стр. 204
← Улюм аль-хадис следующие страницы →
Улюм аль-хадис · id 696
عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر
محمود شكري الألوسي
Полный текст (325 стр.). Показаны 204–243 · переход к 209.
стр. 205
[الشاذ] (١)
«فإن خالف الراوي من هو أرجح فالراجح: هو المحفوظُ»؛ لأنَّ الغالب عليه أنْ يكونَ محفوظًا من الخطأ،
ومقابِلُهُ هو الشاذُّ؛ لأنه بعيدٌ عن أسبابِ الترجيحِ؛ فالمحفوظُ: ما رواه المَقْبولُ، مخالفًا لمَنْ دونه في الحفْظِ والإتقان؛ فخرج بالمقبول: المعروفُ، والمُنْكَر؛ فإنَّ راوِيَ كلٍّ منهما غيْرُ مقبول، ومِنْ دونه الشاذُّ؛ فإنه: ما رواه المقبول مخالفًا لمن فوقَهُ بالحفْظِ والإتقانِ؛ فإنَّ هذا هو المعتمَدُ في تعريف الشاذِّ؛ لأنَّه يَصْدُقُ براوي الصحيح، وهو العَدْلُ التامُّ الضبْطِ، وبراوي الحَسَن، وهو الصَّدُوق الذي أُمِنَ مِمَّا يُخْشَى عليه من سُوء الحفْظِ الذي قَصُرَ ضبطُهُ عن درجة راوي الصحيح؛ خلافًا لمن عبَّرَ بكَوْن الراوي ثقَةً مخالفًا لمن هو أوثَقُ منه، وخلافًا لمَنْ قال: "هو مخالفةُ الراوي مطلقًا، سواء كان ثقةً أو ضعيفًا".
стр. 206
فقد تبيَّن: أنَّ للشاذِّ ثَلاثَةَ معانٍ؛ فإنْ حُمِلَ الثقة - في كلام الشافعيِّ - على المقبول -: تناوَلَ العَدْلَ التامَّ الضَّبْطِ، والذي قَصُرَ ضبطه، والصدوقَ، وإن حُمِلَ على التامِّ ضبْطُهُ، أفْهَمَ شذوذَ مخالفةِ راوي الحسن بطريقٍ أَوْلَى:
مثالُ المخالفة في الإسناد: ما رواه الحاكمُ، وصحَّحه والترمذي، وابن ماجه، والنَّسَائي - من طريق ابن عيينة -: "أنَّ رجلا تُوُفِّيَ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ ولم يَدَعْ وارثًا إلا مولَى هو أعتَقَهُ، قال النبيُّ ﷺ : "هَلْ لَهُ أَحَدٌ" قَالُوا: لا، إلا غُلامٌ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِيَراثَهُ لَهُ" (١)؛ رواه ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بن دِينَار، عن عَوْسَجَةَ، عن ابن عباس - موصولا - وتابعه ابن جُرَيْج وغيره، ورواه حَمَّاد بن زَيْد، عن عمرو، عن عَوْسَجَةَ، ولم يذكر ابْنَ عباس، وقال أبو حاتم: "المحفوظُ: حديثُ ابن عيينة، وتابعه محمَّد بن مُسْلِم، وقصر حَمَّاد بن زيد" انتهى؛ فحمَّاد: من أهل العدالة والضبطِ، ومع ذلك: رجَّحَ أبو حاتم مَنْ هو أكْثَرُ عددًا منه.
فإن قلتَ: قلَّةُ الوسائطِ أعلَى وأرجَحُ - كما تقدَّم - فكيفَ رجَّحَ أبو حاتم روايةَ من هو أكْثَرُ عددًا؟
стр. 207
قلتُ: نعَمْ؛ إذا عينت، ويتعيَّن الطريقان من النبيِّ ﷺ وههنا: لم يثبُتْ، فرجَّحَ من هم أكثَرُ عددًا؛ لمَظِنَّةِ الإرسال.
ومثالها في المَتْن: ما رواه أبو داود والتَّرْمذيُّ، مِنْ حديث عبد الواحد بْنِ زياد، عن الأعمش، [عن أبي صالح] (١)، عن أبي هريرة، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ" (٢)، فقد خالفَ عبد الواحدِ العَدَدَ الكثير في هذا؛ فإنَّ الناس إنَّما رَوَوْهُ من فِعْل النبيِّ ﷺ لا مِنْ قوله، وانفرد عبد الواحد (٣) من بَيْن ثقاتِ أصحابِ الأعمش بهذا اللفظ.
стр. 208
[المعروف والمنكر] (١)
وإنْ خالفَ الراوي مَنْ هُوَ أرجَحُ منه، مع الضَّعْف - أي: ضعْفِ كُلٍّ مِنَ الراجحِ والمرجوحِ - لِسُوء، حفظهما وجهالتِهِمَا وغَيْرِ ذلك من مُوجبات الضَّعْف؛ لَكِنْ كان ذلك في المرجوحِ أَكْثَرَ منه في الراجح؛ فالراجح: هو المعروفُ؛ لشهرته ووضوحِ أمرِهِ، ومقابله: هو المنكر؛ لأنه لا يُعْرفُ متنه من غير جهةِ راويه؛ فلا يعتدُّ به؛ فالمعروف: "ما رواه الضعيفُ مخالفًا لمن فَوْقَهُ في الضعف"، والمُنْكَرُ: "مِا رواه الضعيفُ مخالفًا لمن دونه في الضَّعْف"؛ فخرج بقَيْد "الضعيف" في كلٍّ منهما: المحفوظُ والشاذُّ؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما راوِيهِ مقبولٌ.
