Полный текст (1 443 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وَإِن شِئْت كَانَ على قَوْلك بِيَمِين الله وَمَا أشبهه فَلَمَّا حذفت حرف الْإِضَافَة وصل الْفِعْل فَعمل على مَا وصفناه فِي أول الْبَاب وَكَذَلِكَ وَيَمِين الله
стр. 597
وَإِن شِئْت كَانَ على قَوْلك عمرتك الله تعميرا ونشدتك الله نشدا ثمَّ وضعت عمرك فِي مَوضِع التَّعْمِير وَكَذَلِكَ أخوانه قَالَ الشَّاعِر
стр. 598
(عَمَرتُكِ اللهَ إلاّ مَا ذكرتِ لنا ... هلْ كُنْتِ جارَتَنا أيّامَ ذِي سَلَمِ)
يُرِيد ذكرتك الله وَقَالَ الشَّاعِر
(عَمَرْتُكِ اللهَ العَلَّي فإنَّني ... ألوي عَلَيكِ لوانَّ لُبَّكِ يَهْتَدِي)
وَلذَلِك جعل الْمصدر فِي مَوْضِعه فَقَالَ
(أيُّها المنكِحُ الثُّريا سُهيْلاً ... عَمَرَكَ اللهَ كَيْفَ يَلْتَقيانِ)
стр. 599
وَقَالَ الآخر
(قَعِيدِكِ أنْ لَا تُسْمِعِني مَلامَةً ... وَلَا تُنْكِثي قَرْحَ الفؤادِ فَيَيْجعا)
فَكل مَا كَانَ من ابْتِدَاء أَو خبر أَو فعل وفاعل فِيهِ معنى الْقسم فَهَذَا مجازه وَاعْلَم أَن من هَذِه الْحُرُوف آيم وآيمن وألفها ألف وصل وَتَمام الِاسْم النُّون تَقول آيم اللهٍ لَأَفْعَلَنَّ آيمن اللهِ لَأَفْعَلَنَّ وَلَيْسَ بِجمع يَمِين وَلكنه اسْم مَوْضُوع للقسم وَلَو كَانَ جمع يَمِين لكَانَتْ أَلفه ألف قطع فوصلهم إِيَّاهَا يدلك على أَنَّهَا زَائِدَة وَإِنَّهَا لَيست من هَذَا الِاشْتِقَاق وَقَالَ الشَّاعِر
(فقالَ فريقُ القومِ لما نَشَدتُهم ... نَعَمْ وَفَريقٌ لَيَمْنَ اللهِ مَا نَدْرِي)
فَمن قَالَ آيم الله قَالَ ليم الله لَأَفْعَلَنَّ فَإِن وَقع عَلَيْهَا ألف الِاسْتِفْهَام مددت وَلم تحذف ألف الْوَصْل فيلتبس الِاسْتِفْهَام بالْخبر كَمَا كنت فَاعِلا بِالْألف الَّتِي مَعَ اللَّام فِي قَوْلك آلرجل قَالَ ذَاك فَيَقُول آيم اللهٍ لقد كَانَ ذَاك وَزعم يُونُس أَن من الْعَرَب من يَقُول اِيمُ اللهٍ فِي مَوضِع اَيم اللهِ فَهِيَ عِنْد هَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَة ابْن وَاسم تَقول فِي الِاسْتِفْهَام أيم الله لقد كَانَ ذَاك لِأَنَّهَا تسْقط للوصل وتحدث ألف الِاسْتِفْهَام
стр. 600
وَمِنْهُم من يحذف ألف الِاسْم حَتَّى يصير على حرف علما بِأَنَّهُ لَا ينْفَصل بِنَفسِهِ فَيَقُول مِ اللهِ لَأَفْعَلَنَّ وَيُقَال من اللهِ لَأَفْعَلَنَّ وَمن رَبِّي لَأَفْعَلَنَّ أبدل مِنْ من الْبَاء الَّتِي فِي قَوْلك باللهِ لَأَفْعَلَنَّ وبربي لَأَفْعَلَنَّ كَمَا تَقول فلَان فِي الْموضع وبالموضع فَيدْخل الْبَاء على فِي وَكَذَلِكَ دخلت من على الْبَاء والاحتجاج يَأْتِيك فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله وَاعْلَم انك إِذا دللت على الْقسم بِمَا تضعه فِي مَوْضِعه فَمَا بعد ذَلِك الدَّلِيل بِمَنْزِلَة مَا بعد الْقسم تَقول أَقْسَمت لأقومن واستحلفته ليخرجن أَي قَالَ لَهُ وَالله لتخْرجن فَدلَّ هَذَا على الْقسم وَلَا يلْحق هَذِه اللَّام مَا النُّون فِي آخِره خَفِيفَة أَو ثَقيلَة إِلَّا وَالْمعْنَى معنى الْقسم لَا تَقول زيد يقومن وَلَا زيد ليقومن إِلَّا أَن تُرِيدُ الْقسم فِي هَذِه الْأَخِيرَة خَاصَّة فكأنك قلت زيد وَالله ليقومن وَتَفْسِير هَذَا فِي إِثْر هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله وَتقول أَي واللهِ لَأَفْعَلَنَّ وَإِن شِئْت قلت أَي الله لَأَفْعَلَنَّ إِنَّمَا تُرِيدُ إِي الَّتِي فِي معنى نعم كَمَا قَالَ ﴿قل إِي وربي إِنَّه لحق وَمَا أَنْتُم بمعجزين﴾ فتصل الْمقسم بِهِ لِأَن إِي جَوَاب وَالْقسم بعْدهَا مُسْتَأْنف وَلَو كَانَت بَدَلا من حُرُوف الْقسم لم تَجْتَمِع هِيَ وَهُوَ أَلا ترى أَنَّك تَقول إِي واللهِ لَأَفْعَلَنَّ
стр. 601
إِنَّمَا الْفَصْل بَين بلَى وَنعم أَن نعم تكون جَوَابا لكل كَلَام لَا نفي فِيهِ وبلى لَا تكون جَوَابا إِلَّا لكَلَام فِيهِ نفي لَو قَالَ لَك قَائِل أَنْت زيد لَكَانَ الْجَواب نعم وَكَذَلِكَ هَل جَاءَك زيد وَكَذَلِكَ من يَأْتِيك تأته فَتَقول نعم وَلَا يَصح هَا هُنَا بلَى فَإِن نفي فَقَالَ أما لقِيت زيدا كَانَ الْجَواب بلَى وَكَذَلِكَ أَلَسْت قد ذهبت إِلَى زيد وَمَا أخذت مِنْهُ درهما وَأَنت لَا تُعْطِي شَيْئا فجواب هَذَا كُله بلَى
стр. 602
(هَذَا بَاب مَا يقسم عَلَيْهِ من الْأَفْعَال وَمَا بَال النُّون فِي كل مَا دخلت فِيهِ يجوز حذفهَا واستعمالها إِلَّا فِي هَذَا الْموضع الَّذِي أذكرهُ لَك فَإِنَّهُ لَا يجوز حذفهَا)
