← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 6965

المقتضب

المبرد

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أما الْجَزْم فعلى الْعَطف على آتِك وإلغاء إِذن وَالنّصب على إِعْمَال إِذن وَالرَّفْع على قَوْلك وَأَنا أكرمك ثمَّ أدخلت إِذن بَين الِابْتِدَاء وَالْفِعْل فَلم تعْمل شَيْئا وَهَذِه الْآيَة فِي مصحف ابْن مَسْعُود ﴿وَإذَنْ لَا يَلبَثوا خَلفَكَ﴾ الْفِعْل فِيهَا مَنْصُوب بِإِذن وَالتَّقْدِير وَالله أعلم الِاتِّصَال بِإِذن وَإِن رفع فعلى أَن الثَّانِي مَحْمُول على الأول كَمَا قَالَ الله ﴿فَإِذا لَا يُؤْتونَ النَّاس نقيرا﴾ أَي فهم إِذن كَذَلِك فالفاء وَالْوَاو يصلح بعدهمَا هَذَا الْإِضْمَار على مَا وصفت لَك من التَّقْدِير وان تَنْقَطِع إِذن بعْدهَا مِمَّا قبلهمَا ثمَّ يدخلَانِ للْعَطْف بعد أَن عملت إِذن وَنَظِير ذَلِك قَوْلك إِن تعطني أشكرك وَإِذن أَدْعُو الله لَك كَأَنَّهُ قَالَ إِذن أَدْعُو الله لَك ثمَّ عطف هَذِه الْجُمْلَة على مَا قبلهَا لِأَن الَّذِي قبلهَا كَلَام مستغن

стр. 282

وَقد يجوز أَن تَقول إِذن أكرمك إِذا أخْبرت أَنَّك فِي حَال إكرام لِأَنَّهَا إِذا كَانَت للْحَال خرجت من حُرُوف النصب لإن حُرُوف النصب إِنَّمَا معناهنَّ مَا لم يَقع فَهَذِهِ حَال إِذن إِلَى أَن نفرد بَابا لمسائلها إِن شَاءَ الله

стр. 283

(هَذَا بَاب الْفَاء وَمَا يتنصب بعْدهَا وَمَا يكون مَعْطُوفًا بهَا على مَا قبله) أعلم أَن الْفَاء عاطفة فِي الْفِعْل كَمَا تعطف فِي الْأَسْمَاء تَقول أَنْت تَأتِينِي فتكرمني وَأَنا أزورك فَأحْسن إِلَيْك كَمَا تَقول أَنا آتِيك ثمَّ أكرمك وَأَنا أزورك وَأحسن إِلَيْك هَذَا إِذا كَانَ الثَّانِي دَاخِلا فِيمَا يدْخل فِيهِ الأول كَمَا تكون الْأَسْمَاء فِي قَوْلك رَأَيْت زيدا فعمرا وأتيت الْكُوفَة فالبصرة فَإِن خَالف الأول الثَّانِي لم يجز أَن يحمل عَلَيْهِ فَحمل الأول على مَعْنَاهُ فانتصب الثَّانِي بإضمار إِن وَذَلِكَ قَوْلك مَا تَأتِينِي فتكرمني وَمَا أزورك فتحدثني إِن أَرَادَ مَا أزورك وَمَا تُحَدِّثنِي كَانَ الرّفْع لاغير لِأَن الثَّانِي مَعْطُوف على الأول وَإِن أَرَادَ مَا أزورك فَكيف تُحَدِّثنِي وَمَا أزورك إِلَّا لم تُحَدِّثنِي على معنى كلما زرتك لم تُحَدِّثنِي كَانَ النصب لِأَن الثَّانِي على خلاف الأول وتمثيل نَصبه أَن يكون الْمَعْنى مَا تكون مني زِيَارَة فَيكون حَدِيث مِنْك فَلَمَّا ذهبت بِالْأولِ إِلَى الِاسْم أضمرت أَن إِذْ كنت قد عطفت اسْما على اسْم لِأَن أَن وَمَا عملت فِيهِ اسْم فَالْمَعْنى لم تكن زِيَارَة فإكرام وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ غير وَاجِب وَهُوَ الْأَمر وَالنَّهْي والاستفهام فَالْأَمْر ائْتِنِي فأكرمك وزرني فأعطيك كَمَا قَالَ الشَّاعِر (يَا ناقُ سيري عَنَقاً فَسيحاَ ... إِلَى سُليْمانَ فَتَسْتَريحا)

стр. 284

وَالنَّهْي مثل لَا تَأتِينِي فأكرمك كَقَوْلِه ﴿لَا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بِعَذَاب﴾ وَكَقَوْلِه ﴿وَلَا تطغوا فِيهِ فَيحل عَلَيْكُم غَضَبي﴾ والاستفهام أتأتيني فأعطيك لِأَنَّهُ أستفهم عَن الْإِتْيَان وَلم يستفهم عَن الْإِعْطَاء وَإِنَّمَا يكون إِضْمَار أَن إِذا خَالف الأول الثَّانِي لَو قلت لَا تقم فَتضْرب زيدا لجزمت إِذا أردْت لَا تقم وَلَا تضرب زيدا فَإِذا أردْت لَا تقم فَتضْرب زيدا إِي فَإنَّك إِن قُمْت ضَربته لم يكن إِلَّا النصب لِأَنَّك لم ترد ب تضرب النَّهْي فَصَارَ الْمَعْنى لَا يكن مِنْك قيام فَيكون مِنْك ضرب لزيد وَذَلِكَ أتأتيني فأكرمك الْمَعْنى أَيكُون هَذَا مِنْك فَإِنَّهُ مَتى كَانَ مِنْك كَانَ مني إكرام

стр. 285

(هَذَا بَاب مسَائِل هَذَا الْبَاب وَمَا يكون فِيهِ مَعْطُوفًا أَو مُبْتَدأ مَرْفُوعا وَمَا لَا يجوز فِيهِ إِلَّا النصب إِلَّا أَن يضْطَر شَاعِر) تَقول مَا تَأتِينِي فتحدثني فالنصب يشْتَمل على مَعْنيين يجمعهما أَن الثَّانِي مُخَالف للْأولِ فأحد الْمَعْنيين مَا تَأتِينِي إِلَّا لم تُحَدِّثنِي أَي قد يكون مِنْك إتْيَان وَلَكِن لست تُحَدِّثنِي وَالْمعْنَى الثَّانِي لَا يكون مِنْك إتْيَان وَلَا حَدِيث فاعتباره مَا تَأتِينِي مُحدثا وَكلما أتيتني لم تُحَدِّثنِي وَالْوَجْه الآخر مَا تَأتِينِي فَكيف تُحَدِّثنِي أَي لَو أتيتني لحدثتني وَأما الرّفْع فعلى وَجْهَيْن أَحدهمَا مَا تَأتِينِي وَمَا تُحَدِّثنِي وَالْآخر شريك للْأولِ دَاخل مَعَه فِي النَّفْي

