← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 6965

المقتضب

المبرد

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

(هَذَا بَاب مَا يحذف اسْتِخْفَافًا لأَنَّ اللّبْس فِيهِ مأْمون) وَذَلِكَ أَنَّ للأَشياءِ أُصولا ثمّ يحذف مِنْهَا مَا يُخرجهَا عَن أُصولها فَمن هَذَا الْمَحْذُوف مَا يبلغ بالشيءِ أَصلَه وَمِنْه مَا يحذف لأَنَّ مَا بَقِي دالّ عَلَيْهِ وإِن يكن ذَلِك أَصلَه فأَما مَا يبلغ بِهِ أَصله فإِنَّ كِنَايَة الْمَجْرُور فِي الْكَلَام ككناية الْمَنْصُوب وَذَلِكَ لأَنَّ الأَصل الرّفْع وَهُوَ الَّذِي لَا يتمّ الْكَلَام إِلَاّ بِهِ كالابتداءِ وَالْخَبَر وَالْفِعْل وَالْفَاعِل وإِنَّما الْمَنْصُوب والمخفوص لِما خرجا إِليه عَن هَذَا الْمَرْفُوع فَلذَلِك اشْتَركَا فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع نَحْو مسلمَين ومسلمِين ومسلمات وَلذَلِك كَانَ مَالا ينْصَرف إِذا كَانَ مخفوضا فتح وَحمل على مَا هُوَ نَظِير الْخَفْض نَحْو مَرَرْت بعثمانَ وأَحمرَ يَا فَتى وَذَلِكَ قَوْلك فِي الْكِنَايَة ضربتك ومررت بك وضربته ومررت بِهِ وضربتهم وَعَلَيْهِم وَاحِد وَتقول هَذَا غلامي وَهَذَا الضاربي فيستويان فإِذا قلت ضَرَبَنِي زِدْت نونا على المخفوض ليسلم الْفِعْل لأَنَّ الْفِعْل لَا يدْخلهُ جرّ وَلَا كسر فإِنَّما زِدْت هَذِه النُّون ليسلم لأَنَّ هَذِه الياءَ تكسر مَا وَقعت عَلَيْهِ فإِن قلت قد قلت الضاربي والياءُ مَنْصُوبَة فإِنَّما ذَلِك لأَنَّ الضَّارِب اسْم فَلم يكره الْكسر فِيهِ وَالدَّلِيل على أَن الياءَ مَنْصُوبَة قَوْلك الضَّارِب زيدا فإِن قلت فقد يدْخل الْفِعْل الكسرة فِي قَوْلك اضربِ الرجل فإِنَّما ذَلِك لالتقاءِ الساكنين

стр. 247

وَلَيْسَ بِلَازِم وإِنَّما كسروا ليُعْلموا أَنَّه عارضٌ فِي الْفِعْل إِذ لم يكن من إِعرابه وَنَظِير زِيَادَة هَذِه النُّون فِي الْمَنْصُوب قَوْلهم / فِي الْمَجْرُور منِّي وعنِّي وقَدنْي زادوا النُّون ليسلم مَا قبلهَا على سكونه كَمَا سلم الْفِعْل على فَتحه فقد زيدت فِي الْمَجْرُور كَمَا زيدت فِي الْمَنْصُوب وَلَو كَانَ آخر الِاسْم متصرّفا بالحركة لم تزد نَحْو قَوْلك هَذَا هَنِي ودَمِي فَالَّذِي ذكرنَا ممّا يحذف قَوْلك إِنَّني وكأَنَّني ولعلَّني لأَنَّ هَذِه الْحُرُوف مشبهة للْفِعْل

стр. 248

مَفْتُوحَة الأَواخر فزدت فِيهَا النُّون كَمَا زدتها فِي الْفِعْل لتسلم حركاتها وَيجوز فِيهِنَّ الْحَذف فَتَقول إِنِّي وكأَنِّي ولكنِّي وإِنَّما جَازَ لأَنَّ النُّون فِي (إِنَّ) و (كأَنَّ) ثَقيلَة وَهِي مَعَ ذَلِك مُشبَّهة بِالْفِعْلِ وَلَيْسَت بأَفعال فحذفت كَرَاهِيَة التَّضْعِيف وإِنْ أَثبتَّ فَلَمَّا وَصفته فإِن قَالَ قَائِل فأَنت تَقول لعلِّي وَلَيْسَ فِي لعلّ نون فإِنَّما ذَلِك لأَنَّ (لعلّ) مضعَّفة وَهِي أَقرب الْحُرُوف من النُّون وتعاقبها وتدغم كلّ وَاحِدَة / مِنْهُمَا فِي صاحبتها وَقد مضى القَوْل فِي هَذَا فأَمَّا (لَيْتَني) فَلَا يجوز حذف النُّون مِنْهَا إِلَاّ أَن يضطَّر شَاعِر فيحذفها لأَنَّ الضَّرُورَة تردّ الأَشياءَ إِلى أُصولها والأَصل الياءُ وحدَها وَلَيْسَت (لَيْت) بِفعل إِنَّما هِيَ مشبّهة فَمن ذَلِك قَوْله (تَمَنَّى مَزْيدٌ زيدا فَلاقَى ... أَخا ثِقةٍ إِذا اخْتلف العَوالي) (كمُنْيةِ جابرٍ إِذ قَالَ لَيْتَني ... أُصَادفُه ويَهْلِكَ جُلُّ مَالِي) فَهَذَا من الْمَحْذُوف الَّذِي بُلغ بِهِ الأَصل

стр. 249

وممّا حذف اسْتِخْفَافًا لأَنَّ مَا ظهر دَلِيل عَلَيْهِ قَوْلهم فِي كلِّ قَبيلَة تظهر فِيهَا لَام الْمعرفَة مثل بني الْحَارِث وَبني الهُجَيم وَبني العنبر هُوَ بَلْعَنبر وبَلْهُجيم فيحذفون النُّون لقربها من اللَّام لأَنَّهم يكْرهُونَ التَّضْعِيف فإِن كَانَ مثل بني النجّار والنمر والتيم لم يحذفوا لئلَاّ يجمعوا عَلَيْهِ علَّتين الإِدغام والحذف وَيَقُولُونَ عَلْماءِ بَنو فلَان يُرِيدُونَ على الماءِ فيحذفون لَام على كَمَا قَالَ / (وَمَا سُبِقَ القَيْسيُّ من ضعْفِ حِيلةٍ ... ولكنْ طفت عَلْمَاءِ قُلْفةُ خَالدِ) وَاعْلَم أَنَّ كلّ مدغم فِيمَا بعده إِذا كَانَا من كَلِمَتَيْنِ فإِظهار الأَوّل جَائِز لأَنَّه غير لَازم للثَّانِي إِلَاّ أَنَّه فِي بعضٍ أَحسن مِنْهُ فِي بعض على قَدْر تداني المخارج وبُعْدها فإِذا لقِيت التاءُ دَالا أَو طاء كَانَ الإِدغام أَحسن لأَنَّ مخرج الثَّلَاثَة وَاحِد وإِنَّما يفصل بَينهمَا أَعراض فِيهَا وَذَلِكَ قَوْلك ذهبطَّلحة الإِدغام أَحسن وَكَذَلِكَ هُدِّ مدَّارُ زيدٍ وَمثل ذَلِك لم يعد تَّميم وَلم يعد طَّاهر فإِن قلت انقط دَاوُد كَانَ الإِدغام بأَن تطبق مَوضِع الطاءِ أَحسن لأَنَّ فِي الطاءِ إِطباقا فيكرهون ذَهَابه تَقول انقطَّاود وَلَو قلت انقدّاود كَانَ حسنا ولكنّ الِاخْتِيَار مَا ذكرت لَك وإِن لم تُدْغَم / فَجَائِز

стр. 250

والظاءُ والثاءُ والذال هَذَا أَمر بَعضهنَّ مَعَ بعض فِي تبقية الإِطباق وحذفه وَحسن الإِدغام وَجَوَاز التَّبْيِين وَفِيمَا ذكرت لَك من قرب المخارج وَبعدهَا كِفَايَة فأَمّا قراءَة أَبي عَمْرو ﴿هَثُّوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فإِنَّ التَّبْيِين أَحسن مِمَّا قرأَ لأنَّ الثاءَ لَا تقرب من اللَّام كقرب التاءِ وأُختيها وَكَذَلِكَ التاءُ فِي قراءَته ﴿بتُّؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وَلَيْسَت هَذِه اللَّام كَلَام الْمعرفَة لَازِمَة لكلّ اسْم تُرِيدُ تَعْرِيفه فَلَيْسَ يجوز فِيهَا مَعَ هَذِه الْحُرُوف الَّتِي ذكرت لَك وَهِي ثَلَاثَة عشر حرفا إِلَاّ الإِدغام وَقد ذكرنَا بتفسيرها وإِنَّما يلْزم الإِدغام على قدْر لُزُوم الْحَرْف أَلا ترى / أَنَّها إِذا كَانَت فِي كلمة وَاحِدَة لم يجز الإِظهار إِلَاّ أَن يضطرّ الشَّاعِر فيردّ الشيءَ إِلى أَصله نَحْو ردَّ وفَرَّ ودَابّة وشابّة لأَنَّ الباءَ الأُولى تلْزم الثَّانِيَة فأَمَّا قَوْلهم أَنتما تكلِّمانني وتكلمانيّ وَقَوله ﴿أفغير الله تأمروني﴾ وَفِي الْقُرْآن ﴿لم تؤذونني وَقد تعلمُونَ﴾ فلأَنَّ الثَّانِيَة مُنْفَصِلَة من الأُولى لأَنَّها اسْم الْمَفْعُول تَقول أَنتما تظلمان زيدا وأَنتم تظْلمُونَ عمرا وأَمّا (دابّة) فَهِيَ فاعِلة وَكَذَلِكَ (ردَّ) فَعَلَ فهما لَازِمَة إِحداهما للأُخرى لَا تنفصل مِنْهَا فإِذا اضطرّ شَاعِر جَازَ رَدَد وضَنِن كَمَا قَالَ (تَشْكُو الوَجَى من أَظْلُلٍ وأَظْلُلِ)

