Полный текст (1 443 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
﴿وَانْطَلق الْمَلأ مِنْهُم أَن امشوا واصبروا على آلِهَتكُم﴾ وَمثله بنيت الحَدِيث أَن قد كَانَ كَذَا وَكَذَا وتريد أَي امشوا وَأي قد كَانَ كَذَا وَكَذَا وَوجه رَابِع أَن تكون زَائِدَة مُؤَكدَة وَذَلِكَ قَوْلك لما أَن جَاءَ زيد قُمْت وَوَاللَّه أَن لَو فعلت لأكرمك وَأما إِن الْمَكْسُورَة فَإِن لَهَا أَرْبَعَة أوجه مُخَالفَة لهَذِهِ الْوُجُوه فَمن ذَلِك إِن الْجَزَاء وَذَلِكَ قَوْلك إِن تأتني آتِك وَهِي أصل الْجَزَاء كَمَا أَن الْألف أصل الِاسْتِفْهَام وَتَكون فِي معنى مَا تَقول عَن أَن زيد منطلق أَي مَا زيد منطلق وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ لَا يرى فِيهَا إِلَّا رفع الْخَبَر لِأَنَّهَا حرف نفي دخل على ابْتِدَاء وَخَبره كَمَا تدخل ألف الِاسْتِفْهَام فَلَا تغيره وَذَلِكَ لمَذْهَب بني تَمِيم فِي مَا وَغَيره يُجِيز نصب الْخَبَر على تَشْبِيه بِلبْس كَمَا فعل ذَلِك فِي مَا وَهَذَا هُوَ القَوْل لِأَنَّهُ لَا فصل بَينهَا وَبَين مَا فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ قَوْله ﴿إنِ الكَافِرِونَ إلاّ فِي غٌ رُورِ﴾ وَقَالَ ﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا﴾ فهذان موضعان
стр. 632
والموضع الثَّالِث أَن تكون إِن الْمَكْسُورَة المخففة من الثَّقِيلَة فَإِذا رفعت مَا بعْدهَا لزمك أَن تدخل اللَّام على الْخَبَر وَلم يجز غير ذَلِك لِأَن لَفظهَا كَلَفْظِ الَّتِي فِي معنى مَا وَإِذا دخلت اللَّام علم أَنَّهَا الْمُوجبَة لَا النافية وَذَلِكَ قَوْلك إنْ زيد منطلق وعَلى هَذَا قَوْله ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ (وإنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ وَإِن نصبت بهَا لم تحتج إِلَى اللَّام إِلَّا أَن تدْخلهَا توكيدا كَمَا تَقول إِن زيدا لمنطلق والموضع الرَّابِع أَن تدخل زَائِدَة مَعَ مَا فتردها إِلَى الِابْتِدَاء كَمَا تدخل مَا على إِن الثَّقِيلَة فتمنعها عَملهَا وتردها إِلَى الِابْتِدَاء فِي قَوْلك إِنَّمَا زيد أَخُوك و ﴿إنَّما يَخْشى الله مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ وَذَلِكَ قَوْلك مَا أَن يقوم زيد وَمَا أَن زيد منطلق لَا يكون الْخَبَر إِلَّا مَرْفُوعا لما ذكرت لَك قَالَ زُهَيْر
(مَا أنْ يَكادُ يُخَلّيِهِمْ لِوِجهَتِهمْ ... تَخالجُ الأمرِ إنَّ الأمرِ مُشْتَرِكُ)
стр. 633
وَقَالَ آخر
(وَمَا أنْ طِبْنا جُبْنٌ ولكنْ ... منايانا ودولةُ آخَرينا)
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا بالها لما خففت من الثَّقِيلَة الْمَكْسُورَة اختير بعْدهَا الرّفْع وَلم يصلح ذَلِك فِي المخففة من الْمَفْتُوحَة إِلَّا أَن ترفع على أَن يضمر فِيهَا قيل لِأَن الْمَفْتُوحَة وَمَا بعْدهَا مصدر فَلَا معنى لَهَا فِي الإبتداء والمكسورة إِنَّمَا دخلت على الإبتداء وَخَبره فَلَمَّا نقصت عَن وزن الْفِعْل رَجَعَ الْكَلَام إِلَى أَصله وَمن رأى النصب بهَا أَو بالمفتوحة مَعَ التَّخْفِيف قَالَ هما بِمَنْزِلَة الْفِعْل فَإِذا خففتا كَانَتَا بِمَنْزِلَة فعل مَحْذُوف مِنْهُ فالفعل يعْمل محذوفا عمله تَاما فَذَلِك قَوْلك لم يَك زيد مُنْطَلقًا فَعمل عمله وَالنُّون فِيهِ والأقيس الرّفْع فِيمَا بعْدهَا لِأَن إِن إِنَّمَا أشبهت الْفِعْل بِاللَّفْظِ لَا بِالْمَعْنَى فَإِذا نقص اللَّفْظ ذهب الشّبَه وَلذَلِك الْوَجْه الآخر وَجه من الْقيَاس كَمَا ذكرت لَك وَكَانَ الْخَلِيل يقْرَأ ﴿إِن هَذَانِ لساحران﴾ فَيُؤَدِّي خطّ الْمُصحف وَمعنى إنَّ الثَّقِيلَة فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود ﴿إنَّ ذانِ لَسَاحِرانِ﴾
стр. 634
(هَذَا بَاب (أَنْ) الْمَفْتُوحَة وتصرفها)
اعْلَم أَنَّهَا إِذا كَانَت مَعَ الْفِعْل مصدرا جَازَ تَقْدِيمهَا وتأخيرها، وَوَقعت فى كل مَوضِع تقع فِيهِ الْأَسْمَاء إِلَّا أَن مَعْنَاهَا - إِذا وَقعت على فعل مُستقبل - أَنَّهَا تنصبه، وَذَلِكَ الْفِعْل لما لم يَقع وَلَا يكون للْحَال وَذَلِكَ قَوْلك أَن تأتينى خير لَك ويسرنى أَن تقوم يَا فَتى وأكره أَن تذْهب إِلَى زيد فَهَذَا هَكَذَا وَإِن وَقعت على فعل مَاض كَانَت مصدرا لما مضى تَقول سرنى أَن قُمْت، وساءنى أَن كلمك زيد وَأَنت غَضْبَان على: أَن كلمت زيدا أى: لهَذِهِ الْعلَّة وَاعْلَم أَنَّهَا إِذا وَقعت بعْدهَا الْأَفْعَال الْمُسْتَقْبلَة وَكَانَت بَينهَا وَبَينهَا (لَا) ، فَإِن عَملهَا على حَاله تَقول: أحب أَلا / تذْهب يَا فَتى، وأكره أَلا تكلم زيدا وَالْمعْنَى: أكره تَركك كَلَام زيد فَإِن أردْت بهَا الثَّقِيلَة لم يجز أَن يَليهَا الْفِعْل إِلَّا أَن تأتى بعوض مِمَّا حذفت من الْمُضمر والتثقيل وَنحن ذاكرو ذَلِك إِن شَاءَ الله وَذَلِكَ قَوْلك - إِذا أردْت الثَّقِيلَة - قد علمت أَن لَا تقوم، تُرِيدُ: أَنَّك لَا تقوم ف (لَا) عوض وهى - إِذا أردْت الْخَفِيفَة - غير فاصلة بَين (أَن) وَالْفِعْل
стр. 635
