← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 696

عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر

محمود شكري الألوسي

Полный текст (325 стр.). Показаны 239–278 · переход к 244.

стр. 239

كما في تعارُضِ البَيِّنَتَيَنْ؛ وهذا هو المختارُ الذي ذهب إليه كَثِيرٌ من الفقهاء؛ واختاره القاضي زكريا (١) وغيره، وقد يُخَيَّرُ بينهما في العمل، وهو ما ذَهَبَ إلَيْه القاضي أبو بَكْر، (٢) وأبو عليٍّ (٣)، وابنه أبو هاشم؛ (٤) ورجَّحه العَلامة البرماويُّ (٥)، وقيل: يُوقَفُ عن العمل بالواحد منهما؛ كما في تعارُضِ البيِّنَتَيْن على قولٍ، وقيل: يخيَّر بينهما في الواجباتِ، ويتساقَطَان (٦) في غيرها. و قد توقَّف الأئمَّةُ الأربعة ﵃ في مسائِلَ معلومةٍ عِنْدَ الفقهاء. و التعبيرُ عنه بالتوقُّف أَوْلَى من التعبير بالتساقُطِ؛ كما هو المشتهِرُ على [الألسنة]؛، من "أنَّ الدليلَيْن إذا تعارَضَا تساقطا؛ لأنَّه يُوهِمُ الاسْتِمْرارَ؛ مع أنَّه ليس كذلك؛ لأن سقوطَ حُكْمهما إنما هو لعَدَمِ ترجيحِ أَحَدِهما، ولا يلزمُ منه استمرارُ التساقُطِ، مع أنَّ إطلاق التساقُطِ على الأدلَّة الشرعيَّة خارجٌ عن سَنَنِ الآداب، ولأنَّ خفاءَ ترجيحِ أَحَدِهِما على الآخر إنما هو بالنِّسْبة للمُعْتَبِرِ مع احتمالِ أَنْ يظهَرَ لغيره، ماخفي عليه. (٧) "

стр. 240

[الضعيف] (١) و لما فرغ المصنِّف من مباحث أحد قِسْمَي الإسناد، وهو المقبول - شَرَعَ في قسمه الآخر فقال: "وَ المَرْدُودُ" أي: ما يجبُ به الرَّدُّ، وهو فواتُ صفة القَبُول، أعني: العدالَةَ والضبْطَ وغيْرَهُما، مما سبق بيانه؛ فقول الحافظ في شرحه: "و مُوجِب الرَّدِّ" (٢). عَطْفٌ تفسيرٍ للمردود، وقال بعضهم: "لا يظهر لقوله "مُوجِبَ الرَّدِّ" فائدةٌ، ولا رَبْطٌ بما قبله، ولا بما بعده" انتهى و هذا كله مبنيٌّ على أن يكونَ "مُوجِب" بكسر الجيم، وأما إذا قُرِيء بالفتح، فيستقيمُ الكلامُ أولا، وآخرًا، وهو: إمَّا أنْ يكونَ ردُّهُ وعدمُ قَبُوله، لِسَقْط من السند؛ وقد تقدَّم معناه غير مرَّة، أو يكونَ رَدُّهُ لطعْنٍ في راوٍ بأَحدِ الأمور التي تأتي، إن شاء الله.

стр. 241

[المعلق] (١) فما سقَطَ أوَّلُ سنده، أي: طرَفُهُ الذي فيه الصحابيُّ، سواء كان واحدًا أو أكثَرَ أو جميعَ الرُّوَاة، وكان ذلك السقُوطُ تصرُّفًا من مصنِّف -: فهو المُعَلَّق؛ مأخوذٌ من تعليق الجِدَار؛ لقَطْع اتِّصَاله، أو من تعليق الأمْرَأَةِ، وهو هَجْرها؛ ومنه تعليق أفعال القلوبِ، أي: إبطالُ عَمَلِها لفظًا لا معنًى، وسُمِّيَ هذا القسْمُ من الحديث بذلك؛ لكونه مردودًا، ومَهْجُور العمل به، وغيْرَ معتدٍّ بوجوده، وإنَّما كان كذلك للجهْلِ بالمحذوف، وعدم المعلم بحاله. مثالُ ما حُذِفَ من أوله واحدٌ: قولُ البخاريِّ: وقال مالكٌ، عن الزهري، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . و مثالُ ما حُذِفَ من أوَّله أكثَرُ من واحد: قوله وقال ابنُ الماجِشُونِ، عن عبد الله بن الفَضْل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ : "لا تُفَاضِلُوا بَيْنَ الأنْبِيَاءِ" (١)، وقولُهُ: وقالتْ عائشةُ: "كَانَ

стр. 242

النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْوَالِهِ" (١). و مثالُ ما حُذِف من أوَّله جميعُ الرواة: قوله: "و قَالَ وفْدُ عبد القَيْسِ للنبيِّ ﷺ : مُرْنَا بِعَمَلٍ إنْ عَمِلْنَا بِهِ، دَخَلْنَا الجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ، والشَّهَادَةِ، وإِقَامِ الصَّلاةِ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ" (٢). و اعلَمْ: أنَّ الراوي إذا حَذَفَ من حديثه، وأضافَ الحديثَ إلى شَيْخِ شيخِهِ، وهو شيخٌ له، كان ذلك تعليقًا، إلا أَنْ يُعْرَفَ أنَّ ذلك الراوِيَ مدلِّس؛ فتدليسٌ، وأنَّ المعلَّق الواقعَ في كتابٍ التُزِمَتْ صحَّتُهُ؛ كالكُتُب الستَّة، إن كان بصيغةٍ فيها جَزْمٌ، نحو؛ قال أو "روَىَ" ممَّا بنى للفاعل - يُحْكَمُ له بالصحَّة عند ذلك المصنِّف؛ لأنه لو لَمْ يصحَّ عنده، لما جَزَمَ به، وإنْ كانَ بصيغةٍ ليْسَ فيها جزْمٌ؛ نحو: في البابِ كذا، أو رُوِىَ عن فلانٍ، أو ذُكِرَ، أو يُذْكَرُ مما بُنِيَ للمفعول - لا يُحْكَمُ له بالصحَّة؛ لأن مثلَ هذه لا يقالُ في الحديثِ الصحيحِ؛ لكن إيراد ذلك المصنِّف له في صحيحِهِ يُشْعِرُ بأصالته. (٣)

