Полный текст (144 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَاخْتلف فِي حَقِيقَة إِذا الفجائية هَل هِيَ حرف أَو اسْم وعَلى الاسمية هَل هِيَ ظرف مَكَان أَو ظرف زمَان أَقْوَال ثَلَاثَة ذهب إِلَى الأول الْأَخْفَش والكوفيون وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك وَإِلَى الثَّانِي الْمبرد والفارسي وَأَبُو الْفَتْح بن جنى وعزي إِلَى سِيبَوَيْهٍ وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور
وَإِلَى الثَّالِث الزّجاج والرياشي وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيّ
وَالصَّحِيح الأول وَيشْهد لَهُ قَوْلهم خرجت فَإِذا إِن زيدا بِالْبَابِ بِكَسْر إِن فَلَو كَانَت إِذا ظرف مَكَان أَو زمَان لاحتاجت إِلَى عَامل يعْمل فِي محلهَا النصب وَأَن لَا يعْمل مَا بعْدهَا فِيمَا قبلهَا وَإِذا بَطل أَن تكون ظرفا تعين أَن تكون حرفا
وَلكُل من إِذا الشّرطِيَّة والفجائية مَوَاضِع تخصها وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ إِذا دعَاكُمْ دَعْوَة من الأَرْض إِذا أَنْتُم تخرجُونَ﴾
فَإِذا الأولى شَرْطِيَّة وليتها جملَة فعلية
وَالثَّانيَِة فجائية وليتها جملَة اسمية
стр. 72
النَّوْع الثَّالِث مَا جَاءَ من الْكَلِمَات على ثَلَاثَة أوجه
وَهُوَ سبع إِحْدَاهَا إِذْ فَيُقَال فِيهَا ظرف لما مضى من الزَّمَان غَالِبا وَتدْخل على الجملتين الاسمية والفعلية فَالْأولى نَحْو
﴿واذْكُرُوا إِذْ أَنْتُم﴾ وَالثَّانيَِة نَحْو ﴿واذْكُرُوا إِذْ كُنْتُم قَلِيلا﴾ وَمن غير الْغَالِب أَنَّهَا قد تسْتَعْمل للمستقبل نَحْو ﴿فَسَوف يعلمُونَ إِذْ الأغلال فِي أَعْنَاقهم﴾ فَإذْ هُنَا بِمَعْنى إِذا لِأَن الْعَامِل فِيهَا فعل مُسْتَقْبل
وَيُقَال فِيهَا تَارَة حرف مفاجأة إِذا وَقعت بعد بَينا أَو بَيْنَمَا
стр. 73
فَالْأول كَقَوْلِك بَينا أَنا فِي ضيق إِذْ جَاءَ الْفرج
وَالثَّانِي كَقَوْلِه
(استقدر الله خيرا وارضين بِهِ ... فَبَيْنَمَا الْعسر إِذْ دارت مياسير)
وَهل هِيَ ظرف زمَان أَو مَكَان أَو حرف بِمَعْنى المفاجأة أَو حرف زَائِد للتوكيد أَقْوَال وَيُقَال فِيهَا تَارَة حرف تَعْلِيل بِالْعينِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلنْ ينفعكم الْيَوْم إِذْ ظلمتم أَنكُمْ فِي الْعَذَاب مشتركون﴾ أَي وَلنْ ينفعكم الْيَوْم اشتراككم فِي الْعَذَاب لأجل ظلمكم فِي الدُّنْيَا
وَهل هِيَ حرف بِمَنْزِلَة لَام التَّعْلِيل أَو ظرف وَالتَّعْلِيل مُسْتَفَاد من قُوَّة الْكَلَام قَولَانِ
الثَّانِيَة من الْكَلِمَات الَّتِي جَاءَت على ثَلَاثَة أوجه لما بِفَتْح اللَّام
стр. 74
وَتَشْديد الْمِيم فَيُقَال فِيهَا فِي نَحْو لما جَاءَ زيد جَاءَ عَمْرو لما حرف وجود لوُجُود فوجود مَجِيء عَمْرو لوُجُود مَجِيء زيد
وتختص بِالدُّخُولِ على الْفِعْل الْمَاضِي على الْأَصَح وَكَونهَا حرفا هُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَزعم الْفَارِسِي ومتابعوه كَابْن جنى أَنَّهَا ظرف للزمان بِمَعْنى حِين وَالْمعْنَى فِي الْمِثَال حِين جَاءَ زيد جَاءَ عَمْرو
فَيَقْتَضِي مجيئهما فِي زمن وَاحِد وَهُوَ غير لَازم
وَتارَة يُقَال فِيهَا إِذا دخلت على الْمُضَارع فِي نَحْو ﴿بل لما يَذُوقُوا عَذَاب﴾ حرف جزم لنفي حدث لمضارع وَقَلبه أَي قلب زَمَنه مَاضِيا نَفْيه بِالْحَال متوقعا ثُبُوته فِي الِاسْتِقْبَال أَلا ترى أَن الْمَعْنى فِي الْمِثَال أَنهم لم يذوقوه أَي الْعَذَاب إِلَى الْآن وَأَن ذوقهم لَهُ متوقع فِي الْمُسْتَقْبل
وَتارَة يُقَال فِيهَا حرف اسْتثِْنَاء بِمَنْزِلَة إِلَّا الاستثنائية فِي لُغَة هُذَيْل فَإِنَّهُم يجْعَلُونَ لما بِمَعْنى إِلَّا فِي نَحْو قَوْلهم
أنْشدك الله لما فعلت كَذَا
أَي مَا أَسأَلك إِلَّا فعلك كَذَا وَمِنْه أَي وَمن مَجِيء لما بِمَعْنى إِلَّا قَوْله تَعَالَى
стр. 75
﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ فِي قِرَاءَة التَّشْدِيد وَهِي قِرَاءَة ابْن عَامر وَعَاصِم وَحَمْزَة وَأبي جَعْفَر أَلا ترى أَن الْمَعْنى مَا كل نفس إِلَّا عَلَيْهَا حَافظ فَإِن نَافِيَة وَلما بِمَعْنى إِلَّا وَلَا الْتِفَات إِلَى إِنْكَار الْجَوْهَرِي ذَلِك حَيْثُ قَالَ إِن لما بِمَعْنى إِلَّا غير مَعْرُوف فِي اللُّغَة وَسَبقه إِلَى ذَلِك الْفراء وَأَبُو عُبَيْدَة وَمَا قَالَه المُصَنّف حَكَاهُ الْخَلِيل وسيبويه
стр. 76
وَالْكسَائِيّ وَمن حفظه حجَّة على من لم يحفظ والمثبت مقدم على النَّافِي
الثَّالِثَة من الْكَلِمَات الَّتِي جَاءَت على ثَلَاثَة أوجه نعم بِفتْحَتَيْنِ فَيُقَال فِيهَا حرف تَصْدِيق إِذا وَقعت بعد الْخَبَر الْمُثبت نَحْو قَامَ زيد أَو الْخَبَر الْمَنْفِيّ نَحْو مَا قَامَ زيد وَيُقَال فِيهَا حرف اعلام إِذا وَقعت بعد الِاسْتِفْهَام نَحْو هَل قَامَ زيد وَيُقَال فِيهَا حرف وعد إِذا كَانَت بعد الطّلب نَحْو أَن يُقَال لَك أحسن إِلَى فلَان فَتَقول نعم
وَمن مجيئها أَيْضا للإعلام بعد الِاسْتِفْهَام قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم﴾ وَهَذَا الْمَعْنى وَهُوَ مَجِيء
стр. 77
نعم للإعلام لم ينص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فَإِنَّهُ قَالَ نعم عدَّة وتصديق وَلم يزدْ على ذَلِك
