Полный текст (572 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَكَانَ حَقه أَن يَقُول قَالَا فِي خَيْمَتي أم معبد أَي قيلا فِيهَا ويروى حلا بدل قَالَا وَالتَّقْدِير أَيْضا حلا فِي خَيْمَتي وَلكنه اضْطر فأسقط فِي وأوصل الْفِعْل بِنَفسِهِ وَكَذَا عمِلُوا فِي قَوْلهم دخلت الدَّار وَالْمَسْجِد وَنَحْو ذَلِك إِلَّا أَن التَّوَسُّع مَعَ دخلت مطرد لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاه
стр. 282
ثمَّ قلت الْخَامِس الْمَفْعُول مَعَه وَهُوَ الِاسْم الفضلة التَّالِي وَاو المصاحبة مسبوقة بِفعل أَو مَا فِيهِ مَعْنَاهُ وحروفه ك سرت والنيل وَأَنا سَائِر والنيل
وَأَقُول الْخَامِس من المنصوبات الْمَفْعُول مَعَه
وانما جعل آخرهَا فِي الذّكر لأمرين أَحدهمَا أَنهم اخْتلفُوا فِيهِ هَل هُوَ قياسي أَو سَمَاعي وَغَيره من المفاعيل لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنه قياسي وَالثَّانِي أَن الْعَامِل انما يصل إِلَيْهِ بِوَاسِطَة حرف ملفوظ بِهِ وَهُوَ الْوَاو بِخِلَاف سَائِر المفعولات
وَهُوَ عبارَة عَمَّا اجْتمع فِيهِ ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا أَن يكون اسْما وَالثَّانِي أَن يكون وَاقعا بعد الْوَاو الدَّالَّة على المصاحبة وَالثَّالِث أَن تكون تِلْكَ الْوَاو مسبوقة بِفعل أَو مَا فِيهِ معنى الْفِعْل وحروفه
وَذَلِكَ كَقَوْلِك سرت والنيل واستوى المَاء والخشبة وَجَاء الْبرد والطيالسة وكقول الله تَعَالَى ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم﴾ أَي
стр. 283
فَأَجْمعُوا أَمركُم مَعَ شركائكم ف ﴿شركاءكم﴾ مفعول مَعَه لاستيفائه الشُّرُوط الثَّلَاثَة وَلَا يجوز على ظَاهر اللَّفْظ أَن يكون مَعْطُوفًا على ﴿أَمركُم﴾ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ شريك لَهُ فِي مَعْنَاهُ فَيكون التَّقْدِير أَجمعُوا أَمركُم وَأَجْمعُوا شركاءكم وَذَلِكَ لَا يجوز لِأَن أجمع انما يتَعَلَّق بالمعاني دون الذوات تَقول أَجمعت رَأْيِي وَلَا تَقول أَجمعت شركائي وانما قلت على ظَاهر اللَّفْظ لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على حذف مُضَاف أَي وَأمر شركائكم وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا لفعل ثلاثي مَحْذُوف أَي واجمعوا شركاءكم بوصل الْألف وَمن قَرَأَ ﴿فَأَجْمعُوا﴾ وصل الْألف صَحَّ الْعَطف على قِرَاءَته من غير اضمار لِأَنَّهُ من جمع وَهُوَ مُشْتَرك بَين الْمعَانِي والذوات تَقول جمعت أَمْرِي وجمعت شركائي قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَجمع كَيده ثمَّ أَتَى﴾ ﴿الَّذِي جمع مَالا وعدده﴾ وَيجوز هَذِه الْقِرَاءَة أَن يكون مَفْعُولا مَعَه وَلَكِن اذا أمكن الْعَطف فَهُوَ أولى لِأَنَّهُ الأَصْل
وَلَيْسَ من الْمَفْعُول مَعَه قَول أبي الْأسود الدؤَلِي
стр. 284
(يَا أَيهَا الرجل الْمعلم غَيره ... هلا لنَفسك كَانَ ذَا التَّعْلِيم)
(ابدأ بِنَفْسِك فانهها عَن غيها ... فَإِذا انْتَهَت عَنهُ فَأَنت حَكِيم)
(فهناك يسمع مَا تَقول ويشتفى ... بالْقَوْل مِنْك وينفع التَّعْلِيم)
(لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله ... عَار عَلَيْك اذا فعلت عَظِيم)
стр. 285
الشَّاهِد فِي قَوْله وَتَأْتِي مثله فَإِنَّهُ لَيْسَ مَفْعُولا مَعَه وان كَانَ بعد وَاو بِمَعْنى مَعَ أَي لَا تنه عَن خلق مَعَ اتيانك مثله لِأَنَّهُ لَيْسَ باسم وَلَا نَحْو قَوْلك بِعْتُك الدَّار بأثاثها وَالْعَبْد بثيابه وَقَول الله ﴿وَقد دخلُوا بالْكفْر وهم قد خَرجُوا بِهِ﴾ وقولك جَاءَ زيد مَعَ عَمْرو فَإِن هَذِه الْأَسْمَاء وَإِن كَانَت مصاحبة لما قبلهَا لَكِنَّهَا لَيست بعد الْوَاو وَلَا نَحْو قَوْلك مزجت عسلا وَمَاء وَقَول الشَّاعِر
стр. 286
(علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا ... حَتَّى غَدَتْ همالة عَيناهَا)
стр. 287
وَقَول الآخر
١١٦ - (اذ مَا الغانيات برزن يَوْمًا ... وزججن الحواجب والعيونا)
стр. 288