اعْلَم أَنَّك إِذا أَقْسَمت على فعل لم يَقع لَزِمته اللَّام وَلزِمَ اللَّام النُّون وَلم يجز إِلَّا ذَلِك وَذَلِكَ قَوْلك واللهِ لأقومنَّ وباللهِ لَأَضرِبَن وواللهِ لتنطلقن فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا بَال هَذَا لَا يكون كَقَوْلِك فِي الْأَمر وَالنَّهْي إِذا قَالَ اضربن زيدا وَلَا تشتمن عمرا وَإِن شِئْت قلت اضْرِب زيدا وَلَا تَشْتُم عمرا وَكَذَلِكَ هَل تنطلقن وَإِن شِئْت قلت هَل تَنْطَلِق فَإِنَّمَا ذَلِك لِأَن الْقسم لَا يَقع إِلَّا على مَا لم يَقع من الْأَفْعَال فكرهوا أَن يلتبس بِمَا يَقع فِي الْحَال فَأَما الْأَمر وَالنَّهْي فيفصل بَينه وَبَينهمَا بِاللَّامِ لِأَن اللَّام لَا تكون فِي الْأَمر وَالنَّهْي وَكَذَلِكَ لَا تكون فِي الِاسْتِفْهَام وَإِنَّمَا تفصل بالنُّون بَين الْقسم وَبَين هَذِه الْأَخْبَار الَّتِي قد تقع فِي الْحَال نَحْو قَوْلك إِن زيدا لمنطلق لِأَن حد هَذَا أَن يكون فِي حَال انطلاق وَكَذَلِكَ أَن زيدا ليَأْكُل فَإِذا قلت واللهِ ليأكلن علم أَن الْفِعْل لم يَقع فَإِن قلت قد جَاءَ ﴿إِنَّمَا جعل السبت على الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ وَإِن رَبك ليحكم بَينهم﴾ أَي لحَاكم
стр. 603
قيل قد يكون هَذَا وَلَكِن لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على مَا يَقع فِي الْحَال أَو يَقع بعد على أَن أَكثر الِاسْتِعْمَال أَن يكون للْحَال فَإِذا دخلت النُّون علم أَن الْفِعْل لَا يكون فِي الْحَال الْبَتَّةَ فَلذَلِك لَزِمت اللَّام لِأَنَّك قد تذكر الْأَفْعَال وَلَا تذكر الْمقسم بِهِ فَتَقول لأنطلقن فَيعلم أَن هَذَا على تَقْدِير الْيَمين وَأَنه لَيْسَ للْحَال فَلهَذَا أجْرى مَا ذكرت لَك فَأَما اللَّام فَهِيَ وصلَة للقسم لِأَن للقسم أدوات تصله بالمقسم بِهِ وَلَا يتَّصل إِلَّا بِبَعْضِهَا فَمن ذَلِك اللَّام تَقول واللهٍ لأقومن واللهِ لزيد أفضل من عَمْرو وَلَوْلَا اللَّام لم تتصل وَكَذَلِكَ إِن تَقول واللهِ إِن زيدا لمنطلق وَإِن شِئْت قلت واللهِ إِن زيدا منطلق وَكَذَلِكَ لَا فِي النَّفْي وَمَا تَقول واللهِ لَا أضربك واللهِ مَا أكرمك وَلَا تحْتَاج إِلَى النُّون لِأَن مَا يدل على الْحَال كَمَا تدل إِن إِذا قلت واللهِ إِنِّي لأكرمك
стр. 604
وتدل لَا على مَا لم يَقع كَمَا تدل النُّون عَلَيْهِ إِذا قلت واللهِ لَأَفْعَلَنَّ ثمَّ نفيت فَقلت واللهِ لَا أفعل فَهَذَا مُبين بأنفس الْحُرُوف مستغن فِيهِ عَن غَيرهَا لِأَن النُّون إِنَّمَا دخلت لتفصل بَين مَعْنيين فَإِذا كَانَ الْفَصْل بغَيْرهَا لم تحتج إِلَيْهَا وَاعْلَم أَن قَوْلك أَقْسَمت لَأَفْعَلَنَّ وَأَقْسَمت لَا تفعل بِمَنْزِلَة قَوْلك قلت وَالله لاتفعل وَقلت وَالله لتفعلن وَاعْلَم أَنَّك إِذا أَقْسَمت على فعل ماضي فأدخلت عَلَيْهِ اللَّام لم تجمع بَين اللَّام وَالنُّون لِأَن الْفِعْل الْمَاضِي مَبْنِيّ على الْفَتْح غير متغيرة لامه وَإِنَّمَا تدخل النُّون على مَا لم يَقع كَمَا ذكرت فَلَمَّا كَانَت لَا تقع لما يكون فِي الْحَال كَانَت من الْمَاضِي أبعد وَذَلِكَ قَوْلك وَالله لرأيت زيدا يضْرب عمرا لأنكر ذَلِك وَإِن وصلت اللَّام ب قد فجيد فَبَالغ تَقول واللله لقد رَأَيْت زيدا واللهِ لقد انْطلق فِي حَاجَتك وسنفسر الْفَصْل بَين الْفِعْل بقد وَبَين الْفِعْل إِذا لم تدخله أما قد فأصلها أَن تكون مُخَاطبَة لقوم يتوقون الْخَبَر فَإِذا قلت قد جَاءَ زيد لم تضع هَذَا الْكَلَام ابْتِدَاء على غير أَمر كَانَ بَيْنك وَبَينه أَو أَمر تعلم أَنه لَا يتوقعه فَإِن أدخلت اللَّام على قد فَإِنَّمَا تدْخلهَا على هَذَا الْوَجْه فَأَما قَوْلك واللهِ لكذب زيد كذبا مَا أَحسب اللهَ يغفره لَهُ فَإِنَّمَا تَقْدِيره لقد لِأَنَّهُ
стр. 605
أَمر قد وَقع وَلَا يُقَال هَذَا إِلَّا على شَيْء مُتَقَدم فَالْأَمْر فيهمَا وَاحِد إِلَّا أَن هَذَا على الْحَذف والتعجب وَالَّذِي بقد على استقصاء الْكَلَام فعلى هَذَا فأجرهما وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يَقُول اللهِ لَأَفْعَلَنَّ يُرِيد الْوَاو فيحذفها وَلَيْسَ هَذَا بجيد فِي الْقيَاس وَلَا مَعْرُوف فِي اللُّغَة وَلَا جَائِز عِنْد كثير من النَّحْوِيين وَإِنَّمَا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ شَيْء قد قيل وَلَيْسَ بجائز عِنْدِي لِأَن حرف الْجَرّ لَا يحذف وَيعْمل إِلَّا بعوض لما تقدم من الشَّرْح وَاعْلَم أَن الْقسم لَا يَقع إِلَّا على مقسم بِهِ ومقسم عَلَيْهِ وَإِن قَوْله ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى وَالنَّهَار إِذا تجلى وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ أَن الْوَاو الأولى وَاو قسم وَمَا بعْدهَا