الْكَلِمَة الرَّابِعَة مِمَّا جَاءَ على ثَلَاثَة أوجه إِي بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء المخففة وَهِي حرف جَوَاب بِمَنْزِلَة نعم فَتكون لتصديق الْخَبَر ولإعلام المستخبر ولوعد الطَّالِب فَتَقَع بعد نَحْو قَامَ زيد وَمَا قَامَ زيد وَهل قَامَ زيد وَاضْرِبْ زيدا
كَمَا تقع نعم بعده هَذَا مُقْتَضى التَّشْبِيه وَزعم ابْن الْحَاجِب أَنَّهَا إِنَّمَا تقع بعد الِاسْتِفْهَام خَاصَّة إِلَّا أَنَّهَا نعم من حَيْثُ كَونهَا تخْتَص بالقسم بعْدهَا نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿ويستنبئونك أَحَق هُوَ قل إِي وربي إِنَّه لحق﴾
الْكَلِمَة الْخَامِسَة مِمَّا جَاءَ على ثَلَاثَة أوجه حَتَّى فأحد أوجهها أَن تكون جَارة فَتدخل على الِاسْم الصَّرِيح الظَّاهِر فَتكون بِمَعْنى إِلَى فِي الدّلَالَة على الِانْتِهَاء من الْغَايَة نَحْو
﴿حَتَّى مطلع الْفجْر﴾ ﴿حَتَّى حِين﴾ وَهل مجرورها دَاخل فِيمَا قبلهَا أَو خَارج عَنهُ أَو دَاخل تَارَة وخارج أُخْرَى أَقْوَال ذهب
стр. 78
سِيبَوَيْهٍ والمبرد وَأَبُو بكر وَأَبُو عَليّ إِلَى الأول
وَذهب أَبُو حَيَّان وَأَصْحَابه إِلَى الثَّانِي وَذهب ثَعْلَب وَصَاحب الذَّخَائِر إِلَى الثَّالِث
وَتدْخل على الإسم المؤول من أَن حَال كَونهَا مضمرة وجوبا وَمن الْفِعْل الْمُضَارع وَهِي فِي ذَلِك على وَجْهَيْن فَتكون تَارَة بِمَعْنى إِلَى نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى﴾ التَّقْدِير حَتَّى أَن يرجع بِأَن وَالْفِعْل الْمُضَارع أَي إِلَى رُجُوعه بِتَأْوِيل الْمصدر من أَن وَالْفِعْل أَي زمَان رُجُوعه بِتَقْدِير زمَان وَذَلِكَ لِأَن الرُّجُوع لَا بُد لَهُ من زمَان يكون حُصُوله فِيهِ كالفعل إِلَّا أَن دلَالَة الْمصدر على الزَّمَان التزامية وَدلَالَة الْفِعْل المؤول مِنْهُ الْمصدر على الزَّمَان وضعية
стр. 79
وَتَكون حَتَّى تَارَة بِمَعْنى كي التعليلية نَحْو قَوْلك للْكَافِرِ أسلم حَتَّى تدخل الْجنَّة أَي كي تدخل الْجنَّة أَي لأجل دُخُولهَا
وَقد تكون حَتَّى فِي الْموضع الْوَاحِد تحتملهما أَي الْمَعْنيين معنى إِلَى وَمعنى كي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله﴾ يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى على الْغَايَة أَو التَّعْلِيل أَي إِلَى أَن تفيء أَو كي أَن تفيء وَالْغَالِب أَنَّهَا لَا تكون لغير ذَلِك
وَزعم ابْن هِشَام الخضراوي وَتَبعهُ ابْن مَالك أَنَّهَا أَي حَتَّى تكون بِمَعْنى إِلَّا الاستثنائية كَقَوْلِه
(لَيْسَ الْعَطاء من الفضول سماحة ... حَتَّى تجود وَمَا لديك قَلِيل)
أَي إِلَّا تجود ووهو أَي أَن تجود اسْتثِْنَاء مُنْقَطع لِأَن الْجُود فِي حَالَة قلَّة المَال لَيْسَ من جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَهُوَ الْعَطاء فِي حَالَة الْكَثْرَة
стр. 80
قَالَ الدماميني وَتَبعهُ الشمني وتحتمل الْغَايَة احْتِمَالا مرجوحا بِأَن يكون الْمَعْنى أَن انْتِفَاء كَون عطائك معدودا من السماحة ممتدا إِلَى زمن عطائك فِي حَال قلَّة مَالك فَإِذا أَعْطَيْت فِي تِلْكَ الْحَالة تثبت سماحتك انْتهى
الْوَجْه الثَّانِي من أوجه حَتَّى أَن تكون حرف عطف خلافًا للكوفيين تفِيد مُطلق الْجمع من غير تَرْتِيب وَلَا معية على الْأَصَح كالواو فِي ذَلِك إِلَّا أَن الْمَعْطُوف بهَا أَي بحتى مَشْرُوط بأمرين أَحدهمَا أَن يكون بَعْضًا من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِمَّا حَقِيقَة أَو حكما كَمَا سَيَأْتِي
وَالْأَمر الثَّانِي أَن يكون الْمَعْطُوف بهَا غَايَة لَهُ أَي للمعطوف عَلَيْهِ كالشرف نَحْو قَوْلك مَاتَ النَّاس حَتَّى الْأَنْبِيَاء فَإِن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام هم الْمَعْطُوف بحتى وهم غَايَة النَّاس فِي شرف الْمِقْدَار بِالنِّسْبَةِ إِلَى كمالات النَّوْع الانساني وَعَكسه كالدناءة نَحْو قَوْلك زارني النَّاس حَتَّى الحجامون فَإِن الحجامون هم الْمَعْطُوف بحتى وهم غَايَة فِي دناءة الْمِقْدَار وكالقوة والضعف كَمَا قَالَ الشَّاعِر
стр. 81
(قهرناكم حَتَّى الكماة فَأنْتم ... تهابوننا حَتَّى بنينَا الأصاغرا)
فالكماة جمع كمي وَهُوَ البطل من الْكمّ وَهُوَ السّير لِأَنَّهُ يستر نَفسه بالدرع والبيضة غَايَة فِي الْقُوَّة والبنون الأصاغر غَايَة فِي الضعْف
وَتقول فِي الْبَعْض الْحَقِيقِيّ أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا وَفِي الْحكمِي أعجبتني الْجَارِيَة حَتَّى كَلَامهَا
لِأَن الْكَلَام فِي عدم استقلاله بِنَفسِهِ واحتياجه إِلَيْهَا كجزئها لما بَينهمَا من التَّعَلُّق الاشتمالي
وَيمْتَنع أَن تَقول أعجبتني الْجَارِيَة حَتَّى وَلَدهَا لِأَن الْوَلَد مُسْتَقل بِنَفسِهِ وَغير قَائِم بهَا
وَفِي تمثيله للثَّانِي لف وَنشر غير مُرَتّب وَالضَّابِط وَهُوَ أَمر كلي منطبق على جزئياته أَن يُقَال مَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِمَّا قبله على الِاتِّصَال صَحَّ دُخُول حَتَّى عَلَيْهِ وَمَا لَا يَصح اسْتِثْنَاؤُهُ مِمَّا قبله فَلَا دُخُول حَتَّى عَلَيْهِ أَلا ترى أَنه يَصح إِن يُقَال أعجبتني الْجَارِيَة إِلَّا كَلَامهَا وَيمْتَنع إِلَّا وَلَدهَا لعدم دُخُوله فِيهَا الْوَجْه الثَّالِث من أوجه حَتَّى أَن تكون حرف ابْتِدَاء على الْأَصَح فَتدخل على ثَلَاثَة أَشْيَاء على الْجُمْلَة الفعلية المبدوءة بِالْفِعْلِ الْمَاضِي نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى عفوا وَقَالُوا﴾
