Полный текст (1 443 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وَقَالَ الأخطل
(قَلِيلُ غِرارِ النَّوْمِ حَتَّى تَقَلَّصُوا ... عَلى كالقَطَا الجُونِّى أَفْزَعَها الزَّجْرُ)
أَرَادَ مثل القطا
وَأما الْبَاء فَمَعْنَاه الإلصاق بالشَّيْء وَذَلِكَ قَوْلك مَرَرْت بزيد فالباء ألصقت مرورك بزيد وَكَذَلِكَ لصقت بِهِ وأشمت النَّاس بِهِ
стр. 1157
ومنذ فِي الْأَيَّام والليالي لابتداء الغايات بِمَنْزِلَة من فِي سَائِر الْأَسْمَاء وَذَلِكَ قَوْلك لم أره مُنْذُ يَوْمَيْنِ فالغاية فِي الرُّؤْيَة مِمَّا يَلِي أول الْيَوْمَيْنِ
وَاللَّام الزَّائِدَة مَعْنَاهَا الْملك وَالتَّحْقِيق
وَأما الْأَسْمَاء المضافة إِلَى الْأَسْمَاء بأنفسها فَتدخل على معنى اللَّام وَذَلِكَ قَوْلك المَال لزيد كَقَوْلِك مَال زيد وكمل تَقول هَذَا أَخ لزيد وجار لزيد وَصَاحب لَهُ فَهَذَا بِمَنْزِلَة قَوْله جَاره وَصَاحبه
فَلَا فصل بَينهمَا إِلَّا أَن اللَّام إِذا حَالَتْ بَين الاسمين لم يكن الأول معرفَة بِالثَّانِي من أجل الْحَائِل
فَإِذا أضفت الِاسْم إِلَى الِاسْم بعده بِغَيْر حرف كَانَ الأول نكرَة وَمَعْرِفَة بِالَّذِي بعده
فَإِذا أضفت اسْما مُفردا إِلَى اسْم مثله مُفْرد أَو مُضَاف صَار الثَّانِي من تَمام الأول وصارا جَمِيعًا اسْما وَاحِدًا وانجر الآخر بِإِضَافَة الأول إِلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْلك هَذَا عبد الله وَهَذَا غُلَام زيد وَصَاحب عَمْرو
وَلَا تدخل فِي الأول ألفا وَلَا لاما وتحذف مِنْهُ التَّنْوِين
وَذَلِكَ أَن التَّنْوِين زَائِد فِي الِاسْم وَكَذَلِكَ الْإِضَافَة وَالْألف وَاللَّام فَلَا يحْتَمل الِاسْم زيادتين
أَلا ترى أَنَّك تَقول هَذَا غُلَام فَاعْلَم فَإِن زَادَت الْألف وَاللَّام قلت هَذَا الْغُلَام يَا فَتى وَكَذَلِكَ إِن أدخلت الْإِضَافَة قلت هَذَا غُلَام زيد وَهَذِه ثَلَاثَة دَرَاهِم
فَإِن أردْت تَعْرِيف الأول عرفت الثَّانِي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون الأول معرفَة بِمَا أضفته إِلَيْهِ
стр. 1158
أَلا ترى أَنَّك تَقول هَذَا غُلَام رجل فَيكون نكرَة فَإِذا أردْت تَعْرِيفه قلت هَذَا غُلَام الرجل وَهَذَا صَاحب المَال
وَكَذَلِكَ هَذِه ثَلَاثَة الأثواب وَخَمْسَة الدَّرَاهِم وَمثل ذَلِك قَول الشَّاعِر
(وهَلْ يَرْجِعُ التسلِيمَ أَوْ يَدْفَعُ البُكا ... ثَلاثُ الأَثَافي والديارُ البَلاقِعُ)
ٍ فَإِذا ثنيت الْوَاحِد ثمَّ أردْت إِضَافَته حذفت النُّون من الِاثْنَيْنِ النُّون وَالْألف وَاللَّام فَقلت هَذَانِ غُلَاما زيد وصاحبا عَمْرو وحذفت الْألف وَاللَّام وَالنُّون كَمَا فعلت فِي الْوَاحِد وَكَذَلِكَ الْجمع نَحْو هَؤُلَاءِ مسلمو زيد وصالحو قَومهمْ
فَإِن كَانَ الِاسْم الَّذِي تضيفه مشتقا من الْفِعْل عَاملا فِيمَا بعده فَإِن الثَّانِي يدْخل فِي صلَة الأول وَذَلِكَ قَوْلك هَذَا ضَارب زيد وَهَذَانِ ضَارِبًا زيد وَهَؤُلَاء ضاربو زيد
فَإِن أدخلت الْألف وَاللَّام فِي الأول فَهُوَ الْجيد لِأَن مَعْنَاهَا معنى الَّذِي فَلذَلِك دخلتا
فَإِذا قلت فِي الْوَاحِد هَذَا الضَّارِب زيدا وَهُوَ الْقَاتِل الرجل فَمَعْنَاه الَّذِي ضرب زيدا وَالَّذِي قتل الرجل فتنصب مَا بعده لِأَن فِيهِ معنى الْفِعْل وَلَا معنى للأسماء غير المشتقة فِي ذَلِك
أَلا ترى أَنَّك لَو قلت هَذَا الْغُلَام زيدا كَانَ محالا
فَإِن ثنيت الِاسْم الْمُشْتَقّ من الْفِعْل لم تعاقب الْإِضَافَة الْألف وَاللَّام كَمَا لَا تعاقبها النُّون وَلَكِن تكون الْإِضَافَة معاقبة للنون وَذَلِكَ قَوْلك هَذَانِ الضاربان فَتثبت النُّون مَعَ الْألف وَاللَّام لِأَنَّهَا أقوى من التَّنْوِين وَذَلِكَ أَنَّهَا بدل من التَّنْوِين وَالْحَرَكَة فِي الْوَاحِد كَمَا قلت هَذَانِ الغلامان
стр. 1159
وَتقول هَذَانِ الضاربان زيدا والشاتمان عمرا والمكرمون أَخَاك والنازلون دَارك وَمن ذَلِك قَول الله ﴿والمقيمين الصَّلَاة والمؤتون الزَّكَاة﴾ وَقَالَ الْقطَامِي
(الضَّارِبُونَ عُمَيْراً عَنْ دِيارِهِمُ ... بالتَّلِّ يَوْمَ عُمَيْرٌ ظَالِمٌ عادِي)
فَإِذا أسقطت النُّون أضفت وجررت فَقلت هم الضاربو زيد وهما الشاتما عَمْرو كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(الفَارِجُو بَابِ الأَمَيرِ المُبْهَمِ ... )
وَقَالَ الْأنْصَارِيّ وَأنْشد هَذَا الْبَيْت مَنْصُوبًا عَنهُ وَهُوَ
(الحافِظُو عَوْرَةَ العَشِيرَةِ لَا ... يَأْتِيهِمُ مِنْ وَرَائِنا نطَفُ)
فَهَذَا لم يرد الْإِضَافَة فَحذف النُّون بِغَيْر معنى فِيهِ وَلَو أَرَادَ غير ذَلِك لَكَانَ غير الْجَرّ خطأ وَلكنه حذف النُّون لطول الِاسْم إِذْ صَار مَا بعد الِاسْم صلَة لَهُ وَالدَّلِيل على ذَلِك
стр. 1160
حذفهم النُّون مِمَّا لم يشتق من فعل وَلَا تجوز فِيهِ الْإِضَافَة فيحذفون لطول الصِّلَة فَمن ذَلِك قَول الأخطل
(أَبَنِي كُلَيْبٍ إِنَّ عَمَّيَّ اللَّذَا ... قَتَلا المُلُوكَ وفكَّكَا الأَغْلالا)