стр. 286

وَالْوَجْه الثَّانِي أَن تَقول مَا تَأتِينِي فتحدثني أَي مَا تَأتِينِي وَأَنت تُحَدِّثنِي وتكرمني وَكَذَلِكَ مَا تُعْطِينِي فأشكرك أَي مَا تُعْطِينِي وَأَنا أشكرك على حَال وَمثل ذَلِك فِي الْجَزْم ألم أعطك فتشكرني جزم تشكرني بلم ودخلا مَعًا فِي الِاسْتِفْهَام وَالرَّفْع على قَوْلك فَأَنت تشكرني وَلَو قلت مَا أَنْت بصاحبي فأكرمك لَكَانَ النصب على قَوْلك فَكيف أكرمك وَلم يجز الرّفْع على الشّركَة لِأَن الأول اسْم فَلَا يُشْرك الْفِعْل مَعَه وَلَكِن لَو حَملته على فَأَنا أكرمك على حَال ثمَّ تعطف جملَة على جملَة لجَاز وعَلى هَذَا قَوْله (فَمَا أنتَ مِنْ قَيْسٍ فَتَنْبَحَ دُونها ... وَلَا مِنْ تَميمِ فِي الرءُوسِ الأعاظِمِ) وَلَو رفع على أَنْت تنبَحُ على حَال جَازَ

стр. 287

وَأما قَول الله ﴿لَا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُتوا﴾ فَهُوَ على قَوْلك لَا تَأتِينِي فأعطيك أَي لَو أتيتني لأعطيتك وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي أحد الْوَجْهَيْنِ من قَوْلك مَا تَأتِينِي فتحدثني إِذا أردْت لَو أتيتني لحدثتني وَتقول كَأَنَّك لم تأتنا فتحدثنا إِذا أردْت الْوَجْه فِي قَوْلك مُحدثا وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي مَا تَأتِينِي فتحدثني أَي كلما أتيتني لم تُحَدِّثنِي فَهُوَ مَا تَأتِينِي مُحدثا أَي قد يكون مِنْك إتْيَان وَلَا حَدِيث كَمَا قَالَ (كأنَّكَ لَمْ تذْبَحَ لأهلِكَ نَعْجَةً ... فيُصْبِحَ مُلْقى بالفِناءِ إهابُها) وَأما قَوْله ﴿فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ النصب هَا هُنَا محَال لِأَنَّهُ لم يَجْعَل فَيكون جَوَابا هَذَا خلاف الْمَعْنى لِأَنَّهُ لَيْسَ هَهُنَا شَرط إِنَّمَا الْمَعْنى فَإِنَّهُ يَقُول لَهُ كن فيكونُ وكُنْ حِكَايَة وَأما قَوْله ﴿أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ فالنصب وَالرَّفْع فَأَما النصب فعلى أَن تَقول فيكونَ يَا فَتى وَالرَّفْع على هُوَ يَقُول فَيكون

стр. 288

وَأما قَول الشَّاعِر (وَمَا أَنا للشيءِ الَّذِي ليسَ نافِعي ... ويَغضَبُ صَاحِبي بِقَؤولِ﴾ فَإِن الرّفْع الْوَجْه لِأَن يغْضب فِي صلَة الَّذِي لِأَن مَعْنَاهُ الَّذِي يغْضب مِنْهُ صَاحِبي وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ يقدم النصب ويثنى بِالرَّفْع وَلَيْسَ القَوْل عِنْدِي كَمَا قَالَ لِأَن الْمَعْنى الَّذِي يَصح عَلَيْهِ الْكَلَام إِنَّمَا يكون بِأَن يَقع يغْضب فِي الصِّلَة كَمَا ذكرت لَك وَمن أجَاز النصب فَإِنَّمَا يَجْعَل يغْضب مَعْطُوفًا على الشَّيْء وَذَلِكَ جَائِز وَلكنه بعيد وَإِنَّمَا جَازَ لِأَن الشَّيْء منعوت فَكَانَ تَقْدِيره وَمَا أَنا للشَّيْء الَّذِي هَذِه حَاله وَلِأَن يغْضب صَاحِبي وَهُوَ كَلَام مَحْمُول على مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَقُول الْغَضَب إِنَّمَا يَقُول مَا يُوجب الْغَضَب وَمثل هَذَا يجوز

стр. 289

تَقول إِنَّمَا جَاءَ بِهِ طَعَام زيد وَالْمعْنَى إِنَّمَا جِئْت من أَجله وَكَذَلِكَ قَوْلك إِنَّمَا شِفَاء زيد السَّيْف وَإِنَّمَا تحيته الشتم أَي هَذَا الَّذِي أَقَامَهُ مقَام التَّحِيَّة ومقام الشِّفَاء كَمَا قَالَ (وخيْلٍ قَدَ دُلَفْتُ لَهَا بخيلٍ ... تحيّةُ بَينهُم ضرْبٌ وَجيعُ) فَهَذَا كَلَام مَفْهُوم وَتَحْقِيق لَفظه مَا ذكرت لَك وَأما قَول الله ﴿ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة﴾ فَهَذَا هُوَ الْوَجْه لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَوَاب لِأَن الْمَعْنى فِي قَوْله ﴿ألم تَرَ﴾ إِنَّمَا هُوَ انتبه وَانْظُر أنزل الله من السَّمَاء مَاء فَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَيْسَ كَقَوْلِك ألم تأتِ زيدا فيكرمك لِأَن الْإِكْرَام يَقع بالإتيان وَلَيْسَ اخضرار الأَرْض وَاقعا من أجل رؤيتك وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَمَا يعلمَانِ من أحد حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحن فتْنَة فَلَا تكفر فيتعلمون﴾ لِأَنَّهُ لم يَجْعَل سَبَب تعليمهم قَوْله ﴿لَا تكفر﴾ كَمَا تَقول لَا تَأتِينِي فأضربك لِأَنَّهُ يَقُول إِنَّك إِن أتيتني ضربتك وَقَوله ﴿فَلَا تكفر﴾ حِكَايَة عَنْهُم وَقَوله ﴿فيتعلمون﴾ لَيْسَ مُتَّصِلا بِهِ وَلَو كَانَ كَذَلِك كَانَ لَا تكفر فَتَتَعَلَّمُ يَا فَتى وَلَكِن هُوَ مَحْمُول على قَوْله ﴿يعلمُونَ النَّاس السحر﴾ فيتعلمون مِنْهُم لَا يَصح الْمَعْنى إِلَّا على هَذَا أَو على الْقطع أَي مِنْهُم يتعلمون

стр. 290

وَأما قَول النَّابِغَة (فَلَا زالَ قَبْرٌ بَيْنَ بُصرى وجاسِمٍ ... عليهِ منَ الوَسْمِيِّ سُحٌ ووابِلٌ) (فَيُنْبِتُ حَوذانا وعَوفا مُنَوِّرا ... سأُتبِعُهُ مِنْ خَيْرِ مَا قالَ قائلُ) فَإِن الرّفْع الْوَجْه لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَوَاب إِنَّمَا هُوَ فَذَاك يُنبت حوذانا وَلَو جعله جَوَابا لقَوْله (فَلَا زالَ) كَانَ وَجها جيدا وَتقول لَا تمددها فتشققها على الْعَطف فَإِن أردْت الْجَواب قلت فتشُّقها على مَا فسرت لَك وَتقول أَيْن بَيْتك فأزورك فَإِن أردْت أَن تَجْعَلهُ جَوَابا نصبت وَإِن أردْت أَن تجْعَل الزِّيَارَة وَاقعَة على حَال قلت أَيْن بَيْتك فَأَنا أزورك على حَال