لِأَن الْوَاو لَيست بِمَعْنى مَعَ فِيهِنَّ وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْمِثَال الأول لعطف مُفْرد على مُفْرد واستفيدت الْمَعِيَّة من الْعَامِل وَهُوَ مزجت وَفِي المثالين الْأَخيرينِ لعطف جملَة على جملَة وَالتَّقْدِير وسيقيتها مَاء وكحلن العيونا فَحذف الْفِعْل وَالْفَاعِل وَبَقِي الْمَفْعُول وَلَا جَائِز أَن يكون الْوَاو فيهمَا لعطف مُفْرد لعدم تشارك مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا فِي الْعَامِل لِأَن علفت لَا يَصح تسليطه على المَاء وزججن لَا يَصح تسليطه على الْعُيُون وَلَا تكون للمصاحبة لانتفائها فِي قَوْله علفتها تبنا وَمَاء وَلعدم فائدتها فِي وزججن الحواجب والعيونا اذ من الْمَعْلُوم لكل أحد أَن الْعُيُون مصاحبة للحواجب وَلَا نَحْو كل رجل وضيعته لِأَنَّهُ وان كَانَ اسْما وَاقعا بعد الْوَاو الَّتِي بِمَعْنى مَعَ لَكِنَّهَا غير مسبوقة بِفعل وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ وَلَا نَحْو هَذَا لَك وأباك وَنَحْوه على أَن يكون أَبَاك مَفْعُولا مَعَه مَنْصُوبًا بِمَا فِي هَا من معنى أنتبه أَو بِمَا فِي ذَا من معنى أُشير أَو بِمَا فِي لَك من معنى اسْتَقر لِأَن كلا من هَا وَذَا وَلَك فِيهِ معنى الْفِعْل دون حُرُوفه بِخِلَاف سرت والنيل وَأَنا سَائِر والنيل فَإِن الْعَامِل فِي الأول الْفِعْل وَفِي الثَّانِي الِاسْم الَّذِي
стр. 289
فِيهِ معنى الْفِعْل وحروفه قَالَ سِيبَوَيْهٍ ﵀ وَأما نَحْو هَذَا لَك وأباك فقبيح لِأَنَّك لم تذكر فعلا وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ وَقَالُوا مُرَاده بالقبيح الْمُمْتَنع
ثمَّ قلت السَّادِس الْمُشبه بالمفعول بِهِ نَحْو زيد حسن وَجهه وَسَيَأْتِي
وَأَقُول السَّادِس من المنصوبات الْمُشبه بالمفعول بِهِ وَهُوَ الْمَنْصُوب بِالصّفةِ المشبهة باسم الْفَاعِل المتعدى الى وَاحِد وَذَلِكَ فِي نَحْو قَوْلك زيد حسن وَجهه بِنصب الْوَجْه وَالْأَصْل زيد حسن وَجهه بِالرَّفْع فزيد مُبْتَدأ وَحسن خبر وَوَجهه فَاعل بِحسن لِأَن الصّفة تعْمل عمل الْفِعْل وَأَنت لَو صرحت بِالْفِعْلِ فَقلت حسن بِضَم السِّين وَفتح النُّون لوَجَبَ رفع الْوَجْه بالفاعلية فَكَذَلِك حق الصّفة أَن يجب مَعهَا الرّفْع وَلَكنهُمْ قصدُوا الْمُبَالغَة مَعَ الصّفة فحولوا الْإِسْنَاد عَن الْوَجْه الى ضمير مستتر فِي الصّفة رَاجع الى زيد ليقتضي ذَلِك أَن الْحسن قد عَمه بجملته فَقيل زيد حسن أَي هُوَ ثمَّ نصب وَجهه وَلَيْسَ ذَلِك على المفعولية لِأَن الصّفة انما تتعدى فعلهَا وَحسن الَّذِي هُوَ الْفِعْل لَا يتَعَدَّى فَكَذَلِك صفته الَّتِي هِيَ فَرعه وَلَا على التَّمْيِيز لِأَنَّهُ معرفَة بِالْإِضَافَة الى الضَّمِير وَمذهب الْبَصرِيين وَهُوَ الْحق أَن التَّمْيِيز لَا يكون معرفَة واذا
стр. 290
بَطل هَذَانِ الْوَجْهَانِ تعين مَا قُلْنَا من أَنه مشبه بالمفعول بِهِ وَذَلِكَ أَنه شبه حسن بضارب فِي أَن كلا مِنْهُمَا صفة تثنى وَتجمع وتذكر وتؤنث وَهِي طالبة لما بعْدهَا بعد استيفائها فاعلها فنصب الْوَجْه على التَّشْبِيه بِعَمْرو فِي قَوْلك زيد ضَارب عمرا فَحسن مشبه بضارب وَوَجهه مشبه بعمرا وَسَيَأْتِي الْكَلَام على هَذَا الْبَاب بأبسط من هَذَا ان شَاءَ الله فِي مَوْضِعه
ثمَّ قلت السَّابِع الْحَال وَهُوَ وصف فضلَة مسوق لبَيَان هَيْئَة صَاحبه أَو تأكيده أَو تَأْكِيد عَامله أَو مَضْمُون الْجُمْلَة قبله نَحْو ﴿فَخرج مِنْهَا خَائفًا﴾ ﴿لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا﴾ ﴿وأرسلناك للنَّاس رَسُولا﴾
وَأَنا ابْن دارة مَعْرُوفا بهَا نسبي
وَيَأْتِي من الْفَاعِل وَمن الْمَفْعُول ومنهما مُطلقًا وَمن الْمُضَاف اليه ان كَانَ الْمُضَاف بعضه نَحْو ﴿لحم أَخِيه مَيتا﴾ أَو كبعضه نَحْو ﴿مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ أَو عَاملا فِيهَا نَحْو ﴿إِلَيْهِ مرجعكم جَمِيعًا﴾
وحقها أَن تكون نكرَة منتقلة مُشْتَقَّة وَأَن يكون صَاحبهَا معرفَة أَو خَاصّا أَو عَاما أَو مُؤَخرا وَقد يتخلفن
وَأَقُول السَّابِع من المنصوبات الْحَال وَهُوَ يذكر وَيُؤَنث
стр. 291
وَهُوَ الْأَفْصَح يُقَال حَال حسن وَحَال حَسَنَة وَقد يؤنث لَفظهَا فَيُقَال حَالَة قَالَ الشَّاعِر