стр. 606
من الواوات للْعَطْف لَا للقسم وَلَو كَانَت للقسم لَكَانَ بعض هَذَا الْكَلَام مُنْقَطِعًا من بعض وَكَانَ الأول إِلَى آخر الْقسم على غير محلوف عَلَيْهِ فَكَانَ التَّقْدِير ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى﴾ ثمَّ ترك هَذَا وابتدأ ﴿وَالنَّهَار إِذا تجلى﴾ وَلكنه بِمَنْزِلَة قَوْلك واللهِ ثمَّ اللهِ لَأَفْعَلَنَّ وَإِنَّمَا مثلت لَك بثم لِأَنَّهَا لَيست من حُرُوف الْقسم وَاعْلَم أَن الْقسم قد يُؤَكد بِمَا يصدق الْخَبَر قبل ذكر الْمقسم عَلَيْهِ ثمَّ يذكر مَا يَقع عَلَيْهِ الْقسم فَمن ذَلِك قَوْله ﴿وَالسَّمَاء ذَات البروج وَالْيَوْم الْمَوْعُود وَشَاهد ومشهود﴾ ثمَّ ذكر قصَّة أَصْحَاب الْأُخْدُود توكيدا وَإِنَّمَا وَقع الْقسم على قَوْله ﴿إِن بَطش رَبك لشديد﴾ وَقد قَالَ قوم إِنَّمَا وَقع على ﴿قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود﴾ وحذفت اللَّام لطول الْكَلَام وَلَيْسَ القَوْل عندنَا إِلَّا الأول لِأَن هَذِه الاعتراضات توكيد فَأَما قَوْله ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ فَإِنَّمَا وَقع الْقسم على قَوْله ﴿قد أَفْلح من زكاها﴾ وحذفت اللَّام لطول الْقِصَّة لِأَن الْكَلَام إِذا طَال كَانَ الْحَذف أجمل
стр. 607
أَلا ترى أَن النَّحْوِيين لَا يَقُولُونَ قَامَ هِنْد وَذهب جاريتك ويجيزون حضر القَاضِي الْيَوْم امْرَأَة يَا فَتى فيجيزون الْحَذف مَعَ طول الْكَلَام لأَنهم يرَوْنَ مَا زَاد عوضا مِمَّا حذف وَتقول وَحقّ اللهِ ثمَّ وحقك لَأَفْعَلَنَّ وَلَو قلت ثمَّ حَقك تحمله على الْموضع كَانَ جَائِزا كَمَا قَالَ
(فَلَسْنا بالجِبالِ وَلَا الحَديدا)
стр. 608
وعَلى هَذَا قرئَ ﴿فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين﴾ لِأَنَّهُ حمله على مَوضِع الْفَاء وَتقول واللهِ لأضربنك ثمَّ واللهِ لأحبسنك لِأَنَّك عطفت قسما على قسم وَلَو قلت واللهٍ لأضربنك ثمَّ لأحبسنك اللهَ لم يكن فِي الثَّانِي إِلَّا النصب لِأَنَّك عطفت فعلا على فعل ثمَّ جِئْت بالقسم بعد غير مَعْطُوف كَأَنَّك قلت اللهَ لَأَفْعَلَنَّ فأوصلت إِلَيْهِ الْفِعْل فَهَذِهِ جملَة هَذَا الْبَاب
стр. 609
(هَذَا بَاب الْفرق بَين إنَّ وأنَّ)
اعْلَم أَن إنَّ مَكْسُورَة مشبهة بِالْفِعْلِ بلفظها فعملها عمل الْفِعْل الْمُتَعَدِّي إِلَى مفعول وَقد مضى تَفْسِيرهَا فِي بَابهَا فَإِذا قلت أنّ مَفْتُوحَة فَهِيَ وصلتها فِي مَوضِع الْمصدر وَلَا تكون إِلَّا فِي مَوضِع الْأَسْمَاء دون الْأَفْعَال لِأَنَّهَا مصدر والمصدر إِنَّمَا هُوَ اسْم وَذَلِكَ قَوْلك بَلغنِي انطلاقك وَتقول علمت انك منطلق أَي علمت انطلاقك وَكَذَلِكَ أشهد أَنَّك منطلق وَأشْهد بأنك قَائِم أَي أشهد على انطلاقك وبقيامك فَهَذَا جملَة هَذَا اعْلَم انك إِذا قلت ظَنَنْت زيدا أَخَاك أَو علمت زيدا ذَا مَال أَنه لَا يجوز الِاقْتِصَار على الْمَفْعُول الأول لِأَن الشَّك وَالْعلم إِنَّمَا وَقعا فِي الثَّانِي وَلم يكن بُد من ذكر الأول ليعلم من الَّذِي علم هَذَا مِنْهُ أَو شكّ فِيهِ من أمره فَإِذا قلت ظَنَنْت زيدا فَأَنت لم تشك فِي ذَاته فَإِذا قلت مُنْطَلقًا فَفِيهِ وَقع الشَّك فَذكرت زيدا لتعلم أَنَّك إِنَّمَا شَككت فِي انطلاقه لَا فِي انطلاق غَيره
стр. 610
فَإِذا قلت ظَنَنْت أنّ زيدا منطلق لم تحتج إِلَى مفعول ثَان لِأَنَّك قد أتيت بِذكر زيد فِي الصِّلَة لِأَن الْمَعْنى ظَنَنْت انطلاقا من زيد فَلذَلِك اسْتَغْنَيْت
стр. 611
(هَذَا بَاب من أَبْوَاب أنَّ الْمَفْتُوحَة)
تَقول قصَّة زيد أَنه منطلق وَخبر زيد أَنه يحب عبد الله لِأَن هَذَا مَوضِع ابْتِدَاء وَخبر فالتقدير خبر زيد محبته عبد الله وَبَلغنِي أَمرك أَنَّك تحب الْخَيْر فَالْمَعْنى معنى الْبَدَل كَأَنَّك قلت بَلغنِي أَمرك ثمَّ قلت محبتك الْخَيْر لِأَن الْمحبَّة هِيَ الْأَمر كَمَا تَقول جَاءَنِي أَخُوك زيد لِأَن الْأَخ هُوَ زيد وَتقول أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَكَأَن التَّقْدِير أشهد على أنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله أَي أشهد على ذَلِك أَو أشهد بَان مُحَمَّدًا رَسُول الله أَي أشهد بذلك فَإِذا حذفت حُرُوف الْجَرّ وصل الْفِعْل فَعمل وَكَانَ حذفهَا حسنا لطول الصِّلَة كَمَا قَالَ ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قومه﴾ أَي من قومه فَهُوَ مَعَ الصِّلَة والموصول حسن جدا وَإِن شِئْت جِئْت بِهِ كَمَا تَقول الَّذِي ضربت زيد فتحذف الْهَاء من الصِّلَة وَيحسن إِثْبَاتهَا لِأَنَّهَا الأَصْل