فَأَما السِّين وسوف فَلَا يكون (أَن) قبلهمَا إِلَّا على التثقيل والإضمار، لِأَنَّهُمَا ليستا ك (لَا) أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَرَرْت بِرَجُل لَا قَائِم وَلَا قَاعد، فَيكون بِمَنْزِلَة قَوْلك: مَرَرْت بِرَجُل قَائِم وقاعد فى الْإِعْرَاب، وَإِن كَانَ الأول منفيا وَكَذَلِكَ كَانَ عبد الله لَا شجاعا وَلَا بطلا وَلَا تقع السِّين وسوف هَذَا الْموقع، فعلى هَذَا تَقول: علمت أَن سيقومون، وَأَن سَوف يقومُونَ لَا يكون إِلَّا على ذَلِك وللثقيلة أَفعَال، وللخفيفة أَفعَال سواهَا، وَذَلِكَ مَذْكُور على إِثْر هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله فَإِن أردْت الثَّقِيلَة مَعَ الْفِعْل الْمَاضِي دخل من الْعِوَض قد فَقلت قد علمت أَن قد ذهب زيد أَي أَنه قد ذهب زيد
стр. 636
(هَذَا بَاب الْأَفْعَال الَّتِى لَا تكون أَن مَعهَا إِلَّا ثَقيلَة وَالْأَفْعَال الَّتِى لَا تكون مَعهَا إِلَّا خَفِيفَة وَالْأَفْعَال المحتملة للثقيل والخفيفة)
أما مَا كَانَ من الْعلم فَإِن (أَن) لَا تكون بعده إِلَّا ثَقيلَة لِأَنَّهُ شئ قد ثَبت وَاسْتقر وَذَلِكَ قَوْلك قد علمت أَن زيدا منطلق فَإِن خففت فعلى إِرَادَة التثقيل والإضمار وَتقول قد علمت أَن سيقوم زيد تُرِيدُ أَنه سيقوم زيد قَالَ الله ﴿علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى﴾ لِأَنَّهُ شئ قد اسْتَقر أَلا ترى أَنه لَا يصلح علمت أَن يقوم زيد لِأَن (أَن) الْخَفِيفَة إِنَّمَا تكون لما لم يثبت نَحْو خفت أَن تقوم يَا فَتى وَأَرْجُو أَن تذْهب إِلَى زيد لِأَنَّهُ شئ لم يسْتَقرّ فَكل مَا كَانَ من الرَّجَاء وَالْخَوْف فَهَذَا مجازه فَأَما الْأَفْعَال / الَّتِى تشترك فِيهَا الْخَفِيفَة والثقيلة فَمَا كَانَ من الظَّن فَأَما وُقُوع الثَّقِيلَة فعلى أَنه قد اسْتَقر فى ظَنك كَمَا اسْتَقر الأول فى علمك وَذَلِكَ قَوْلك طننت أَنَّك تقوم وحسبت أَنَّك منطلق فَإِذا أدخلت على المحذوفة الْعِوَض قلت حسبت أَن سيقومون وَكَذَلِكَ تَقول ظنت أَن لَا تَقول خيرا تُرِيدُ أَنَّك لَا تَقول خيرا وَأما النصب فعلى أَنه شئ لم يسْتَقرّ فقد دخل فى بَاب رَجَوْت وَخفت بِهَذَا الْمَعْنى وَهَذِه الْآيَة تقْرَأ على وَجْهَيْن ﴿وَحَسِبُوا أَنْ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ و ﴿أَن لَا تكونُ فتنةُ﴾ فانتصب مَا بعد لَا وهى عوض كَمَا أوقعت الْخَفِيفَة الناصبة بعد ظَنَنْت بِغَيْر عوض وَذَلِكَ
стр. 637
قَوْله ﴿تظن أَن يفعل بهَا فاقرة﴾ ، لِأَن مَعْنَاهَا معنى مَا لم يسْتَقرّ وَكَذَلِكَ: ﴿إِن ظنا أَن يُقِيمَا حُدُود الله﴾ وَزعم سيبوية / أَنه يجوز: خفت أَن لَا تقوم يَا فَتى، إّذا خَافَ شَيْئا كالمستقر عِنْده وَهَذَا بعيد وَأَجَازَ أَن تَقول: مَا أعلم إِلَّا أَن تقوم، إِذا لم يرد علما وَاقعا، وَكَانَ هَذَا القَوْل جَارِيا على بَاب الْإِشَارَة أى: أرى، من الرَّأْي وَهَذَا وَهَذَا فى الْبعد كالذى ذكرنَا قبله وَجُمْلَة الْبَاب تَدور على مَا شرحت لَك من التَّبْيِين والتوقع فَأَما قَول الله ﴿أَفلا يرَوْنَ أَن لَا يرجع إِلَيْهِم﴾ فَإِن الْوَجْه فِيهِ الرّفْع، وَالْمعْنَى: أَنه لَا يرجع إِلَيْهِم قولا، لِأَنَّهُ علم وَاقع وَالْوَجْه فى قَول الشَّاعِر:
(أفنى عرائكها وخدد لَحمهَا ... أَن لَا تذوق مَعَ الشكائم عودا)
وَالرَّفْع، لِأَنَّهُ يُرِيد: إِن الذى أفنى عرائكها هَذَا فَهَذَا على الْمِنْهَاج الذى ذكرت لَك
стр. 638
(هَذَا بَاب مَا لحقته / (إِن) و (أَن) الخفيفتان فى الدُّعَاء وَمَا جرى مجْرَاه)
تَقول: أما إِن غفر الله لَك، وَإِن شِئْت: أما أَن، على مَا فسرت لَك فى (أما) أَنَّهَا تقع للتّنْبِيه، وَتَقَع فى معنى قَوْلك: حَقًا، فالتقدير: أما إِنَّه، وَأما أَنه غفر الله لَك فَإِن قلت: فَكيف جَازَ الْإِضْمَار والحذف بِغَيْر عوض؟ فَإِنَّمَا ذَلِك لِأَنَّك لَا تصل إِلَى (قد) ، لِأَنَّك دَاع، وَلست مخبرا، أَلا ترى أَن الْإِضْمَار قد دخل فى الْمَكْسُورَة لهَذَا الْمَعْنى، وَلَا يدْخل فِيهَا فى شئ من الْكَلَام وَتقول فى الْمُسْتَقْبل على هَذَا الْمِنْهَاج: أما أَن يغْفر الله لَك، تُرِيدُ: أما أَنه، وَإِن شِئْت: أما إِن يغْفر الله لَك، لِأَنَّك لَو أدخلت السِّين أَو سَوف لتغير الْمَعْنى، وَكنت مخبرا، وَلَو أدخلت (لَا) لانقلب الْمَعْنى، وصرت دَاعيا عَلَيْهِ، فَلذَلِك جَازَ بِغَيْر عوض وَلما كَانَت الْمَكْسُورَة / تحذف بتثقيلها مَعَ الضَّمِير فى هَذَا الْموضع ليوصل إِلَى هَذَا الْمَعْنى، وَلَا يَقع ذَلِك فِيهَا فى شئ من الْكَلَام غير هَذَا الْموضع - كَانَت الْمَفْتُوحَة أولى، لِأَن الضَّمِير فِيهَا مَعَ الْعِوَض فَأَما قَوْلك: قد علمت أَن زيد منطلق فَمَعْنَاه: أَنه زيد منطلق وَلَا تحْتَاج إِلَى عوض كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(فى فتية كسيوف الْهِنْد قد علمُوا ... أَن هَالك كل من يحفى وينتعل)
стр. 639
وَإِنَّمَا امْتنع الْفِعْل أَن يَقع بعْدهَا بِغَيْر عوض، لِأَن الْفِعْل لم يكن ليَقَع بعْدهَا لَو ثقلت، وأعلمت كَمَا يكون الِاسْم فَلم يَكُونُوا ليجمعوا عَلَيْهَا الْحَذف بِغَيْر عوض، وَأَن يوقعوا بعْدهَا مَا لَا تقع عَلَيْهِ لَو ثقلت وأعلمت، لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْفِعْل وَلَا يَقع فعل على فعل
стр. 640
(هَذَا بَاب النونين: الثَّقِيلَة والخفيفة وَمَعْرِفَة مواقعها من الْأَفْعَال)