стр. 243

المرسل (١) و ما سقَطَ صحابيُّهُ: فهو المُرْسَلُ؛ وذلك بأنْ يرفَعَهُ تابعُ الصحابيِّ إلى النبيِّ ﷺ سواءٌ كان التابِعُ كبيرًا، وهو: مَنْ لَقِيَ جماعًة من الصحابة، وكان أكْثَرُ رواتِهِ منهم؛ كعُبَيْد الله بْنِ الخِيَار (٢) - بكسر المُعْجمة - أو صغيرًا، وهو: مَنْ لَقِيَ واحدًا منهم، أو اثنَيْنِ؛ كيحيى بْنِ سَعِيدٍ (٣)، وهو مأخوذٌ من الإرسالِ، وهو الإطلاقُ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣]؛ فكأنَّ المُرْسِلَ أَطْلَقَّ الإسنادَ، ولم يقيِّدْهُ

стр. 244

بجميِعِ رواته، ويُجْمَعُ على "مَرَاسيِل" و"مَرَاسِل"، وقيَّده الحافظُ بما لم يسمعْهُ من النبيِّ ﷺ (١) ليُخْرِجَ من لَقِيَهُ كافرًا، فسمع منه، ثم أسْلَمَ بعد موتهِ ﷺ وحدَّثَ بما سَمِعَ منه؛ كالتَّنُوخِيِّ (٢)؛ رسُولِ هِرَقْلَ، وروي قَيْصَر؛ فإنه مع كونه تابعيًّا محكومٌ لما سمعه بالاتصالِ لا بالإرسالِ، وبه يُلْغَزُ؛ فيقال: لنا تابِعِيٌّ أضافَ إلى النبيِّ ﷺ حديثًا، وحديثُهُ متصلٌ. و خرَجَ بالتابعيِّ: مرسلَ الصحابيِّ؛ بأن لمْ يسمعْهُ من النبيِّ ﷺ إلا بواسطةٍ، كبيرًا كان؛ كابْن عُمَرَ وجابرٍ، أو صغيرًا؛ كابن عَبَّاس وابن الزُّبَيْر، فحكمُهُ الوصْلُ؛ فيحتجُّ به على الصحيح؛ لأن غالبَ روايتِهِ عن الصحابة، وهم عدولٌ؛ لا تَقْدَحُ فيهم الجهالةُ بأعيانِهِمْ؛ فلا يُبْحَثُ عن عدالتهم: في روايةٍ، ولا شهادةٍ؛ لأنَّهم خيرُ الأمَّة؛ لقولِهِ تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقوله تعالى: ﴿وَ كّذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا؛ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فالصحابَةُ هم المخاطَبُونَ حقيقًة بهذا الخطابِ الشفاهي، وقولِهِ ﷺ : "لا تَسُبُّوا أَصْحَابي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِيِ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ" (٣)؛ رواه الشيخان، والحديثُ وإنْ

стр. 245

وَرَدَ على سَبَبٍ - فالعبْرَةُ بعمومِ اللفْظِ، ولا يضرُّ كونُ الخطاب بذلك للصحابِة؛ لأن المعنَى: لا يَسُبُّ غيْرُ أصحابي أصحابي، ولا يَسُبُّ بعضُكُمْ بعضًا، والأحاديث في ذلك كثيرةٌ لا تنحصرُ. فَمَنْ أثنى الله تعالى عَليْه ورسولُهُ ﷺ بهذا الثناءِ، كيف لا يكونُ عَدْلا، مع أنَّ العدالة تثبت بتزكية عَدْلَيْنِ من آحادِ الأُمَّة؛ فكيفَ لا تثبُتُ مع هذا الثناءِ العظيم؟ _! ". انتهى. و أمَّا احتمالُ روايتِهِ عن تابعيٍّ: فنادر؛ قال بعضهم: "و يتحصَّلُ من كلامهم خلافٌ في سبب المَنْعِ، وإن كان الكلُّ عدولا، بل هو احتمالُ روايتِهِ عن تابعيٍّ أو صحابيٍّ قامَ به مانعٌ؛ كسارِقِ رداءِ صفوانَ ونَحْوه" انتهى. و بعضُهُمْ يقيِّده بالكبيرِ، فمرفوعُ الصَّغيرِ لا يسمَّى مرسلا بل منقطعًا. و بعضُهُمْ يجعلُ المُرْسَلَ: ما سَقَطَ من سنده راوٍ واحدٌ أو أكثَرُ، سواءٌ كان من أولِهِ أو من آخرِهِ أم بينهما؛ فَشَمِلَ المنقطع والمُعضَلَ والمعلَّق؛ وهذا ما حكاه ابْنُ الصَّلاح عن الفقهاء، والأصوليِّين والخطيب؛ ولذا قال النوويُّ: "المُرْسَلُ عند الفقهاء، والأصوليِّين والخطيبِ، وجماعةٍ من المحدِّثين -: ما انقطَعَ إسنادُهُ على أيِّ وجه كان" انتهى. و الحاصلُ أنَّ في المرسلِ ثلاثةً أقوال: أوَّلها: وهُوَ ما ذكره أكْثَرُ استعمال المحدِّثين. و ثانيها: أضْيَقُها؛ لتقييده بتابعٍ مخصوصٍ.

стр. 246

و ثالثها: أوسَعُهَا؛ لأنه مرفوعٌ غيْرِ صحابيٍّ - تابعيًّا كان أو غيْرَهُ - إلى النبيِّ، ﷺ . و قد احتجَّ بالمرسَلِ: أبو حنيفَةَ (١)، ومالكٌ (٢)، وأحمد (٣) في أشهر الروايتين عنه (٤) واختاره الآمديُّ (٥)؛ قالوا: لأنَّ العدْلَ لا يُسْقِطُ الواسطةَ بَيْنَهُ وبين النبيِّ ﷺ إلا من وهُوَ عدلٌ عنده، وإن كان ذلك تلبيسًا قادحًا فيه.