стр. 612
وَاعْلَم أَنه لَا يحسن أَن يَلِي إنَّ أنَّ لِأَن الْمَعْنى وَاحِد كَمَا لَا تَقول لَئِن زيدا منطلق لِأَن اللَّام فِي معنى إنَّ فَإِن فصلت بَينهمَا بِشَيْء حسن واستقام فَقلت إنَّ فِي الدَّار لزيدا وَلَا تَقول إنّ لزيدا فِي الدَّار بل تَقول كَمَا قَالَ ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة﴾ وعَلى هَذَا لَا تَقول إنّ أنَّ زيدا منطلق بَلغنِي وَلَكِن لَو قلت إنَّ فِي الدَّار أَنَّك منطلق وإنّ فِي الدَّار أنّ لَك ثوبا حسن كَمَا قَالَ الله ﴿إنَّ لَكَ أنَّ لَا تَجُوعَ فِيها وَلَا تَعْرى وأنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيها وَلَا تَضْحى﴾ وَيجوز ﴿وَأَنَّك لَا تظمأ فِيهَا﴾ على الْقطع والابتداء فَالْأولى على قَوْلك ضربت زيدا وعمرا قَائِما وَالْقطع على قَوْلك ضربت زيدا وَعَمْرو قَائِم
стр. 613
(هَذَا بَاب إنَّ إِذا دخلت اللَّام فِي خَبَرهَا)
اعْلَم أَن هَذِه اللَّام تقطع مَا دخلت عَلَيْهِ مِمَّا قبلهَا وَكَانَ حَدهَا أَن تكون أول الْكَلَام كَمَا تكون فِي غير هَذَا الْموضع وَذَلِكَ قَوْلك قد علمت زيدا مُنْطَلقًا فَإِذا أدخلت اللَّام قلت علمت لزيد منطلق فتقطع بهَا مَا بعْدهَا مِمَّا قبلهَا فَيصير ابْتِدَاء مستأنفا فَكَانَ حَدهَا فِي قَوْلك إِن زيدا لمنطلق أَن تكون قبل إنَّ كَمَا تكون فِي قَوْلك لزيدٌ خير مِنْك فَلَمَّا كَانَ مَعْنَاهَا فِي التوكيد وَوصل الْقسم معنى إنَّ لم يجز الْجمع بَينهمَا فَجعلت اللَّام فِي الْخَبَر وَحدهَا أَن تكون مُقَدّمَة لِأَن الْخَبَر هُوَ الأول فِي الْحَقِيقَة أَو فِيهِ مَا يتَّصل بِالْأولِ فَيصير هُوَ وَمَا فِيهِ الأول فَلذَلِك قلت إنّ زيدا المنطلق لِأَن المنطلق هُوَ زيد وَكَذَلِكَ لَو قلت إِن زيدا لفي دَاره عَمْرو أَو لعَمْرو يضْربهُ لِأَن الَّذِي عَمْرو يضْربهُ هُوَ زيد فَهَذَا عِبْرَة هَذَا
стр. 614
أَلا ترى أَنَّك إِذا فصلت بَين إنّ وَبَين اسْمهَا بِشَيْء جَازَ إِدْخَال اللَّام فَقلت إِن فِي الدَّار لزيدا وَإِن من الْقَوْم لأخاك فَهَذَا يبين لَك مَا ذكرت وَذَلِكَ قَوْلك أشهد أَن زيدا منطلق وَاعْلَم أَن زيدا خير مِنْك فَإِذا أدخلت اللَّام قلت أشهد أَن زيدا لخير مِنْك وَاعْلَم أَن زيدا لمنطلق قَالَ الله ﴿وَالله يعلم إِنَّك لرَسُوله وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ فلولا اللَّام لم يكن إِلَّا أَن كَمَا تَقول اعْلَم زيدا خيرا مِنْك فَإِذا أدخلت اللَّام قلت اعْلَم لزيد خير مِنْك \ وَقَالَ ﴿أَفلا يعلم إِذا بعثر مَا فِي الْقُبُور وَحصل مَا فِي الصُّدُور إِن رَبهم بهم يَوْمئِذٍ لخبير﴾ فَهَذَا مجَاز اللَّام وَلَو قَالَ قَائِل أشهد بأنك منطلق لم يكن إِلَّا الْفَتْح لِأَنَّهَا اسْم مخفوض وعبرتها أبدا بِذَاكَ فَيكون ذَاك فِي أَنَّهَا اسْم تَامّ فِي مَوضِع أَن وصلتها فَإِذا قلت علمت أَن زيدا منطلق فَهُوَ كَقَوْلِك علمت ذَاك وَإِذا قلت بَلغنِي أَن زيدا منطلق فَهُوَ فِي مَوضِع بَلغنِي ذَاك وَإِذا قلت أشهد بأنك منطلق فَمَعْنَاه أشهد بِذَاكَ فَإِن قَالَ قَائِل فَكيف أَقُول أشهد بأنك منطلق قيل لَهُ هَذَا محَال كسرت أَو فتحت لِأَن حد الْكَلَام التَّقْدِيم فَلَو أدخلت حرف الْخَفْض على اللَّام كَانَ محالا لِأَن عوامل الْأَسْمَاء لَا تدخل على غَيرهَا لَو قلت هَذَا لَقلت أشهد بلذاك
стр. 615
وَكَذَلِكَ بَلغنِي أَنَّك منطلق لَا يجوز أَن تدخل اللَّام فَتَقول بَلغنِي أَنَّك لمنطلق لِأَن إِن وصلتها الْفَاعِل وَاللَّام تقطع مَا بعْدهَا فَلَو جَازَ هَذَا لَقلت بَلغنِي لذاك فَهَذَا وَاضح بَين جدا فَأَما قَوْله ﴿وَمَا أرسلنَا قبلك من الْمُرْسلين إِلَّا إِنَّهُم ليأكلون الطَّعَام﴾ فَمَعْنَاه إِلَّا وَهَذَا شَأْنهمْ وَهُوَ وَالله اعْلَم جَوَاب لقَولهم ﴿مَا لهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام وَيَمْشي فِي الْأَسْوَاق﴾ وَأما قَوْله ﴿وَمَا مَنعهم أَن تقبل مِنْهُم نفقاتهم إِلَّا أَنهم كفرُوا﴾ ف ﴿إِنَّهُم﴾ وصلتها فِي مَوضِع الْفَاعِل وَالتَّقْدِير وَالله اعْلَم وَمَا مَنعهم إِلَّا كفرهم وَنَظِير تَفْسِير الأول قَول الشَّاعِر
