← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 696

عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر

محمود شكري الألوسي

Полный текст (325 стр.). Показаны 169–208 · переход к 174.

стр. 169

[دلالة خبر الآحاد] (١) "وَ مَا" أي: الخبر الذي هو "سِوَى المتواترِ" - سواءٌ كان مشهورًا "أم عزيزًا" أم غريبًا - يُقَالُ لَهُ "آحَادٌ" عَلَى الأَصَحِّ؛ وذهب قومٌ إلى أنَّ المشهور قسمٌ ثالثٌ غير المتواتر والآحاد، وما سَبَقَ من الكَلام يوضِّحُ لك المَرَامَ. ولنتعَّرضْ في هذا المقام لمسألة دعَتْنَا المناسبةُ لذكْرِها؛ تبعًا لجماعةٍ من الفضلاء في استطرادِهِمْ ذِكْرَ أَدْنَى ما يتعلَّقُ بغَرَضِهِمْ، وهي: أنَّ دلالة الآحاد ظنيَّةٌ؛ فلا يُقْطَعُ بِصدْقِها، وقد يفيد القَطْعَ والعِلْمَ اليقينيَّ؛ لقرينة احتفَّتْ به؛ كما في إخبار رَجُلٍ يَمُوتُ ولدُهُ المُشْرِفُ على الموت، مع قرينة البكاءِ وإحضار الكَفَن والنَّعْش؛ وهذا هو الأصحُّ الذي اختاره ابْنُ السّبْكِيِّ (٢)؛ وفاقًا للآمدي (٣)، وابن

стр. 170

الحاجب (١)، والبيضاوي (٢) وغيرهم. (٣) وقيل: لا يفيدُ العلْمَ مطلقًا؛ وعليه الأكثر (٤)، واختاره ابْنُ السبكي في "شَرْح المختصر" (٥). وقيل: يفيدُهُ مطلقًا (٦)؛ بشرط العَدَالَةِ؛ لأنَّه حديثٌ يجبُ العملُ به،

стр. 171

وإنما يجبُ العلْمُ بما يفيد العلْمَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَ لا تَقْفُ مَا لَيْسَ

стр. 172

لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]؛ وأجيب: بأن ذلك فيما المطلوبُ به العِلْمُ من أُصُولِ الدِّين؛ كوحدانية الله تعالى؛ لما ثَبَتَ من وجوب العمل بالظنِّ في الفُرُوع، وتمامُ هذا البَحْثِ في أصول الفقه. (١) ولمَّا أراد المصنِّف أنْ يقسِّم الآحادَ فقَطْ إلى أقسامِهِ الآتية دون المتواتر؛ لأنه ليس من مباحث عِلْمِ الإسناد؛ بل من مباحث أُصُول الفقه (١٢)؛ لأنَّ

стр. 173

علم الإسناد علْمُ ما يبحثُ فيه عن صِحَّةِ الحديث أو ضَعْفِهِ؛ ليُعْمَلَ فيه أو يُتْرَكَ … إلى آخر ما سَبَقَ في الفوائد. والمتواتر لا يُبْحَثُ فيه عن رجاله؟ بل يجب العَمَلُ به من غير بَحْث - كما مَرَّ - ولذا تَرَكَ الحافظُ بيانَ شروطه في الأصْلِ، وقد ذكره المصنِّف؛ تكميلا للفائدة، ونِعْمَ ما صنع.

стр. 174

[الصحيح لذاته] (١) قال: "وَ بَعْضُهَا" أي: الآحاد "مَقْبُولٌ، وبَعْضُهَا مَرْدُودٌ"، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بيانُ كلٍّ من الأقسام على وَجْهٍ لا غبار عليه: فالمقبول: أربعةٌ؛ لأنه إن رواه عدلٌ، أي: متصفٌ بالعدالة، وهي مَلَكَةٌ تمنَعُ من فعْلِ كبيرةٍ، وسيجييء تتمَّة هذا البحث إن شاء الله. وقوله "عَدْل" (٢): احتراز عما ينقُلُهُ غير العدل؛ كالفاسق، والمجهول العَيْنِ والحالِ، والمعروفِ بالضَّعْف، وسيجيء، زيادة بيانٍ لهذا - أيضًا - في مباحث الطعن.

стр. 175

وقوله: "تَامّ الضَّبْطِ" أي: كامله (١)؛ فخَرَجَ ناقصُهُ وقليلُهُ مما هو المعتبر في الحَسَنِ لذاته، وهذه المرتبُة العليا في ذلك، لِمزيد الوثوق مع هذا الوَصْف؛ ولذلك رُجِّحَ روايةُ مالكٍ وسُفْيانَ، عن أبي حازمٍ حديثَ: "زُوَّجْتُكَهَا بِمَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (٢) على رواية عبد العزيز بْنِ أبي حازم بلَفْظ: "مَلَّكْتُكَهَا … "؛ لأنَّ مالكًا وسفيانَ أضبَطُ منه. وسواءٌ في ذلك: أن تكونَ روايتُهُ باللفْظِ أو بالمعنى، ويَخْرُجُ - أيضًا - ما نقله مغفَّلٌ كثيرُ الخطأ؛ بألا يجيز الصواب؛ فيرفع