стр. 251

وَقَالَ (مَهْلاً أَعاذلُ قدْ جَرَّبتِ منْ خُلُقي ... أَنِّي أَجُودُ لأَقْوامٍ وإِن ضَنِنُوا) وَقَالَ (الحمدُ لله العلِيّ الأَجْلَلِ) وَاعْلَم أَنَّ أَلف الْوَصْل الَّتِي تكون مَعَ اللَّام للتعريف تخَالف سَائِر أَلفات الْوَصْل وإِن كَانَت فِي الْوَصْل مثلَهنّ وَذَلِكَ أَنَّها مَفْتُوحَة لأَنَّها لم تلْحق اسْما وَلَا فعلا نَحْو اضربْ واقْتُلْ وَابْن وَاسم وإِنَّما لحقت حرفا فَلذَلِك فتحت وخولف بلفظها لمُخَالفَة مَا وَقع هليه الأَسماءُ والأَفعال فإِذا كَانَت فِي درَج الْكَلَام سَقَطت كسقوط سَائِر أَلفات الْوَصْل وَذَلِكَ قَوْلك لقِيت الْقَوْم فَسَقَطت وَتقول وَالْقَوْم ذاهبون وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا صرّفت فِيهِ إِلَاّ أَن تلحقها أَلف الِاسْتِفْهَام فتجعلها مَدّة وَلَا تحذفها فيلتبس الْخَبَر بالاستفهام لأَنَّها مَفْتُوحَة فَلَو حذفتها لاستوى اللفظان وَذَلِكَ قَوْلك فِي الِاسْتِفْهَام آلرجل لقِيك وَقَوله ﴿آللهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ﴾ وَكَذَلِكَ أَلف (آيْم) لأَنَّها لَزِمت اسْما لَا يسْتَعْمل إِلَاّ فِي الْقسم فَهُوَ مضارع لأَلف اللَّام تَقول آيم الله لقد كَانَ / ذَاك آيمن الله لقد كَانَ ذَاك وَلذَلِك قَالُوا يَا الله اغْفِر لنا لمّا كَانَت فِي اسْم لَا تُفَارِقهُ وَثبتت فِي الِاسْتِفْهَام فعلوا بهَا ذَلِك وَكَذَلِكَ أَفأَللهِ لتفعلنّ لما وصفت لَك فإِذا كَانَت مستأْنفة وتحرّكت اللَّام بعْدهَا بحركة الْهمزَة فإِنَّ النحويّين يَخْتَلِفُونَ فِيهَا فَيَقُول قوم أَلحَمر جاءَني فيثبتوها وإِن تحركت اللَّام وَلَا يجعلونها مثل قَوْلك ﴿سل بني إِسْرَائِيل﴾ لأَنَّها كَانَت اسأَل فلمّا تحرّكت السِّين سَقَطت أَلف الْوَصْل فهؤلاءِ يحتجّون بثباتها فِي الِاسْتِفْهَام وأَنَّ بعْدهَا سَاكن الأَصل لَا يكون إِلا على ذَلِك

стр. 252

وهؤلاءِ لَا يدغمون مَا قبل اللَّام فِي اللَّام ممّا قرب جِواره مِنْهَا لأَنَّ حكم اللَّام عِنْدهم حكم السّكُون فَلذَلِك ثبتَتْ أَلف الْوَصْل وَمِنْهُم من يَقُول لَحمر جاءَني فيحذف الأَلف / لتحرّك اللَّام وعَلى هَذَا قرأَ أَبو عَمْرو ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادَ لُّوليَ﴾ وَكَانَ الأَخفش يُجِيز اِسَلْ زيدا لأَنَّ السِّين عِنْده سَاكِنة لأَنَّ الْحَرَكَة للهمزة وَهَذَا غلَط شَدِيد لأَنَّ السِّين متصرّفة كَسَائِر الْحُرُوف وأَلف الْوَصْل لَا أَصل لَهَا فَمَتَى وُجد السَّبِيل إِلى إِسقاطها سَقَطت وَاللَّام مبنيَّة على السّكُون لَا موضعَ لَهَا غيرُه فأَمرها مُخْتَلف وَلذَلِك لحقتها أَلف الْوَصْل مَفْتُوحَة مُخَالفَة لسَائِر الأَلفات (تمّ الإِدغام) قَالَ أَبو الْعَبَّاس كنَّا قدّمنا فِي أَوّل كتَابنا وَبعد ذَلِك أَشياءَ جرى ذكرهَا لما يشاكلها فِي موَاضعهَا وَلم يكن موضعَ تَفْسِيرهَا فوعدنا أَن نفسّرها إِذا قضينا القَوْل فِيمَا قصدنا لَهُ عِنْد ذكرهَا فَمن ذَلِك لَام الْخَفْض الَّتِي يسمّيها النحويّون لَام المِلْك / فَقُلْنَا هِيَ مَكْسُورَة مَعَ الأَسماءِ الظَّاهِرَة ومفتوحة مَعَ الأَسماءِ المضمرة لعلَّة نذكرها وَهَذَا أَوان ذكرهَا أَصلها عندنَا الْفَتْح كَمَا يَقع مَعَ الْمُضمر نَحْو قَوْلك المَال لَك وَالْمَال لَنا وَالدَّرَاهِم لَكم وَلَهُم وَكَذَلِكَ كلّ مُضْمر فإِذا قلت المَال لِزيد كسرتها لئلَاّ تَلْتَبِس بلام الابتداءِ وَلم تكن الْحَرَكَة فِيهَا إِعرابا فيسلمها على مَا خيّلت

стр. 253

وَمَوْضِع الالتباس أَنَّك لَو قلت إِنَّ زيدا لَهذا وإِن عمرا لَذاك وأَنت تُرِيدُ لَام الْملك لم يدر السَّامع أَيَّهما أَردت إِنَّ زيدا فِي مِلْك ذَاك أَو إِنَّ زيدا ذَاك فإِذا كسرت فَقلت إِن زيدا لِذاك علم أَنَّه فِي مِلْكِه وإِذا قلت إِنَّ زيدا لَذاك علم أَنَّ زيدا ذَاك وَكَذَلِكَ الأَسماءُ المعربة إِذا وقفت عَلَيْهَا فَقلت إِنَّ هَذ لَزيد لم يدر أَهو زيد أَم هُوَ لَهُ فإِن قَالَ قَائِل فَلم لَا يكون / ذَلِك فِي الباءِ قيل لأَنَّ الباءَ لَا يشرَكها مثلهَا فتخاف لبسا فبِنْيتُها أَبدا الكسرُ مَعَ الظَّاهِر والمضمر تَقول مَرَرْت بزيد وَبِك وَبِه وبِهم كَمَا أَنَّ بِنْية الْكَاف الفتحُ إِذا قلت أَنت كزيد وَلست كَه يَا فَتى فإِن قَالَ فَمَا بالك تكسرها إِذا قلت لست كِى فإِنَّما ذَاك لأَنَّ ياءَ الإِضافة تحوّل كلّ حَرَكَة إِلى كسرة تَقول هَذَا غلامِي وَضربت غلامِي وَالْمَال لِي فأَمّا أَمْنُك الالتباسَ فِي اللَّام مَعَ الْمُضمر فإِنَّما ذَاك لأَنَّ ضمير الرّفْع لَا يلتبس بضمير الجرّ تَقول إِنَّ هَذَا لَك وإِنَّ هَذَا لأَنت وإِنَّ هؤلاءِ لنَحْنُ فاختلاف اللَّفْظَيْنِ أُمِن الالتباس قَالَ وكنَّا ذكرنَا فِي صدر هَذَا الْكتاب أَمْر الأَفعال والأَسماءِ ووعدنا أَن نخبر لِمَ كَانَت الأَسماءُ على ثَلَاثَة أَنحاءٍ لَا زِيَادَة فِيهَا على ثَلَاثَة أَحرف وأَربعة وَخَمْسَة وَكَانَت الأَفعال على ضَرْبَيْنِ على ثَلَاثَة وأَربعة وَلم يكن فِي الأَفعال شيءٌ على خَمْسَة أَحرف كلُّها أَصليّ فَهَذَا وَقت تَفْسِيره وموضعه للنحويّين فِي هَذَا أَقاويل يُقَارب بعضُها بَعْضًا