стр. 247

و قال عيسى بْنُ أَبَانَ (١) واختاره ابن الحاجب (٢)، وصاحب "البديع" (٣) -: يُقْبَلُ المرسَلُ، ويُحْتَجُّ به إذا كان المرسَلُ من أئمَّة النقْلِ؛ كسعيد بن المسيِّب (٤)،

стр. 248

والشَّعْبِيِّ (١)؛ بخلاف من لم يكنْ منهم؛ فقد يَظُنُّ من ليس بعدلٍ عدلا؛ فيُسْقِطُهُ لظنِّه … إلى غير ذلك من الاختلافاتِ المذكورة في مَحَلِّها. (٢)

стр. 249

[المعضل] (١) و ما سقَطَ منه اثنانِ فأكثَرُ، مع التوالي -: فهو المُعْضَلُ - بفتح الضاد - من: أَعْضَلَهُ فلانٌ، أي: أعياه؛ فهو مُعْضَلٌ، أي: مُعْيًا؛ لأن المحدِّث الذي حدَّث به أعضَلَهُ وأعياه؛ فلم ينتفعْ من يَرْويه عنه، وقد يقالُ: المعضَلُ، للمُشْكِلِ أيضًا، وهو - حينئذ - بكسر الضاد، أو بفتحها؛ على أنه مشتَرَكٌ فيه؛ وعليه بعضُ المحقِّقين. و اصطلاحًا: ما يستَفَادُ من كلامِ المصنِّف؛ من أنه: الذي سقَطَ مه راويانِ على التوالِي. مثالُ ذلك: روايَةُ الشافعيِّ، عن مالك، عن أبي هريرة (٢)؛

стр. 250

بإسقاط أبي الزِّنَاد (١)، والأعرجِ. (٢) و اعلَمْ: أنَّ أبا الحسنِ التِّبْرِيزِيَّ (٣) خَصَّ في كتابه "الكافي" (٤) في علوم

стр. 251

الحديث المُعْضَلَ - وكذا المنقَطِعَ - بما بَيْنَ طرفَيِ الإسنادِ، وابنُ الصلاحِ لم يخصَّهما بذلك؛ فما حُذِفَ من أول إسنادِهِ واحدٌ، فهو منقطعٌ، عند ابن الصلاح، وما حذف من أوله اثنان متواليانِ، فهو المعضَلُ عنده، وعند التِّبْريزيِّ: كلاهُمَا معلَّق. و أنَّ الجَوْزَقَانِيَّ (١) قال في مقدِّمة كتابه في "المَوْضُوعات" (٢): "المعضَلُ أسوأ حالا من المنْقَطِعِ، والمنقطعُ أسوأ حالا من المرسَلِ، والمرسَلُ لا تقُومُ به حجَّةٌ" انتهى، وإنَّما يكونُ المعضَلُ أسوَأَ حالا من المنقطعِ، إذا كان الانقطاعُ في موضِعِ واحدٍ، أما إذا كان في موضَعْينِ أو أكثَرَ - فإنه يساوي المُعْضَلَ في سوء الحالِ، وإنما قيَّدتُّهُ بقَيْد التوالي المستفادِ من مقابِلِهِ وقسيمِهِ؛ ليخرج - حينئذ - المُنْقَطِع الذي سيجيء ذِكْره. و بعض المحدِّثين أطلق، وقال: "هُوَ ما سقَطَ منه اثنانِ فصاعدًا في الموضِعِ الواحدِ، من أي موضعٍ كان، وإن تعدَّدتِ المواضعُ، سواءٌ كان الساقطُ الصحابيَّ أو التابعيَّ أم غيرهما"؛ فيدخل فيه - كما قال ابن الصَّلاح - قول المصنِّف: "قال رَسُولُ الله ﷺ أي: كما قال مثلَهُ في المرسَلِ والمنقطع" انتهى. و مِنَ المعضَلِ قسمٌ ثانٍ، وهو: حذفُ لفظِ النبيِّ والصحابيِّ، ووقْفُ

стр. 252

مَتْنِهِ على التابعيِّ؛ كقولِ الأعمش، عن الشعبي: " يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ: عَمِلْتَ كَذَا وكَذَا؟ _! فَيَقُولُ: مَا عَمِلْتُهُ!! فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ؛ فَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُ أَوْ لِسَانُهُ، فَيَقُولُ لِجَوَارِحِهِ: أبْعَدَكُنَّ اللهُ، مَا خَاصَمْتُ إِلا فِيكُنَّ" رواه الحاكم، وقال عَقِبَهُ: أَعْضَلَهُ الأعمشُ، وهو عند الشعبيِّ متصلٌ مسنَدٌ، رواه مسلم من حديثِ فُضَيْل بن عمرو، عن الشعبي، عن أنس، قال: "كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَضَحِكَ، فَقَالَ: "هَلْ تَدْروُنَ مِمَّا ضَحِكْتُ؟ " قُلْنَا: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: "مِنْ مُخَاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ يَقُولُ يَأ رَبِّ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي لا أُجِيزُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي شَاهِدًا إِلا مِنِّي فَيَقُولُ: "كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ شَهِيدًا، وبَالْكِرامِ الكَاتِبِينَ عَلَيْكَ شُهُودًا"؛ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، ثُمَّ يُقالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي" (١) الحديث نحوه. قال ابن الصَّلاح: "و هذا - أي: جعْلُ القسْمِ الذي حُذِفَ فيه النبيُّ والصحابيُّ من المعضل - حينئذ حَسَنٌ؛ لأن هذا الانقطاعَ باثنَيْن الصحابيِّ والنبيِّ؛ فذاك باتفاقٍ، اسم المعضل أولى.