стр. 291

وَتقول فِي الْجَزَاء من يأتني فيكرمني أعْطه لَا يكون إِلَّا ذَلِك لِأَن الْكَلَام مَعْطُوف على مَا قبله فَإِن قلت من يأتني آته فَأكْرمه كَانَ الْجَزْم الْوَجْه وَالرَّفْع جَائِز على الْقطع على قَوْلك فَأَنا أكْرمه وَيجوز النصب وَإِن كَانَ قبيحا لِأَن الأول لَيْسَ بِوَاجِب إِلَّا بِوُقُوع غَيره وَقد قرئَ هَذَا الْحَرْف على ثَلَاثَة اضْرِب ﴿يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله فَيغْفر لمن يَشَاء﴾ بِالْجَزْمِ وَالرَّفْع وَالنّصب وينشد هَذَا الْبَيْت رفعا ونصبا لِأَن الْجَزْم يكسر الشّعْر وَإِن كَانَ الْوَجْه وَهُوَ قَوْله (ومنْ يَغْتَرِبْ عَنْ قومهِ لَا يَزَلْ يَرى ... مصارِعَ مَظلومٍ مَجَرَّا ومَسحَبا) (وتُدْفَنْ مِنهُ الصالحاتُ وَإِن يُسِيءُ ... يكَنْ مَا أساءَ النارِ فِي رأسِ كَبْكَبَا)

стр. 292

وَالْوَاو الْفَاء فِي هَذَا سَوَاء فَأَما قَوْله (فقلتُ لهُ قرّبْ وَلَا تَجْهدَنَّهُ ... فَيَذِرُكَ مِنْ أُخْرَى القطاةِ فَتَزْلَقَ) فَإِنَّمَا هُوَ على الْعَطف فَدخل كُله فِي النَّفْي أَرَادَ وَلَا يدنك وَلَا تزلقّن وَتقول أَلا تأتني فتكرمني أقعد عَنْك فالجزم الْوَجْه فِي فتكرمني وَالنّصب يجوز من أجل النَّفْي لِأَن مَعْنَاهُ إِلَّا تأتني مكرما كَمَا قَالَ مَا تَأتِينِي فتحدثني أَي مَا تَأتِينِي مُحدثا وعَلى هَذَا ينشد هَذَا الْبَيْت (ومنْ لَا يُقدِّم رِجْلَهُ مُطْمئنَّةً ... فَيُثبِتَها فِي مُستَوى الأرضِ يَزَلِقِ) وَأعلم أَن الشَّاعِر إِذا اضْطر جَازَ لَهُ أَن ينصب فِي الْوَاجِب وَالنّصب فِي إِضْمَار أَن يذهب بِالْأولِ إِلَى الِاسْم على الْمَعْنى فَيَقُول أَنْت تَأتِينِي فتكرمني تُرِيدُ أَنْت يكون مِنْك إتْيَان فإكرام فَهَذَا لَا يجوز فِي الْكَلَام وَإِنَّمَا يجوز فِي الشّعْر للضَّرُورَة كَمَا يجوز صرف مَا لَا ينْصَرف وتضعيف مَا لَا يضعف فِي الْكَلَام قَالَ

стр. 293

(سأتركُ مَنزلي لبني تَميمٍ ... وألحقُ بالعراقٍ فأستَريحا) وَقَالَ الشَّاعِر (لنا هَضبَةٌ لَا يَنزِلُ الذلَّ وسطَها ... ويأوى إِلَيْهَا المُستَجيرُ فيُعصما) هَذَا إنشاد بَعضهم وَهُوَ فِي الرداءة على مَا ذكرت لَك وَأَكْثَرهم ينشد (لِيُعصَما) وَهُوَ الْوَجْه الْجيد

стр. 294

(هَذَا بَاب الْوَاو) أعلم أَن الْوَاو فِي الْخَبَر بِمَنْزِلَة الْفَاء وَكَذَلِكَ كل مَوضِع يعْطف فِيهِ مَا بعْدهَا على مَا قبلهَا فَيدْخل فِيمَا دخل فِيهِ وَذَلِكَ قَوْلك أَنْت تَأتِينِي وتكرمني وَأَنا أزورك وَأُعْطِيك وَلم آتِك وأكرمك وَهل يذهب زيد وَيَجِيء عَمْرو إِذا استفهمت عَنْهُمَا جَمِيعًا وَكَذَلِكَ إين يذهب عَمْرو وينطلق عبد الله وَلَا تضربن زيدا وتشتم عمرا لِأَن النَّهْي عَنْهُمَا جَمِيعًا فَإِن جعلت الثَّانِي جَوَابا فَلَيْسَ لَهُ فِي جَمِيع الْكَلَام إِلَّا معنى وَاحِد وَهُوَ الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ وَذَلِكَ قَوْلك لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن أَي لَا يكون مِنْك جمع بَين هذَيْن فَإِن نَهَاهُ عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا على حَال قَالَ لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن لِأَنَّهُ أَرَادَ لَا تَأْكُل السّمك على حَال وَلَا تشرب اللَّبن على حَال فتمثيله فِي الْوَجْه الأول لَا يكن مِنْك أكل للسمك وَأَن تشرب اللَّبن وعَلى هَذَا القَوْل لَا يسعني شَيْء ويعجز عَنْك لَا معنى للرفع فِي يعجز لِأَنَّهُ لَيْسَ يخبر

стр. 295

أَن الْأَشْيَاء كلهَا لَا تسعه وان الْأَشْيَاء كلهَا لَا تعجز عَنهُ كَمَا قَالَ (لَا تَنهَ عَنْ خُلُقٍ وتأتيَ مِثلَهُ ... عارٌ عَليكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ) أَي لَا يجْتَمع أَن تنْهى وَتَأْتِي مثله وَلَو جزم كَانَ الْمَعْنى فَاسِدا وَلَو قلت بِالْفَاءِ لَا يسعني شَيْء فيعجز عَنْك كَانَ جيدا لِأَن مَعْنَاهُ لَا يسعني شَيْء إِلَّا لم يعجز عَنْك وَلَا يسعني عَاجِزا عَنْك هَذَا تَمْثِيل هَذَا كَمَا قلت لَك فِي مَا تَأتِينِي فتحدثني أَي إِلَّا لم تُحَدِّثنِي وَمَا تَأتِينِي مُحدثا فَمَعْنَى الْوَاو الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ ونصبها على إِضْمَار أَن كَمَا كَانَ فِي الْفَاء وتنصب فِي كل مَوضِع تنصب فِيهِ الْفَاء أَلا ترى أَن قَوْلك زُرني وأزورك إِنَّمَا هُوَ لتكن مِنْك زِيَارَة وزيارة مني وَلَو أَرَادَ الْأَمر فِي الثَّانِي لقَالَ زرني ولأزرك حَتَّى يكون الْأَمر جَارِيا عَلَيْهِمَا والنحويون ينشدون هَذَا الْبَيْت على ضَرْبَيْنِ وَهُوَ قَول الشَّاعِر (لقد كانَ فِي حَولٍ ثَواءٍ ثَويْتُه ... تُقضَّى لُباناتٌ ويُسْأمُ سائمُ) فيرفع يسأم لِأَنَّهُ عطفه على فعل وَهُوَ تُقضى فَلَا يكون إِلَّا رفعا وَمن قَالَ تَقضِّي لُبانات قَالَ ويسأمَ سائمُ لِأَن تَقَضِّى اسْم فَلم يجز أَن تعطف عَلَيْهِ