стр. 82
والمبدوءة بِالْفِعْلِ الْمُضَارع الْمَرْفُوع نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول﴾ فِي قِرَاءَة من رفع وَهُوَ نَافِع
وعَلى الْجُمْلَة الاسمية كَقَوْلِه وَهُوَ جرير
(فَمَا زَالَت الْقَتْلَى تمج دماءها ... بدجلة حَتَّى مَاء دجلة أشكل)
وَقد تقدم وَقيل هِيَ مَعَ الْجُمْلَة الفعلية المصدرة بِالْفِعْلِ الْمَاضِي جَارة أَن بعْدهَا مضمرة وَالتَّقْدِير فِي حَتَّى عفوا حَتَّى أَن عفوا كَذَا يُقَال ابْن مَالك قَالَ المُصَنّف فِي المغنى وَلَا أعرف لَهُ فِي ذَلِك سلفا وَفِيه تكلّف من غير ضَرُورَة انْتهى
وَقد مضى خلاف الزّجاج وَابْن درسْتوَيْه فِي الْكَلَام على الْجُمْلَة الابتدائية
الْكَلِمَة السَّادِسَة مِمَّا جَاءَ على ثَلَاثَة أوجه كلا بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام فَيُقَال فِيهَا تَارَة حرف ردع وزجر وَهُوَ قَول الْخَلِيل وسيبويه
стр. 83
وَجُمْهُور الْبَصرِيين فِي نَحْو ﴿فَيَقُول رَبِّي أهانن كلا﴾ أَي انته وانزجر عَن هَذِه الْمقَالة الَّتِي هِيَ إِخْبَار بِأَن تَقْدِير الرزق أَي تضييقه إهانة فقد تكون كَرَامَة ليؤديه إِلَى سَعَادَة الْآخِرَة
وَيُقَال فِيهَا تَارَة حرف جَوَاب وتصديق بِمَنْزِلَة إِي بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء وَهُوَ قَول الْفراء وَالنضْر بن شُمَيْل فِي نَحْو ﴿كلا وَالْقَمَر﴾ وَالْمعْنَى إِي وَالْقَمَر
وَيُقَال فِيهَا حرف بِمَعْنى حَقًا أَو بِمَعْنى أَلا بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام المخففة الاستفتاحية على خلاف فِي ذَلِك النَّحْو ﴿كلا لَا تطعه﴾ فَالْمَعْنى على الأول حَقًا لَا تطعه وَهُوَ قَول الْكسَائي وَابْن الْأَنْبَارِي وَمن وافقهما
وعَلى الثَّانِي أَلا لَا تطعه وَهُوَ قَول أبي حَاتِم والزجاج وَالصَّوَاب الثَّانِي وَهِي أَنَّهَا للاستفتاح لكسر الْهمزَة من إِن بعْدهَا
стр. 84
فِي نَحْو ﴿كلا إِن الْإِنْسَان ليطْغى﴾ كَمَا تكسر بعد الاستفتاحية فِي نَحْو ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء﴾ وَلَو كَانَت بِمَعْنى حَقًا لفتحت الْهمزَة بعْدهَا كَمَا تفتح بعد حَقًا كقولة
(أحقا أَن جيرتنا استقلوا ... )
بِفَتْح الْهمزَة وَيدْفَع بِأَنَّهُ إِنَّمَا لم تفتح همزَة إِن بعد كلا إِذا كَانَت بِمَعْنى حَقًا لِأَنَّهَا حرف لَا يصلح للخبرية صَلَاحِية حَقًا لَهَا
الْكَلِمَة السَّابِعَة مِمَّا جَاءَ على ثَلَاثَة اوجه لَا تكون تَارَة نَافِيَة وَتارَة ناهية وَتارَة زَائِدَة
فالنافية تعْمل فِي النكرات عمل إِن كثيرا فتنصب الِاسْم وترفع الْخَبَر إِذا أُرِيد بهَا نفي الْجِنْس على سَبِيل التَّنْصِيص نَحْو لَا إِلَه إِلَّا الله فإله اسْمهَا وخبرها مَحْذُوف تقديرة لنا وَنَحْوه
стр. 85
وتعمل عمل لَيْسَ قَلِيلا فَترفع الِاسْم وتنصب الْخَبَر إِذا أُرِيد بهَا نفي الْجِنْس على سَبِيل الظُّهُور أَو أُرِيد بهَا نفي الْوَاحِد فَالْأول كَقَوْلِه
(تعز فَلَا شَيْء على الأَرْض بَاقِيا ... وَلَا وزر مِمَّا قضى الله واقيا)
وَالثَّانِي كَقَوْلِك لَا رجل قَائِما بل رجلَانِ
والناهية تجزم الْفِعْل الْمُضَارع سَوَاء اسند إِلَى مُخَاطب أَو غَائِب فَالْأول نَحْو ﴿وَلَا تمش﴾ وَالثَّانِي نَحْو ﴿فَلَا يسرف فِي الْقَتْل﴾ ويقل إِسْنَاده للمتكلم مَبْنِيا للْمَفْعُول نَحْو لَا أخرج وَلَا تخرج ويندر جدا فِي الْمَبْنِيّ للْفَاعِل
стр. 86
وَالْفرق بَين النافية والناهية من حَيْثُ اللَّفْظ اخْتِصَاص الناهية بالمضارع وجزمه بِخِلَاف النافية
وَمن حَيْثُ الْمَعْنى إِن الْكَلَام مَعَ الناهية طلبي وَمَعَ النافية
خبري والزائدة الَّتِي دُخُولهَا فِي الْكَلَام كخروجها وفائدتها التقوية والتوكيد نَحْو ﴿مَا مَنعك أَلا تسْجد﴾ فِي سُورَة الْأَعْرَاف أَي أَن تسْجد كَمَا جَاءَ أَن تسْجد بِدُونِ لَا مُصَرحًا بِهِ فِي مَوضِع آخر فِي سُورَة ص
стр. 87
النَّوْع الرَّابِع مَا جَاءَ من الْكَلِمَات على أَرْبَعَة أوجه
وَهن أَربع إِحْدَاهَا لَوْلَا فَيُقَال فِيهَا تَارَة حرف يَقْتَضِي امْتنَاع جَوَابه لوُجُود شَرطه وتختص بِالْجُمْلَةِ الاسمية المحذوفة الْخَبَر وجوبا غَالِبا وَذَلِكَ إِذا كَانَ الْخَبَر كونا مُطلقًا نَحْو لَوْلَا زيد أَي مَوْجُود لأكرمتك امْتنع الاكرام الَّذِي هُوَ الْجَواب لوُجُود زيد الَّذِي هُوَ الشَّرْط
وَمِنْه أَي وَمن دُخُولهَا على الْجُمْلَة الاسمية المحذوفة الْخَبَر لولاى لَكَانَ كَذَا أَي لَوْلَا أَنا مَوْجُود فَأَقَامَ الْموصل الْمُتَّصِل مقَام الْمُنْفَصِل وَحذف الْخَبَر لكَونه كونا مُطلقًا هَذَا مَذْهَب الاخفش وَذهب سيبوية إِلَى أَن لَوْلَا جَارة للضمير كَمَا تقدم وَمن غير الْغَالِب لَوْلَا زيد سالمنا مَا سلم
وَيُقَال فِيهَا تَارَة حرف تحضيض بِمُهْملَة فمعجمتين وَتارَة حرف عرض بِسُكُون الرَّاء أَي طلب بإزعاج فِي التحضيض أَو طلب بِرِفْق فِي الْعرض على التَّرْتِيب فتختص فيهمَا بِالْجُمْلَةِ الفعلية
стр. 88
المبدوءة بالمضارع أَو مَا فِي تَأْوِيله فالتحضيض نَحْو ﴿لَوْلَا تستغفرون الله﴾ أَي استغفروه وَلَا بُد وَنَحْو ﴿لَوْلَا أنزل إِلَيْهِ ملك﴾ فَأنْزل مؤول بالمضارع أَي ينزل
وَالْعرض نَحْو لَوْلَا تنزل عندنَا فتصيب خيرا وَنَحْو ﴿لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب﴾ فأخرتني مؤول بالمضارع أَي تؤخرني