стр. 254

يَقُولُونَ الأَسماءُ أَمْكَن من الأَفعال فَلذَلِك كَانَ لَهَا على الأَفعال فَضِيلَة تمكُّنها وإِنَّ الأَفعال تَبَع لَهَا فَقُلْنَا فِي تَفْسِير قَول هؤلاءِ الدَّلِيل على صحّة مَا قَالُوا أَنَّ الأَسماءَ الثلاثيَّة تكون على ضروب من الأَبنية تلحقها أَبنية الأَفعال لأَنَّ أَبنية الأَفعال إِنَّما هِيَ فَعَل وفَعُل ومضارعاتها يَفْعُلُ ويَفْعِل ويَفْعَل والأَسماءُ تكون على (فَعَل) نَحْو جَمَلِ وجَبَل وعَلى (فَعِل) نَحْو فَخِذ وكتِف وعَلى (فَعُل) نَحْو رجُل وعضُد وَتَكون الأَسماءُ مُفْردَة (بفِعَل) نَحْو ضِلَعَ وعِوَض و (بفُعُل) نَحْو حُضُضَ وعُنُق وَتَكون سواكن الأَوساط نَحْو فهْد وكلْب وَنَحْو جِذْع وعِدْل وَنَحْو بُرْد وخُرْج وَيكون فِي المتحرّكة نَحْو إِبل وإِطلٍ فإِذا صرت إِلى الأَربعة لم تكن الأَفعال / بِغَيْر زَائِدَة إِلَاّ على (فَعْلَلَ) نَحْو دحرج وسَرْهَفَ وهَمْلَجَ فَهَذَا نَظِيره فِي الأَسماءِ جَعْفَر وصندل وفرقد وَتَكون فِي الأَسماءِ على (فِعْلَل) نَحْو دِرْهَم وهجرع وفُعْلُل نَحْو حُبْرُج وتُرْتُم و (فِعْلِل) نَحْو زِبْرِج وزِئْبِر

стр. 255

فَلذَلِك كَانَ فِي الأَسماءِ مثل سفرجل وجَحْمَرِش وجِرْدَحِل وقُذَعْمِل فزادت هَذِه الأَبنية كَمَا زَاد مَا ذكرت لَك وإِنَّما ذكرت لَك رسما وَبقيت أَشياءُ لأَنِّي إِنَّما أَردت بِمَا بيّنت الإِيضاح لهَذَا الأَصل الَّذِي ذكرته وَقَالَ قوم الأَفعال تلزمها الزَّوَائِد وتتصرّف بهَا فيلزمها حُرُوف المضارعة وَغير ذَلِك من الزَّوَائِد كَمَا لحق الأَربعة التاءُ فِي تدحرج وأَلف الْوَصْل وَالنُّون فِي احرنجم وَنَحْوه وتضعيف اللَّام فِي قَوْلك اقشعرّ واطمأَنَّ فكرهوا أَن يبلغُوا بهَا الْخَمْسَة فتلزمها الزَّوَائِد فَتخرج عَن الْمِقْدَار وَتصير إِلى مَا يستثقل والأَسماءُ لَا يكره ذَلِك فِيهَا لأَنَّ / الزَّوَائِد غير لَازِمَة لَهَا وإِن كَانَت قد تدخل فِي بَعْضهَا وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة اللَّازِم للمعاني أَلا ترى أَنَّ قَوْلك اقتدر واستخرج وَقَاتل واغدودن واعْلَوَّط قد خرجت هَذِه الأَفعال إِلى مَعانٍ بالزوائد لَوْلَا هَذِه الزَّوَائِد لم تعلم إِذا قلت استخرج فَمَعْنَاه أَنَّه طلب أَن يخرج إِليه وَإِذا قلت: (فَاعل) وَجب أَن يكون الْفِعْل من اثْنَيْنِ وإِذا قلت (فاعَلَ) فقد كثَّرت الْفِعْل والأَسماءُ لَا يكون فِيهَا شيءٌ من هَذَا إِلَاّ الَّتِي تُبنى على أَفعالها نَحْو مستخرج ومنطلق فإِنَّها بَعْدُ رَاجِعَة إِلى الأَفعال وَقَالَ قوم لمّا كَانَت الأَسماءُ هِيَ الَّتِي يخبر عَنْهَا وإِنَّما الأَفعال آلَة لَهَا جعلت لَهَا على الأَفعال فَضِيلَة تبيّن بهَا حَال تَمَكُّنها وكلّ الأَقاويل حسن / جميل وَهَذَا الأَخير قَول المازنيِّ

стр. 256

(بَاب مصطفين) قَالَ أَبو العبّاس وَهَذَا أَيضا ممّا لم يفسّر إِذا كَانَ الِاسْم مَقْصُورا فإِنَّما تأْويل قَصْره أَن يكون آخِره أَلفا والأَلف لَا تدْخلهَا الحركات وَلَا تكون أَصلا إِنَّما هِيَ منقلبة من ياءٍ أَو وَاو أَو تكون زَائِدَة فأَمّا المنقلبة فنحو أَلف قفا وإِنَّما هِيَ وَاو قَفَوْت وحصى إِنَّما هِيَ منقلبة عَن ياءٍ تَقول إِذا جمعت حَصَيات كَمَا أَنَّها فِي الفِعْل كَذَلِك تَقول رميت وغزوت وَتقول لغيرك رمى وغزا والزائدة مثل أَلف حُبْلى لأَنَّه من الحبَل وَكَذَلِكَ مِغْزى وحَبَنْطي من قَوْلك مَغْز وحَبِط بطنُه فَهَذِهِ الأَلف لَا يدخلهَا إِعراب ولكنَّها تنوّن إِذا كَانَ الِاسْم منصرفا وَيتْرك / تنوينها إِذا كَانَ ممّا لَا ينْصَرف فإِذا ثَنَّيْت اسْما هِيَ فِيهِ وَالِاسْم على ثَلَاثَة أَحرف أَبدلت مِنْهَا مَا كَانَ أَصلَها فتظهر الْوَاو أَو الياءُ لأَنَّها فِي مَوضِع حَرَكَة والأَلف لَا تتحرّك

стр. 257

تَقول فِي تَثْنِيَة قفا قَفَوان وَفِي تَثْنِيَة رَحَى رَحَيَان كَمَا كنت قَائِلا فِي الْفِعْل غَزَوَا إِذا ثنَّيت لأَنَّه من غزوت ورَمَيَا لأَنَّه من رمَيْت وإِذا كَانَت الأَلف رَابِعَة فَصَاعِدا رجعت إِلى الياءِ على كلّ حَال تَقول غَزَوت ثمَّ تَقول أَغْزَيت واستغزيت وَكَذَلِكَ الِاسْم تَقول فِي تَثْنِيَة مَلْهى ومُستغزّى ملهَيَان ومُستغزَيان فأَمّا الياءَات فَلَا تحْتَاج إِلى تَفْسِيرهَا لأَنَّ الْوَاو إِليها تصير فَيصير اللَّفْظ بهما وَاحِدًا فإِذا أَردت الْجمع على جِهَة التَّثْنِيَة - وَذَلِكَ لَا يكون إِلَاّ لما يعقل - تَقول مسلمان ومسلمون وصالحان / وصالحون فعلى هَذَا تَقول فِي جمع مصطفى مُصْطَفَوْن وَكَانَ الأَصل على مَا أَعطيتك مصطفَيُون وَقبل أَن تنْقَلب مصطفَوُون ولكنَّها لمّا صَارَت أَلفا لم يجز أَن تردّ إِلى ضمّة وَلَا إِلى كسرة لعلَّتين إِحداهما استثقال الضمّة والكسرة فِي الْموضع الَّذِي تنْقَلب الْوَاو والياءُ فِيهِ أَلفين للفتحة قبلهمَا وَالثَّانيَِة أَنَّه لَا نَظِير لَهُ فَيخرج عَن حدّ الأَسماءِ والأَفعال فإِن كَانَ فِي مَوضِع فتح ثَبت لأَنَّ الفتحة أَخفُّ ولأَنَّ لَهُ نظيرا فِي الأَسماءِ والأَفعال

стр. 258

فأَمَّا فِي الأَفعال فإِنَّك تَقول للْوَاحِد غَزا وللاثنين غَزَوَا لئلَاّ يلتبس الْوَاحِد بالاثنين وَكَذَلِكَ رمى ورميَا وأَمّا فِي الأَسماءِ فقولك النزَوان والغثَيان لأَنَّك لَو حذفت لالتبس بفَعال من غير المعتلّ وَقَوْلنَا الفتحة أَخفُّ قد بَان لَك أَمرها تَقول هَذَا زيد / ومررت بزيد فَلَا تعوّض عَن التَّنْوِين لأَنَّ قبله كسرة أَو ضمّة وَتقول رأَيت زيدا فتبدل مِنْهُ أَلفا من أَجل الفتحة وَتقول رأَيت قَاضِيا وتسكِّن الياءَ فِي الْخَفْض وَالرَّفْع فِي الْوَقْف والوصل ثمّ تذْهب لالتقاءِ الساكنين وَهُوَ التَّنْوِين الَّذِي يلْحقهَا وَهِي سَاكِنة وَتقول فِي فَخِذ - إِن شِئْت - فَخْذ وَفِي عَلِمَ عَلْمَ وَكَذَلِكَ فِي عَضُد ورَجُل عَضْد ورَجْل وَلَا يجوز الإِسكان فِي جَمَل وَمَا كَانَ مثله فعلى هَذَا تَقول هما مصطَفيان وهما الأَشقَيان وأَعجبني قفَواهما ورأَيت قَفَوَيْهما والمصطفَيَيْن فإِذا كَانَ الْجمع لحقت الْوَاو هَذِه الأَلف الَّتِي كَانَت فِي مِغْزى ومصطفى وَالْوَاو سَاكِنة وَكَذَلِكَ هَذِه الأَلف فحذفت الأَلف لالتقاءِ الساكنين فَبَقيت وَاو الْجمع أَو ياءُ الْجمع وَمَا قبل كلّ وَاحِد مَفْتُوح لأَنَّه كَانَ مَفْتُوحًا قبل الأَلف فحذفت الأَلف وَبَقِي الشيءُ على حَاله