وبهذا تبيَّن: أن النسبة بين الشاذِّ والمنكر تباين كُلِّيّ، لا تساو، ولا عموم وخصوص مطلقًا، ولا من وَجْه؛ لأن الشاذَّ - كما عرفت - لا يصدُقُ على شّيْءٍ مِنْ أَفْراد المُنْكَر؛ كما أنَّ المُنْكَر لا يصدُقُ على شيْء من أفراد الشاذِّ من رواية المقبول، والمُنْكَرِ من رواية الضعيف.
стр. 209
مثال المعروفِ والمُنْكَر: ما رواه ابْنُ أبو حاتم في العِلَلِ، من طريق حُبَيْب بن حَبِيب، وهو أخو حَمْزة بن حَبِيبٍ الزَّيَّاتِ المُقْرِيء، عن أبي إسحاق، عن العَيْزَار بن حُرَيْث، عن ابن عَبَّاس - مرفوعًا -: "مَنْ أَقَامَ الصَّلاةَ، وآتَى الزَّكَاةَ، وحَجَّ وصَامَ وقَرَى الضَّيْفَ -: دَخَلَ الجَنَّةَ" (١).
قال أبو حاتِمٍ: "حديثُ حُبَيْبٍ هذا مُنْكَرٌ، والمعروف عن الثقات: روايتُهُ عن أبي إسحاق موقوفًا" (٢) انتهى.
وحُبَيْب (٣) الأوَّل بصيغة التصغير، والثاني والثالث بصيغة التكبير، والعَيْزَار (٤): بالعين المهملة.
стр. 210
ولابُدَّ - ههنا - من بيان يتضحُ به المقصودُ؛ فنقول:
اعلَمْ: أنَّ الشاذَّ والمُنْكَر متميِّزان بالذات - كما جرى عليه الحافظ ﵁ واختاره القاضي (١) -:
فالشاذُّ: ما خالف فيه المقْبُولُ مَنْ هو أرجَحُ منه وأوثَقُ، أو تفرَّد به قليلُ الضَّبْط.
والمُنْكَر: ما خالَفَ فيه المستُورُ أو الضعيفُ الذي يَنْجَبِرُ بمتابعة مِثْلِهِ، أو تفَّرد به الضعيفُ الذي لا يُجْبَرُ بذلك.
فعُلِمَ: أنَّهما متميِّزان، وأنَّهما قسمان، والمقابلُ للشاذِّ: المحفوظُ، والمُنْكَرِ: المعروفُ، ولكلٍّ مِنْ قسميِ المنكَرِ الذي هو بمعنى الشاذِّ - أمثلة:
فمثالُ الأوَّل: نحوُ حديثِ: نَزْعِهِ ﷺ خَاتَمَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ الخَلاءَ (٢)؛
стр. 211
فإنَّ هَمَّام بن يحيى رواه عن ابْن جُرَيْج، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس؛ كما رواه عنه: أصحابُ السنَنِ الأربعة؛ فقد قال أبو داود: "إنه مُنْكَر" (١)، قال: "و إنَّما يعرفُ عن ابن جُرَيْج، عن زياد بن سَعْد، عن الزُّهْري، عن أنس: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتًّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ أَلقَاهُ" (٢)، قال: "و الوَهم فيه من هَمَّام، ولم يَرْوِهِ غيره" (٣)؛ لكن قال الترمذيُّ: "إنه حَسَنٌ صَحِيحٌ غريب" (٤)، قال العراقي (٥): "و همَّام ثقة (٦)، احتجَّ به أهْلُ الصحيح؛ لكنه خالف فيما ذكروا" (٧).
وقد يمثَّلُ للحديث الذي سَنَدُهُ منكَرٌ برواية يَعْلَى بن عُبَيْد، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر: "البّيِّعَانِ بِالْخِيَارِ" (٨)، والعلَّة
стр. 212
في قوله: "عن ابن دينار"؛ وإنما هو عبد الله بن دينار، والمتن صحيح بكلِّ حال.
ومثالُ الثاني: "كُلُوا الْبَلَحَ بِالتَّمْرِ"؛ فإنَّ ابن آدم إذا أكَلَهُ، غَضِبَ الشيطان، وقال: عَاشَ ابْنُ آدَمَ حَتَّى أَكَلَ الجَدِيَد بِالْخَلِقِ" (١)؛ فهذا الحديثُ مُنْكَر؛ كما قال النسائي وابن الصلاح وغيرهما؛ فإن راويَهُ أبو زُكَيْر، وهو يحيى بن محمَّد بن قيس البَصْريُّ (٢)، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، تفرَّد به، وأخْرَجَ له مُسْلِمٌ في المتابعات غير أنه لم يبلغ رتبة من يحتمل تفرده لأن معناه؛ ركيكٌ لا ينطبقُ على محاسن الشريعة؛ لأن الشيطان، لا يَغْضَبُ من مجرَّد حياة ابْنِ آدَمَ، بل من حياتِهِ مسلمًا مطيعًا لله تقي.
стр. 213
[الاعتبار والشواهد والمتابعات] (١)
وما يُظَنُّ أنه فردٌ نسبيٌّ، وهو: ما جُعِلَ فيه التفرُّدُ بالنسبة إلى شخْصٍ معيَّن
وإن كان الحديثُ
مشهورًا؛ بأن كان مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ، ثم ينفردُ بها راوٍ؛ كما سبق.
وإنما قيَّده بالنسبيِّ؛ لأنَّ الفرد المطلَقَ لو تابعه غيْرُهُ يَخْرُجُ عن كونه فردًا؛ كذا قيل، وفيه نظر؛ لأنَّ هذا خلافُ ما ذهب إليه المحدِّثون، وهم قد أطلقوه:
قال العراقي. "الاعتبارُ: سَبْرُكُ لحديث، هل شَارَكَ راوٍ غيْرَهُ فيما حَمَلَ عن شَيْخِهِ؛ فإن يَكُنْ شُورِكَ من مُعْتَبَرٍ به، فمتابِع" (٢)، وإن قيَّده به؛ بل الحقُّ: أنَّ تقييده به مجرَّد اصطلاح؛ وإلا فالحُكْم جَارٍ في الفَرْد المطلق - أيضًا - إنْ وُجِدَ له - أي: لِمَا يُظَنُّ أنه فردٌ نسبيٌّ - موافقٌ لفظًا ومعنًى؛ بل ولو كان معنًى - أي: في المعنَى فقَطْ - لكنْ بشَرْطِ أن يكُونَ ذلك
стр. 214
الموافقُ من رواية صَحَابِيِّهِ، أي: صحابيِّ ما يُظَنُّ أن فردٌ نسبي - إِذْ لو كان من رواية غَيْره، كان شاهدًا؛ كما سيأتي، إن شاء الله.