وَيُقَال فِيهَا تَارَة حرف توبيخ مصدر وبخه أَي عيره بِفِعْلِهِ الْقَبِيح فتختص بِالْجُمْلَةِ الفعلية المبدوءة بالماضي نَحْو ﴿فلولا نَصرهم الَّذين اتَّخذُوا من دون الله قربانا آلِهَة﴾ أَي فَهَلا نَصرهم
قيل وَتَكون لَوْلَا حرف اسْتِفْهَام مُخْتَصّ بالماضي نَحْو ﴿لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب﴾ ﴿لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ ملك﴾ قَالَه أَحْمد أَبُو عُبَيْدَة الْهَرَوِيّ وَالْمعْنَى هَل أخرتني وَهل أنزل وَالظَّاهِر أَنَّهَا أَي لَوْلَا فِي الْآيَة الأولى وَهِي لَوْلَا أخرتني للعرض كَمَا تقدم وَفِي الْآيَة الثَّانِيَة وَهِي ﴿لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ ملك﴾ للتحضيض أَي هلا أنزل
стр. 89
وَزَاد الْهَرَوِيّ معنى آخر وَهُوَ أَن تكون لَوْلَا نَافِيَة بِمَنْزِلَة لم وَجعل مِنْهُ أَي من الْمَنْفِيّ ﴿فلولا كَانَت قَرْيَة آمَنت﴾ أَي لم تكن قَرْيَة آمَنت وَهَذَا بعيد وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بلولا هُنَا التوبيخ وَالْمعْنَى فَهَلا وَهُوَ قَول الْأَخْفَش وَالْكسَائِيّ وَالْفراء وَيُؤَيِّدهُ أَن فِي حرف أبي بن كَعْب وحرف عبد الله بن مَسْعُود أَي قراءتهما فَهَلا وَيلْزم من ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَهُوَ التوبيخ معنى النَّفْي الَّذِي ذكره الْهَرَوِيّ لِأَن اقتران التوبيخ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي يشْعر بِانْتِفَاء وُقُوعه
الْكَلِمَة الثَّانِيَة مِمَّا جَاءَ على أَرْبَعَة أوجه إِن الْمَكْسُورَة الْهمزَة الْخَفِيفَة النُّون فَيُقَال فِيهَا شَرْطِيَّة وَمَعْنَاهَا تَعْلِيق حُصُول مَضْمُون جملَة بِحُصُول مَضْمُون جملَة أُخْرَى كَالَّتِي فِي نَحْو ﴿إِن تخفوا مَا فِي صدوركم أَو تبدوه يُعلمهُ الله﴾ فحصول مَضْمُون الْعلم مُعَلّق بِحُصُول مَضْمُون مَا يخفونه أَو يبدونه
وَإِن الشّرطِيَّة حكمهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَمَل أَن تجزم فعلين مضارعين أَو ماضيين أَو مُخْتَلفين وَيُسمى الأول مِنْهُمَا شرطا وَالثَّانِي جَوَابا وَجَزَاء
стр. 90
وَتارَة يُقَال فِيهَا نَافِيَة وَتدْخل على الْجُمْلَة الاسمية كَالَّتِي فِي نَحْو ﴿إِن عنْدكُمْ من سُلْطَان بِهَذَا﴾ وعَلى الفعلية الماضوية كَالَّتِي فِي نَحْو ﴿إِن أردنَا إِلَّا إحسانا﴾ والمضارعية كَالَّتِي فِي نَحْو ﴿إِن يعد الظَّالِمُونَ بَعضهم بَعْضًا إِلَّا غرُورًا﴾ وَحكمهَا الإهمال عِنْد جُمْهُور الْعَرَب
وَأهل الْعَالِيَة يعملونها عمل لَيْسَ فيرفعون بهَا الِاسْم وينصبون الْخَبَر نثرا أَو شعرًا فالنثر نَحْو قَول بَعضهم إِن أحد خيرا من أحد إِلَّا بالعافية فأحذ اسْمهَا وَخيرا خَبَرهَا وَالشعر وكقول شَاعِرهمْ
(إِن هُوَ مستوليا على أحد ... إِلَّا على أَضْعَف المجانين)
فَهُوَ اسْمهَا ومستوليا خَبَرهَا
وَقد اجْتمعَا إِن الشّرطِيَّة وَإِن النافية فِي قَوْله تَعَالَى
стр. 91
﴿وَلَئِن زالتا إِن أمسكهما من أحد من بعده﴾ فَإِن الدَّاخِلَة على زالتا شَرْطِيَّة وَإِن الدَّاخِلَة على أمسكهما نَافِيَة
وَيُقَال فِيهَا تَارَة مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة كَالَّتِي فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كلا لما ليوفينهم﴾ فِي قِرَاءَة من خفف الثَّقِيلَة وَهُوَ الحرميان وَأَبُو بكر
ويقل إعمالها عمل إِن الْمُشَدّدَة من نصب الِاسْم وَرفع الْخَبَر كهذه الْقِرَاءَة فكلا اسْمهَا وَمَا بعده خَبَرهَا
وَمن وُرُود إهمالها قَوْله تَعَالَى ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ فِي قِرَاءَة من خفف لما وَهُوَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ وَخلف وَيَعْقُوب
فَكل نفس مُبْتَدأ ومضاف إِلَيْهِ وَجُمْلَة لما عَلَيْهَا حَافظ خَبره وَمَا صلَة وَالتَّقْدِير إِن كل نفس لعليها حَافظ وَأما من شدد لما وَهُوَ أَبُو
стр. 92
جَعْفَر وَابْن عَامر وَعَاصِم وَحَمْزَة فَهِيَ أَي إِن عِنْده نَافِيَة وَلما إيجابية على لُغَة هُذَيْل وَالتَّقْدِير مَا كل نفس إِلَّا عَلَيْهَا حَافظ
وَيُقَال فِيهَا تَارَة زَائِدَة لتقوية الْكَلَام وتوكيده وَالْغَالِب أَن تقع بعد مَا النافية كَالَّتِي فِي نَحْو مَا إِن زيد قَائِم وتكف مَا الحجازية عَن الْعَمَل فِي الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر كَقَوْلِه
(فَمَا إِن طبنا جبن وَلَكِن ... منايانا ودولة آخرينا)
وَحَيْثُ اجْتمعت مَا وَإِن فَإِن تقدّمت مَا على إِن فَهِيَ أَي مَا نَافِيَة وَإِن زَائِدَة نَحْو مَا تقدم فِي الْمِثَال وَالْبَيْت وَإِن تقدّمت إِن على مَا فَهِيَ أَي إِن الشّرطِيَّة وَمَا زَائِدَة نَحْو ﴿وَإِمَّا تخافن من قوم خِيَانَة﴾
الْكَلِمَة الثَّالِثَة مِمَّا جَاءَ على أَرْبَعَة أوجه أَن الْمَفْتُوحَة الْهمزَة الْخَفِيفَة النُّون فَيُقَال فِيهَا تَارَة حرف مصدري تؤول مَعَ صلتها
стр. 93
بِالْمَصْدَرِ وَينصب الْمُضَارع لفظا أَو محلا فَالْأول نَحْو ﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم﴾ وَالثَّانِي يُرِيد النِّسَاء أَن يرضعن أَوْلَادهنَّ