стр. 259

(هَذَا بَاب الْمُضمر الْمُتَّصِل) اعْلَم أَنَّ كلّ مَوضِع تقدر فِيهِ على الْمُضمر متَّصلا فالمنفصل لَا يَقع فِيهِ تَقول قُمْت وَلَا يصلح قَامَ أَنا وَكَذَلِكَ ضربتك لَا يصلح ضربت إِيّاك وَكَذَلِكَ ظننتك قَائِما ورأَيتني وَلَا يصلح رأَيت إِيَّاي فإِن كَانَ مَوضِع لَا يَقع فِيهِ المتَّصل وَقع فِيهِ الْمُنْفَصِل هَذَا جملَة هَذَا تَقول أَنت قُمْت فتظهر أَنت لأَنَّ التاءَ الَّتِي تكون فِي فَعَلْت لَا تقع هَاهُنَا وَتقول مَا جاءَك إِلَاّ أَنا وَمَا جاءَني إِلَاّ أَنت وَمَا ضربت إِلَاّ إِياك وإِيَّاك ضربت لأَنَّ الْكَاف الَّتِي فِي ضربتك لَا تقع هَاهُنَا لَا تَقول كضربت وَكَذَلِكَ جَمِيع هَذَا وَاعْلَم أَنَّ ضمير الْمَرْفُوع التاءُ يَقُول المتكلِّم إِذا عَنى نَفسه ذكرا كَانَ أَو أُنثى قمتُ وذهبتُ وإِن عَنى غَيره / كَانَت التاءُ على حَالهَا إِلَاّ أَنَّها مَفْتُوحَة للمذكَّر ومكسورة للمؤنَّث تَقول

стр. 260

فعلتَ يَا رجل وفعلتِ يَا امرأَة فإِن ثنَّى المتكلِّم نَفسه أَو جمعهَا بأَن يكون مَعَه وَاحِد أَو أَكثر قَالَ فعلنَا وَلم يجز فعل نَحن لما ذكرت لَك وإِن ثنَّى الْمُخَاطب قَالَ فعلتما ذكرين كَانَا أَو أُنثيين وَقد تقدّم تَفْسِير هَذَا وَلَا يجوز فَعَلَ أَنتما فإِن جمع فَكَانَ المخاطبون ذُكُورا قَالَ فَعلْتُمْ وَلَا يَقُول فعل أَنتم وإِذا كنَّ إِناثا قَالَ فعلتنّ وَلَا يجوز فعل أَنتنّ فإِن خبّر عَن ذكر كَانَت علامته فِي النيّة ودلّ عَلَيْهَا مَا تقدّم من ذكره فَقَالَ زيد قَامَ وَزيد ذهب فإِن ثنَّى أَلحق الأَلف فَقَالَ أَخواك قاما وإِن جمع أَلحق واوا مكانَ الأَلف وَقَالَ إِخوتك قَامُوا فإِذا كَانَ للْغَائِب مؤنَّثا فَكَذَلِك

стр. 261

نقُول فِي الْوَاحِد هِنْد قَامَت التاءُ عَلامَة الأْنيث وَالضَّمِير فِي النيَّة كَمَا كَانَ فِي المذكَّر وإِن ثنَّى أَلحق الأَلف (بِكَ) للمخاطب وتكسر الْكَاف للمؤنَّث وَتقول فِي الْغَائِب رأَيته ومررت بِهِ ورأَيتها ومررت بهَا للمؤنَّث ورأَيتهما ومررت بهما للمذكَّر والمؤنَّث ورأَيتهم ومررت بهم للمذكَّر ورأَيتهنّ ومررت بهنَّ للمؤنَّث ورأَيتكنَّ ومررت بكنّ للمخاطبات وللمذكَّر رأَيتكم ومررت بكم وَكَذَلِكَ تَقول هَذَا الضاربي والياءُ فِي مَوضِع نصب وَهَذَا المارّ بِي والياءُ فِي مَوضِع خفض فأَما قَوْلك ضَرَبَنِي وأَكرمني فإِنَّما الِاسْم الياءُ وَهَذِه النُّون زَائِدَة زادوها عمادا للْفِعْل لأَنَّ الأَفعال لَا يدخلهَا كسر وَلَا جر وَهَذِه الياءُ تكسر مَا قبلهَا تَقول هَذَا غلامِي ورأَيت غلامِي فتكسر الْمِيم الَّتِي موضعهَا مَرْفُوع ومنصوب فزيدت هَذِه النُّون لتسلم فَتْحة الْفِعْل فِي الْمَاضِي وإِعرابه فِي إِعرابه وَذَاكَ ضَرَبَنِي ويضربني كَمَا تفعل فِي الْخَفْض إِذا أَردت سَلامَة مَا قبل الياءِ تَقول مِيِّي وعنِّي لأَنَّ (مِنْ) و (عنْ) لَا تحرّك نونهما لأَنَّهما حُرُوف مبنيّة وَكَذَلِكَ قَطْني / وقَدْنِي وَمَا كَانَ مثل ذَلِك وإِنَّما زيدت النُّون لأَنَّها تزاد فِي الأَواخر كالتنوين الَّذِي يلْحق الأَسماءِ والنونِ الْخَفِيفَة والثقيلة الَّتِي تلْحق الأَفعال وَالنُّون الَّتِي تزاد مَعَ الأَلف فِي فَعْلان وَالنُّون حرف أَعنّ مضارع حُرُوف المدّ واللين

стр. 262

(هَذَا بَاب الإِضمار الَّذِي يلْحق الْوَاحِد الْغَائِب وَتَفْسِير أَصله وأَين يجوز أَن يُبدل من الْوَاو الَّتِي تلحقها الياءُ والعلَّة فِي ذَلِك) فالأَصل فِي هَذَا الضَّمِير أَن تتبع هاءَه وَاو فالاسم الهاءُ وحدَها وَالْوَاو تلحقها لخفاءِ الهاءِ فإِذا وقفت وقفت بالهاءِ وَحدهَا لئلَاّ يكون الْوَاو بِمَنْزِلَة الْحُرُوف الأَصليّة وَذَلِكَ قَوْلك رأَيتهْ وأَعطيتهْ إِذا وقفت فإِذا وصلت قلت أَعطيتهو يَا رجل وجاءَني غلامهو فَاعْلَم رأَيت غلامهو يَا فَتى ومررت بغلامهو ومررت بهو و ﴿فَخَسَفْنَا بهُو وَبِدَارِهُو الأَرْضَ﴾ وعليهو مَال وَهَذِه عصاهو يَا فَتى وَهَذَا أَخوهو فَاعْلَم هَذَا الأَصل فِي هَذَا كلِّه فإِن كَانَ قبل هَذِه الهاءِ ياءٌ / أَو كسرة كَانَ الأَحسن أَن تبدل من ضمّتها كسرة - لاستثقالهم الضمّة بعد الياءِ والكسرة - وَمن الْوَاو يَاء وإِن جِئْت بهَا على الأَصل كَمَا بدأْنا بِهِ فعربيّ جيّد فأَمّا مَا كَانَت قبلهَا كسرة فنحو مَرَرْت بهى يَا فَتى وَنزلت فِي دارهى ياهذا وَنَحْو ذَلِك وأَمَّا مَا كَانَ بالياءِ فإِنَّما يصلُح إِذا كَانَت الياءُ سَاكِنة نَحْو نزلت عليهى يَا فَتى وَذَهَبت إِليهى يَا رجل

стр. 263

وإِن شِئْت حذفت الَّتِي بعد الهاءِ لسكونها وَسُكُون الياءِ لأَنَّ الهاءَ الَّتِي بَينهمَا حاجز لَيْسَ بحصين فَتَقول نزلت عَلَيْهِ يَا فَتى وَذَهَبت إِليه فَاعْلَم وَكَذَلِكَ تفعل بِمَا كَانَ مثله نَحْو قَوْله ﴿فَألْقى مُوسَى عَصَاهُ﴾ لأَنَّ هَذَا يشبّه بالتقاءِ الساكنين لخفاءِ الهاءِ فإِن كَانَت الياءُ متحرّكة لم يكن ذَلِك لأَنَّ الْحَرَكَة حاجزة بَينهمَا تَقول رأَيت قاضيَهو يَا فَتى وكلَّمت غازيهو فَاعْلَم فإِن كَانَت هَذِه الهاءُ لمؤنث لزمتها الأَلف والفتحة للفصل بَين المؤنّث والمذكَّر وجري ذَلِك فِي الْوَقْف مجْرَاه فِي الْوَصْل لخفَّة الفتحة والأَلف كَمَا أَنَّك تَقول رأَيت زيدا فِي النصب وتقف فِي الرّفْع والخفض بِغَيْر وَاو وَلَا ياءٍ وَذَلِكَ قَوْلك رأَيتها وضربتها وَهَذَا غازيْها ورأَيت قاضيَها