(على حَالَة لَو أَن فِي الْقَوْم حاتما ... على جوده لضن بِالْمَاءِ حَاتِم)
стр. 292
وَحده فِي الِاصْطِلَاح مَا ذكرت فَقولِي وصف جنس يدْخل تَحْتَهُ الْحَال وَالْخَبَر وَالصّفة وَقَوْلِي فضلَة فصل مخرج للْخَبَر نَحْو زيد قَائِم وَقَوْلِي مسوق لبَيَان هَيْئَة مَا هُوَ لَهُ مخرج لأمرين أَحدهمَا نعت الفضلة من نَحْو رَأَيْت رجلا طَويلا ومررت بِرَجُل طَوِيل فَإِنَّهُ وان كَانَ وَصفا فضلَة لكنه لم يسق لبَيَان الْهَيْئَة وَلكنه سيق لبَيَان جنس المتعجب مِنْهُ وَجَاء بَيَان الْهَيْئَة ضمنا وَقَوْلِي أَو تأكيده الى آخِره تممت بِهِ ذكر أَنْوَاع الْحَال
وَالْحَاصِل أَن الْحَال أَرْبَعَة أَقسَام مبينَة للهيئة وَهِي الَّتِي لَا يُسْتَفَاد مَعْنَاهَا بِدُونِ ذكرهَا ومؤكدة لعاملها وَهِي الَّتِي لَو لم تذكر لأفاد عاملها مَعْنَاهَا ومؤكدة لصَاحِبهَا وَهِي الَّتِي يُسْتَفَاد مَعْنَاهَا من صَرِيح لفظ صَاحبهَا ومؤكدة لمضمون الْجُمْلَة وَهِي الْآتِيَة بعد جملَة معقودة من اسْمَيْنِ معرفتين جامدين وَهِي دَالَّة على وصف ثَابت مُسْتَفَاد من تِلْكَ الْجُمْلَة
فالمبينة للهيئة كَقَوْلِك جَاءَ زيد رَاكِبًا وَأَقْبل عبد الله فَرحا
стр. 293
وَقَول الله تَعَالَى ﴿فَخرج مِنْهَا خَائفًا﴾
والمؤكدة لصَاحِبهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ وقولك جَاءَ النَّاس قاطبة أَو كَافَّة أَو طرا وَهَذَا الْقسم أغفل التَّنْبِيه عَلَيْهِ جَمِيع النَّحْوِيين وَمثل ابْن مَالك بِالْآيَةِ للْحَال الْمُؤَكّدَة لعاملها وَهُوَ سَهْو
والمؤكدة لعاملها كَقَوْلِك جَاءَ زيد آتِيَا وعاث عَمْرو مُفْسِدا وَقَول الله تَعَالَى ﴿وأزلفت الْجنَّة لِلْمُتقين غير بعيد﴾ وَذَلِكَ لِأَن الإزلاف هُوَ التَّقْرِيب فَكل مزلف قريب وكل قريب غير بعيد وَقَوله تَعَالَى ﴿وأرسلناك للنَّاس رَسُولا﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا﴾ ﴿ولى مُدبرا﴾ ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ فَإِنَّهُ يُقَال عثي بِالْكَسْرِ يعثي بِالْفَتْح اذا أفسد
والمؤكدة لمضمون الْجُمْلَة كَقَوْلِك زيد أَبوك عطوفا وَقَول الشَّاعِر
٣٢٠ - ١١ ﴿أَنا ابْن دارة مَعْرُوفا بهَا نسى ... وَهل بدارة يَا للنَّاس من عَار)
وأشرت بِقَوْلِي قبله الى أَنه لَا يجوز أَن يُقَال عطوفا زيد أَبوك وَلَا زيد عطوفا أَبوك
ثمَّ بيّنت أَن الْحَال تَارَة يَأْتِي من الْفَاعِل وَذَلِكَ كَمَا كنت مثلت بِهِ من قَوْله تَعَالَى ﴿فَخرج مِنْهَا خَائفًا﴾ فَإِن خَائفًا حَال من الضَّمِير
стр. 294
(أَنا ابْن دارة مَعْرُوفا بهَا نسى ... وَهل بدارة يَا للنَّاس من عَار)
وأشرت بِقَوْلِي قبله الى أَنه لَا يجوز أَن يُقَال عطوفا زيد أَبوك وَلَا زيد عطوفا أَبوك
ثمَّ بيّنت أَن الْحَال تَارَة يَأْتِي من الْفَاعِل وَذَلِكَ كَمَا كنت مثلت بِهِ من قَوْله تَعَالَى ﴿فَخرج مِنْهَا خَائفًا﴾ فَإِن ﴿خَائفًا﴾ حَال من الضَّمِير
стр. 295
الْمُسْتَتر فِي خرج الْعَائِد على مُوسَى ﵇
وَتارَة يَأْتِي من الْمَفْعُول كَمَا كنت مثلت بِهِ من قَوْله تَعَالَى ﴿وأرسلناك للنَّاس رَسُولا﴾ فَإِن ﴿رَسُولا﴾ حَال من الْكَاف الَّتِي هِيَ مفعول أرسلنَا
وَأَنه لَا يتَوَقَّف مَجِيء الْحَال من الْفَاعِل وَالْمَفْعُول على شَرط
والى أَنَّهَا تَجِيء من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَأَن ذَلِك يتَوَقَّف على وَاحِد من ثَلَاثَة أُمُور
أَحدهَا أَن يكون الْمُضَاف بَعْضًا من الْمُضَاف اليه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَيُحِبُّ أحدكُم أَن يَأْكُل لحم أَخِيه مَيتا﴾ فميتا حَال من الْأَخ وَهُوَ مخفوض بِإِضَافَة اللَّحْم إِلَيْهِ والمضاف بعضه وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا﴾
وَالثَّانِي ان يكون الْمُضَاف كبعض من الْمُضَاف إِلَيْهِ فِي صِحَة حذفه والاستغناء عَنهُ بالمضاف إِلَيْهِ وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ ف ﴿حَنِيفا﴾ حَال من ابراهيم وَهُوَ مخفوض بِإِضَافَة الْملَّة إِلَيْهِ وَلَيْسَت الْملَّة بعضه وَلكنهَا كبعضه فِي صِحَة الْإِسْقَاط والاستغناء بِهِ
