Полный текст (1 443 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
إِلَّا بِالْألف وَاللَّام أومن كَذَا فَلَمَّا سقط (من كَذَا) سقط مَا يُعَاقِبهُ، فَلم يصرف قَالَ الله عز ذكره (وَأخر متشابهات) فَلم يصرف وَقَالَ: (فَعدَّة من أَيَّام أخر) ، فَلم يصرف فهذان دليلان بينان مَعَ الْمَعْنى الذى يجمعه وَاعْلَم أَن (أفعل) إِذا أردْت أَن تضعه مَوضِع الْفَاعِل فمطرد فَمن ذَلِك قَوْله:
(قبحتم يَا آل زيد نَفرا ... ألام قوم أصغرا وأكبرا)
يُرِيد: صَغِيرا وكبيرا فَهَذَا سَبِيل هَذَا الْبَاب
стр. 877
(هَذَا بَاب مسَائِل (أفعل) مستقصاة بعد مَا ذكرنَا من أُصُوله)
تَقول: مَرَرْت بِرَجُل خير مِنْك أَبوهُ، وجاءنى رجل خير مِنْك أَخُوهُ، وَرَأَيْت رجلا أفضل مِنْك أَخُوهُ يخْتَار فى هَذَا الرّفْع والانقطاع منا الأول؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ اسْم الْفَاعِل الذى يجرى على الْفِعْل؛ نَحْو: فَاعل وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا هُوَ اسْم الْفَاعِل، نَحْو: مَرَرْت بِرَجُل حسن أَبوهُ؛ لِأَنَّهُ اسْم من حسن يحسن، ومررت بِرَجُل كريم أَبوهُ / لِأَنَّهُ من كرم كضارب من ضرب و (أفضل) فِيهِ معنى الْفِعْل، فَإِن أجريته على الأول فبذلك الْمَعْنى، كَأَنَّك قلت: يفضله أَبوهُ وَإِن لم تجره فَلَمَّا ذكرت لَك، وَهُوَ الْبَاب فَإِن جرى على الأول أتبعته؛ لِأَنَّهُ نعت لَهُ خَاصَّة، وَذَلِكَ قَوْلك: مَرَرْت بِرَجُل خير مِنْك، ومررت بدرهم سَوَاء يَا فَتى، ومررت بِرَجُل سَوَاء درهمه فَإِن قلت: بِرَجُل سَوَاء هُوَ والعدم خفضت؛ لِأَن (سَوَاء) لَهُ خَاصَّة فعلى هَذَا يجرى هَذَا الْبَاب ثمَّ نذْكر الْمسَائِل، ونقول: مَا رَأَيْت رجلا أحسن عِنْده زيد من عَمْرو فجريت (أحسن) على الأول خلافًا لما ذكرت أَنه الْمُخْتَار، وَلم يجز هَاهُنَا غَيره؛ وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: مَا رَأَيْت رجلا أحسن فى عينه الْكحل مِنْهُ فى عين زيد، فَأَرَدْت أَن ترفع (أحسن) كنت قد أضمرت قبل الذّكر، وَذَلِكَ لِأَن الْهَاء فى قَوْلك (مِنْهُ) إِنَّمَا هى الْكحل وَلَو قلت: مَا رَأَيْت رجلا أحسن فى عينه الْكحل مِنْهُ فى عين زيد - كنت قد فصلت
стр. 878
بَين الْكحل وَمَا هُوَ لَهُ بِمَا لَيْسَ من الْكَلَام، وَوَضَعته فى / غير مَوْضِعه، فَإِن أخرت الْكحل، فَقلت: مَا رَأَيْت رجلا أحسن فى عينه مِنْهُ فى عين زيد الْكحل وَأَنت تقدر أَن (أحسن) هُوَ الِابْتِدَاء - كَانَ خطأ لما قدمت من ضمير الْكحل قبل ذكره
стр. 879
وَإِن قدرت أَن يكون (الْكحل) هُوَ الِابْتِدَاء فجيد بَالغ، وتأخيره كتقديمه فكأنك قلت مَا رَأَيْت رجلا الْكحل فى عينه أحسن مِنْهُ فى عين زيد وَكَذَلِكَ لَو قلت: مَا من أَيَّام أحب إِلَى الله فِيهَا الصَّوْم مِنْهُ فى عشر ذى الْحجَّة [كَانَ هُوَ الْوَجْه إِلَّا أَن تقدم فَتَقول: مَا من أَيَّام الصَّوْم أحب إِلَى الله فِيهَا مِنْهُ فى عشر ذى الْحجَّة] أَو تُؤخر الصَّوْم، وَمَعْنَاهُ التَّقْدِيم، فَيكون كتأخيرك الْكحل فى الْمَسْأَلَة الأولى وَتقول: زيد أفضل مِنْهُ عبد الله، وَرَأَيْت زيدا أفضل مِنْهُ عبد الله أردْت: رَأَيْت زيدا عبد الله أفضل مِنْهُ، فتجعله ابْتِدَاء وخبرا فى مَوضِع الْمَفْعُول الثانى وَأما قَوْلهم: مَرَرْت بِرَجُل أَخبث مَا يكون أَخبث مِنْك أَخبث مَا تكون، ومررت بِرَجُل خير مَا يكون خير مِنْك خير مَا تكون فَهَذَا على إِضْمَار إِذْ كَانَ، وَإِذا كَانَ، وَاحْتمل / الضَّمِير؛ لِأَن الْمَعْنى يدل عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير: مَرَرْت بِرَجُل خير مِنْك إِذا كَانَ خير مَا يكون إِذا كنت خير مَا تكون
стр. 880
وَمثل هَذَا قَوْلك: هَذَا بسرا أطيب مِنْهُ تَمرا فَإِن أَوْمَأت إِلَيْهِ وَهُوَ بسر، تُرِيدُ: هَذَا إِذْ صَار بسرا أطيب مِنْهُ إِذا صَار تَمرا، وَإِن أَوْمَأت إِلَيْهِ وَهُوَ تمر قلت: هَذَا بسرا أطيب مِنْهُ تَمرا، أى هَذَا إِذْ كَانَ بسرا أطيب مِنْهُ إِذْ صَار تَمرا، فَإِنَّمَا على هَذَا يُوَجه؛ لِأَن الِانْتِقَال فِيهِ مَوْجُود فَإِن أَوْمَأت إِلَى عِنَب قلت: هَذَا عِنَب أطيب مِنْهُ بسر، وَلم يجز إِلَّا الرّفْع؛ لِأَنَّهُ لَا ينْتَقل فَتَقول: هَذَا عِنَب أطيب مِنْهُ بسر، تُرِيدُ: هَذَا عِنَب الْبُسْر أطيب مِنْهُ فَأَما هَذَا الْبَيْت فينشد على ضروب:
(الْحَرْب أول مَا تكون فنية ... تسْعَى بزينتها لكل جهول)
стр. 881
مِنْهُم من ينشد: الْحَرْب أول مَا تكون فتية يَجْعَل (أول) ابْتِدَاء ثَانِيًا، وَيجْعَل الْحَال يسد مسد الْخَبَر وَهُوَ فتية / فَيكون هَذَا كَقَوْلِك: الْأَمِير أَخطب مَا يكون قَائِما، وَقد بَينا نصب هَذَا فى قَول سِيبَوَيْهٍ، ودللنا على مَوضِع الْغَلَط فى مذاهبهم وَمَا كَانَ الْأَخْفَش يخْتَار، وَهُوَ الذى لَا يجوز غَيره فَأَما تصييره (فتية) حَالا لأوّل، أول مُذَكّر، وفتية مُؤَنّثَة - فَلِأَن الْمَعْنى مُشْتَمل عَلَيْهَا فَخرج هَذَا مخرج قَول الله : ﴿وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُون إِلَيْك﴾ ؛ لِأَن (مَنْ) وَإِن كَانَ موحد اللَّفْظ فَإِن مَعْنَاهُ هَاهُنَا الْجمع، وَكَذَلِكَ: ﴿فَمَا مِنْكُم من أحد عَنهُ حاجزين﴾
