشر وَلما قتل العلج عبر نهر الْقَادِسِيَّة هُوَ وَقيس ابْن مكشوح الْمرَادِي وَمَالك بن الْحَارِث الأشتر وَكَانَ عَمْرو آخِرهم وَكَانَت فرسه ضَعِيفَة فَطلب غَيرهَا فَأتى بفرس فَأخذ بعكوة ذَنبه وأخلد بِهِ إِلَى الأَرْض فأقعى الْفرس فَرده وأتى بآخر فَفعل بِهِ مثل ذَلِك فتحلحل وَلم يَقع فَقَالَ هَذَا على كل حَال أقوى من ذَلِك وَقَالَ لأَصْحَابه إِنِّي حاملٌ وعابرٌ الجسر فَإِن أسرعتم بِمِقْدَار جزر الْجَزُور وجدتموني وسيعني بيَدي أقَاتل بِهِ تِلْقَاء وَجْهي وَقد عقرني الْقَوْم وَأَنا قَائِم بَينهم وَقد قتلت وجردت وَإِن أبطأتم وجدتموني قَتِيلا بَينهم وَقد قتلت وجردت ثمَّ انغمس فَحمل فِي الْقَوْم فَقَالَ بَعضهم يابني زبيد على م تدعون صَاحبكُم وَالله مَا نرى أَن تدركوه حَيا فحملوا فَانْتَهوا إِلَيْهِ وَقد صرع عَن فرسه وَقد أَخذ بِرَجُل فرس رجل من الْعَجم فَأَمْسكهَا وَإِن الْفَارِس

стр. 623

ليضْرب الْفرس فَلَا تقدر أَن تتحرك من يَده فَلَمَّا غشينا رمى الأعجمي بِنَفسِهِ وخلى فرسه فَرَكبهُ عَمْرو وَقَالَ أَنا أَبُو ثَوْر كدتم وَالله تفقدونني قَالُوا أَيْن فرسك قَالَ رمى بنشابة فشب فصرعني وعار وَعَن أبان بن صَالح قَالَ قَالَ عَمْرو بن معدي كرب يَوْم الْقَادِسِيَّة ألزموا خراطيم الفيلة السيوف فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا مقتل إِلَّا خراطيمها ثمَّ شدّ على رستم وَهُوَ على الْفِيل فَضرب فيله فجذم عرقوبيه فَسقط وَحمل رستم على فرس وَسقط من تَحْتَهُ خرج فِيهِ أَرْبَعُونَ ألف دِينَار فحازه الْمُسلمُونَ وَسقط رستم بعد ذَلِك عَن فرسه فَقتله وَانْهَزَمَ الْمُشْركُونَ وَقيل إِن الخرج سقط عَلَيْهِ فَقتله وَعَن الشّعبِيّ قَالَ جَاءَت زِيَادَة من عِنْد عمر يَوْم الْقَادِسِيَّة فَقَالَ عَمْرو بن معدي كرب لطليحة أما ترى أَن هَذِه الزعانف تزاد وَلَا نزاد انْطلق بِنَا إِلَى هَذَا الرجل حَتَّى نكلمه فَقَالَ هَيْهَات وَالله لَا أَلْقَاهُ فِي هَذَا أبدا فَلَقَد لَقِيَنِي فِي بعض فجاج مَكَّة فَقَالَ يَا طليحة أقتلت عكاشة فتوعدني وعيداً ظَنَنْت أَنه قاتلي وَلَا آمنهُ قَالَ عَمْرو ولكنني أَلْقَاهُ قَالَ أَنْت وَذَاكَ فَخرج إِلَى الْمَدِينَة فَقدم على عمر ﵁ وَهُوَ يغدي النَّاس وَقد جفن لعشرة