стр. 176

المَوْقُوف، ويَصِل المُرْسَل، ويصحِّف الرواة، وهو لا يَشْعُرُ (١). والضبْطُ قسمان: ضبط صَدْر؛ وهو: عبارةٌ عن تحصيلِ مَلَكَةٍ بالنسبة إلى ما سَمِعَ من الشيخ؛ بَحيْثُ يتمكَّن من استحضارِهِ متى شاء، وضَبْطُ كتابٍ؛ وهو: صيانَتُهُ عن احتمال التصرُّف فيه؛ بأن يكونَ الكتابُ الذي صحَّحه عند شَيْخِهِ، وسَمِعَهُ منه - لم يخرُجْ من يده، ثُمَّ عاد إليه؛ فلا عبرة بضَبْطِهِ، وهذا معنَى ما ذكره الحافظُ في "شرحه" من أن ضبْطَ الصدر: هو أنْ يثبت ما سَمِعَهُ؛ بحيث يتمكَّنُ من استحضارِهِ متَى شاء، وضَبْطَ الكتابِ: هو صيانتُهُ لدَيْهِ منذ سَمِعَهُ فيه وصحَّحه إلى أن يؤدِّيَ منه (٢). و"اتَّصَلَ سَنَدُهُ" مُخْرِجٌ للمنقطع والمُعْضَل والمُرْسَل على رأْيِ من لا يقبَلُهُ؛ لأنَّ المتصل ما سَلِمَ إسنادُهُ من سقوطٍ فيه؛ بحيث يكونُ كُلٌّ مِنْ رجاله سَمِعَ ذلك المرويَّ من شيخه. والسنَدُ: تقدَّم تعريفُهُ من أنه: "حكايَةُ طريقِ المَتْنِ". وقوله: "وَ سَلِمَ مِنَ الشُّذُوذِ ومِنَ الْعِلَّةِ الْقَادِحَةِ" فخرج الشَّاذّ والمعلَّل، والمنَكَّر؛ بِنَاءً على أنَّ معنى الشذوذ - لغة -: "الانفراد"، واصطلاحًا: "مخالفةُ الراوِي مَنْ هُوَ أرجَحُ منه، سواء كان الراوي ثقةً أو ضعيفًا". وعند ابن الصَّلاح: هو والشذوذ سيَّانِ (٤)؛ فَذِكْرُهُ معه تَكْرارٌ، وعند غيره: أن المُنَكَّر أسوأ حالا من الشاذِّ، فاشتراط نَفْي الشذوذ يقتضي اشتراطَ نَفْيهِ بالأولى؛ فلا يرد أنَّ كلام المصنِّف ناقص؛ حيث لم يشترطْ

стр. 177

نَفْيَ الإنكار، ولا ينافي هذا ما ذهَبَ إلَيْه الشيخ (١) عن أنَّ الحقَّ في تعريف الشاذِّ هو: "ما رواه المقبولُ مخالفًا لمنْ هُوَ أَوْلَى منه" (٢)؛ لأنَّ الشاذَّ له إطلاقاتُهُ، والمراد بالعلَّةِ العلَّةُ الخفية، وهي ما طَرَأَتْ على الحديثِ السالِمِ ظاهرهً منها، ولا يطلعُ عليه إلا المتبحِّر في الشأن، وليس المراد بذكر الخفية: إخراجَ الظاهرةِ؛ لأن الخفيَّة إذا أثَّرَتْ، فالظاهرة أَوْلَى؛ بل الظاهرة: إما راجعةٌ إلَى ضعف الراوي، أو عَدَمِ اتصالِ السند؛ وذلك خارجٌ بما سبق، واحترز بالقادحة - كالإرسال - عن غيره. فإذا توفَّرَتْ هذه الأمور، فهو - أي المقبول - يقالُ له: "الصَّحيح لذاتِهِ". واعلم: أنَّ المراد به ما في حدث بهذه الأمور، وبالضعيف: ما لم توجَدْ، لا ما هو كذلك في نَفْس الأَمْر؛ لجواز صِدْقِ الكاذب، وخَطَإ الراوي، وأنَّ الصحيحَ قد يكُونُ فَرْدًا وقد يكونُ غَيْرَ فَرْد؛ لأن الأدلَّة على قَبُول خبر الواحد، لا تفصِّلُ بين الفَرْد وغيره؛ ولهذا أطلق المصنِّف ﵀ وذهب أبو عليٍّ الجُبائي (٣) من المعتزلة: إلى اشتراط العدد في قَبُول الخبر، وهو ظاهرُ كلامِ الحاكمِ، في "علوم الحديث" (٤)، ولا يَرِدُ أنَّ المتواتِرَ صحيح مع أنه لا يشترط فيه هذه القيود؛ لأن عمادة النقض لابُدَّ أن تكُون محقَّقة، ووجود حديث متواتِرٍ لا تجتمعُ فيه هذه الأمورُ غَيْر متحقِّقة.