стр. 253

و ما سقَطَ منه راوٍ واحدٌ قبل الصحابيِّ، ولو كان الساقط في مواضع؛ بحيثُ لا يزيدُ الساقطُ في كلٍّ منها على واحدٍ، فهو المنقطعُ ؛ لأنه ليس بمتصل، وخرج "الواحدِ" المعضَلُ، مع أنَّ الحاكم يسمِّيه منقطعًا أيضًا، وبقولي "قبل الصحابيِّ" المرسَلُ. مثاله: روايةُ مالكٍ، عن يحيى بْنِ سعيد، عن عائشةَ؛ فإنَّ يحيى لم يسمَعْ من عائشة، وإنما سَمِعَ ممَّنْ سَمِعَ منها، وأكثَرُ استعمالِ المحدِّثين المنقطعَ بهذا المعنَى، فأكثَرُ ما يستعمل فيه المنقطع عن ابن عمر. وأكثَرُ ما يستعمل فيه المرسَلُ: ما رواه التابعيُّ عن النبي ﷺ . و قيل: المنقطعُ: ما لم يتَّصِلْ سنده، ولو سقَطَ منه أكثَرُ من واحدٍ؛ فيدخُلُ فيه المرسَلُ، والمعضَلُ، والمعلَّق". قال ابن الصلاح: "و هذا أقرَبُ من الأوَّل معنًى، وإن كان الأول أكثَرَ استعمالا؛ لأنَّ الانقطاع ضِدّ الاتصال؛ فيصدق بالواحد، وبالجمع، وبما

стр. 254

بينهما"، قال: "و قد صار إليه طوائفُ من الفقهاءِ وغيرِهِمْ، وقيل غير ذلك ممَّا يطُولُ ذِكْره" (١). و اعلَمْ: أَنَّ النسَبَ بين هذه الأنواعِ الأربعةِ، تعتَبَرُ بحسب التحقُّق، وبحسب الحمل؛ كما لا يخفى؛ فالنِّسْبة بين المعلَّق. والمرسَلِ هي المباينة الكليَّة، أي: كلَّما تحقَّق المعلَّق، انتفى المرسل، وبالعكس، وبينه وبين المعضَلِ عمومٌ وخصوصٌ من وجه؛ إذْ يجتمعانِ فيما إذا كان الساقطُ اثنان فأكثر، ويتحقَّق التعليقُ فقطْ فيما حُذِفَ من مبدإ إسنادِهِ واحدٌ فقطْ، ويتحقَّق المعضل فقطْ، إذا لم يكنِ السقوطُ من تصُّرف مصنِّف؛ إذ هو أعمُّ من ذلك؛ بخلاف التعليق؛ فإنه مقيَّد به، وبينه وبين المنقطع عمومٌ وخصوصٌ من وجه أيضًا، إذ يتحقَّقان فيما إذا كان الساقطُ واحدًا من أول السند، تصرُّفًا من مصنِّف، ويتحقَّق المعلَّق دونه فيما إذا كان الساقطُ أكثَرَ من واحد، ويتحقَّق المنقطع دونه فيما إذا كان الساقطُ لا مِنْ أوَّل السند، ولو كان في موضعٍ واحدٍ، وبين المرسَلِ والأخيرَيْن مباينةٌ كليةٌ؛ وكذا بين الأخيرَيْن.

стр. 255

[معرفة التواريخ، ومواليد الرواة ووفياتهم] (١) و لمَّا فرغ المصنِّف من تَقْسيم السقْطِ من الإسناد؛ باعتبار ذاته - شَرَعَ في تقسيمه ثانيًا؛ باعتبار صفته؛ وذلك لأنَّ السقوط قِسْمٌ منه ظاهر، يعرفه الحُذَّاق وغيرهم؛ بأن يكونَ مولد الراوي متأخِّرًا عن وفاة مَنْ روى عنه، أو تكونَ جهتهما مختلفًة؛ كخراسان، وتِلِمْسَان، ولم يُنْقَلْ أن أحدهما رَحَلَ عن جهته إلى جهة الآخر؛ ولذلك احتيج إلى التاريخ (٢)، وهو ابتداءُ ذِكْر مِدَّة الشيْء؛ فإنَّ فيه تقييد مواليدِ الرواة ووَفَيَاتِهِمْ، وسماعِهِمْ، قال الحاكم

стр. 256

أبو عبد الله: "لما قَدِمَ علينا أبو جعفر، محمَّد بن حاتمٍ الكَشِّيُّ (١) - بفتح الكاف وتشديد المعجمة المكسورة - وحدَّث عن عَبْد بن حُمَيْد (٢) -: سألتُهُ عن مولده؟ فذكَرَ أنه سنة ستِّين ومِائَتَيْنِ، فقلتُ لأصحابنا: سَمِعَ هذا الشيخُ من عَبْد بن حُمَيْد بعد موتِهِ بثلاثَ عَشْرَةَ سنةً!! " (٣). و قال أبو عبد الله الحُمَيْدِيُّ (٤): "ثلاثةُ أشياءَ يجبُ تقديمُ العناية بها:

стр. 257

العِلَلُ، وأحسنُ كتابٍ وُضِعَ فيها: كتابُ [الدَّارَقُطْنِيِّ (١)، والمُؤْتَلِفُ والمُخْتَلِفُ، وأحسن ما وُضِعَ فيه] (٢): كتابُ ابن ماَكُولا (٣)، ووَفَيَاتُ الشُّيُوخ، وليس فيه كتابٌ" (٤)؛ وكأنه يريد على الاستيعاب. و قد ظهر التاريخُ في خلافة عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ ﵁ حين