فذلك الموافِقُ هذا: المتابِعُ، بكسر المُوَحَّدة، ولا يتمشَّا هنا الفتح، وإن جوَّزه بعض المحقِّقين (١)، في عبارة الحافظ في شرحه؛ حيث قال (٢): "إنَّ تقييد المُتَابع له بكسر بناء على عَوْد الضمير المذكور في كلامه إلى الخبر" قال: "و لعَلَّ ذلك اصطلاحٌ؛ وإلا فيصحُّ الفتْحُ، بناءً على عَوْده للفَرْد".
والمتابَعَةُ المدلولُ عليها بالمُتَابِع: مصدرُ تَابَعَ، وهي، لغةً: لُحُوق شَيْء الشيء، واصطلاحًا: "وِجْدَانُ راوٍ غيْرِ صاحبيٍّ، موافقٍ له، أو ظُنَّ أنه فردٌ نسبيٌّ، أو شَيْخه، أو شَيْخ شَيْخِهِ في لَفْظ ما رواه ومَعْناه، أو في مَعْناه فقط".
والحاصلُ: أنَّ الراوِيَ المنفرد في أثناء السَّنَد: إن شُورِكَ فيما رَوَاه، فرواه عَنْ شيخه أو آخر، أو شُورِكَ شيخُهُ فمَنْ فوقه، إلى آخر السند -: فهو المُتَابَعُ - بالفتح - والموافِقُ المُتَابِع: بالكسر.
وأشار المصنف إلى القِسْم الأوَّل بقوله: "إِنْ كَانَتْ لِلَّراوِيِ نَفْسِهِ لا لِشَيْخِهِ أَوْ شَيْخِ شَيْخِهِ - فَهِيَ المُتَابَعَةُ التَّامَّةُ"؛ لإفَادَتِهَا زِيَادَةَ قُوَّةٍ للْفَرْدِ المتابَعِ بقسمَيْها، أعني: الموافقة لفظًا أو معنًى فقط، ولا بدَّ في كَوْنها تامَّةً من اتفاقها في السند إلى النبيِّ ﷺ فإنْ تُوبِعَ وفارقه، ولو في الصحابة -: فغير تامَّة.
وأشار إلى القِسْمِ الثاني بقوله: "وَ إِنْ كَانَتْ لِشَيْخِهِ فَمَنْ فَوْقَهُ، فَهِيَ المُتَابَعَةُ القَاصِرَةُ"؛ لأنَّها دون التامَّة، وكلَّما قَرُبَتْ منه كانت أتمَّ من التي
стр. 215
بعدها، وهي - أيضًا - بقسمَيْها تُكْسِبُ الفَرْدَ والمتابَعَ قوَّةً ونفعًا:
مثال القسم الأوَّل منها: ما رُوِيَ عن مُسْلِمٍ وغيره، من طريق سفيان بن عُيَيْنة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن رَبَاح، عن ابن عباس: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوحَةٍ، أُعْطِيتَهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: "لَوْ أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغَوُهُ؛ فَانْتَفَعُوا بِهِ؟! " (١)؛ فقد تفرَّد ابن عيينة بلفظ الدِّبَاغ؛ لأنه رواه عدَّة من أصحاب عمرو بن دينار بغَيْر هذه اللفظة، ولم يتابَعْ عليها. وقد تابع عَمْرَو بْنَ دينارٍ عن عطاء: الدارقطنيُّ، والبيهقيُّ (٢)، عن ابن وَهْب، عن أسامة بن زيد الليثيِّ، عن عطاء، عن ابن عَبَّاس؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال، لأهْل شاةٍ ماتّتْ: "أَلا نَزَعْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ؛ فَانْتَفَعْتُمْ به" قال البيهقيُّ: وهكذا رواه الليث بن سعد، عن يزيد بن حَبِيب، عن عطاء؛ وكذا رواه يحيى بن سَعِيد، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء؛ فهذه متابَعَاتٌ لابن عيينة في شَيْخِ شيِخِهِ.
ومثال الثاني، منها: ما وُجِدَ من رواية عبد الرحمن بن وَعْلَة، عن ابن عَبَّاس مرفوعًا: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ، فَقَدْ طَهُرَ" (٣) رواه وغيره، ولفظ مُسْلم: "إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ"؛ فهذا يوافقُ حديثَ ابن عُيَيْنة في المعنى؛ إذا العامُّ شاملٌ في الخاصِّ،
стр. 216
وإنْ وُجِدَ متْنٌ يُشْبِهُهُ - أي: يشبه ما يُظَنُّ أنه فرْدٌ نسبي - لفظًا ومعنًى، بل ولو كانتِ المشابهةُ في المعنَى فقطْ، ولكنْ كان ذلك المُشَابِةُ من رواية صحابيٍّ آخَرَ -: فهو - أي: المَتْنُ المشابه - يقال له: الشاهد.