стр. 178

[الحسن لذاته] (١) وإنْ وُجِدَتِ الشروطُ الخمْسُ المذكورةُ - وهي: روايةُ العَدْل، وتماميَّةُ الضَّبْط، واتصالُ السنَدِ، والسلامةُ من الشذوذِ، والسلامةُ من العلَّة القادحة؛ لكنْ خَفَّ الضبط، أي: قل؛ يقال: خَفَّ القَوْمُ خُفُوفًا، أي: قَلُّوا، وفي القاموس: "إلخِفّ بالكسر -: الخفيفة، والجماعة القليلة" فالخِفَّة استعملَتْ في الكيفيَّة والكميَّة -: فهو الحَسَنُ لذاته، لا لشيْءٍ خارجٍ عنه، واحترز به عن الحَسَنِ لغيره، وسيجيء ذِكْرُهُ في بَحْث سوء الحفْظِ، إن شاء الله (٢)، وهو الذي يكونُ حُسْنه بسَبَب الاعتضادِ؛ نحو حديث "المَسْتُور" (٣) إذا تعدَّدَتْ طرقه.

стр. 179

وخَرَجَ بوجودِ الشُّرُوِطِ الخمسة: الضعيفُ، وهذا القسْمُ من الحَسَنِ، مشاركٌ للصحيحِ في الاحتجاجِ به، وإن كان دُونَهُ، ومشابِهٌ له في انقسامه إلَى مراتبَ بعضُهُا فوْقَ بعض؛ كما سيجي، -إن شاء الله تعالى- وتفاوت مراتب الصحيح والحَسَن بتفاوُتِ هذه الصفات المتقدِّمة، المقْتَضِيِة للصحَّة؛ فالأحاديثُ التي قِيلَ: إنها أصحُّ الأحاديث مطلقًا - أعْلَى في الصحَّة من الأحاديث الصحيحةِ التي لمْ يُقَلْ في شيْء منها ذلك. وإنْ كان الجميعُ مشتملا على أَصْلِ العدالة والضَّبْط، وباقي الشُّرُوط، وتكون رُتَبُ الصحيحِ متفاوِتَةًّ، فما تَكُون رواتُهُ في الدرجة العُلْيَا في العدالة والضَّبْط، وسائرِ الصفات التي توجِبُ الترجيح -: كان أصحَّ مما دونه، ولذا قُدِّمَ في الصحَّة: صحيحُ أبي عبد الله محمَّدِ بْنِ إسماعيلَ بْنِ

стр. 180

إبراهيمَ البخاريِّ (١)، على صحيح مسلم بن الحَجَّاج القُشَيْرِيِّ (٢) لأنَّ كلا

стр. 181

من اتصال السنَدِ، وعدالةِ الرِّجَال، وضَبْطِهِمْ، والسلامةِ مِنَ الشذوذ والعلَّة، في صحيح البخاريِّ -: أتمُّ منها في صحيح مُسْلم (١):

стр. 182

أما اتصالُ السنَدِ: فإنَّ البخاريَّ لا يَحْكُمُ بوَصْل المُعَنْعَنِ إلا إذا ثَبَتَ لقاءُ المُعَنْعِنِ للمُعَنْعَنِ عنه ولومرَّةً واحدةً، ومسلمٌ يكتفي في ذلك بإمكانِ اللِّقَاء (١) وأما عدالَةُ الرجال وضبْطُهُمْ: فلأنَّ البخاريَّ إنما يُخَرِّجُ حديثَ

стр. 183

الثقة المُتْقِنِ الملازِمِ لمَنْ أَخَذَ عنه ملازمةً طويلةً، ولا يخرِّجُ لمن يلي هذه الطبَقَةَ إلا في المتابعات ومسلم يُخَرِّج لهذه الطبقة؛ كما يخرِّج للتي قبلها (١). وأيضًا: الذين تُكُلِّمَ فيهم من رجالِ البخاريِّ: ثمانون، ومن رجال مُسْلِمِ مائة وسِتُّون. (٢) وأما السلامةُ من الشُّذُوذ والعِلَّة: فلأنَّ ما انْتُقِدَ على البخاريَّ نحْوُ ثمانين حديثًا، وما انتُقِدَ على مُسْلِمٍ نحْوُ مائة وثلاثين حديثًا (٣)، وفي هذه

стр. 184

المسألة أقوالٌ أُخَرُ مذكورةٌ في المطوَّلات (١)؛ ولقد أنْصَفَ من قال (٢): [من الطويل]: تَنَازَعَ قَوْمٌ في البُخَارِيْ ومُسْلِمٍ … لَدَيَّ وقَالُوَا أَيَّ ذَيْنً تُقَدِّمُ فَقُلْتُ لِئن فَاقَ البُخَارِيُّ صِحَّةً … لَقَدْ فَاقَ فيِ حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ (٣) وهذه طريقةٌ وسْطَى، وهي أحقُّ بالقبول؛ لَدَى الكُمَّل الفحول. ثم يقدم مرويُّ مسلم وحده؛ لمشاركته للبخاري في اتفاقِ الأمَّة على تلقِّي كتابه بالقَبُول، ثم ما حَوَى شرطَهُمَا، والمرادُ به: رواتُهُما أو مِثْلُهم مع باقي شروط الصحيح من اتِّصَالِ السندِ، ونَفْي الشذُوذِ والعلَّة. قال الشُّمُنِّيُّ (٤) في "شَرْح النُّخْبة" (٥): وقد اختَلَفَ أئمَّة الحديث في