стр. 624

عشرَة فأقعده عمر مَعَ عشرَة فَأَكَلُوا ونهضوا وَلم يقم عَمْرو فَأقْعدَ مَعَه تَكْمِلَة عشرَة حَتَّى أكل مَعَ ثَلَاثِينَ ثمَّ قَامَ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه كَانَت لي مآكل فِي الْجَاهِلِيَّة مَنَعَنِي مِنْهَا الْإِسْلَام وَقد صررت فِي بَطْني صرتين وَتركت بَينهمَا هَوَاء فسده فَقَالَ عَلَيْك حِجَارَة من حِجَارَة الْحرَّة فسده بهَا يَا عَمْرو إِنَّه بَلغنِي أَنَّك تَقول إِن لي سَيْفا يُقَال لَهُ الصمصامة وَعِنْدِي سيف اسْمه المصمم وَإِنِّي إِن وَضعته بَين أذنيك لم أرفعه حَتَّى يخالط أضراسك وَحدث يُونُس وَأَبُو الْخطاب قَالَا لما كَانَ يَوْم فتح الْقَادِسِيَّة أصَاب الْمُسلمُونَ أسلحة وتيجاناً ومناطق ورقاباً فبلغت مَالا عَظِيما فعزل سعد الْخمس ثمَّ فض الْبَقِيَّة فَأصَاب الْفَارِس سِتَّة آلَاف والراجل أَلفَانِ وَبَقِي مَال دثر فَكتب إِلَى عمر ﵁ بِمَا فعل فَكتب إِلَيْهِ أَن رد على الْمُسلمين الْخمس وَأعْطِ من لحق بك مِمَّن لم يشْهد الْوَقْعَة فَفعل فأجراهم مجْرى من شهد وَكتب إِلَى عمر بذلك فَكتب إِلَيْهِ أَن فض مَا بَقِي على حَملَة الْقُرْآن فَأَتَاهُ عَمْرو بن معد كرب فَقَالَ بِهِ سعد مَا مَعَك من كتاب الله فَقَالَ عَمْرو إِنِّي أسلمت بِالْيمن ثمَّ غزوت فشغلت عَن حفظ الْقُرْآن قَالَ مَا لَك فِي هَذَا المَال نصيب وَأَتَاهُ بشر بن ربيعَة الْخَثْعَمِي وَصَاحب جباية بشر

стр. 625

فَقَالَ مَا مَعَك من كتاب الله قَالَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَضَحِك الْقَوْم وَلم يُعْطه شَيْئا فَقَالَ عَمْرو فِي ذَلِك (إِذا قتلنَا وَلَا يبكي لنا أحد ... قَالَت قُرَيْش أَلا تِلْكَ الْمَقَادِير) (نعطي السوية من طعن لَهُ نفذ ... وَلَا سوية إِذْ تُعْطى الدَّنَانِير) // الْبَسِيط // وَقَالَ بشر بن ربيعَة (أنخت بياب الْقَادِسِيَّة نَاقَتي ... وسعدُ بن وَقاص عليَّ أميرُ) (وسعدٌ أميرٌ شرُّهُ دونَ خيرهِ ... وخيرُ أميرٍ بالعراق جَريرُ) (وعندَ أَمِير الْمُؤمنِينَ نوافلٌ ... وعندَ المثَّنى فضةٌ وحَريرُ) (تذكر هداكَ اللهُ وَقع سُيُوفنَا ... ببابِ قديس والمكرُّ عسيرُ) (عشيةَ ودَّ القومُ لَو أَن بعضهمْ ... يُعار جناحَيْ طائرٍ فيطيرُ) (إذَا مَا فَرغْنَا من قراع كتيبةٍ ... دَلفنا لأخرى كالجبال تسيرُ) (ترَى الْقَوْم فِيهَا واجمين كَأَنَّهُمْ ... جمال بأجمال لَهُنَّ زفير) // الطَّوِيل // فَكتب سعد إِلَى عمر ﵁ بِمَا قَالَ لَهما وَمَا ردا عَلَيْهِ وبالقصيدتين فَكتب أَن أعطهما على بلائهما فَأعْطى لكل وَاحِد مِنْهُمَا ألفي دِرْهَم وَعَن ابْن قُتَيْبَة أَن سَعْدا كتب إِلَى عمر ﵁ يثني على عَمْرو ابْن معدي كرب فَسَأَلَ عمر عمرا عَن سعد فَقَالَ هُوَ لنا كَالْأَبِ أَعْرَابِي فِي نمرته أَسد فِي تامورته يقسم بِالسَّوِيَّةِ ويعدل فِي الْقَضِيَّة وينفر فِي السّريَّة وينقل إِلَيْنَا حَقنا كَمَا تنقل الذّرة فَقَالَ عمر ﵁ لشد مَا تقارضتما الثَّنَاء

