← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 6965

المقتضب

المبرد

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وَهُوَ نَحْو قَوْلك رحم الله النَّاس ورحم زيد عمرا فالرحمة من زيد رقة وتحنن وَالله يجل عَنْهَا وَكَذَلِكَ علم الله وَهُوَ الْعَالم بِنَفسِهِ وَتقول علم زيد علما وَإِنَّمَا ذَلِك علم جعل فِيهِ وأدب اكْتَسبهُ وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا تخبر بِهِ وَإِذا كَانَ زيد مَفْعُولا قلت لقِيت زيدا وَرَأَيْت عمرا وَتقول ذكرت الله فَإِنَّمَا تَعْنِي أَن ذكرك كَانَ لهَذَا الِاسْم وَكَذَلِكَ دَعَوْت الله فمخارج الْأَفْعَال وَاحِدَة فِي الإعمال والمعاني تخْتَلف فعلى هَذَا يجْرِي التَّقْدِير فِيمَا ذكرت لَك وَقد قَالَ قوم إِن أحسن صلَة ل (مَا) وَالْخَبَر مَحْذُوف وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا وَذَلِكَ أَن الْأَخْبَار إِنَّمَا تحذف إِذا كَانَ فِي الْكَلَام مَا يدل عَلَيْهَا وَإِنَّمَا هربوا من أَن يكون مَا وَحدهَا اسْما فتقديرهم الَّذِي حسن زيدا شَيْء وَالْقَوْل فِيهَا مَا بدأنا بِهِ من أَنَّهَا تجْرِي بِغَيْر صلَة لمضارعتها الِاسْتِفْهَام وَالْجَزَاء فِي الْإِبْهَام فَإِذا قلت مَا أحسن زيدا لم يجز أَن تضع الْفِعْل الْمُضَارع هَا هُنَا فَتَقول مَا يحسن زيدا وَمَا محسن زيدا لِأَن معنى التَّعَجُّب إِنَّمَا دخله على هَيْئَة إِن زَالَ لَفظهَا زَالَ الْمَعْنى أَلا ترى أَنَّك تَقول الْعُمر والعمر وَلَا يَقع فِي الْقسم إِلَّا مَفْتُوحًا لدُخُول الْمَعْنى على هَذِه الْهَيْئَة

стр. 1192

وَلَو قلت مَا أحسن عنْدك زيدا وَمَا أجمل الْيَوْم عبد الله لم يجز وَكَذَلِكَ لَو قلت مَا أحسن الْيَوْم وَجه زيد وَمَا أحسن أمس ثوب زيد لِأَن هَذَا الْفِعْل لما لم يتَصَرَّف لزم طَريقَة وَاحِدَة وَصَارَ حكمه كَحكم الْأَسْمَاء وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك تَقول أَقَامَ عبد الله زيدا فتنقلب الْوَاو ألفا لِأَنَّهُ فعل وَتقول فِي الِاسْم هَذَا أقوم من ذَا فَلَا يعل وَتقول فِي التَّعَجُّب مَا أقوم زيدا وَمَا أبيعه فَيكون هَذَا الْفِعْل لاحقا بالأسماء لما أَخْبَرتك بِهِ من قلَّة تصرفه وَاعْلَم أَن بِنَاء فعل التَّعَجُّب إِنَّمَا يكون من بَنَات الثَّلَاثَة نَحْو ضرب وَعلم وَمكث وَذَلِكَ أَنَّك تَقول دخل زيد وأدخلته وَخرج وأخرجته فتلحقه الْهمزَة إِذا جعلته مَحْمُولا على فعل وَكَذَلِكَ تَقول حسن زيد ثمَّ تَقول مَا أحْسنه لِأَنَّك تُرِيدُ شَيْء أحْسنه فَإِن قيل فقد قلت مَا أعطَاهُ للدراهم وَأَوْلَاده بِالْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا هُوَ من أعطي وَأولى فَهَذَا وَإِن كَانَ قد خرج إِلَى الْأَرْبَعَة فَإِنَّمَا أَصله الثَّلَاثَة والهمزة فِي أَوله زَائِدَة

стр. 1193

وعَلى هَذَا جَاءَ ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح﴾ وَلَو كَانَ على لَفظه لَكَانَ ملاقح لِأَنَّهُ يُقَال ألقحت فَهِيَ ملقحة وَلكنه على حذف الزَّوَائِد وَمن ذَلِك قَوْله (يَخْرُجْنَ مِنْ أَجْوازِ لَيْلٍ غاضِي ... ) وَإِنَّمَا هُوَ مغض وَاسْتعْمل بِحَذْف زِيَادَته وَمثل ذَلِك (تَكْشِفُ عَنْ جَمَّاتِهِ دَلْوُ الدَّالْ ... )

стр. 1194

يُرِيد المدلى وَمن ذَلِك حذفك جَمِيع الزَّائِد إِذا احتجت إِلَى حذفهَا فِي تَصْغِير أَو جمع أَو اضْطر إِلَيْهِ شَاعِر كَمَا قَالَ العجاج (ومَهْمَه هَالك مَنْ تَعَرَّجا ... ) إِنَّمَا هُوَ مهلك فِي بعض الْأَقَاوِيل وَاعْلَم أَن مَا جَاوز الثَّلَاثَة بِغَيْر زِيَادَة لم يجز أَن يُقَال فِيهِ مَا أَفعلهُ وَذَلِكَ لِأَنَّك إِن بنيته هَذَا الْبناء حذفت من الأَصْل حرفا وَهَذَا مِمَّا لَا يجوز لِأَن مَعْنَاهُ إِنَّمَا كمل بِحُرُوفِهِ إِذْ كن كُلهنَّ أصولا وَإِنَّمَا يسْتَعْمل فِيمَا كَانَ من هَذَا الْقَبِيل مَا يدل عَلَيْهِ من فعل غَيره وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت دحرج واحرنجم وَمَا أشبه ذَلِك من الْأَفْعَال من غير هَذَا الْجِنْس قلت مَا أَشد دحرجته وَمَا أَشد احرنجامه لِأَنَّك لَو أدخلت على هَذَا الْهمزَة لخرج من بِنَاء الْأَفْعَال وَلَا يجوز الْحَذف لما وصفت لَك

стр. 1195

وَكَذَلِكَ مَا كَانَ من الألوان والعيوب نَحْو الْأَعْوَر والأحمر لَا يُقَال مَا أحمره وَلَا مَا أعوره وَإِنَّمَا امْتنع هَذَا لشيئين أَحدهمَا أَن أصل فعله أَن يكون افْعَل وافعال نَحْو أَحْمَر واحمار وَدخُول الْهمزَة على هَذَا محَال

стр. 1196

وَالْقَوْل الآخر قَول الْخَلِيل وَهُوَ أَن هَذَا شَيْء قد ثَبت وَاسْتقر فَلَيْسَ يجوز فِيهِ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَهُوَ وَإِن كَانَ مشتقاً من الْفِعْل بِمَنْزِلَة الْيَد وَالرجل لَا تَقوله كَمَا لَا تَقول مَا أيداه وَلَا مَا أرجله وَإِنَّمَا أَقُول مَا أَشد يَده فعلى هَذَا مَا أَشد حمرته وَمَا أَشد عوره وَكَذَلِكَ جَمِيع بَابهَا وَمثل هَذَا قَوْله هَذَا أحسن من هَذَا وَهَذَا أضْرب من ذَا وَهَذَا أَشد عورا من ذَا وَأَشد حولا من ذَا لِأَن هَذَا والتعجب من بَاب وَاحِد فَإِن قَالَ قَائِل فقد جَاءَ فِي الْقُرْآن ﴿وَمن كَانَ فِي هَذِه أعمى فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى وأضل سَبِيلا﴾ قيل لَهُ فِي هَذَا جوابان كِلَاهُمَا مقنع أَحدهمَا أَن يكون من عمى الْقلب وَإِلَيْهِ ينْسب أَكثر الضلال لِأَنَّهُ حَقِيقَته كَمَا قَالَ ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ فعلى هَذَا تَقول مَا أعماه كَمَا تَقول مَا أحمقه وَالْوَجْه الآخر أَن يكون من عمى الْعين فَيكون ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَة أعمى﴾ لَا تُرِيدُ بِهِ بِهِ أعمى من كَذَا وَلكنه فِي الْآخِرَة أعمى كَمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ فِي الْآخِرَة أضلّ سَبِيلا