стр. 185

شَرْطهما ما هُوَ؟ إذ لا شَرْطَ لهما مذكورٌ في كتابَيْهِما، ولا في غَيْرهما، وإنَّما أَخَذُوا ذلك من صَنِيعَيْهما في كتابَيْهما؛ فقال الحافظ أبو الفَضْل محمَّد بن طاهر (١): شرْطُ البخاريِّ ومسلمٍ أن يخرِّجا الحديث المُجْمَعَ على ثِقَةِ نَقَلَتِهِ إِلى الصحابيِّ المشهور مِنْ غير اختلافٍ بَيْنَ الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غَيْرَ منقطع" (٢). ثم قال: وتعقَّبه شيخنا الحافظ أبو الفَضْل ابن الحسيني (٣) بأن النَّسَائِيَّ ضعَّف جماعةً أَخْرَجَ لهم الشيخانِ أو أحدُهُمَا" (٤). وقال النوويُّ (٥) وغيره: "المرادُ بقَوْلهم: "على شرطهما": أنْ يكُون رجالُ إسناده في كتابَيْهما" (٦)؛ ولذلك يعترِضُ الإمامُ أبو الفَتْح بن

стр. 186

وَهْب، (١) على الحاكم؛ حيثُ ينقل تصحيحَهُ لحديث على شَرْط البخاريِّ مثلا؛ بأنَّ فيه فلانًا، ولم يخرِّجْ له البخاريُّ" (٢). وكذلك فعل الحافظ أبو عبد الله الذَّهَبِيُّ (٣)، وتَّصَرُّف الحاكم يؤيِّد ذلك؛ فإنه يقول في الحديث الذي أَخْرَجَ الشيخانِ أو أحدُهُمَا لرواته: صحيحٌ على شَرْط الشيخَيْن، أو على شَرْطِ البخاريِّ أو مسلمٍ، وإذا كان بعضُ رواته لم يخرِّجا له قال: صحيحُ الإسنادِ فقط" انتهى. (٤) وههنا كلام؛ لم تسمَحْ بمثله الأفهام، قد ذكره الحافظ السُّيُوطيُّ (٥) في "شرحه" على منظومته نظم الدرر، أعرضْنَا عن ذكْره - ولا غِنَى عنه - خوفًا من السآمة والضَّجَر.

стр. 187

ثمَّ يقدَّمُ ما حَوى شرْطَ البخاريِّ فقطْ، ثم ما حَوَى شرْطَ مسلم، ثم ما حوَى شَرْطَ غيرهما مِنْ سائر الأئمَّة الأربعة. وهذه الأقسامُ هي مراتِبُ الصحيحِ. وجَمْعُ المصنِّفِ الحَسَنَ مع الصحيح في التفاوُتِ - موافقٌ لما ذكَرَهُ كثيرٌ من الفضلاء؛ قال الشُّمُنِّيُّ (١) في شرح النخبة: "فائدةٌ: اعلم: أنَّ الحسن - أيضًا - يأتي على مراتِبَ متفاوتهٍ"، قال الحافظ الذهبيُّ: "فأعلى مراتِبِ الحسنِ بَهْزُ بنُ حَكِيم، عن أبيه عن جَدِّه ومحمد بن عمرو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرة، وعمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده، وابن إسحاق عن محمَّد بن إبراهيم التيميِّ، وأمثال ذلك كثيرٌ، وهو قسمٌ متجاذِبٌ بين الصحَّة والحُسْنِ؛ فإِنَّ عدَّةً من الحُفَّاظ يصحِّحون هذه الطرق، ويَنْعَتُونَهَا؛ بأنها من أدنى مراتِبِ الصحيحِ، ثم بعد ذلك أمثلةٌ كثيرةٌ متنازعٌ فيها؛ بَعَضُهُمْ يُحْسِنُهَا، وأخرون يُضَعِّفُونها (٢)؛

стр. 188

كحديث الحارث بن عبد الله (١)، وعَاصِمِ بْنِ ضَمْرَة (٢)،

стр. 189

وحَجَّاج بن أَرْطَاة، (١) وخُصَيْف (٢)، ....

стр. 190

ودَرَّاج أبي السَّمْح (١)، وخَلْقَ سواهم" (٢) انتهي.

стр. 191

[الصحيح لغيره] (١) ويُحْكَمُ بصحَّة الحَسَن؛ إذا كَثُرَتْ طرقه؛ إذ فيه جَبْرٌ لما في قلَّة الضبْطِ، وصار صحيحًا؛ لكن لا لذاته؛ بل متابعةً (٢)؛ كحديث أُبَيِّ بن العَبَّاس بن سَهْل بن سَعْد، عن أبيه، عن جده في ذكْرِ خيل النبيِّ ﷺ فإن أُبَيًّا (٣) هذا ضعَّفه لسوء حفظِهِ: أحمد بن حنبل ﵁ ويحيى بن مَعِينٍ، والنَّسَائي؛ فحديثه حَسَنٌ؛ لكنْ لمَّا تابعه على هذا الحديثِ أخُوهُ عبد المهيمن بْنُ العباس (٤) - ارتقَى إلى درجة الصحَّة، وإن كان عبد المهيمن - أيضًا - ضعيفًا.