اعْلَم أَنَّهُمَا لَا تدخلان من الْأَفْعَال إِلَّا على مَا لم يجب، وَلَا يكون من ذَلِك إِلَّا فى الْفِعْل الذى يُؤَكد ليَقَع وَذَلِكَ مَا لم يكن خَبرا فِيمَا ضارع الْقسم فَأَما الْقسم فإحداهما فِيهِ وَاجِبَة لَا محَالة وَأما مَا ضارعه فَأَنت فِيهِ مُخَيّر وَذَلِكَ قَوْلك فى الْقسم: وَالله لأقومن، وَحقّ زيد لأمضين، فَيلْحق النُّون إِمَّا خَفِيفَة وَإِمَّا ثَقيلَة، وَلَا يكون الْقسم إِلَّا كَذَاك وَقد شرحنا ذَلِك فى بَاب الْقسم: لم كَانَت فِيهِ وَاجِبَة؟ وَأما الثَّقِيلَة فكقوله ﴿ليسجنن وليكونن من الصاغرين﴾ وَأما الْخَفِيفَة فعلى قِرَاءَة من قَرَأَ: ﴿وليكونن من الصاغرين﴾ ، وَكَقَوْلِه: ﴿كلا لَئِن لم ينْتَه لنسفعا بالناصية﴾ ، وَقَالَ الشَّاعِر:
(وفى ذمتى لَئِن فعلت ليفعلا ... )
стр. 641
فَمن موَاضعهَا: الْأَمر، والنهى، لِأَنَّهُمَا غير واجبين وَذَلِكَ قَوْلك - إِذا لم تأت بهما -: اضْرِب، وَلَا تضرب، فَإِذا أتيت بهَا قلت /: اضربن زيدا، وَلَا تضربن زيدا، وَإِن شِئْت ثقلت النُّون، وَإِن شِئْت خففتها وهى - إِذا خففت - مُؤَكدَة، وَإِذا ثقلت فهى أَشد توكيدا، وَإِن شِئْت لم تأت بهَا فَقلت: اضْرِب، وَلَا تضرب قَالَ الله : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَئٍ إِنَّى فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَلَا تتبعان سَبِيل الَّذين لَا يعلمُونَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ وَقَالَ الشَّاعِر فِي الْخَفِيفَة:
(فإياك وَالْمَيتَات لَا تقربنها ... وَلَا تأخذن سَهْما حديداً لتفصدا)
стр. 642
وَقَالَ الاخر:
(فأنزلن سكينَة علينا ... )
والطلب يجرى مجْرى الْأَمر والنهى، وَقد مضى القَوْل فى هَذَا وَمن مواضعهما: الِاسْتِفْهَام، لِأَنَّهُ غير وَاجِب وَذَلِكَ قَوْلك: هَل تضربن زيدا، وَهل يقومن زيد يَا فَتى وَتدْخل الْخَفِيفَة كَمَا دخلت الثَّقِيلَة، لِأَنَّهُمَا فى التوكيد على مَا ذكرت لَك وَمن موَاضعهَا: الْجَزَاء إِذا لحقت (مَا) زَائِدَة فى حرف الْجَزَاء، لِأَنَّهَا تكون / كاللام الَّتِى تلْحق فى الْقسم فى قَوْلك: لَأَفْعَلَنَّ، وَذَلِكَ قَوْلك: إِمَّا تأتينى آتِك، وَمَتى مَا تقعدن أقعد
стр. 643
فَمن ذَلِك قَول الله : ﴿فإمَّا تَرين من الْبشر أحدا﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَإِمَّا تعرضن عَنْهُم﴾ فَإِن كَانَ الجزاءُ بِغَيْر (م) قبُح دخولُها فِيهِ، لِأَنَّهُ خبر يجب آخِره بِوُجُوب أَوله وَإِنَّمَا يجوز دُخُولهَا الْجَزَاء بِغَيْر (مَا) فى الشّعْر للضَّرُورَة، كَمَا يجوز ذَلِك فى الْخَبَر فَمن ذَلِك قَوْله:
(من تثقفن مِنْهُم فَلَيْسَ بآئب ... أبدا، وَقتل بنى قُتَيْبَة شافى)
стр. 644
فَهَذَا يجوز، كَمَا قَالَ فى الْخَبَر:
(رُبمَا أوفيت فى علم ... ترفعن ثوبى شمالات)
وَمن أَمْثَال الْعَرَب: " بِعَين مَا أرينك " و " بألم مَا تختننه " فَإِنَّمَا أَدخل النُّون من أجل (مَا) الزَّائِدَة كاللام كَمَا ذكرت لَك
стр. 645
صفحة فارغة
стр. 646
(هَذَا بَاب الْوُقُوف على النونين: الْخَفِيفَة والثقيلة)
اعْلَم أَنَّك إِذا وقفت على الثَّقِيلَة كَانَ الْوَقْف عَلَيْهَا / كالوقف على غَيرهَا من الْحُرُوف المبنية على الْحَرَكَة فَإِن شِئْت كَانَ وَقفهَا كوصلها، وَإِن شِئْت ألحقت هَاء لبَيَان الْحَرَكَة كَمَا تَقول: ارمه، واغزه، واخشه فَهَذَا وَجههَا وَإِن شِئْت قلت على قَوْلك: ارْمِ، اغز، اخش، فَقلت: اضربن، وارمين، وقولن فَهَذَا أَمر الثَّقِيلَة فَأَما الْخَفِيفَة فَإِنَّهَا فى الْفِعْل بِمَنْزِلَة التَّنْوِين فى الِاسْم فَإِذا كَانَ مَا قبلهَا مَفْتُوحًا أبدلت مِنْهَا الْألف، وَذَلِكَ قَوْلك: اضربن زيدا فَإِذا وقفت: قلت: اضربا، وَكَذَلِكَ: وَالله ليضربن زيدا فَإِن وقفت قلت: لتضربا، كَمَا قَالَ: ﴿لنسفعا بالناصية﴾ فَإِذا كَانَ مَا قبلهَا مضموما أَو مكسورا، كَانَ الْوَقْف بِغَيْر نون وَلَا بدل مِنْهَا، لِأَنَّك تَقول فى الْأَسْمَاء فى النصب: رَأَيْت زيدا، فتبدل من التَّنْوِين ألفا، وَتقول فى الرّفْع: هَذَا زيد، وفى الْخَفْض: مَرَرْت بزيد، فَلَا يكون الْوَقْف كالوصل وَكَذَلِكَ هَذِه الْأَفْعَال، تَقول للْجَمَاعَة - إِذا أردْت النُّون الْخَفِيفَة - اضربن زيدا /، فَإِن وقفت قلت: اضربوا، واضربن زيدا يَا امْرَأَة، فَإِن وقفت قلت: اضربى
стр. 647
وفى نُسْخَة أُخْرَى: وَكَذَلِكَ هَذِه الْأَفْعَال تَقول: وَالله لتضربن زيدا فَإِن وقفت قلت: لتضربون، وَتقول: هَل تضربن زيدا يَا امْرَأَة، فَإِن وقفت قلت: هَل تضربين فَهَذَا نَظِير مَا ذكرت لَك وَلَا فصل بَين النُّون الْخَفِيفَة فِي الْأَفْعَال وَبَين التَّنْوِين فى الْأَسْمَاء، إِلَّا أَن النُّون تحذف إِذا لقيها سَاكن، والتنوين يُحَرك لالتقاء الساكنين وَقد يجوز حذفه فى الشّعْر وفى ضعف من الْكَلَام، فَتَقول - إِذا أردْت النُّون الْخَفِيفَة -: اضْرِب الرجل حذفت النُّون لالتقاء الساكنين، فَهَذَا أمرهَا وَإِنَّمَا حذفت وخالفت التَّنْوِين، لِأَن مَا يلْحق الْأَفْعَال أَضْعَف مِمَّا يلْحق الْأَسْمَاء، لِأَن الْأَفْعَال أَنْت فى إِدْخَال النُّون عَلَيْهَا مُخَيّر، إِلَّا مَا وَقع مِنْهَا فى الْمُسْتَقْبل فى الْقسم، والأسماء كل مَا ينْصَرف مِنْهَا فالنون الَّتِى تسمى التَّنْوِين لَازِمَة فِيهِ، والأسماء هى الأول، وَالْأَفْعَال فروع ودواخل عَلَيْهَا وَإِذا وقفت / على النُّون الْخَفِيفَة فى فعل لجَمِيع مُرْتَفع - حذفت النُّون