стр. 296
عَنْهَا أَلا ترى أَنه لَو قيل اتبعُوا إِبْرَاهِيم حَنِيفا صَحَّ كَمَا أَنه لَو قيل أَيُحِبُّ أحدكُم أَن يَأْكُل أَخَاهُ مَيتا وَنَزَعْنَا مَا فيهم من غل اخوانا كَانَ صَحِيحا
الثَّالِث أَن يكون الْمُضَاف عَاملا فِي الْحَال كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ مرجعكم جَمِيعًا﴾ ف ﴿جَمِيعًا﴾ حَال من الْكَاف وَالْمِيم المخفوضة بِإِضَافَة الْمرجع والمرجع هُوَ الْعَامِل فِي الْحَال وَصَحَّ لَهُ أَن أَن يعْمل لِأَن الْمَعْنى عَلَيْهِ مَعَ أَنه مصدر فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْفِعْل أَلا ترى أَنه لَو قيل اليه ترجعون جَمِيعًا كَانَ الْعَامِل الْفِعْل الَّذِي الْمصدر بِمَعْنَاهُ
ثمَّ بيّنت أَن للْحَال أحكاما أَرْبَعَة وَأَن تِلْكَ الْأَرْبَعَة رُبمَا تخلفت
فَالْأول الِانْتِقَال ونعني بِهِ أَن لَا يكون وَصفا ثَابتا لَازِما وَذَلِكَ كَقَوْلِك جَاءَ زيد ضَاحِكا أَلا ترى أَن الضحك يزايل زيدا وَلَا يلازمه هَذَا هُوَ الأَصْل وَرُبمَا جَاءَت دَالَّة على وصف ثَابت كَقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي أنزل إِلَيْكُم الْكتاب مفصلا﴾ أَي مُبينًا وَقَول الْعَرَب خلق الله الزرافة يَديهَا أطول من رِجْلَيْهَا فالزرافة بِفَتْح الزَّاي
стр. 297
مفعول لخلق ويديها بدل مِنْهَا بدل بعض من كل وأطول حَال من الزرافة وَمن رِجْلَيْهَا مُتَعَلق بأطول
الثَّانِي الِاشْتِقَاق وَهُوَ أَن تكون وَصفا مأخوذا من مصدر كَمَا قدمْنَاهُ من الْأَمْثِلَة وَرُبمَا جَاءَت اسْما جَامِدا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فانفروا ثبات﴾ ف ﴿ثبات﴾ حَال من الْوَاو فِي ﴿انفروا﴾ وَهُوَ جامد لكنه فِي تَأْوِيل الْمُشْتَقّ أَي مُتَفَرّقين بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿أَو انفروا جَمِيعًا﴾ وَقد اشْتَمَلت هَذِه الْآيَة على مَجِيء الْحَال جامدة وعَلى مجيئها مُشْتَقَّة
الثَّالِث أَن تكون نكرَة كجميع مَا قدمْنَاهُ من الْأَمْثِلَة وَقد تَأتي بِلَفْظ الْمُعَرّف بِالْألف وَاللَّام كَقَوْلِهِم ادخُلُوا الأول فَالْأول
стр. 298
وأرسلها العراك وجاؤوا الْجَمَّاء الْغَفِير أَي جَمِيعًا وأل فِي ذَلِك كُله زَائِدَة وَقد تَأتي بِلَفْظ الْمُعَرّف بِالْإِضَافَة كَقَوْلِهِم اجْتهد وَحدك أَي مُنْفَردا وجاؤوا قضهم بقضيضهم أَي جَمِيعًا
стр. 299
وَقد تَأتي بِلَفْظ الْمُعَرّف بالعلمية كَقَوْلِهِم جَاءَت الْخَيل بداد أَي متبددة فَإِن بداد فِي الأَصْل علم على جنس التبدد كَمَا أَن فجار علم للفجرة
الرَّابِع أَن لَا يكون صَاحبهَا نكرَة مَحْضَة كَمَا تقدم من الْأَمْثِلَة وَقد تَأتي كَذَلِك كَمَا روى سِيبَوَيْهٍ من قَوْلهم عَلَيْهِ مائَة بيضًا وَقَالَ الشَّاعِر وَهُوَ عنترة الْعَبْسِي
(فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حلوبة ... سُودًا كخافية الْغُرَاب الأسحم)
стр. 300
فحلوبة لتميز الْعدَد وسودا اما حَال من الْعدَد أَو من حلوبة أَو صفة وعَلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ فَفِيهِ حمل على الْمَعْنى لِأَن حلوبة بِمَعْنى حلائب فَلهَذَا صَحَّ أَن يحمل عَلَيْهَا سُودًا وَالْوَجْه الأول أحسن
وَفِي الحَدِيث صلى رَسُول الله ﷺ جَالِسا وَصلى وَرَاءه رجال قيَاما فجالسا حَال من الْمعرفَة وقياما حَال من النكرَة الْمَحْضَة
وانما الْغَالِب اذا كَانَ صَاحب الْحَال نكرَة أَن تكون عَامَّة أَو خَاصَّة أَو مؤخرة عَن الْحَال
فَالْأول كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا لَهَا منذرون﴾
стр. 301
فَإِن الْجُمْلَة الَّتِي بعد ﴿إِلَّا﴾ حَال من ﴿قَرْيَة﴾ وَهِي نكرَة عَامَّة لِأَنَّهَا فِي سِيَاق النَّفْي
وَالثَّانِي نَحْو ﴿فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم أمرا من عندنَا﴾ ف ﴿أمرا﴾ اذا أعرب حَالا فَصَاحب الْحَال اما الْمُضَاف فالمسوغ أَنه عَام أَو خَاص أما الأول فَمن جِهَة أَنه أحد صِيغ الْعُمُوم أما الثَّانِي فَمن جِهَة الْإِضَافَة وَأما الْمُضَاف إِلَيْهِ فالمسوغ أَنه خَاص لوصفه بِحَكِيم وَقَرَأَ بعض السّلف ﴿وَلما جَاءَهُم كتاب من عِنْد الله مُصدق﴾ بِالنّصب فَجعله الزَّمَخْشَرِيّ حَالا من كتاب لوصفه بالظرف وَلَيْسَ مَا ذكر بِلَازِم لجَوَاز أَن يكون حَالا من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي الظّرْف