فَحذف النُّون من الَّذين وَقَالَ الْأَشْهب بن رميلة
(إِنَّ الذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهُمْ ... هُمُ القومُ كلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ)
فَإِن قَالَ قَائِل مَا بالك لَا تَقول فِي الِاسْم غير الْمُشْتَقّ إِذا ثنيته أَو جمعته بِالْإِضَافَة مَعَ الْألف وَاللَّام فَتَقول هما الغلاما زيد كَمَا تَقول هما الضاربا زيد؟
стр. 1161
قيل لَهُ إِنَّمَا يَقع الْحَذف فِي الْمُشْتَقّ لِأَنَّهُ يجوز أَن تَقول هما الضاربان زيدا والضاربون عمرا وَلَا يكون هَذَا فِي الْغُلَام إِذا ثنيته فَلَمَّا كَفَفْت النُّون عاقبها مَا كَانَ مُسْتَعْملا بعْدهَا
وَمَا لم يشتق من الْفِعْل لَا معنى للاسم الثَّانِي بعد النُّون فِيهِ
أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول هَذَانِ الغلامان زيدا وَلَا هَؤُلَاءِ الصاحبون مُحَمَّدًا
стр. 1162
هَذَا بَاب اسْم الْفَاعِل الَّذِي مَعَ الْفِعْل الْمُضَارع
وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك هَذَا ضَارب زيدا فَهَذَا الِاسْم إِن أردْت بِهِ معنى مَا مضى فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك غُلَام زيد
تَقول هَذَا ضَارب زيد أمس وهما ضَارِبًا زيد وهم ضاربو عبد الله وَهن ضاربات أَخِيك كل ذَلِك إِذا أردْت بِهِ معنى الْمَاضِي لم يجز فِيهِ إِلَّا هَذَا لِأَنَّهُ اسْم بِمَنْزِلَة قَوْلك غُلَام زيد وأخو عبد الله
أَلا ترى أَنَّك لَو قلت هَذَا غُلَام زيدا كَانَ محالا
فَكَذَلِك اسْم الْفَاعِل إِذا كَانَ مَاضِيا لَا تنونه لِأَنَّهُ اسْم وَلَيْسَت فِيهِ مضارعة الْفِعْل
وَلَا يجوز أَن تدخل عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام وتضيفه كَمَا لم يجز ذَلِك فِي الْغُلَام فَهُوَ كالأسماء الَّتِي لَا معنى للْفِعْل فِيهَا
وَتقول هَؤُلَاءِ حواج بَيت الله أمس ومررت بِرَجُل ضارباه الزيدان ومررت بِقوم ملازموهم إِخْوَتهم فتثني وَتجمع لِأَنَّهُ اسْم كَمَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل أَخَوَاهُ الزيدان وَأَصْحَابه إخْوَتك
стр. 1163
فَإِن جعلت اسْم الْفَاعِل فِي معنى مَا أَنْت فِيهِ وَلم يَنْقَطِع أَو مَا تَفْعَلهُ بعد وَلم يَقع جرى مجْرى الْفِعْل الْمُضَارع فِي عمله وَتَقْدِيره لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وَذَلِكَ قَوْلك زيد أكل طَعَامك السَّاعَة إِذا كَانَ فِي حَال أكل وَزيد آكل طَعَاما غَدا كَمَا تَقول زيد يَأْكُل السَّاعَة إِذا كَانَ فِي حَال أكل وَزيد يَأْكُل غَدا
وَتقول على هَذَا أَخَوَاك آكلان طَعَاما وقومك ضاربون زيدا وأخواتك ضاربات عمرا
وَتقول مَرَرْت بِرَجُل ضَارب زيدا فتصفه بِهِ لِأَنَّهُ نكرَة مثله كَمَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل يضْرب زيدا
وَلَو قلت ذَلِك فِي اسْم الْفَاعِل إِذا أردْت مَا مضى لم يَقع ذَا الْموقع وَذَلِكَ أَنَّك لَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل ضَارب زيد إِلَّا على الْبَدَل كَمَا لَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل غُلَام زيد
وَتقول مَرَرْت بزيد ضَارِبًا عمرا إِذا أردْت الَّتِي تجرى مجْرى الْفِعْل فَإِن أردْت الْأُخْرَى قلت مَرَرْت بزيد ضَارب عَمْرو كَمَا تَقول مَرَرْت بزيد غُلَام عَمْرو
وَاعْلَم أَنه قد يجوز لَك أَن تحذف النُّون والتنوين من الَّتِي تجْرِي مجْرى الْفِعْل وَلَا يكون الِاسْم إِلَّا نكرَة وَإِن كَانَا مُضَافا إِلَى معرفَة لِأَنَّك إِنَّمَا تحذف النُّون اسْتِخْفَافًا فَلَمَّا ذهب النُّون عَاقبَتهَا الْإِضَافَة وَالْمعْنَى معنى ثبات النُّون فَمن ذَلِك قَول الله ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة﴾ فَلَو لم ترد التَّنْوِين لم يكن صفة لهدي وَهُوَ نكرَة
стр. 1164
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ و ﴿ثَانِي عطفه﴾ لِأَنَّهُ نصب على الْحَال وَلَا تكون الْحَال إِلَّا نكرَة
وَمن ذَلِك قَول الله ﴿إِنَّا مرسلو النَّاقة﴾ فَإِنَّمَا هَذَا حِكَايَة قَول الله قبل إرسالها
وَكَذَلِكَ ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا﴾ و ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ وَمن نون قَالَ ﴿آتٍ الرَّحْمَن عبدا﴾ و ﴿ذائقة الْمَوْت﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام﴾ وَهَذَا هُوَ الأَصْل وَذَاكَ أخف وَأكْثر إِذْ لم يكن ناقضاً لِمَعْنى وَكِلَاهُمَا فِي الْجَوْدَة سَوَاء قَالَ جرير
(يَا رُبَّ غَابِطِنَا لَوْ كانَ يَطْلُبُكُمْ ... لَاقَى مُباعَدةً مِنْكُمْ وَحِرْمانا)
فَرب لَا تقع إِلَّا على نكرَة وَإِنَّمَا حذف التَّنْوِين اسْتِخْفَافًا وَهُوَ يُرِيد رب غابط لنا وَمثله
стр. 1165
(هَلْ أنْتَ بَاعِثُ دِينارٍ لحاجَتِنا ... أَوْ عبدَ ربٍّ أَخَا عَوْنِ بنِ مِخْراقِ)
أَرَادَ باعث دِينَارا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَفْهِمهُ عَمَّا سيقع