стр. 648
(هَذَا بَاب تَغْيِير الْأَفْعَال للنونين: الْخَفِيفَة، والثقيلة)
اعْلَم أَن الْأَفْعَال - مَرْفُوعَة كَانَت أَو مَنْصُوبَة أَو مجزومة - فَإِنَّهَا تبنى مَعَ دُخُول النُّون على الفتحة، وَذَلِكَ أَنَّهَا وَالنُّون كشيء وَاحِد، فبنيت مَعَ النُّون بِنَاء خَمْسَة عشر وَلم تسكن لعلتين إِحْدَاهمَا: أَن النُّون الْخَفِيفَة سَاكِنة، والثقيلة نونان، الأولى مِنْهُمَا سَاكِنة، فَلَو أسكنت مَا قبلهَا لجمعت بَين ساكنين وَالْعلَّة الْأُخْرَى: أَنَّك حركتها، لتجعلها مَعَ النُّون كالشيء الذى يضم إِلَيْهِ غَيره، فيجعلان شَيْئا وَاحِدًا، نَحْو: بَيت بَيت، وَخَمْسَة عشر وَإِنَّمَا اختارو الفتحة، لِأَنَّهَا أخف الحركات وَذَلِكَ قَوْلك للرجل: هَل تضربن زيدا؟ وَالله لتضربن زيدا فالفعلان مرفوعان وَتقول فى الْمَوْقُوف، والمجزوم: اضربن زيدا، وَلَا تضربن عمرا، وَإِمَّا تغزون زيدا أغزه، كَمَا / قَالَ : ﴿وَإِمَّا تعرضن عَنْهُم ابْتِغَاء رَحْمَة من رَبك﴾
стр. 649
فَإِذا ثنيت، أَو جمعت، أَو خاطبت مؤنثا - فَإِن نَظِير الْفَتْح فى الْوَاحِد حذف النُّون مِمَّا ذكرت
стр. 650
لَك تَقول للْمَرْأَة: هَل تضربن زيدا؟ وَلَا تضربن عمرا، فَتكون النُّون محذوفة الَّتِى كَانَت فى تضربين، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: لن تضرب يَا فَتى، قلت للْمَرْأَة - إِذا خاطبتها -: لن تضربى،
стр. 651
وَكَذَلِكَ لن تضربا، وَلنْ تضربوا للاثنين وَالْجَمَاعَة فَحذف النُّون نَظِير الفتحة فى الْوَاحِد، وَذَهَبت الْيَاء فى قَوْلك: اضربن زيدا لَا لتقاء الساكنين وَكَذَلِكَ تذْهب الْوَاو فى الْجَمَاعَة إِذا قلت: اضربن زيدا، وَهل تخرجن إِلَى زيد، فَهَذَا نَظِير مَا ذكرت لَك فَإِن كَانَ قبل الْوَاو وَالْيَاء فَتْحة، لم تحذفهما لالتقاء الساكنين، وحركتا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا تحذف الْوَاو الَّتِى قبلهَا ضمة، وَالْيَاء الَّتِى قبلهَا كسر، لِأَنَّهُمَا إِذا كَانَتَا كَذَلِك كَانَتَا حرفى لين كالألف أَلا ترى أَنَّك تَقول: ارْمِ الرجل، وَارْمُوا الرجل، فتحذف لالتقاء الساكنين / وَتقول: اخشوا الرجل، واخشى الرجل، فَتحَرك، وَلَا تحذف، لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَة الْحُرُوف الَّتِى هى غير معتلة وَمَعَ ذَلِك فَإنَّك لَو حذفت مَا قبله الفتحة لالتقاء الساكنين، لخرج اللَّفْظ إِلَى لفظ الْوَاحِد الْمُذكر، وَذَهَبت عَلامَة التَّأْنِيث وعلامة الْجمع، فَكنت تَقول: اخش الرجل فَتَقول على هَذَا للْجَمَاعَة: اخشون الرجل، وللمرأة: اخشين زيدا وكل مَا جرى مِمَّا قبله مَفْتُوح فَهَذِهِ سَبيله
стр. 652
(هَذَا بَاب الِاثْنَيْنِ وَالْجِمَاع من النِّسَاء فى النُّون الثَّقِيلَة وامتناعهما من النُّون الْخَفِيفَة)
اعْلَم أَنَّك إِذا أمرت الِاثْنَيْنِ، وَأَرَدْت النُّون الثقيل قلت: اضربان زيدا تكسر النُّون لِأَنَّهَا بعد ألف، فهى كنون الِاثْنَيْنِ، وَالنُّون الساكنة المدغمة فِيهَا لَيْسَ بحاجز حُصَيْن لسكونها وَكَذَلِكَ: وَالله لتضربان زيدا، وَجَمِيع مَا تصرفت فِيهِ، فَهَذَا سَبِيلهَا فى الِاثْنَيْنِ قَالَ الله : ﴿وَلَا تتبعان سَبِيل الَّذين لَا يعلمُونَ﴾ فَإِذا أوقعتها فى جمع النِّسَاء قلت: / اضربنان زيدا زِدْت ألفا، لِاجْتِمَاع النونات، ففصلت بهَا بَينهُنَّ، كَمَا زِدْت فى قَول من قَالَ: آأنت فعلت ذَاك، فتجعلها بَين الهمزتين، إِذْ كَانَ التقاؤهما مَكْرُوها، وَكَذَلِكَ: لتضربنان زيدا، وَكسرت هَذِه النُّون بعد هَذِه الْألف، لِأَنَّهَا أشبهت ألف الِاثْنَيْنِ تفعل بالنُّون بعْدهَا مَا تفعل بهَا بعد ألف التَّثْنِيَة، فَلَا تحذف، لِأَنَّهَا عَلامَة، ولأنك كنت إِن حذفتها لَا تفرق بَين الِاثْنَيْنِ وَالْوَاحد وَأما الْألف الَّتِى أدخلتها للفصل بَين النونات فَلم تكن لتحذفها، لِأَن الْخَفِيفَة إِنَّمَا تقع
стр. 653
فى موقع الثَّقِيلَة فَإِن قلت: فأجئ بهَا، وأحرك النُّون لالتقاء الساكنين، كَانَ ذَلِك غير جَائِز، لِأَن النُّون لَيست بواجبة، وَأَنت إِذا جِئْت بهَا زَائِدَة، وأحدثت لَهَا حَرَكَة، فَهَذَا مُمْتَنع وَإِن تركتهَا على سكونها جمعت بَين ساكنين / وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهَا كَانَت فى الِاسْتِفْهَام وفى الْقسم وفى الْمَوَاضِع الَّتِى يكون فِيهَا الْفِعْل مَرْفُوعا تَلْتَبِس بنُون الِاثْنَيْنِ، وَلَا سَبِيل إِلَى اجْتِمَاعهمَا لما ذكرت لَك من أَن الْفِعْل يبْنى مَعهَا على الْفَتْح وَإِنَّمَا حذفت النُّون ف التَّثْنِيَة وَالْجمع وَفعل الْمَرْأَة - إِذا خوطبت - لِأَنَّهَا كالفتح فى الْوَاحِد، أَلا ترى أَنَّك تَقول للْمَرْأَة: هَل تضربن زيدا إِذا أردْت النُّون الْخَفِيفَة، وللجماعة من الرِّجَال: هَل تضربن زيدا، فَهَذَا مَا ذكرت لَك وَكَانَ يُونُس بن حبيب يرى إثباتهما فِي فعل الِاثْنَيْنِ وَجَمَاعَة النسْوَة، فَيَقُول: اضربان زيدا، وللنساء: اضربنان زيدا، فَيجمع بَين ساكنين، وَلَا يُوجد مثل هَذَا فى كَلَام الْعَرَب إِلَّا أَن يكون السَّاكِن الثانى مدغما وَالْأول حرف لين، وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فَإِذا وقف يُونُس وَمن يَقُول بقوله قَالَ للاثنين: اضربا، وللجماعة من النِّسَاء: اضربنا، وَإِذا وصل فعل الِاثْنَيْنِ قَالَ: / اضربان الرجل وَهَذَا خطأ على قَوْله، إِنَّمَا ينبغى على قِيَاس قَوْله أَن يَقُول: اضْرِب الرجل فيحذف النُّون، لِأَنَّهَا تحذف لالتقاء الساكنين، كَمَا ذكرت لَك فى أول الْبَاب، ثمَّ تحذف الْألف الَّتِى فى اضربا لعلامة التَّثْنِيَة، لِأَنَّهَا ايضا سَاكِنة، فَيصير لَفظه لفظ الْوَاحِد إِذا أردْت بِهِ النُّون الْخَفِيفَة، وَلَفظ الِاثْنَيْنِ بِغَيْر نون إِذا حذفت ألفها لالتقاء الساكنين