وَالثَّالِث كَقَوْلِه
(لمية موحشا طلل ... )
стр. 302
فَهَذِهِ الْمَوَاضِع وَنَحْوهَا مَجِيء الْحَال فِيهَا نكرَة قياسي كَمَا أَن الِابْتِدَاء بالنكرة فِي نظائرها قياسي وَقد مضى ذَلِك فِي بَاب الْمُبْتَدَأ فقس عَلَيْهِ هُنَا
стр. 303
ثمَّ قلت الثَّامِن التَّمْيِيز وَهُوَ اسْم نكرَة فضلَة يرفع ابهام اسْم أَو اجمال نِسْبَة
فَالْأول بعد الْعدَد الْأَحَد عشر فَمَا فَوْقهَا إِلَى الْمِائَة وَكم الأستفهامية نَحْو كم عبدا ملكت وَبعد الْمَقَادِير ك رَطْل زيتا وك شبر أَرضًا وقفيز برا وشبههن من نَحْو ﴿مِثْقَال ذرة خيرا﴾ ونحى سمنا وَمثلهَا زبدا وَمَوْضِع رَاحَة سحابا وَبعد فَرعه نَحْو خَاتم حديدا
وَالثَّانِي اما محول عَن الْفَاعِل نَحْو ﴿واشتعل الرَّأْس شيبا﴾ أَو عَن الْمَفْعُول نَحْو ﴿وفجرنا الأَرْض عيُونا﴾ أَو عَن غَيرهمَا نَحْو ﴿أَنا أَكثر مِنْك مَالا﴾ أَو غير محول نَحْو لله دره فَارِسًا
وَأَقُول الثَّامِن من المنصوبات التَّمْيِيز
وَهُوَ وَالتَّفْسِير والتبيين أَلْفَاظ مترادفة لُغَة وَاصْطِلَاحا وَهُوَ فِي اللُّغَة بِمَعْنى فصل الشَّيْء عَن غَيره قَالَ الله تَعَالَى ﴿وامتازوا الْيَوْم أَيهَا المجرمون﴾ أَي انفصلوا من الْمُؤمنِينَ ﴿تكَاد تميز من الغيظ﴾ أَي ينْفَصل بَعْضهَا من بعض وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاح مُخْتَصّ بِمَا اجْتمع فِيهِ ثَلَاثَة أُمُور وَهِي الْمَذْكُورَة فِي الْمُقدمَة
стр. 304
وَفهم مِمَّا ذكرته فِي حدي الْحَال والتمييز أَن التَّمْيِيز وان أشبه الْحَال فِي كَونه مَنْصُوبًا فضلَة مُبينًا لإبهام الا أَنه يُفَارِقهُ فِي أَمريْن أَحدهمَا أَن الْحَال انما يكون وَصفا إِمَّا بِالْفِعْلِ أَو بِالْقُوَّةِ وَأما التَّمْيِيز فَإِنَّهُ يكون بالأسماء الجامدة كثيرا نَحْو عشرُون درهما ورطل زيتا وبالصفات المشتقة قَلِيلا كَقَوْلِهِم لله دره فَارِسًا وَللَّه دره رَاكِبًا الثَّانِي أَن الْحَال لبَيَان الهيآت والتمييز يكون تَارَة لبَيَان الذوات وَتارَة لبَيَان جِهَة النِّسْبَة
وَقسمت كلا من هذَيْن النَّوْعَيْنِ أَرْبَعَة أَقسَام فَأَما أَقسَام التَّمْيِيز الْمُبين للذات فأحدها أَن يَقع بعد الْأَعْدَاد وَقسمت الْعدَد الى قسمَيْنِ صَرِيح وكناية فالصريح الْأَحَد عشر فَمَا فَوْقهَا الى الْمِائَة تَقول عِنْدِي أحد عشر عبدا وَتِسْعَة وَتسْعُونَ درهما وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكبا﴾ ﴿وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا﴾ ﴿وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة وأتممناها بِعشر فتم مِيقَات ربه أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾ ﴿فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾
стр. 305
﴿فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ ﴿ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا﴾ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة﴾ ﴿إِن هَذَا أخي لَهُ تسع وَتسْعُونَ نعجة﴾ وَفِي الحَدِيث إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما وَأَرَدْت بِقَوْلِي الى الْمِائَة عدم دُخُول الْغَايَة فِي المغيا وَهُوَ أحد احتمالي حرف الْغَايَة
وَالْكِنَايَة هِيَ كم الاستفهامية تَقول كم عبدا ملكت فكم مفعول مقدم وعبدا تَمْيِيز وَاجِب النصب والإفراد وَزعم الْكُوفِي أَنه يجوز جمعه فَتَقول كم عبيدا ملكت وَهَذَا لم يسمع وَلَا قِيَاس يَقْتَضِيهِ وَيجوز لَك جر تمييزكم الاستفهامية وَذَلِكَ مَشْرُوط بأمرين أَحدهمَا أَن يدْخل عَلَيْهَا حرف جر وَالثَّانِي أَن يكون تمييزها الى
стр. 306
جَانبهَا كَقَوْلِك بكم دِرْهَم اشْتريت وعَلى كم شيخ اشتغلت والجر حِينَئِذٍ عِنْد جُمْهُور النَّحْوِيين بِمن مضمرة وَالتَّقْدِير بكم من دِرْهَم وعَلى كم من شيخ وَزعم الزّجاج أَنه بِالْإِضَافَة