стр. 626

وَجَاء رجل وَعَمْرو بن معدي كرب وَاقِف بالكناسة على فرس لَهُ فَقَالَ لأنظرن مَا بَقِي من قُوَّة أبي ثَوْر فَأدْخل يَده بَين سَاقه وَبَين السرج فَفطن عَمْرو فَضمهَا عَلَيْهِ وحرك فرسه فَجعل الرجل يعدو مَعَ الْفرس لَا يقدر أَن ينْزع يَده حَتَّى إِذا بلغ مِنْهُ قَالَ يَا ابْن أخي مَا لَك قَالَ يَدي تَحت ساقك فخلى عَنهُ وَقَالَ يَا ابْن أخي إِن فِي عمك لبَقيَّة بعد وَكَانَ عَمْرو مَعَ شجاعته ومواقفه مَشْهُورا بِالْكَذِبِ فَحدث الْمبرد قَالَ كَانَت الْأَشْرَاف بِالْكُوفَةِ يخرجُون إِلَى ظهرهَا يتناشدون الْأَشْعَار وَيَتَحَدَّثُونَ ويتذاكرون أَيَّام النَّاس فَوقف عَمْرو إِلَى جَانب خَالِد بن الصَّقْعَب النَّهْدِيّ فَأقبل عَلَيْهِ يحدثه وَيَقُول أغرت على بني نهد فَخَرجُوا إِلَى مسترعفين بِخَالِد بن الصَّقْعَب يقدمهم فطعنته طعنة فَوَقع وضربته بالصمصامة حَتَّى فاضت نَفسه فَقَالَ لَهُ الرجل يَا أَبَا ثَوْر إِن مقتولك الَّذِي تذكره هُوَ الَّذِي تحدثه فَقَالَ اللَّهُمَّ غفراً إِنَّمَا أَنْت مُحدث فاستمع إِنَّمَا نتحدث بِمثل هَذَا وأشباهه لنرهب هَذِه المعدية وَقَالَ مُحَمَّد بن سَلام أَبَت الْعَرَب إِلَّا أَن عمرا كَانَ يكذب قَالَ وَقلت لخلف الْأَحْمَر وَكَانَ مولى للأشعريين وَكَانَ يتعصب لليمانية أَكَانَ عَمْرو يكذب قَالَ كَانَ يكذب بِاللِّسَانِ وَيصدق بالفعال وَعَن زِيَاد مولى سعد قَالَ سَمِعت سَعْدا يَقُول وبلغه أَن عَمْرو بن معدي كرب وَقع فِي الْخمر وَأَنه قد دله لقد كَانَ لَهُ موطن صَالح يَوْم الْقَادِسِيَّة عَظِيم الْغناء شَدِيد النكاية لِلْعَدو فَقيل لَهُ فقيس بن مكشوح فَقَالَ هَذَا أبذل لنَفسِهِ من قيس وَإِن قيسا لشجاع