فالفرْقُ بينه وبَيْن المُتَابِعِ بالصحابيِّ فقطْ فَكُلُّ مَا جاء عن ذلك الصحابيِّ: فمتابِعٌ، أو عَنْ غيره: فشاهد، وقد مثَّل له قوْمٌ برواية ابن وَعْلَةَ، وجعلها شاهدًا لعطاء؛ بناءً على مذهَبِ من لم يَقْصُرْهُ على ما جاء من صحابيٍّ آخر، أما من يَقْصُرُهُ - وعليه الجمهورُ؛ كما مَرَّ - فعندهم هذه الروايةُ ليست شاهدٌ لعطاء؛ ولهذا عدل الحافظُ ابن حَجَرٍ في شرحه عن التمثيل به إلى حديثٍ فيه المتابَعَةُ التامَّة والقاصرة، والشاهِدُ باللفْظِ والشاهدُ بالمعنَى؛ فمثَّل به (١)، وهو ما رواه الشافعيُّ، عن مالك، عن عبد الله بن دِينَار، عن عبد الله بن عُمَرَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وعشْرُونَ؛ فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ" فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ" (٢)؛ و رواه عِدَّة من أصحاب مالك، بلفظ: "فَاقْدُرُوا لَهُ" (٣)، قال البيهقيُّ (٤): تفرَّد الشافعي بقوله: "فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثِينَ" (٥)، فنظرْنَا، فوجدنا البخاريَّ رواه بلفظِ الشافعيِّ؛ فقال: "حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ، حدَّثنا مالكٌ" إلى
стр. 217
آخره؛ فهذه متابَعَةٌ تامَّة لما رواه الشافعيُّ، ودلَّ هذا على أنَّ مالكًا رواه عن عبد الله ابن دينار باللفظَيْن، وقد توبع فيه عبد اللهِ بْنُ دينارٍ، عن ابن عمر، حيث رواه مسلمٌ من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر بلفظ: فَاقْدُرُوا ثَلاثِينَ (١)، ورواه ابن خُزَيْمة، من طريق عاصم بن محمَّد بن زَيْد، عن أبيه، عن جَدِّه ابن عمر، بلفظ: فَكَمِّلُوا ثَلاثِينَ (٢)؛ فهذه متابَعَةٌ قاصرةٌ، وله شاهدانِ:
أحدهما: مِنْ حديث ابن عباس؛ رواه النَّسَائِيُّ من طريقِ عَمْرو بن دينار، عن محمَّد بن حُنَيْن، عن ابن عباس، بلفظ حديث ابن دينار، عن ابن عمر: سوًاء. (٣)
وهذا مثالٌ للشاهد باللفْظِ والمعنَى.
وثانيهما: مِنْ حديثِ أبي هريرة ﵁ رواه البخاريُّ (٤)، عن آدَمَ، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، بلفظ: "فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثينَ لِلصَّوْمِ، وشَهْرِ رَمَضَانَ ثَلاثِينَ لِلْفِطْرِ"؛ فوافق رواية: "فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ" في المعنَى؛ فعلى هذا: لا يَبْقَى الحديثُ فَرْدًا نسبيًّا من طريقِ الشافعيِّ؛ لكنْ قيل: معناه: قدِّروا له المنازلَ؛ فإنه يّدُلُّكُمْ على أنَّ الشهر تسع وعشرون، قال ابن سُرَيْج (٥): "هذا خطابٌ
стр. 218
لمن خصَّه الله تعالى بهذا العِلْمِ" (١) أي علم النجوم؛ ولعلَّ كونه فردًا نسبيًّا باعتبار هذا المعنَى،
فإن قيل: "لِمَ ترك المصنِّف اعتبارَ المشابَهَةِ باللفْظِ فقطْ؛ مع أنه يُمْكِنُ أن يكونَ لكلٍّ من المتنَيْن لفْظٌ واحدٌ أريدَ بُكلٍّ منهما معنًى مغايِرٌ للآخَرِ؟ ".
قلتُ: إنَّ مِثْلَ ذلك لا يسمَّى شاهدًا، ولا يسمَّى متابِعًا؛ لأن العِبْرة بالمعاني؛ إِذِا الألفاظ قَوَالِبُ لها، مع أنَّ ذلك نادر، بل غيْرُ موجودٍ؛ كما يشهد لذلك التتبُّع.
واعلَمْ: أنَّ العراقيَّ ذهب: "إلى أنَّ المتابِعَ مختصٌّ بما كان باللفْظِ، سواءٌ كان في رواية ذلك الصحابيِّ أم لا، وأنَّ الشاهِدَ مختصٌّ بما كان بالمعنَى كذلك، وأنَّه قد يطلق على المتابعة القاصرة" (٢)؛ وقد نَقَلَ ذلك الحافظُ ابن حَجَرٍ في شرحه (٣)؛ لكنْ رجَّح ما عليه الجُمْهُور، ثُمَّ قال: "و قَدْ يُطْلَقُ" كُلُّ منهما على الآخر، والأمْرُ فيه سهل" (٤). انتهى، وإنما كان سهلا؛ لأنَّ المقصودَ - الذي هو التقويةُّ - حاصلٌ بكلٍّ منهما؛ سواء سُمِّيَ متابِعًا أم شاهدًا، وما لم يكنْ له متابِعٌ ولا شاهدٌ يبقَى على فَرْدِيَّتِهِ، وينقسمُ بعد ذلك إلَى ما انقسَمَ إليه، أعني: الشاذَّ والمُنْكَر
وممَّنْ صرَّح بكيفية الاعتبار: ابنُ حِبَّانَ؛ حيث قال: "مثاله أن يَرْوِيَ
стр. 219
حمَّاد بن سَلَمَةَ حديثًا لم يتابَعْ عليه، عن أيُّوب، عن ابن سِيرِينَ، عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ فيُنْظَرُ: هل رَوَى ذلك ثقةٌ غيْرُ أيوبَ، عن ابن سيرين؟
فإن وُجِدَ، عُلِمَ أنَّ للخبر أَصْلا يُرْجَعُ إليه، وإن لم يوجَدْ ذلك، فثقة غَيْر ابْنِ سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غيْرُ أبي هريرة رواه عن النبي ﷺ فأيُّ ذلك وُجِدَ، يُعْلَمُ أنَّ للحديث أصلا يُرْجَعُ إليه؛ وإلا فلا" (٢) انتهى.