стр. 1197

وَتقول يَا هِنْد أحسن بزيد وَيَا رجلَانِ أحسن بزيد لِأَنَّك لست تَأْمُرهُمْ أَن يصنعوا شَيْئا وَإِنَّمَا الْمَعْنى مَا أحْسنه فَإِذا كَانَ من الألوان والعيوب قلت يَا هِنْد أشدد بحمرة زيد وَيَا رجال أشدد بحمرة زيد وَمن هَذَا الْبَاب قَول الله ﴿أسمع بهم وَأبْصر﴾ وَلَا يُقَال لله تعجب وَلكنه خرج على كَلَام الْعباد أَي هَؤُلَاءِ مِمَّن يجب أَن يُقَال لَهُم مَا أسمعهم وأبصرهم فِي ذَلِك الْوَقْت وَمثل هَذَا قَوْله ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ وَلَعَلَّ إِنَّمَا هِيَ للترجي وَلَا يُقَال ذَلِك لله وَلَكِن الْمَعْنى وَالله أعلم إذهبا أَنْتُمَا على رجائكما وقولا القَوْل الَّذِي ترجوان بِهِ ويرجو بِهِ المخلوقون تذكر من طالبوه وَأما قَوْله ﴿فَمَا أصبرهم على النَّار﴾ فَلَيْسَ من هَذَا وَلكنه وَالله أعلم التَّقْرِير والتوبيخ وَتَقْدِيره أَي شَيْء أصبرهم على النَّار أَي دعاهم إِلَيْهَا واضطرهم إِلَيْهَا كَمَا تَقول صبرت زيدا على الْقَتْل وَنهى رَسُول الله وَسلم أَن يصبر الرّوح

стр. 1198

وَمثل ذَلِك قَوْله (قلتُ لَهُ أَصْبِرْها دائِناً ... أَمْثَالُ بِسطَامِ بنِ قَيْسٍ قَلِيلُ) فَهَذِهِ مجازه وَلَا يُقَال لله لِأَنَّهُ إِنَّمَا يعجب من يرد عَلَيْهِ مَا لَا يُعلمهُ وَلَا يقدره فيتعجب كَيفَ وَقع مثله وعلام الغيوب يجل عَن هَذَا (ونقول فِي شَيْء من مسَائِل هَذَا الْبَاب) مَا أحسن وأجمل زيدا إِذا نصبت بأجمل فَإِن نصبته بِأَحْسَن قلت مَا أحسن وأجمله زيدا لِأَنَّك تُرِيدُ مَا أحسن زيدا وأجمله وَتقول مَا أحسن مَا كَانَ زيد فَترفع زيد بكان وَتجْعَل مَا مَعَ الْفِعْل فِي معنى

стр. 1199

الْمصدر وتوقع التَّعَجُّب على مَا وَمَا بعْدهَا صلَة لَهَا فالتقدير مَا أحسن كَون زيد وَقد يجوز وَهُوَ بعيد مَا أحسن مَا كَانَ زيدا تجْعَل مَا بِمَنْزِلَة الَّذِي فَيصير مَا أحسن الَّذِي كَانَ زيدا كَأَنَّهُ كَانَ اسْمه زيدا ثمَّ انْتقل عَنهُ وَإِنَّمَا قبح هَذَا لجعلهم مَا للآدميين وَإِنَّمَا هَذَا من مَوَاضِع من لِأَن مَا إِنَّمَا هِيَ لذات غير الْآدَمِيّين وصفات الْآدَمِيّين أَلا ترى أَنَّك تَقول مَا عنْدك فَتَقول فرس أَو حمَار وَلَو قلت من عنْدك لقَالَ زيد أَو عَمْرو وَالصِّفَات للآدميين الَّتِي تقع عَلَيْهَا مَا فَهِيَ نَحْو قَوْلك عِنْدِي زيد فَأَقُول وَمَا زيد فَيكون جَوَابه طَوِيل أَو قصير أَو شرِيف أَو وضيع وَإِنَّمَا أجزناه على بعد لِأَن الصّفة قد تحل مَحل الْمَوْصُوف تَقول مَرَرْت بالعاقل وَجَاءَنِي الظريف وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين فِي قَوْله ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بناها﴾ قَالَ وَمن بناها وَكَانَ أَبُو زيد يروي عَن الْعَرَب أَنَّهَا تَقول سُبْحَانَ مَا سبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ فعلى هَذَا أجزناه وَتقول مَا أحسن مَا كَانَ زيد وأجمله وَمَا أحسن مَا كَانَت هِنْد وأجمله لِأَنَّك ترد إِلَى مَا وَلَو قلت وأجملها جَازَ على أَن تجْعَل ذَلِك لَهَا وَإِذا قلت مَا أحسن زيدا فَرددت ذَلِك إِلَى نَفسك قلت مَا أحسنني لِأَن أحسن فعل فَظهر الْمَفْعُول بعده كَمَا يظْهر بعد ضرب وَلَو كَانَ اسْما لظهرت بعده يَاء وَاحِدَة إِذا أَرَادَ الْمُتَكَلّم نَفسه نَحْو قَوْلك هَذَا غلامي

стр. 1200

وَتقول فِي الِاسْتِفْهَام مَا أحسن زيد إِذا أردْت أَي أحسن من زيد فَإِذا جعلت الْمَسْأَلَة مِنْك قلت مَا أحسني كَمَا تَقول من غلامي فَإِنَّمَا يجْرِي الْمُضمر مجْرى الظَّاهِر أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت مَا أحسن زيد فَرددت ذَلِك إِلَى نَفسك قلت مَا أَحْسَنت وَتقول مَا أحسن زيدا ورجلا مَعَه وَلَوْلَا قَوْلك مَعَه لم يكن للْكَلَام معنى وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت مَا أحسن رجلا فَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُفِيد بِهِ السَّامع شَيْئا لِأَنَّهُ لَا يستنكر أَن يكون فِي النَّاس من هُوَ كَذَا كثيرا وَلَو قلت مَا أحسن رجلا من بني فلَان أَو رجلا رَأَيْته عنْدك حَتَّى تقويه بِشَيْء يُوجد فِيهِ معنى يخرج من بَاب الإشاعة لصلح وَهَذَا بِمَنْزِلَة قَوْلك كَانَ رجل عَاقِلا وَإِن رجلا عَاقل يجوز فِيهِ مَا جَازَ فيهمَا وَيمْتَنع فِيهِ مَا يمْتَنع فيهمَا