стр. 654
(هَذَا بَاب مَالا يجوز أَن تدخله النُّون خَفِيفَة وَلَا ثَقيلَة وَذَلِكَ مَا كَانَ مِمَّا يوضع مَوضِع الْفِعْل وَلَيْسَ بِفعل)
فَمن ذَلِك قَوْله: (صه) و (مَه) ، و (إيه) يَا فَتى: إِذا أردْت أَن يزيدك من الحَدِيث، و (إيها) يَا فَتى، إِذا كففته، و (ويها) يَا فَتى: إِذا أغربته وَكَذَلِكَ (عَلَيْك) زيدا، و (دُونك) زيدا، و (وَرَاءَك أوسع لَك) ، و (عنْدك) يَا فَتى: إِذا حذرته شَيْئا بِقُرْبِهِ فَكل هَذِه لَا تدْخلهَا نون، لِأَنَّهَا لَيست بِأَفْعَال، وَإِنَّمَا هى أَسمَاء للْفِعْل وَمن ذَلِك (هَلُمَّ) فى لُغَة أهل الْحجاز، / لأَنهم يَقُولُونَ: هَلُمَّ للْوَاحِد، وللاثنين، وَالْجَمَاعَة على لفظ وَاحِد وَأما على مَذْهَب بنى تَمِيم فَإِن النُّون تدْخلهَا، لأَنهم يَقُولُونَ للْوَاحِد: هَلُمَّ، وللاثنين: هلما، وللجماعة: هلموا، ولجماعة النسْوَة: هلممن، وللواحدة: هلمى، وَإِنَّمَا هى (لم) لحقتها الْهَاء، فعلى هَذَا تَقول: هلمن يَا رجل هلمن يَا إمرأة، وهلممنان يَا نسْوَة، فَيكون بِمَنْزِلَة سَائِر الْأَفْعَال
стр. 655
(هَذَا بَاب حُرُوف التَّضْعِيف فى الْأَفْعَال والمعتلة من ذَوَات الْيَاء وَالْوَاو فى النونين)
اعْلَم أَنَّك تلزمهمن فى النونين مَا تلْزم الْأَفْعَال الصَّحِيحَة من بِنَاء الْفِعْل على الْفَتْح، تَقول: ردن يَا زيد وَلَا تَقول ارددن على قَول من قَالَ: (ارْدُدْ) ، لِأَن الدَّال الثَّانِيَة تلزمها الْحَرَكَة على مَا ذكرت لَك وَكَذَلِكَ تَقول: الْقَيْن زيدا، وَهل تغزون / عمرا، وارمين خَالِدا، فتلزم الْفِعْلَيْنِ مَا يلْزم سَائِر الْأَفْعَال
стр. 656
(هَذَا بَاب (أما) و (إِمَّا))
أما الْمَفْتُوحَة فَإِن فِيهَا معنى المجازاة وَذَلِكَ قَوْلك: أما زيد فَلهُ دِرْهَم، وَأما زيد فأعطه درهما فالتقدير: مهما يكن من شئ فأعط زيدا درهما، فلزمت الْفَاء الْجَواب، لما فِيهِ من معنى الْجَزَاء وَهُوَ كَلَام مَعْنَاهُ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير أَلا ترى أَنَّك تَقول: أما زيدا فَاضْرب، فَإِن قدمت الْفِعْل لم يجز، لِأَن (أما) فى معنى: مهما يكن من شئ، فَهَذَا لَا يتَّصل بِهِ فعل، وَإِنَّمَا حد الْفِعْل أَن يكون بعد الْفَاء وَلَكِنَّك تقدم الِاسْم، ليسد مسد الْمَحْذُوف الذى هَذَا مَعْنَاهُ، وَيعْمل فِيهِ مَا بعده وَجُمْلَة هَذَا الْبَاب: أَن الْكَلَام بعد (أما) على حَالَته قبل أَن تدخل إِلَّا أَنه لَا بدمن الْفَاء، لِأَنَّهَا جَوَاب الْجَزَاء، أَلا ترَاهُ قَالَ ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم﴾ / كَقَوْلِك: ثَمُود هديناهم وَمن رأى أَن يَقُول: زيدا ضَربته نصب بِهَذَا فَقَالَ: أما زيدا فَاضْرِبْهُ وَقَالَ: ﴿فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر﴾ فعلى هَذَا فقس هَذَا الْبَاب
стр. 657
وَأما (إِمَّا) الْمَكْسُورَة فَإِنَّهَا تكون فى مَوضِع (أَو) ، وَذَلِكَ قَوْلك: ضربت إِمَّا زيدا، وَإِمَّا عمرا، لِأَن الْمَعْنى: ضربت زيدا وعمرا، وَقَالَ الله : ﴿إِمَّا الْعَذَاب وَإِمَّا السَّاعَة﴾ وَقَالَ: ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ فَإِذا ذكرت (إِمَّا) فَلَا بُد من تكريرها، وَإِذا ذكرت الْمَفْتُوحَة فَأَنت مُخَيّر: إِن شِئْت وقفت عَلَيْهَا إِذا تمّ خَبَرهَا تَقول: أما زيد فقائم، وَأما قَوْله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتغنَى فَأَنْتَ لهُ تَصدَّى وَمَا عَلْيكَ أَلَاّ يزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جاءَك يسْعى وهُو يخْشَى فَأَنْتَ عنْهُ تَلهَّى﴾ فَإِن الْكَلَام مستغن من قبل التكرير، وَلَو قلت: ضربت إِمَّا زيدا، وَسكت - لم يجز، لِأَن الْمَعْنى: هَذَا أَو هَذَا، أَلا ترى أَن مَا بعد (إِمَّا) لَا يكون كلَاما مستغنيا وَزعم الْخَلِيل أَن الْفَصْل بَين (إِمَّا) / و (أَو) أَنَّك إِذا قلت: ضربت زيدا أَو عمرا فقد مضى صدر كلامك وَأَنت مُتَيَقن عِنْد السَّامع، ثمَّ حدث الشَّك بِأَو فَإِذا قلت: ضربت إِمَّا زيدا فقد بنيت كلامك على الشَّك، وَزعم أَن (إِمَّا) هَذِه إِنَّمَا هى (إِن) ضمت إِلَيْهَا (مَا) لهَذَا الْمَعْنى، وَلَا يجوز حذف (مَا) مِنْهَا إِلَّا أَن يضْطَر إِلَى ذَلِك شَاعِر، فَإِن اضْطر جَازَ الْحَذف، لِأَن ضَرُورَة الشّعْر ترد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا، قَالَ:
(لقد كذبتك نَفسك فاكذبنها ... فَإِن جزعا وَإِن إِجْمَال صَبر)
стр. 658