стр. 220
قال القاضي زكريَّا: (١) "و لا يختصُّ ذلك بالثقة؛ ولهذا قال ابن الصَّلاح: "و اعلَمْ: أنه قد يدخُلُ في باب المتابعة والاستشهادِ روايةُ مَنْ لا يحتجُّ بحديثه وحْدَهُ؛ بل يكونُ معدودًا من الضعفاءِ؛ وفي كتابَيِ البخاريِّ ومسلم جماعةٌ من الضعفاء ذَكَرَاهُمْ في المتابعاتِ والشواهد، وليْسَ كُلُّ ضعيفٍ يصلُحُ لذلك؛ ولهذا يقولون: فلانٌ يُعْتَبَرُ به، وفلان لا يُعْتَبَرُ به" (٢). انتهى.
و الحاصل: أنه يدخل في باب المتابعات والشواهد روايةُ مَنْ لا يُحْتَجُّ به؛ بل يكونُ معدودًا من الضعفاء، ولكنْ لا يصلُحُ كُلُّ ضعيفٍ، بل المضعَّفُ بما عدا الكذب وفحش الغلط (٣)، والله الموفِّق للسَّدَاد.
و تتبُّعُ الطريق: هو الاعتبارُ، أي: تفتيشُهَا واختبارُهَا؛ بأنْ تنظُرَ طرُقَ الحديث الذي تجدُهُ في كتبه؛ لِتَعْرِفَ: هل شارك الراوِيَ الذي يُظَنُّ تفرُّده به راوٍ آخَرُ، عن شيخه أم لا؟ فالاعتبارُ ليس قَسِيمًا للمتابِعِ والشاهِدِ؛ بل طريقٌ لهما. (٤)
стр. 221
стр. 222
والتِّرْمِذِيِّ (١)
стр. 223
والنَّسَائِيِّ،
стр. 224
стр. 225
كالجامع الصغير (١)، والمسانِيد، وهي: التيِ جُمِعَ فيها سَنَدُ كلِّ محابيِّ على حِدَةٍ، على وعلى ترتيب الحروف الهجائيَّه، كالجامع الصغير، والمسانيد وهي: التى جُمِعَ فيها سَنَدُ كَلِّ صحابيِّ على حِدَة، على اختلافِ مراتِبِ الصحابةِ وطبقاتِهِمْ، والتزامِ نقل جميِعِ مرويَّاتهم، صحيحًا كان أو ضعيفًا (٢)
و قد يَجْمَعُ بين الأمرَيْن في كتابٍ واحدٍ؛ بأن يجعَلَ قسمًا منه على ترتيب الحروفِ، وقسمًا آخَرَ على ترتيب المسانيد؛ كما فعل الجَلالُ
стр. 226
стр. 227
[المحكم] (١)
وفائدةُ تقسيمِ المَقْبول إلى ما سبق من الأقسام - تَحْصُلُ عند التعارُضِ؛ فيقدَّمُ ما هو الراجحُ على ما هو المرجوحُ.
ثمَّ - أي: بعدما عرفْتَ الأقسامَ السابقة - ينقسمُ - أيضًا - الخَبَرُ المقبولُ باعتبار المعارِضِ وعدمِهِ، إلى أقسامٍ، فالتراضي ليس إلا في الذِّكْر إِنْ سَلِمَ الحديثُ من المعارضة بِمِثْلِهِ في القَبُول والصِّحَّةَ.
و الحديثُ تقدَّم معناه، والمراد بالمعارضة: أن يدلَّ أحدهما على خلافِ ما يَدُلُّ عليه الآخَرُ؛ فهو المُحْكَمُ - بفتح الكاف - من أَحْكَمْتُ الشَّيْء -: أَتْقَنْتُهُ، وذكر الحاكم: أنَّ عثمان بن سعيد الدَّارِمِيَّ (٢) صنَّف فيه كتابًا كبيرًا (٣)،
وأمثلتُهُ في الأحاديث كثيرةٌ
стр. 228
[مختلف الحديث] (١)
و إلا - أي: وإنْ لم يسلَمْ من المعارضة بمثْلِهِ - فلا يخلُو: إمَّا أنْ يمكنَ الجمْعُ بين مدلولهما بغَيْر تعسُّفٍ، وأمَّا إذا كان بتعسُّف، انتقَلْنا إلى ما بعد الجَمْع، فنظرنا في التَّاريخ، ثم في الترجيح … أولًا:
فإنْ أمكَنَ الجمْعُ بما يرفع المنافاةَ بتأويلٍ أو بتقييدٍ أو بتخصيصٍ من أحد الجانبَيْن؛ فإن أمكن الجمع بَوجْهٍ من هذه الوجوه، فهو مُخْتَلِفُ الحديثِ - بكسر اللام - كما صحَّحه الشيخُ الجَزَرِيُّ (٢)، وقيل: بالفتح، وفسَّره السخاويُّ باختلافِ مدلول ظاهر؛ فعلى هذا: يكونُ بالفتْحِ؛ على أنه مصدرٌ ميميٌّ، أو اسْمُ مفعولٍ؛ كذا قيل؛ فالوجهانِ جائزان؛ لأنَّ الكَسْرَ يناسبُهُ النسخ، والفَتْحُ يلائمه الترجيحُ.
و هذا النوعُ من أهمِّ الأنواع، وقد تكلَّم فيه الأئمَّة الجامعون بين الفِقْهِ والحديث، وأوَّلُ مَنْ تكلَّم فيه: الإمامُ الشافعيُّ ﵁ في كتابه "اختلاف الحديث" (٣) الذي هو جُزْءٌ من كتاب
стр. 229
стр. 230
стр. 231
و هو - على ما استُفِيدَ من كلامِ المصنِّف -: المَقْبولُ الذي له معارِضٌ
стр. 232
يُماثِلُهُ في القَبُول، وأمكَنَ الجَمْعُ بينهما، ولو بوجهٍ دون وجه.