وَنصب الثَّانِي لِأَنَّهُ أعمل فِيهِ الْفِعْل كَأَنَّهُ قَالَ أَو باعث عبد رب وَلَو جَرّه على مَا قبله كَانَ عَرَبيا جيدا مثل النصب
وَذَلِكَ لِأَن من شَأْنهمْ أَن يحملوا الْمَعْطُوف على مَا عطف عَلَيْهِ نَحْو هَذَا ضَارب زيد وَعَمْرو غَدا وينصبون عمرا إِلَّا أَن الثَّانِي كلما تبَاعد من الأول قوي النصب واختير نَحْو قَوْلك هَذَا معطي زيد الدَّرَاهِم وعمرا الدَّنَانِير والجر جيد بَالغ
وَلَو قلت هَذَا معطي زيد الْيَوْم الدَّرَاهِم وَغدا عمرا الدَّنَانِير لم يصلح فِي عَمْرو إِلَّا النصب لِأَنَّك لم تعطف الِاسْم على مَا قبله وَإِنَّمَا أوقعت الْعَطف على الظّرْف فَلم يقو الْجَرّ
أَلا ترى أَنَّك تَقول مَرَرْت بزيد وَعَمْرو وَلَا تَقول مَرَرْت أمس بزيد وَالْيَوْم عَمْرو فَإِذا أعملته عمل الْفِعْل جَازَ لِأَن الناصب ينصب مَا تبَاعد مِنْهُ
стр. 1166
أَلا ترى أَنَّك تَقول هَذَا ضَارب الْيَوْم زيدا وَغدا عمرا كَمَا تَقول هَذَا يضْرب الْيَوْم زيدا وَغدا عمرا
وَكَذَلِكَ تَقول هَذَا ضاربك وزيدا غَدا لما لم يجز أَن تعطف الظَّاهِر على الْمُضمر الْمَجْرُور حَملته على الْفِعْل كَقَوْل الله ﴿إِنَّا منجوك وَأهْلك﴾ كَأَنَّهُ قَالَ ومنجون أهلك وَلم تعطف على الْكَاف المجررة
وَمِمَّا تنشده الْعَرَب نصبا وجرا لاشتمال الْمَعْنى عَلَيْهِمَا جَمِيعًا قَول لبيد
(فإِنْ لمْ تَجِدْ مِنْ دُونِ عَدْنَانَ والِدًا ... ودُونَ معدٍّ فَلْتَزَعْكَ العَوَاذِلُ)
ينصبون دون ويجرونها وَقَالَ الفرزدق
(قُعُودٌ لَدَى الأَبْوابِ طُلَاّبُ حَاجَة ... عوانٍ مِن الحاجَاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرًا)
стр. 1167
وَقَالَ جرير
(جِيئُو بِمِثْلِ بني بَدْرٍ لِقَومِهِمُ ... أَوْ مِثْلَ أُسْرَةِ منْظورِ بنِ سَيَّارِ)
يجرونَ مثل وينصبونها فَمن جر فعلى الأول وَمن نصب فعلى أَو هاتوا مثل أسرة لِأَن هَذَا إِذا أضمر لم يخرج من معنى الأول وَمن قَالَ هَذَا قَالَ خشنت بصدرك وَصدر زيد على الْموضع
стр. 1168
وعَلى نَحْو من هَذَا أَجَازُوا مَرَرْت بزيد وعمرا لِأَن مَعْنَاهَا أتيت فَحَمله على الْمَعْنى إِذْ كَانَ قَوْلك بزيد بعد مَرَرْت فِي مَوضِع نصب وَقَالَ الشَّاعِر
(أَلَا حَىَّ نَدْمَانِي عُمَيْرَ بْنَ عَامِرٍ ... إِذَا مَا تَلاقَيْنَا مِنَ اليَوْمِ أَوْ غَدا)
كَأَنَّهُ قَالَ أَو تلاقينا غَدا
وَاعْلَم أَن اسْم الْفَاعِل إِذا كَانَ لما مضى فَقلت هَذَا ضَارب زيد أمس وَعَمْرو وَهَذَا معطي الدَّرَاهِم أمس وَعَمْرو جَازَ لَك أَن تنصب عمرا على الْمَعْنى لبعده من الْجَار فكأنك قلت وَأعْطى عمرا فَمن ذَلِك قَول الله ﴿وجاعل اللَّيْل سكنا وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا﴾ على معنى وَجعل فنصب
стр. 1169
هَذَا بَاب من مسَائِل الْفَاعِل
تَقول مَرَرْت بِرَجُل قَائِم أَبوهُ فَترفع الْأَب بِفِعْلِهِ وتجري قَائِما على رجل لِأَنَّهُ نكرَة وَصفته بنكرة فَصَارَ كَقَوْلِك مَرَرْت بِرَجُل يقوم أَبوهُ
فَإِن قَالَ قَائِل قد علمنَا أَن الْقيام للْأَب فَكيف يجوز أَن يجْرِي على رجل
قيل لَهُ لِأَن قَوْلك قَائِم أَبوهُ إِنَّمَا هُوَ صفة للرجل فِي الْحَقِيقَة
أَلا ترى أَنَّك قد حليت الرجل بِقِيَام أَبِيه كَمَا تحليه بِفِعْلِهِ وفصلت بِهَذِهِ الصّفة بَينه وَبَين رجل لم يقم أَبوهُ كَمَا أَنَّك إِذا قلت مَرَرْت بِرَجُل قَائِم فصلت بَينه وَبَين من لم يقم وَلَو قلت مَرَرْت بِرَجُل قَائِم أَبوهُ تُرِيدُ بقائم التَّأْخِير كَأَنَّك قلت مَرَرْت بِرَجُل أَبوهُ قَائِم ثمَّ قدمت على هَذِه الْجِهَة كَانَ جيدا وَكنت تَقول على هَذَا الشَّرْط مَرَرْت بِرَجُل قائمان أَبَوَاهُ لِأَنَّك تُرِيدُ أَبَوَاهُ قائمان
وعَلى القَوْل الأول وَهُوَ الأجود مَرَرْت بِرَجُل قَائِم أَبَوَاهُ وقائم آباؤه لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْفِعْل الْمُقدم
وَتقول مَرَرْت بزيد ضَارِبًا عمرا أَخَوَاهُ ومررت بجاريتك قَائِما إِلَيْهَا أَبَوَاك وَهَذَا رجل ملازمه إخْوَته أردْت ملازم لَهُ إخْوَته فطرحت التَّنْوِين اسْتِخْفَافًا على مَا وصفت لَك فِي الَّذِي قبله
стр. 1170
وَتقول زيدا عَمْرو ضَارب كَمَا تَقول زيدا عَمْرو يضْرب
وَلَو قلت زيدا عَمْرو الضَّارِب لم يجز لِأَن الْفِعْل صَار فِي الصِّلَة
وَلَو قلت عبد الله جاريتك أَبوهَا ضَارب كَانَ بَين النَّحْوِيين فِيهَا اخْتِلَاف وَذَلِكَ أَن بَعضهم يَقُول إِذا قلت عبد الله زيد ضَارب فَإِنَّمَا نصبت عبد الله بضارب الَّذِي هُوَ خبر زيد فكأنك قلت زيد يضْرب عبد الله وَزيد ضَارب عبد الله
فَإِذا قلت عبد الله جاريتك أَبوهَا ضَارب فالجارية ابْتِدَاء وأبوها ابْتِدَاء ثَان وضارب خبر أَبِيهَا وهما جَمِيعًا خبر الْجَارِيَة فقد تبَاعد آخر الْكَلَام من أَوله
وَلَيْسَ مَا قَالُوا فِي كَرَاهِيَة النصب بِشَيْء وَذَاكَ لِأَن ضَارِبًا يجْرِي مجْرى الْفِعْل فِي جَمِيع أَحْوَاله من الْعَمَل فالتقديم وَالتَّأْخِير فِي الْفِعْل وَمَا كَانَ خَبرا للْأولِ مُفردا أَو مَعَ غَيره فمجراهما وَاحِد