стр. 1201

وَتقول مَا أحسن إنْسَانا قَامَ إِلَيْهِ زيد وَمَا أقبح بِالرجلِ أَن يفعل كَذَا فالرجل الْآن شَائِع وَلَيْسَ التَّعَجُّب مِنْهُ وَإِنَّمَا التَّعَجُّب من قَوْلك أَن يفعل كَذَا كنحو مَا أقبح بِالرجلِ أَن يشْتم النَّاس تَقْدِيره مَا أقبح شتم النَّاس بِمن فعله من الرِّجَال وَلَو قلت مَا أحسن رجلا إِذا طلب مَا عِنْده أعطَاهُ كَانَ هَذَا الْكَلَام جَائِزا وَلم يكن أحسن وَإِن نصب رجلا وَاقعا عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ وَاقع على فعله وَإِنَّمَا جَازَ أَن يُوقع التَّعَجُّب عَلَيْهِ وَهُوَ يُرِيد فعله لِأَن فعله بِهِ كَانَ وَهُوَ الْمَحْمُود عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَة والمذموم كَقَوْلِك رَأَيْت زيدا يضْرب عمرا ثمَّ تَقول رَأَيْت ضرب زيد عمرا فالضرب لَا يرى وَإِنَّمَا رَأَيْت الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ وَرَأَيْت الْفَاعِل يَتَحَرَّك وَذَلِكَ المتحرك يدل على نوع الْحَرَكَة فَأَما الْحَرَكَة نَفسهَا فَلَا ترى لِأَن المرئي لَا يكون إِلَّا جسما ملونا وَلَو قلت مَا أَكثر هِبتك الدَّنَانِير وإطعامك الْمَسَاكِين كنت قد أوقعت التَّعَجُّب بِالْفِعْلِ واتصل بِهِ التَّعَجُّب من كَثْرَة الْمَفْعُول وَهُوَ الطَّعَام وَالدَّنَانِير الَّتِي يَهَبهَا فكأنك قلت مَا أَكثر الدَّنَانِير الَّتِي تهبها وَالطَّعَام الَّذِي تطعمه وَإِن أردْت هَذَا التَّقْدِير وَإِن أردْت أَن هِبته أَو طَعَامه يَفْعَلهَا كثيرا إِلَّا أَن ذَلِك يكون نزرا فِي كل مرّة جَازَ وَكَانَ وَجه الْكَلَام أَلا يَقع التَّعَجُّب على هَذَا لِأَن هَذَا شَبيه بالإلغاز لِأَن قصد التَّعَجُّب الْكَثْرَة فَإِذا تؤول على الْقلَّة فقد زَالَ معنى التَّعَجُّب وَلَكِن بعض الْأَشْيَاء يدل على بعض أَلا ترى أَنَّك تَقول مَا جَاءَنِي غير زيد وتريد مَا جَاءَنِي إِلَّا زيد وَقد يجوز أَلا يكون زيد جَاءَك غير زيد فَإِنَّمَا زعمت أَن غَيره لم يأتك فَجَائِز أَن يكون أَيْضا مَا جَاءَك إِلَّا أَنَّك أَمْسَكت عَن الْخَبَر فِيهِ وَلِهَذَا مسَائِل غامضة تَأتي فِي موضعهَا إِن شَاءَ الله

стр. 1202

(هَذَا بَاب مَا جرى فِي بعض اللُّغَات مجْرى الْفِعْل لوُقُوعه فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ حرف وَجَاء لِمَعْنى وَيجْرِي فِي غير تِلْكَ اللُّغَة مجْرى الْحُرُوف غير العوامل وَذَلِكَ الْحَرْف مَا النافية) تَقول مَا زيد قَائِما وَمَا هَذَا أَخَاك كَذَلِك يفعل أهل الْحجاز وَذَلِكَ أَنهم رأوها فِي معنى لَيْسَ تقع مُبتَدأَة وتنفي مَا يكون فِي الْحَال وَمَا لم يَقع فَلَمَّا خلصت فِي معنى لَيْسَ ودلت على مَا تدل عَلَيْهِ وَلم يكن بَين نفييهما فصل الْبَتَّةَ حَتَّى صَارَت كل وَاحِدَة تغني عَن الْأُخْرَى أجروها مجْراهَا فَمن ذَلِك قَول الله ﴿مَا هَذَا بشرا﴾ و ﴿مَا هن أمهاتهم﴾ وَأما بَنو تَمِيم فَيَقُولُونَ مَا زيد منطلق يدعونها حرفا على حَالهَا بِمَنْزِلَة إِنَّمَا إِذا قلت إِنَّمَا زيد منطلق

стр. 1203

وَأهل الْحجاز إِذا أدخلُوا عَلَيْهَا مَا يُوجِبهَا أَو قدمُوا خَبَرهَا على اسْمهَا ردوهَا إِلَى أَصْلهَا فَقَالُوا مَا زيد إِلَّا منطلق وَمَا منطلق زيد لِأَنَّهَا حرف لَا يتَصَرَّف تصرف الْأَفْعَال فَلم يقو على نقض النَّفْي كَمَا لم يقو على تَقْدِيم الْخَبَر وَذَلِكَ لما خبرتك بِهِ فِي الْأَفْعَال والحروف وَأَن الشَّيْء إِنَّمَا يتَصَرَّف عمله كَمَا يتَصَرَّف هُوَ فِي نَفسه فَإِذا لزم طَريقَة وَاحِدَة لزم مَا يعْمل فِيهِ طَريقَة وَاحِدَة وَتقول فِي قَول أهل الْحجاز مَا زيد مُنْطَلقًا أَبوهُ وَلَا خَارِجا أَبوهُ وَمَا زيد قَائِما إِلَيْهِ عبد الله لِأَنَّك تجْرِي عَلَيْهِ مَا كَانَ لشَيْء من سَببه كَمَا يجْرِي عَلَيْهِ مَا كَانَ لَهُ خَاصَّة أَلا ترى أَنَّك تَقول مَرَرْت بِرَجُل قَائِم أَبوهُ كَمَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل قَائِم وَتقول إِن شِئْت مَا زيد قَائِما وَلَا خَارج أَبوهُ جعلت أَبَاهُ بِمَنْزِلَة الْأَجْنَبِيّ فَصَارَ خَارج خَبرا مقدما كَأَنَّك قلت مَا زيد مُنْطَلقًا وَلَا أَبوهُ خَارج وَتقول مَا زيد خَارِجا غُلَامه وَلَا منطلقة جَارِيَته يكون فِي الْعَطف على حَاله فَأَما قَول بني تَمِيم فعلى أَنهم أدخلُوا مَا على المبتدإ وَقد عمل فِي خَبره كَمَا يعْمل الْفِعْل فِي فَاعله فَكَأَن قَوْلهم مَا زيد عَاقل بِمَنْزِلَة مَا قَامَ زيد لأَنهم أدخلوها على كَلَام قد عمل بعضه فِي بعض فَلم يُغير لِأَنَّهُ لَا يدْخل عَامل على عَامل وَأما أهل الْحجاز فَإِنَّهُم لما رأوها فِي معنى لَيْسَ فِي جَمِيع مواقعها تغني كل وَاحِدَة مِنْهُمَا عَن صاحبتها أجروها مجْراهَا فِي الْعَمَل مادام الْكَلَام على وَجهه فَقَالُوا مَا زيد مُنْطَلقًا كَمَا يَقُولُونَ لَيْسَ زيد مُنْطَلقًا فَإِن أدخلُوا عَلَيْهَا مَا يُوجِبهَا أَو قدمُوا خَبَرهَا رجعت إِلَى