فَهَذَا لَا يكون إِلَّا على إِمَّا فَأَما فى المجازاة إِذا قلت: إِن تأتينى آتِك، وَإِن تقم أقِم - فَإنَّك إِن شِئْت زِدْت (مَا) ، كَمَا تزيدها فى سَائِر حُرُوف الْجَزَاء؛ نَحْو: أَيْنَمَا تكن أكن، وَمَتى مَا تأتنى آتِك، لِأَنَّهَا: إِن تأتنى آتِك، وَمَتى تقم أقِم فَتَقول على هَذَا - إِن شِئْت -: إِمَّا تأتنى آتِك، وَإِمَّا تقم أقِم مَعَك وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فى بَاب الْجَزَاء
стр. 659
(هَذَا بَاب مذ، ومنذ)
أما (مذ) فَيَقَع الِاسْم بعْدهَا مَرْفُوعا على معنى، ومخفوضا على معنى فَإِذا رفعت فهى اسْم مُبْتَدأ وَمَا بعْدهَا خَبره، غير أَنَّهَا لَا تقع إِلَّا فى الِابْتِدَاء لقلَّة تمكنها وَأَنَّهَا لَا معنى لَهَا فى غَيره، وَذَلِكَ قَوْلك: لم آته مذ يَوْمَانِ، وَأَنا أعرفهُ ثَلَاثُونَ سنة، وكلمتك مذ خَمْسَة أَيَّام وَالْمعْنَى - إِذا قلت: لم آته مذ يَوْمَانِ -: أَنَّك قلت: لم أره؟ ثمَّ خبرت بالمقدار والحقيقة والغاية فكأنك قلت: مُدَّة ذَلِك يَوْمَانِ وَالتَّفْسِير: بينى وَبَين رُؤْيَته هَذَا الْمِقْدَار، فَكل مَوضِع يرفع فِيهِ مَا بعْدهَا فَهَذَا مَعْنَاهُ وَأما الْموضع الذى ينخفض مَا بعْدهَا فَأن تقع فى معنى (فى) وَنَحْوهَا؛ فَيكون حرف خفض وَذَلِكَ قَوْلك: أَنْت عندى مذ الْيَوْم، ومذ اللَّيْلَة، وَأَنا أَرَاك مذ الْيَوْم يَا فَتى، لِأَن الْمَعْنى فى الْيَوْم وفى اللَّيْلَة وَلَيْسَ الْمَعْنى أَن بينى وَبَين رؤيتك مَسَافَة، وَكَذَلِكَ: رَأَيْت زيدا مذ يَوْم الْجُمُعَة يمدحك، وَأَنا / أَرَاك مذ سنة تَتَكَلَّم فى حَاجَة زيد؛ لِأَنَّك تُرِيدُ أَنا فى حَال رؤيتك مذ سنة فَإِن أردْت: رَأَيْتُك مذ سنة، أى: غَايَة الْمسَافَة إِلَى هَذِه الرُّؤْيَة سنة - رفعت؛ لِأَنَّك قلت: رَأَيْتُك، ثمَّ قلت: بينى وَبَين ذَاك سنة، فَالْمَعْنى: أَنَّك رَأَيْته، ثمَّ غبرت سنة لَا ترَاهُ وَإِذا قَالَ: أَنا أَرَاك مذ سنة، فَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنَّك فى حَال رُؤْيَة لم تنقض وَأَن أَولهَا مذ سنة؛ فَلذَلِك قلت: أَرَاك؛ لِأَنَّك تخبر عَن حَال لم تَنْقَطِع فَهَذَا شَرط (مذ) وتفسيرها
стр. 660
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا بالى أَقُول: لم أرك مذ يَوْم الْجُمُعَة، وَقد رَآهُ يَوْم الْجُمُعَة؟ قيل: إِن النفى إِنَّمَا وَقع على مَا بعد الْجُمُعَة، وَالتَّقْدِير: لم أرك مذ وَقت رؤيتى لَك يَوْم الْجُمُعَة، فقد أثبت الرُّؤْيَة، وجعلتها الْحَد الذى مِنْهُ لم أره فَهَذَا تَفْسِيرهَا ومجرى مَا كَانَ هَذَا لَفظه، واتصل بِهِ مَعْنَاهُ فَأَما (مُنْذُ) فمعناها - جررت بهَا أَو رفعت - وَاحِد وبابها الْجَرّ؛ لِأَنَّهَا فى الْأَزْمِنَة لابتداء الْغَايَة بِمَنْزِلَة (من) فى سَائِر الْأَسْمَاء تَقول: لم أرك مُنْذُ يَوْم الْجُمُعَة، أى: هَذَا ابْتِدَاء الْغَايَة؛ كَمَا تَقول: من عبد الله إِلَى زيد، وَمن الْكُوفَة سرت فَإِن رفعت فعلى أَنَّك جعلت (مُنْذُ) اسْما، وَذَهَبت إِلَى أَنَّهَا (مذ) فى الْحَقِيقَة وَذَلِكَ قَلِيل؛ لِأَنَّهَا فى الْأَزْمِنَة بِمَنْزِلَة (من) فى الْأَيَّام فَأَما (مذ) فَدلَّ على أَنَّهَا اسْم: أَنَّهَا محذوفة من (مُنْذُ) الَّتِى هى اسْم؛ لِأَن الْحَذف لَا يكون فى الْحُرُوف؛ إِنَّمَا يكون فى الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال، نَحْو: يَد، وَدم، وَمَا أشبهه
стр. 661
(هَذَا بَاب التَّبْيِين والتمييز)
اعْلَم أَن التَّمْيِيز يعْمل فِيهِ الْفِعْل وَمَا يُشبههُ فى تَقْدِيره؛ وَمَعْنَاهُ فى الانتصاب وَاحِد وَإِن اخْتلف عوامله فَمَعْنَاه: أَن يأتى مَبْنِيا عَن نَوعه، وَذَلِكَ قَوْلك: عندى عشرُون درهما، وَثَلَاثُونَ ثوبا لما قلت: عندى عشرُون، وَثَلَاثُونَ - ذكرت عددا مُبْهما يَقع على كل مَعْدُود، فَلَمَّا قلت درهما عرفت الشئ الذى إِلَيْهِ قصدت بِأَن ذكرت وَاحِدًا مِنْهُ يدل على / سائره، وَلم يجز أَن تذكر جمعا؛ لِأَن الذى قبله قد تبين أَنه جمع، وَأَنه مِقْدَار مِنْهُ مَعْلُوم وَلم يجز أَن يكون الْوَاحِد الدَّال على النَّوْع معرفَة؛ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مَعْرُوفا كَانَ مَخْصُوصًا، وَإِذا كَانَ منكورا كَانَ شَائِعا فى نَوعه فَأَما النصب فَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ؛ لِأَن النُّون منعت الْإِضَافَة، كَمَا تمنعها إِذا قلت: هَؤُلَاءِ ضاربون زيدا وَلَوْلَا النُّون لأضفت فَقلت: هَؤُلَاءِ ضاربو زيد؛ كَمَا تَقول: هَذِه عشرو زيد، إِلَّا أَن الضاربين وَمَا أشبهه أَسمَاء مَأْخُوذَة من الْفِعْل تُضَاف كَمَا تُضَاف الْأَسْمَاء، فَإِذا منعت النُّون
стр. 662