стр. 296

فعلا فاضمر أَن ليجري الْمصدر على الْمصدر فَصَارَ تقضِّى لبانات وان يسأمَ سائم أَي وسآمة سائم وعَلى هَذَا ينشد هَذَا الْبَيْت (لَلُبْسُ عَباءةٍ وتَقرَّ عَيني ... أحبُ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُفُوفِ) أَي وَإِن تقر عَيْني فَأَما قَوْله (ألمْ أكُ جارَكَم ويكونَ بيني ... وبينَكُمْ المَودّةُ والإخاءُ) فَإِنَّهُ أَرَادَ ألم يجْتَمع كَون هَذَا مِنْكُم وَكَون هَذَا مني وَلَو أَرَادَ الْإِفْرَاد فيهمَا لم يكن إِلَّا مَجْزُومًا كَأَنَّهُ قَالَ ألم يكن بيني وَبَيْنكُم وَالْآيَة تقْرَأ على وَجْهَيْن ﴿وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين﴾ على مَا ذكرت لَك

стр. 297

(هَذَا بَاب أَو) وَهِي تكون للْعَطْف فتجري مَا بعْدهَا على مَا قبلهَا كَمَا كَانَ ذَلِك فِي الِاسْم إِذا قلت ضربت زيدا أَو عمرا وَيكون مضمرا بعْدهَا أَن إِذا كَانَ الْمَعْنى إِلَّا أَن يكون وَحَتَّى يكون وَذَلِكَ قَوْلك أَنْت تضرب زيدا أَو تكرم عمرا على الْعَطف وَقَالَ الله ﴿ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد تقاتلونهم أَو يسلمُونَ﴾ أَي يكون هَذَا أَو يكون هَذَا فَأَما الْموضع الَّذِي تنصب فِيهِ بإضمار أَن فقولك لألزَمَنّكَ أَو تُقضيني أَي إِلَّا أَن تقضيني وَحَتَّى تقضيني وَفِي مصحف أبيّ ﴿تُقاتِلونَهُمْ أَو يُسْلِموا﴾ على معنى إِلَّا أَن يسلمُوا وَحَتَّى يسلمُوا وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس (فَقلت لَهُ لاتَبكِ عَينُكَ إِنَّمَا ... نُحاوِلُ مُلْكاً أَو نَموتَ فَنُعذرا)

стр. 298

أَي إِلَّا أَن نموت وَقَالَ زيدا الْأَعْجَم (وكُنتُ إِذا غَمزتُ فتاةَ قومٍ ... كسرتُ كعوبَها أَو تستَقيما) وَيُقَال أتجلس أَو تقوم يَا فَتى فَالْمَعْنى أَيكُون مِنْك وَاحِد من الْأَمريْنِ وَتقول هَل تكلمُنا أَو تنبسطُ إِلَيْنَا لَا معنى للنصب هَا هُنَا قَالَ الله ﴿هَل يسمعونكم إِذْ تدعون أَو ينفعونكم أَو يضرون﴾ فجملة هَذَا أَن كل مَوضِع تصلح فِيهِ حَتَّى وَإِلَّا أَن فالنصب فِيهِ جَائِز جيد إِذا أردْت هَذَا الْمَعْنى والعطف على مَا قبله مُسْتَعْمل فِي كل مَوضِع

стр. 299

(هَذَا بَاب أنْ) اعْلَم أَن أنْ وَالْفِعْل بِمَنْزِلَة الْمصدر وَهِي تقع على الْأَفْعَال المضارعة فتنصبها وَهِي صلَاتهَا وَلَا تقع مَعَ الْفِعْل حَالا لِأَنَّهَا لما لَا يَقع فِي الْحَال وَلَكِن لما يسْتَقْبل فَإِن وَقعت على الْمَاضِي نَحْو سرني أَن قُمْت وساءني أَن خرجت كَانَ جيدا قَالَ الله ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي﴾ أَي لِأَن كَانَ هَذَا فِيمَا مضى فَهَذَا كُله لَا يلْحق الْحَال لِأَن الْحَال لما أَنْت فِيهِ وَاعْلَم أَن هَذِه لَا تلْحق بعد كل فعل إِنَّمَا تلْحق إِذا كَانَت لما لم يَقع بعد مَا يكون توقعاً لَا يَقِينا لِأَن الْيَقِين ثَابت وَذَلِكَ قَوْلك ارجوا أَن تقوم يَا فَتى وأخاف أَن تذهبَ يَا فَتى كَمَا قَالَ ﴿نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة﴾ وَلَو قلت أعلم أَن تقوم يَا فَتى لم يجز لِأَن هَذَا شَيْء ثَابت فِي علمك فَهَذَا من مَوَاضِع أَن الثَّقِيلَة نَحْو اعْلَم أَنَّك تقوم يَا فَتى

стр. 300

وَتقول أَظُنك أَنَّك ستقوم لِأَنَّهُ شَيْء قد اسْتَقر فِي ظَنك كَمَا اسْتَقر الآخر فِي علمك كَمَا قَالَ الله تبَارك اسْمه ﴿الَّذين يظنون أَنهم ملاقو رَبهم﴾ فَإِن قيل إنَّ يظنُّونَ هَا هُنَا يوقنون فَهَكَذَا هُوَ وَلكنهَا فِي الثَّبَات فِي الظَّن وَفِي أَعمالهَا على الْوَجْه الآخر إِلَّا أَنَّهَا إِذا أُرِيد بهَا الْعلم لم تكن إِلَّا مثقلة فَإِن أُرِيد بهَا الشَّك جَازَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا والتثقيل فِي الشَّك أَكثر اسْتِعْمَالا لثباته فِي الظَّن كثبات الْأُخْرَى فِي الْعلم فَأَما الْوَجْه الَّذِي يجوز فِيهِ الْخَفِيفَة فَإِنَّهُ متوقع غير ثَابت الْمعرفَة قَالَ الله ﴿تظن أَن يفعل بهَا فاقرة﴾ وَأما ﴿إِن ظنا أَن يُقِيمَا حُدُود الله﴾ وَقَوْلهمْ مَعْنَاهُ أيقنا فَإِنَّمَا هُوَ شَيْء متوقع الْأَغْلَب فِيهِ ذَا إِلَّا أَنه علم ثَابت أَلا ترَاهُ قَالَ ﴿فظنوا أَنهم مواقعوها﴾ لما كَانَ أيقنوا - وَاعْلَم أَن لَا إِذا دخلت على أنْ جَازَ أَن تُرِيدُ بأنْ الثَّقِيلَة وَأَن تُرِيدُ الْخَفِيفَة فَإِن أردْت الثَّقِيلَة رفعت مَا بعْدهَا لِأَنَّهُ لَا يحذف مِنْهَا التثقيل إِلَّا مَعَ الْإِضْمَار وَهَذَا يبين لَك فِي بَاب إنَّ وأنَّ وَإِنَّمَا تقع الْخَفِيفَة والثقيلة على مَا قبلهَا من الْأَفْعَال وَلَا يجوز الْإِضْمَار إِلَّا أَن تأتى بعوض والعوض لَا أَو السِّين أَو سَوف أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا يلْحق الْأَفْعَال فَأَما لَا وَحدهَا فَإِنَّهُ يجوز أَن تُرِيدُ ب أَن الَّتِي قبلهَا الْخَفِيفَة وتنصب مَا بعْدهَا لِأَن