وَأَن هَذِه هِيَ الدَّاخِلَة على الْفِعْل الْمَاضِي فِي نَحْو أعجبني أَن صمت بِدَلِيل أَنَّهَا تؤول بِالْمَصْدَرِ أَي صيامك لَا أَن غَيرهَا خلافًا لِابْنِ طَاهِر فِي زَعمه أَنَّهَا غَيرهَا محتجا بِأَن الدَّاخِلَة على الْمُضَارع تخلصه للاستقبال فَلَا تدخل على غَيره كالسين وَنقض بإن الشّرطِيَّة فَإِنَّهَا تدخل على الْمُضَارع وتخلصه للاستقبال وَتدْخل على الْمَاضِي بِاتِّفَاق
وَيُقَال فِيهَا تَارَة زَائِدَة لتقوية الْمَعْنى وتوكيده كَالَّتِي فِي نَحْو ﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ البشير﴾ وَكَذَا يحكم لَهَا بِالزِّيَادَةِ حَيْثُ جَاءَت بعد لما التوقيتية كَهَذا الْمِثَال أَو وَقعت بَين فعل الْقسم وَلَو كَقَوْلِه
(فأقسم أَن لَو الْتَقَيْنَا وَأَنْتُم ... لَكَانَ لكم يَوْم من الشَّرّ مظلم)
стр. 94
أَو بَين الْكَاف ومجرورها كَقَوْلِه كَأَن ظَبْيَة تعطو إِلَى وارق السّلم فِي رِوَايَة الْجَرّ
وَيُقَال فِيهَا تَارَة مفسرة لمضمون جملَة قبلهَا فَتكون بِمَنْزِلَة أَي التفسيرية كَالَّتِي فِي نَحْو ﴿فأوحينا إِلَيْهِ أَن اصْنَع الْفلك﴾
أَي اصْنَع فَالْأَمْر بصنع الْفلك تَفْسِير للوحي وَكَذَا يحكم لَهَا بِأَنَّهَا مفسرة حَيْثُ وَقعت بعد جملَة اسمية وفعلية فِيهَا معنى القَوْل دون حُرُوفه أَي حُرُوف القَوْل وَلم تقترن أَن بخافض ويتأخر عَنْهَا جملَة اسمية أَو فعلية فالفعلية كالمثال الْمُتَقَدّم
والاسمية نَحْو ﴿ونودوا أَن تلكم الْجنَّة أورثتموها﴾ فَلَيْسَ مِنْهَا أَي المفسرة نَحْو ﴿وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ لِأَن الْمُتَقَدّم عَلَيْهَا غير جملَة وَإِنَّمَا
стр. 95
هِيَ المخففة من الثَّقِيلَة وَلَا نَحْو كتبت إِلَيْهِ بِأَن افْعَل لدُخُول الْخَافِض عَلَيْهَا
وَإِنَّمَا هِيَ أَن المصدرية وَلَا نَحْو ذكرت عسجدا أَن ذَهَبا لِأَن الْمُتَأَخر عَنْهَا مُفْرد لَا جملَة فَيجب أَن يُؤْتى بِأَيّ مَكَانهَا وَلَا نَحْو قلت لَهُ أَن افْعَل لِأَن الْجُمْلَة الْمُتَقَدّمَة فِيهَا حُرُوف القَوْل
وَأما قَول بعض الْعلمَاء وَهُوَ سليم الرَّازِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله رَبِّي وربكم﴾ إِنَّهَا أَي أَن الدَّاخِلَة على اعبدوا مفسرة فَفِيهِ إِشْكَال لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون مفسرة لأمرتنى أَو لَقلت قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَكِلَاهُمَا لَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ إِن حمل على أَنَّهَا مفسرة لأمرتني دون قلت منع مِنْهُ فَسَاد الْمَعْنى أَلا ترى أَنه لَا يَصح أَن يكون ﴿اعبدوا الله رَبِّي وربكم﴾ مقولا لله تَعَالَى وَذَلِكَ لِأَن أَمرتنِي مقول قلت وَهُوَ مُسْند إِلَى ضمير الله تَعَالَى فَلَو فسر بِالْعبَادَة الْوَاقِعَة على الله رَبِّي وربكم لم يستقم لِأَن الله لَا يَقُول اعبدوا الله رَبِّي وربكم أَو حمل على أَنَّهَا أَي أَن مفسرة لَقلت دون أمرت فحروف القَوْل تأباه أَي تأبى التَّفْسِير لما تقدم من أَن شَرط الْمُفَسّر بِفَتْح السِّين أَن لَا يكون فِيهِ حُرُوف القَوْل لِأَن القَوْل يحْكى بعده الْكَلَام من غير أَن يتوسط بَينهمَا حرف التَّفْسِير انْتهى كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ فَإِن أول لفظ
стр. 96
القَوْل بِغَيْرِهِ جَازَ التَّفْسِير وَلِهَذَا جوزه أَي التَّفْسِير الزَّمَخْشَرِيّ إِن أول قلت بأمرت وَالتَّقْدِير مَا أَمرتهم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله وَاسْتَحْسنهُ المُصَنّف فِي الْمُغنِي
وَجوز الزَّمَخْشَرِيّ أَيْضا مصدريتها أَي مَصْدَرِيَّة أَن هَذِه على أَن الْمصدر المؤول من أَن وصلتها وَهُوَ أَن اعبدوا بَيَان للهاء أَي عطف بَيَان على الْهَاء المجرورة بِالْبَاء فِي بِهِ لَا أَن الْمصدر بدل من الْهَاء لِأَن الْمُبدل مِنْهُ فِي حكم السَّاقِط وعَلى تَقْدِير إِسْقَاط الضَّمِير الْمُبدل مِنْهُ تخلى الصِّلَة من عَائِد على الْمَوْصُول الَّذِي هُوَ مَا وَذَلِكَ لَا يجوز وَاللَّازِم بَاطِل وَكَذَا الْمَلْزُوم وَالصَّوَاب الْعَكْس وَهُوَ كَون الْمصدر بَدَلا من الْهَاء فِي بِهِ لَا عطف بَيَان عَلَيْهَا لِأَن الْبَيَان فِي الجوامد كالصفة فِي المشتقات فَكَمَا أَن الضمائر لَا تنْعَت كَذَلِك لَا يعْطف عطف بَيَان نَص على ذَلِك ابْن السَّيِّد وَابْن مَالك وعَلى هَذَا فَلَا يتبع الضَّمِير بعطف الْبَيَان كَمَا أَن الضَّمِير لَا ينعَت وَإِذا امْتنع أَن يكون بَيَانا تعين أَن يكون بَدَلا
فَإِن قَائِل يلْزم على القَوْل بالبدلية إخلاء الصِّلَة من عَائِد كَمَا تقدم بِنَاء على أَن الْمُبدل مِنْهُ فِي نِيَّة الطرح قُلْنَا ذَلِك غَالب لَا لَازم
стр. 97
وَلَئِن سلمنَا لُزُومه فلنا جَوَاب آخر وَهُوَ أَن نقُول الْعَائِد الْمُقدر الْحَذف مَوْجُود لَا مَعْدُوم فَلَا يلْزم الْمَحْذُور وَلَا يَصح أَن يُبدل الْمصدر الْمَذْكُور من مَا الموصولة المعمولة لَقلت لِأَن الْعِبَادَة مصدر مُفْرد لَا يعْمل فِيهَا فعل القَوْل لِأَن القَوْل وَمَا تصرف مِنْهُ لَا يعْمل إِلَّا فِي جملَة أَو مُفْرد يُؤَدِّي معنى الْجُمْلَة كقلت قصيدة وَالْعِبَادَة لَيست كَذَلِك
نعم يجوز أَن تبدل الْعِبَادَة من مَا إِن أول قلت بأمرت لِأَن أمرت يعْمل فِي الْمُفْرد الْخَالِي من معنى الْجُمْلَة نَحْو أَمرتك الْخَيْر وَالْأَكْثَر تعديته إِلَى الْمَأْمُور بِهِ بِالْبَاء