الْقسم الثَّانِي أَن يَقع بعد الْمَقَادِير وقسمتها على ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا مَا يدل على الْوَزْن كَقَوْلِك رَطْل زيتا ومنوان سمنا والمنوان تَثْنِيَة منا وَهُوَ لُغَة فِي الْمَنّ وَقيل فِي تثنيته منوان كَمَا يُقَال فِي تَثْنِيَة عَصا عصوان الثَّانِي مَا يدل على مساحة كَقَوْلِك شبر أَرضًا وجريب نخلا وَقَوْلهمْ مَا فِي السَّمَاء مَوضِع رَاحَة سحابا الثَّالِث مَا يدل على الْكَيْل كَقَوْلِهِم قفيز برا وَصَاع تَمرا
الْقسم الثَّالِث أَن يَقع بعد شبه هَذِه الْأَشْيَاء وَذكرت لذَلِك أَرْبَعَة أَمْثِلَة أَحدهَا قَول الله تَعَالَى ﴿مِثْقَال ذرة خيرا﴾ فَهَذَا يعد شبه الْوَزْن وَلَيْسَ بِهِ حَقِيقَة لِأَن مِثْقَال الذّرة لَيْسَ اسْما لشَيْء يُوزن بِهِ فِي عرفنَا الثَّانِي قَوْلهم عِنْدِي نحى سمنا والنحى بِكَسْر النُّون واسكان الْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا يَاء خَفِيفَة اسْم لوعاء السّمن وَهَذَا يعد شبه الْكَيْل وَلَيْسَ بِهِ حَقِيقَة لِأَن النحى لَيْسَ مِمَّا يُكَال بِهِ السّمن وَيعرف بِهِ مِقْدَاره
стр. 307
انما هُوَ اسْم لوعائه فَيكون صَغِيرا وكبيرا وَمثله قَوْلهم وطب لَبَنًا والوطب بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الطَّاء وبالباء الْمُوَحدَة اسْم لوعاء اللَّبن وَقَوْلهمْ سقاء مَاء وزق خمرًا وراقود خلا الثَّالِث مَا فِي السَّمَاء مَوضِع رَاحَة سحابا فسحابا وَاقع بعد مَوضِع رَاحَة وَهُوَ شَبيه بالمساحة وَالرَّابِع قَوْلهم على التمرة مثلهَا زبدا فزبدا وَاقع بعد مثل وَهِي شَبيهَة ان شِئْت بِالْوَزْنِ وان شِئْت بالمساحة
وَالْقسم الرَّابِع أَن يَقع بعد مَا هُوَ متفرع مِنْهُ كَقَوْلِهِم هَذَا خَاتم حديدا وَذَلِكَ لِأَن الْحَدِيد هُوَ الأَصْل والخاتم مُشْتَقّ مِنْهُ فَهُوَ فَرعه وَكَذَلِكَ بَاب ساجا وجبة خَزًّا وَنَحْو ذَلِك
وَأما أَقسَام التَّمْيِيز الْمُبين لجِهَة النِّسْبَة فَأَرْبَعَة
أَحدهَا أَن يكون محولا عَن الْفَاعِل كَقَوْل الله ﴿واشتعل الرَّأْس شيبا﴾ أَصله واشتعل شيب الرَّأْس وَقَوله تَعَالَى ﴿فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا﴾ أَصله فَإِن طابت أَنْفسهنَّ لكم عَن شَيْء مِنْهُ فحول الْإِسْنَاد فيهمَا عَن الْمُضَاف وَهُوَ الشيب فِي الْآيَة الأولى والأنفس فِي الْآيَة الثَّانِيَة الى الْمُضَاف اليه وَهُوَ الرَّأْس وَضمير النسْوَة
стр. 308
فارتفعت الرَّأْس وَجِيء بدل الْهَاء وَالنُّون بنُون النسْوَة ثمَّ جِيءَ بذلك الْمُضَاف الَّذِي حول عَنهُ الْإِسْنَاد فضلَة وتمييزا وأفردت النَّفس بعد أَن كَانَت مَجْمُوعَة لِأَن التَّمْيِيز انما يطْلب فِيهِ بَيَان الْجِنْس وَذَلِكَ يتَأَدَّى بالمفرد
الثَّانِي أَن يكون محولا عَن الْمَفْعُول كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وفجرنا الأَرْض عيُونا﴾ قيل التَّقْدِير ﴿وفجرنا﴾ عُيُون الأَرْض وَكَذَا قيل فِي غرست الأَرْض شَجرا وَنَحْو ذَلِك
الثَّالِث أَن يكون محولا عَن غَيرهمَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَنا أَكثر مِنْك مَالا﴾ أَصله مَالِي أَكثر فَحذف الْمُضَاف وَهُوَ المَال وأقيم الْمُضَاف اليه وَهُوَ ضمير الْمُتَكَلّم مقَامه فارتفع وانفصل وَصَارَ أَنا أَكثر مِنْك ثمَّ جِيءَ بالمحذوف تمييزا وَمثله زيد أحسن وَجها وَعَمْرو أنقى عرضا وَشبه ذَلِك التَّقْدِير وَجه زيد أحسن وَعرض عَمْرو أنقى
стр. 309
الرَّابِع أَن يكون غير محول كَقَوْل الْعَرَب لله دره فَارِسًا وحسبك بِهِ ناصرا وَقَول الشَّاعِر
(يَا جارتا مَا أَنْت جَاره ... )
يَا حرف نِدَاء جارتا منادى مُضَاف للياء وَأَصله يَا جارتي فقلبت الكسرة فَتْحة وَالْيَاء ألفا مَا مُبْتَدأ وَهُوَ اسْم اسْتِفْهَام أَنْت خَبره والمعني عظمت كَمَا يُقَال زيد وَمَا زيد أَي شَيْء عَظِيم وجارة تَمْيِيز وَقيل حَال وَقيل مَا نَافِيَة وَأَنت اسْمهَا وجارة خبر مَا الحجازية أَي لست جَارة بل أَنْت أشرف من الجارة وَالصَّوَاب الأول وَيدل عَلَيْهِ قَول الشَّاعِر
стр. 310