стр. 264

(هَذَا بَاب مَا يخْتَار فِيهِ حذف الْوَاو والياءِ من هَذِه الهاءَات) اعْلَم أَنَّه إِذا كَانَ قبل هاءِ المذكَّر ياءٌ سَاكِنة أَو وَاو سَاكِنة أَو أَلف كَانَ الَّذِي يخْتَار حذف الْوَاو والياءِ بعْدهَا وَذَلِكَ لأَنَّ قبلهَا حرف لين وَهِي خفيّة وَبعدهَا حرف لين فكرهوا اجْتِمَاع حرفين ساكنين كِلَاهُمَا حرف لين لَيْسَ بَينهمَا إِلَاّ حرف خفيّ مخرجه مخرج الأَلف وَهِي إِحْدَى / هَذِه الثَّلَاث وَذَلِكَ قَوْله ﴿فَألْقى مُوسَى عَصَاهُ﴾ ﴿وَعَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ وفِيْهِ بَصَائِرُ ورأَيت قَفاهُ يَا فَتى وإِن أَتممت فعربيّ حسن وَهُوَ الأَصل وَهُوَ الِاخْتِيَار لما ذكرت لَك فإِن كَانَ قبل الهاءِ حرف سَاكن لَيْسَ من هَذِه الْحُرُوف فإِنَّ سِيبَوَيْهٍ والخليل يختاران الإِتمام والحذف عِنْدِي أَحسن وَذَلِكَ قَوْله ﴿مِنْهُ آيَات محكمات﴾ وَمن لدْنهُ يَا فَتى فِي إِلا وسيبويه والخليل يختاران ﴿إِتمام﴾ الْوَاو لما ذكرت لَك فالإِتمام ﴿عِنْدهمَا أَجود﴾ لأَنَّها قد خرجت من حُرُوف اللين تَقول رأَيت يَا فَتى وَاعْلَم أَنَّ الشعراءَ يضطرون ﴿فيحذفون﴾ هَذِه الياءَ وَالْوَاو ويبقون الْحَرَكَة لأَنَّها لَيست بأَصل ﴿كَمَا يحذفون﴾ سَائِر الزَّوَائِد فَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر (فإِنْ يكُ غَثَّا أَو سَمينا فإِنَّني ... سأَجعَلُ عَيْنيْهِىْ لنفسهِ مَقْنَعا) وَقَالَ الآخر (وَمَا لهُ من مَجْدٍ قديمٍ وَلَا لهُ ... منَ الرّيح حَظٌ لَا الجَنُوبِ وَلَا الصَّبا)

стр. 265

أَو أَكثر قَالَ فعلنَا وَلم يجز فعل نَحن وَلما ذكرت لَك (لهُ زَجَلٌ كأَنَّهُ صَوْتُ حادٍ ... إِذا طلب الوسِيْقَةَ أَو زَمِيرُ) وَهَذَا كثير فِي الشّعْر جدّا وَقد اضطرّ الشَّاعِر أَشدَّ من هَذِه الضَّرُورَة فَحذف الْحَرَكَة مَعَ الْحَرْف وَكَانَ ذَلِك جَائِزا لأَنَّها زِيَادَة وَهُوَ قَوْله (فَظلتُ لَدَى البيتِ الْعَتِيق أُريغْهُ ... ومِطْوايَ مُشْتاقان لَهُ أَرِقانِ)

стр. 266

(هَذَا بَاب إِضمار جمع المذكَّر) اعْلَم أَنَّ حدّ الإِضمار أَن يكون كافا وميما وواوا إِذا كَانَ المخاطبون مذكَّرِين فَتَقول ضربتكمو يَا قوم ورأَيتكمو المنطلقين وإِنَّما كَانَت الْوَاو لهَذَا لَازِمَة لأَنَّ التَّثْنِيَة رأَيتكما وإِذا لَزِمت التثنيةَ الأَلف لَزِمت الْجمع الْوَاو كَقَوْلِك مسلمان ومسلمون ولكنَّك تحذف إِن شِئْت هَذِه الْوَاو اسْتِخْفَافًا / فَتَقول رأَيتكمْ وضربتكمْ وإِنَّما كَانَ ذَلِك لأَنَّ التَّثْنِيَة تلزمها الأَلفُ فَلَا يكون هَا هُنَا التباس فإِن قَالَ قَائِل فَلم لم تحذف الأَلف من الِاثْنَيْنِ وَتبقى الْوَاو فِي الْجمع قيل لما تقدّم ذكره مِنْ خفَّة الفتحة والأَلف أَلا ترى أَنَّك تَقول فِي الْمُؤَنَّث مَرَرْت بهَا فَلَا تقف إِلَاّ بالأَلف وَفِي وقف المذكَّر مَرَرْت بهْ ورأَيتهْ بِغَيْر ياءٍ وَلَا وَاو كَمَا وصفت لَك فِي قَوْلك مَرَرْت بزيْد ورأَيت زيدا فإِن قَالَ قَائِل فَمَا بالكم إِذا قُلْتُمْ رأَيتكم حذفتم الْوَاو وَلم تثبتوا الْحَرَكَة قيل لأَنَّ الضمّة فِي الاستثقال مَعَ هَذَا كالواو وإِنَّما بقيت الْحَرَكَة فِي الْوَاحِد فِي قَوْله ﴿مِنْهُ آيَات محكمات﴾ و ﴿عَلَيْهِ مَا حمل﴾ لأَنَّ مَا قبل الهاءِ سَاكن فَلم يجز إِسكانها فيلتقي ساكنان

стр. 267

وإِن خبّرت عَن جمَاعَة مخاطبين أَنَّهم فعلوا فحقُّه أَن يُقَال فعلتمو وذهبتمو كَمَا يُقَال للاثنين فعلتما وأَمَّا الْكَاف فِي ضربتكم فإِنَّما جاءَت لأَنَّها ضمير / الْمَنْصُوب والمخفوض ثمّ لحقها زِيَادَة للْجمع أَلا ترى أَنَّك تَقول ضربتك وضربتكما وضربتكمو وَتقول إِذا كَانُوا فاعلين ضربت ضربتما وضربتمو وَتقول ضَرَبْتُمْ بِغَيْر وَاو لما أَخبرتك فِي أَوّل الْبَاب فَهَذَا ذَاك بِعَيْنِه فإِن كَانَ المذكَّرون غُيَّابا وضعت الهاءَ مَكَان الْكَاف إِذا كَانُوا منصوبين أَو مخفوضين تَقول رأَيتهمو يَا فَتى ومررت بهمو فَاعْلَم وَيجوز الْحَذف وَيكون حسنا يختاره أَكثر النَّاس كَمَا كَانَ فِي المخاطبين إِلَاّ أَنَّه يجوز فِي الهاءِ أَن تكسر إِذا كَانَ قبلهَا كسرة أَو ياءٌ فَتَقول مَرَرْت بهِمى وَنزلت عليهِمى وَمن حذف قَالَ مَرَرْت بهِمْ وَنزلت عليْهِمْ وإِنَّما جَازَ هَذَا فِي الهاءِ لخفائها كَمَا ذكرت لَك فِي الْوَاحِد وَمِنْهُم من يكسر الهاءَ لخفائها ويدع مَا بعْدهَا مضموما لأَنَّه لَيْسَ من الْحُرُوف الخفيّة فَيَقُول مَرَرْت بهِمو والإِتباع أَحسن وَهُوَ أَن يَقُول مَرَرْت بهِمِى وَنزلت عليهِمى وناس من بكر بن وَائِل يُجْرون الْكَاف مُجْرَى الهاءِ إِذ كَانَت مهموسة مثلهَا / وَكَانَت عَلامَة إِضمار كالهاءِ

стр. 268

وَذَلِكَ غلط مِنْهُم فَاحش لأَنَّها لم تشبهها فِي الخفاءِ الَّذِي من أَجله جَازَ ذَلِك فِي الهاءِ وإِنَّما يَنْبَغِي أَن يجْرِي الْحَرْف مجْرى غَيره إِذا أَشبههه فِي علَّته فَيَقُولُونَ مَرَرْت بكِم وينشدون هَذَا الْبَيْت (وإِن قَالَ مَوْلَاهُم على جُلِّ حادثٍ ... منَ الدَّهْر رُدُّوا فَضْلَ أَحلامِكِمْ رَدّوا) وَهَذَا خطأْ عِنْد أَهل النّظر مَرْدُود وَاعْلَم أَنَّ المذكَّر الْوَاحِد لَا تظهر لَهُ عَلامَة فِي الْفِعْل وَذَلِكَ قَوْلك زيد قَامَ وإِنَّما ضَمِيره فِي النيّة وإِنَّما كَانَ للمخاطب عَلامَة الْجِهَة حرف المخاطبة فإِن ثنَّيت الْغَائِب أَلحقته أَلفا فَقلت فَعَلا وإِن جمعته أَلحقت واوا فَقلت فَعَلُوا لأَنَّ الأَلف إِذا لحقت فِي التَّثْنِيَة لحقت الْوَاو فِي الْجمع فأَمّا (يَفْعَلُونَ) وَمَا كَانَ مثله فإِنَّا أَخَّرنا ذكره حتَّى نذكرهُ فِي إِعراب الأَفعال وَاعْلَم أَنَّ الْمُؤَنَّث يجْرِي فِيمَا ذكرنَا مجْرى المذكَّر إِلَاّ أَنَّ عَلامَة المؤنَّث الْمُخَاطب أَن يلْحقهُ الكسرة لأَنَّ الكسرة / ممّا تونِّث وَجمع المؤنَّث بالنُّون مكانَ الْمِيم فكلّ مَوضِع ﴿لَا تكون عَلامَة المذكَّر﴾ فِيهِ واوا فِي الأَصل فالنون للمؤنَّث فِيهِ مضاعفة ليَكُون الحرفان بإِزاءِ الحرفين وكلّ مَوضِع ﴿عَلامَة﴾ المذكَّر ﴿فِيهِ﴾ الْوَاو وَحدهَا فنون الْمُؤَنَّث فِيهِ مُفْردَة