مثالُهُ: ما في الصحيحِ مِنْ قولِهِ ﷺ : "لا عَدْوَى، ولا طِيَرَةَ، ولا صَفَرَ، ولا غُولَ" (١)، مع حديث: "فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ" (٢)، وكقولِهِ ﷺ : "لا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ" (٣). والمساوي لمتن: "فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ … إلى آخره".
و معنى العَدْوَى: الاعتداءُ، وهو: سريانُ شَيْءٍ مُضِرٍّ إلى آخر؛ كسَرَيَان الجَرَب والجُذَام ونحوِهما لمجاوِرِ من كانا فيه،، والطِّيَرَةُ: بكسر الطاء، وفتح الياء، وقد تُسَكَّن، والهَامَةُ - بتخفيف الميم -: طَيْر من طيور الليل، وقيل: هي البُوم، وكانتِ العرب تَزْعُمُ أن رُوحَ القتيل الذي لا يُدْرَكُ ثأرها - أي: قِصَاصُهُ - تصيرُ هامَةً؛ فتقول: "اسْقُونِي، اسْقُونِي"، فإذا أُدْرِكَ ثأره، طارَتْ، وكانوا يزعُمُون أن "صَفَر" حيةٌ في البطنِ تصيبُ الماشية والناس، وهي - عندهم - أعْدَى من الجَرَب، والذي يجده الإنسانُ عند جُوعه عضه، وقيل: كانُوا يتشاءمون بِصَفَر؛ ويقولون: تَكْثُرُ فيه الفتن؛ فالحديثُ لنَفْي ذلك، أو لنَفْي العدوى؛ فيه قولان، والغُول: واحد الغِيلان، كانت العربُ تزعُمُ أنه يتراءى للناس في الصلاة، فَيَتَلَوَّنُ بصور شتَّى؛ فَيَغُولُهُمْ، أي: يُضلُّهم عن الطريق؛ فنفاه ﷺ
стр. 233
وليس هو نفيًا لوجوده، بل إبطالٌ لزَعْمهم، في تَلَوُّنهم بالصُّوَرِ المختلفة، وأما قولُ بعضهم، من أنَّ معنى: "لا غُولَ": لا يستطيعُ أن يُضِلَّ أحدًا -: فليس على ظاهره؛ لأنه ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ … ﴾ الآية [الأنعام: ٧١]
و قولُهُ: "لَا يُورِد" بكسر الراء، ومُمْرِض - بضَمِّ الميم الأولى، وسكون الثانية، وكَسْر الراء - أي: صاحبُ الإِبِلِ المِرَاض، ومُصِحّ - بكسر الصَّاد - أي: صاحبُ الإِبِلِ الصحيحة، ومفعول "يُورِد" محذوفٌ، هي: إبله.
و قد جُمِعَ بين ذلك حيثُ إِنَّ جميعَهَا صحيح؛ بأن قوله: "لا عَدْوَى … إلى آخره" لنفْي ما يعتقدُهُ أهْلُ الجاهلية، وبعض الحكماء مِنْ أنَّ الجُذَام، والبَرَصَ، ونحوَهُما - تُعْدِى بَطْبعها؛ ولهذا قال: "فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ … " في الحديث، أي: أنَّ الله تعالى هو الذي ابْتَدَأَهُ في الثاني؛ كما ابتدأه في الأوَّل، والأَمْر والنَّهْي - في حديث: "لا يُورِد … إلى آخره" و"فِرَّ .. إلى آخره" -: للخَوْف من المخالطة التي جعلها الله تعالى سَبَبًا عاديًّا للإعداء، وقد يتخلَّف عن سببه؛ كما أنَّ النار لا تُحْرِقُ بطبعها، ولا الطعامُ يُشْبِعُ بطَبْعه، وإنَّما هي أسباب عاديَّة، وقد وجَدْنا مَنْ خالط المصاب بشَيْءٍ مما ذُكِرَ، ولم يتأثَرْ به، ووجدنا من احتَرَزَ عن ذلك الاحترازَ المُمْكِنَ، وأَخَذَ به.
قال الحافظ ابن حَجَرٍ في شرحه: "و كذا جَمَعَ بينهما ابن الصلاح، تَبَعًا لغيره" (١)، قال: "و الأَوْلَى في الجَمْع بينهما: أنْ يقال: إنَّ نَفْيَهُ ﷺ للعدوَى باقٍ على عُمُومه، وقد صَحَّ قوله ﷺ : "لا يُعْدِي شَيْءٌ" شَيْئًا"، وقوله ﷺ لمن عارضه بأن البعير الأجْرَبَ يكون في الإبل الصحيحة الصحيحة فيخالطها، فَتَجْرَب؛ حيث رَدَّ عليه بقوله: "فَمَنْ أَعْدَى
стр. 234
الأَوَّلَ" يعني: أنَّ الله تعالى، ابتدأ ذلك في الثاني؛ كما ابتدأه في الأوَّل،
و أمَّا الأمر بالفِرَار من المجذوم: فمِنْ باب سَدِّ الذرائع لئلا يتفق للشخص الذي يخالطُهُ شَيْء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداءً؛ لا بالعَدْوَى المنفيَّة؛ فيظنّ أنَّ ذلك بسبب مخالطتِهِ؛ فيعتقد صحَّة العدوىَ؛ فيقع بالحَرَج؛ فأمر بتجنُّبه؛ حَسْمًا للمادَّة" (١) انتهى.