وَإِنَّمَا يكره الْفَصْل بَين الْعَامِل والمعمول فِيهِ بِمَا لَيْسَ مِنْهُ نَحْو قَوْلك كَانَت زيدا الْحمى تَأْخُذ فتنصب زيدا بتأخذ وَتَأْخُذ خبر كَانَ وتفصل بزيد بَين اسْم كَانَ وخبرها وَلَيْسَ زيد لَهَا باسم وَلَا خبر فَهَذَا الَّذِي لَا يجوز
أَو يكون الْعَامِل غير متصرف فَلَا يجْرِي مجْرى الْفِعْل نَحْو عِنْدِي عشرُون الْيَوْم درهما وَإِن منطلق زيدا وزيدا إِن منطلق فَهَذَا الَّذِي لَا يجوز
فَأَما إِذا كَانَ الْعَامِل متصرفا وَلم تفصل بَينه وَبَين الْمَعْمُول فِيهِ بِشَيْء لَيْسَ مِنْهُ وَلَا بِسَبَبِهِ فعمله فِيهِ كعمله إِذا وليه وَقد فسرنا مثل هَذَا فِيمَا مضى
стр. 1171
وَمثل ذَلِك من المصادر أعجبني الْيَوْم ضرب زيدا عمرا إِن جعلت الْيَوْم نصبا بأعجبني فَهُوَ جيد
وَإِن نصبته بِالضَّرْبِ كَانَ محالا وَذَلِكَ لِأَن الضَّرْب فِي معنى أَن فعل وَأَن يفعل فمحال أَن ينصب مَا قبله لِأَن مَا بعده فِي صلته وَلَا يعْمل إِلَّا فِيمَا كَانَ من تَمَامه فَيصير بعض الِاسْم وَلَا يقدم بعض الِاسْم على أَوله
فَإِن لم يكن فِي معنى أَن وصلتها أعملته عمل الْفِعْل إِذْ كَانَ نكرَة مثله فَقدمت فِيهِ وأخرت وَذَلِكَ قَوْلك ضربا زيدا وَإِن شِئْت قلت زيدا ضربا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي معنى أَن إِنَّمَا هُوَ أَمر
فقولك ضربا زيدا ينْتَصب بِالْأَمر كَأَنَّك قلت اضْرِب إِلَّا أَنه صَار بَدَلا من الْفِعْل لما حذفته
أَلا ترى أَن قَوْلك سقيا بِمَنْزِلَة سقاك الله ومرحبا بدل من قَوْلك رَحبَتْ بلادك فعلى هَذَا يجْرِي مَا وصفت لَك فِي الإعمال والتقديم وَالتَّأْخِير
стр. 1172
(هَذَا بَاب الصّفة المشبهة بالفاعل فِيمَا يعْمل فِيهِ)
(وَإِنَّمَا تعْمل فِيمَا كَانَ من سَببهَا وَذَلِكَ كَقَوْلِك هَذَا حسن الْوَجْه وَكثير المَال)
اعْلَم أَن هَذِه الصّفة إِنَّمَا حَدهَا أَن تَقول هَذَا رجل حسن وَجهه وَكثير مَاله فَترفع مَا بعد حسن وَكثير بفعلهما لِأَن الْحسن إِنَّمَا هُوَ للْوَجْه وَالْكَثْرَة إِنَّمَا هِيَ لِلْمَالِ فَهَذَا بِمَنْزِلَة قَوْلك هَذَا رجل قَائِم أَبوهُ وقاعد أَخُوهُ وَيجوز أَن تَقول هَذَا رجل حسن الْوَجْه فَالْوَجْه لم يَجْعَل حسنا معرفَة وَإِن كَانَ مُضَافا إِلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَن التَّنْوِين هُوَ الأَصْل وَمعنى هَذِه الْإِضَافَة الِانْفِصَال كَمَا كَانَ ذَلِك فِي قَوْله ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة﴾ و ﴿هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ لما كَانَ التَّقْدِير إِنَّمَا هُوَ التَّنْوِين ثَبت الِاسْم نكرَة وَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا لَفَظُوا بتنوين
فَيجوز فِي هَذَا أوجه
стр. 1173
مِنْهَا الأَصْل نَحْو حسن وَجهه وَحسن الْوَجْه وَحسن وَجه وَحسن وَجها وَحسن الْوَجْه كل ذَلِك جَائِز وَمَعْنَاهُ وَاحِد فِي نكرته وأجود ذَلِك إِذا لم تقل حسن وَجهه حسن الْوَجْه وَذَلِكَ لِأَن وَجهه كَانَ معرفَة وَهُوَ الأَصْل فَكَانَ الْأَحْسَن أَن يوضع فِي مَوْضِعه معرفَة مثله
لَا تعرف الأول كَمَا كَانَ ذَلِك فِي وَجهه وَأَنه لَو عرفه لم يكن الأول معرفَة وَإِنَّمَا صَار وَجهه معرفَة لِأَنَّهُ علم وَأَنه لَا يَعْنِي من الْوُجُوه إِلَّا وَجهه
وَأما حسن الْوَجْه فَإِنَّهُ أخف فِي اللَّفْظ فحذفوا الْألف وَاللَّام تَخْفِيفًا فَمن ذَلِك قَوْلهم هُوَ حَدِيث عهد بالوجع وَأنْشد
(لَاحِقِ بَطْنٍ بِقَراً سَمِيْنِ)
стр. 1174
الأَصْل لَا حق بَطْنه وَقَالَ الآخر
(وَلَا سَيِّئ زِيٍّ إِذا مَا تَلَبَّسُوا ... إِلَى حاجةِ يَوْماً مُخَيَّسَةً بُزْلاً)
وَإِنَّمَا جَازَ حذف الْألف وَاللَّام لعلم السَّامع أَنَّك لَا تَعْنِي إِلَّا وَجهه وَأَن الأول لَا يكون بِهِ معرفَة أبدا
стр. 1175
وَمن قَالَ هُوَ حسن وَجها قَالَ هُوَ الْحسن الْوَجْه يَا فَتى وهما الحسنان الْوُجُوه فنصب لِأَنَّهُ أضمر الْفَاعِل فِي الأول فَجعل الثَّانِي بِمَنْزِلَة الْمَفْعُول بِهِ فَصَارَ كَقَوْلِك الضَّارِب الرجل وَالْقَائِل الْحق وَقَالَ الْحَارِث بن ظَالِم
(فَمَا قَوْمِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ ... وَلَا بِفَزَارَةَ الشُّعْرَى رِقَاباً)
ويروى الشّعْر الرقابا فَمن قَالَ ذَا يُشبههُ بالضارب الرجل
وَمن قَالَ الضَّارِب الرجل يَقُول تَشْبِيها بالْحسنِ الْوَجْه وَلَا يجوز الضَّارِب زيد كَمَا لَا تَقول الْحسن وَجه
وَإِنَّمَا يجوز إِذا كَانَ فِي الثَّانِي ألف وَلَام وَذَلِكَ لِأَنَّك تَقول هَذَا حسن الْوَجْه فَيكون نكرَة فَإِذا أردْت تعرفه أدخلت فِي الْحسن الْألف وَاللَّام وَلم تعاقبا الْإِضَافَة إِذْ كَانَت الْإِضَافَة هَا هُنَا على خلاف الْمُضَاف لِأَن هَا هُنَا نِيَّة التَّنْوِين فَلذَلِك لم تعرف الأول وَكَانَ كَقَوْلِك الْحسن وَجهه
فَإِذا قلت هُوَ الْحسن وَجها وَالطّيب خَبرا والحسان وُجُوهًا لم يكن إِلَّا النصب لِأَنَّك أبهمت الْحسن وأضمرت فِي الْحسن الْفَاعِل فانتصب مَا بعده لِأَنَّهُ تَمْيِيز إِذا كَانَ نكرَة