(يَا سيدا مَا أَنْت من سيد ... موطأ الأكناف رحب الذِّرَاع)
وَمن لَا تدخل على الْحَال وانما تدخل على التَّمْيِيز
стр. 311
ثمَّ قلت التَّاسِع الْمُسْتَثْنى بليس أَو بِلَا يكون أَو بِمَا خلا أَو بِمَا عدا مُطلقًا أَو بإلا بعد كَلَام تَامّ مُوجب أَو غير مُوجب وَتقدم الْمُسْتَثْنى نَحْو ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾
وَمَالِي إِلَّا آل أَحْمد شيعَة ... )
وَغير الْمُوجب إِن ترك فِيهِ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَلَا أثر فِيهِ لإلا وَيُسمى مفرغا نَحْو مَا قَامَ إِلَّا زيد وَإِن ذكر فَإِن كَانَ الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا فإتباعه للمستثنى مِنْهُ أرجح نَحْو ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم﴾ أَو مُنْقَطِعًا فتميم تجيز اتِّبَاعه ان صَحَّ التفريغ والمستثنى بِغَيْر وَسوى مخفوض وبخلا وَعدا وحاشا مخفوض أَو مَنْصُوب وتعرب غير بِاتِّفَاق وَسوى على الْأَصَح إِعْرَاب الْمُسْتَثْنى بإلا
وَأَقُول التَّاسِع من المنصوبات الْمُسْتَثْنى
وانما يجب نَصبه فِي خمس مسَائِل احداها أَن تكون أَدَاة الِاسْتِثْنَاء لَيْسَ كَقَوْلِك قَامُوا لَيْسَ زيدا وَقَول النَّبِي ﷺ مَا أنهر الدَّم وَذكر اسْم الله فَكُلُوا لَيْسَ
стр. 312
السن وَالظفر فَلَيْسَ هُنَا بِمَنْزِلَة إِلَّا فِي الِاسْتِثْنَاء والمستثنى بهَا وَاجِب النصب مُطلقًا باجماع الثَّانِيَة أَن تكون أَدَاة الِاسْتِثْنَاء لَا يكون كَقَوْلِك قَامُوا لَا يكون زيدا فَلَا يكون أَيْضا بِمَنْزِلَة إِلَّا فِي الْمَعْنى والمستثنى بهَا وَاجِب النصب مُطلقًا كَمَا هُوَ وَاجِب مَعَ لَيْسَ
وَالْعلَّة فِي ذَلِك فيهمَا أَن الْمُسْتَثْنى بهما خبرهما وَسَيَأْتِي لنا أَن كَانَ وَلَيْسَ وأخواتهما يرفعن الِاسْم وينصبن الْخَبَر
فَإِن قلت فَأَيْنَ اسْمهَا
قلت مستتر فيهمَا وجوبا وَهُوَ عَائِد على الْبَعْض الْمَفْهُوم من الْكل السَّابِق وَكَأَنَّهُ قيل لَيْسَ بَعضهم زيدا وَلَا يكون بَعضهم زيدا وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِن كن نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ﴾ أَي فَإِن كَانَت الْبَنَات وَذَلِكَ لِأَن الْأَوْلَاد قد تقدم ذكرهم وهم شاملون للذكور وَالْإِنَاث فَكَأَنَّهُ قيل أَولا يُوصِيكُم الله فِي بنيكم وبناتكم ثمَّ قيل فَإِن كن وَكَذَلِكَ هُنَا
الثَّالِثَة أَن تكون الأداة مَا خلا كَقَوْلِك جَاءَ الْقَوْم مَا خلا زيدا وَقَول لبيد بن ربيعَة العامري الصَّحَابِيّ
стр. 313
(أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... وكل نعيم لَا محَالة زائل)
الرَّابِعَة أَن تكون الأداة مَا عدا كَقَوْلِك جَاءَ الْقَوْم مَا عدا زيدا وكقول الشَّاعِر
(تمل الندامى مَا عداني فإنني ... بِكُل الَّذِي يهوى نديمي مولع)
стр. 314
فالياء فِي مَوضِع نصب بِدَلِيل لحاق نون الْوِقَايَة قبلهَا وَحكى الْجرْمِي والربعي والأخفش الْجَرّ بَعْدَمَا خلا وَمَا عدا وَهُوَ شَاذ فَلهَذَا لم أحفل بِذكرِهِ فِي الْمُقدمَة
فَإِن قلت لم وَجب عِنْد الْجُمْهُور النصب بعد مَا خلا وَمَا عدا وَمَا وَجه الْجَرّ الَّذِي حَكَاهُ الْجرْمِي وَالرجلَانِ
قلت أما وجوب النصب فَلِأَن مَا الدَّاخِلَة عَلَيْهِمَا مَصْدَرِيَّة وَمَا لَا تدخل الا على الْجُمْلَة الفعلية وَأما جَوَاز الْخَفْض فعلى تَقْدِير مَا زَائِدَة لَا مَصْدَرِيَّة وَفِي ذَلِك شذوذ فَإِن الْمَعْهُود فِي زِيَادَة مَا مَعَ حرف الْجَرّ أَن لَا تكون قبل الْجَار وَالْمَجْرُور بل بَينهمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿عَمَّا قَلِيل ليصبحن نادمين﴾ ﴿فبمَا نقضهم﴾ ﴿مِمَّا خطيئاتهم أغرقوا﴾
стр. 315
وَقَوْلِي مُطلقًا رَاجع الى الْمسَائِل الْأَرْبَع أَي سَوَاء تقدم الْإِيجَاب أَو النَّفْي أَو شبهه
الْخَامِسَة أَن تكون الأداة إِلَّا وَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ احداهما أَن تكون بعد كَلَام تَامّ مُوجب ومرادي بالتام أَن يكون الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَذْكُورا وبالإيجاب أَن لَا يشْتَمل على نفي وَلَا نهي وَلَا اسْتِفْهَام وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس﴾