و حاصله: أن حديثَ: "لا عَدْوَى" المقصود منه بيان العقيدةِ، أي ما يجبُ أن يُعْتَقَدَ، وهو عدمُ تأثير الطَّبْع، وأنَّ وجود المرض في الثاني بخَلْق الله تعالى، وحدِيثَ: "فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ … إلى آخره" المقصودُ منه: حِفْظُ العقيدة عن تطرُّق الخلل إليها. (٢)
و كخَبَرِ: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ، فَقَدْ طَهُرَ" (٣)، مع خبرِ: "لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ ولا عَصبٍ" (٤) الشاملِ للإهابِ المدبوغِ وغيره؛ فيُحْمَلُ على غير المدبوغ؛ جمعًا بين الدليلَيْن؛ لأنه أَوْلَى من العمل بأحدهما؛ إذ فيه إعمالُ أحد الدليلَيْن، والإعمالُ أَوْلَى من الإهمال.
стр. 235
[الناسخ والمنسوخ] (١)
"و إلا" أيْ: وإن لم يمكنِ الجمْعُ بينهما "فَلا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ تَأَخُّرُ أَحَدِهِمَا: فَإِنْ عُرِفَ المُتَأَخِّرُ بنَحْوِ إجْمَاعٍ بِأَنْ يُجْمِعُوا عَلَى أَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ؛ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ عَلَى تَأَخُّرِهِ مِنَ الدَّلِيلِ، وقد مثَّل ذلك ابن السَّمْعَانِيِّ (٢) " بنسخ وجوب الزكاةِ، ووجوبِ غيرها من الحُقُوق الماليَّة، ومثَّلها الخطيبُ البغداديُّ بقَوْل أبي ذَرٍّ لحذيفةَ: "أَيَّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْ تُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ، ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ النَّهَارُ إِلا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ"، وأجُمَع المسلمون على أن طلوع الشمْسِ يُحَرِّمُ الطعام والشراب.
و كحديثِ قَتْل شارب الخمر في المرةَّ الرابعة، (٣) الذي انعَقَدَ الإجماعُ
стр. 236
стр. 237
فهو - أي: المتأخِّر - الناسِخُ مجازًا؛ وإلا فالناسخُ - في الحقيقة - هو اللهُ تعالَى (١) والآخَرُ - أَيِ: المتقدِّم - هو المنسوخُ حقيقًة.
و النَّسْخُ - في اللغة- (٢) يُطْلَقُ على "الإزالة"؛
ك"نَسَخَتِ" الشمْسُ الظِّلَّ أي: أزالتْهُ، وعلى "النَّقْل"؛
ك "نَسَخْتُ" الكِتَابَ أي: نقلتُ ما فيه … إلى آخره؛ ومنه المناسخَاتُ في المواريث: الانتقالُ من وارثٍ إلى وارثٍ، والتَّنَاسُخُ في الأرْوَأح؛ كما يزعمه بعض الفلاسفة؛ لأنه نَقْلٌ من بَدَنٍ إلى بَدَنٍ.
و اختلفَ في حقيقتِهِ: فقيلَ: مشتَرَكٌ بين النقْلِ والإزالة؛ وعليه القاضي (٣) والغَزَّالِيُّ (٤)، وقيل: حقيقةٌ في الأَوَّل فقطْ؛ وهو قولُ
стр. 238
الأكْثَرين؛ كما قاله الهِنْدِيُّ (١)؛ وهو المُخْتار، وقيل عكسه؛ وعليه القَفَّال (٢)، وقيل غير ذلك، ولا يتعلق به غرضٌ علميٌّ؛ كما قاله العَضُدُ. (٣)
و في الاصطلاح، مُخْتَلَفٌ فيه: هل هو رَفْعٌ لحُكْمٍ، أو بيانٌ لانتهاءِ أَمَدِهِ؟ (٤) ودلائلُ الطرفَيْن في كتب الأصول. (٥)
و لم يبيِّنِ المصنِّف حكْمَ ما إذا لم يمكنِ الجمْعُ بينهما ولم يُعْلَمِ المتأجِّرُ؛ قصدًا للاختصارِ، ونحنُ نذكُرُ لك ذلك:
فإنْ وُجِدَ مرجِّح لأحدهما على الآخر: صِيَر إلي الترجيحِ، والعَمَلِ بالراجحِ، والمرجِّحات كثيرةٌ، ذكَرَها الأصوليُّون، وقد سبقَتْ نبذة يسيرَةٌ من ذلك.
و إن لم يوجَدْ مرجِّح لأحدهما على الآخر: وجب التوقُّفُ، وتَرْكُ العملِ والاستدلال، ووجَبَ الرجوعُ إلى غيرهما، وهو البراءة الأصلَّية؛
стр. 239
كما في تعارُضِ البَيِّنَتَيَنْ؛ وهذا هو المختارُ الذي ذهب إليه كَثِيرٌ من الفقهاء؛ واختاره القاضي زكريا (١) وغيره، وقد يُخَيَّرُ بينهما في العمل، وهو ما ذَهَبَ إلَيْه القاضي أبو بَكْر، (٢) وأبو عليٍّ (٣)، وابنه أبو هاشم؛ (٤) ورجَّحه العَلامة البرماويُّ (٥)، وقيل: يُوقَفُ عن العمل بالواحد منهما؛ كما في تعارُضِ البيِّنَتَيْن على قولٍ، وقيل: يخيَّر بينهما في الواجباتِ، ويتساقَطَان (٦) في غيرها.
و قد توقَّف الأئمَّةُ الأربعة ﵃ في مسائِلَ معلومةٍ عِنْدَ الفقهاء.