(وَما أعطَياني وَلَا سألْتُهُما ... إلاّ وإنَّي لحاجِزي كَرمي)
يَقُول إِلَّا وَهَذِه حَالي فعلى هَذَا وَضعه سِيبَوَيْهٍ وَغَيره ينشد
(أَلا وَإِنِّي لَحاجزي كرمي ... )
فَهَذِهِ الرِّوَايَة خَارِجَة من ذَلِك التَّفْسِير وَمَعْنَاهُ أَن أَلا تَنْبِيه وَأَرَادَ أَنا حاجزي كرمي من أَن أسأَل أَو قبل
стр. 616
(هَذَا بَاب إنَّ الْمَكْسُورَة ومواقعها)
اعْلَم أَن مَكَانهَا فِي الْكَلَام فِي أحد ثَلَاثَة مَوَاضِع ترجع إِلَى مَوضِع وَاحِد وَهُوَ الِابْتِدَاء لِأَنَّهُ مَوضِع لَا يخلص للاسم دون الْفِعْل وَإِنَّمَا تكون الْمَفْتُوحَة فِي الْموضع الَّذِي لَا يجوز أَن يَقع فِيهِ إِلَّا الِاسْم وَذَلِكَ قَوْلك إِن زيدا منطلق وَإِن عمرا قَائِم لَا يكون فِي هَذَا الْموضع إِلَّا الْكسر فَأَما قَوْله ﴿وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة﴾ فَإِنَّمَا الْمَعْنى معنى اللَّام وَالتَّقْدِير ولأنَّ هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاعبدون وَكَذَلِكَ قَوْله عِنْد الْخَلِيل ﴿وَإنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلَا تَدْعٌ وَا مَعَ اللهِ أحَداً﴾ أَي وَلِأَن وَأما الْمُفَسِّرُونَ فَقَالُوا هُوَ على ﴿أُوحِي﴾ وَهَذَا وَجه حسن جميل وَزعم قوم من النَّحْوِيين أَن مَوضِع أَن خفض فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ وَمَا أشبههما وَأَن اللَّام مضمرة وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء وَاحْتَجُّوا بإضمار رب فِي قَوْله
(وبَلَدٍ لَيْسَ بهِ أنيسٌ ... )
стр. 617
وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا لِأَن الْوَاو بدل من رب كَمَا ذكرت لَك وَالْوَاو فِي قَوْله ﵎ ﴿وَأَن الْمَسَاجِد لله﴾ وَاو عطف ومحال أَن يحذف حرف الْخَفْض وَلَا يَأْتِي مِنْهُ بدل وَاحْتج هَؤُلَاءِ بأنك لَا تَقول أَنَّك منطلق بَلغنِي أَو علمت فَقيل لَهُم هِيَ لَا تتقدم إِلَّا مَكْسُورَة وَإِنَّمَا كَانَت هَا هُنَا بعد الْوَاو مَنْصُوبَة لِأَن الْمَعْنى معنى اللَّام كَمَا تَقول جئْتُك ابْتِغَاء الْخَيْر فتنصب وَالْمعْنَى معنى اللَّام وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّاعِر
(وأغْفِرُ عَوراءَ الكَريمِ ادخارَهُ ... وأعرضُ عَن شَتْمِ اللئيمِ تَكَرُّما)
فَإِذا قلت جئْتُك أَنَّك تحب الْمَعْرُوف فَالْمَعْنى معنى اللَّام فعلى هَذَا قدمت وَهَذَا قد مر فَهَذَا قَول الْخَلِيل والموضع الآخر للمكسورة أَن تدخل اللَّام فِي الْخَبَر وَقد مضى قَوْلنَا فِي هَذَا لِأَن اللَّام تقطعها مِمَّا قبلهَا فَتكون مُبتَدأَة فَهَذَا مِمَّا ذكرت لَك أَنَّهَا ترجع إِلَى الِابْتِدَاء والموضع الثَّالِث أَن تقع بعد القَوْل حِكَايَة فَتكون مُبتَدأَة كَمَا تَقول قَالَ زيد عَمْرو منطلق وَقلت الله أكبر وَقد مضى هَذَا فِي بَاب الْحِكَايَة
стр. 618
فعلى هَذَا تَقول قَالَ زيد إِن عمرا منطلق وَقَالَ ﴿قَالَ الله إِنِّي منزلهَا عَلَيْكُم﴾ وَقَالَ ﴿وَإِذ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِن الله اصطفاك﴾ وَقَالَ ﴿قَالَ يَا قوم إِنِّي لكم نَذِير مُبين﴾ فَأَما أَتَقول الَّتِي فِي معنى الظَّن فَإِنَّهَا تعْمل فِي أَن عَملهَا فِي الِاسْم كَمَا قَالَ
(أجُهالاً تَقولُ بَني لُؤيِّ ... لَعَمْرُ أبيكَ أمْ مُتَجَاهِيلِنا)
وكما قَالَ
(أما الرَحيلَ فدونَ بعدِ غدٍ ... فَمَتى تَقولُ الدَارَ تَجْمَعُنا)
لِأَنَّهُ يُرِيد الظَّن فعلى هَذَا تَقول مَتى تَقول أَن زيدا منطلق وأتقول أَن عمرا خَارج فَإِن لم ترد بهَا تظن وَأَرَدْت بهَا الْحِكَايَة كسرت كَمَا أَنَّك تَقول زيد منطلق تُرِيدُ اللَّفْظ وَلَا تُرِيدُ الظَّن
стр. 619
(هَذَا بَاب من أَبْوَاب إنَّ الْمَكْسُورَة)
تَقول قد قَالَه الْقَوْم حَتَّى إنّ زيدا يَقُوله وَقد شربوا حَتَّى إِن أحدهم يجر بَطْنه لِأَنَّهُ مَوضِع ابْتِدَاء أَلا ترى أَنَّك تَقول قد قَالَه الْقَوْم حَتَّى زيد يَقُوله لَو قلت فِي هَذَا الْموضع أَن كَانَ محالا لِأَن أَن مصدر يَبْنِي عَن قصَّة فَلَو كَانَ قد قَالَه الْقَوْم حَتَّى قَول زيد كَانَ محالا وَلَكِن لَو قلت بَلغنِي حَدِيثك حَتَّى أَنَّك تظلم النَّاس كَانَ من مَوَاضِع أَن الْمَفْتُوحَة لِأَن الْمَعْنى بَلغنِي أَمرك حَتَّى ظلمك النَّاس وَإِنَّمَا يصلح هَذَا وَيفْسد بِالْمَعْنَى وَتقول ظَنَنْت زيدا إِنَّه منطلق لَا تكون إِلَّا الْمَكْسُورَة لِأَن الْمَعْنى ظَنَنْت زيدا هُوَ منطلق كَمَا تَقول ظَنَنْت زيدا أَبوهُ منطلق وَلَو قلت ظَنَنْت زيدا أَنه منطلق ففتحت لَكَانَ الْمَعْنى ظَنَنْت زيدا الانطلاق وَهَذَا محَال وَلَكِن لَو قلت ظَنَنْت أَمرك أَنَّك تظلم النَّاس كَانَ جيدا لِأَن الْمَعْنى ظَنَنْت أَمرك ظلمك النَّاس