стр. 1176
ويستقيم أَن يكون انتصابه وَهُوَ نكرَة كانتصابه إِذا كَانَت الْألف وَاللَّام على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ وَذَلِكَ قَوْلك هُوَ الْحسن الْوَجْه كَمَا تَقول هُوَ الضَّارِب الرجل
أَلا ترى أَن الْحسن يجْرِي على مَا قبله مؤنثا كَانَ أَو مذكرا كَمَا يجْرِي الْفَاعِل فَتَقول مَرَرْت بِامْرَأَة حَسَنَة الْوَجْه ومررت بأخويك الحسنين الْوُجُوه فعلى هَذَا تميز إِذا حذفت الْألف وَاللَّام فَقلت مَرَرْت بأخويك الحسنين وُجُوهًا كَمَا قَالَ الله ﴿هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾
وَقَالَ رؤبة
(الحَزْنُ بَابا والعقُورُ كَلْباً)
فَهَذِهِ الْأَوْجه عَرَبِيَّة جَيِّدَة وَبَيت الْأَعْشَى ينشد جرا
стр. 1177
(الواهِبُ المائِةِ الهِجانِ وعبْدِها ... عُوذًا تَزَجِّى خَلْفَها أَطْفَالَها)
стр. 1178
فَإِن قَالَ قَائِل مَا بالك جررت عَبدهَا وَإِنَّمَا يُضَاف فِي هَذَا الْبَاب إِلَى مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام تَشْبِيها بالْحسنِ الْوَجْه وَأَنت لَا يجوز لَك أَن تَقول الْوَاهِب الْمِائَة والواهب عَبدهَا
فَإِنَّمَا جَازَ هَذَا فِي الْمَعْطُوف على تَقْدِير واهب عَبدهَا كَمَا جَازَ رب رجل وأخيه وَأَنت لَا تَقول رب أَخِيه وَلكنه على تَقْدِير وَأَخ لَهُ
وَمثل ذَلِك كل شَاة وسخلتها بدرهم وَأَنت لَا تَقول كل سخلتها وَلكنه على التَّقْدِير الَّذِي خبرتك بِهِ وأخرت الِاحْتِجَاج عَنهُ لنذكره فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله
وَاعْلَم أَن هَذِه الصّفة لَا يجوز أَن يتقدمها مفعولها وَذَلِكَ أَنَّهَا لَيست كالفاعل فِي الْحَقِيقَة
أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت زيد ضَارب عمرا وزيدا ضَارب عَمْرو وزيدا عَمْرو ضَارب أَن الثَّانِي عمل فِي الأول وَأَن ضَارِبًا صَار بِمَنْزِلَة يضْرب فِي الْمَعْنى
وَلَو قلت زيد الْحسن وَجها أَو الْحسن الْوَجْه لم يكن الْحسن عمل فِي الْوَجْه شَيْئا وَإِنَّمَا الْحسن فِي الْمَعْنى للْوَجْه فَمن ثمَّ لم يجز أَن تَقول وَجها زيد حسن وَلَا زيد وَجها حسن
وَلذَلِك لم يجز لهَذِهِ الصّفة أَن تعْمل إِلَّا فِيمَا كَانَ من سَببهَا
أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت زيد حسن وَجه أَو حسن الْوَجْه أَو الْحسن وَجها أَنَّك لَا تَعْنِي من الْوُجُوه إِلَّا وَجهه لِأَنَّهُ فِي الأَصْل زيد حسن وَجهه وَكَذَلِكَ كثير المَال وفاره العَبْد وجيد الدَّار يجرين مجْرى وَاحِدًا
стр. 1179
لَو قلت عمرا زيد الضَّارِب لم يجز وَلَيْسَ امْتِنَاعه من حَيْثُ امْتنعت الصّفة المشبهة وَلَكِن مَعْنَاهُ زيد الضَّارِب عمرا أَي الَّذِي ضرب عمرا فَلَمَّا قدمت عمرا على هَذِه الصّفة لم يجز لِأَنَّهُ بعض الِاسْم إِذْ كَانَ من صلته فَإِنَّمَا امْتنع من هَذَا الْوَجْه
فَإِن جعلت ضَارِبًا وقائلا وَمَا أشبه ذَلِك بغر ألف وَلَام جَازَ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير والإظهار والإضمار وَجرى مجْرى يضْرب لما ذكرت لَك من المضارعة
стр. 1180
(هَذَا بَاب من الْمَفْعُول وَلَكنَّا عزلناه مِمَّا قبله لِأَنَّهُ مفعول فِيهِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه النَّحْوِيين الْحَال)
اعْلَم أَنَّك إِذا قلت جَاءَنِي عبد الله وَقصد إِلَى زيد فَخفت أَن يعرف السَّامع اثْنَيْنِ أَو جمَاعَة اسْم كل وَاحِد مِنْهُم عبد الله أَو زيد قلت الطَّوِيل أَو الْعَاقِل أَو الرَّاكِب أَو مَا أشبه ذَلِك من الصِّفَات لتفصل بَين من تَعْنِي وَبَين من خفت أَن يلتبس بِهِ كَأَنَّك قلت جَاءَنِي زيد الْمَعْرُوف بالركوب أَو الْمَعْرُوف بالطول وَكَذَلِكَ جَاءَنِي زيد بن عَمْرو وَزيد النَّازِل مَوضِع كَذَا
فَإِن لم ترد هَذَا وَأَرَدْت الْإِخْبَار عَن الْحَال الَّتِي وَقع فِيهَا مَجِيئه قلت جَاءَنِي زيد رَاكِبًا أَو مَاشِيا فَجئْت بعده بنكرة لَا تكون نعتا لَهُ لِأَنَّهُ معرفَة وَذَلِكَ أَنَّك لم ترد جَاءَنِي زيد الْمَعْرُوف بالركوب وَالْمَشْي فَيكون تحلية بِمَا قد عرف وَإِنَّمَا أردْت مَجِيئه وَقع فِي هَذِه الْحَال
وَكَذَلِكَ رَأَيْت عبد الله جَالِسا ومررت بِعَبْد الله ضَاحِكا خبرت أَن رؤيتك إِيَّاه ومرورك بِهِ وَقعا فِي هَذِه الْحَال مِنْهُ
وَتقول زيد فِي الدَّار قَائِما فتنصب قَائِما بِمَعْنى الْفِعْل الَّذِي وَقع فِي الدَّار لِأَن الْمَعْنى اسْتَقر عبد الله فِي الدَّار وَلذَلِك انتصبت الظروف
أَلا ترى أَنَّك تَقول زيد خَلفك وَزيد دُونك فتنصب الدون وَالْخلف بِفعل زيد كَأَنَّك تَقول اسْتَقر زيد خَلفك وَثَبت دُونك ونفسر هَذَا فِي بَاب الظروف إِن شَاءَ الله
стр. 1181
فَإِن جعلت فِي الدَّار للْقِيَام وَلم تَجْعَلهُ لزيد قلت زيد فِي الدَّار قَائِم لِأَنَّك إِنَّمَا أردْت زيد قَائِم فِي الدَّار فَجعلت قَائِما خَبرا عَن زيد وَجعلت فِي الدَّار ظرفا لقائم
فَمن قَالَ هَذَا قَالَ إِن زيدا فِي الدَّار قَائِم