الْإِضَافَة عملت هَذِه الْأَسْمَاء فِيمَا بعْدهَا بِمَا فِيهَا من معنى الْفِعْل وَكَانَ الْمَنْصُوب مَفْعُولا صَحِيحا؛ لِأَنَّهَا أَسمَاء الفاعلين فى الْحَقِيقَة وفيهَا كنايتهم فَإِذا قلت: عشرُون رجلا فَإِنَّمَا انتصب بإدخالك النُّون مَا بعْدهَا تَشْبِيها بذلك؛ كَمَا أَن قَوْلك: إِن زيدا منطلق وَلَعَلَّ زيدا أَخُوك مشبه بِالْفِعْلِ فى اللَّفْظ، وَلَا يكون مِنْهُ (فعل) ، وَلَا (يفعل) وَلَا شئ من أَمْثِلَة الْفِعْل؛ وكما أَن (كَانَ) فى وزن الْفِعْل / وتصرفه، وَلَيْسَت فعلا على الْحَقِيقَة تَقول: ضرب زيدا عمرا، فتخبر بِأَن فعلا وصل من زيد إِلَى عَمْرو فَإِذا قلت: كَانَ زيد أَخَاك لم تخبر أَن زيدا أوصل إِلَى الْأَخ شَيْئا، وَلَكِن زعمت أَن زيدا أخوة فِيمَا خلا من الدَّهْر والتشبيه يكون للفظ، وللتصرف، وَالْمعْنَى فَأَما الْمَعْنى فتشبيهك (مَا) بليس و (لَيْسَ) فعل و (مَا) حرف، وَالْمعْنَى وَاحِد فَهَذَا سَبِيل كل مَا كَانَت النُّون فِيهِ عاملة من التَّبْيِين فَإِن قلت: هَل يجوز عندى عشرو رجل؟ فَإِن ذَلِك غير جَائِز؛ لِأَن الْإِضَافَة تكون على جِهَة الْملك إِذا قلت: عشرو زيد، فَلَو أدخلت التَّمْيِيز على هَذَا الْمُضَاف لالتبس على السَّامع قصدك إِلَى تَعْرِيف النَّوْع بتعرفك إِيَّاه صَاحب الْعشْرين، وَلم يكن إِلَى النصب سَبِيل؛ لِأَنَّهُ فى بَاب الْإِضَافَة كَقَوْلِك: ثوب زيد، وَدِرْهَم عبد الله والتبيين فى بَابه من النصب وَإِثْبَات النُّون؛ فَامْتنعَ من إِدْخَاله فى غير بَابه مَخَافَة اللّبْس وَمِمَّا ينصب قَوْلك: هَذَا أفضلهم رجلا، وأفره النَّاس عبدا / وَذَلِكَ أَنَّك كنت تَقول فى المصادر: أعجبنى ضرب زيد عمرا، فتضيف إِلَى زيد الْمصدر؛ لِأَنَّهُ فعله، فتشغل الْإِضَافَة بِالْفِعْلِ، فتنصب عمرا؛ لِأَنَّهُ مفعول وَلَوْلَا أَنَّك أضفت إِلَى زيد لَكَانَ (عَمْرو) مخفوضا بِوُقُوع الْمُضَاف عَلَيْهِ؛ كَمَا أَنَّك لَو لم تنون فى قَوْلك: ضاربون زيدا لحل (زيد) مَحل التَّنْوِين، وانخفض بِالْإِضَافَة
стр. 663
فَلَمَّا كَانَ عشرُون رجلا بِمَنْزِلَة ضاربين زيدا - كَانَ قَوْلك: لى مثله رجلا، وَأَنت أفرههم عبدا بِمَنْزِلَة: أعجبنى ضرب زيد عمرا، وشتمك خَالِدا وكما امْتنعت من أَن تَقول: عشرو دِرْهَم للفصل بَين التَّفْسِير وَالْملك إِذا قلت: عشرو زيد - امْتنعت فى قَوْلك: أَنْت أفرههم عبدا من الْإِضَافَة؛ لِأَنَّك إِذا قلت: أَنْت أفرههم عبدا فَإِنَّمَا عنيت مَالك العَبْد وَإِذا قلت: أَنْت أفره عبد فى النَّاس فَإِنَّمَا عنيت العَبْد نَفسه، إِلَّا انك إِذا قلت: أَنْت أفره العبيد فقد قَدمته عَلَيْهِم فى الْجُمْلَة وَإِذا قلت: أفره عبد فى النَّاس، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَنْت أفره من كل عبد إِذا أفردوا عبدا عبدا؛ كَمَا تَقول: هَذَا خير اثْنَيْنِ / فى النَّاس، إِذا كَانَ النَّاس اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَيجوز أَن تَقول - وَهُوَ حسن جدا -: أَنْت افره النَّاس عبيدا، وأجود النَّاس دورا، وَلَا يجوز عندى عشرُون دَرَاهِم يَا فَتى والفصل بَينهمَا: أَنَّك إِذا قلت: (عشرُون) ، فقد أتيت على الْعدَد، فَلم يحْتَج إِلَّا إِلَى ذكر مَا يدل على الْجِنْس، فَإِذا قلت: هُوَ أفره النَّاس عبدا - جَازَ أَن تعنى عبدا وَاحِدًا، فَمن ثمَّ حسن، واختير - إِذا أردْت الْجَمَاعَة - أَن تَقول: عبيدا قَالَ الله : ﴿قُلْ هلْ أُنَبَّئُكُم بِالأَخْسَرِين أَعْمالاً﴾ ، وَقد يجوز أَن تَقول: أفره النَّاس عبدا فتعنى جمَاعَة العبيد نَحْو التَّمْيِيز، وَالْجمع أبين إِذا كَانَ الأول غير مخطور الْعدَد
стр. 664
وَمن التَّمْيِيز ويحه رجلا، وَالله دره فَارِسًا، وحسبك بِهِ شجاعا، إِلَّا أَنه إِذا كَانَ فى الأول ذكر مِنْهُ حسن أَن تدخل (من) توكيدا لذَلِك الذّكر، فَتَقول: ويحه من رجل، وَللَّه دره من فَارس، وحسبك بِهِ من شُجَاع، وَلَا يجوز: عشرُون من / دِرْهَم، وَلَا هُوَ أفرههم من عبد؛ لِأَنَّهُ لم يذكرهُ فى الأول وَأَنا أرى قَوْله : ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ على هَذَا؛ كَمَا تَقول: من جاءنى من طَوِيل أَعْطيته، وَمن جاءنى من قصير منعته؛ لِأَنَّك قدمت ذكره بِقَوْلِك: (من)
стр. 665
وَاعْلَم أَن التَّبْيِين إِذا كَانَ الْعَامِل فِيهِ فعلا جَازَ تَقْدِيمه؛ لتصرف الْفِعْل، فَقلت: تفقأت شحما، وتصببت عرقا، فَإِن شِئْت قدمت، فَقلت: شحما تفقأت، وعرقا تصببت وَهَذَا لَا يُجِيزهُ سِيبَوَيْهٍ؛ لِأَنَّهُ يرَاهُ كَقَوْلِك: عشرُون درهما، وَهَذَا أفرههم عبدا، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَة ذَلِك؛ لِأَن (عشْرين درهما) إِنَّمَا عمل فِي الدِّرْهَم مَا لم يُؤْخَذ من الْفِعْل أَلا ترى أَنه يَقُول: هَذَا زيد قَائِما، وَلَا يُجِيز: قَائِما هَذَا زيد؛ لِأَن الْعَامِل غير فعل وَتقول: رَاكِبًا جَاءَ زيد؛ لِأَن الْعَامِل فعل؛ فَلذَلِك أجزنا تَقْدِيم التَّمْيِيز إِذا كَانَ الْعَامِل فعلا وَهَذَا رأى أبي عُثْمَان المازنى
стр. 666
وَقَالَ الشَّاعِر، فَقدم التَّمْيِيز لما كَانَ الْعَامِل فعلا:
(أتهجر ليلى للفراق حبيبها ... وَمَا كَانَ نفسا بالفراق تطيب)
وَاعْلَم أَن من التَّمْيِيز مَا يكون خفضا وَلَكِن يكون على معنى أذكرهُ لَك: وَذَلِكَ قَوْلك:
стр. 667