стр. 620
وَكَذَلِكَ ظَنَنْت زيدا عَاقِلا فَإِذا أَنه أَحمَق إِنَّمَا تُرِيدُ فَإِذا هُوَ أَحمَق كَمَا قَالَ
(وكُنتُ أرى زيدا كَمَا قيلَ سيّدا ... إِذا أنَّهُ عَبْدُ القَفا واللَّهازمِ)
وَتقول عهدي بِهِ شَابًّا وَإنَّهُ يَوْمئِذٍ يفخر أَي وَهَذِه حَاله وَلَو قلت أَنه جَازَ على بعد كَأَنَّك قلت عهدي بِهِ شَابًّا وبفخره وَكَذَلِكَ لَو قلت رَأَيْت زيدا عَاقِلا فَإِذا إِنَّه أَحمَق وَكنت أرَاهُ حرا فَإِذا إِنَّه عبد وَلَو قلت أَنه جَازَ كَأَنَّك قلت ظننته حرا فَإِذا الْعُبُودِيَّة أمره فَأَما قَوْله ﴿لَا جرم أَن لَهُم النَّار﴾ فَأن مُرْتَفعَة بجزم وَمَعْنَاهَا وَالله اعْلَم
стр. 621
حق أَن لَهُم النَّار كَمَا قَالَ ﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم﴾ أَي لَا يحقنكم قَالَ الشَّاعِر
(ولَقَدْ طَعَنْتَ أَبَا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزَارَةَ بَعدها أنْ يَغضَبوا)
стр. 622
وَتقول أَلا انه منطلق فألا تَنْبِيه وَأَنه مُبْتَدأ وَتقول أما إِنَّه منطلق على ذَلِك الْمَذْهَب وَلَو قلت أما أَنه منطلق جَازَ على معنى حَقًا أَنه منطلق إِذا أردْت بهَا فِي التَّحْقِيق والتوكيد مَا أردْت بِقَوْلِك حَقًا لأَنهم يضعونها فِي موضعهَا فَهَذَا قِيَاس مطرد فِيمَا ذكرت لَك
стр. 623
(هَذَا بَاب الظروف وَأما إِذا اتَّصَلت بِشَيْء منهنَّ أنَّ)
تَقول يَوْم الْجُمُعَة أَنْت خَارج وَالْيَوْم أَنَّك راحل وَلَك على أَنَّك لَا تؤذي لِأَنَّهُ أَرَادَ يَوْم الْجُمُعَة خُرُوجك وَفِي يَوْم الْجُمُعَة رحلتك وَلَك على ترك الْأَذَى أَلا ترى أَنَّك لَو وضعت ذَاك فِي هَذَا الْموضع لصلح فَكنت تَقول فِي يَوْم الْجُمُعَة ذَاك وَلَك على ذَاك فَإِن قَالَ قَائِل هَل يجوز الْيَوْم انك منطلق وَلَك على إِنَّك لَا تؤذي فَإِن ذَلِك غير جَائِز لِأَنَّك تُرِيدُ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فَيكون على قَوْلك إِنَّك منطلق الْيَوْم وَإنَّك لَا تؤذي لَك على وَإِن رحلتك يَوْم الْجُمُعَة وَإِنَّمَا فسد لِأَن إِن لَا يصلح فِيهَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير كَمَا لم يصلح ذَلِك فِيمَا تعْمل فِيهِ من الْأَسْمَاء إِذا كَانَت مَكْسُورَة فَإِذا كَانَت مَفْتُوحَة جَازَ فِيهَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير أَعنِي تَقْدِيم الْخَبَر وتأخيره لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة مَوضِع الْمصدر وَتقول أما يَوْم الْجُمُعَة فَإنَّك مرتحل لِأَن معنى أما مهما يكن من شَيْء فَإنَّك مرتحل يَوْم الْجُمُعَة فَمَا بعد الْفَاء يَقع مُبْتَدأ أَلا ترى أَنَّك تَقول أما زيدا فضريت فَإِنَّمَا
стр. 624
هُوَ على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لَا يكون إِلَّا ذَلِك لِأَن الْمَعْنى مهما يكن من شَيْء فزيدا ضربت أَو فَضربت زيدا وَلَو قَالَ قَائِل أما يَوْم الْجُمُعَة فَإنَّك مرتحل لجَاز فَيكون التَّقْدِير مهما يكن من شَيْء فَفِي يَوْم الْجُمُعَة رحلتك فَهَذَا تَقْدِير مَا يَقع فِي أما وَالدَّلِيل على أَنَّهَا فِي معنى الْجَزَاء لُزُوم الْفَاء لجوابها نَحْو أما زيد منطلق ﴿فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر﴾ (وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُم﴾ و ﴿أمّا مَنْ اسْتَغْنَى فَأنتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ فَالْمَعْنى مهما يكن من شَيْء فَهَذَا الْأَمر فِيهِ فَإِنَّمَا تقديرها فِي الْكَلَام كُله التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لَا يكون إِلَّا على ذَلِك
стр. 625
(هَذَا بَاب من أَبْوَاب أَن مكررة)