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ مَا حَاصله وَلَا يمْتَنع فِي أَن من قَوْله تَعَالَى ﴿وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل أَن اتخذي﴾ أَن تكون مقسرة بِمَنْزِلَة أَي مثلهَا فِي ﴿فأوحينا إِلَيْهِ أَن اصْنَع الْفلك﴾ فَيكون التَّقْدِير أَي اتخذي فسر الْوَحْي إِلَى النَّحْل بِأَنَّهُ الْأَمر بِأَن تتَّخذ من الْجبَال بُيُوتًا انْتهى
خلافًا لمن منع ذَلِك وَهُوَ الإِمَام الرَّازِيّ فَإِنَّهُ قَالَ متعقبا لكَلَام الزَّمَخْشَرِيّ إِن الْوَحْي هُنَا إلهام بِاتِّفَاق وَلَيْسَ فِي الإلهام معنى القَوْل وَإِنَّمَا هِيَ مَصْدَرِيَّة أَي باتخاذ الْجبَال بُيُوتًا وَأَشَارَ المُصَنّف إِلَى دَفعه نصْرَة للزمخشري بقوله لِأَن الإلهام فِي معنى القَوْل لِأَن الْمَقْصُود من القَوْل الْإِعْلَام والإلهام فعل من الله يتَضَمَّن الْإِعْلَام بِحَيْثُ يكون الملهم عَالما بِمَا ألهم بِهِ والهام الله النَّحْل من هَذَا الْقَبِيل
стр. 98
وَيُقَال فِيهَا تَارَة مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة كَالَّتِي فِي نَحْو ﴿علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى﴾ ﴿وَحَسبُوا أَلا تكون فتْنَة﴾ فِي قِرَاءَة الرّفْع فِي يكون وَهِي قِرَاءَة أبي عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَيَعْقُوب وَخلف فِي اخْتِيَاره
وَكَذَا يحكم لَهَا بِالتَّخْفِيفِ من الثَّقِيلَة حَيْثُ وَقعت بعد علم وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ ع ل م بل كل مَا يدل على الْيَقِين أَو ظن ينزل ذَلِك الظَّن منزلَة الْعلم
وَتقدم مثالهما
الْكَلِمَة الرَّابِعَة مِمَّا جَاءَ على أَرْبَعَة أوجه من بِفَتْح الْمِيم فَتكون تَارَة شَرْطِيَّة كَالَّتِي فِي نَحْو ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ وَتارَة مَوْصُولَة كَالَّتِي فِي نَحْو ﴿وَمن النَّاس من يَقُول﴾ على أحد الِاحْتِمَالَيْنِ فتحتاج إِلَى صلَة وعائد وَتارَة استفهامية كَالَّتِي فِي نَحْو
стр. 99
﴿من بعثنَا من مرقدنا﴾ فتحتاج إِلَى جَوَاب
وَتارَة نكرَة مَوْصُوفَة كَالَّتِي فِي نَحْو مَرَرْت بِمن معجب لَك إِنْسَان معجب لَك وتحتاج إِلَى صفة وَأَجَازَ ابو عَليّ الْفَارِسِي أَن تقع نكرَة تَامَّة فَلَا تحْتَاج إِلَى صفة
وَحمل عَلَيْهِ قَوْله
(وَنعم من هُوَ فِي سر وإعلان ... )
ففاعل نعم مستتر فِيهَا وَمن تَمْيِيز بِمَعْنى شخصا وَالضَّمِير الْمُنْفَصِل هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح أَي وَنعم شخصا هُوَ أَي بشر بن مَرْوَان الْمَذْكُور فِي الْبَيْت قبله
стр. 100
النَّوْع الْخَامِس مَا يَأْتِي من الْكَلِمَات على خَمْسَة أوجه
وَهُوَ شَيْئَانِ أَحدهمَا أَي بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء فَتَقَع تَارَة شَرْطِيَّة فتحتاج إِلَى شَرط وَجَوَاب وَالْأَكْثَر أَن تتصل بهَا مَا الزَّائِدَة نَحْو ﴿أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت فَلَا عدوان عَليّ﴾ فَأَي اسْم شَرط مفعول مقدم لقضيت وقضيت فعل الشَّرْط وَجُمْلَة فَلَا عدوان عَليّ جَوَاب الشَّرْط
وَتَقَع تَارَة استفهامية فتحتاج إِلَى جَوَاب نَحْو ﴿أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا﴾ فَأَي مُبْتَدأ وَخَبره مَا بعده
وَتَقَع تَارَة مَوْصُولَة خلافًا لثعلب فِي زَعمه أَنَّهَا لَا تقع مَوْصُولَة أصلا وَيَردهُ نَحْو ﴿لننزعن من كل شيعَة أَيهمْ أَشد﴾ فَأَي مَوْصُولَة حذف صدر صلتها أَي الَّذِي هُوَ اشد قَالَه سِيبَوَيْهٍ وَمن تَابعه وَهِي عِنْده مَبْنِيَّة على الضَّم إِذا أضيفت وَحذف صدر صلتها كهذه الْآيَة وَقَالَ
стр. 101
من رأى أَن أيا الموصولة لَا تبنى وَإِنَّمَا هِيَ معربة دَائِما وَهِي هُنَا فِي هَذِه الْآيَة استفهامية فَأَي مُبْتَدأ وَأَشد خَبره وَعَلِيهِ الْكُوفِيُّونَ وَجَمَاعَة من الْبَصرِيين مِنْهُم الزّجاج وَقَالَ مَا تبين لي أَن سِيبَوَيْهٍ مَا غلط إِلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهمَا هَذِه فَإِنَّهُ يسلم أَنَّهَا تعرب إِذا أفردت فَكيف يَقُول ببنائها إِذا أضيفت وَتَقَع تَارَة دَالَّة على معنى الْكَمَال للموصوف فِي الْمَعْنى فَتَقَع صفة للنكرة قبلهَا نَحْو قَوْلك هَذَا رجل أَي رجل فاي صفة لرجل دَالَّة على معنى الْكَمَال أَي هَذَا رجل كَامِل فِي صفة الرِّجَال
وَتَقَع حَالا لمعْرِفَة قبلهَا كمررت بِعَبْد الله أَي رجل فَأَي مَنْصُوبَة على الْحَال من عبد الله أَي كَامِلا فِي صفة الرِّجَال
وَتَقَع تَارَة وصلَة لنداء مَا فِيهِ أل نَحْو ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان﴾ فَأَي منادى وَهَا للتّنْبِيه وَالْإِنْسَان نعت أَي وحركته اعرابية وحركة أَي بنائية
والكلمة الثَّانِيَة مِمَّا جَاءَ على خَمْسَة أوجه لَو فأحد أوجهها وَهُوَ الْغَالِب أَن تكون حرف شَرط فِي الْمَاضِي نَحْو لَو جَاءَ زيد أكرمته
وَإِذا دخلت على الْمُضَارع صرفته إِلَى الْمَاضِي نَحْو لَو يَفِي كفى فَيُقَال فِيهَا تَارَة حرف يَقْتَضِي امْتنَاع مَا يَلِيهِ وَهُوَ فعل الشَّرْط مثبتا كَانَ أَو منفيا وَيَقْتَضِي استلزامه أَي فعل الشَّرْط لتاليه وَهُوَ جَوَاب
стр. 102
الشَّرْط مثبتا كَانَ أَو منفيا فالأقسام أَرْبَعَة لِأَنَّهُمَا إِمَّا مثبتان نَحْو لَو جَاءَ زيد أكرمته أَو منفيان نَحْو لَو لم يجىء مَا أكرمته أَو الأول مُثبت وَالثَّانِي منفي نَحْو لَو قصدني مَا خيبته أَو عَكسه نَحْو لَو لم يجئني مَا عتبت عَلَيْهِ