стр. 627

وَعَن أبي مُحَمَّد المرهبي قَالَ كَانَ شيخ يُجَالس عبد الْملك بن عُمَيْر فَسَمعته يحدث قَالَ قدم عُيَيْنَة بن حصن الْكُوفَة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا ثمَّ قَالَ وَالله مَا لي بِأبي ثَوْر عهد مُنْذُ قدمنَا هَذَا الْغَائِط يَعْنِي بَابي ثَوْر عَمْرو بن معدي كرب أَسْرج لي يَا غُلَام فاسرج لَهُ فرسا أُنْثَى من خيله فَلَمَّا قربهَا إِلَيْهِ ليرْكبَهَا قَالَ لَهُ وَيحك أرأيتني ركبت أُنْثَى فِي الْجَاهِلِيَّة فأركبها فِي الْإِسْلَام فأسرج لي حصاناً فأسرجه فَرَكبهُ وَأَقْبل إِلَى محلّة بني زبيد فَسَأَلَ عَن محلّة عَمْرو بن معدي كرب فأرشد إِلَيْهَا فَوقف بِبَابِهِ ونادى أَي أَبَا ثَوْر اخْرُج إِلَيْنَا فَخرج عَلَيْهِ مؤتزراً كَأَنَّمَا كسر وجبر فَقَالَ انْعمْ صباحاً أَبَا مَالك قَالَ أَو لَيْسَ قد أبدلنا الله بِهَذَا السَّلَام عَلَيْكُم قَالَ دَعْنَا مِمَّا لَا نَعْرِف انْزِلْ فَإِن عِنْدِي كَبْشًا شناحاً فَنزل فَعمد إِلَى الْكَبْش فذبحه ثمَّ كشط جلده عَنهُ وعضاه وألقاه فِي قدر جماع وطبخه حَتَّى إِذا أدْرك جَاءَ بِجَفْنَة عَظِيمَة فثرد فِيهَا وَألقى الْقدر عَلَيْهَا فقعدا فأكلاه ثمَّ قَالَ لَهُ أَي الشَّرَاب أحب إِلَيْك اللَّبن أم مَا كُنَّا نتنادم عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ أَو لَيْسَ قد حرمهَا الله علينا فِي الْإِسْلَام قَالَ أَنْت أكبر سنا أم أَنا قَالَ أَنْت قَالَ أفأنت اقدم إسلاماً أم أَنا قَالَ أَنْت قَالَ فَإِنِّي قد قَرَأت مَا بَين دفتي الْمُصحف فوَاللَّه مَا وجدت لَهَا تَحْرِيمًا إِلَّا أَنه قَالَ ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ فَقُلْنَا لَا فَسكت وسكتنا فَقَالَ لَهُ أَنْت أكبر سنا وأقدم ِإسلاماً فجَاء بهَا فَجَلَسَا يتنادمان ويشربان ويذكران أَيَّام الْجَاهِلِيَّة حَتَّى أمسيا فَلَمَّا أَرَادَ عُيَيْنَة