стр. 258

افتَتَحَ بلادَ العَجَمِ، ودوَّن الدواوين، وجَبَى الخَرَاجَ، فقيل له: ألا تؤرِّخُ؟! فقال: "و ما التَّأْريخُ؟ " إذ لم يكن في صدر الإسلامِ، فقيل: شَيْء كانتْ تعمله الأعاجمُ، يَكْتُبُونَ في شَهْر كذا من سنة كذا، فقال عمر ﵁: هذا حَسَنٌ، فقال قومٌ: نَبْدَأُ من مَبْعَثِ رسول الله ﷺ وقال قوْمٌ: من الوَفَاةِ، وقال قومٌ: من الهِجْرة، ثم اتفقُوا على أن يُبْدَأَ من الهجرة، ثم قال قومٌ: نبدأُ بشَهْر رمضان، وقال آخرون نبدأُ بمُحَرَّم؛ لأنه مُنْصَرَفُ الناسِ من الحجِّ، ثم اتفقوا على أنْ يَبْدَءُوا من محرَّم. و كانت الهجرة في شَهْر ربيعٍ الأوَّل، وكان مَقْدَمُ رسولِ اللهِ ﷺ المدينَةَ يوْمَ الاثْنَيْنِ، لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خلَتْ منه؛ فتقدم التاريخ على الهجرة، وعلى قدومه ﷺ المدينَةَ بشهرَيْنِ، واثنتَيْ عشرة ليلة. (١)

стр. 259

[المدلس] (١) و القسم الآخَرُ خَفِيُّ (٢)، وهو قسمان، أشار المصنِّف إلى الأوَّل منهما بقوله: "فإَنْ خَفِيَ السُّقُوطُ، بِأَلا يَعْرِفَهُ إِلا الحُذَّاقُ، ولا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إِلا الحُفَّاظُ أَهْلُ المَذَاقِ، وذِلَكَ بأَنْ رَوَى عَنْ مُعَاصِرِهِ شَيْئًا لَمْ يَسْمَعَهُ مِنْهُ؛ بِأَنْ يُسْقِطَ مِنْ حَدِيثِهِ مِنَ الثِّقَاتِ لِصِغَرِهِ، أَوْ مِنَ الضُّعَفَاءِ، ولَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ فَقَطْ، ويَرْتَقِيَ لشيخ شيخِهِ فمَنْ فوقه بصيغةٍ تحتملُ السماع؛ كقوله: قال فلانٌ، أو: عن فلان، أو: إنَّ فلانًا قال كذا، ولا يقول: حدَّثنا، ولا أخبرنا، ولا ما يشبه ذلك من الصيغ الصريحة في السماعِ؛ تحرُّزًا من الكَذِبِ، وقد عُرِفَ أنه لَقِيَهُ، سواء لم يسمعْ منه شيئًا أو سَمِعَ منه غَيْرَ الذي رواه عنه، بلفظٍ محتمِلٍ للسماعِ منه، وموهمٍ له، وخرج بهذا القيد: الإرسال؛ فهو المُدَلَّس - بفتح الدال - من التدليس، وهو: اختلاط الكلامِ، سُمِّيَ به هذا النوع؛ لأنه لخفائه أَظْلَمَ أمرَهُ على الواقف عليه؛ لاشتراكهما في الخفاء: خفاءِ الساقطِ في الإسناد المدلَّس، وخفاءِ

стр. 260

الشواخص ونحوها؛ باختلاط الظلام، والراوي الفاعلُ له يقال له: مُدَلِّس - بكسر اللام - لإبهامه سماعَ ما لَمْ يسمعْهُ، وفعْلُهُ تدليسٌ، والتدليس في اصطلاح المحدِّثين - يقع على أنواعٍ، والمذكورُ في كلامِ المصنِّف نوعٌ منه، وهو تدليسُ الإسنادِ؛ ومنه أن يُسَقِطَ الراوي أداة الروايةِ مقتصرًا على اسْمِ الشيخ، ويفعله أهْلُ الحديث كثيرًا". مثال: ما قاله ابن خشرم (١): "كنَّا عند ابن عُيَيْنة، (٢) فقال: قال الزُّهْرِيُّ (٣)، فقيل له، حدَّثَكَ الزهريُّ؟ فسكت، ثم قال: قال الزهريُّ، فقيل له: سمعْتَ من الزهريِّ؟ فقال: لا، لَمْ أسمعْهُ من الزهريِّ، ولا مِمَّنْ

стр. 261

سمعه من الزهريِّ، حدَّثني عبد الَّرزَّاق (١)، عن مَعْمَرٍ (٢)، عن الزهري" (٣). و مثْلُهُ ما رواه عبد الرَّزَّاق (٤)، عن سفيانَ الثوريِّ (٥)، عن أبي إسحاق (٦) عن زَيْدِ بْنِ يُثَيْع (٧) - بمثنَّاة تحتيَّة مضمومة، ففوقية - مفتوحة، فتحتيَّة

стр. 262

ساكنة، فعَيْن مهملة - عن حذيفَةَ قال: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنْ وَلَّيْتُمُوهَا أبابَكْرٍ فَقَوِيٌّ أَمِينٌ، لا تَأْخُذُهُ فيِ اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ"؛ فهذا الحديثُ في صورة المتَّصِل، وهو منقطعٌ في موضعَيْنِ؛ فإنَّ عبد الرزَّاق لم يسمعْهُ من الثوريِّ، وإنَّما سمعَهُ من النُّعْمَان بن أبي شيبة الجَنَدِيُّ (١)، عن الثَّوْرِيِّ، ولم يسمعْهُ الثوريُّ من أبي إسحاق - أيضًا - وإنما سمعه من شَرِيكٍ (٢)، عن أبي إسحاق؛ كما جاء مبيَّنًا من وجه آخر (٣)، وسماه الحافظُ: تدليسَ القَطْع (٤)؛ لكنَّهُ مَثَّلَ له بما رواه ابْنُ عَدِيٍّ (٥) وغَيْرُهُ، عن عُمَرَ بْنِ عُبَيْدٍ