والمنطقيون يسمون الشَّرْط مقدما لتقدمه فِي الذّكر ويسمون الْجَواب تاليا لِأَنَّهُ يتلوه ثمَّ يَنْتَفِي التَّالِي إِن لزم الْمُقدم وَلم يخلف الْمُقدم غَيره نَحْو ﴿وَلَو شِئْنَا لرفعناه بهَا﴾ فَلَو هُنَا دَالَّة على أَمريْن أَحدهمَا أَن مَشِيئَة الله الَّتِي هِيَ الْمُقدم لرفع هَذَا المنسلخ الَّذِي هُوَ التَّالِي منفية بِدُخُول لَو عَلَيْهَا وَيلْزم من هَذَا النَّفْي الْمُقدم الَّذِي هُوَ مَشِيئَة الله أَن يكون رَفعه أَي رفع هَذَا المنسلخ الَّذِي هُوَ التَّالِي منفيا للزومه للمقدم ولكونه لم يخلف الْمُتَقَدّم غَيره إِذْ لَا سَبَب لَهُ أَي للتالي وَهُوَ الرّفْع إِلَّا الْمُقدم وَهُوَ الْمَشِيئَة وَقد انْتَفَت وَلَا يخلفها غَيرهَا فَيَنْتَفِي الرّفْع وَهَذَا الحكم بِخِلَاف مَا إِذا خلف الْمُقدم غَيره نَحْو قَول عمر فِي صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ فَإِنَّهُ لَا يلْزم من انْتِفَاء الْمُقدم الَّذِي هُوَ لم يخف انْتِفَاء التَّالِي الَّذِي هُوَ لم يعْص حَتَّى يكون الْمَعْنى أَنه قد خَافَ وَعصى بِنَاء على أَن لَو إِذا دخلت على يكون الْمَعْنى أَنه منفى أثبتته مقدما كَانَ أَو تاليا وَذَلِكَ متخلف هُنَا لِأَن انْتِفَاء الْعِصْيَان الَّذِي هُوَ التَّالِي لَهُ سببان أَحدهمَا الْخَوْف من الْعقَاب وَهِي طَريقَة الْعَوام وَالثَّانِي الإجلال لله والتعظيم لَهُ وَهِي طَريقَة الْخَواص العارفين بِاللَّه المُرَاد أَن صهيبا ﵁ من هَذَا الْقسم أَي من
стр. 103
قسم الْخَواص وَهُوَ أَن سَبَب خَوفه من الله تَعَالَى وتعظيمه وَأَنه لَو قدر أَي فرض خلوه عَن الْخَوْف لم تقع مِنْهُ مَعْصِيّة فَكيف وَالْخَوْف مَعَ ذَلِك حَاصِل لَهُ وَهَذِه الْمَسْأَلَة كالمستثناة من حكم لَو وَهُوَ أَنَّهَا إِذا دخلت على مُثبت صيرته منفيا وَإِذا دخلت على منفي صيرته مثبتا وَكَذَا حكم جوابها وَمن هُنَا أَي من أجل أَنه لَا يلْزم من امْتنَاع الْمُقدم امْتنَاع التَّالِي فِي نَحْو لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ تبين فَسَاد قَول المعربين أَن لَو حرف امْتنَاع للجواب لِامْتِنَاع الشَّرْط وَالصَّوَاب أَنَّهَا لَا تعرض لَهَا إِلَى امْتنَاع الْجَواب أصلا وَلَا إِلَى ثُبُوته وأنما لَهَا تعرض لِامْتِنَاع الشَّرْط فَقَط فَإِن لم يكن للجواب سَبَب سوى ذَلِك الشَّرْط لَا غير بِحَيْثُ لَا يخلفه غَيره لزم من انتفائه أَي الشَّرْط انتفاؤه أَي الْجَواب نَحْو لَو كَانَت الشَّمْس طالعة لَكَانَ النَّهَار مَوْجُودا فَيلْزم من انْتِفَاء الشَّرْط وَهُوَ طُلُوع الشَّمْس انْتِفَاء الْجَواب وَهُوَ وجود النَّهَار
وَإِن خلف الشَّرْط غَيره بِأَن كَانَ لَهُ أَي للجواب سَبَب آخر غير الشَّرْط لم يلْزم من انتفائه أَي الشَّرْط انْتِفَاء الْجَواب وَلَا ثُبُوته لِأَنَّهَا لَا تعرض إِلَى امْتنَاع الْجَواب وَلَا إِلَى ثبوتة نَحْو لَو كَانَت الشَّمْس طالعة كَانَ الضَّوْء مَوْجُودا
فَأَنَّهُ لَا يلْزم من انْتِفَاء طُلُوع الشَّمْس انْتِفَاء وجود الضَّوْء وَلَا ثُبُوته وَمِنْه قَول عمر ﵁ نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ وَتقدم تَوْجِيهه
الْأَمر الثَّانِي مِمَّا دلّت عَلَيْهِ لَو فِي الْمِثَال الْمَذْكُور وَهُوَ وَلَو شِئْنَا لرفعناه بهَا إِن ثُبُوت الْمَشِيئَة من الله تَعَالَى مُسْتَلْزم لثُبُوت الرّفْع ضَرُورَة لِأَن الْمَشِيئَة سَبَب للرفع وَالرَّفْع سَبَب عَنْهَا
وَثُبُوت السَّبَب مُسْتَلْزم لثُبُوت الْمُسَبّب
стр. 104
وَهَذَانِ المعنيان الْمعبر عَنْهُمَا بالأمرين قد تضمنتهما أَي شملتهما الْعبارَة الْمَذْكُورَة وَهِي قَوْله حرف يَقْتَضِي امْتنَاع مَا يَلِيهِ واستلزامه لتاليه دون عبارَة المعربين وَهِي قَوْلهم حرف امْتنَاع لِامْتِنَاع فَإِنَّهَا لَا تتضمنها
الْوَجْه الثَّانِي من أوجه لَو أَن تكون حرف شَرط فِي الْمُسْتَقْبل مرادفا لِأَن الشّرطِيَّة إِلَّا أَنَّهَا أَي لَوْلَا تجزم على الْمَشْهُور كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وليخش الَّذين لَو تركُوا من خَلفهم ذُرِّيَّة ضعافا خَافُوا عَلَيْهِم﴾ فَلَو هُنَا شَرْطِيَّة بِمَنْزِلَة إِن أَي إِن تركُوا أَي شارفوا وقاربوا أَن يتْركُوا وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى التَّفْسِير الثَّانِي لِأَن الْخطاب للأوصياء أَو لمن يحضر الْمُوصي حَالَة الايصاء وَإِنَّمَا يتَوَجَّه الْخطاب إِلَيْهِم قبل التّرْك لأَنهم بعده أموات قَالَه المُصَنّف فِي الْمُغنِي
وَنَحْو قَول الشَّاعِر وَهُوَ تَوْبَة صَاحب ليلى الأخيلية
стр. 105
مُسْتَلْزم لثُبُوت الْمُسَبّب
(وَلَو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... وَمن دون رمسينا من الأَرْض سبسب)
أَي وَإِن تلتقي واثبات الْيَاء دَلِيل على أَن لَو غير جازمة وَزعم قوم أَن الْجَزْم بهَا مطردَة وَخَصه ابْن الشجري بالشعر
الْوَجْه الثَّالِث من أوجه لَو أَن تكون حرفا مصدريا أَي مؤولا مَعَ صلته بمصدر مرادفا لِأَن المصدرية إِلَّا أَنَّهَا أَي لَوْلَا تنصب كَمَا تنصب أَن وَأكْثر وُقُوعهَا بعد ود ﴿ودوا لَو تدهن فيدهنون﴾ أَي ودوا الإدهان وَبعد يود نَحْو ﴿يود أحدهم لَو يعمر﴾ أَي التَّعْمِير وَمن الْقَلِيل قَول قتيلة للنَّبِي ﷺ
(مَا كَانَ ضرك لَو مننت وَرُبمَا ... من الْفَتى وَهُوَ المغيظ المحنق)
أَي مِنْك