стр. 301

لَا لَا تفصل بَين الْعَامِل الْمَعْمُول فِيهِ تَقول مَرَرْت بِرَجُل لَا قَائِم وَلَا قَاعد كَمَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل قَائِم وقاعد وَذَلِكَ قَوْلك أَخَاف أَلا تذْهب يَا فَتى وأظن أَلا تقوم يَا فَتى كَمَا قَالَ ﴿إِلَّا أنْ يَخافا أنْ لَا يُقيما حُدودَ اللهِ﴾ وَفِي ظَنَنْت وبابها تكون الْخَفِيفَة والثقيلة كَمَا وصف لَك قَالَ الله ﴿وَحَسِبوا أنْ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ﴿وانْ لَا يكونُ﴾ فالرفع على أَنَّهَا لَا تكون فتْنَة وَكَذَلِكَ ﴿أفَلا يَرَون أنْ لَا يَرجِعُ إليهِمْ قَولاً﴾ أَي إِنَّه لَا يرجع إِلَيْهِم قولا ﴿لَا يرَوْنَ﴾ فِي الْمَعْنى يعلمُونَ فَهُوَ وَاقع ثَابت فَأَما السِّين وسوف فَلَا يكون قبلهَا إِلَّا المثقلة تَقول علمت أَن سيقومون وظننت أَن سيذهبون وان سَوف تقومون كَمَا قَالَ ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكُمْ مَرضى﴾ وَلَا يجوز أَن تلغى من الْعَمَل كَمَا وصفت لَك وَلَا يجوز ذَلِك فِي السِّين وسوف لِأَنَّهُمَا لَا يلحقان على معنى لَا فَإِنَّمَا الْكَلَام بعد لَا على قدر الْفَصْل قَالَ ﴿لِئلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتَابِ أنْ لَا يَقدِرونَ﴾ فَيعلم مَنْصُوبَة وَلَا يكون إِلَّا ذَلِك لِأَن لَا زَائِدَة وَإِنَّمَا هُوَ لِأَن يعلم وَقَوله ﴿أنْ لَا يَقْدِرونَ﴾ إِنَّمَا هُوَ أَنهم لَا يقدرُونَ وَهِي فِي بعض الْمَصَاحِف ﴿أنَّهم لَا يقدرونَ﴾

стр. 302

(هَذَا بَاب الْفِعْل بعد أَن وَانْقِطَاع الآخر من الأول) أعلم أَنَّك إِذا أرت بِالثَّانِي مَا أردْت بِالْأولِ من الإجراء على الْحَرْف لم يكن إِلَّا منسوقا عَلَيْهِ تَقول أُرِيد أَن تقوم فَتضْرب زيد وَأُرِيد أَن تَأتِينِي وتكرمني وَأُرِيد أَن تجْلِس ثمَّ تَتَحَدَّث يَا فَتى فَإِن كَانَ الثَّانِي خَارِجا عَن معنى الأول كَانَ مَقْطُوعًا مستأنفاً وَذَلِكَ قَوْلك أُرِيد أَن تَأتِينِي فتقعد عني وَأُرِيد أَن تكرم زيدا فتهينه فَالْمَعْنى أَنه لم يرد الإهانة إِنَّمَا أَرَادَ الْإِكْرَام فَكَأَنَّهُ فِي التَّمْثِيل أُرِيد أَن تكرم زيدا فَإِذا أَنْت تُهينه وَأُرِيد أَن تَأتِينِي فَإِذا أَنْت تقعد عني كَمَا قَالَ (والشِعْرُ لَا يَضْبِطُهُ مِنْ يظلِمهُ ... ) (إِذا أرتقى فيهِ الَّذِي لَا يعْلَمُهُ ... ) (زَلّتْ بِهِ إِلَى الحَضيضِ قَدَمَهُ ... ) (يُريدُ أَن يُعرِبَهُ فَيُعجِمَهُ ... )

стр. 303

أَي فَإِذا هُوَ يعجمه أَي فَإِذا هُوَ هَذِه حَاله فعلى هَذَا يجْرِي فِي هَذَا الْبَاب وَلَو قَالَ قَائِل أُرِيد أَن تَأتِينِي وَأَنت تكرمني أَي أُرِيد أَن تَأتِينِي وَهَذِه حالك لجَاز وَتقول أُرِيد أَن تَتَكَلَّم بِخَير أَو تسكت يَا فَتى فالنصب على وَجْهَيْن أَحدهمَا أُرِيد ذَا أَو ذَا وَالْوَجْه الآخر أَن يكون حَتَّى تسكت كَمَا تَقول لَأَجْلِسَن مَعَك أَو تَنْصَرِف يَا فَتى على قَوْلك حَتَّى تَنْصَرِف فَأَما قَوْله ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا﴾ فَإِن النَّحْوِيين يَزْعمُونَ أَن الْكَلَام لَيْسَ مَحْمُولا على أَن يكلمهُ الله وَلَو كَانَ يُرْسل مَحْمُولا على ذَلِك لبطل الْمَعْنى لِأَنَّهُ كَانَ يكون مَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله أَو يُرْسل أَي مَا كَانَ لبشر أَن يُرْسل الله إِلَيْهِ رَسُولا فَهَذَا لَا يكون وَلَكِن الْمَعْنى وَالله أعلم مَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَي إِلَّا أَن يُوحى أَو يُرْسل فَهُوَ مَحْمُول على قَوْله وَحيا أَي إِلَّا وَحيا أَو إرْسَالًا وَأهل الْمَدِينَة يقرؤن أَو يُرْسل رَسُولا يُرِيدُونَ أَو هُوَ يُرْسل رَسُولا أَي فَهَذَا كَلَامه إيَّاهُم على مَا يُؤَدِّيه الْوَحْي وَالرَّسُول

стр. 304

وَأم قَوْله ﴿لنبين لكم ونقر فِي الْأَرْحَام﴾ على مَا قبله وتمثيله وَنحن نقر فِي الْأَرْحَام مَا نشَاء وَأما قَوْله ﴿وَلَا يَأْمُركُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَة﴾ فَيقْرَأ رفعا ونصبا فَأَما النصب فعلى قَوْله ﴿مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة ثمَّ يَقُول للنَّاس﴾ أَي مَا كَانَ لَهُ أَن يَقُول للنَّاس وَلَا أَن يَأْمُركُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَة وَمن قَرَأَ ﴿يَأْمُركُمْ﴾ فَإِنَّمَا أَرَادَ وَلَا يَأْمُركُمْ الله وقطعه من الأول فالمعنيان جَمِيعًا جيدان يرجعان إِلَى شَيْء وَاحِد إِذا حصلا وَلَو قَالَ قَائِل أُرِيد أَن تَأتِينِي ثمَّ تحسن إِلَيّ لَكَانَ مَعْنَاهُ أُرِيد إتيانك ثمَّ قد اسْتَقر عِنْدِي أَنَّك تحسن إِلَيّ أَي فَهَذَا مِنْك مَعْلُوم عِنْدِي وَالتَّقْدِير فِي الْعَرَبيَّة أُرِيد أَن تَأتِينِي ثمَّ أَنْت تحسن إِلَيّ - _ وَتقول أَمرته أَن يقوم يَا فَتى فَالْمَعْنى أَمرته بِأَن يقوم إِلَّا أَنَّك حذفت حرف الْخَفْض وحذفه مَعَ أَن جيد