стр. 882
وَهَذَا كثير جدا وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(تعش فَإِن عاهدتنى لَا تخوننى ... نَكُنْ مثل من يَا ذِئْب يصطحبان)
أَرَادَ مثل اثْنَيْنِ وَمثل اللَّذين وَقَرَأَ الْقُرَّاء: ﴿وَمَنْ تَقنُتْ مِنْكنَّ لله وَرَسُولِه وَتَعْمَل صَالِحاً﴾ وَأما أَبُو عَمْرو فَقَرَأَ: ﴿وَمن يقنت مِنْكُن لله وَرَسُوله وتعمل صَالحا﴾ ، فَحمل مَا يلى على اللَّفْظ، وَمَا تبَاعد مِنْهَا على الْمَعْنى، وَنَظِير قَوْله : ﴿بلَى من أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه﴾ فَهَذَا على لفظ (مَنْ) ، ثمَّ قَالَ: / ﴿وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ على الْمَعْنى وَهَذَا كثير جدا وَمِنْهُم من ينشد: الْحَرْب أول مَا تكون فتية - يُرِيد: الْحَرْب فتية فى هَذَا الْوَقْت وَمِنْهُم من ينشد: الْحَرْب أول مَا تكون فتية على غير هَذَا التَّفْسِير الأول وَلَكِن على قَوْله: أول مَا تكون تسْعَى يزينتها فتية، فَقدم الْحَال وَمِنْهُم من ينشد: الْحَرْب أول مَا تكون فتية أَرَادَ: الْحَرْب فتية وهى أول مَا تكون وَمِنْهُم من ينشد: الْحَرْب أول مَا تكون فتية فخبر أَنَّهَا أول شئ فى هَذِه الْحَال فَهَذِهِ الْوُجُوه تدل على مَا بعْدهَا وَلَو قَالَ قَائِل: مَعْنَاهُ: أَنَّهَا أول مَا تكون إِذا كَانَت فتية، على قِيَاس: هَذَا بسرا أطيب مِنْهُ تَمرا - كَانَ مجيدا فَأَما قَوْلهم: الْبر أرخص مَا يكون قَفِيزا بدرهم، وَالزَّيْت أرخص مَا يكون منوين دِرْهَم فعلى هَذَا
стр. 883
وَقَوْلهمْ: أرخص مَا يكون الْبر بستين، تَأْوِيله: الكربستين وَلَكنهُمْ حذفوا (الْكر) لعلمهم بِأَن التسعير عَلَيْهِ يَقع فَكل مَا كَانَ مَعْلُوما فى القَوْل جَارِيا عِنْد النَّاس فَحَذفهُ جَازَ / لعلم الْمُخَاطب فعلى هَذَا فَأَجره
стр. 884
(هَذَا بَاب من التسعير)
تَقول: أخذت هَذَا بدرهم فَصَاعِدا، وأخذته بِدِرْهَمَيْنِ فزائدا لم ترد: أَنَّك أَخَذته بدرهم وبصاعد، فَجَعَلتهمَا ثمنا، وَلَكِن التَّقْدِير: أَنَّك أَخَذته بدرهم، ثمَّ زِدْت صاعدا؛ فَمن ثمَّ دخلت الْفَاء، وَلَو أدخلت (ثمَّ) لَكَانَ جَائِزا؛ نَحْو: أَخَذته بدرهم ثمَّ صاعدا، وَلَكِن الْفَاء أَجود، لِأَن مَعْنَاهُ الِاتِّصَال، وَشَرحه على الْحَقِيقَة: أَخَذته بدرهم فَزَاد الثّمن صاعدا
стр. 885
وَمن ذَلِك قَوْلك: بِعْت الشَّاء شَاة ودرهما إِنَّمَا تَأْوِيله على الْحَقِيقَة: بِعْت الشَّاء مسعرا شَاة بدرهم فَإِن قلت: لَك الشَّاء شَاة ودرها - كنت بِالْخِيَارِ: إِن شِئْت رفعت؛ لِأَن لَك ظرف فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك: عبد الله فى الدَّار قَائِم، وَقَائِمًا إِن قلت: (قَائِم) فَإِنَّمَا خبرت عَن قِيَامه وَإِن قلت (قَائِما) فَإِنَّمَا خبرت عَن كَونه فى هَذَا الْمحل، فاستغنى الْكَلَام بِهِ وَمن قَالَ: فى الدَّار عبد الله - وَهُوَ يُرِيد أَن يرفع الْقَائِم -، فَلَيْسَ بِكَلَام تَامّ؛ لِأَنَّهُ لم يَأْتِ بِخَبَر وَإِنَّمَا (قَائِم) هُوَ الْخَبَر، ف (فى الدَّار) ظرف للقائم لَا لزيد
стр. 886
وَإِذا كَانَ (فى الدَّار) خَبرا فَهُوَ لزيد لَا لقائم وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وَتَقْدِير قَوْلك: الشَّاء شَاة ودرهما: وَجب لَك الشَّاء مسعرا شَاة بدرهم؛ كَمَا أَنه إِذا قَالَ: زيد فى الدَّار قَائِما - فَمَعْنَاه: اسْتَقر زيد فى الدَّار قَائِما، وَإِذا قَالَ: لَك الشَّاء شَاة وَدِرْهَم فَإِنَّمَا الْمَعْنى: الشَّاء شَاة بدرهم، ثمَّ خبر أَنه بِهَذَا السّعر، فعلى هَذَا يجرى هَذَا الْبَاب
стр. 887
(هَذَا بَاب مَا يَقع فى التسعير من أَسمَاء الْجَوَاهِر الَّتِى لَا تكون نعوتا)
تَقول: مَرَرْت ببر قفيز بدرهم؛ لِأَنَّك لَو قلت: مَرَرْت ببر قفيز كنت ناعتا بالجوهر وَهَذَا لَا يكون؛ لِأَن النعوت تحلية، والجواهر هى المنعوتات وَتقول: الْعجب من بر مَرَرْنَا بِهِ قَفِيزا بدرهم فَإِن قلت: فَكيف أجعله حَالا للمعرفة، وَلَا أجعله / صفة للنكرة؟ فَإِن فَإِن سِيبَوَيْهٍ اعتل فى ذَلِك بِأَن النَّعْت تحلية وَأَن الْحَال مفعول فِيهَا، وَهَذَا على مذْهبه صَحِيح بَين الصِّحَّة وَشَرحه وَإِن لم يذكرهُ سِيبَوَيْهٍ: إِنَّمَا هُوَ مَوْضُوع فى مَوضِع قَوْلك: مسعرا فالتقدير: لعجب من بر مَرَرْنَا بِهِ مسعرا على هَذِه الْحَال وَإِذا قَالَ: مَرَرْت ببر قفير بدرهم فتأويله: قفيز مِنْهُ بدرهم، وَلَوْلَا ذَلِك لم يجز أَن يتَّصل بِالْأولِ وَيكون فى مَوضِع نَعته وَلَا رَاجع إِلَيْهِ مِنْهُ وَإِنَّمَا هَذَا كَقَوْلِك: مَرَرْت بِرَجُل غُلَام لَهُ قَائِم