стр. 106
وَوُقُوع لَو مَصْدَرِيَّة قَالَ بِهِ الْفراء والفارسي والتبريزي وَأَبُو الْبَقَاء وَابْن مَالك من النَّحْوِيين وَأَكْثَرهم لَا يثبت هَذَا الْقسم وَهُوَ وُقُوع لَو مَصْدَرِيَّة حذرا من الِاشْتِرَاك وَتخرج الْآيَة الثَّانِيَة وَنَحْوهَا على حذف مفعول الْفِعْل الَّذِي قبلهَا وَهُوَ يود وَحذف الْجَواب بعْدهَا أَي يود أحدهم التَّعْمِير لَو يعمر ألف سنة لسره ذَلِك وَلَا يخفي مَا فِي هَذَا التَّقْدِير من كَثْرَة الْحَذف
الْوَجْه الرَّابِع من أوجه لَو أَن تكون حرفا لِلتَّمَنِّي بِمَنْزِلَة لَيْت إِلَّا أَنَّهَا لَا تنصب وَلَا ترفع نَحْو ﴿فَلَو أَن لنا كرة فنكون﴾ فَلَو لِلتَّمَنِّي أَي فليت لنا كرة قيل وَلِهَذَا أَي تكون لَو لِلتَّمَنِّي نصب فنكون فِي جوابها كَمَا انتصبت فأفوز فِي جَوَاب لَيْت بِأَن مضمرة بعد الْفَاء وجوبا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا لَيْتَني كنت مَعَهم فأفوز فوزا عَظِيما﴾ هَكَذَا استدلوا وَلَا دَلِيل لَهُم فِي هَذَا الِاسْتِدْلَال لجَوَاز أَن يكون النصب فِي فنكون بِأَن مضمرة جَوَازًا بعد الْفَاء وَأَن الْفِعْل فِي تَأْوِيل مصدر مَعْطُوف على كرة مثله فِي قَوْله وَهُوَ الشَّخْص الْمُسَمّى مَيْسُونُ أم يزِيد بن مُعَاوِيَة وَكَانَت بدوية
(وَلبس عباءة وتقر عَيْني ... أحب إِلَيّ من لبس الشفوف)
стр. 107
فتقر مَنْصُوب بِأَن مضمرة بعد الْوَاو جَوَازًا وَأَن وَالْفِعْل فِي تَأْوِيل مصدر مَعْطُوف على لبس وَمثله فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا﴾ فَيُرْسل مَنْصُوب بِأَن مضمرة بعد أَو جَوَازًا وان وَالْفِعْل فِي تَأْوِيل مصدر مَعْطُوف على وَحيا وَمثله فِي قَول الشَّاعِر
(إِنِّي وقتلى سليكا ثمَّ أعقله ... كالثور يضْرب لما عافت الْبَقر)
فاعقل مَنْصُوب بِأَن مضمرة جَوَازًا بعد ثمَّ وَأَن وَالْفِعْل فِي تَأْوِيل مصدر مَعْطُوف على قَتْلِي وَهُوَ من خَصَائِص الْفَاء وَالْوَاو وأو وَثمّ
الْوَجْه الْخَامِس من أوجه لَو أَن تكون للعرض وَهُوَ الطّلب بلين ورفق نَحْو لَو تنزل عندنَا فتصيب خيرا ذكره ابْن مَالك فِي التسهيل
стр. 108
وَذكر لَهَا ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ وَغَيره معنى آخر سادسا وَهُوَ أَن تكون للتقليل بِالْقَافِ نَحْو قَوْله ﷺ وتصدقوا وَلَو بظلف محرق وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ ردوا السَّائِل وَلَو بظلف محرق وَالْمعْنَى تصدقوا بِمَا تيَسّر وَلَو بلغ فِي الْقلَّة كالظلف وَهُوَ بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة للبقر وَالْغنم كالحافر للْفرس وَالْمرَاد بالمحرق المشوي وَفِي رِوَايَة الشَّيْخَيْنِ اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة
وَقد يَدعِي أَن التقليل إِنَّمَا من مدخولها لَا مِنْهَا لِأَن الظلْف والشق يشعران بالتقليل
стр. 109
النَّوْع السَّادِس مَا يَأْتِي من الْكَلِمَات على سَبْعَة أوجه
وَهُوَ قد لَا غير فأحد أوجهها أَن تكون اسْما بِمَعْنى حسب أَي كَافِي وفيهَا مذهبان أَحدهمَا أَنَّهَا معربة رفعا على الِابْتِدَاء وَمَا بعْدهَا خبر وَإِلَيْهِ ذهب الْكُوفِيُّونَ وعَلى هَذَا فَيُقَال فِيهَا إِذا أضيفت إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم قدي دِرْهَم بِغَيْر نون للوقاية كَمَا يُقَال حسبى دِرْهَم بِغَيْر نون وجوبا
وَالثَّانِي أَنَّهَا مَبْنِيَّة على السّكُون لشبهها بالحرفية لفظا وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وعَلى هَذَا يُقَال قدي بِغَيْر نون حملا على حسبى وقدني بالنُّون حفظا للسكون لِأَنَّهُ الأَصْل فِي الْبناء
الْوَجْه الثَّانِي من أوجه قد أَن تكون اسْم فعل بِمَعْنى يَكْفِي وَهِي مَبْنِيَّة اتِّفَاقًا ويتصل بهَا يَاء الْمُتَكَلّم فَيُقَال قدني دِرْهَم بالنُّون وجوبا كَمَا يُقَال يَكْفِينِي دِرْهَم فياء الْمُتَكَلّم فِي مَحل نصب على المفعولية وَدِرْهَم فَاعل
الْوَجْه الثَّالِث من أوجه قد أَن تكون حرف تَحْقِيق لكَونهَا تفِيد تَحْقِيق وُقُوع الْفِعْل بعْدهَا فَتدخل على الْفِعْل الْمَاضِي اتِّفَاقًا
стр. 110
نَحْو ﴿قد أَفْلح من زكاها﴾ فحققت حُصُول الْفَلاح لمن اتّصف بذلك قيل وَتدْخل أَيْضا على الْفِعْل الْمُضَارع نَحْو ﴿قد يعلم مَا أَنْتُم عَلَيْهِ﴾ أَي قد علم فحصول الْعلم مُحَقّق لله تَعَالَى وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول التسهيل وَعَلَيْهِمَا للتحقيق
الْوَجْه الرَّابِع من أوجه قد أَن تكون حرف توقع لكَونهَا تفِيد توقع الْفِعْل وانتظاره فَتدخل عَلَيْهِمَا أَي على الْمَاضِي والمضارع على الْأَصَح فيهمَا وَفِي قَوْله أَيْضا تسمح لِأَن قد الَّتِي للتحقيق لَا تدخل على الْمُضَارع إِلَّا فِي قَول ضَعِيف عبر عَنهُ بقيل تَقول فِي الْمُضَارع قد يخرج زيد إِذا كَانَ خُرُوجه متوقعا منتظرا فَدلَّ على أَن الْخُرُوج منتظر متوقع وَتقول فِي الْمَاضِي قد خرج زيد لمن يتَوَقَّع خُرُوجه وَفِي التَّنْزِيل ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا﴾ لِأَنَّهَا كَانَت تتَوَقَّع سَماع شكواها هَذَا مَذْهَب الْأَكْثَر من النَّحْوِيين
وَزعم بَعضهم أَنَّهَا أَي قد لَا تكون للتوقع مَعَ الْمَاضِي لِأَن التوقع انْتِظَار الْوُقُوع فِي الْمُسْتَقْبل والماضي قد وَقع فَكيف يتَوَقَّع وُقُوع مَا وَقع
следующие страницы →