стр. 628

الِانْصِرَاف قَالَ عَمْرو بن معدي كرب وَلَئِن انْصَرف أَبُو مَالك بِغَيْر حباء إِنَّهَا لوصمة عَليّ فَأمر بِنَاقَة لَهُ أرحبية كَأَنَّهَا جبيرَة لجين فارتحلها وَحمله عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ يَا غُلَام هَات المزود فجَاء بمزود فِيهِ أَرْبَعَة آلف دِرْهَم فوضعها بَين يَدَيْهِ فَقَالَ أما المَال فوَاللَّه لَا قبلته قَالَ فوَاللَّه إِنَّه لمن حباء عمر بن الْخطاب ﵁ فَلم يقبله عُيَيْنَة وَانْصَرف وَهُوَ يَقُول (جُزيتَ أَبَا ثورٍ جزَاء كرَامةٍ ... فنعمَ الْفَتى المُزْدَارُ والمتضيِّف) (قَريتَ فأكرَمتَ القِرَى وأفدتنَا ... خَبيةَ عِلمٍ لم تكنْ قطُّ تُعرَفُ) (وقلتَ حلالٌ أَن نُدِيرَ مدامةً ... كلونِ انعقاق البْرق والليلُ مسدفُ) (وقدَّمتَ فِيهَا حجَّة عَرَبِيَّة ... ترد إِلَى الإنصَاف من لَيْسَ ينصفُ) (وأنتَ لنا وَالله ذِي العرشِ قدوةٌ ... إِذا صدَّنا عَن شربهَا المتكلفُ) (نقولُ أَبُو ثورٍ أحَلَّ حرامها ... وَقَول أبي ثَوْر أسَدُّ وأعرَفُ) // الطَّوِيل // وغزا عَمْرو بن معدي كرب هُوَ وَأبي الْمرَادِي فَأَصَابُوا غَنَائِم فَادّعى أبي أَنه قد كَانَ مسانداً فَأبى عَمْرو أَن يُعْطِيهِ شَيْئا وَبلغ عمرا أَنه يتوعده فَقَالَ عَمْرو فِي ذَلِك قصيدة أَولهَا (أعاذِل شكتي بدني ورُمحي ... وكل مقلِّص سَلسِ القيادِ) (أعاذل إِنَّمَا أفنى شَبَابِي ... وأقرحَ عَاتِقي ثقلُ النِّجادِ)

стр. 629

(تَمَنَّاني ليلقانِي أبيٌّ ... وددت وأينما منى ودادي) (وَلَو لاقيتني وَمَعِي سلاحي ... تكشَّفَ شحمُ قَلْبك عَن سَواد) (أُرِيد حَيَاته وَيُرِيد قَتْلِي ... عذيرَك من خَلِيلك من مُرَاد) // الوافر // وَهَذَا الْبَيْت كَانَ يتَمَثَّل بِهِ على بن أبي طَالب ﵁ إِذا أعْطى النَّاس وَرَأى ابْن ملجم قَاتله الله وَكَانَ سَبَب موت عَمْرو بن معدي كرب مَا حَكَاهُ ابْن قُتَيْبَة وَغَيره قَالُوا كَانَت مغازي الْعَرَب إِذْ ذَاك الرّيّ ودمستي فَخرج عَمْرو مَعَ شباب من مذْحج حَتَّى نزل الخان الَّذِي دون روذة فتعذى الْقَوْم ثمَّ نَامُوا وَقَامَ كل رجل مِنْهُم لقَضَاء حَاجته وَكَانَ عَمْرو إِذا أَرَادَ الْحَاجة لم يجترىء أحد أَن يَدعُوهُ وَإِن أَبْطَأَ فَقَامَ النَّاس للرحيل وترحلوا إِلَّا من كَانَ فِي الخان الَّذِي فِيهِ عَمْرو فَلَمَّا أَبْطَأَ صحنا بِهِ يَا أَبَا ثَوْر فَلم يجبنا وَسَمعنَا علزا شَدِيدا ومراساً فِي الْموضع الَّذِي دخله فقصدناه وَإِذا بِهِ محمرة عَيناهُ مائلا شدقه مفلوجاً فحملناه على فرس وأمرنا غُلَاما شَدِيد الذِّرَاع فارتدفه ليعدل ميله فَمَاتَ بروذة وَدفن على قَارِعَة الطَّرِيق فَقَالَت امْرَأَته الجعفية ترثية (لقد غادر الركبُ الَّذين تحملوا ... بروذة شخصا لَا ضَعِيفا وَلَا غمرَا) (فَقل لزبيد بل لمذحج كلِّها ... فقدْتُمْ أَبَا ثَوْر سنانكم عَمْرَا) (فإِن تجزعوا لَا يُغْنِ ذَلِك عَنْكُم ... وَلَكِن سلوا الرَّحْمَن يعقبكم صبرا) // الطَّوِيل //