стр. 305

وَإِن كَانَ الْمصدر على وَجهه جَازَ الْحَذف وَلم يكن كحسنه مَعَ أَن لِأَنَّهَا وصلتها اسْم فقد صَار الْحَرْف وَالْفِعْل وَالْفَاعِل اسْما وَإِن اتَّصل بِهِ شَيْء صَار مَعَه فِي الصِّلَة فَإِذا طَال الْكَلَام احْتمل الْحَذف فَأم الْمصدر غير أَن فنحو أَمرتك الْخَيْر يَا فَتى كَمَا قَالَ الشَّاعِر (أَمرتك الخيرَ فافعَلْ مَا أُمِرْتَ بهِ ... فقدْ تركتُكَ وَذَا مالٍ وَذَا ونَشَبِ) فَهَذَا يصلح على الْمجَاز فَأَما أَن فَالْأَحْسَن مِنْهَا الْحَذف كَمَا قَالَ الله ﴿وقّضى رَبُكَ أنْ لَا تَعبُدوا إِلَّا إيّاه﴾ وَمعنى قضى هَا هُنَا أَمر وَأما قَوْله ﴿وَأمرت لِأَن أكون﴾ فَإِنَّمَا حمل الْفِعْل على الْمصدر فَالْمَعْنى وَالله اعْلَم أوقع إِلَى هَذَا الْأَمر لذا

стр. 306

وَهَذِه اللَّام تدخل على الْمَفْعُول فَلَا تغير مَعْنَاهُ لِأَنَّهَا لَام إِضَافَة وَالْفِعْل مَعهَا يجْرِي مجْرى مصدره كَمَا يجْرِي الْمصدر مجْرَاه فِي الرّفْع وَالنّصب لما بعده لِأَن الْمصدر اسْم الْفِعْل قَالَ الله ﴿إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون﴾ وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين فِي قَوْله ﴿قل عَسى أَن يكون ردف لكم﴾ مَعْنَاهُ رِدفَكُمْ وَتقول لزيد ضربت ولعمرو أكرمت إِذا قدمت الْمَفْعُول لتشغل اللَّام مَا وَقعت عَلَيْهِ فَإِن أَخَّرته فَالْأَحْسَن أَلا تدْخلهَا إِلَّا أَن يكون الْمَعْنى مَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فَيكون حسنا وحذفه أحسن لِأَن جَمِيع الْقُرْآن عَلَيْهِ

стр. 307

(هَذَا بَاب حَتَّى) اعْلَم أَن الْفِعْل ينصب بعْدهَا بإضمار أَن وَذَلِكَ لِأَن حَتَّى من عوامل الْأَسْمَاء الخافضة لَهَا تَقول ضربت الْقَوْم حَتَّى زيدٍ وَدخلت الْبِلَاد حَتَّى الكوفةِ وأكلتُ السمكةَ حَتَّى رأسِها أَي لم ابق مِنْهَا شَيْئا فعملها الْخَفْض وَتدْخل الثَّانِي فِيمَا دخل فِيهِ الأول من الْمَعْنى لِأَن مَعْنَاهَا إِذا خفضت كمعناها إِذا نسق بهَا فَلذَلِك خَالَفت إِلَى قَالَ الله ﴿يسلامٌ هِيَ حتّى مَطلَعِ الفَجْرِ﴾ فَإِذا وَقعت عوامل الْأَسْمَاء على الْأَفْعَال لم يستقم وَصلهَا بهَا إِلَّا على إِضْمَار أَن لِأَن أَن وَالْفِعْل اسْم مصدر فَتكون وَاقعَة على الْأَسْمَاء وَذَلِكَ قَوْلك أَنا أَسِير حَتَّى تمنعني وَأَنا اقف حَتَّى تطلع الشمسُ فَإِذا نصبت بهَا على مَا وصفت لَك كَانَ ذَلِك على أحد مَعْنيين على كي وعَلى إِلَى أَن لِأَن حَتَّى بِمَنْزِلَة إِلَى فإمَّا الَّتِي بِمَعْنى إِلَى أَن فقولك أَنا أَسِير حَتَّى تطلع الشَّمْس وَأَنا أَنَام حَتَّى يسمعَ الْأَذَان وَأما الْوَجْه الَّذِي تكون فِيهِ بِمَنْزِلَة كي فقولك أطع الله حَتَّى يُدخلك الْجنَّة وَأَنا أكلم زيدا حَتَّى يأمرَ لي بِشَيْء فَكل مَا اعتوره وَاحِد من هذَيْن الْمَعْنيين فالنصب لَهُ لَازم على مَا ذكرت لَك

стр. 308

وَاعْلَم أَن حَتَّى يرْتَفع الْفِعْل بعْدهَا وَهِي حَتَّى الَّتِي تقع فِي الِاسْم ناسقة نَحْو ضربت الْقَوْم حَتَّى زيدا ضَربته ومررت بالقوم حَتَّى زيد مَرَرْت بِهِ وَجَاءَنِي الْقَوْم حَتَّى زيدٌ جَاءَنِي وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فِي بَاب الْأَسْمَاء فالتي تنسق ثمَّ هَا هُنَا كَمَا كَانَ ذَلِك فِي الْوَاو وَالْفَاء وَثمّ وَجَمِيع حُرُوف الْعَطف فالرفع يَقع بعْدهَا على وَجْهَيْن يرجعان إِلَى وَجه وَاحِد وَإِن اخْتلف موضعاهما وَذَلِكَ قَوْلك سرت حَتَّى أدخلها أَي كَانَ مني سير فدخول فَأَنت تخبر أَنَّك فِي حَال دُخُول اتَّصل بِهِ سيرك كَمَا قَالَ الشَّاعِر (فإنَّ المُندَّى رٍ حلةٌ فَرُكوبُ ... )

стр. 309

فَلَيْسَ فِي هَذَا معنى كي وَلَا إِلَى أَن إِنَّمَا خبرت بِأَن هَذَا كَذَا وَقع مِنْك وَالْوَجْه الْأُخَر أَن يكون السَّبَب مُتَقَدما غير مُتَّصِل بِمَا تخبر عَنهُ ثمَّ يكون مُؤديا إِلَى هَذَا كَقَوْلِك مرض حَتَّى لَا يرجونه أَي هُوَ الْآن كَذَاك فَهُوَ مُنْقَطع من الأول ووجوده إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَال كَمَا ذكرت لَك فِيمَا قبله فَذَلِك قولي يرجعان إِلَى شَيْء وَاحِد وَمثل ذَلِك مرض حَتَّى يمر بِهِ الطَّائِر فيرحمه أَي هُوَ الْآن كَذَاك فَمثل النصب قَوْله (سَريْتُ بِهِمْ حتّى تكِلَّ مطِيّهُم ... وحتّى الجيادُ مَا يُقدْنَ بأرسانِ) أَي إِلَى أَن وَمثل الرّفْع تَمام الْبَيْت وَهُوَ (حَتَّى الجيادُ) وَنَظِير الرّفْع فِي الْأَسْمَاء قَوْله