وَذَلِكَ قَوْلك قد علمت أَن زيدا إِذا أَتَاك أَنه سيكرمك وَذَلِكَ أَنَّك قد أردْت قد علمت أَن زيدا إِذا أَتَاك سيكرمك فكررت الثَّانِيَة توكيدا وَلست تُرِيدُ بهَا إِلَّا مَا أردْت بِالْأولَى فَمن ذَلِك قَوْله ﴿أيعدكم أَنكُمْ إِذا متم وكنتم تُرَابا وعظاما أَنكُمْ مخرجون﴾ فَهَذَا احسن الْأَقَاوِيل عِنْدِي فِي هَذِه الْآيَة وَقد قيل فِيهَا غير هَذَا وَنحن ذاكروه فِي آخر الْبَاب إِن شَاءَ الله وَنَظِير تَكْرِير أَن هَا هُنَا قَوْله ﵎ ﴿وهم بِالآخِرَة هم كافرون﴾ وَقَوله ﴿فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِي النَّار خَالِدين فِيهَا﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وأمّا الّذينَ سُعِدوُا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدينَ فيِها﴾ وَمن هَذَا الْبَاب عندنَا وَهُوَ قَول أبي عمر الْجرْمِي ﴿ألم يعلمُوا أَنه من يحادد الله وَرَسُوله فَأن لَهُ نَار جَهَنَّم﴾ فالتقدير وَالله أعلم فَلهُ نَار جَهَنَّم وَردت أنّ توكيدا وَإِن كسرهَا كاسر جعلهَا مُبتَدأَة بعد الْفَاء لِأَن مَا بعد فَاء المجازة ابْتِدَاء كَقَوْلِه (قُلْ
стр. 626
إنَّ المَوْتَ الَّذي تُفِرُّونَ مِنْهُ فإنَّهُ مُلاقيكُم﴾ فإنَّ فِي هَذَا الْموضع يجوز أَن تكون الأولى الَّتِي وَقعت بعد الْحِكَايَة كررت وَيجوز أَن تكون وَقعت مُبتَدأَة بعد الْفَاء كَقَوْلِك من يأتني فَإِنِّي سأكرمه وَأما أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فَقَالَ فِي قَوْله ﵎ ﴿ألَمْ يعْلَموا أّنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارُ جَهَنَّمَ﴾ قَالَ الْمَعْنى فَوَجَبَ النَّار لَهُ ثمَّ وضع أَن فِي مَوضِع الْمصدر فَهَذَا قَول لَيْسَ بِالْقَوِيّ لِأَنَّهُ يفتحها مُبتَدأَة ويضمر الْخَبَر وَكَذَلِكَ قَالَ فِي قَوْله ﴿كَتَبَ رَبَّكُمْ على نَفْسِهِ الرَحْمَةَ أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةِ ثُّمَ تَابَ مِنْ بعدِهِ وأصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ﴾ أَي فَوَجَبَ الرَّحْمَة لَهُ وَالْقَوْل فِيهِ عندنَا التكرير على مَا ذكرت لَك فَأَما مَا قيل فِي الْآيَة الَّتِي ذكرنَا قبل سوى القَوْل الَّذِي اخترناه وَهِي ﴿أيعدكم أَنكُمْ إِذا متم وكنتم تُرَابا وعظاما أَنكُمْ مخرجون﴾ فَإِن يكون ﴿أَنكُمْ مخرجون﴾ مرتفعا بالظرف كَأَنَّهُ فِي التَّقْدِير أيعدكم أَنكُمْ إِذا متم إخراجكم فَهَذَا قَول حسن جميل
стр. 627
وَأما سِيبَوَيْهٍ فَكَانَ يَقُول الْمَعْنى أَن يعد وَقعت على أَن الثَّانِيَة وَذكر أَن الأولى ليعلم بعد أَي شَيْء يكون الْإِخْرَاج
стр. 628
صفحة فارغة
стр. 629
وَهَذَا قَول لَيْسَ بِالْقَوِيّ
стр. 630
(هَذَا بَاب أنَّ وإنَّ الخفيفتين)
اعْلَم أَن أنْ تكون فِي الْكَلَام على أَرْبَعَة أوجه فَوجه أَن تكون هِيَ وَالْفِعْل الَّذِي تنصبه مصدرا نَحْو قَوْلك أُرِيد أَن تقوم يَا فَتى أَي أُرِيد قيامك وَأَرْجُو أَن تذْهب يَا فَتى أَي أَرْجُو ذهابك فَمن ذَلِك قَول الله ﴿وَأَن تَصُومُوا خير لكم﴾ أَي وَالصِّيَام خير لكم وَمثله ﴿وَأَن يستعففن خير لَهُنَّ﴾ وَوجه آخر أَن تكون مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَذَلِكَ قَوْله ﴿وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ لَو نصبت بهَا وَهِي مُخَفّفَة لجَاز فَإِذا رفعت مَا بعْدهَا فعلى حذف التثقيل والمضمر فِي النِّيَّة فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنه الْحَمد لله رب الْعَالمين وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فِي وضع عَملهَا خَفِيفَة وَالْوَجْه الثَّالِث أَن تكون فِي معنى أَي الَّتِي تقع للعبارة وَالتَّفْسِير وَذَلِكَ قَوْله عز وَجل
стр. 631
﴿وَانْطَلق الْمَلأ مِنْهُم أَن امشوا واصبروا على آلِهَتكُم﴾ وَمثله بنيت الحَدِيث أَن قد كَانَ كَذَا وَكَذَا وتريد أَي امشوا وَأي قد كَانَ كَذَا وَكَذَا وَوجه رَابِع أَن تكون زَائِدَة مُؤَكدَة وَذَلِكَ قَوْلك لما أَن جَاءَ زيد قُمْت وَوَاللَّه أَن لَو فعلت لأكرمك وَأما إِن الْمَكْسُورَة فَإِن لَهَا أَرْبَعَة أوجه مُخَالفَة لهَذِهِ الْوُجُوه فَمن ذَلِك إِن الْجَزَاء وَذَلِكَ قَوْلك إِن تأتني آتِك وَهِي أصل الْجَزَاء كَمَا أَن الْألف أصل الِاسْتِفْهَام وَتَكون فِي معنى مَا تَقول عَن أَن زيد منطلق أَي مَا زيد منطلق وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ لَا يرى فِيهَا إِلَّا رفع الْخَبَر لِأَنَّهَا حرف نفي دخل على ابْتِدَاء وَخَبره كَمَا تدخل ألف الِاسْتِفْهَام فَلَا تغيره وَذَلِكَ لمَذْهَب بني تَمِيم فِي مَا وَغَيره يُجِيز نصب الْخَبَر على تَشْبِيه بِلبْس كَمَا فعل ذَلِك فِي مَا وَهَذَا هُوَ القَوْل لِأَنَّهُ لَا فصل بَينهَا وَبَين مَا فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ قَوْله ﴿إنِ الكَافِرِونَ إلاّ فِي غٌ رُورِ﴾ وَقَالَ ﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا﴾ فهذان موضعان
стр. 632