الثَّانِيَة أَن يكون الْمُسْتَثْنى مقدما على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ كَقَوْل الْكُمَيْت يمدح آل الْبَيْت ﵃
(وَمَالِي إِلَّا آل أَحْمد شيعَة ... وَمَالِي إِلَّا مَذْهَب الْحق مَذْهَب)
стр. 316
وَلما انْتَهَيْت الى هُنَا استطردت فِي بَقِيَّة أَنْوَاع الْمُسْتَثْنى وان كَانَ بعض ذَلِك لَيْسَ من المنصوبات البته وَبَعضه مُتَرَدّد بَين بَاب المنصوبات وَغَيرهَا فَذكرت أَن الْكَلَام اذا كَانَ غير ايجاب وَهُوَ النَّفْي وَالنَّهْي والاستفهام فَإِن كَانَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ محذوفا فَلَا عمل لإلأ وانما يكون الْعَمَل لما قبلهَا وَمن ثمَّ سموهُ اسْتثِْنَاء مفرغا لِأَن مَا قبلهَا قد تفرغ للْعَمَل فِيمَا بعْدهَا وَلم يشْغلهُ عَنهُ شَيْء تَقول مَا قَامَ الا زيد فَترفع زيدا على الفاعلية
стр. 317
وَمَا رَأَيْت الا زيدا فتنصبه على المفعولية وَمَا مَرَرْت الا بزيد فتخفضه بِالْبَاء كَمَا تفعل بِهن لَو لم تذكر إِلَّا وان كَانَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَذْكُورا فإمَّا أَن يكون الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا وَهُوَ أَن يكون الْمُسْتَثْنى دَاخِلا فِي جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ أَو مُنْقَطِعًا وَهُوَ أَن يكون غير دَاخل
فَإِن كَانَ مُتَّصِلا جَازَ فِي الْمُسْتَثْنى وَجْهَان أَحدهمَا وَهُوَ الرَّاجِح أَن يعرب بإعراب الْمُسْتَثْنى مِنْهُ على أَن يكون بَدَلا مِنْهُ بدل بعض من كل وَالثَّانِي النصب على أصل الِاسْتِثْنَاء وَهُوَ عَرَبِيّ جيد مِثَال ذَلِك فِي النَّفْي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء إِلَّا أنفسهم﴾ أَجمعت السَّبْعَة على رفع ﴿أنفسهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم﴾ قَرَأَ السَّبْعَة إِلَّا ابْن عَامر بِرَفْع قَلِيل على أَنه بدل من الْوَاو فِي ﴿فَعَلُوهُ﴾ كَأَنَّهُ قيل مَا فعله إِلَّا ﴿قَلِيل﴾ مِنْهُم وَقَرَأَ ابْن عَامر وَحده إِلَّا قَلِيلا بِالنّصب ومثاله فِي النَّهْي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد إِلَّا امْرَأَتك﴾ قريء بِالرَّفْع وَالنّصب ومثاله فِي الِاسْتِفْهَام قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون﴾ أَجمعت السَّبْعَة على الْإِبْدَال من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي يقنط وَلَو قرئَ ﴿الضَّالّين﴾ بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء لم يمْتَنع وَلَكِن الْقِرَاءَة سنة متبعة
стр. 318
وان كَانَ مُنْقَطِعًا فالحجازيون يوجبون نَصبه وَهِي اللُّغَة الْعليا وَلِهَذَا أَجمعت السَّبْعَة على النصب فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا لَهُم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى﴾ وَلَو أبدل مِمَّا قبله لقرئ بِرَفْع ﴿إِلَّا اتِّبَاع﴾ و ﴿إِلَّا ابْتِغَاء﴾ لِأَن كلا مِنْهُمَا فِي مَوضِع رفع اما على أَنه فَاعل بالجار وَالْمَجْرُور الْمُعْتَمد على النَّفْي واما على أَنه مُبْتَدأ تقدم خَبره عَلَيْهِ والتميميون يجيزون الْإِبْدَال ويختارون النصب قَالَ الشَّاعِر
(وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس)
стр. 319
فأبدل اليعافير والعيس من أنيس وَلَيْسَ من جنسه
وَذكرت أَيْضا أَن الْمُسْتَثْنى بِغَيْر وَسوى مخفوض دَائِما لِأَنَّهُمَا ملازمان للاضافة لما بعدهمَا فَكل اسْم يَقع بعدهمَا فهما مضافان اليه فَلذَلِك يلْزمه الْخَفْض
стр. 320
وَأَن الْمُسْتَثْنى بخلا وَعدا وحاشا يجوز فِيهِ الْخَفْض وَالنّصب فالخفض على أَن يقدرن حُرُوف جر وَالنّصب على أَن يقدرُونَ أفعالا استتر فاعلهن والمستثنى مفعول هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَلم يجوز سِيبَوَيْهٍ فِي الْمُسْتَثْنى بعدا غير النصب لِأَنَّهُ يرى أَنَّهَا لَا تكون الا فعلا وَلَا فِي الْمُسْتَثْنى بحاشا غير الْجَرّ لِأَنَّهُ يرى أَنَّهَا لَا تكون الا حرفأ
следующие страницы →