وَمن قَالَ الأول قَالَ إِن زيدا فِي الدَّار قَائِما فَيكون فِي الدَّار الْخَبَر ثمَّ خبر على أَيَّة حَال وَقع استقراره فِي الدَّار فَقَالَ قَائِما أَي على هَذِه الْحَال وَلما قَالَ قَائِم إِنَّمَا قَالَ فِي الدَّار ليخبر أَي مَوضِع وَقع قِيَامه
فنظير ذَلِك قَوْله جلّ وَعلا ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات وعيون آخذين﴾ وَقَوله ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونعيم فاكهين﴾
وَذَلِكَ أَن قَوْله ﴿فِي جنَّات﴾ خبر إِن فنصب آخذين وفاكهين على الْحَال
وَلَو كَانَ الظّرْف هُوَ الْخَبَر لرفع الْخَبَر كَمَا قَالَ الله ﴿وَفِي النَّار هم خَالدُونَ﴾ لِأَن الْمَعْنى وهم خَالدُونَ فِي النَّار فَإِنَّمَا فِي النَّار ظرف للخلود
стр. 1182
وَتقول هَذَا زيد رَاكِبًا وَذَاكَ عبد الله قَائِما
فَإِن قَالَ قَائِل مَا الَّذِي ينصب الْحَال وَأَنت لم تذكر فعلا
قيل لَهُ هَذَا إِنَّمَا هُوَ تَنْبِيه كَأَنَّك قلت انتبه لَهُ رَاكِبًا
وَإِذا قلت ذَاك عبد الله قَائِما ذَاك للْإِشَارَة كَأَنَّك قلت أُشير لَك إِلَيْهِ رَاكِبًا فَلَا يجوز أَن يعْمل فِي الْحَال إِلَّا فعل أَو شَيْء فِي معنى الْفِعْل لِأَنَّهَا مفعول فِيهَا
وَفِي كتاب الله جلّ وَعلا ﴿وَهَذَا بعلي شَيخا﴾
وَلَو قلت زيد أَخُوك قَائِما وَعبد الله أَبوك ضَاحِكا كَانَ غير جَائِز وَذَاكَ أَنه لَيْسَ هَا هُنَا فعل وَلَا معنى فعل وَلَا يَسْتَقِيم أَن يكون أَبَاهُ فِي حَال وَلَا يكون أَبَاهُ فِي حَال أُخْرَى وَلَكِنَّك إِن قلت زيد أَخُوك قَائِما فَأَرَدْت أخوة الصداقة جَازَ لِأَن فِيهِ معنى فعل كَأَنَّك قلت زيد يؤاخيك قَائِما فعلى هَذَا يَسْتَقِيم وَيمْتَنع
وَاعْلَم أَن الْحَال إِذا كَانَ الْعَامِل فِيهَا فعلا صَحِيحا جَازَ فِيهَا كل مَا يجوز فِي الْمَفْعُول بِهِ من التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير إِلَّا أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا نكرَة
وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك فِيهَا لِأَنَّهُ مفعولة فَكَانَت كَغَيْرِهَا مِمَّا ينْتَصب بِالْفِعْلِ تَقول جَاءَ رَاكِبًا زيد كَمَا تَقول ضرب زيدا عَمْرو وراكبا جَاءَ زيد كَمَا تَقول عمر
стр. 1183
ضرب زيد وَقَائِمًا زيدا رَأَيْت كَمَا تَقول الدِّرْهَم زيدا أَعْطَيْت وَضربت قَائِما زيدا
وَمن كَلَام الْعَرَب رَأَيْت زيدا مصعدا منحدرا وَرَأَيْت زيدا رَاكِبًا مَاشِيا إِذا كَانَ أَحَدكُمَا رَاكِبًا وَالْآخر مَاشِيا وأحدكما مصعدا وَالْآخر منحدرا
وَقَول الله عندنَا على تَقْدِيم الْحَال وَالله أعلم وَذَلِكَ ﴿خشعا أَبْصَارهم يخرجُون من الأجداث﴾
стр. 1184
وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَيْت
(مُزْبِداً يخْطِرُ مَا لَمْ يَرَنى ... وإِذَا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعْ)
وَلست تحْتَاج مَعَ مَا عرفتك من حَالهَا وإجرائها مجْرى الْمَفْعُول وَمَا لزم من ذَلِك من الِاحْتِجَاج إِلَى أَن نوضح لَك بِأَكْثَرَ مِنْهُ
وَقَالَ الشَّاعِر
(ضاحِكاً مَا قَبَّلْتُها حِينَ قَالُوا ... نَقَضُوا صِكَّهَا ورُدَّتْ علَيَّا)
وَتقول ضَارِبًا عمرا رَأَيْت زيدا وَأَنت تُرِيدُ رُؤْيَة الْعين وشاتما أَخَاهُ أقبل عبد الله
فَإِن كَانَ الْعَامِل غير فعل وَلَكِن شَيْء فِي مَعْنَاهُ لم تتقدم الْحَال على الْعَامِل لِأَن هَذَا شَيْء لَا يعْمل مثله فِي الْمَفْعُول وَذَلِكَ قَوْله زيد فِي الدَّار قَائِما وَلَا تقل زيد قَائِما فِي الدَّار وَتقول هَذَا قَائِما حسن وَلَا تقل قَائِما هَذَا حسن
стр. 1185
وَتقول مَرَرْت رَاكِبًا بزيد إِذا كَانَ رَاكِبًا لَك فَإِن أردْت أَن يكون لزيد لم لم يجز لِأَن الْعَامِل الْبَاء فعلى مَا ذكرت لَك يجْرِي هَذَا الْبَاب
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا بالك تقدم الظروف وَهِي مفعول فِيهَا وَالْعَامِل معنى الْفِعْل وَلَا يجوز أَن يعْمل فِيهَا التَّنْبِيه كَمَا عمل فِي الْحَال وَكِلَاهُمَا مفعول فِيهِ فَمن أَيْن اخْتلفَا
قيل لَهُ الْفَصْل بَين الْحَال والظرف أَن الْحَال هِيَ الِاسْم الأول فَاعِلا كَانَ أَو مَفْعُولا أَو غير ذَلِك من الِابْتِدَاء وَخَبره والظرف مُتَضَمّن للْحَال وَغَيرهَا وَا يَقع شَيْء إِلَّا فِي زمَان وَمَكَان فالحال تقع فِي الظروف والظروف لَا يُقَال إِنَّهَا وَاقعَة فِي الْحَال
فَإِذا قلت يَوْم الْجُمُعَة زيد فِي الدَّار ف يَوْم الْجُمُعَة غير زيد وَقد عمل فِيهِ اسْتِقْرَار زيد
وَإِذا قلت جَاءَنِي زيد رَاكِبًا فالراكب هُوَ زيد وَكَذَلِكَ ضربت زيدا قَائِما وَزيد منطلق رَاكِبًا فالقائم والراكب وَمَا أشبه ذَلِك هُوَ زيد فَلَمَّا كَانَ إِيَّاه عمل فِيهِ مَا يعْمل فِي الْمَفْعُول بِهِ لِأَنَّهُ اسْم مثله
وَلما كَانَ الظّرْف متضمنا لهَذَا وَغَيره وَكَانَ غَيرهمَا فِي الْمَعْنى إِنَّمَا هُوَ اسْم زمَان أَو مَكَان لَا يَخْلُو من كَون فِيهَا واستقرار كَانَ الناصب لَهما الْمَعْنى الَّذِي جِيءَ بهما من أَجله