стр. 263

الطَّنافِسِيِّ (١)؛ أنه كان يقُولُ: "حدَّثنا" ثمَّ يسكتُ وينوي القَطْعَ، ثم يقول: "هشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشة ﵂" (٢). و منه تدليسُ العَطْف، وهو أن يصرِّح بالتَّحْديث عن شيخٍ له، ويَعْطِفَ عليه شيخًا آخَرَ له، ولا يكون سمع ذلك المرويَّ منه. مثاله: ما رواه الحاكمُ في "علومه"، قال: "اجْتَمَعَ أصحابُ هُشَيْم (٣)، فقالوا: لا نَكْتُبُ اليَوْمَ عَنْهُ شَيْئًا ممَّا يدلِّسه، ففَطِنَ لذلك، فلمَّا جَلَسَ،

стр. 264

قال: حدَّثنا حُصَيْن (١) ومُغِيَرة (٢)، عن إبراهيم (٣)، وساق عدَّة أحاديث، فلما فرغ قال: هل دلَّسْتُ لكُمْ شيئًا؟ قالوا: لا، فقال: بَلَى كُلُّ ما حَدَّثْتُكُمْ عن حُصَيْنٍ، فهو سماعيٌّ، ولم أَسمَعْ عن مغيرة من ذلك شيئًا" (٤)، ومع ذلك هو محمولٌ على أنَّه نَوَيً، القطع، ثم قال: وفلان، أي: وحديث فلان. و اخْتُلِفَ في رواة هذا القِسْمِ، أَمَرْ دُودٌ حديثُهُم أم لا؟: ذَهَبَ جماعةٌ من المحدِّثين والفُقّهاء - حتى عن بعْضِ مَنْ يحتجُّ بالمرسل - وتَبِعَهُمُ المصنِّف كما يُشْعِرُ به ظاهر إطلاقه: أنه مردودٌ مطلقًا، سواءٌ بيَّنوا الاتصالَ أم لا، دلَّسوا عن الثقاة أمْ غيرِهِمْ، نَدَرَ تدليسُهُمْ أم لا؛ لأنَّ التدليس جرح لما فيه من التُّهَمِة والغِشِّ (٥).

стр. 265

و قيل: يُقْبَلُ مطلقًا، كالمُرْسَل عند من يحتجُّ به. (١) و قيل: إنْ لم يدلِّسْ إلا عن ثقةٍ؛ كسُفْيان وابْنِ عُيَيْنة - قُبِلَ؛ وإلا فلا. (٢) وقيل: إنْ نَدَرَ تدليسُهُ، قُبِلَ؛ وإلا فلا (٣). و الأكثرون من المحدِّثين والفُقَهاء والأصوليِّين (٤)، ومنهم الإمامُ

стр. 266

الشافعيُّ (١) قَبِلُوا مِنْ حديثهم ما صرَّح ثقاتُهُمْ بوَصْله؛ ك "سَمِعْتُ" و"حدَّثنا"؛ لأنَّ التدليس لي كّذِبًا حتَّى يكونَ قادحًا في فاعله، وإنَّما هو تحسينُ ظاهرٍ الإسناد، وضَرْبٌ من الإيهامِ، بلفظ محتملٍ، فإذا بيَّن السماعَ بلَفْظٍ يقتضي الاتِّصَالَ كما سبق - وهو ثقة -: قُبِلَتْ روايتُهُ، واحتجَّ بها؛ لتصريحه فيها بالاتصال (٢)، وفي الصحيحَيْن وغيرهما عدَّةٌ من هذا القسْم، تخريج لحديثهم، والمصرح فيه بالاتصال؛ كالأعمش (٣) وهُشَيْم بْن بُشَيْر (٤)، وقَتَادة (٥)، وغيرهم، وإذا فَتَّشْتَ الكُتُب الصِّحَاح، تَجِدُ فيها التخريجَ لكثير ممَّا صرَّحوا فيه بالتحديث، بلْ قد يقعُ فيها من بعضهم؛ لكنَّه محمولٌ - كما قال ابنُ الصَّلاحِ (٦) وغيره -: على ثُبُوت السماعِ عندهم فيه من جِهَةٍ أخْرَى، إذا كان في أحاديث الأصُول لا المتابعاتِ، وإن لم نَقِفْ عليها؛ لقُصُورنا (٧)، هذا كلُّهُ في تدليس الإسنادِ؛ كما تقرَّر.

стр. 267

و أمَّا تدليسُ التسوية، وهو النوعُ الثاني المعبَّر عنه عند القدماء ب"التجْويدِ"؛ حيث قالوا: أجود فلانٌ، يريدون: من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء، وهو: أنْ يَرْوِيَ حديثًا عن ضَعِيفٍ بين ثقتَيْن، لَقِيَ أحدهما الآخَرَ؛ فيسقط الضعيف، ويَرْوِي الضعيفُ عَنْ شيخه الثقةِ بلَفْظٍ محتملٍ، فيستوي الإسنادُ؛ حيث صار كلُّهُ ثقاتٌ. فهو مذمومٌ جدًّا؛ بل شَرُّ أنواعِ التدليس؛ لما فيه من مزيد الغِشِّ والتغطية؛ لأنَّ الثقة الأوَّل قد لا يكونُ معروفًا بالتدليس، ويَجِدُهُ الواقفُ على السَّنَدِ بعد التسوية قَدْ رواه عن ثِقَةٍ آخَرَ، فحكَمَ له بالصِّحَّة ومِمَّنْ كان يفعله: بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيد (١)، وقولُ الحافظ أبي بَكْر: "التدليسُ" اسْمٌ ثقيلٌ شنيعُ الظاهر؛ لكن خفيفُ الباطن" (٢) فهذا المعنى محمولٌ على غير المحرَّم منه؛ لما تقرَّر.