стр. 192

[قول الترمذي حسن صحيح] (١) وقد اسْتَشكَلَ الشيخُ أبو عَمْرِو بْنُ الصَّلاحِ قولَ التِّرْمِذِيِّ في الحديث الواحد: "حَسَنٌ صَحِيحٌ"؛ لأن الحسن قاصرٌ عن رُتْبة الصحيح؛ ففي الجمع بينهما في الحديث الواحد جَمْعٌ بين القُصُور وعدمِهِ (٢). والجواب: أنَّ الحديثَ الذي قيل فيه ذلك: إن كان فردًا، فللتردُّد في راويه؛ لأنه عند قَوْمٍ في رتبة مَنْ حديثُهُ صحيحٌ، وعند آخرينَ في رُتْبه مَنْ حديثُهُ حَسَنٌ؛ وعلى هذا: إنَّ ما قِيلَ فيه: "حسن صحيح" دون ما قيل فيه: "صحيح" وأورد عليه بأنَّ الترمذيَّ يجمع بينهما في الحديث الذي لا خِلافَ في رواته، إن كان الحديثُ الذي قِيلَ فيه ذلك ليس بفَرْد؛ فباعتبار إسنادَيْن. أحدهما: يقتضي الحُسْن، والآخر يقتضي الصِّحَّة؛ لأنَّ كثرة الطرق تقِّوي؛ وعلى هذا: فما قيل فيه: "حَسَنٌ صَحِيحٌ" فوق الذي قيل فيه: "صحيح". واعلم: أن الحسن الذي يَجْمَعَ الترمذيُّ بينه وبين الصحيح هو الذي

стр. 193

قَلَّ ضبط رواتِهِ، ولم يعرِّفْهُ الترمذيُّ؛ لكونه معروفًا عندهم؛ كما لم يعرِّفِ الصحيحَ لذلك، وإنَّمَا عرَّف الحسن الذي يُفْرَد بالذِّكْر؛ لكونه اصطُلِحَ عليه؛ وذلك: أنه يقول في بعضِ الأحاديث: "حَسَنٌ"، وفي بعضها: "حَسَنٌ صحيح"، وفي بعضها: "حسنٌ غَرِيب"، وفي بعضها "حسنٌ صحيحٌ غريبٌ"، وقال (١) آخر كتابه "و ما قلنا في كتابنا: حَدِيثٌ حسن - فإنما أردنا به عندنا: كُلَّ حديث لا يكونُ راوِيهِ متَّهمًا بكَذِب، ويُرْوَى من غير وجه نحو ذلك؛ فلا يكونُ شاذًّا؛ فهو عندنا حديثٌ حَسَنٌ" (٢)؛ فعُرِفَ بهذا أَنَّما عرَّف الذي يقول فيه: حسنٌ فقطْ؛ فلا يَرِدُ ما قيل: إنه قد صرَّحَ بأنَّ شرط الحسن أن يروى مِنْ غَيْر وَجْه؛ فكيف يقولُ في بعض الأحاديث: "حسنٌ غريب، لا نعرفه إلا مِنْ هذا الوجه" (٣)؟! والحاصل: أنَّ الترمذيَّ أورد في كتابه سبعةَ أصنافٍ من الأحاديثِ، وعبَّر عن كلِّ صِنْفٍ بعبارة خاصَّةٍ؛ وذلك أنه يقول في بعضها "حسن"، وفي بعضها: "صحيح"، وفي بعضها "غريب"، وفي بعضها: "حسن صحيح"، وفي بعضها: "حسن غريب"، وفي بعضها: "صحيحٌ غريب"، وفي بعضها: "حسنٌ صحيح غريب"، ولم يُعَرِّفْ من تلك الأصناف سوى الحَسَنِ، وشَرَطَ فيه ما شَرَطَ. والقسم الذي يَجْمَعُ بينه وبين الغريب - قِسْمٌ آخَرُ غير هذا.

стр. 194

[زيادات الثقات] (١) وزيادَةُ راوي الصحيحِ والحَسَن مقبولةٌ، سواء كانت في اللفْظِ أمْ في المعنَى، تعلَّق بهاحُكْمٌ شرعيٌّ أمْ لا، غيَّرَتِ الحكْمَ الثابت أم لا، أوْجَبَتْ نقْصًا من حكم ثَبَتَ بخبر آخر أم لا، عُلِمَ اتِّحَادُ المجلس أم لا، كثر الساكِتُونَ عنها أَمْ لا (٢)؛ كذا ذكره الخطيب البغدادي (٣)، وزاد العراقي: سواءٌ كانت مِنْ شَخْص واحد؛ بأن رواه ناقصًا، ومرَّةً بتلك الزيادة، أو كانت الزيادةُ من غَيْر من رواه ناقصًا، فيُقْبَل الراجح، ويُرَدّ المراجوح، سواء كان المرجّح في جانب راوي الزيادة أو غيره، ووجْهُ قَبُول الراجح: كَوْنُ الراوي أَوْثَقَ، أو شيْء آخر، فيما إذا كانَتْ منافيةً لرواية مَنْ هُوَ