стр. 269

وَتقول فِيمَا كَانَ لمؤنث ضربتنّ وقلتن وَقلت للمذكَّرين ضربتمو وقلتمو وَفِي الْمَفْعُول (ضربتكنّ) كَمَا تَقول ضربتكمو وأَكرمتكمو والموضع الَّذِي تكون فِيهِ مُفْردَة ضربْنَ كَمَا تَقول للمذكَّرين ضربُوا وأَكرمُوا فَلَا تلْحق إِلَاّ واوا وَاحِدَة فإِن قلت فَمَا بَال الْوَاو سَاكِنة وَنون جمع المؤنَّث متحرّكة قيل نون التأْنيث أَصلها السّكُون ولكنَّها حرَّكت لالتقاءِ الساكنين لأَنَّ مَا قبلهَا لَا يكون إِلَاّ سَاكِنا فإِ، قيل فَلم فتحت فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَنَّها نون جمع فَحملت على نظيرها وَمن قَالَ قمتمْ وضربتمْ لم يحذف إِحدى النونين لأَنَّها إِنّما تحذف هَاهُنَا استثقالا للضمّة وَالْوَاو وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ / الأَصل إِثباتها وإِنَّما هِيَ فِي المؤنَّث نون مدغمة - فإِذا أَدغمت الْحَرْف فِي الْحَرْف رفعت لسَانك رَفْعةً وَاحِدَة تمّ بِحَمْد الله

стр. 270

(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) (هَذَا بَاب إِعْرَاب الْأَفْعَال المضارعة وَكَيف صَار الْإِعْرَاب فِيهَا دون سَائِر الْأَفْعَال ؟) علم أَن الْأَفْعَال إِنَّمَا دَخلهَا الْإِعْرَاب لمضارعتها الْأَسْمَاء وَلَوْلَا ذَلِك لم يجب أَن يعرب مِنْهَا شَيْء وَذَلِكَ أَن الْأَسْمَاء هِيَ المعربة وَمَا كَانَ غير الْأَسْمَاء فمآله لَهَا وَهِي الْأَفْعَال والحروف وَإِنَّمَا ضارع الْأَسْمَاء من الْأَفْعَال مَا دخلت عَلَيْهِ زَائِدَة من الزَّوَائِد الْأَرْبَع الَّتِي توجب الْفِعْل غير ماضي وَلكنه يصلح لوقتين لما أَنْت فِيهِ وَلما لم يَقع والزوائد الْألف وَهِي عَلامَة الْمُتَكَلّم وحقها أَن يُقَال همزَة وَالْيَاء وَهِي عَلامَة الْغَائِب وَالتَّاء وَهِي عَلامَة الْمُخَاطب وعلامة الْأُنْثَى الغائبة وَالنُّون وَهِي للمتكلم إِذا كَانَ مَعَه غَيره وَذَلِكَ قَوْلك أفعل أَنا وَتفعل أَنْت أَو هِيَ ونفعل نَحن وَيفْعل هُوَ وَإِنَّمَا قيل لَهَا مضارعة لِأَنَّهَا تقع مواقع الْأَسْمَاء فِي الْمَعْنى تَقول زيد يقوم وَزيد قَائِم فَيكون الْمَعْنى فيهمَا واحداَ كَمَا قَالَ ﴿وَإِن رَبك ليحكم بَينهم﴾ أَي الْحَاكِم

стр. 271

وَتقول زيد يَأْكُل فيصلح أَن يكون فِي حَال أكل وَأَن يَأْكُل فِيمَا يسْتَقْبل كَمَا تَقول زيد آكل أَي فِي حَال أكل وَزيد آكل غَدا وتلحقها الزَّوَائِد لِمَعْنى كَمَا تلْحق الْأَسْمَاء الْألف وَاللَّام للتعريف وَذَلِكَ قَوْلك سيفعل وسوف يفعل وتلحقها اللَّام فِي (إِن زيدا ليفعل) ُ فِي مَعْنَاهُ لفاعل فالأفعال ثَلَاثَة أَصْنَاف مِنْهَا هَذَا الْمُضَارع الَّذِي ذَكرْنَاهُ و (َفعَلَ) وَمَا كَانَ لمعناه لما مضى وقولك (أفعلْ) فِي الْأَمر وَهَذَانِ الصنفان لَا يقعان فِي مَعَاني الْأَسْمَاء وَلَا تلحقهما الزَّوَائِد كَمَا تلْحق الْأَسْمَاء فَأَما مَا كَانَ من ذَلِك على (فعَلَ) قلت حُرُوفه أَو كثرت إِذا أحَاط بِهِ معنى (فَعَلَ) نَحْو ضرب وَعلم وكرم وَحمد ودحرج وَانْطَلق واقتدر وكلم واستخرج واغدودن واعلوط وَقَاتل وتقاتل وكل مَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنى وَكَذَلِكَ أَن بنيته بِنَاء مَا لم يسم فَاعله نَحْو ضرب ودحرج واستخرج فَهَذَا كُله مَبْنِيّ على الْفَتْح وَكَانَ حق كل مبْنى أَن يسكن آخِره فحرك آخر هَذَا لمضارعته المعربة وَذَلِكَ أَنه ينعَت بِهِ كَمَا ينعَت بهَا تَقول جَاءَنِي رجل ضربنا كَمَا تَقول هَذَا رجل يضربنا وضاربنا وَتَقَع موقع المضارعة فِي الْجَزَاء فِي قَوْلك إِن فعلت فعلتُ فَالْمَعْنى إِن تفعل أفعل فَلم يسكنوها

стр. 272

كَمَا لم يسكنوا من الْأَسْمَاء مَا ضارع المتمكن وَلَا مَا جعل من المتمكن فِي مَوضِع بِمَنْزِلَة غير المتمكن فالمضارع من الْأَسْمَاء من عل يَا فَتى لم يسكنوا اللَّام لِأَنَّهُ فِي النكرَة من عل يَا فَتى والمتمكن الَّذِي جعل فِي مَوضِع بِمَنْزِلَة غير المتمكن قَوْلهم إبدأ بِهَذَا أَولا وَيَا حكم وَأما الْأَفْعَال الَّتِي تقع لِلْأَمْرِ فَلَا تضارع المتمكن لِأَنَّهَا لَا تقع موقع الْمُضَارع وَلَا ينعَت بهَا فَلذَلِك سكن آخرهَا فَإِن قَالَ قَائِل هِيَ معربة مجزومة لِأَن مَعْنَاهَا الْأَمر أَلا ترى أَن قَوْلك أضْرب بِمَنْزِلَة قَوْلك ليضْرب زيد فِي الْأَمر فَقَوله ذَلِك يبطل من وُجُوه مِنْهَا قَوْلك صه ومه وقدك فِي مَوضِع الْأَمر وَكَذَلِكَ حذار ونزال وَنَحْوهمَا فقد يَقع الشَّيْء فِي معنى الشَّيْء وَلَيْسَ من جنسه وَمن الدَّلِيل على فَسَاد قَوْله أَن هَذِه الْأَفْعَال المضارعة فِي الْأَعْرَاب كالأسماء المتمكنة والأسماء إِذا دخلت عَلَيْهَا العوامل لم تغير أبنيتها إِنَّمَا تحدث فِيهَا الْأَعْرَاب وَكَذَلِكَ هَذِه الْأَفْعَال تلحقها العوامل فَتحدث لَهَا الْإِعْرَاب بالزوائد الَّتِي لحقتها وَهِي التَّاء والهمزة وَالنُّون وَالْيَاء اللواتي فِي يفعل وَتفعل ونفعل وأفعل