стр. 268

قال الحافظُ السخاويُّ (١): "و مِنْ أنواع التَّدْليس، تدْليسُ الشُّيُوخِ، وهو: أن يكونَ للشيْخِ: اسْمٌ، وكُنْيَةٌ، ولَقَبٌ، ونسبةٌ إلى قبيلةٍ أو بلدٍ أو حرفةٍ أو نحوها، وبعضها مشهورٌ؛ لاشتهاره به، وبعضُهَا خَفِيٌّ؛ لعدم اشتهاره به؛ فيذكر الخفيَّ منها لغرضٍ؛ كإخفاء ظهورِهِ، وإيهام كَثْرة الشيوخ بأَنْ يَرْوِيَ عن شيخ واحدٍ في مواضِعَ؛ فيصفه في موضع بصفة، وفي آخر بأخرَى يَوهِمُ أنَّه غيره؛ كما كان الخطيبُ يفعَلُ ذلك. (٢) وإخفاء الضعيف المرويِّ عنه؛ لتضمنه الخيانةَّ والغِشَّ، وحكم من عرف ألا يُقْبَلَ خبرُهُ؛ كما نقل ذلك العراقيُّ عن

стр. 269

ابن الصَّبَّاغ (١)، وذلك حرامٌ؛ حيث لم يكنِ المرويُّ عنه ثقةً عند المدلِّس، أو تكبُّرًا على المرويِّ عنه بأن يكونَ أصغَرَ من المدلِّس أو أكْبَرَ؛ لكن بيسيرٍ أو بكثيرٍ، لكن تأخَّرَتْ وفاتُهُ حتى شاركَهُ في الأَخْذ من هو دونَهُ، ومعلومٌ أنَّ من استصغَرَ فقد أو لغير ذلك من الأغراضِ. مثاله: قولُ أبي بكر ابن مُجَاهِدٍ المُقْرِيء (٢) حدَّثنا عبد الله بن أبي عبد الله؛ يريُد به: الحافظَ عبد اللهِ بْنَ أبي داود السجستانيَّ (٣)؛ قال ابن الصَّلاح: "و فيه تضييعٌ للمرويِّ عنه" (٤)، قال العراقي: "و للمرويِّ أيضًا" (٥)؛ بألا يتنبَّهَ له؛ فيصير راويه مجهولا، وهو قادحٌ في فاعله إنْ كان لغًرض إخفاءِ الضعيف؛ لما مر.

стр. 270

و لهم - أيضًا - تدليسُ البَلَدِ؛ كأنْ يقولَ المصريُّ: حدَّثني فلانٌ ب"العراق"، وهو يريدُ: موضعًا ب"إخميم" (١)، أو زَبِيد (٢)، ويريد موضعًا، ب"طوى" (٣)، أو ب"زقاق حلب" (٤)، ويريدُ موضعًا ب"القاهرة".، أو بالأندلس، ويريد موضعًا بالقَرَافَةَ (٥)، أو بما وراء النَّهْر، موهمًا أنه نَهْرُ جَيْحُون (٦)،

стр. 271

وهو يريدُ نَهْر عيسى (١) ب"بغداد"، أو الجِيَزة (٢) ب"مصْر"؛ لكنه لا يخلُو عن كراهةٍ، وإن كان صحيحًا في نَفْس الأمْرِ؛ لإيهامه الكَذِبَ بالرِّحْلة، ولما فيه من التشبُّع بما لم يُعْطَ. و الحاصلُ: أنَّ التدليس بأقسامِهِ مذمومٌ، حتى قال الشافعيُّ ﵁ راويًا عن شُعْبة بن الحَجَّاج (٣) "إنَّ التدليسَ أخُو الكَذِبِ" (٤) ولأَنْ أَزْني أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلَّسَ" (٥)، ولم ينفردْ شعبةُ بذمِّه؛ بل شاركَهُ فيه غيره، وقال الشافعي: "مَنْ عُرِفَ بالتدليسِ مَرَّةً، لا يُقْبَلُ منه ما يُقْبَلُ من

стр. 272

أهْل النَّصيحة في الصِّدْق، حتى يقولَ: حدَّثني، أو سَمِعْتُ؛ وذلك لأنَّهُ بثبوت تدليسه مرَّةً، صار ذلك ظاهرَ حالِهِ في معنعناته؛ كما أنَّه بثبوت اللقاءِ مرَّةً، صار ظاهرُ حالِهِ السماعَ" (١) انتهى. فعَلى ما ذكر فإنَّ أنواعَ التدليس أربعةٌ، وقد أَدْرَجَ الحافظُ ابن حَجَر تدليسَ التسوية في الأوَّل، ولم يَعْتَبِرِ الرابع، على أنه يمكن إدراجُهُ في تدليس الشُّيُوخ؛ فالتدليس عنده قسمانِ: تدليسُ الإسناد، وتَدْليسُ الشيوخِ؛ وعليه اقْتَصَرَ ابْنُ الصَّلاحِ والنَّوَوِيُّ، وفي الحقيقة: أنّ الثانيَ - أيضًا- داخلٌ في المُنْقَطِعِ على قولٍ فيه؛ لكن بشَرْطِ أنْ يكُونَ الساقطُ ضعيفًا؛ كما تقرَّر، نعم: بعضُهُم لم يقيِّدْ بالضعيف؛ بل سوَّى بينه وبين الثَّقَة، وعليكَ بتقليلِ الأقسام؛ فإنه أقربُ للضَّبْط.

стр. 273

[المرسل الخفي] (١) و أشار إلى الثاني بقوله: "وَ إِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ لَقِيَهُ، فَهُوَ المُرْسَلُ الخَفِيُّ؛ فَإِنَّ الظَّاهِرَ هُوَ مَا كَانَ رَاوِيهِ رَاوِيًا لَهُ عَمَّنْ لم تَثْبُتْ معاصرتُهُ أصْلا؛ بحيْثُ لا يشتَبِهُ إرسالُهُ باتصِّالِهِ على أهْلِ الحديث، والمرادُ بالإرسَالِ - هنا -: مطلق الانقطاعِ، وهو مغايرٌ للمُرْسَل السابق. مثاله: ما رواه ابن مَاجَهَّ، من حديث عُمَرَ بْنِ عبد العزيز، عن عُقْبة بن عامر، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "رَحِمَ اللهُ حَارِسَ الحرس" (٢)، قال الحافظُ