والموضع الثَّالِث أَن تكون إِن الْمَكْسُورَة المخففة من الثَّقِيلَة فَإِذا رفعت مَا بعْدهَا لزمك أَن تدخل اللَّام على الْخَبَر وَلم يجز غير ذَلِك لِأَن لَفظهَا كَلَفْظِ الَّتِي فِي معنى مَا وَإِذا دخلت اللَّام علم أَنَّهَا الْمُوجبَة لَا النافية وَذَلِكَ قَوْلك إنْ زيد منطلق وعَلى هَذَا قَوْله ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ (وإنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ وَإِن نصبت بهَا لم تحتج إِلَى اللَّام إِلَّا أَن تدْخلهَا توكيدا كَمَا تَقول إِن زيدا لمنطلق والموضع الرَّابِع أَن تدخل زَائِدَة مَعَ مَا فتردها إِلَى الِابْتِدَاء كَمَا تدخل مَا على إِن الثَّقِيلَة فتمنعها عَملهَا وتردها إِلَى الِابْتِدَاء فِي قَوْلك إِنَّمَا زيد أَخُوك و ﴿إنَّما يَخْشى الله مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ وَذَلِكَ قَوْلك مَا أَن يقوم زيد وَمَا أَن زيد منطلق لَا يكون الْخَبَر إِلَّا مَرْفُوعا لما ذكرت لَك قَالَ زُهَيْر
(مَا أنْ يَكادُ يُخَلّيِهِمْ لِوِجهَتِهمْ ... تَخالجُ الأمرِ إنَّ الأمرِ مُشْتَرِكُ)
стр. 633
وَقَالَ آخر
(وَمَا أنْ طِبْنا جُبْنٌ ولكنْ ... منايانا ودولةُ آخَرينا)
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا بالها لما خففت من الثَّقِيلَة الْمَكْسُورَة اختير بعْدهَا الرّفْع وَلم يصلح ذَلِك فِي المخففة من الْمَفْتُوحَة إِلَّا أَن ترفع على أَن يضمر فِيهَا قيل لِأَن الْمَفْتُوحَة وَمَا بعْدهَا مصدر فَلَا معنى لَهَا فِي الإبتداء والمكسورة إِنَّمَا دخلت على الإبتداء وَخَبره فَلَمَّا نقصت عَن وزن الْفِعْل رَجَعَ الْكَلَام إِلَى أَصله وَمن رأى النصب بهَا أَو بالمفتوحة مَعَ التَّخْفِيف قَالَ هما بِمَنْزِلَة الْفِعْل فَإِذا خففتا كَانَتَا بِمَنْزِلَة فعل مَحْذُوف مِنْهُ فالفعل يعْمل محذوفا عمله تَاما فَذَلِك قَوْلك لم يَك زيد مُنْطَلقًا فَعمل عمله وَالنُّون فِيهِ والأقيس الرّفْع فِيمَا بعْدهَا لِأَن إِن إِنَّمَا أشبهت الْفِعْل بِاللَّفْظِ لَا بِالْمَعْنَى فَإِذا نقص اللَّفْظ ذهب الشّبَه وَلذَلِك الْوَجْه الآخر وَجه من الْقيَاس كَمَا ذكرت لَك وَكَانَ الْخَلِيل يقْرَأ ﴿إِن هَذَانِ لساحران﴾ فَيُؤَدِّي خطّ الْمُصحف وَمعنى إنَّ الثَّقِيلَة فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود ﴿إنَّ ذانِ لَسَاحِرانِ﴾
стр. 634
(هَذَا بَاب (أَنْ) الْمَفْتُوحَة وتصرفها)
اعْلَم أَنَّهَا إِذا كَانَت مَعَ الْفِعْل مصدرا جَازَ تَقْدِيمهَا وتأخيرها، وَوَقعت فى كل مَوضِع تقع فِيهِ الْأَسْمَاء إِلَّا أَن مَعْنَاهَا - إِذا وَقعت على فعل مُستقبل - أَنَّهَا تنصبه، وَذَلِكَ الْفِعْل لما لم يَقع وَلَا يكون للْحَال وَذَلِكَ قَوْلك أَن تأتينى خير لَك ويسرنى أَن تقوم يَا فَتى وأكره أَن تذْهب إِلَى زيد فَهَذَا هَكَذَا وَإِن وَقعت على فعل مَاض كَانَت مصدرا لما مضى تَقول سرنى أَن قُمْت، وساءنى أَن كلمك زيد وَأَنت غَضْبَان على: أَن كلمت زيدا أى: لهَذِهِ الْعلَّة وَاعْلَم أَنَّهَا إِذا وَقعت بعْدهَا الْأَفْعَال الْمُسْتَقْبلَة وَكَانَت بَينهَا وَبَينهَا (لَا) ، فَإِن عَملهَا على حَاله تَقول: أحب أَلا / تذْهب يَا فَتى، وأكره أَلا تكلم زيدا وَالْمعْنَى: أكره تَركك كَلَام زيد فَإِن أردْت بهَا الثَّقِيلَة لم يجز أَن يَليهَا الْفِعْل إِلَّا أَن تأتى بعوض مِمَّا حذفت من الْمُضمر والتثقيل وَنحن ذاكرو ذَلِك إِن شَاءَ الله وَذَلِكَ قَوْلك - إِذا أردْت الثَّقِيلَة - قد علمت أَن لَا تقوم، تُرِيدُ: أَنَّك لَا تقوم ف (لَا) عوض وهى - إِذا أردْت الْخَفِيفَة - غير فاصلة بَين (أَن) وَالْفِعْل
стр. 635
فَأَما السِّين وسوف فَلَا يكون (أَن) قبلهمَا إِلَّا على التثقيل والإضمار، لِأَنَّهُمَا ليستا ك (لَا) أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَرَرْت بِرَجُل لَا قَائِم وَلَا قَاعد، فَيكون بِمَنْزِلَة قَوْلك: مَرَرْت بِرَجُل قَائِم وقاعد فى الْإِعْرَاب، وَإِن كَانَ الأول منفيا وَكَذَلِكَ كَانَ عبد الله لَا شجاعا وَلَا بطلا وَلَا تقع السِّين وسوف هَذَا الْموقع، فعلى هَذَا تَقول: علمت أَن سيقومون، وَأَن سَوف يقومُونَ لَا يكون إِلَّا على ذَلِك وللثقيلة أَفعَال، وللخفيفة أَفعَال سواهَا، وَذَلِكَ مَذْكُور على إِثْر هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله فَإِن أردْت الثَّقِيلَة مَعَ الْفِعْل الْمَاضِي دخل من الْعِوَض قد فَقلت قد علمت أَن قد ذهب زيد أَي أَنه قد ذهب زيد
следующие страницы →