стр. 630

١١٩ - (قَالُوا اقترح شَيْئا نجد لَك طبخه ... قلت اطبخوا لي جُبَّةً وقميصا) الْبَيْت من الْكَامِل وقائله أَبُو الرقعمق يرْوى أَنه قَالَ كَانَ لي إخْوَان أَرْبَعَة وَكنت أنادمهم أَيَّام الْأُسْتَاذ كافور الإخشيدي فَجَاءَنِي رسولهم فِي يَوْم بَارِد وَلَيْسَت لي كسْوَة تحصنني من الْبرد فَقَالَ إخوانك يقرأون عَلَيْك السَّلَام وَيَقُولُونَ لَك قد اصطبحنا الْيَوْم وذبحنا شَاة سَمِينَة فاشته علينا مَا نطبخ لَك مِنْهَا قَالَ فَكتبت إِلَيْهِم (إخواننَا قصدُوا الصبوحَ بسحرة ... فَأتى رسولُهُمُ إليَّ خُصُوصا) (قَالُوا اقترح شَيْئا نجد لَك طبخه ... قلت اطبخوا لي جُبَّة وقميصا) // الْكَامِل // قَالَ فَذهب الرَّسُول بالرقعة فَمَا شَعرت حَتَّى عَاد وَمَعَهُ أَربع خلع وَأَرْبع صرر فِي كل صرة عشرَة دَنَانِير فَلبِست إِحْدَى الْخلْع وصرت إِلَيْهِم وَالشَّاهِد فِيهِ المشاكلة وَهِي ذكر الشَّيْء بِلَفْظ غَيره لوُقُوعه فِي صحبته تَحْقِيقا أَو تَقْديرا وَهِي هُنَا قَوْله اطبخوا فَإِنَّهُ أَرَادَ خيطوا فَذكر خياطَة الْجُبَّة والقميص بِلَفْظ الطَّبْخ لوقوعها فِي صُحْبَة طبخ الطَّعَام وَمثل الْبَيْت قَول ابْن جَابر الأندلسي (قَالُوا اتخذ دُهناً لقلبك يَشْفِهِ ... قلتُ ادهنوه بخدها المتوردِ) // الْكَامِل // وَذكرت باشتهاء أبي الرقعمق قَول بَعضهم (قَالَ لي عُوَّدي غَدَاة أَتَوْنِي ... مَا الَّذِي تشتهيه واجتهدوا بِي) (قلتُ مُغْلًى فِيهِ لسانُ وشاةٍ ... قطعوه فِيهِ بضع عَجِيب) (وَأُضيفت إِلَيْهِ كبْدُ حسودٍ ... فُقِئت فَوْقهَا عُيُون الرقيبِ) // الْخَفِيف // وَقَول الآخر (عِنْدِي لكم يَوْم التواصُل فرحةٌ ... يَا معشر الجلساء والندماء)

стр. 631

(أشوي قلوبَ الحاسدينَ بهَا وَألسنةَ الوشاة وأعين الرقباء ... ) // الْكَامِل // وَمن أَمْثِلَة المشاكلة قَول عَمْرو بن كُلْثُوم فِي معلقته (أَلا لَا يجهلنْ أحدٌ علينا ... فنجهل فَوقَ جهل الجاهلينَا) // الوافر // أَرَادَ فنجازيه على جَهله فَجعل لَفْظَة فنجهل مَوضِع فنجازيه لأجل المشاكلة وَمثل الأول مَا حُكيَ عَن عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر أَنه كَانَ يشرب فِي متنزه وَعِنْده ماني الموسوس فَقَالَ عبيد الله (أرى غيما تؤلفه جنوبٌ ... وأحسب أَن ستأتينا بهطلِ) (فحزمُ الرَّأْي أَن تَأتي برطلِ ... فتشربهُ وتأتيني برطل) // الوافر // فَقَالَ مَا هَكَذَا قَالَ الشَّاعِر وَإِنَّمَا هُوَ (أرَى غيماً تؤلفهُ جنوبٌ ... أرَاهُ على مساءتنا حَريصَا) (فَحرم الرَّأْي أَن تَأتي برطلٍ ... فتشربهُ وتكسوني قميصَا) وَأَبُو الرقعمق هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَنْطَاكِي الشَّاعِر الْمَشْهُور ذكره الثعالبي فِي الْيَتِيمَة فَقَالَ هُوَ نادرة الزَّمَان وَجُمْلَة الْإِحْسَان مِمَّن تصرف بالشعر الجزل فِي أنواح الْجد والهزل وأحرز قصبات الْفضل وَهُوَ أحد المداح المجيدين وَالشعرَاء الْمُحْسِنِينَ وَهُوَ بِالشَّام كَابْن حجاج بالعرق ومدح مُلُوك مصر ووزراءها فَمن غرر شعره قَوْله يمدح الْوَزير يَعْقُوب بن كلس