стр. 1204

أَنَّهَا حرف فَقَالُوا مَا منطلق زيد لِأَنَّهَا ترجع إِلَى أَن الْكَلَام ابْتِدَاء وَخبر فَصَارَ بِمَنْزِلَة قَوْلك قَائِم زيد وَأَنت تُرِيدُ زيد قَائِم لَا يكون التَّقْدِيم إِلَّا على ذَلِك لِأَن لَيْسَ فعل وَهَذِه لَيست بِفعل تَقول لست ولسنا وَلَيْسوا ولسن وَلَا يكون شَيْء من هَذِه الْإِضْمَار فِي مَا وَلَكِن لما أشبهت الْفِعْل جرت مجْرَاه مَا كَانَ على مجْرَاه وَفِي مَوْضِعه فَلَمَّا فَارَقت ذَلِك لم يجز النَّقْض فِيهَا وَالتَّصَرُّف لِأَنَّهَا فِي نَفسهَا غير متصرفة وَلَا مُحْتَملَة ضميرا أَلا ترى أَنَّك تَقول إِن زيدا منطلق وَلَو قدمت الْخَبَر لم تقل إِن منطلق زيدا لِأَنَّك لَا تجْعَل الْحُرُوف غير المتصرفة كالأفعال المتصرفة وَلَو فعلت ذَلِك للزمك أَن تصرفها فِي أَنْفسهَا وَهَذَا محَال فَأَما تَقْدِيم الْخَبَر فقولك مَا منطلق زيد وَمَا مسيء من أَعتب فَإِنَّمَا قدمت على حد قَوْلك مَا زيد منطلق وَلَو أردْت التَّقْدِيم على قَوْلك مَا زيد مُنْطَلقًا لم يجز كَمَا لَا يجوز إِن منطلق زيدا وَهَذَا قَول مغن فِي جَمِيع الْعَرَبيَّة كل مَا كَانَ متصرفا عمل فِي الْمُقدم والمؤخر وَإِن لم يكن متصرفا لم يُفَارق مَوْضِعه لِأَنَّهُ مدْخل على غَيره وَأما نقض الْخَبَر فقولك مَا زيد إِلَّا منطلق لِأَنَّك نفيت عَنهُ كل شَيْء إِلَّا الانطلاق فَلم تصلح مَا أَن تكون عاملة فِي نقض النَّفْي كَمَا لم تعْمل فِي تَقْدِيم الْخَبَر قَالَ الله ﴿وَمَا أمرنَا إِلَّا وَاحِدَة كلمح﴾ و ﴿مَا هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ﴾ وَقَالَ حَيْثُ كَانَت فِي موضعهَا ﴿مَا هَذَا بشرا﴾ و ﴿مَا هن أمهاتهم﴾ فَهَذَا أَصْلهَا الَّذِي شرحنا وسنفرد بَابا للمسائل إِذْ كَانَت لَا تصح إِلَّا بعد الْفَرَاغ من الْأُصُول

стр. 1205

فَأَما قَول الفرزدق (فأَصْبَحُوا قَدْ أعادَ الله نِعْمَتَهُمْ ... إذْ هُمْ قُريشٌ وإِذْ مَا مِثْلَهُمُ بشَرُ) فالرفع الْوَجْه وَقد نَصبه بعض النَّحْوِيين وَذهب إِلَى أَنه خبر مقدم وَهَذَا خطأ فَاحش وَغلط بَين وَلَكِن نَصبه يجوز على أَن تَجْعَلهُ نعتا مقدما وتضمر الْخَبَر فتنصبه على

стр. 1206

الْحَال مثل قَوْلك فِيهَا قَائِما رجل وَذَلِكَ أَن النَّعْت لَا يكون قبل المنعوت وَالْحَال مفعول فِيهَا وَالْمَفْعُول يكون مقدما ومؤخرا وَقد فسرنا الْحَال بالعامل إِذا كَانَ فعلا وَإِذا كَانَ على معنى الْفِعْل بِمَا يسْتَغْنى عَن إِعَادَة القَوْل فِيهِ

стр. 1207

(هَذَا بَاب من مسَائِل مَا) تَقول مَا زيد مُنْطَلقًا وَلَا قَائِم عَمْرو رفعت قَائِما لِأَنَّهُ خبر مقدم فكأنك قلت وَمَا قَائِم عَمْرو وَتقول مَا زيد مُنْطَلقًا وَلَا قَائِما أَبوهُ وَإِن شِئْت قلت وَلَا قَائِم أَبوهُ أما النصب فلأنك أجريت على زيد الْخَبَر لِأَنَّهُ لما هُوَ من سَببه فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا كَانَ لَهُ أَلا ترى أَنَّك تَقول مَا زيد قَائِما أَبوهُ كَمَا تَقول مَا زيد قَائِما وَلَو قلت مَا زيد قَائِما عَمْرو كَانَ محالا وَأما الرّفْع فعلى أَنَّك جعلته خَبرا للْأَب ثمَّ قَدمته على ذَلِك فكأنك قلت مَا زيد أَبوهُ قَائِم فَكَانَ بِمَنْزِلَة الْأَجْنَبِيّ فِي الِانْقِطَاع من الأول ومباينا للْأَجْنَبِيّ فِي وُقُوعه خبر الأول رفعت أَو نصبت أما قَوْلنَا بِمَنْزِلَة الْأَجْنَبِيّ فَإنَّك إِذا قلت مَا زيد مُنْطَلقًا وَلَا قَائِم أَبوهُ فَهُوَ كَقَوْلِك وَلَا قَائِم عَمْرو لِأَنَّك عطفت جملَة على جملَة فَاسْتَوَى مَا لَهُ سَبَب وَمَا لَا سَبَب لَهُ وَأما قَوْلنَا إِذا كَانَ خَبرا بَان من الْأَجْنَبِيّ رفعت أَو نصبت فَذَلِك قَوْلك مَا زيد مُنْطَلقًا أَبوهُ وَمَا زيد أَبوهُ منطلق لَا يجوز أَن يكون الْأَجْنَبِيّ فِي هَذَا الْموضع لَو

стр. 1208

قلت مَا زيد مُنْطَلقًا عَمْرو أَو مَا زيد عَمْرو منطلق كَانَ خطأ وَلم يكن للْكَلَام معنى لِأَنَّك ذكرت زيدا وَلم تصل بِهِ خَبرا فَإِن قلت مَا زيد مُنْطَلقًا عَمْرو إِلَيْهِ أَو مَا زيد مُنْطَلقًا رجل يُحِبهُ أَو نَحْو ذَلِك من الرواجع إِلَيْهِ صَحَّ الْكَلَام وَصَحَّ مَعْنَاهُ وَهَذَا بَين جدا وَتقول مَا أَبُو هِنْد قَائِما وَلَا منطلقة أمه على مَا وصفت لَك وَلَو قلت مَا أَبُو هِنْد قَائِما وَلَا منطلقة أمهَا كَانَ خطأ لِأَنَّك لم ترد إِلَى الْأَب شَيْئا وَهُوَ الَّذِي عَنهُ تخبر وَإِنَّمَا جِئْت بِالْهَاءِ لغيره أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول مَا أَبُو هِنْد منطلقة أمهَا فَأَما قَول الشَّاعِر (فليْسَ بمعروفِ لنا أَنْ نَرُدَّها ... صِحاحاً وَلَا مُسْتَنْكَرٌ أَنْ تُعَقَّرَا) فَإِن هَذَا الْبَيْت إِنَّمَا جَاءَ فِي لَيْسَ وَلَيْسَ تَقْدِيم الْخَبَر وتأخيره فِيهَا سَوَاء وَلَكنَّا نشرحه على مَا يصلح مثله فِي مَا وَمَا يمْتَنع إِنَّمَا كَانَ فِي ذكر الْخَيل فَقَالَ فَلَيْسَ بِمَعْرُوف لنا أَن نردها أَي فَلَيْسَ بِمَعْرُوف لنا ردهَا ف (ردهَا) اسْم لَيْسَ وبمعروف لنا الْخَبَر ثمَّ قَالَ وَلَا مستنكر أَن تعقرا وتأويله وَلَا مستنكر عقرهَا فَهَذَا لَا يكون إِلَّا مُنْقَطِعًا عَن الأول لِأَن الْعقر مُضَاف إِلَى ضمير الْخَيل