كل رجل جاءنى فَلهُ دِرْهَم، فَهَذَا شَائِع فى الرِّجَال وَلَكِن مَعْنَاهُ: كل الرِّجَال إِذا كَانُوا رجلا رجلا، كَقَوْلِك: كل اثْنَيْنِ أتيانى فَلَهُمَا دِرْهَمَانِ وَمن ذَلِك قَوْله: مائَة دِرْهَم، وَألف دِرْهَم وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ معنى عشْرين درهما، وَلَكِنَّك أضفت إِلَى الْمُمَيز؛ لِأَن التَّنْوِين غير لَازم، وَالنُّون فى عشْرين لَازِمَة؛ لِأَنَّهَا تثبت فى الْوَقْف، وَتثبت مَعَ الْألف وللام، وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فى بَاب الْعدَد فَأَما قَوْلك: زيد الْحسن وَجها، والكريم أَبَا - فَإِنَّهُ خَارج فى التَّقْدِير من بَاب الضَّارِب زيدا؛ لِأَنَّك تَقول: هُوَ الْحسن الْوَجْه يَا فَتى، وَإِن كَانَ الْخَفْض أحسن، وَكَذَلِكَ: هُوَ حسن الْوَجْه فَهَذَا لَا يكون فِيهِ إِلَّا النصب، لِأَن التَّنْوِين مَانع، وَقد ذكرنَا هَذَا فى بَابه؛ فَلذَلِك لم / نذْكر استقصاءه فى هَذَا الْموضع فَأَما قَوْلك: أَنْت أفره عبد فى النَّاس - فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَنْت أحد هَؤُلَاءِ الَّذين فضلتهم وَلَا يُضَاف (أفعل) إِلَى شئ إِلَّا وَهُوَ بعضه؛ كَقَوْلِك: الْخَلِيفَة أفضل بنى هَاشم وَلَو قلت: الْخَلِيفَة أفضل بنى تَمِيم كَانَ محالا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُم، وَكَذَلِكَ: هَذَا خير ثوب فى الثِّيَاب إِذا عنيت ثوبا، وَهَذَا خير مِنْك ثوبا إِذا عنيت رجلا، وَكَذَلِكَ تَقول: الْخَلِيفَة أفضل من بنى تَمِيم؛ لِأَن (من) دخلت للتفضيل، وأخرجتهم من الْإِضَافَة فَهَذَا وَجه ذَا وَلَو قلت: مَا أَنْت بِأَحْسَن وَجها منى، وَلَا أفره عبدا - كَانَ جيدا فَإِن قصدت قصد الْوَجْه بِعَيْنِه قلت: هَذَا أحسن وَجه رَأَيْته إِنَّمَا تعنى الْوُجُوه إِذا ميزت وَجها وَجها فعلى هَذِه الْأُصُول فقس مَا ورد عَلَيْك من هَذَا إِن شَاءَ الله
стр. 668
(هَذَا بَاب التَّثْنِيَة على استنقصاها صحيحها، ومعتلها)
أما مَا كَانَ صَحِيحا فَإنَّك إِذا أردْت تثنيته سلمت بناءه، وزدت ألفا ونونا فى الرّفْع، وياء ونونا فى الْخَفْض، وَدخل النصب على الْخَفْض؛ كَمَا ذكرت لَك فى أول الْكتاب؛ وَذَلِكَ قَوْلك فى الرّفْع: زَيْدَانَ، وَعمْرَان وجعفران، وعطشانان، وعنكبوتان فَإِن كَانَ الِاسْم ممدودا وَكَانَ منصرفا، وهمزته أَصْلِيَّة - فَهُوَ على هَذَا تَقول فى تَثْنِيَة قراء: قراءان، وفى تَثْنِيَة خطاء: خطاءان، وفى الْخَفْض وَالنّصب: خطاءين، وزيدين، وعمرين، وقراءين وَقد يكون قراوان على بعد، لعِلَّة أذكرها إِن شَاءَ الله وَإِن كَانَ ممدودا منصرفا وهمزته بدل من يَاء أَو وَاو، فَكَذَلِك تَقول: رداءان، وكساءان، وغطاءان وَالْقلب إِلَى الْوَاو فى هَذَا يجوز، وَلَيْسَ بجيد، وَهُوَ أحسن مِنْهُ فِيمَا كَانَت همزته أصلا، وَذَلِكَ قَوْلك: كساوان وغطاوان وَإِن كَانَ الْمَمْدُود إِنَّمَا مدَّته للتأنيث لم يكن فى التَّثْنِيَة إِلَّا بِالْوَاو، نَحْو قَوْلك: حمروان، وخنفساوان، وصحراوان، وَرَأَيْت خنفساوين، وصحراوين
стр. 669
وَإِن كَانَ الْمثنى مَقْصُورا فَكَانَ على ثَلَاثَة أحرف نظرت فى أَصله: فَإِن كَانَ من الْوَاو / أظهرت الْوَاو، وَإِن كَانَ من الْيَاء أظهرت الْيَاء، وَذَلِكَ قَوْلك فى تَثْنِيَة قفا: قفوان وعصا: عصوان، وَرَأَيْت قفوين، وعصوين وَأما مَا كَانَ من الْيَاء فقولك فى رحى: رحيان، وحصى: حصيان وَإِنَّمَا فعلت ذَلِك؛ لِأَن ألف التَّثْنِيَة تلْحق الْألف الَّتِى كَانَت فى مَوضِع اللَّام، وَكَذَلِكَ يَاء التَّثْنِيَة، وهما ساكنان، فَلَا يجوز أَن يلتقيا؛ فَلَا بُد من حذف أَو تَحْرِيك؛ فَلَو حذفت لذهبت اللَّام، فحركت، فَرددت كل حيّز إِلَى أَصله؛ كَمَا كنت فَاعِلا ذَلِك إِذا ثنيت الْفَاعِل فى الْفِعْل، وَذَلِكَ قَوْلك: غزا الرجل، ودعا، ثمَّ تَقول: غزوا، ودعوا؛ لِأَنَّك لَو حذفت لالتقاء الساكنيين لبقى الِاثْنَان على لفظ الْوَاحِد وَتقول: رمى، وَقضى، فَإِذا ثنيت قلت: رميا، وقضيا فَكَذَلِك هَذَا الْمَقْصُور فى التَّثْنِيَة فَإِن كَانَ الْمَقْصُور على أَرْبَعَة أحرف فَصَاعِدا كَانَت تثنيته بِالْيَاءِ من أى أصل كَانَ، وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وَكَذَلِكَ إِن كَانَت أَلفه زَائِدَة للتأنيث أَو للإلحاق نقُول: ملهيان، ومغزيان، وحباريان، وحبنطيان؛ كَمَا تَقول فى الْفِعْل: أغزيا، وغازيا، وراميا، واستغزيا، واستحييا، وَنَحْوه؛ فعلى هَذَا مجْرى جَمِيع الْمَقْصُور وَاعْلَم أَن التَّثْنِيَة لَا تخطئ الْوَاحِد فَإِذا قيل لَك: ثنه - وَجب عَلَيْك أَن تأتى بِالْوَاحِدِ، ثمَّ تزيد فى الرّفْع ألفا ونونا، وفى الْخَفْض وَالنّصب يَاء ونونا فَأَما قَوْلهم: جَاءَ ينفض مذرويه؛ فَإِنَّمَا ظَهرت فِيهِ الْوَاو؛ لِأَنَّهُ لَا يفرد لَهُ وَاحِد وَكَذَلِكَ: عقلته بثنايين وَلَو كَانَ يفرد لَهُ وَاحِد لَكَانَ: عقلته بثنائين؛ لِأَن الْوَاحِد ثَنَاء فَاعْلَم، وَكنت تَقول: مذريان؛ كَمَا تَقول: ملهيان، وَلكنه بِمَنْزِلَة قَوْلك: الشقاوة، والعباية بنيت على هَذَا التَّأْنِيث، وَصَارَت الْهَاء حرف الْإِعْرَاب، فظهرت الْوَاو وَالْيَاء
стр. 670
وَلَو بنيته على التَّذْكِير لم يكن إِلَّا صلاءة، وعباءة؛ كَمَا تَقول: امْرَأَة غزاءة؛ لِأَنَّك جِئْت إِلَى غزاء / - وَقد انقلبت الْوَاو فِيهِ همزَة - فأنثته على تذكيره، وَلَو كنت بنيته على التَّأْنِيث لكَانَتْ الْهَاء مظهرة للياء وللواو قبلهَا فَأَما قَوْلهم: (خصيان فَإِنَّمَا بنوه على قَوْلهم: خصى فَاعْلَم، وَمن ثنى على قَوْلهم: خصية لم يقل إِلَّا: خصيتان وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ: ألية وألى فى معنى فَمن قَالَ: ألية قَالَ: أليتان، وَمن قَالَ: ألى قَالَ: أليان قَالَ الراجز:
(تَرتج ألياه ارتجاج الوطب ... )
следующие страницы →