стр. 888
وَقد أجَاز قوم كثير أَن ينعَت بِهِ فَيُقَال: هَذَا راقود خل، وَهَذَا خَاتم حَدِيد وسنشرح مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، ونبين فَسَاده على النَّعْت، وجوازه فى الإتباع لما قبله إِن شَاءَ الله وَيُقَال للذى أجَاز هَذَا على النَّعْت: إِن كنت سمعته من الْعَرَب مَرْفُوعا فَإِن رَفعه غير مَدْفُوع، وتأويله: الْبَدَل؛ لِأَن مَعْنَاهُ: خَاتم حَدِيد، وَخَاتم من حَدِيد فَيكون رَفعه على الْبَدَل / والإيضاح فَأَما ادعاؤك أَنه نعت، وَقد ذكرت أَن النَّعْت إِنَّمَا هُوَ تحلية، فقد نقضت مَا أَعْطَيْت، وَالْعلَّة أَنْت ذكرتها، وَإِنَّمَا حق هَذَا أَن تَقول: راقود خل، أَو راقود خلا عل التَّبْيِين فَهَذَا حق هَذَا فَإِن اعتل بقوله: مَرَرْت بِرَجُل فضَّة خَاتمه، ومررت بِرَجُل أَسد أَبوهُ، على قبحه فِيمَا ذكره وَبعده - فَإِن هَذَا فى قَوْلك: فضَّة خَاتمه غير جَائِز، إِلَّا أَن يُرِيد: شَبيه بِالْفِضَّةِ، وَيكون الْخَاتم غير فضَّة فَهَذَا مَا ذكرت لَك أَن النَّعْت تحلية وعَلى هَذَا: مَرَرْت بِرَجُل أَسد أَبوهُ؛ لِأَنَّهُ وَضعه فى مَوضِع شَدِيد أَبوهُ أَلا ترى أَن سِيبَوَيْهٍ لم يجز: مَرَرْت بدابه أَسد أَبوهَا إِذا أَرَادَ السَّبع بِعَيْنِه، فَإِذا أَرَادَ الشدَّة جَازَ عل مَا وصفت،
стр. 889
وَلَيْسَ كجواز: مَرَرْت بِرَجُل قَائِم أَبوهُ، لِأَن لهَذَا اللَّفْظ وَالْمعْنَى، وَذَاكَ مَحْمُول على مَعْنَاهُ فَحق الْجَوَاهِر أَن تكون منعوته؛ ليعرف بَعْضهَا من بعض وَحقّ الْأَسْمَاء الْمَأْخُوذَة من الْأَفْعَال أَن تكون / نعوتا لما وصفت لَك فَإِن قلت: مَرَرْت ببر قفيز بدرهم - جَازَ على الْبَدَل، ويجيزه على النَّعْت من عبنا قَوْله، وأوضحنا فَسَاده فَإِن قيل: مَعْنَاهُ مسعر - فَحق هَذَا النصب؛ لِأَن التسعير يعْمل فِيهِ فعلى هَذَا فأجر هَذَا الْبَاب فَأَما قَوْلهم: هَذَا خَاتم حديدا على الْحَال فتأويله: أَنَّك نبهت لَهُ فى هَذِه الْحَال فَإِن قلت: الْحَال بَابهَا الِانْتِقَال؛ نَحْو: مَرَرْت بزيد قَائِما قيل: الْحَال على ضَرْبَيْنِ: فأحدهما: التنقل، وَالْآخر: الْحَال اللَّازِمَة وَإِنَّمَا هى مفعول فاللزوم يَقع لما فى اسْمهَا، لَا لما عمل فِيهَا فَمن اللَّازِم قَوْله : ﴿فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِي النَّار خَالِدين فِيهَا﴾ فالخلود مَعْنَاهُ: الْبَقَاء وَكَذَلِكَ: ﴿وَأَمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فَهَذَا الِاسْم لَا لما عمل فِيهِ
стр. 890
(هَذَا بَاب مَا يجوز لَك فِيهِ النَّعْت وَالْحَال وَلَا يكون مجازهما وَاحِدًا، وَلما تحمل كل وَاحِد مِنْهُمَا عَلَيْهِ)
/ وَذَلِكَ قَوْلك: مَرَرْت بِامْرَأَة مَعهَا رجل قامة يَا فَتى، إِذا حملت ذَلِك على مَرَرْت بِامْرَأَة، وَإِن حَملته على الْهَاء فى (مَعهَا) قلت: رجل قَائِمَة وَالْمعْنَى - إِذا نصبت -: أَنَّك مَرَرْت بِهِ مَعهَا فى حَال قِيَامهَا، فَكَانَت الْمُقَارنَة فى هَذِه الْحَال وَمن ذَلِك: هَذِه دَابَّة تشتد مكسورا سرجها إِن حَملته على الضَّمِير فى تشتد، وَإِن حَملته على دَابَّة رفعت، فَيكون نعتا كَأَنَّك قلت: هَذِه دابه مكسور سرجها، وفى الْبَاب الاخر أَنَّهَا تشتد فى هَذِه الْحَال وَتقول: نَحن قوم ننطلق عَامِدين بلد كَذَا، وَكَذَا فتنصب (عَامِدين) لما فى قَوْلك (ننطلق) فَإِن أردْت أَن تجربه على قوم رفعت وَقد قرأوا هَذِه الْآيَة ﴿ويُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً﴾ ، أى يخرج لَهُ طَائِره كتابا وَمن هَذَا الْبَاب: مَرَرْت بِرَجُل مَعَه صقر صائد بِهِ، وصائدا بِهِ
стр. 891
فَإِن قلت: مَرَرْت بِرَجُل مَعَه امْرَأَة ضاربته كَانَ جيدا، وأجود مِنْهُ أَن تَقول: مَرَرْت بِرَجُل مَعَه امْرَأَة ضاربته ضاربها هُوَ لَا يكون إِلَّا كَذَلِك؛ لِأَنَّك أجريت النَّعْت عَلَيْهَا، وَالْفِعْل لَهُ وَكَذَلِكَ لَو قلت: مَرَرْت بِرَجُل مَعَه امْرَأَة ضاربته هى لم يكن من إِظْهَار الْفَاعِل بُد؟ لِأَنَّهُ الْفِعْل جرى على غير من هُوَ لَهُ وَإِنَّمَا يكون هَذَا الْإِظْهَار فى اسْم الْفَاعِل؛ لِأَنَّهُ تبين فِيهِ الاضمار الْإِضْمَار، وَأَنه مَحْمُول على الْفِعْل فَإِن كَانَ فعلا لم تحتج فِيهِ إِلَى إِظْهَار تَقول: مَرَرْت يرجل مَعَه امْرأ يضْربهَا وَمَعَهُ امْرَأَة تضربه وَكَذَلِكَ تَقول: زيد هِنْد ضاربته؛ لِأَن الْفِعْل لَهَا فَإِن قلت: زيد هِنْد ضاربها - قلت (هُوَ) ، ويجرى على وَجْهَيْن: إِن شِئْت جعلت زيدا ابْتِدَاء، و (هندا) ابْتِدَاء ثَانِيًا، و (ضاربها) خبر عنن هِنْد، وَالْهَاء والراجعة إِلَيْهَا، و (هُوَ) إِظْهَار فَاعل، ورجوعه إِلَى زيد
стр. 892