стр. 1186
فَإِن قيل لم لَا تَقول هَذَا زيد يَوْم الْجُمُعَة وَهَذَا زيد شهر رَمَضَان فتعمل التَّنْبِيه
قيل لَهُ إِذا كَانَ الظّرْف من الْمَكَان لم يمْتَنع من شَيْء من الْأَسْمَاء لِأَنَّهَا تفِيد فِيهِ معنى وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت زيد عنْدك أَو فِي دَارك أَو بِالْبَصْرَةِ فقد أفدت فِيهِ مَا قد كَانَ يجوز أَن يَخْلُو مِنْهُ
وَإِذا قلت زيد يَوْم الْجُمُعَة فَلَا معنى لهَذَا لِأَن يَوْم الْجُمُعَة لَا يَخْلُو زيد وَلَا غَيره مِنْهُ وَلَا حَيّ وَلَا ميت فَلَمَّا لم تكن فِيهِ فَائِدَة قَالَ النحويون لَا تكون ظروف الزَّمَان للجثث
وَإِنَّمَا امْتنع قَوْلك هَذَا زيد يَوْم الْجُمُعَة من الْجَوَاز وَإِن كَانَت هَا للتّنْبِيه وَذَا للْإِشَارَة وَلم يكن مثل قَوْلك الْقِتَال شهر رَمَضَان وَيَوْم الْجُمُعَة لِأَنَّك إِذا قلت الْقِتَال يَوْم الْجُمُعَة فقد خبرت بِشَيْء يكون فِي الْجُمُعَة قد كَانَ يجوز أَن يَخْلُو مِنْهُ
وَأَنت إِذا قلت هَذَا زيد فقد نبهت وأعلمت فِي أَي وَقت هُوَ فَلَا معنى لِقَوْلِك يَوْم الْجُمُعَة وَلَا لذكر وَقت لِأَن السَّامع فِي الْوَقْت وَأَنت سَوَاء
أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت أَنا آكل يَوْم الْجُمُعَة وَأَنت تخبر عَن أَنَّك تفعل هَذَا إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة كَانَ جيدا
وَلَو قلت أَنا آكل يَوْم الْجُمُعَة تخبر عَمَّا أَنْت فِيهِ لم يكن لَهُ معنى فَإِن أردْت أَن تفِيد السَّامع أَن الْيَوْم يَوْم الْجُمُعَة قلت أَنا آكل وَهَذَا يَوْم الْجُمُعَة ليصير خَبرا بعد خبر
فتفهم هَذَا فَإِن معرفَة الْأُصُول إحكام الْبَاب وَإِذا صحت جرت عَلَيْهِ الْمسَائِل على الاسْتقَامَة إِن شَاءَ الله
стр. 1187
(هَذَا بَاب الْفِعْل الَّذِي يتَعَدَّى إِلَى مفعول وفاعله مُبْهَم وَلَا يتَصَرَّف تصرف غَيره من الْأَفْعَال)
(وَيلْزم طَريقَة وَاحِدَة لِأَن الْمَعْنى لزمَه على ذَلِك وَهُوَ بَاب التَّعَجُّب)
وَذَلِكَ قَوْلك مَا أحسن زيدا وَمَا أكْرم عبد الله
ف مَا اسْم مُرْتَفع بِالِابْتِدَاءِ وَأحسن خَبره وَهُوَ فعل وزيدا مفعول بِهِ فتقديره شَيْء أحسن زيدا إِلَّا أَن معنى التَّعَجُّب دخله مَعَ مَا وَلَا يكون ذَلِك فِي شَيْء غير مَا
فَإِن قَالَ قَائِل هَل رَأَيْت مَا تكون اسْما بِغَيْر صلَة إِلَّا فِي الْجَزَاء والاستفهام
قيل لَهُ إِنَّمَا كَانَت فِي الْجَزَاء والاستفهام بِغَيْر صلَة إِذا قلت مجازيا مَا تصنع أصنع أَو مستفهما مَا تصنع يَا فَتى لِأَنَّك إِنَّمَا تستفهم عَمَّا تنكر وَلَو كنت تعرف كنت مخبرا لَا مستخبرا والصلة تعرفه
وَكَذَلِكَ الْجَزَاء إِذا قلت مَا تصنع أصنع لِأَنَّك أبهمته وَلم تقصد إِلَى شَيْء وَاحِد بِعَيْنِه فَالْمَعْنى من الْإِبْهَام الَّذِي يكون فِي الْجَزَاء والاستفهام كَذَلِك هُوَ التَّعَجُّب لِأَنَّك إِذا قلت مَا أحسن زيدا فقد أبهمت ذَاك فِيهِ وَلم تخصص
стр. 1188
وَمِمَّا جَاءَ من مَا بِغَيْر صلَة فِي غير الْجَزَاء والاستفهام لمشاركتها إيَّاهُمَا فِي الْإِبْهَام إِنِّي مِمَّا أَن أفعل فَالْمَعْنى إِنِّي من الْأَمر أَن أفعل
وَتقول إِنِّي مِمَّا أفعل على معنى رُبمَا أفعل كَمَا قَالَ
(وإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ... على رأسِهِ تُلْقى اللسانَ مِنَ الفَمِ)
стр. 1189
وَقَالَ الآخر
(أَلَا غَنِّيا بالزاهِرِيَّةِ إِنَّني ... على النَّأى مِمَّا أَنْ أُلِمَّ بهَا ذِكْرا)
وَمن ذَلِك قَوْلهم دققته دقا نعما أَي نعم الدق
فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا قلت مَا أحسن زيدا فَكَانَ بِمَنْزِلَة شَيْء حسن زيدا فَكيف دخله معنى التَّعَجُّب وَلَيْسَ ذَلِك فِي قَوْلك شَيْء أحسن زيدا
قيل لَهُ قد يدْخل الْمَعْنى فِي اللَّفْظ وَلَا يدْخل فِي نَظِيره فَمن ذَلِك قَوْلهم علم الله لَأَفْعَلَنَّ لَفظه لفظ رزق الله وَمَعْنَاهُ الْقسم
وَمن ذَلِك قَوْلهم غفر الله لزيد لَفظه لفظ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ الدُّعَاء
وَمن ذَلِك أَنَّك تَقول تالله لَأَفْعَلَنَّ فتقسم على معنى التَّعَجُّب وَلَا تدخل التَّاء على شَيْء من أَسمَاء الله غير هَذَا الِاسْم لِأَن الْمَعْنى الَّذِي يُوجب التَّعَجُّب إِنَّمَا وَقع هَا هُنَا
وكل مَا لزمَه شَيْء على معنى لم يتَصَرَّف لِأَنَّهُ إِن تصرف بَطل ذَلِك الْمَعْنى وَصَارَ بِمَنْزِلَة الْأَفْعَال الَّتِي تجْرِي على أُصُولهَا وَلم يدخلهَا من الْمَعْنى أَكثر من ذَلِك
стр. 1190
فَإِن قَالَ قَائِل أَرَأَيْت قَوْلك مَا أحسن زيدا أَلَيْسَ فِي التَّقْدِير والإعمال لَا فِي التَّعَجُّب بِمَنْزِلَة قَوْلك شَيْء حسن زيدا فَكيف تَقول هَذَا فِي قَوْلك مَا أعظم الله يَا فَتى وَمَا أكبر الله قيل لَهُ التَّقْدِير على مَا وصفت لَك وَالْمعْنَى شَيْء عظم الله يَا فَتى وَذَلِكَ الشَّيْء النَّاس الَّذين يصفونه بالعظمة كَقَوْلِك كَبرت كَبِيرا وعظمت عَظِيما