стр. 632

(قد سمعنَا مقالهُ واعتذارهُ ... وأقلناهُ ذنبهُ وعثارَهْ) (والمعاني لمنْ عنيتُ ولكنْ ... بك عرَّضتُ فاسمعي يَا جَاره) // الْخَفِيف // مِنْهَا (سَحَرتني ألحاظهُ وَكَذَا كلُّ مليحٍ عيونهُ سَحَّارهْ ... ) (مَا عَلىَ مؤثرِ التباعدِ والإعراض لَو آثرَ الرِّضَا والزيارَهْ ... ) وَهِي طَوِيلَة وَأكْثر شعره جيد على هَذَا الأسلوب مثل صريع الدلاء والقصار وَمن شعره على طَرِيق ابْن حجاج قَوْله (كتبَ الحصيرُ إِلَى السرير ... أَن الفصيلَ ابنُ البعيرِ) (فلأمنعنَّ حِمَارَتي ... سنتَيْن من أكل الشّعير) (لاهم إِلَّا أَن تطير ... من الهزَال مَعَ الطُّيُور) (ولأخبرَنكَ قصتِي ... فلقدْ سَقَطت على الخبيرِ) (إنّ الَّذين تصافَعُوا ... بالقرعِ فِي زَمن القشُورِ) (أسِفوا عَلَيَّ لأنهمْ ... حَضَرُوا وَلم أكُ فِي الحضورِ) (لَوْ كنتُ ثمّ لقيل هَلْ ... منْ آخذٍ بيدِ الضريرِ) (وَلَقَد دخلت على الصّديق الْبَيْت فِي الْيَوْم المطير ... ) (متشمراً متبختِراً ... للصفع بالدَّلوِ الْكَبِير) (فأدرت حِين تبَادرُوا ... دلوي فَكَانَ على المدير) (يَا للرجالِ تَصَافعوا ... فالصفعُ مفتاحُ السرورِ)

стр. 633

(هُوَ فِي الْمجَالِس كالبخور ... وكالقلائدِ فِي النحورِ) // من مجزوء الْكَامِل // وَله قصيدة طَوِيلَة مَشْهُورَة أَولهَا (وقوققى وقوققى ... هَدِيَّة فِي طبقِ) (أما ترَوْنَ بَيْنكُم ... تيْساً طَوِيل الْعُنُق) // من مجزوء الرجز // وَكَانَت وَفَاته سنة تسع وَتِسْعين وثلثمائة ١٢٠ - (إِذا مَا نهى النَّاهي فلَج بِي الْهوى ... أصاختْ إِلَى الواشي فلَجَّ بهَا الهجْرُ) الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الطَّوِيل فِي الْفَتْح بن خاقَان أَولهَا (مَتى لَاحَ برقٌ أَو بدا طللٌ قفرُ ... جرى مُسْتَهِلٌّ لَا بطىء وَلَا نَزْرُ) (وَمَا الشوق إِلَّا لوعةٌ بعد لوعةٍ ... وغُزْر من الآماق تتبعُها غزرُ) (فَلَا تذكرا عهْدَ التصابي فَإِنَّهُ ... تقضَّي وَلم يشعرْ بِهِ ذَلِك الْعَصْر) إِلَى أَن يَقُول فِيهَا (هَل الْعَيْش إِلَّا أَن تساعفنا النَّوَى ... بوَصْل سُعَاد أَو يساعدَنا الدهرُ) إِلَى أَن يَقُول فِيهَا