وَإِن شِئْت جعلت قَوْلك (ضاربها) ابْتِدَاء ثَالِثا، وَجعلت / هُوَ خَبره، وجعلتهما خَبرا عَن هِنْد، وَجعلت هندا وَمَا بعْدهَا خَبرا عَن زيد وَتقول: مَرَرْت بزيد وَهِنْد الضاربته، أى وَهِنْد الَّتِى تضربه، فموضعها مَوضِع الْحَال بِمَنْزِلَة قَوْلك: كلمت زيدا، وَعَمْرو عِنْده فتقدير الْوَاو: تَقْدِير (إِذْ) ؛ كَمَا قَالَ الله : ﴿يغشى طَائِفَة مِنْكُم وَطَائِفَة قد أهمتهم أنفسهم﴾ أى: إِذْ طَائِفَة فى هَذِه الْحَال وَتقول: أَنْت زيد ضاربه أَنْت؛ لِأَنَّك ابتدأت (أَنْت) ، وَجعلت زيدا مُبْتَدأ بعده، وضاربة لَك، فَكَانَ مُبْتَدأ ثَالِثا، وَأَنت خَبره، وَإِن شِئْت كَانَ خَبرا عَن زيد، وَأَنت فَاعله وَلَو أدخلت على هَذَا (كَانَ) لم تغيره عَن لَفظه، إِلَّا أَنَّك تجْعَل (زيدا) مَرْفُوعا بكان وَلَو أدخلت عَلَيْهِ (ظَنَنْت) أَو (إِن) لنصبت زيدا، وَتركت سَائِر الْكَلَام على حَاله؛ لِأَنَّهُ قد عمل بعضه فى بعض فَصَارَ كَقَوْلِك: كَانَ زيد أَبوهُ منطلق، وَإِن زيدا أَبوهُ منطلق وَأعلم أَنَّك إِذا قلت: كَانَ زيد أَبوهُ منطلق / أَن أَبَاهُ ومنطلقا فى مَوضِع نصب، والجمل لَا يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا، وَكَذَلِكَ: كَانَ زيد يقوم يَا فَتى؛ لِأَنَّهُ فعل وفاعل، فَهُوَ كالابتداء وَالْخَبَر، فَهَذَا مِمَّا يُؤَكد عنْدك أَن عوامل الْأَسْمَاء لَا تعْمل فى الْأَفْعَال وَلَا يجوز أَن تدخل بَين الشئ وَمَا يعْمل فِيهِ شَيْئا مِمَّا لَا يعْمل فِيهِ، نَحْو: أَنْت زيد ضاربه إِذا جعلت (ضاربه) جَارِيا على زيد، والمسائل كَثِيرَة، وَالْأَصْل مَا وفقتك عَلَيْهِ [فقس] تصب إِن شَاءَ الله
стр. 893
(هَذَا بَاب المصادر الَّتِى تشركها أَسمَاء الفاعلين، وَلَا تكون وَاقعَة هَذَا الْموقع إِلَّا وَمَعَهَا دَلِيل من مُشَاهدَة، فهى مَنْصُوبَة على ذَلِك، خَبرا كَانَت أَو استفهاما)
وَذَلِكَ قَوْلك: أقائما يَا فلَان وَقد قعد النَّاس، وَذَلِكَ أَنه رَآهُ فى حَال قيام، فوبخه بذلك فالتقدير: أتثبت قَائِما وَقد قعد النَّاس، وَلَيْسَ يخبر عَن قيام منقض، وَلَا عَن قيام تستأنفه وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: أقياما وَقد قعد النَّاس، وأجلوسا وَالنَّاس يَسِيرُونَ، وَمثله: أتخلفا عَن زيد مَعَ بره بك وفضله وَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر:
(أطربا وَأَنت قنسرى ... )
إِنَّمَا رأى نَفسه فى حَال طرب / مَعَ سنه، فوبخها بذلك وَلَو لم تستفهم لَقلت مُنْكرا: قَاعِدا علم الله - وَقد سَار النَّاس، قَائِما كَمَا يرى وَالنَّاس قعُود فَهَذَا لَا يكون إِلَّا لما تشاهد من الْحَال؛ فَلذَلِك اسْتَغْنَيْت عَن ذكر الْفِعْل وَاعْلَم أَن الْأَسْمَاء الَّتِى لم تُؤْخَذ من الْأَفْعَال تجرى هَذَا المجرى وَذَلِكَ أَن ترى الرجل فى حَال تلون وتنقل، فَتَقول: أتميميا مرّة، وقيسيا أُخْرَى، تُرِيدُ: أتتحول وتتلون، وأغناه عَن ذكر الْفِعْل مَا شَاهد من الْحَال
стр. 894
وَكَذَلِكَ إِن لم تستفهم قلت: تميميا مرّة - علم الله - وقيسيا أُخْرَى وَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر:
(أفى السّلم أعيارا جفَاء وغلظة ... وفى الْحَرْب أشباه النِّسَاء العوارك)
وَقَالَ الآخر:
(أفى الولائم أَوْلَادًا لوَاحِد ... وفى العيادة أَوْلَادًا العلات)
стр. 895
(هَذَا بَاب مَا وَقع من المصادر توكيدا)
وَذَلِكَ قَوْلك: هَذَا زيد حَقًا؛ لِأَنَّك لما قلت: هَذَا زيد فخبرت - إِنَّمَا / خبرت بِمَا هُوَ عنْدك حق، فاستغنيت عَن قَوْلك: أَحَق ذَاك، وَكَذَلِكَ هَذَا زيد الْحق لَا الْبَاطِل؛ لِأَن مَا قبله صَار بَدَلا من الْفِعْل وَلَو قلت: هَذَا زيد الْحق - لَكَانَ رَفعه على وَجْهَيْن، وَلَيْسَ على ذَلِك الْمَعْنى، وَلَكِن على أَن تجْعَل (زيدا) هُوَ الْحق، وعَلى أَنَّك قلت: هَذَا زيد، ثمَّ قلت: الْحق، تُرِيدُ: قولي هُوَ الْحق، لِأَن (هَذَا زيد) إِنَّمَا هُوَ (قَوْلك) وَقد قرئَ هَذَا الْحَرْف على وَجْهَيْن، وَهُوَ قَوْله : ﴿ذَلِك عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقَّ﴾ ، و (قولُ الحَقَّ) وَتقول: هَذَا القَوْل لَا قَوْلك، أى: وَلَا أَقُول قَوْلك فَتَأْوِيل هَذَا: أَن قَوْلك بِمَنْزِلَة هَذَا القَوْل حَقًا، وَهَذَا القَوْل غير قيل بَاطِل؛ لِأَنَّهُ توكيد للْأولِ
стр. 896
وَلَو قلت: هَذَا القَوْل لَا قولا لم يكن لهَذَا الْكَلَام معنى؛ لِأَنَّك إِنَّمَا تؤكد الأول بشئ تحقه، فَإِذا قلت: غير قيل بَاطِل، فقد أوجبت أَنه حق [فَإِذا قلت: لَا قَوْلك - فقد دللت على أَنه قَول بَاطِل، فعلى] هَذَا تؤكد وَمن ذَلِك: لَأَضرِبَن زيدا قسما حَقًا وَمن ذَلِك قَوْله:
(/ إنى لأمنحك الصدود وإننى ... قسما إِلَيْك مَعَ الصدود لأميل)