стр. 274

أبو الحَجَّاجِ المِزِّيُّ (١) في "الأطراف" (٢): إنَّ عُمَرَ لم يلْقَ عقبة" (٣) و عدم اللَّقْيِ يُعْرَفُ بتصريح إمامٍ مُطَّلِعٍ عليه؛ كقول المِزِّيِّ، في عَدَمِ لقاءِ عُمَرَ لعقبة، أو بإخبار الراوي عن نَفْسه بعدمِ اللَّقْيِ. و اعلَمْ: أنَّ كثيرًا من المحدِّثين جعَلُوا المرسَلَ الخفيَّ مع المدلَّس قسمًا واحدًا، لكنَّ الحقَّ ما ذكره الحافظ ابن حَجَرٍ في شَرْحه، وجرى عليه المصنِّف؛ من الفَرْق بينهما؛ حيث قال: "وَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ اللقَاءِ مَعَ المُعَاصَرَةِ: في التَّدْلِيسِ فَقَطْ-: إِطْبَاقُ أَهْلِ العلْمِ

стр. 275

بالحديثِ على أنَّ رواية المُخَضْرِمَينَ (١) كأبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ (٢) وقَيْسِ بْنِ أبي حازم (٣)، عن النبي ﷺ من قبيل الإرسالِ، لا من قبيل التَّدْليس، ولو كان مُجَرَّد المعاصرة يَكْفي في التدليسِ، لكان هؤلاءِ مدلِّسين؛ لأنَّهُمْ عاصروا النبيَّ ﷺ قَطْعًا، لكنْ لم يُعْرَفُ هل لَقُوهُ أم لا. و ممَّنْ قال باشتراطِ اللقاءِ في التدليسِ فقطِ: الإمامُ الشافعيُّ، وأبو بكرٍ البَزَّارُ، وكلامُ الخطيبِ في "الكفاية" يقتضيه؛ وهو المعتَمَدُ" (٤). أقولُ: ولا يَرِدُ عليه: "إنَّما لم يُطْلَقْ على روايةِ المُخَضْرَمِينَ اسْمُ "التدليسِ"؛ صيانةً لأهل ذلك القَرْنِ عن بَشَاعة هذا اللفْظِ؛ بدليل أنه لا

стр. 276

يُطْلَقُ التدليسُ على مَنْ حدَّث عن النبيِّ ﷺ بشيْءٍ لم يسمعْهُ منه، ولو كان حَدُّهُ صادقًا عليه، وأُطْلِق عليه: مُرْسَلُ الصحابيِّ؛ لأنه لا فَرْقَ بين الصحابة وبين هؤلاءِ؛ لأنَّ حديثَ الصحابة كُلَّهُ مقبولٌ؛ لأنهُمْ إنَّما يُرْسِلُون عن مِثْلِهِمْ، وكلُّهم عدولٌ - كما مرَّ غيْرَ مَّرةٍ - وقد تُتُبِّعَ ما أسندوه عن التابعين، فلمْ يوجَدْ فيه حكْمٌ؛ إنما هو أخبارُ الأُمَمِ ونحوها، والتدليسُ إنما هو لأنَّه يوجبُ التوقُّفَ في قَبُولِ ما كان مِنْ خبره بصيغة مُحْتَمِلَةٍ؛ لاحتمال أن يكونَ حّذَفَ الذي حدَّث به، وهو ضعيفٌ، وهذا الاحتمالُ بعَيْنه يمكنُ في المُخَضْرَمِين؛ فإنهم رَوَوْا عن التابعين، فأكْثَرُوا عن الضعفاء وغيِرِهِمْ؛ فلم يَبْقَ إلا التفُّريق بين اللَّقْي وعدمِهِ".

стр. 277

أنواع لمردود للطَّعْن في الرَّاوِي و لما فَرَغَ المصنِّف من بيان المردود للسَّقْط، شَرَعَ في المردود للطَّعْن؛ فقال: والطَّعْنُ يَكُونُ في الرَّاوِي بِوَاحِدٍ مِنْ عَشَرَةِ أَشْيَاءَ، وهي قسمان: خمسةٌ منها تتعلَّق بالعدالة (١)، وهي - لغةً - التوسُّط في الأَمْرو الاستقامةُ، و في الاصطلاح: مَلَكَةٌ تَمْنَعُ من فِعْل كبيرةٍ، وأُلْحِقَ بها إصرارُهُ على صغيرةٍ، أي: المداومةُ عليها إنْ لمْ تَغْلِبْ طاعاتُهُ، أما من غلبَتْ طاعاتُهُ، فلا إصرارَ عِنْدَهُ؛ بل لا صغائر أصلا؛ لما قاله الجمهورُ مِنْ أنَّ من غَلَبَتْ طاعتُهُ معاصيَهُ، كان عدلًا، ومَنْ تَغْلِبُ معاصيه طاعَتَهُ، كان مردودَ الشَّهادة، والمرادُ "المَلَكَة" هيَيْئَةٌ راسخةٌ في النَّفْس، ويُعْرَفُ هذا الرسوخُ بغلبة الطاعاتِ؛ إذ ليس للعَدْلِ علامةٌ يُفَرَّقُ بينه وبين غير العَدْل في بدنه، ولا لَفْظِهِ؛ وإنما علامةُ صدقه ما يُخْبِرُ عن حاله في نفسه، فإن كان الأغلَبُ من أمره ظَاهِرَ الخَيْر، قُبِلَ. وهي -أي- الخمسة المتعلقة بالعدالة مجموع ما يذكر بعد لا كل واحد منها حتى يقال لا يصح الحكم على الخمسة بكلِّ واحدٍ من هذه الأمور؛ وبيان ذلك:

стр. 278

أن الضَّمِيرَ راجعٌ إلى الخمسة، إلا، أنَّ العطْفَ مقدَّم على الحكْم؛ فكأنه عطف أولا بعضهًا على بَعْض، ثُمَّ حكَمَ على المجموع بأنَّهُ خبر المبتدأ، و مِثْلُ هذا شائعٌ في عبارتِهِمْ،
следующие страницы →