стр. 195

مساو له؛ وذلك لأنَّها في حُكْم الحديث المستقلِّ الذي يَنْفَرِدُ به الثقَةُ، ولا يَرْويه عنْ شيخه غيره؛ وذلك كخبر التَّكْبير في العيد سبعًا (١)، مع خبر التَّكْبِيرِ فيه أربعًا (٢)؛ رواهما أبو داود، والتكبيَرةُ الأُولَى من الأربع للافتتاح عند الحنفيَّة (٣)، وكخبر البخاريِّ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" (٤)،

стр. 196

مع خبر الصحيحَيْن: "نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ والصِّبْيَانِ" (١)؛ لأنَّ الأوَّل نِيطَ الحكْمُ فيه بوَصْف الردَّة المناسب الذي لا تختلفُ مناسبتُهُ بالنِّسْبة إلى الرجال والنساء، ولا وَصْف في الثاني؛ فحملنا النساء على الحربيَّاتِ. وذهَبَ بعض المحدِّثين: إلى رَدِّ الزيادة مطلقًا (٢)؛ ونُقل ذلك عن أصحاب أبي حنيفة، وأبي بكر الأَبْهَرِيِّ المالكي (٣)؛ لأن الأقّلَّ متفقٌ عليه. وقال الحافظُ أبو سعيدٍ العلائيُّ: (٤) "إنَّ المتقدِّمين من أئمَّة الحديث

стр. 197

يَقْتَضِي تصرُّفهم في الزيادة - قَبُولا وردًّا - الترجيحَ، ولا يُحْكُمُون في المسألة بحُكْمٍ كُلِّيٍّ". قال: وهذا هو الحَقُّ والصواب. انتهى. ولكنْ لا تُقْبَلُ مطلقًا؛ بل إنْ لم تكنْ منافية لروايةِ مَنْ هو أوثَقُ منه؛ بأن يكونَ أحَدُهُمَا أوْرَعَ، وأضبَطَ، وأيقَظَ من الآخر؛ لشدَّة الوثوق بِمَنْ اتَّصَفَ بواحد من هذه الأوصاف على مَنْ لم يَتَّصِفْ؛ ولذلك رجَّح أصحابُ الشافعيِّ (١) رواية مالكٍ وسفيانَ عن أبي حازم حديثَ: "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (٢) على رواية عبد العزيز بْنِ أبي حازم،

стр. 198

بلفظ: "مَلَّكْتُكَهَا"؛ لأنَّ مالكًا وسفيان أعلَمُ منهما وأوثَقُ وأضبَطُ. وما ذهَبَ إلَيْه المصنِّف هو الحقُّ؛ قال الحافظ في شرحه: "و اشتَهَرَ عن جَمْعٍ من العلماء القَوْلُ بَقُبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل (١)، ولا يتأتَّى ذلك على طريق المحدِّثين الذين يشتَرِطُونَ في الصَّحيح: ألا يكون شاذًّا، ثمَّ يفسِّرون الشذوذ: بمخالفة الثِّقَةِ مَنْ هو أوثَقُ منه، والعَجَبُ مِمَّنْ أغْفَلَ ذلك منهم؛ مع اعترافه باشتراط انتفاءِ الشذوذ في حدِّ الحديث الصحيح، وكذا الحَسَن … " إلى آخر ما قال. (٢) والمراد بالمنافاة - التي ذكرها المصنِّف -: ما لم يمكُنِ الجَمْعُ بينهما في الجملة، لا ما هو المصطلح الحكماء. واعتُرِضَ على المصنِّف: بأنَّ قوله: "إن لم تَكُنْ … إلى آخره"

стр. 199

ما لا حاجة إليه؛ لأن الكلام في زيادة راوي الصحيحِ والحَسَنِ، والذي فيه زيادَةٌ منافيةٌ لرواية مَنْ هو أوثَقُ منه، ليس بصحيحٍ ولا حسَنٍ؛ فهو خارجٌ عن حكم المقبولِ مِنْ غير تَقْييد، وأيضًا: يفهم منه أنَّه إذا وقعَتْ منافيةً لرواية مَنْ هُوَ دونه تفيدُ. وليس كذلك؛ بل يُتَوَقَّفُ فيها. والجوابُ عن الأوَّل: أنَّ الكلام في الزيادة مطلقًا، وهي تنقسم إلى قسمَيْن: قِسْمٌ مقبولُ الزيادة، وقسمٌ شاذٌّ غيْرُ مقبول الزيادة؛ فلا بُدَّ من التقييد؛ ليخرج الثاني، وكَوْنُ راويِهِ راوِيَ الصحيحِ لا يستلزمُ صِحَّةَ هذا الذي منشأُ الاعتراضِ عليه؛ على أن قوله: "و الَّذِي فيه الزيادَةُ منافية … " إلى قوله: "لَيْسَ بصحيح ولا حسن" -: ليس في محلِّهِ؛ لأن المتصِفَ بعدم الصحَّة الزيادَةُ فقطْ، لا الذي فيه الزيادَةُ، وإن كان المقرَّرُ أنَّ المركَّب من الأعلى والأدْنَى أَدْنَى. وعن الثاني: أنَّ المراد من القَبُولِ عدمُ الرَّدِّ، ومعلومٌ: أنَّ التوقُّف لا يقتضي الردَّ، بل يقتضي عَدَمَ العملِ فقَطْ؛ وذلك أن نقول: قَوْلُهُ: "لمن أوثق" مذكورٌ لبيان المرجِّح (١) فقط، وليس من