لما قَالَ: إنى لأمنحك الصدود، وإننى إِلَيْك لأميل - علم أَنه مقسم، فَكَانَ هَذَا بَدَلا من قَوْله: أقسم قسما وَاعْلَم أَن المصادر كَسَائِر الْأَسْمَاء، إِلَّا أَنَّهَا تدل على أفعالها فَأَما فى الْإِضْمَار والإظهار والإخبار عَنْهَا والاستفهام، فهى بِمَنْزِلَة غَيرهَا تَقول إِذا رَأَيْت رجلا فى ذكر ضرب: زيدا تُرِيدُ: زيدا اضْرِب، واستغنيت عَن قَوْلك: (إضرب) بِمَا كَانَ فِيهِ من الذّكر، فعلى هَذَا إِذا ذكر فعلا فَقَالَ: لَأَضرِبَن، قلت: نعم، ضربا شَدِيدا فَإِن لم يكن ذكر، وَلَا حَال دَالَّة - لم يكن من الْإِظْهَار بُد، إِلَّا أَن يكون مَوضِع أَمر، فتضمر، وَتصير الْمصدر بَدَلا من اللَّفْظ بِالْفِعْلِ، وَإِنَّمَا يكون ذَلِك فى الْأَمر والنهى خَاصَّة؛ لِأَنَّهُمَا لَا يكونَانِ إِلَّا بِفعل، فتأمر بِالْمَصْدَرِ نكرَة، وَمَعْرِفَة بِالْألف وَاللَّام وَالْإِضَافَة، وَلذَلِك مَوضِع آخر: وَهُوَ أَن يكون الْمصدر قد اسْتعْمل فى مَوضِع الْفِعْل حَتَّى علم مَا يُرَاد بِهِ / وَمن ذَلِك سقيا لزيد؛ لِأَن الدُّعَاء كالأمر، والنهى وَإِنَّمَا أردْت: سقى الله زيدا سقيا فَإِن قلت ذَلِك لم تحتج إِلَى قَوْلك: لزيد وَإِن قلت: سقيا قلت بعده: لفُلَان؛ لتبين مَا تعنى، وَإِن علم من تعنى فَإِن شِئْت أَن تحذفه حذفته
стр. 897
وَمن ذَلِك قَوْله : ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرَّقَابِ﴾ إِنَّمَا هُوَ: فاضربوا الرّقاب ضربا، ثمَّ أضَاف وَكَذَلِكَ قَوْله ﵎: ﴿فإِمَّا مَنًّا بَعدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ إِنَّمَا تَقْدِيره: فإمَّا مننتم منا، وَإِمَّا فاديتم فدَاء وَكَذَلِكَ ﴿وعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ و (صُنْعَ اللهِ﴾ وَاعْلَم أَن من المصادر مصَادر تقع فى مَوضِع الْحَال، وتغنى غناءه، فَلَا يجوز أَن تكون معرفَة؛ لِأَن الْحَال لَا تكون معرفَة
стр. 898
وَذَلِكَ قَوْلك: جئْتُك مشيا، وَقد أدّى عَن معنى قَوْلك: جئْتُك مَاشِيا، وَكَذَلِكَ قَوْله : ﴿ثمَّ ادعهن يأتينك سعيا﴾ وَمِنْه: قَتله صبرا وَإِنَّمَا الْفَصْل بَين الْمصدر وَبَين اسْم الْفَاعِل أَنَّك إِذا قلت: عجبت من ضرب زيد عمرا - أَن ضربا فى معنى: (أَن ضرب) فَيحْتَاج مَا / بعْدهَا إِلَى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول فَإِذا قلت: عجبت من ضَارب عمرا - فقد جِئْت بالفاعل، وَإِنَّمَا بقى الْمَفْعُول، وَالْفَاعِل يحمل على الْمصدر؛ كَمَا حمل الْمصدر عَلَيْهِ تَقول: قُم قَائِما فَالْمَعْنى: قُم قيَاما فَمن ذَلِك قَوْله:
(على حلف لَا أشتم الدَّهْر مُسلما ... وَلَا خَارِجا من فِي زور كَلَام)
إِنَّمَا أَرَادَ: لَا أشتم، وَلَا يخرج من فى زور كَلَام؛ فَأَرَادَ: وَلَا خُرُوجًا فَوضع (خَارِجا) فى مَوْضِعه، وَهَذَا قَول عَامه النَّحْوِيين وَكَانَ عِيسَى بن عمر يَأْبَى مَا فسرنا وَيَقُول: إِنَّمَا قَالَ:
(ألم ترنى عَاهَدت ربى وإننى ... لبين رتاج قَائِما ومقام)
(على حلفة لَا أشتم الدَّهْر مُسلما ... وَلَا خَارِجا من فى زور كَلَام)
стр. 899
يُرِيد: عَاهَدت ربى على أُمُور وَأَنا فى هَاتين الْحَالَتَيْنِ: لَا شاتما، وَلَا خَارِجا من فى مَكْرُوه
стр. 900
(هَذَا بَاب مَا يكون حَالا وَفِيه الْألف / وَاللَّام على خلاف مَا تجرى بِهِ الْحَال لَعَلَّ دخلت)
وَذَلِكَ قَوْلك: ادخُلُوا الأول فَالْأول، وادخلوا رجلا رجلا تَأْوِيله: ادخُلُوا وَاحِدًا بعد وَاحِد فَأَما الأول فَإِنَّمَا انتصب على الْحَال وَفِيه الْألف وَاللَّام؛ لِأَنَّهُ على غير مَعْهُود، فجريا مجْرى سَائِر الزَّوَائِد أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: الأول فَالْأول أتونا - لم يجز؛ لِأَنَّك لست تقصد إِلَى شئ بِعَيْنِه، وَلَو قلت: الرجل أتونا - كَانَ جيدا وَإِن شِئْت قلت: دخلُوا الأول فَالْأول على الْبَدَل كَأَنَّك قلت: دخل الأول فَالْأول وَكَذَلِكَ لَو قلت: دخلُوا رجل فَرجل، فأبدلت النكرَة من الْمعرفَة؛ كَمَا قَالَ الله " : ﴿بالناصية نَاصِيَة كَاذِبَة خاطئة﴾
стр. 901
فَإِذا قلت: ادخُلُوا الأول فَالْأول، فَلَا سَبِيل عِنْد أَكثر النَّحْوِيين إِلَى الرّفْع؛ لِأَن الْبَدَل لَا يكون من الْمُخَاطب؛ لِأَنَّك لَو قدرته بِحَذْف الضَّمِير لم يجز فَأَما عِيسَى بن عمر فَكَانَ يُجِيزهُ، وَيَقُول: مَعْنَاهُ: ليدْخل الأول فَالْأول، وَلَا أرَاهُ إِلَّا جَائِزا على الْمَعْنى؛ لِأَن قَوْلك: / (ادخل) إِنَّمَا هُوَ: (لتدخل) فى الْمَعْنى وَقَرَأَ رَسُول الله ﷺ : (فَبِذَلِكَ فَلتَفْرَحُوا﴾ فَإِذا قلت: ادخُلُوا الأول وَالْآخر، وَالصَّغِير، وَالْكَبِير - فالرفع؛ لِأَن مَعْنَاهُ: ادخُلُوا كلكُمْ فَهَذَا لَا يكون إِلَّا مَرْفُوعا، وَلَا يكون إِلَّا بِالْوَاو؛ لِأَن الْفَاء تجْعَل شَيْئا بعد شئ، وَالْوَاو تتصل على معنى قَوْلك: كلكُمْ أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَرَرْت بزيد أَخِيك، وَصَاحِبك، فَتدخل الْوَاو على حد قَوْلك: زيد الْعَاقِل الْكَرِيم، وَكَذَلِكَ زيد الْعَاقِل، والكريم وَلَو قلت: الْعَاقِل فالكريم، أَو الْعَاقِل ثمَّ الْكَرِيم - لخبرت أَنه اسْتوْجبَ شَيْئا بعد شئ وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ يَقُول: جيد أَن تَقول: هَذَا خاتمك حديدا، وَهَذَا سرجك خَزًّا، وَلَا تَقول على النَّعْت: هَذَا خَاتم حَدِيد إِلَّا مستكرها - إِلَّا أَن تُرِيدُ الْبَدَل؛ وَذَلِكَ لِأَن حديدا وَفِضة وَمَا أشبه ذَلِك جَوَاهِر، قلا ينعَت بهَا؛ لِأَن النَّعْت تحلية وَإِنَّمَا يكون هَذَا نعتا مستكرها إِذا أردْت التَّمْثِيل وَتقول: هَذَا خَاتم مثل الْحَد، أى فى لَونه وصلابته، وَهَذَا رجل أَسد / أى: شَدِيد فَإِن أردْت السَّبع بِعَيْنِه لم تقل: مَرَرْت بِرَجُل أَسد أَبوهُ هَذَا خطأ، وَإِنَّمَا أجَاز سِيبَوَيْهٍ: هَذَا خاتمك حديدا، وَهُوَ يُرِيد الْجَوْهَر بِعَيْنِه؛ لِأَن الْحَال مفعول فِيهَا، والأسماء تكون مفعولة، وَلَا تكون نعوتا حَتَّى تكون تحلية وَهَذَا فى تَقْدِير الْعَرَبيَّة كَمَا قَالَ، وَلَكِن لَا أرى الْمَعْنى يَصح إِلَّا بِمَا اشتق من الْفِعْل، نَحْو: هَذَا زيد قَائِما؛ لِأَن الْمَعْنى أنبهك لَهُ فى حَال قيام وَإِذا قَالَ: هَذَا خاتمك حديدا، فالحديد لَازم فَلَيْسَ للْحَال هَاهُنَا مَوضِع بَين، وَلَا أرى نصب هَذَا إِلَّا على التَّبْيِين؛ لِأَن التَّبْيِين إِنَّمَا هُوَ بالأسماء فَهَذَا الذى أرَاهُ، وَقد قَالَ سِيبَوَيْهٍ مَا حكيت لَك
стр. 902
لَو قلت: مَرَرْت بزيد رجلا صَالحا لصلحت الْحَال لِقَوْلِك (صَالحا) إِلَّا أَن يكون علم أَنَّك مَرَرْت بزيد وَهُوَ بَالغ فَتَقول: مَرَرْت رجلا، أى فى حَال بُلُوغه فقد دللتك بِهَذَا على معنى الْحَال وَمن الْحَالَات قَوْلك: مَا شَأْنك قَائِما / وَالتَّقْدِير: مَا أَمرك فى هَذِه الْحَال فَهَذَا التَّقْدِير وَالْمعْنَى: لم قُمْت؟ كَمَا أَنَّك تَقول: غفر الله لزيد، وَاللَّفْظ لفظ الْإِخْبَار، وَالْمعْنَى معنى الدُّعَاء، وقولك: يعلم الله لأقومن اللَّفْظ لفظ: (يذهب زيد) وَالْمعْنَى الْقسم وَمثل هَذَا مَالك قَائِما؟ وَالتَّقْدِير: أى شئ لَك فى حَال قيامك؟ وَالْمعْنَى: لم قُمْت؟ قَالَ الله جلّ ذكره: ﴿فَمَا لَهُم عَن التَّذْكِرَة معرضين﴾ وَالْمعْنَى - وَالله أعلم - مَا لَهُم يعرضون؟ أى: لم أَعرضُوا؟ وَلَو قلت: من زيد قَائِما؟ لم يجز؛ لِأَن قَوْلك: من زيد؟ سُؤال يقتضى أَن تعرف: أَيْن عَمْرو هُوَ أم ابْن خَالِد؟ التميمى هُوَ أم القيسى؟ فالسؤال قد وَقع عَن تَعْرِيف الذَّات، فَلَيْسَ للْحَال هَاهُنَا مَوضِع
стр. 903
وَلَو قلت: زيد أَخُوك قَائِما وَأَنت تُرِيدُ النّسَب فَهُوَ محَال لِأَن النّسَب لَازم فَلَيْسَ لَهُ فى الْقيام معنى، ويستحيل فى تَقْدِير الْعَرَبيَّة مَعَ اسحالته فى الْمَعْنى؛ لِأَن الْفِعْل ينصب الْحَال وَلَو قلت: زيد أَخُوك قَائِما، تُرِيدُ الصداقة - لَكَانَ جيدا الْمَعْنى: يصادقك فى هَذِه الْحَال وكل شئ كَانَ فِيهِ فعل مُجَرّد أَو معنى فعل، فالحال فِيهِ صَحِيحَة؛ نَحْو: المَال لَك / قَائِما، أى: تملكه فى هَذِه الْحَال، وَكَذَلِكَ: المَال لَك يَوْم الْجُمُعَة، وَلَا يصلح: زيد أَخُوك يَوْم الْجُمُعَة إِذا كَانَ من النّسَب؛ لِأَنَّهُ لَا فعل فِيهِ وظروف الزَّمَان لَا تضمن الجثث وكل مَا كَانَ فعلا أَو فى معنى الْفِعْل فعله فى ظروف الزَّمَان كعمله فى الْحَال فَأَما قَوْلهم: اللَّيْلَة الْهلَال، فَمَعْنَاه: الْحُدُوث، وَلَوْلَا ذَلِك لم يجز؛ كَمَا لَا تَقول: اللَّيْلَة زيد وَتقول: خرجت من الدَّار فَإِذا زيد فَمَعْنَى (إِذْ) هَاهُنَا المفاجأة فَلَو قلت على هَذَا: خرجت فَإِذا زيد قَائِما كَانَ جيدا؛ لِأَن معنى فَإِذا، أى: فَإِذا زيد قد وافقنى
стр. 904
(هَذَا بَاب المخاطبة)
فَأول كلامك لما تسْأَل عَنهُ، وَآخره لمن تسأله، وَذَلِكَ قَوْلك - إِذا سَأَلت رجلا عَن رجل -: كَيفَ ذَاك الرجل؟ فتحت الْكَاف؛ لِأَنَّهَا للذى تكلم وقولك (ذَاك) إِنَّمَا زِدْت الْكَاف على (ذَا) ، وَكَانَت لما تومئ إِلَيْهِ بِالْقربِ فَإِن قلت (هَذَا) ف (هَا) للتّنْبِيه، و (ذَا) هى / الِاسْم، فَإِذا خاطبت زِدْت الْكَاف للذى تكَلمه وَدلّ الْكَلَام بوقوعها على أَن الذى تومئ إِلَيْهِ بعيد، وَكَذَلِكَ جَمِيع الْأَسْمَاء المبهمة إِذا أردْت التراخى زِدْت كافا للمخاطبة؛ لِأَنَّك تحْتَاج إِلَى أَن تنبه بهَا الْمُخَاطب على بعد مَا تومئ إِلَيْهِ فَإِن سَأَلت امْرأ عَن رجل قلت: كَيفَ ذَاك الرجل؟ تكسر الْكَاف؛ لِأَنَّهَا لمؤنث قَالَ الله : ﴿قَالَ كَذَلِك الله يخلق مَا يَشَاء﴾ وَتقول - إِذا سَأَلت رجلا عَن امْرَأَة -: كَيفَ تِلْكَ الْمَرْأَة؟ بِفَتْح الْكَاف؛ لِأَنَّهَا لمذكر فَإِن سَأَلت امْرَأَة عَن امْرَأَة قلت: كَيفَ تِلْكَ الْمَرْأَة، بِكَسْر الْكَاف من أجل المخاطبة فَإِن سَأَلت امْرَأتَيْنِ عَن رجلَيْنِ قلت: كَيفَ ذانكما الرّجلَانِ؟ وَإِن سَأَلت رجلَيْنِ عَن إمراتين قلت: كَيفَ تانكما الْمَرْأَتَانِ؟ [وَإِن سَأَلت رجلَيْنِ عَن امْرَأَة قلت: كَيفَ تلكما الْمَرْأَة؟ وَإِن سَأَلت] امْرَأتَيْنِ عَن رجل قلت: كَيفَ ذاكما الرجل؟ وَإِن شِئْت قلت: ذلكما، تدخل اللَّام زَائِدَة، فَمن قَالَ فى الرجل (ذَاك) قَالَ فى الِاثْنَيْنِ (ذَانك) وَمن قَالَ فى الرجل (ذَلِك) قَالَ فى الِاثْنَيْنِ (ذَانك) بتَشْديد النُّون / تبدل من اللَّام نونا، وتدغم إِحْدَى النونين فى الْأُخْرَى، كَمَا قَالَ : ﴿فذانك برهانان من رَبك﴾