стр. 1209

وَلَيْسَ يرجع إِلَى الرَّد وَالرَّدّ غير الْخَيل فَهَذَا بِمَنْزِلَة قَوْلك مَا أَبُو زَيْنَب قَائِما وَلَا ذَاهِبَة أمهَا لِأَن الْأُم ترجع إِلَى زَيْنَب لَا إِلَى من خبر عَنهُ وَهُوَ الْأَب وَلَو قلت فِي لَيْسَ خَاصَّة وَلَا مستنكرا أَن تعقرا على الْموضع كَانَ حسنا لِأَن لَيْسَ يقدم فِيهَا الْخَبَر فكأنك قلت لَيْسَ بمنطلق عَمْرو وَلَا قَائِما بكر على قَوْلك وَلَيْسَ قَائِما بكر وَأما الْخَفْض فَيمْتَنع لِأَنَّك تعطف بِحرف وَاحِد على عاملين وهما الْبَاء وَلَيْسَ فكأنك قلت زيد فِي الدَّار والحجرة عَمْرو فتعطف على فِي والمبتدأ وَكَانَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش يُجِيزهُ وَقد قَرَأَ بعض الْقُرَّاء ﴿وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وَمَا أنزل الله من السَّمَاء من رزق فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا وتصريف الرِّيَاح آيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ فعطف على إِن وعَلى فِي وَهَذَا عندنَا غير جَائِز

стр. 1210

وَمثل الْبَيْت الْمُتَقَدّم قَوْله (هَوِّنْ عَلَيْكَ فإِنَّ الأُمُورَ ... بِكَفِّ الإِلهِ مَقادِيرُها) (فليْسَ بآتيكَ منْهِيُّها ... وَلَا قاصرٌ عنكَ مأمُورُها) لِأَن الْمَأْمُور رَاجع إِلَى الْأُمُور ومنهيها بَعْضهَا فالرفع على مثل قَوْلك لَيْسَ زيد قَائِما وَلَا عَمْرو منطلق قطعته من الأول وعطفت جملَة على جملَة وَالنّصب قد فسرناه على الْموضع وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ يُجِيز الْجَرّ فِي هَذَا وَفِي الَّذِي قبله فَيَقُول وَلَا قَاصِر وَلَا مستنكر وَيذْهب إِلَى أَن الرَّد مُتَّصِل بِالْخَيْلِ وَأَن المنهى مُتَّصِل بالأمور فَإِذا رد إِلَى الْمنْهِي فَكَأَنَّهُ قد رد إِلَى الْأُمُور ويحتج بِهَذِهِ الأبيات الَّتِي أذكرها وَهِي قَول الشَّاعِر

стр. 1211

(وتشْرَقُ بالقوْلِ قَدْ أَذَعْتَهُ ... كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ) فأنث لِأَن الصَّدْر من الْقَنَاة وَكَذَلِكَ قَوْله (لَمَّا أَتَى خَبرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ... سُورُ المدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ) وَمثله (مشَيْنَ كَمَا اهتزَّتْ رِماحٌ تِسفَّهُتْ ... أَعالِيَهَا مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ)

стр. 1212

وَمثله (إِذا مَرُّ السنينَ تعرَّقتْنَا ... كَفى الأَيتَام فَقْدَ أَبي اليتيمِ) وَفِي كتاب الله ﴿فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين﴾ وَمثل هَذَا كثير جدا

стр. 1213

وَلَيْسَ القَوْل عِنْدِي كَمَا ذهب إِلَيْهِ وسنفصل بَين هَذَا وَبَين مَا ذكر إِن شَاءَ الله أما قَوْله ﴿فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين﴾ فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه أَرَادَ بأعناقهم جماعاتهم من قَوْلك أَتَانِي عنق من النَّاس أَي جمَاعَة وَإِلَى هَذَا كَانَ يذهب بعض الْمُفَسّرين وَهُوَ رَأْي أبي زيد الْأنْصَارِيّ وَأما مَا عَلَيْهِ جمَاعَة أهل النَّحْو وَأكْثر أهل التَّفْسِير فِيمَا أعلم فَإِنَّهُ أضَاف الْأَعْنَاق إِلَيْهِم يُرِيد الرّقاب ثمَّ جعل الْخَبَر عَنْهُم لِأَن خضوعهم بخضوع الْأَعْنَاق وَمن ذَلِك قَول النَّاس ذلت عنقِي لفُلَان وذلت رقبتي لَك قَالَ عمَارَة (فَإِنِّي امْرُؤ من عصبَة خندفية ... أَبَت للأعادي أَن تذيخ رقابها) جعل للأعادي تبيينا وَلم يدْخلهُ فِي صلَة أَن وَأما قَوْله كَمَا شَرقَتْ صدر الْقَنَاة من الدَّم فَإِن صدر الْقَنَاة قناة وَكَذَلِكَ سور الْمَدِينَة لِأَنَّهَا إِنَّمَا مدنت بسورها وَأما قَوْله (طُولُ اللَّيالي أَسْرَعتْ فِي نَقْضِي ... )

стр. 1214

فَإِن الطول غير منفكة اللَّيَالِي مِنْهُ فتقديره اللَّيَالِي أسرعت فِي نقضي وَقَرِيب مِنْهُ قَوْله (رأَتْ مرَّ السِّنِينْ أَخَذْنَ مِنِّي ... ) لِأَن السنين إِنَّمَا تعقل بمرورها وتصرفها وَالَّذِي قَالَ خَارج من هَذَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يجوز أَن تخبر عَن الْمُضَاف إِذا ذكرت الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذا كَانَ الأول بعضه أَو كَانَ الْمَعْنى مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ فَأَما قَوْله (فلَيْسَ بمعْرُوف لَنَا أَنْ نَرُدَّها ... ) فَإِن الرَّد غير الْخَيل والعقر رَاجع إِلَى الْخَيل فِي قَوْله (وَلَا مُسْتَنْكِرٍ أَنْ تُعْقَّرَا ... ) فَلَيْسَ بمتَّصل بِشَيْء من الرَّد وَلَا دَاخل فِي الْمَعْنى فَأَما قَوْله (فَلَيْسَ بآتِيك مِنْهِيُّها) فَهُوَ أقرب قَلِيلا وَلَيْسَ مِنْهُ لِأَن الْمَأْمُور بَعْضهَا والمنهي بَعْضهَا وقربه أَنَّهُمَا قد أحاطا بالأمور وَلَيْسَ يجوز الْخَفْض عندنَا إِلَّا على عاملين فِيمَن أجَازه وَقد ذكرنَا ذَلِك

стр. 1215

وَتقول مَا زيد قَائِما إِلَّا أَبوهُ أردْت مَا زيد قَائِما أحد إِلَّا أَبوهُ فَجَاز ذَلِك لِأَن أحدا منفي عَنهُ الْقيام وَكَذَلِكَ مَا زيد آكلا إِلَّا الْخبز أردْت مَا زيد آكلا شَيْئا إِلَّا الْخبز وَمَا زيد إِلَّا طَعَامك آكل رفعت آكلا لِأَنَّهُ وَقع مُوجبا فعلى هَذَا يجْرِي أصُول هَذَا الْبَاب ومسائله