стр. 273

فَإِذا قلت (افعلْ) فِي الْأَمر لم تلحقها عَاملا وَلم تقررها على لَفظهَا أَلا ترى أَن الجوازم إِذا لحقتها لم تغير اللَّفْظ نَحْو قَوْلك لم يضْرب زيد وَإِن تذْهب أذهب وَكَذَلِكَ ليذْهب زيد وَلَا يذهب عبد الله فَإِنَّمَا يلْحقهَا الْعَامِل وحروف المضارعة فِيهَا وَأَنت إِذا قلت اذهبْ فَلَيْسَ فِيهَا عَامل وَلَا فِيهَا شَيْء من حُرُوف المضارعة فَإِن قَالَ قَائِل الْإِضْمَار يعْمل فِيهَا قيل هَذَا فَاسد من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْفِعْل لَا يعْمل فِيهِ الْإِضْمَار إِلَّا أَن يعوض من الْعَامِل وَالثَّانِي أَنه لَو كَانَ ينجزم بجازم مُضْمر لَكَانَ حرف المضارعة فِيهِ الَّذِي بِهِ يجب الْإِعْرَاب لِأَن الْمُضمر كَالظَّاهِرِ أَلا ترى لَو أَنَّك أردْت إِضْمَار لم وَكَانَ هَذَا مِمَّا يجوز من قَوْلك لم يضْرب فحذفت لم لبقيت يضْرب على لَفظهَا وَمَعَهَا لم فَإِن قَالَ قَائِل فَلم بناه على مِقْدَار المضارعة نَحْو اضْرِب وَانْطَلق فقد كسرت كَمَا تَقول بِضَرْب وينطلق وَكَذَلِكَ أقتل كَمَا تَقول يقتل قيل إِنَّمَا لحقت هَذِه البنية لِأَنَّهُ لما لم يَقع وَكَذَلِكَ صُورَة مَا لم يَقع فَهَذَا احتجاج مغن وَفِيه مَا هُوَ أَكثر من هَذَا

стр. 274

(هَذَا بَاب تَجْرِيد إِعْرَاب الْأَفْعَال) اعْلَم أَن هَذِه الْأَفْعَال المضارعة ترْتَفع بوقوعها مواقع الْأَسْمَاء مَرْفُوعَة كَانَت الْأَسْمَاء أَو مَنْصُوبَة أَو مخفوضة فوقوعها مواقع الْأَسْمَاء هُوَ الَّذِي يرفعها وَلَا تنتصب إِذا كَانَت الْأَسْمَاء فِي مَوضِع نصب وَلَا تنخفض على كل حَال وَإِن كَانَت الْأَسْمَاء فِي مَوضِع خفض فلهَا الرّفْع لِأَن مَا يعْمل فِي الِاسْم لَا يعْمل فِي الْفِعْل فَهِيَ مَرْفُوعَة لما ذكرت لَك حَتَّى يدْخل عَلَيْهَا مَا ينصبها أَو يجزمها وَتلك عوامل لَهَا خَاصَّة لَا تدخل على الْأَسْمَاء كَمَا لَا تدخل عوامل الْأَسْمَاء عَلَيْهَا فَكل على حياله فَأَما مَا كَانَ مِنْهَا فِي مَوضِع رفع فقولك يقوم زيد يقوم فِي مَوضِع الْمُبْتَدَأ وَكَذَلِكَ زيد يقوم وَيقوم فِي مَوضِع الْخَبَر وَإِن زيدا يقوم يقوم فِي مَوضِع خير إِن وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي مَوضِع الْمَنْصُوب فنحو كَانَ زيد يقوم يَا فَتى وظننت زيدا يقوم وَمَا كَانَ فِي مَوضِع الْمَجْرُور فنحو مَرَرْت بِرَجُل يقوم ومررت بِرَجُل يقوم أَبوهُ فَإِذا أدخلت على هَذِه الْأَفْعَال السِّين أَو سَوف فقد منعتها بهَا من كل عَامل وسيأتيك هَذَا مُبينًا فِي هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله

стр. 275

(هَذَا بَاب الْحُرُوف الَّتِي تنصب الْأَفْعَال) فَمن هَذِه الْحُرُوف أَن وَهِي وَالْفِعْل بِمَنْزِلَة مصدره إِلَّا أَنه مصدر لَا يَقع فِي الْحَال - إِنَّمَا يكون لما لم يَقع أَن وَقعت على الْمُضَارع وَلما مضى أَن وَقعت على ماضي فَأَما وُقُوعهَا على الْمُضَارع فنحو يسرني أَن تقوم الْمَعْنى يسرني قيامك لِأَن الْقيام لم يَقع والماضي يسرني أَن قُمْت فَأن هِيَ أمكن الْحُرُوف فِي نصب الْأَفْعَال وَكَانَ الْخَلِيل يَقُول لَا ينْتَصب فعل الْبَتَّةَ إِلَّا بِأَن مضمرة أَو مظهرة وَلَيْسَ القَوْل كَمَا قَالَ لما نذكرهُ إِن شَاءَ الله وَمن هَذِه الْحُرُوف لن وَهِي نفي قَوْلك سيفعل تَقول لن يقوم زيد وَلنْ يذهب عبد الله وَلَا تتصل بالقسم كَمَا لم يتَّصل بِهِ سيفعل وَمن هَذِه الْحُرُوف كي تَقول جِئْت كي تكرمني وكي يَسُرك زيد وَمِنْهَا إِذن تَقول إِذن يَضْرِبك زيد فَهَذِهِ تعْمل فِي الْأَفْعَال عمل عوامل الْأَسْمَاء فِي الْأَسْمَاء إِذا قلت ضربت زيدا وأشتم عمرا - وَأعلم أَن هَا هُنَا حروفا تنتصب بعْدهَا الْأَفْعَال وَلَيْسَت الناصبة وَإِنَّمَا أَن بعْدهَا مضمرة فالفعل منتصب ب أَن وَهَذِه الْحُرُوف عوض مِنْهَا ودالة عَلَيْهَا

стр. 276

فَمن هَذِه الْحُرُوف الْفَاء وَالْوَاو وأو وَحَتَّى وَاللَّام الْمَكْسُورَة _ فَأَما اللَّام فلهَا موضعان أَحدهمَا نفي وَالْآخر إِيجَاب وَذَلِكَ قَوْله جئْتُك لأكرمك وَقَوله ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ فَهَذَا مَوضِع الْإِيجَاب وَمَوْضِع النَّفْي مَا كَانَ زيد ليقوم وَكَذَلِكَ قَوْله ﵎ ﴿مَا كَانَ الله ليذر الْمُؤمنِينَ﴾ (وَمَا كانَ اللهُ لِيُعَذِبّهُمْ وأنتَ فِيهِم﴾ فَأن بعد هَذِه اللَّام مضمرة وَذَلِكَ لِأَن اللَّام من عوامل الْأَسْمَاء وعوامل الْأَسْمَاء لَا تعْمل فِي الْأَفْعَال فَأن بعْدهَا مضمرة فَإِذا أضمرت أَن نصبت بهَا الْفِعْل وَدخلت عَلَيْهَا اللَّام لِأَن أَن وَالْفِعْل أسم وَاحِد كَمَا أَنَّهَا وَالْفِعْل مصدر فَالْمَعْنى جِئْت لِأَن أكرمك أَي جِئْت لإكرامك كَقَوْلِك جِئْت لزيد فَإِن قلت مَا كنت لأضربك فَمَعْنَاه مَا كنت لهَذَا الْفِعْل _ وَأما الْفَاء وأو ففيهما معَان تفسر على حيالها بعد فراغنا من هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله وَكَذَا حَتَّى وَإِذن وَكَانَ الْخَلِيل يَقُول إنَّ أنْ بعد إِذن مضمرة

стр. 277

وَكَذَلِكَ لن وَإِنَّمَا هِيَ لَا أَن وَلَكِنَّك حذفت الْألف من لَا والهمزة من أَن وجعلتهما حرفا وَاحِدًا وَلَيْسَ القَوْل عِنْدِي كَمَا قَالَ وَذَلِكَ قَالَ الْخَلِيل لفسد هَذَا الْكَلَام لِأَن زيدا كَانَ ينْتَصب بِمَا فِي صلَة أَن وَلَكِن لن حرف بِمَنْزِلَة أَن

стр. 278

وَأما كي فَفِيهَا قَولَانِ أما من أَدخل اللَّام فَقَالَ لكَي تقوم يَا فَتى فَهِيَ عِنْده وَالْفِعْل مصدر كَمَا كَانَ ذَلِك فِي أَن وَأما من لم يدْخل عَلَيْهَا اللَّام فَقَالَ كيمه كَمَا تَقول لمه وَأَن عِنْده بعْدهَا مضمرة لِأَنَّهَا من عوامل الْأَسْمَاء كاللام

стр. 279

(هَذَا بَاب إِذن) أعلم أَن إِذن فِي عوامل الْأَفْعَال كظننت فِي عوامل الْأَسْمَاء لِأَنَّهَا تعْمل وتلغى كظننت أَلا ترى أَنَّك تَقول ظَنَنْت زيدا قَائِما وَزيد ظَنَنْت قَائِم إِذا أردْت زيد قَائِم فِي ظَنِّي وَكَذَلِكَ إِذن إِذا أعْتَمد الْكَلَام عَلَيْهَا نصب بهَا وَإِذا كَانَت بَين كلامين أَحدهمَا فِي الآخر عَامل أُلغيت وَلَا يجوز أَن تعْمل فِي هَذَا الْموضع كَمَا تعْمل ظَنَنْت إِذا قلت زيدا ظَنَنْت قَائِما لِأَن عوامل الْأَفْعَال لَا يجوز فِيهَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لِأَنَّهَا لَا تتصرف فَأَما الْموضع الَّذِي تكون فِيهِ مبتدأه وَذَلِكَ قَوْلك إِذا قَالَ لَك قَائِل أَنا أكرمك قلت إِذن أجزيك وَكَذَلِكَ إِن قَالَ انْطلق زيد قلت إِذن ينْطَلق عَمْرو وَمثله قَول الضبيّ (اُردُدْ حِماركَ لَا تُنْزَعْ سَوِيَّتُهُ ... إِذن يُرَدَّ وقَيدُ العيْرِ مكروبُ)