стр. 905
وَإِن سَأَلت رجلا عَن نسَاء قلت: كَيفَ أولئكم النِّسَاء؟ وَإِن سَأَلت نسَاء عَن رجال قلت: كَيفَ أولئكن الرِّجَال؟ وَإِن سَأَلت نسَاء عَن رجل قلت بِغَيْر اللَّام: كَيفَ ذاكن الرجل؟ وباللام: كَيفَ ذلكن الرجل؟ كَمَا قَالَ الله : ﴿فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ﴾ وَقد يجوز أَن تجْعَل مُخَاطبَة الْجَمَاعَة عل لفظ الْجِنْس؛ إِذْ كَانَ يجوز أَن تخاطب وَاحِدًا عَن الْجَمَاعَة، فَيكون الْكَلَام لَهُ، وَالْمعْنَى يرجع إِلَيْهِم؛ كَمَا قَالَ الله ﵎: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَعُولُوا﴾ وَلم يقل (ذَلِكُم) ؛ لِأَن الْمُخَاطب النبى ﷺ فَمَا ورد من هَذَا الْبَاب فقسه على مَا ذكرت لَك تصب إِن شَاءَ الله
стр. 906
(هَذَا بَاب تَأْوِيل هَذِه الْكَاف الَّتِى تقع للمخاطبة إِذا اتَّصَلت بِالْفِعْلِ / نَحْو: رويدك وأرأيتك زيدا مَا حَاله؟ ، وقولك: أبصرك زيدا)
اعْلَم أَن هَذِه الْكَاف زَائِدَة زيدت لِمَعْنى المخاطبة وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك إِذا قلت: أرأيتك زيدا فَإِنَّمَا هى أَرَأَيْت زيدا؛ لِأَن الْكَاف لَو كَانَت اسْما اسْتَحَالَ أَن تعدى (رَأَيْت) إِلَى مفعولين: الأول والثانى هُوَ الأول وَإِن أردْت رُؤْيَة الْعين لم يَتَعَدَّ إِلَّا إِلَى مفعول وَاحِد، وَمَعَ ذَلِك أَن فعل الرجل لَا يتَعَدَّى إِلَى نَفسه، فيتصل ضَمِيره إِلَّا فى بَاب ظَنَنْت وَعلمت، لما قد ذكرنَا فى مَوْضِعه فَأَما (ضربتنى) ، و (ضربتك) يَا رجل فَلَا يكون وَكَذَلِكَ (أبصرك) زيدا يَا فلَان، إِنَّمَا هُوَ: أبْصر زيدا، وَدخلت الْكَاف للإغراء توكيدا للمخاطبة وَكَذَلِكَ (رويد) يدلك أَنَّك إِذا قلت: رويدك زيدا، إِنَّمَا تُرِيدُ: أرود زيدا، وَالْكَاف للمخاطبة أَلا ترى أَنَّهَا لَو كَانَت اسْم الْفَاعِل كَانَ خطأ؛ لِأَن الْوَاحِد الْمَرْفُوع لَا تظهر علامته فى الْفِعْل وَإِن كَانَ الْفِعْل لاثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة قلت: رويدكما، ورويدكم فَلَو كَانَ اسْم الْفَاعِل لَكَانَ ألفا فى التَّثْنِيَة، وواوا فى الْجمع؛ كَمَا تَقول: اذْهَبَا، واذهبوا وَقد تَقول: رويد زيدا إِذا لم ترد أَن تبين / المخاطبة؛ كَمَا تَقول: أَرَأَيْت زيدا، وَأبْصر زيدا وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَن تقولك: رويدك زيدا إِذا أدخلت الْكَاف كَقَوْلِك: يَا فلَان لمن هُوَ مقبل عَلَيْك توكيدا للتّنْبِيه وَلمن هُوَ غير مقبل عَلَيْك لتعطفه بالنداء فَكَذَلِك تنبه بالمخاطبة، وَتركهَا كتركك (يَا فلَان) اسْتغْنَاء بإقبالك عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا القَوْل بِغَيْر الْكَاف: رويد زيدا؛ لِأَن رويد فى مَوضِع الْمصدر وَهُوَ غير مُتَمَكن؛ لِأَن الْمصدر من أرودت إِنَّمَا هُوَ الإرواد
стр. 907
وَمن أَرَادَ أَن يَجْعَل (رويد) مصدرا مَحْذُوف الزَّوَائِد جَازَ لَهُ ذَلِك فَقَالَ: رويدا زيدا فنظير الأول قَوْله:
(رويد عليا جد مَا ثدى أمّهم ... إِلَيْنَا وَلَكِن ودهم متماين)
وَمن جعله مصدرا صَحِيحا قَالَ: رويدا زيدا، ورويد زيد؛ كَمَا تَقول: (ضرب الرّقاب) وَإِن كَانَ نعتا فَهُوَ مَصْرُوف منون على كل حَال، وَذَلِكَ قَوْلك: ضَعْهُ وضعا رويدا؛ كَمَا قَالَ الله : ﴿فمهل الْكَافرين أمهلهم رويدا﴾ وَإِنَّمَا صرفنَا هَذَا الْمصدر عِنْد مَا جرى من ذكره مَعَ كَاف المخاطبة
стр. 908
(هَذَا بَاب مسَائِل من هَذِه المصادر الَّتِى جرت)
/ اعْلَم أَنَّك إِذا قلت: رويدك وَعبد الله فَهُوَ جَائِز وَفِيه قبح حَتَّى تَقول: رويدك أَنْت وَعبد الله وَقد تقدم تَفْسِير هَذَا فى بَاب عطف الظَّاهِر على الْمُضمر فَإِن جعلت (رويد) متصرفة قلت: رويد عبد الله، وَزيد، وَلَا تَقول: رويدك، ورويد زيد إِذا جعلت (رويد) غير متصرفة وَالْكَاف للمخاطبة؛ لِأَن الْكَاف لَيست باسم، و (رويد) اسْم، وَلَا يَقع الْعَطف على اسْتِوَاء إِلَّا أَن تجْعَل الْكَلَام الثانى على غير معنى الْكَلَام الأول، فَذَلِك جَائِز مَتى أردته وكل جملَة بعْدهَا جملَة فعطفها عَلَيْهَا جَائِز وَإِن لم يكن مِنْهَا؛ نَحْو: جاءنى زيد، وَانْطَلق عبد الله، وأخوك قَائِم، وَإِن تأتنى آتِك فَهَذَا على ذَا وَلَو قلت: ضَعْهُ وضعا رويدا، لم تقع (رويد) المحذوفة التَّنْوِين هَذَا الْموضع؛ لِأَن تِلْكَ لَا تقع إِلَّا فى الْأَمر على معنى: أرود زيدا وَاعْلَم أَن الْكَاف فى قَوْلك: (النجاءك) إِنَّمَا هى للمخاطبة بِمَنْزِلَة كَاف رويدك وَالدَّلِيل على ذَلِك لحاقها مَعَ الْألف وَاللَّام، وَلَو كَانَت اسْما كَانَ هَذَا محالا؛ لِأَنَّك لَا تضيف مَا فِيهِ الْألف وللام فَهَذَا بَين جدا وفى هَذِه المصادر فى الْأَمر والنهى من الضَّمِير مَا فى الْفِعْل، تَقول: النجاءك نَفسك، والنجاءكم كلكُمْ / والخفض خطأ؛ لِأَن الْكَاف لَيست باسم فَأَما عَلَيْك، ودونك، وَمَا أشبه ذَلِك - فَإِن الْكَاف فى مَوضِع خفض وَله ضمير الْمَرْفُوع الذى يكون بِهِ فَاعِلا، وَإِن شِئْت أتبعته التوكيد مَرْفُوعا، وَإِن شِئْت كَانَ مخفوضا تَقول: عَلَيْك نَفسك زيدا، وَإِن شِئْت نَفسك، لِأَنَّك تُرِيدُ: أنظر نَفسك