стр. 1216

هَذَا بَاب النداء اعْلَم أَنَّك إِذا دَعَوْت مُضَافا نصبته وانتصابه على الْفِعْل الْمَتْرُوك إِظْهَاره وَذَلِكَ قَوْلك يَا عبد الله لِأَن يَا بدل من قَوْلك أَدْعُو عبد الله وَأُرِيد لَا أَنَّك تخبر أَنَّك تفعل وَلَكِن بهَا وَقع أَنَّك قد أوقعت فعلا فَإِذا قلت يَا عبد الله فقد وَقع دعاؤك بِعَبْد الله فانتصب على أَنه مفعول تعدى إِلَيْهِ فعلك وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ نكرَة نَحْو يَا رجلا صَالحا وَيَا قوما منطلقين وَالْمعْنَى وَاحِد

стр. 1217

وعَلى هَذَا ﴿يَا حسرة على الْعباد﴾ وَقَالَ الشَّاعِر (أَدَاراً بِحُزْوَى هِجْتِ لِلْعَيْنِ عَبْرةً ... فَماءُ الهَوَى يَرْفَضُّ أَوْ يَتَرَقْرَقْ) وَقَالَ الشَّاعِر (لعلَّكَ يَا تَيْسا نَزَا فِي مَرِيرَةٍ ... تُعَذِّبُ لَيْلى أنْ تَراني أَزُورُها)

стр. 1218

وَقَالَ الآخر (فيا راكِبِّا إِمَا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... نداماي مِنْ نَجْرَانَ أَنْ لَا تَلاقِيا) وَأما الْمُضَاف فكقوله ﴿يَا قَومنَا أجِيبُوا دَاعِي الله﴾ وَمَا أشبهه فَإِن كَانَ المنادى وَاحِدًا مُفردا معرفَة بني على الضَّم وَلم يلْحقهُ تَنْوِين وَإِنَّمَا فعل ذَلِك بِهِ لِخُرُوجِهِ عَن الْبَاب ومضارعته مَا لَا يكون معربا وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت يَا زيد وَيَا عَمْرو فقد أخرجته من بَابه لِأَن حد الْأَسْمَاء الظَّاهِرَة أَن تخبر بهَا وَاحِد عَن وَاحِد غَائِب والمخبر عَنهُ غَيرهَا فَتَقول قَالَ زيد فزيد غَيْرك وَغير الْمُخَاطب وَلَا تَقول قَالَ زيد وَأَنت تعنيه أَعنِي الْمُخَاطب فَلَمَّا قلت يَا زيد خاطبته بِهَذَا الِاسْم فأدخلته فِي بَاب مَا لَا يكون إِلَّا

стр. 1219

مَبْنِيا نَحْو أَنْت وَإِيَّاك وَالتَّاء فِي قُمْت وَالْكَاف فِي ضربتك ومررت بك فَلَمَّا أخرج من بَاب الْمعرفَة وَأدْخل فِي بَاب المبنية لزمَه مثل حكمهَا وبنيته على الضَّم لتخالف بِهِ جِهَة مَا كَانَ عَلَيْهِ معربا لِأَنَّهُ دخل فِي بَاب الغايات أَلا ترى أَنَّك تَقول جِئْت قبلك وَمن قبلك فَلَمَّا صَار غَايَة لما أذكرهُ فِي مَوْضِعه قلت جِئْت قبل يَا فَتى وَجئْت من قبل قَالَ الله ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ وَكَذَلِكَ تَقول جِئْت فِي أول النَّاس وَتقول ابدأ بِهَذَا أول يَا فَتى لما خرج من بَاب الْإِعْرَاب فَصَارَ غَايَة خُولِفَ بِهِ عَن جِهَته وَلِهَذَا مَوضِع يذكر فِيهِ مستقصى بحججه إِن شَاءَ الله فَإِن قَالَ قَائِل فالمضاف والنكرة مخاطبان كَمَا كَانَ فِي الْمُفْرد الْمعرفَة وَقد كَانَ حَقّهمَا أَن يخبر عَنْهُمَا وَلَا يخاطبا قيل لَهُ قد علمنَا أَن الْمُضَاف معرفَة بالمضاف إِلَيْهِ كَمَا كَانَ قبل النداء والنكرة فِي حَال النداء كَمَا كَانَ قبل ذَلِك وَزيد وَمَا أشبهه فِي حَال النداء معرفَة بِالْإِشَارَةِ منتقل عَنهُ مَا كَانَ قبل ذَلِك فِيهِ من التَّعْرِيف أَلا ترى أَنَّك تَقول إِذا أردْت الْمعرفَة يَا رجل أقبل فَإِنَّمَا تَقْدِيره يَا أَيهَا الرجل أقبل وَلَيْسَ على معنى مَعْهُود وَلَكِن حدثت فِيهِ إِشَارَة النداء فَلذَلِك لم تدخل فِيهِ الْألف وَاللَّام وَصَارَ معرفَة بِمَا صَارَت بِهِ المبهمة معارف

стр. 1220

والمبهمة مثل هَذَا وَذَاكَ وَهَذِه وَتلك وَأُولَئِكَ وَذَاكَ وذاكن وذلكن إِلَّا أَنَّك إِذا ناديته فَهُوَ معرفَة بِالْإِشَارَةِ كَمَا كَانَت هَذِه الْأَسْمَاء غير أَنه مُخَاطب وَهِي مخبر عَنْهَا فَهَذَا يُوضح لَك أَمر الْوَاحِد الْمُفْرد وَمَعَ ذَلِك أَن الْمُضَاف تَمنعهُ الْإِضَافَة من الْبناء كَمَا كَانَ ذَلِك فِي قبل وَبعد وأمس وَمَا أشبههن تَقول ذهب أمس بِمَا فِيهِ وَقد ذهب أمسنا وَكَذَلِكَ تَقول جِئْت من قبل وَمن بعد يَا فَتى كَمَا قَالَ الله ﴿وَمن قبل مَا فرطتم فِي يُوسُف﴾ فَلَمَّا أضَاف قَالَ ﴿من بعد أَن أَظْفَرَكُم عَلَيْهِم﴾ و ﴿من بعد أَن نزع الشَّيْطَان بيني وَبَين إخوتي﴾ والفصل بَين قَوْلك يَا رجل أقبل إِن أردْت بِهِ الْمعرفَة وَبَين قَوْلك يَا رجلا أقبل إِذا أردْت النكرَة أَنَّك إِذا ضممت فَإِنَّمَا تُرِيدُ رجلا بِعَيْنِه تُشِير إِلَيْهِ دون سَائِر أمته وَإِذا نصبت ونونت فَإِنَّمَا تَقْدِيره يَا وَاحِدًا مِمَّن لَهُ هَذَا الِاسْم فَكل من أجابك من الرِّجَال فَهُوَ الَّذِي عنيت كَقَوْلِك لَأَضرِبَن رجلا فَمن كَانَ لَهُ هَذَا الِاسْم بر بِهِ قسمك وَلَو قلت لَأَضرِبَن الرجل لَك لم يكن إِلَّا وَاحِدًا مَعْلُوما بِعَيْنِه إِلَّا أَن هَذَا لَا يكون إِلَّا على مَعْهُود فأعربت النكرَة لِأَنَّهَا فِي بَابهَا لم تخرجها مِنْهُ وَمَعَ هَذَا أَن التَّنْوِين الَّذِي فِيهِ مَانع من الْبناء كَمَا كَانَ ذَلِك فِي الْمُضَاف