стр. 280

والموضع الَّذِي لَا تكون فِيهِ عاملة الْبَتَّةَ قَوْلك إِن تأتنى إِذن آتِك لِأَنَّهَا دَاخِلَة بَين عَامل ومعمول فِيهِ وَكَذَلِكَ أَنا إِذن أكرمك وَكَذَلِكَ أَن كَانَت فِي الْقسم بَين الْمقسم بِهِ والمقسم عَلَيْهِ نَحْو قَوْلك وَالله إِذن لَا أكرمك لِأَن الْكَلَام مُعْتَمد على الْقسم فَإِن قدمتها كَانَ الْكَلَام مُعْتَمد عَلَيْهَا فَكَانَ الْقسم لَغوا نَحْو إِذن وَالله أضربك لِأَنَّك تُرِيدُ إِذن أضربك وَالله فَالَّذِي تلغيه لَا يكون مقدما إِنَّمَا يكون فِي أَضْعَاف الْكَلَام أَلا ترى إِنَّك لَا تَقول ظَنَنْت زيد منطلق لِأَنَّك إِذا قدمت الظَّن فَإِنَّمَا تبني كلامك على الشَّك وَإِنَّمَا جَازَ أَن تفصل بالقسم بَين إِذن وَمَا عملت فِيهِ من بَين سَائِر حُرُوف الْأَفْعَال لتصرفها وَأَنَّهَا تسْتَعْمل وتلغى وَتدْخل للابتداء وَلذَلِك شبهت بظننت من عوامل الْأَسْمَاء _ وَأعلم أَنَّهَا إِذا وَقعت بعد وَاو أَو فَاء صلح الإعمال فِيهَا والإلغاء لما أذكرهُ لَك وَذَلِكَ قَوْلك إِن تأتني آتِك وَإِذن أكرمك أَن شِئْت رفعت وَإِن شِئْت نصيب وَإِن شِئْت جزمت

стр. 281

أما الْجَزْم فعلى الْعَطف على آتِك وإلغاء إِذن وَالنّصب على إِعْمَال إِذن وَالرَّفْع على قَوْلك وَأَنا أكرمك ثمَّ أدخلت إِذن بَين الِابْتِدَاء وَالْفِعْل فَلم تعْمل شَيْئا وَهَذِه الْآيَة فِي مصحف ابْن مَسْعُود ﴿وَإذَنْ لَا يَلبَثوا خَلفَكَ﴾ الْفِعْل فِيهَا مَنْصُوب بِإِذن وَالتَّقْدِير وَالله أعلم الِاتِّصَال بِإِذن وَإِن رفع فعلى أَن الثَّانِي مَحْمُول على الأول كَمَا قَالَ الله ﴿فَإِذا لَا يُؤْتونَ النَّاس نقيرا﴾ أَي فهم إِذن كَذَلِك فالفاء وَالْوَاو يصلح بعدهمَا هَذَا الْإِضْمَار على مَا وصفت لَك من التَّقْدِير وان تَنْقَطِع إِذن بعْدهَا مِمَّا قبلهمَا ثمَّ يدخلَانِ للْعَطْف بعد أَن عملت إِذن وَنَظِير ذَلِك قَوْلك إِن تعطني أشكرك وَإِذن أَدْعُو الله لَك كَأَنَّهُ قَالَ إِذن أَدْعُو الله لَك ثمَّ عطف هَذِه الْجُمْلَة على مَا قبلهَا لِأَن الَّذِي قبلهَا كَلَام مستغن

стр. 282

وَقد يجوز أَن تَقول إِذن أكرمك إِذا أخْبرت أَنَّك فِي حَال إكرام لِأَنَّهَا إِذا كَانَت للْحَال خرجت من حُرُوف النصب لإن حُرُوف النصب إِنَّمَا معناهنَّ مَا لم يَقع فَهَذِهِ حَال إِذن إِلَى أَن نفرد بَابا لمسائلها إِن شَاءَ الله

стр. 283

(هَذَا بَاب الْفَاء وَمَا يتنصب بعْدهَا وَمَا يكون مَعْطُوفًا بهَا على مَا قبله) أعلم أَن الْفَاء عاطفة فِي الْفِعْل كَمَا تعطف فِي الْأَسْمَاء تَقول أَنْت تَأتِينِي فتكرمني وَأَنا أزورك فَأحْسن إِلَيْك كَمَا تَقول أَنا آتِيك ثمَّ أكرمك وَأَنا أزورك وَأحسن إِلَيْك هَذَا إِذا كَانَ الثَّانِي دَاخِلا فِيمَا يدْخل فِيهِ الأول كَمَا تكون الْأَسْمَاء فِي قَوْلك رَأَيْت زيدا فعمرا وأتيت الْكُوفَة فالبصرة فَإِن خَالف الأول الثَّانِي لم يجز أَن يحمل عَلَيْهِ فَحمل الأول على مَعْنَاهُ فانتصب الثَّانِي بإضمار إِن وَذَلِكَ قَوْلك مَا تَأتِينِي فتكرمني وَمَا أزورك فتحدثني إِن أَرَادَ مَا أزورك وَمَا تُحَدِّثنِي كَانَ الرّفْع لاغير لِأَن الثَّانِي مَعْطُوف على الأول وَإِن أَرَادَ مَا أزورك فَكيف تُحَدِّثنِي وَمَا أزورك إِلَّا لم تُحَدِّثنِي على معنى كلما زرتك لم تُحَدِّثنِي كَانَ النصب لِأَن الثَّانِي على خلاف الأول وتمثيل نَصبه أَن يكون الْمَعْنى مَا تكون مني زِيَارَة فَيكون حَدِيث مِنْك فَلَمَّا ذهبت بِالْأولِ إِلَى الِاسْم أضمرت أَن إِذْ كنت قد عطفت اسْما على اسْم لِأَن أَن وَمَا عملت فِيهِ اسْم فَالْمَعْنى لم تكن زِيَارَة فإكرام وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ غير وَاجِب وَهُوَ الْأَمر وَالنَّهْي والاستفهام فَالْأَمْر ائْتِنِي فأكرمك وزرني فأعطيك كَمَا قَالَ الشَّاعِر (يَا ناقُ سيري عَنَقاً فَسيحاَ ... إِلَى سُليْمانَ فَتَسْتَريحا)

стр. 284

وَالنَّهْي مثل لَا تَأتِينِي فأكرمك كَقَوْلِه ﴿لَا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بِعَذَاب﴾ وَكَقَوْلِه ﴿وَلَا تطغوا فِيهِ فَيحل عَلَيْكُم غَضَبي﴾ والاستفهام أتأتيني فأعطيك لِأَنَّهُ أستفهم عَن الْإِتْيَان وَلم يستفهم عَن الْإِعْطَاء وَإِنَّمَا يكون إِضْمَار أَن إِذا خَالف الأول الثَّانِي لَو قلت لَا تقم فَتضْرب زيدا لجزمت إِذا أردْت لَا تقم وَلَا تضرب زيدا فَإِذا أردْت لَا تقم فَتضْرب زيدا إِي فَإنَّك إِن قُمْت ضَربته لم يكن إِلَّا النصب لِأَنَّك لم ترد ب تضرب النَّهْي فَصَارَ الْمَعْنى لَا يكن مِنْك قيام فَيكون مِنْك ضرب لزيد وَذَلِكَ أتأتيني فأكرمك الْمَعْنى أَيكُون هَذَا مِنْك فَإِنَّهُ مَتى كَانَ مِنْك كَانَ مني إكرام

стр. 285

(هَذَا بَاب مسَائِل هَذَا الْبَاب وَمَا يكون فِيهِ مَعْطُوفًا أَو مُبْتَدأ مَرْفُوعا وَمَا لَا يجوز فِيهِ إِلَّا النصب إِلَّا أَن يضْطَر شَاعِر) تَقول مَا تَأتِينِي فتحدثني فالنصب يشْتَمل على مَعْنيين يجمعهما أَن الثَّانِي مُخَالف للْأولِ فأحد الْمَعْنيين مَا تَأتِينِي إِلَّا لم تُحَدِّثنِي أَي قد يكون مِنْك إتْيَان وَلَكِن لست تُحَدِّثنِي وَالْمعْنَى الثَّانِي لَا يكون مِنْك إتْيَان وَلَا حَدِيث فاعتباره مَا تَأتِينِي مُحدثا وَكلما أتيتني لم تُحَدِّثنِي وَالْوَجْه الآخر مَا تَأتِينِي فَكيف تُحَدِّثنِي أَي لَو أتيتني لحدثتني وَأما الرّفْع فعلى وَجْهَيْن أَحدهمَا مَا تَأتِينِي وَمَا تُحَدِّثنِي وَالْآخر شريك للْأولِ دَاخل مَعَه فِي النَّفْي
следующие страницы →