стр. 634

(على أَنَّهَا مَا عِنْدهَا لمُوَاصِلٍ ... وصالٌ وَلَا عَنْهَا لمصطبرٍ صبرُ) وَبعده الْبَيْت وَهِي طَوِيلَة يَقُول مِنْهَا فِي المخلص (لعمرَّكَ مَا الدُّنْيَا بناقصة الْجَدَا ... إِذا بقىَ الفَتحُ بن خاقَان والقطر) // الطَّوِيل // وَمعنى أصاخت استمعت والواشي النمام الَّذِي يشي حَدِيثه ويزينه وَالشَّاهِد فِيهِ المزاوجة وَهِي أَن يزاوج الْمُتَكَلّم بَين مَعْنيين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فَهُنَا زواج بَين نهي الناهي وإصاختها إِلَى الواشي الواقعين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي أَن يَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا لجاج شَيْء وَمثله قَوْله أَيْضا (إِذا احتربت يَوْمًا فَفَاضَتْ دماؤُها ... تذكرت الْقُرْبَى فَفَاضَتْ دموعُها) // الطَّوِيل // فزاوج بَين الاحتراب وتذكر الْقُرْبَى الواقعين فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي ترَتّب فيضان شَيْء عَلَيْهِمَا وَمن المزاوجة قَول أبي تَمام (وَكُنَّا جمعيا شَرِيكي عنان ... رضيعى لبان خليلى صفاء) // المتقارب // وَفِي معنى صدر الْبَيْت قَول أبي نواس (دَعْ عَنْكَ لومي فَإِن اللَّوْمَ إغراءُ ... ودَاوِنِي بِالَّتِي كَانَت هِيَ الدَّاء) // الْبَسِيط // وَقَول ابْن زُرَيْق الْبَغْدَادِيّ (لَا تَعْذِليه فإنَّ العذل يُولِعُه ... قد قلتِ حَقَّاً وَلَكِن لَيْسَ يسمعهُ) // الْبَسِيط // وَقَول ابْن شرف القيرواني (قلْ للعذول لَو اطَّلَعت على الَّذِي ... عاينتهُ لعناكَ مَا يعنيني)

стр. 635

(أتصدُّني أم للغرَام ترُدُّني ... وتلومني فِي الحبّ أمْ تُغْرِينِي) (دَعنِي فلستَ مُعَاقباً بجنايتِي ... إِذْ ليسَ دينكَ لي وَلَا لَك ديني) // الْكَامِل // وَقَول الصابي (أَيهَا اللائم والمضيق صَدْرِي ... لَا تلمني فكثرةُ اللوم تُغْرِي) (قَدْ أقامَ القَوَامُ حجَّة عشقي ... وأبانَ العذارُ فِي الحبّ عُذْري) // الْخَفِيف // ١٢ - (قِفْ بالديار الَّتِي لم يعفها القدمُ ... بلىَ وغيرَها الأرواحُ والدِّيَمُ) الْبَيْت من الْبَسِيط وَهُوَ أول قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بهَا هرم بن سِنَان وَبعده (لَا الدارُ غيرَها بعد ُالأنيسُ ولَا ... بالدارِ لَو كَلَّمَتْ ذَا حَاجَة صممُ) (دارٌ لأسماء بالغمرَين ماثلةٌ ... كالوحي لي لَهَا من أَهلهَا أرِمُ) يَقُول مِنْهَا فِي مدحه (إِن الْبَخِيل ملوم حَيْثُ كَانَ ولكنّ ... الجوادَ على علاته هرم)
следующие страницы →