و التعبيرُ عنه بالتوقُّف أَوْلَى من التعبير بالتساقُطِ؛ كما هو المشتهِرُ على [الألسنة]؛، من "أنَّ الدليلَيْن إذا تعارَضَا تساقطا؛ لأنَّه يُوهِمُ الاسْتِمْرارَ؛ مع أنَّه ليس كذلك؛ لأن سقوطَ حُكْمهما إنما هو لعَدَمِ ترجيحِ أَحَدِهما، ولا يلزمُ منه استمرارُ التساقُطِ، مع أنَّ إطلاق التساقُطِ على الأدلَّة الشرعيَّة خارجٌ عن سَنَنِ الآداب، ولأنَّ خفاءَ ترجيحِ أَحَدِهِما على الآخر إنما هو بالنِّسْبة للمُعْتَبِرِ مع احتمالِ أَنْ يظهَرَ لغيره، ماخفي عليه. (٧) "
стр. 240
[الضعيف] (١)
و لما فرغ المصنِّف من مباحث أحد قِسْمَي الإسناد، وهو المقبول - شَرَعَ في قسمه الآخر فقال: "وَ المَرْدُودُ" أي: ما يجبُ به الرَّدُّ، وهو فواتُ صفة القَبُول، أعني: العدالَةَ والضبْطَ وغيْرَهُما، مما سبق بيانه؛ فقول الحافظ في شرحه: "و مُوجِب الرَّدِّ" (٢). عَطْفٌ تفسيرٍ للمردود، وقال بعضهم: "لا يظهر لقوله "مُوجِبَ الرَّدِّ" فائدةٌ، ولا رَبْطٌ بما قبله، ولا بما بعده" انتهى
و هذا كله مبنيٌّ على أن يكونَ "مُوجِب" بكسر الجيم، وأما إذا قُرِيء بالفتح، فيستقيمُ الكلامُ أولا، وآخرًا، وهو: إمَّا أنْ يكونَ ردُّهُ وعدمُ قَبُوله، لِسَقْط من السند؛ وقد تقدَّم معناه غير مرَّة،
أو يكونَ رَدُّهُ لطعْنٍ في راوٍ بأَحدِ الأمور التي تأتي، إن شاء الله.
стр. 241
[المعلق] (١)
فما سقَطَ أوَّلُ سنده، أي: طرَفُهُ الذي فيه الصحابيُّ، سواء كان واحدًا أو أكثَرَ أو جميعَ الرُّوَاة، وكان ذلك السقُوطُ تصرُّفًا من مصنِّف -: فهو المُعَلَّق؛ مأخوذٌ من تعليق الجِدَار؛ لقَطْع اتِّصَاله، أو من تعليق الأمْرَأَةِ، وهو هَجْرها؛ ومنه تعليق أفعال القلوبِ، أي: إبطالُ عَمَلِها لفظًا لا معنًى، وسُمِّيَ هذا القسْمُ من الحديث بذلك؛ لكونه مردودًا، ومَهْجُور العمل به، وغيْرَ معتدٍّ بوجوده، وإنَّما كان كذلك للجهْلِ بالمحذوف، وعدم المعلم بحاله.
مثالُ ما حُذِفَ من أوله واحدٌ: قولُ البخاريِّ: وقال مالكٌ، عن الزهري، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ .
و مثالُ ما حُذِفَ من أوَّله أكثَرُ من واحد: قوله وقال ابنُ الماجِشُونِ، عن عبد الله بن الفَضْل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ : "لا تُفَاضِلُوا بَيْنَ الأنْبِيَاءِ" (١)، وقولُهُ: وقالتْ عائشةُ: "كَانَ
стр. 242
النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْوَالِهِ" (١).
و مثالُ ما حُذِف من أوَّله جميعُ الرواة: قوله: "و قَالَ وفْدُ عبد القَيْسِ للنبيِّ ﷺ : مُرْنَا بِعَمَلٍ إنْ عَمِلْنَا بِهِ، دَخَلْنَا الجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ، والشَّهَادَةِ، وإِقَامِ الصَّلاةِ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ" (٢).
و اعلَمْ: أنَّ الراوي إذا حَذَفَ من حديثه، وأضافَ الحديثَ إلى شَيْخِ شيخِهِ، وهو شيخٌ له، كان ذلك تعليقًا، إلا أَنْ يُعْرَفَ أنَّ ذلك الراوِيَ مدلِّس؛ فتدليسٌ، وأنَّ المعلَّق الواقعَ في كتابٍ التُزِمَتْ صحَّتُهُ؛ كالكُتُب الستَّة، إن كان بصيغةٍ فيها جَزْمٌ، نحو؛ قال أو "روَىَ" ممَّا بنى للفاعل - يُحْكَمُ له بالصحَّة عند ذلك المصنِّف؛ لأنه لو لَمْ يصحَّ عنده، لما جَزَمَ به، وإنْ كانَ بصيغةٍ ليْسَ فيها جزْمٌ؛ نحو: في البابِ كذا، أو رُوِىَ عن فلانٍ، أو ذُكِرَ، أو يُذْكَرُ مما بُنِيَ للمفعول - لا يُحْكَمُ له بالصحَّة؛ لأن مثلَ هذه لا يقالُ في الحديثِ الصحيحِ؛ لكن إيراد ذلك المصنِّف له في صحيحِهِ يُشْعِرُ بأصالته. (٣)
стр. 243
المرسل (١)
و ما سقَطَ صحابيُّهُ: فهو المُرْسَلُ؛ وذلك بأنْ يرفَعَهُ تابعُ الصحابيِّ إلى النبيِّ ﷺ سواءٌ كان التابِعُ كبيرًا، وهو: مَنْ لَقِيَ جماعًة من الصحابة، وكان أكْثَرُ رواتِهِ منهم؛ كعُبَيْد الله بْنِ الخِيَار (٢) - بكسر المُعْجمة - أو صغيرًا، وهو: مَنْ لَقِيَ واحدًا منهم، أو اثنَيْنِ؛ كيحيى بْنِ سَعِيدٍ (٣)، وهو مأخوذٌ من الإرسالِ، وهو الإطلاقُ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣]؛ فكأنَّ المُرْسِلَ أَطْلَقَّ الإسنادَ، ولم يقيِّدْهُ