стр. 310

(فيا عجبا حتّى كُلِيبٌ تَسُبُني ... كأنَّ أَبَاهَا نَهْشَلٌ أَو مُجاشِعُ) أَي وَحَتَّى كُلَيْب هَذِه حَالهَا كَمَا أَن نَظِير النصب ضربت الْقَوْم حَتَّى زيدٍ فِي الْأَسْمَاء لِأَن الْمَعْنى ضربت الْقَوْم حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى هَذَا الْموضع

стр. 311

(هَذَا بَاب مسَائِل حتّى فِي الْبَابَيْنِ النصب وَالرَّفْع) تَقول سرت حَتَّى ادخلَها وتطلعَ الشمسُ إِذا أردْت معنى إِلَى أَن ادخلها فَإِن أردْت وَجه الرّفْع لم يجز فِي قَوْلك حَتَّى تطلع الشَّمْس لِأَن طُلُوع الشَّمْس لم يُؤده فعلك وَالصَّوَاب أَن تَقول إِذا أردْت الرّفْع سرت حَتَّى ادخلها وَحَتَّى تطلع الشَّمْس لِأَن الدُّخُول كَانَ بعلمك وطلوع الشَّمْس لَا يكون بعملك فَالْمَعْنى سرت حَتَّى أَنا فِي حَال دُخُول وَكَانَ ذَلِك السّير إِلَى أَن تطلع الشَّمْس وَتقول سرت حَتَّى تطلَع الشَّمْس وَحَتَّى أدخلُها وَإِن شِئْت ادخلَها وَلَو قلت مَا سرت حَتَّى ادخلها لم يجز لِأَنَّك لم تخبر بِشَيْء يكون مَعَه الدُّخُول فَإِن قلت أَقُول مَا سرت حَتَّى أدخلها أَي مَا سرت وَأَنا السَّاعَة أدخلها قيل لَيْسَ

стр. 312

هَذَا معنى حَتَّى إِنَّمَا مَعْنَاهَا أَن يتَّصل مَا بعْدهَا بِمَا قبلهَا كَمَا تَقول أكلتُ السَّمَكَة حَتَّى رأسَها فالرأس قد دخل فِي الْأكل لِأَن مَعْنَاهَا عاملة وَمَعْنَاهَا عاطفة وَاحِد وَإِن اخْتلف اللفظان وَأما قَوْله ﴿وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول﴾ فَإِنَّهَا تقْرَأ بِالنّصب وَالرَّفْع فالرفع على قَوْله فَإِذا الرَّسُول فِي حَال قَول وَالنّصب على معنى إِلَى أَن يَقُول الرَّسُول وَلَو قلت كَانَ سيري حَتَّى أدخلَها لم يجز إِلَّا النصب لِأَن حَتَّى فِي مَوضِع خبر كَأَنَّك قلت كَانَ سيري إِلَى هَذَا الْفِعْل وَلَو قلت كَانَ سيري سيرا متعبا حَتَّى أدخلُها جَازَ الرّفْع وَالنّصب لِأَن الْخَبَر قَوْلك سيرا متعبا وَكَذَلِكَ كَانَ سيري أمس حَتَّى ادخلَها إِن جعلت الْخَبَر حَتَّى وَمَا بعْدهَا لم يكن إِلَّا النصب وَإِن جعلت الْخَبَر فِي قَوْلك أمس كَانَ النصب وَالرَّفْع على مَا وصفت

стр. 313

(هَذَا بَاب الْحُرُوف الَّتِي تجزم الْأَفْعَال) وَهِي لم ولمّا وَلَا فِي النَّهْي وَاللَّام فِي الْأَمر وحروف المجازاة وَمَا اتَّصل بهَا على مَعْنَاهَا وَذَلِكَ قَوْلك لم يقمْ عبد الله وَلم يذهبْ أَخُوك وَلَا تذْهب يَا زيد ولمّا يقمْ عبد الله وليقمْ زيد وَالدُّعَاء يجْرِي مجْرى الْأَمر وَالنَّهْي وَإِنَّمَا سمي هَذَا أمرا ونهيا وَقيل للْآخر طلب للمعنى فَأَما اللَّفْظ فواحد وَذَلِكَ قَوْلك فِي الطّلب اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَلَا يقطعِ الله يَد زيد وليَغفرْ لخَالِد فَإِنَّمَا تَقول سَأَلت الله وَلَا تقل أمرت الله وَكَذَلِكَ لَو قلت للخليفة انظرْ فِي أَمْرِي أنصفني لَقلت سَأَلته وَلم تقل أَمرته فإمَّا قَوْلك اضْرِب واقتل فمبني غير مجزوم لما قد تقدم من شرحنا لَهُ وَمن أَنه لَيْسَ فِيهِ حرف من حُرُوف المضارعة الَّتِي يجب بهَا الْأَعْرَاب فَاللَّام فِي الْأَمر للْغَائِب وَلكُل من كَانَ غير مُخَاطب نَحْو قَول الْقَائِل قُم ولأقمْ مَعَك فَاللَّام جازمة لفعل الْمُتَكَلّم

стр. 314

وَلَو كَانَت للمخاطب لَكَانَ جيدا على الأَصْل وَإِن كَانَ فِي ذَلِك أَكثر لاستغنائهم بقَوْلهمْ افعلْ عَن لتفعلْ وَرُوِيَ أَن رَسُول الله قَرَأَ ﴿فَبِذلكَ فَلِتَفْرَحوا﴾ بِالتَّاءِ

стр. 315

(هَذَا بَاب المجازاة وحروفها) وَهِي تدخل للشّرط وَمعنى الشَّرْط وُقُوع الشَّيْء لوُقُوع غَيره فَمن عواملها من الظروف أَيْن وَمَتى وأنَّى وحيثما وَمن الْأَسْمَاء منْ وَمَا وَأي وَمهما وَمن الْحُرُوف الَّتِي جَاءَت لِمَعْنى إنْ وإذما وَإِنَّمَا اشتركت فِيهَا الْحُرُوف والظروف والأسماء لاشتمال هَذَا الْمَعْنى على جَمِيعهَا فحرفها فِي الأَصْل إِن وَهَذِه كلهَا دواخل عَلَيْهَا لاجتماعها وكل بَاب فاصله شَيْء وَاحِد ثمَّ تدخل عَلَيْهِ دواخل لاجتماعها فِي الْمَعْنى وَسَنذكر إِن كَيفَ صَارَت أَحَق بالجزاء كَمَا أَن الْألف أحقُ بالاستفهام وَإِلَّا أَحَق بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالْوَاو أَحَق بالْعَطْف مُفَسرًا إِن شَاءَ الله فِي هَذَا الْبَاب الَّذِي نَحن فِيهِ فَأَما إِن فقولك إِن تَأتِينِي آتِك وَجب الْإِتْيَان الثَّانِي بِالْأولِ وَإِن تكرمني أكرمك وَإِن تُطِع الله يغْفر لَك كَقَوْلِه ﴿إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾

стр. 316

﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ﴾ (وإنْ تَطيعوا اللهَ ورَسَولَهُ لَا يَلِتْكُمْ﴾ والمجازاة ب إذما قَوْلك إذما تأتني آتِك كَمَا قَالَ الشَّاعِر (إِذْ مَا أتيتَ على الرَسولِ فقلْ لهَ ... حَقًا عليكَ إِذا اطمأنَّ المجلِسُ) وَلَا يكون الْجَزَاء فِي إِذْ وَلَا فِي حَيْثُ بِغَيْر مَا لِأَنَّهُمَا ظرفان يضافان إِلَى الْأَفْعَال وَإِذا زِدْت على كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا منعتا الْإِضَافَة فعملتا وَهَذَا فِي آخر الْبَاب يشْرَح بِأَكْثَرَ من هَذَا الشَّرْح إِن شَاءَ الله وَأما المجازاة بمنْ فَقَوله ﴿ومَنْ يَتقِ اللهَ يَجعَلْ لهُ مَخرجا﴾ ﴿وَقَوله﴾ (فَمَنْ يَؤمِنْ بَرَبهِ فَلَا يَخافُ بَخسا وَلَا رهقاً﴾ وَبِمَا قَوْله ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ للِناسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَها﴾ وبأين قَوْله ﴿أيْنَما تَكونوا يُدرِكُكُمْ الموتُ﴾ وَقَالَ الشَّاعِر

стр. 317

(أينَ تضربْ بِنَا العُداةَ تَجدنا ... نَصرِفُ العِيسَ نَحوها للتلاقي) وي أَنى قَوْله (فأصبحتَ أنّى تأتِها تلْتَبِس بهَا ... كلا مَرْكبيها تحتَ رِجليكَ شاجِرٌ) وَمن حُرُوف المجازة مهما وَإِنَّمَا أخرنا ذكرهَا لِأَن الْخَلِيل زعم أَنَّهَا مَا مكررة وأبدلت من الْألف الْهَاء وَمَا الثَّانِيَة زَائِدَة على مَا الأولى كَمَا تَقول أَيْن وأينما وَمَتى وَمَتى مَا وَإِن وَإِمَّا وَكَذَلِكَ حُرُوف المجازاة إِلَّا مَا كَانَ من حَيْثُمَا وإذما فَإِن مَا فيهمَا لَازِمَة لَا يكونَانِ للمجازاة إِلَّا بهَا كَمَا لَا تقع رُبَ على الْأَفْعَال إِلَّا بِمَا فِي قَوْله ﴿رُبمَا يود الَّذين كفرُوا﴾ وَلَو حذفت مِنْهَا مَا لم تقع إِلَّا على الْأَسْمَاء النكرات نَحْو رُبَ رجل يَا فَتى

стр. 318

والمجازاة ب أَي قَوْله ﴿أيا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ وب مَتى قَول طرفَة (مَتى تأتني أصبَحكَ كأساً روِيةً ... وإنْ كنتَ عَنْهَا غانياً فأغنَ وازْدُدِ) وَهَذِه الْحُرُوف كلهَا هَذَا مجازها فَأصل الْجَزَاء أَن تكون أَفعاله مضارعة لِأَنَّهُ يعربها وَلَا يعرب إِلَّا الْمُضَارع فَإِذا قلت إِن تأتني آتِك فتأتني مجزومة بِأَن وآتك مجزومة بإن وتأتني وَنَظِير ذَلِك من الْأَسْمَاء قَوْلك زيد منطلق فزيد مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر رفع بِالِابْتِدَاءِ والمبتدأ وَلَا تكون المجازاة إِلَّا بِفعل لِأَن الْجَزَاء إِنَّمَا يَقع بِالْفِعْلِ أَو بِالْفَاءِ لِأَن معنى الْفِعْل فِيهَا فَأَما الْفِعْل فقولك إِن تأتني أكرمْك وَإِن تزرني أزورك

стр. 319

وَأما الْفَاء فقولك إِن تأتني فَأَنا لَك شَاكر وَإِن تقمْ فَهُوَ خير لَك وَقد يجوز أَن تقع الْأَفْعَال الْمَاضِيَة فِي الْجَزَاء على معنى المستقبلية لِأَن الشَّرْط لَا يَقع إِلَّا على فعل لم يَقع فَتكون موَاضعهَا مجزومة وَإِن لم يتَبَيَّن فِيهَا الْأَعْرَاب كَمَا أَنَّك إِذا قلت جَاءَنِي خمسةَ عشرَ رجلا كَانَ مَوْضِعه مَوضِع رفع وَإِن لم يتَبَيَّن فِيهِ للْبِنَاء وَكَذَلِكَ جَاءَنِي مَنْ عنْدك ومررت بِالَّذِي فِي الدَّار كل ذَلِك غير مُعرب فِي اللَّفْظ ومواضعها وَإِنَّمَا هِيَ لما مضى فِي الأَصْل قيل لَهُ الْحُرُوف تفعل ذَلِك لما تدخل لَهُ من الْمعَانِي أَلا ترى إِنَّك تَقول زيد يذهب يَا فَتى فَيكون لغير الْمَاضِي فَإِن قلت لم يذهب زيد كَانَ ب لم نفيا لما مضى وَصَارَ مَعْنَاهُ لم يذهب زيد أمس واستحال لم يذهب زيد غَدا - _ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ إنْ أصل الْجَزَاء لِأَنَّك تجازي بهَا فِي كل ضرب مِنْهُ تَقول إِن تأتني آتِك وَإِن تركب حمارا أركبه ثمَّ تصرفها مِنْهُ فِي كل شَيْء وَلَيْسَ هَكَذَا سائرها وَسَنذكر ذَلِك اجْمَعْ تَقول فِي منْ من يأتني آتهِ فَلَا يكون ذَلِك إِلَّا لما يعقل فَإِن أردْت بهَا غير ذَلِك لم يكن فَإِن قَالَ قَائِل فقد قَالَ الله ﴿وَالله خلق كل دَابَّة من مَاء فَمنهمْ من يمشي على بَطْنه﴾ فَهَذَا لغير اللآدميين وَكَذَلِكَ ﴿وَمِنْهُم من يمشي على أَربع﴾ قيل إِنَّمَا جَازَ هَذَا لِأَنَّهُ قد خلط مَعَ الْآدَمِيّين غَيرهم بقوله (واللهُ خَلَقَ كلَّ دابةٍ مِنْ

стр. 320

ماءٍ﴾ وَإِذا اخْتَلَط الْمَذْكُورَان جرى على أَحدهمَا مَا هُوَ على للْآخر إِذا كَانَ فِي مثل مَعْنَاهُ لِأَن الْمُتَكَلّم يبين بِهِ مَا فِي الآخر وَإِن كَانَ لَفظه مُخَالفا فَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر (شَرابُ ألبانِ وتَمرٍ وإقطْ) فالتمر والإقط لَا يُقَال فيهمَا شربا وَلَكِن أدخلهما مَعَ مَا يشرب فَجرى اللَّفْظ وَاحِد وَالْمعْنَى أَن ذَلِك يصير إِلَى بطونهم وَمثله (يَا لَيتَ زوجَكِ قّد غَدا ... مُتَقَلِداً سَيفاً ورُمحا) لِأَن معنى المتقلد حَامِل فَلَمَّا خلط بَينهمَا جرى عَلَيْهِمَا لفظ وَاحِد وعَلى هَذَا انشدوا بَيت الحُطيئة (سَقوا جاركَ العيمانَ لما جَفَوْته ... وقَلَصَ عنْ بردِ الشرابِ مشافرهْ) (سناما ومحضا أنبتا اللحمَ فاكتست ... عظامُ امرئٍ مَا كَانَ يشبَعُ طائرُه)
следующие страницы →