стр. 1221

وَمن جعل قبل وَبعد نكرتين نون وأجراهما على وُجُوه الْإِعْرَاب وَقد قَرَأَ بعض الْقُرَّاء ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ فَمن جَعلهمَا نكرتين فتقديره وَالله أعلم لله الْأَمر أَولا وآخرا وَمن جَعلهمَا معرفتين فتقدير ذَلِك قبل مَا نعلم وَبعده وَقبل كل شَيْء وَبعده تَقول يَا زيد وَعَمْرو أَقبلَا وَيَا هِنْد وَزيد أَقبلَا تجْرِي كل مُفْرد معرفَة وَإِن اخْتلفت أجناسه مجْرى وَاحِد لِأَن النداء يُخرجهُ إِلَى طَريقَة وَاحِدَة فَإِن نعت مُفردا بمفرد فَأَنت فِي النَّعْت بِالْخِيَارِ إِن شِئْت رفعته وَإِن شِئْت نصبته تَقول يَا زيد الْعَاقِل أقبل وَيَا عَمْرو الظريف هَلُمَّ وَإِن شِئْت قلت الْعَاقِل والظريف أما الرّفْع فلأنك أتبعته مَرْفُوعا فَإِن قَالَ فَهَذَا الْمَرْفُوع فِي مَوضِع مَنْصُوب فَلم لَا يكون بِمَنْزِلَة قَوْلك مَرَرْت بعثمان الظريف لم تتبعه لاسم لِأَن الِاسْم فِي مَوضِع مخفوض وَأَنه مَنعه أَنه لَا ينْصَرف فجرت صفته على مَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون عَلَيْهِ فالفصل بَينهمَا اطراد الْبناء فِي كل منادى مُفْرد حَتَّى يصير الْبناء عِلّة لرفعه وَإِن كَانَ ذَلِك الرّفْع غير إِعْرَاب وَلَيْسَ كل اسْم مَمْنُوعًا من الصّرْف

стр. 1222

فَمن ذَلِك قَوْله (يَا حَكَمُ الوارِثُ عَنْ عَبْدِ الملِكْ ... ) فَهُوَ الْأَكْثَر فِي الْكَلَام وَأما النصب فعلى الْموضع لِأَن مَوضِع زيد مَنْصُوب فتقدير هَذَا إِذا رفعت تَقْدِير قَوْلك لَيْسَ زيد بقائم وَلَا قَاعد على اللَّفْظ وَإِن كَانَت الْبَاء زَائِدَة وَتَقْدِير الْمَنْصُوب تَقْدِير قَوْلك لَيْسَ زيد بقائم وَلَا قَاعِدا حملت قَاعِدا على الْموضع إِلَّا أَن هَذَا مُعرب فِي مَوْضِعه وَزيد مَبْنِيّ فِي النداء وَلَكِنِّي مثلت لَك بِمَا اخْتلف وجهاه كاختلاف نعت زيد الْمُفْرد وَمِمَّا جَاءَ من نعت المنادى الْمُفْرد مَنْصُوبًا قَول جرير (فَمَا كَعْبُ بْنُ مَامَةَ وابنُ سُعْدَى ... بأَجْوَدَ مِنْكَ يَا عُمرُ الجَوادَا)

стр. 1223

وَإِذا نعت مُفردا بمضاف لم يكن الْمُضَاف إِلَّا مَنْصُوبًا تَقول يَا زيد ذَا الجمة وَيَا زيد غُلَام عَمْرو والفصل بَين هَذَا وَبَين الْمُفْرد أَنَّك إِذا نعت شَيْئا بِشَيْء فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ لَو كَانَ فِي مَوْضِعه فقولك مَرَرْت بزيد الظريف كَقَوْلِك مَرَرْت بالظريف وَكَذَلِكَ مَرَرْت بِعَمْرو الْعَاقِل فَأَنت إِذا قلت يَا زيد الظريف فتقديره يَا ظريف على مَا حددت لَك وقولك يَا زيد ذَا الجمة بِمَنْزِلَة يَا ذَا الجمة فَلذَلِك لم يكن الْمُضَاف إِذا كَانَ نعتا إِلَّا نصبا أما الْمُضَاف المنادى فنعته لَا يكون إِلَّا نصبا مُفردا كَانَ أَو مُضَافا وَذَلِكَ قَوْلك يَا عبد الله الْعَاقِل لِأَنَّك إِن حَملته على اللَّفْظ فَهُوَ مَنْصُوب والموضع مَوضِع نصب فَأَما قَوْله (إِنَّي وأَسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا ... لقائِلٌ يَا نصرُ نصرٌ نَصْرا) فَإِن هَذَا الْبَيْت ينشد على ضروب فَمن قَالَ يَا نصر نصرا نصرا فَإِنَّهُ جعل المنصوبين تبيينا لمضموم وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه النحويون عطف الْبَيَان وَمَجْرَاهُ مجْرى الصّفة فأجراه على قَوْلك يَا زيد الظريف وَتَقْدِيره تَقْدِير قَوْلك يَا رجل زيدا أقبل جعلت زيدا بَيَانا للرجل على قَول من نصب الصّفة

стр. 1224

وينشد يَا نصر نصر نصرا جَعلهمَا تبيانا فَأجرى أَحدهمَا على اللَّفْظ وَالْآخر على الْموضع كَمَا تَقول يَا زيد الظريف الْعَاقِل وَلَو حمل الْعَاقِل على أَعنِي كَانَ جيدا وَمِنْهُم من ينشد يَا نصر نصر نصرا يَجْعَل الثَّانِي بَدَلا من الأول وَينصب الثَّانِي على التَّبْيِين فَكَأَنَّهُ قَالَ يَا نصر نصرا وَأما الْأَصْمَعِي فَزعم أَن هَذَا الشّعْر يَا نصر نصرا نصرا وَأَنه إِنَّمَا يُرِيد الْمصدر أَي انصرني نصرا

стр. 1225

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هَذَا تَصْحِيف إِنَّمَا قَالَه لنصر بن سيار يَا نصر نصرا نصرا إغراء أَي عَلَيْك نصرا يغريه بِهِ اعْلَم أَن الْبَدَل فِي جَمِيع الْعَرَبيَّة يحل مَحل الْمُبدل مِنْهُ وَذَلِكَ قَوْلك مَرَرْت بِرَجُل زيد وبأخيك أبي عبد الله فكأنك قلت مَرَرْت بزيد ومررت بِأبي عبد الله فعلى هَذَا تَقول يَا زيد أَبَا عبد الله فتنصب أَبَا عبد الله نعتا كَانَ أَو بَدَلا لِأَنَّك إِذا أبدلته مِنْهُ فكأنك قلت يَا أَبَا عبد الله وَتقول يَا أخانا زيدا أقبل لِأَن الْبَيَان يجْرِي مجْرى النَّعْت فكأنك قلت يَا أخانا الظريف أقبل لَا يكون فِي الظريف إِلَّا النصب وَلَا فِي زيد إِذا كَانَ تبيينا وَاعْلَم أَن الْمَعْطُوف على الشَّيْء يحل مَحَله لِأَنَّهُ شَرِيكه فِي الْعَامِل نَحْو مَرَرْت بزيد وَعَمْرو وَجَاءَنِي زيد وَعَمْرو فعلى هَذَا تَقول يَا زيد وَعَمْرو أَقبلَا وَيَا زيد وَعبد الله أَقبلَا لِأَن عبد الله إِذا حل مَحل زيد فِي النداء لم يكن إِلَّا نصبا تَقول مَرَرْت بِعَمْرو وَمُحَمّد يَا فَتى لِأَن مُحَمَّدًا إِذا حل هَذَا الْمحل لم يكن إِلَّا مخفوضا منونا وَتقول يَا عبد الله وَزيد أَقبلَا لَا يكون إِلَّا ذَلِك لما ذكرت لَك