стр. 200

جملة القَيْد؛ لعدم القبول، والحامل على ذكره: أنه بصدد الشذوذ، فإن خالف الراوي للصحيحِ والحَسَن بروايتِهِ روايةَ مَنْ هو أرجَحُ منه بالحفْظِ والإتقان (١)، وكثرةِ الأدلَّة - خلافًا للحنفَّيةِ لأنها تفيدُ تقوية الظنِّ، والظَنان أقوَى من الظنِّ الواحد؛ لكونه أقرَبَ إلى الضبْطِ، أو بكثرة الرواة (٢)؛ لأنَّ كَثْرتهم تُفِيدُ القُوَّة، على الصحيحِ، وقيل: لا؛ كالبينتَيْن، وفرق: بأن المقصودَ من الشهادة فَصْلُ الخصومة؛ لئلا تطول، فضبطَتْ بنصاب خاصٍّ، واعتبارُ الترجيح بالكَثْرة يؤديِّ إلى التَّطْويلِ المنافي لشَرْعيَّتها؛ بخلاف الدليل؛ فإنَّ مقصودَهُ ظَنُّ الحكُمْ، والمجتهد في مُهْلة النظر، وكلَّما كان الظنُّ أقْوَى، كان بالاعتبارُ أَوْلَى، وأمثلةُ ذلك كثيرةٌ ظاهرةٌ. ومِنَ الترجيح بكثرة الرواةِ: قولُ الشافعيِّ في "الرسالة (٣) "إنَّ الأخْذَ

стр. 201

بحديث عُبَادة في ربا الفَضْل (١) - أَوْلَى من الأخذ بحديث أسامة: "لا رِبَا إِلا في النَّسِيئَةِ" (٢)؛ لأنَّ مع عُبَادة: عُمَرَ، وعثمانَ، وأبا سعيدِ، وأبا هُرَيْرة ﵃ والخمسةُ أولَى من واحد" (٣). انتهى. وحديثُ عبادة في مُسْلِمِ، وحديثُ أسامة في الصحيحَيْن. ومن الترجيح بالكَثْرة: حديثُ ابن عُمَرَ في الصحيحَيْن: "أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ إِلا حْرَامِ، وإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ" (٤)؛ فإنه مقدَّمٌ على حديث ابن مسعود - عند أبي داود والترمذيِّ -: "أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرَامِ، ثُمَّ لا يَعُودُ" (٥)؛ لأنَّ مع

стр. 202

ابن عمر: وائلَ بْنَ حُجْر، وأبا حُمَيْدٍ الساعديَّ، في جَمْعٍ من الصحابة، منهم: أبو بكر، وعُمَرُ، وعليٌّ، وأنَسٌ، وابن الزُّبَيْر، وأبو هريرة، وجابرٌ، وأبو قتادَةَ، وأبو أُسَيْد، وسَهْلُ بْنُ سعد، ومحمَّد بن سَلَمَةَ، وغَيْرُهُمْ، قيل: وقد بلغوا ثلاثًا وأربعين صحابيًّا (١)، وقد أفرده البخاريُّ بالتصنيف (٢). أو بعُلُوِّ الإسناد في الأخبار (٣)، أي: قلَّة الوسائط بَيْن الراوي وبَيْن النبيِّ ﷺ فإنَّ قلَّة الوسائط يَقِلُّ معها احتمالُ الخطأ؛ ولهذا رغَّبَ الحُفَّاظُ في عُلُوِّ السند، ولم يزالوا يتفاخَرُنَ به.

стр. 203

وبفقه الراوي (١)، سواءٌ كان الروايةُ بالمعنَى أو باللفظ؛ لأن الفقيه يميِّز بين ما يجوز إجراؤُهُ على ظاهرِهِ وبَنْنَ ما لا يجوزُ؛ بخلاف الجاهل. وبشُهْرة العدالة؛ بحيثُ لا يحتاجُ إلَى تزكية؛ فيقدَّم على من عُرِفَتْ عدالتُهُ بالتزكية؛ لأنه ليس الخَبَرُ كالعِيَان. (٢) وبكَوْنه ذَكَرًا لأنه أضبَطُ في الجملة (٣)؛ فيقدَّمُ على خبر الأنْثَى،

стр. 204

أو بكونه حُرًّ (١)، فيقدَّم خبره على خبر العبد؛ لأنه لشرف متبعيه يَحْترِزُ عمَّا لا يَحْتَزِزُ عنه الرقيقُ، إلى غير ذلك من المرجِّحات المذكورة في الأصول (٢)