стр. 909
وَالدَّلِيل على أَن الْكَاف لَهَا مَوضِع أَن حُرُوف الْإِضَافَة لَا تعلق وَلَا تنفرد فهى وَاقعَة على الْأَسْمَاء وكل شئ كَانَ فى مَوضِع الْفِعْل وَلم يكن فعلا يجوز أَن تَأمر بِهِ غَائِبا، وَلَا يجوز أَن تَقول: على زيد عمرا، وَلَا يجوز أَن تقدم فِيهِ وَلَا تُؤخر، فَتَقول: زيدا عَلَيْك، وزيدا دُونك وَمن زعم أَن قَول الله : ﴿كتاب الله عَلَيْكُم﴾ إِنَّمَا نَصبه بعليكم فَهَذَا خطأ، وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وَإِنَّمَا قَالُوا: عَلَيْهِ رجلا لَيْسَنِى، لِأَن هَذَا مثل، والأمثال تجرى فى الْكَلَام على الْأُصُول كثيرا
стр. 910
(هَذَا بَاب مَا يحمل على الْمَعْنى، وَحمله على اللَّفْظ أَجود)
اعْلَم أَن الشئ لَا يجوز أَن يحمل على الْمَعْنى إِلَّا بعد اسْتغْنَاء اللَّفْظ، وَذَلِكَ قَوْلك: مَا جاءنى غير زيد وَعَمْرو حمل (عَمْرو) على الْموضع؛ لِأَن معنى قَوْله: (غير زيد) إِنَّمَا هُوَ: إِلَّا زيد، فَحمل (عَمْرو) على هَذَا الْموضع وَكَذَلِكَ قَوْله: مَا جاءنى من أحد عَاقل رفعت الْعَاقِل، وَلَو خفضته كَانَ أحسن وَإِنَّمَا جَازَ الرّفْع؛ لِأَن الْمَعْنى: مَا جاءنى أحد وَمن ذَلِك قِرَاءَة بعض النَّاس: ﴿زين لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركاؤهم﴾ لما قَالَ: قتل أَوْلَادهم - تمّ الْكَلَام، فَقَالَ: شركاؤهم على الْمَعْنى؛ لِأَنَّهُ علم أَن لهَذَا التزيين مزينا فَالْمَعْنى: زينه شركاؤهم
стр. 911
وَمثل ذَلِك قَول الشَّاعِر:
(ليبك يزِيد ضارع لخصومة ... ومختبط مِمَّا تطيح الطوائح)
لما قَالَ: (لبيْك يزِيد) علم أَن لَهُ باكيا فَكَأَنَّهُ قَالَ: ليبكه ضارع لخصومة
стр. 912
وَمن هَذَا قَوْلهم:
(قد سَالم الْحَيَّات مِنْهُ القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما)
فنصب الأفعوان؛ لِأَنَّك تعلم أَن الْقدَم مسالمة؛ كَمَا أَنَّهَا مسالمة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قد سالمت الْقدَم الأفعوان والشجاع وَمن ذَلِك قَول الله : ﴿انْتَهوا خيرا لكم﴾ زعم الْخَلِيل أَنه لما قَالَ: " انْتَهوا " علم أَنه يدفعهم عَن أَمر، ويغريهم بِأَمْر يزجرهم عَن خِلَافه، فَكَانَ التَّقْدِير: ائْتُوا خيرا لكم وَقد قَالَ قوم: إِنَّمَا هُوَ على قَوْله: يكن خيرا لكم وَهَذَا خطأ فى تَقْدِير الْعَرَبيَّة؛ لِأَنَّهُ يضمر الْجَواب وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ، وَإِذا أضمر (ايتُوا) فقد جعل (انْتَهوا) بَدَلا مِنْهُ، وَكَذَلِكَ انته يَا فلَان أمرا قَاصِدا وَقد مر من ذكر الْمُضْمرَات مَا يغنى عَن إِعَادَته
стр. 913
وَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر:
(وجدنَا الصَّالِحين لَهُم جَزَاء ... وجنات وعينا سلسبيلا)
فنصبهما؛ لِأَن الوجدان فى الْمَعْنى وَاقع عَلَيْهِمَا وَمثل ذَلِك:
(لن ترَاهَا وَإِن تَأَمَّلت إِلَّا ... وَلها فى مفارق الرَّأْس طيبا)
стр. 914
لِأَن الرُّؤْيَة قد اشْتَمَلت على الطّيب وَهَذَا الْبَيْت أبعد مَا مر؛ / لِأَنَّهُ ذكره من قبل الِاسْتِغْنَاء وَإِنَّمَا جَازَ نَصبه على رَأَيْت؛ لِأَن الْمَعْنى: لن ترَاهَا إِلَّا وَأَنت ترى لَهَا فى مفارق الرَّأْس طيبا فَهَذَا على الْإِضْمَار فَأَما قَوْله:
(تواهق رجلاها يَدَيْهِ وَرَأسه ... )
فَمن أنْشدهُ بِرَفْع الْيَدَيْنِ فقد أَخطَأ؛ لِأَن الْكَلَام لم يسْتَغْن، وَلَو جَازَ لجَاز: ضَارب عبد الله زيد؛ لِأَن من كل وَاحِد مِنْهُمَا ضربا
стр. 915
(هَذَا بَاب أم، وأو)
فَأَما (أم) فَلَا تكون إِلَّا استفهاما، وَتَقَع من الِاسْتِفْهَام فى موضِعين: أَحدهمَا: أَن تقع عديلة للألف على معنى (أى) ، وَذَلِكَ قَوْلك: أَزِيد فى الدَّار أم عَمْرو؟ وَكَذَلِكَ: أأعطيت زيدا أم حرمته؟ فَلَيْسَ جَوَاب هَذَا (لَا) ، وَلَا (نعم) ؛ كَمَا أَنه إِذا قَالَ: أَيهمَا لقِيت؟ أَو: أى الْأَمريْنِ فعلت؟ لم يكن جَوَاب هَذَا (لَا) وَلَا (نعم) ؛ لِأَن الْمُتَكَلّم مُدع أَن أحد الْأَمريْنِ قد وَقع، لَا يدرى أَيهمَا هُوَ فَالْجَوَاب أَن تَقول: زيد أَو عَمْرو فَإِن كَانَ الْأَمر على غير دَعْوَاهُ [فَالْجَوَاب] أَن تَقول: لم ألق وَاحِدًا، أَو كليهمَا فَمن ذَلِك قَول الله / : ﴿أتخذناهم سخريا أم زاغت عَنْهُم الْأَبْصَار﴾ وَقَوله:
следующие страницы →