стр. 1226

فَإِن عطفت اسْما فِيهِ ألف وَلَام على مُضَاف أَو مُنْفَرد فَإِن فِيهِ اخْتِلَافا أما الْخَلِيل وسيبويه والمازني فيختارون الرّفْع فَيَقُولُونَ يَا زيد والْحَارث أَقبلَا وَقَرَأَ الْأَعْرَج ﴿يَا جبال أوبي مَعَه وَالطير﴾ وَأما أَبُو عَمْرو وَعِيسَى بن عمر وَيُونُس وَأَبُو عمر الْجرْمِي فيختارون النصب وَهِي قِرَاءَة الْعَامَّة وَحجَّة من اخْتَار الرّفْع أَن يَقُول إِذا قلت يَا زيد والْحَارث فَإِنَّمَا أُرِيد يَا زيد وَيَا حَارِث

стр. 1227

فَيُقَال لَهُم فَقولُوا يَا الْحَارِث فَيَقُولُونَ هَذَا لَا يلْزمنَا لِأَن الْألف وَاللَّام لَا تقع إِلَى جَانب حرف النداء وَأَنْتُم إِذا نصبتموه لم توقعوه أَيْضا ذَلِك الْموقع فكلانا فِي هَذَا سَوَاء وَإِنَّمَا جوزت لمفارقتها حرف الْإِشَارَة كَمَا تَقول كل شاه وسخلتها بدرهم وَرب رجل وأخيه وَلَا تَقول كل سخلتها وَلَا رب أَخِيه حَتَّى تقدم النكرَة وَحجَّة الَّذين نصبوا أَنهم قَالُوا نرد الِاسْم بِالْألف وَاللَّام إِلَى الأَصْل كَمَا نرده بِالْإِضَافَة والتنوين إِلَى الأَصْل فيحتج عَلَيْهِم بالنعت الَّذِي فِيهِ الْألف وَاللَّام وكلا الْقَوْلَيْنِ حسن وَالنّصب عِنْدِي حسن على قِرَاءَة النَّاس مثل ذَلِك اخْتلَافهمْ فِي الِاسْم المنادى إِذا لحقه التَّنْوِين اضطرارا فِي الشّعْر فَإِن الْأَوَّلين يرَوْنَ رَفعه وَيَقُولُونَ هُوَ بِمَنْزِلَة مَرْفُوع لَا ينْصَرف فَلحقه التَّنْوِين على لَفظه وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَأَصْحَابه يلزمونه النصب وحجتهم فِي ذَلِك مَا ذكرت لَك وَيَقُولُونَ هُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك مَرَرْت بعثمان يَا فَتى فَمَتَى لحقه التَّنْوِين رَجَعَ إِلَى الْخَفْض

стр. 1228

فمما جَاءَ على ذَلِك قَول مهلهل (رَفَعتْ رَأْسَهَا إِليَّ وقَالَتْ ... يَا عَدِيًّا لقَدْ وقَتْك الأَواقي) وَالْأَحْسَن عِنْدِي النصب وَأَن يردهُ التَّنْوِين إِلَى أَصله كَمَا كَانَ ذَلِك فِي النكرَة والمضاف وَكَذَلِكَ بَيت الْأَحْوَص (سلامُ اللهِ يَا مطَرُ عليْها ... وليسَ عليكَ يَا مَطَرُ السلامُ)

стр. 1229

وَقَالَ الآخر (يَا عَدِيًّا لِقَلْبِكَ المُهْتَاجِ ... ) وَأما قَول الصلتان (أَيَا شَاعِرًا لَا شَاعِر اليَوْمَ مِثْلَهُ ... جَرِيرٌ ولكنْ فِي كُلَيْبٍ تَواضُعُ) فَكَانَ الْخَلِيل يزْعم أَن هَذَا لَيْسَ نِدَاء من أجل الْمَعْنى وَذَلِكَ أَنه لَو ناداه كَانَ قد نَادَى منكورا وَكَانَ كل من أَجَابَهُ مِمَّن لَهُ هَذَا الِاسْم فَهُوَ الَّذِي نَادَى كَقَوْلِك إِذا جَاءَ رجل فَأَعْلمنِي فَإِنَّمَا أخْبرته بِأَن يعلمك إِذا جَاءَ وَاحِد مِمَّن لَهُ هَذِه البنية قَالَ فَكيف يكون نكرَة وَهُوَ يقْصد إِلَى وَاحِد بِعَيْنِه فيفضله وَلَكِن مجازاه أَنه

стр. 1230

قَالَ يَا فنبه ثمَّ قَالَ عَلَيْكُم شَاعِرًا لَا شَاعِر الْيَوْم مثله وَفِيه معنى التَّعَجُّب كَأَنَّهُ قَالَ حَسبك بِهِ شَاعِرًا لما فِيهِ من معنى وَاللَّفْظ على مَا شرحت لَك وَإِذا كَانَت الصّفة لَازِمَة تحل مَحل الصِّلَة فِي أَنه لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا لإبهام الْمَوْصُوف لم يكن إِلَّا رفعا لِأَنَّهَا وَمَا قبلهَا بِمَنْزِلَة الشَّيْء الْوَاحِد لِأَنَّك إِنَّمَا ذكرت مَا قبلهَا لتصل بِهِ إِلَى ندائها فَهِيَ الْمَدْعُو فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ قَوْلك يَا أَيهَا الرجل أقبل أَي مدعُو وَالرجل نعت لَهَا وَهَا للتّنْبِيه لِأَن الْأَسْمَاء الَّتِي فِيهَا الْألف وَاللَّام صِفَات للمبهمة مبينَة عَنْهَا ونفسر ذَلِك مستقصي ثمَّ نعود إِلَى مَوْضِعه من النداء إِن شَاءَ الله تَقول جَاءَنِي هَذَا الرجل فالرجل فِي غير هَذَا الْموضع لَا يذكر إِلَّا على مَعْهُود نَحْو قَوْلك جَاءَنِي الرجل فَمَعْنَاه الَّذِي عَرفته وَالَّذِي كَانَ بيني وَبَيْنك فِيهِ ذكر فَإِذا قلت جَاءَنِي هَذَا الرجل لم يكن على مَعْهُود وَلَكِن مَعْنَاهُ الَّذِي ترى فَإِنَّمَا هَذَا اسْم مُبْهَم يَقع على كل مَا أَوْمَأت إِلَيْهِ بقربك وَإِنَّمَا توضحه بِمَا تنعته بِهِ ونعته الْأَسْمَاء الَّتِي فِيهَا الْألف وَاللَّام وَيجوز أَن تنعته بِالصِّفَاتِ الَّتِي فِيهَا الْألف وَاللَّام إِذا أَقمت الصّفة مقَام الْمَوْصُوف فَتَقول مَرَرْت بِهَذَا الطَّوِيل إِذا أَشرت إِلَيْهِ فَعلم مَا تَعْنِي بالطويل وأصل النَّعْت بِهَذِهِ الْأَسْمَاء كَمَا وصفت لَك فَإِذا قلت يَا أَيهَا الرجل لم يصلح فِي الرجل إِلَّا الرّفْع لِأَنَّهُ المنادى فِي الْحَقِيقَة وَأي مُبْهَم متوصل بِهِ إِلَيْهِ
следующие страницы →