стр. 205

[الشاذ] (١) «فإن خالف الراوي من هو أرجح فالراجح: هو المحفوظُ»؛ لأنَّ الغالب عليه أنْ يكونَ محفوظًا من الخطأ، ومقابِلُهُ هو الشاذُّ؛ لأنه بعيدٌ عن أسبابِ الترجيحِ؛ فالمحفوظُ: ما رواه المَقْبولُ، مخالفًا لمَنْ دونه في الحفْظِ والإتقان؛ فخرج بالمقبول: المعروفُ، والمُنْكَر؛ فإنَّ راوِيَ كلٍّ منهما غيْرُ مقبول، ومِنْ دونه الشاذُّ؛ فإنه: ما رواه المقبول مخالفًا لمن فوقَهُ بالحفْظِ والإتقانِ؛ فإنَّ هذا هو المعتمَدُ في تعريف الشاذِّ؛ لأنَّه يَصْدُقُ براوي الصحيح، وهو العَدْلُ التامُّ الضبْطِ، وبراوي الحَسَن، وهو الصَّدُوق الذي أُمِنَ مِمَّا يُخْشَى عليه من سُوء الحفْظِ الذي قَصُرَ ضبطُهُ عن درجة راوي الصحيح؛ خلافًا لمن عبَّرَ بكَوْن الراوي ثقَةً مخالفًا لمن هو أوثَقُ منه، وخلافًا لمَنْ قال: "هو مخالفةُ الراوي مطلقًا، سواء كان ثقةً أو ضعيفًا".

стр. 206

فقد تبيَّن: أنَّ للشاذِّ ثَلاثَةَ معانٍ؛ فإنْ حُمِلَ الثقة - في كلام الشافعيِّ - على المقبول -: تناوَلَ العَدْلَ التامَّ الضَّبْطِ، والذي قَصُرَ ضبطه، والصدوقَ، وإن حُمِلَ على التامِّ ضبْطُهُ، أفْهَمَ شذوذَ مخالفةِ راوي الحسن بطريقٍ أَوْلَى: مثالُ المخالفة في الإسناد: ما رواه الحاكمُ، وصحَّحه والترمذي، وابن ماجه، والنَّسَائي - من طريق ابن عيينة -: "أنَّ رجلا تُوُفِّيَ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ ولم يَدَعْ وارثًا إلا مولَى هو أعتَقَهُ، قال النبيُّ ﷺ : "هَلْ لَهُ أَحَدٌ" قَالُوا: لا، إلا غُلامٌ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِيَراثَهُ لَهُ" (١)؛ رواه ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بن دِينَار، عن عَوْسَجَةَ، عن ابن عباس - موصولا - وتابعه ابن جُرَيْج وغيره، ورواه حَمَّاد بن زَيْد، عن عمرو، عن عَوْسَجَةَ، ولم يذكر ابْنَ عباس، وقال أبو حاتم: "المحفوظُ: حديثُ ابن عيينة، وتابعه محمَّد بن مُسْلِم، وقصر حَمَّاد بن زيد" انتهى؛ فحمَّاد: من أهل العدالة والضبطِ، ومع ذلك: رجَّحَ أبو حاتم مَنْ هو أكْثَرُ عددًا منه. فإن قلتَ: قلَّةُ الوسائطِ أعلَى وأرجَحُ - كما تقدَّم - فكيفَ رجَّحَ أبو حاتم روايةَ من هو أكْثَرُ عددًا؟

стр. 207

قلتُ: نعَمْ؛ إذا عينت، ويتعيَّن الطريقان من النبيِّ ﷺ وههنا: لم يثبُتْ، فرجَّحَ من هم أكثَرُ عددًا؛ لمَظِنَّةِ الإرسال. ومثالها في المَتْن: ما رواه أبو داود والتَّرْمذيُّ، مِنْ حديث عبد الواحد بْنِ زياد، عن الأعمش، [عن أبي صالح] (١)، عن أبي هريرة، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ" (٢)، فقد خالفَ عبد الواحدِ العَدَدَ الكثير في هذا؛ فإنَّ الناس إنَّما رَوَوْهُ من فِعْل النبيِّ ﷺ لا مِنْ قوله، وانفرد عبد الواحد (٣) من بَيْن ثقاتِ أصحابِ الأعمش بهذا اللفظ.

стр. 208

[المعروف والمنكر] (١) وإنْ خالفَ الراوي مَنْ هُوَ أرجَحُ منه، مع الضَّعْف - أي: ضعْفِ كُلٍّ مِنَ الراجحِ والمرجوحِ - لِسُوء، حفظهما وجهالتِهِمَا وغَيْرِ ذلك من مُوجبات الضَّعْف؛ لَكِنْ كان ذلك في المرجوحِ أَكْثَرَ منه في الراجح؛ فالراجح: هو المعروفُ؛ لشهرته ووضوحِ أمرِهِ، ومقابله: هو المنكر؛ لأنه لا يُعْرفُ متنه من غير جهةِ راويه؛ فلا يعتدُّ به؛ فالمعروف: "ما رواه الضعيفُ مخالفًا لمن فَوْقَهُ في الضعف"، والمُنْكَرُ: "مِا رواه الضعيفُ مخالفًا لمن دونه في الضَّعْف"؛ فخرج بقَيْد "الضعيف" في كلٍّ منهما: المحفوظُ والشاذُّ؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما راوِيهِ مقبولٌ. وبهذا تبيَّن: أن النسبة بين الشاذِّ والمنكر تباين كُلِّيّ، لا تساو، ولا عموم وخصوص مطلقًا، ولا من وَجْه؛ لأن الشاذَّ - كما عرفت - لا يصدُقُ على شّيْءٍ مِنْ أَفْراد المُنْكَر؛ كما أنَّ المُنْكَر لا يصدُقُ على شيْء من أفراد الشاذِّ من رواية المقبول، والمُنْكَرِ من رواية الضعيف.
следующие страницы →