فَإِن قَالَ قَائِل فينتصب هَذَا من حَيْثُ انتصب زيد
قيل لَهُ لَا شَيْء من الْأَفْعَال ينْتَصب على معنى الآخر بِأَكْثَرَ من الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ
أَلا ترى أَنَّك تَقول شتمت زيدا وأكرمت عمرا فالفعل الناصب جنس وَاحِد وَالْمعْنَى مُخْتَلف وَلَيْسَ شَيْء يخبر بِهِ عَن الله إِلَّا على خلاف مَا تخبر بِهِ عَن غَيره فِي الْمَعْنى وجنس الْفِعْل وَاحِد فِي الإعمال
فَمن ذَلِك مَا أذكرهُ لَك ليدل على سائره إِن شَاءَ الله
стр. 1191
وَهُوَ نَحْو قَوْلك رحم الله النَّاس ورحم زيد عمرا فالرحمة من زيد رقة وتحنن وَالله يجل عَنْهَا
وَكَذَلِكَ علم الله وَهُوَ الْعَالم بِنَفسِهِ وَتقول علم زيد علما وَإِنَّمَا ذَلِك علم جعل فِيهِ وأدب اكْتَسبهُ وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا تخبر بِهِ
وَإِذا كَانَ زيد مَفْعُولا قلت لقِيت زيدا وَرَأَيْت عمرا وَتقول ذكرت الله فَإِنَّمَا تَعْنِي أَن ذكرك كَانَ لهَذَا الِاسْم وَكَذَلِكَ دَعَوْت الله
فمخارج الْأَفْعَال وَاحِدَة فِي الإعمال والمعاني تخْتَلف فعلى هَذَا يجْرِي التَّقْدِير فِيمَا ذكرت لَك
وَقد قَالَ قوم إِن أحسن صلَة ل (مَا) وَالْخَبَر مَحْذُوف
وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا وَذَلِكَ أَن الْأَخْبَار إِنَّمَا تحذف إِذا كَانَ فِي الْكَلَام مَا يدل عَلَيْهَا
وَإِنَّمَا هربوا من أَن يكون مَا وَحدهَا اسْما فتقديرهم الَّذِي حسن زيدا شَيْء وَالْقَوْل فِيهَا مَا بدأنا بِهِ من أَنَّهَا تجْرِي بِغَيْر صلَة لمضارعتها الِاسْتِفْهَام وَالْجَزَاء فِي الْإِبْهَام
فَإِذا قلت مَا أحسن زيدا لم يجز أَن تضع الْفِعْل الْمُضَارع هَا هُنَا فَتَقول مَا يحسن زيدا وَمَا محسن زيدا لِأَن معنى التَّعَجُّب إِنَّمَا دخله على هَيْئَة إِن زَالَ لَفظهَا زَالَ الْمَعْنى
أَلا ترى أَنَّك تَقول الْعُمر والعمر وَلَا يَقع فِي الْقسم إِلَّا مَفْتُوحًا لدُخُول الْمَعْنى على هَذِه الْهَيْئَة
стр. 1192
وَلَو قلت مَا أحسن عنْدك زيدا وَمَا أجمل الْيَوْم عبد الله لم يجز وَكَذَلِكَ لَو قلت مَا أحسن الْيَوْم وَجه زيد وَمَا أحسن أمس ثوب زيد لِأَن هَذَا الْفِعْل لما لم يتَصَرَّف لزم طَريقَة وَاحِدَة وَصَارَ حكمه كَحكم الْأَسْمَاء
وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك تَقول أَقَامَ عبد الله زيدا فتنقلب الْوَاو ألفا لِأَنَّهُ فعل وَتقول فِي الِاسْم هَذَا أقوم من ذَا فَلَا يعل وَتقول فِي التَّعَجُّب مَا أقوم زيدا وَمَا أبيعه فَيكون هَذَا الْفِعْل لاحقا بالأسماء لما أَخْبَرتك بِهِ من قلَّة تصرفه
وَاعْلَم أَن بِنَاء فعل التَّعَجُّب إِنَّمَا يكون من بَنَات الثَّلَاثَة نَحْو ضرب وَعلم وَمكث وَذَلِكَ أَنَّك تَقول دخل زيد وأدخلته وَخرج وأخرجته فتلحقه الْهمزَة إِذا جعلته مَحْمُولا على فعل
وَكَذَلِكَ تَقول حسن زيد ثمَّ تَقول مَا أحْسنه لِأَنَّك تُرِيدُ شَيْء أحْسنه
فَإِن قيل فقد قلت مَا أعطَاهُ للدراهم وَأَوْلَاده بِالْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا هُوَ من أعطي وَأولى
فَهَذَا وَإِن كَانَ قد خرج إِلَى الْأَرْبَعَة فَإِنَّمَا أَصله الثَّلَاثَة والهمزة فِي أَوله زَائِدَة
стр. 1193
وعَلى هَذَا جَاءَ ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح﴾ وَلَو كَانَ على لَفظه لَكَانَ ملاقح لِأَنَّهُ يُقَال ألقحت فَهِيَ ملقحة وَلكنه على حذف الزَّوَائِد وَمن ذَلِك قَوْله
(يَخْرُجْنَ مِنْ أَجْوازِ لَيْلٍ غاضِي ... )
وَإِنَّمَا هُوَ مغض وَاسْتعْمل بِحَذْف زِيَادَته وَمثل ذَلِك
(تَكْشِفُ عَنْ جَمَّاتِهِ دَلْوُ الدَّالْ ... )
стр. 1194
يُرِيد المدلى
وَمن ذَلِك حذفك جَمِيع الزَّائِد إِذا احتجت إِلَى حذفهَا فِي تَصْغِير أَو جمع أَو اضْطر إِلَيْهِ شَاعِر كَمَا قَالَ العجاج
(ومَهْمَه هَالك مَنْ تَعَرَّجا ... )
إِنَّمَا هُوَ مهلك فِي بعض الْأَقَاوِيل
وَاعْلَم أَن مَا جَاوز الثَّلَاثَة بِغَيْر زِيَادَة لم يجز أَن يُقَال فِيهِ مَا أَفعلهُ وَذَلِكَ لِأَنَّك إِن بنيته هَذَا الْبناء حذفت من الأَصْل حرفا وَهَذَا مِمَّا لَا يجوز لِأَن مَعْنَاهُ إِنَّمَا كمل بِحُرُوفِهِ إِذْ كن كُلهنَّ أصولا وَإِنَّمَا يسْتَعْمل فِيمَا كَانَ من هَذَا الْقَبِيل مَا يدل عَلَيْهِ من فعل غَيره
وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت دحرج واحرنجم وَمَا أشبه ذَلِك من الْأَفْعَال من غير هَذَا الْجِنْس قلت مَا أَشد دحرجته وَمَا أَشد احرنجامه لِأَنَّك لَو أدخلت على هَذَا الْهمزَة لخرج من بِنَاء الْأَفْعَال وَلَا يجوز الْحَذف لما وصفت لَك
стр. 1195
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ من الألوان والعيوب نَحْو الْأَعْوَر والأحمر لَا يُقَال مَا أحمره وَلَا مَا أعوره
وَإِنَّمَا امْتنع هَذَا لشيئين أَحدهمَا أَن أصل فعله أَن يكون افْعَل وافعال نَحْو أَحْمَر واحمار وَدخُول الْهمزَة على هَذَا محَال
следующие страницы →