← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 697

فتح رب البرية في تيسير قراءة الألفية

شعبان العودة

Полный текст (592 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(أَوْ) لتَنويعِ الخلافِ، أي: أصحُّ الأسانيدِ -على رأيِ بَعضِهم-: ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ، عن (سَالِمٍ) بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ العدويِّ المدنيِّ، أحدِ الفُقهاءِ السَّبعةِ على أحدِ الأقوالِ، (عَمَّنْ نَبِهْ) أي: عن شخصٍ شريفٍ فَطِنٍ، ويقال: نَبُهَ؛ كـ «كَرُمَ وفَرِحَ»: فَطِنَ. والمُرادُ بمَن نَبِهَ هو عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ ﵄ وهذا القولُ مرويٌّ عن أحمدَ وإسحاقَ بنِ راهَوَيهِ -رحمهما الله-. ٢٤ - [أَوْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ حَبْرِ البَشَرْ … هُوَ ابْنُ عَباسٍ وَهَذَا عَنْ عُمَرْ [٢٤] (أَوْ) لتَنويعِ الخِلافِ أيضًا، أي: قال بَعضُهم: أصحُّ الأسانيدِ: ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ، (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مَسعودٍ، أبي عبدِ اللهِ الأعمى، أحدِ الفُقهاءِ السَّبعةِ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ حَبْرِ البَشَرْ) أي: عالِمِ هذه الأُمَّةِ بدعاءِ النبيِّ ﷺ له (هُوَ) أي: حبرُ البشرِ عبدُ اللهِ (ابْنُ عَباسٍ) بنِ عبدِ المُطَّلِبِ الهاشميِّ، (وَهَذَا) أي: ابنُ عباسٍ (عَنْ عُمَرْ) أي: حالَ كونِ الحبرِ راويًا عن عُمرَ بنِ الخطابِ بنِ نُفيلِ بنِ عبدِ العُزَّى، العَدَويُّ، أبي حفصٍ، أحدِ الخُلَفاءِ الرَّاشدين، وهذا القولُ منقولٌ عنِ النَّسائيِّ.

стр. 107

٢٥ - وَشُعْبَةٌ عَنْ عَمْرٍو بْنِ مُرَّهْ … عَنْ مُرَّةٍ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ كَرَّهْ ٢٦ - أَوْ مَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَهْ … إِلَى سَعِيدٍ عَنْ شُيُوخٍ سَادَهْ] [٢٥] (وَ) قيل: أصحُّ الأسانيدِ: (شُعْبَةٌ) بنُ الحجَّاجِ بنِ الوَرْدِ العَتَكِيُّ مَولاهُمُ الحافِظُ الواسطيُّ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ عَمْرٍو بْنِ مُرَّهْ) بنِ عبدِ اللهِ بنِ طارقِ بنِ الحارِثِ الهَمْدانيِّ المُرَاديِّ، أبي عبدِ اللهِ الأعمى الكوفيِّ، أحدِ الأعلامِ، (عَنْ مُرَّةٍ) بنِ شَراحِيلَ الهَمدانيِّ، أبي إسماعيلَ الكوفيِّ العابدِ، مُرَّةَ الطَّيِّبِ، ومُرَّةَ الخَيرِ، حالَ كونِه راويًا (عَنِ ابْنِ قَيْسٍ) هو عبدُ اللهِ بنُ قيسِ بنِ سُلَيمانَ الأشعريِّ، أبو موسى، وقَولُه: (كَرَّهْ)، أي: مرةً، يعني: أنَّ شُعبةَ له تاراتٌ؛ فتارةً يَروي عن عَمرِو بن مُرَّةَ … إلخ. وتارةً عن غيرِه. وهذا القولُ رواه الخطيبُ في «الكفايةِ» عن وكيعٍ. [٢٦] (أَوْ) لتنويعِ الخِلافِ (مَا رَوَى) أي: نَقَل (شُعْبَةُ) بنُ الحجاجِ، (عَنْ قَتَادَهْ) بنِ دِعامةَ السَّدوسيِّ أبي الخَطَّابِ البَصريِّ، أحدِ الأئمةِ الأعلامِ، حافِظٌ يُدَلِّسُ، (إِلَى) أي: عن (سَعِيدٍ) بالتَّنوينِ، وهو: ابنُ المُسيَّبِ بنِ حَزْنِ بنِ أبي وَهبِ بنِ عَمرِو بنِ عابِدِ بنِ مَخزومٍ المَخزومِيُّ،

стр. 108

أبو مُحمَّدٍ المدنيُّ، (عَنْ شُيُوخٍ سَادَهْ)، وهم شُيوخُ سعيدٍ؛ لأنَّه من كِبارِ التَّابعين، وهذا مَنقولٌ عن حجَّاجِ بنِ الشَّاعِرِ. ٢٧ - ثُمَّ ابْنُ سِيرِينَ عَنِ الْحَبْرِ الْعَلِي … عَبِيدَةٍ بِما رَوَاهُ عَنْ عَلِي [٢٧] (ثُمَّ) للتَّرتيبِ الذِّكريِّ، أصحُّ الأسانيدِ: مُحمَّدُ (ابْنُ سِيرِينَ) الأنصاريُّ إمامُ وَقتِه، (عَنِ الْحَبْرِ) بالفَتحِ والكسرِ، أي: العالِمِ، (الْعَلِي) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ، صفةٌ للحَبْرِ (عَبِيدَةٍ) بفَتحِ العينِ، والصَّرفُ للضَّرورةِ، وهو عَبِيدَةُ بنُ عَمرٍو السَّلْمانيُّ، مات النبيُّ ﷺ وهو في الطَّريقِ إليه (بِما) أي: بالحديثِ الذي (رَوَاهُ) أي: نَقَله عَبِيدَةُ (عَنْ عَلِي) بنِ أبي طالِبٍ ﵁، وهذا القَولُ منقولٌ عن عَمرِو بنِ عليٍّ الفَلَّاسِ، وعليِّ بنِ المَدينيِّ، وسُلَيمانَ بنِ حَربٍ، إلَّا أنَّ ابنَ المَدينيِّ شَرَط أن يكونَ الرَّاوي عن ابنِ سيرينَ: عبدَ اللهِ بنَ عونٍ، وسُلَيمانَ شَرَط أن يَكُونَ الرَّاوي عنه: أيوبَ السِّخْتِيانيَّ، والفَلَّاسُ ما شَرَط ذلك.

стр. 109

٢٨ - كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ ابْرَاهِيمَ عَنْ … عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسعُودِ الْحَسَنْ ٢٩ - [وَوَلَدُ القَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ … عائِشَةٍ، وَقَالَ قَوْمٌ ذُو فِطَنْ] [٢٨] (كَذَا) أي: مِثلُ ما تقدَّم منَ الأقوالِ في أصحِّ الأسانيدِ: سُلَيمانُ (ابْنُ مِهْرَانَ) بكَسرٍ فسُكونٍ، الكاهليُّ الكوفيُّ، أبو مُحمَّدٍ الأعمَشُ، أحدُ الأعلامِ الحُفَّاظِ والقُرَّاءِ، حالَ كونِه راويًا (عَنِ ابْرَاهِيمَ) بنِ يَزيدَ بنِ قَيسِ بنِ الأسوِد النَّخَعيِّ أبي عِمرانَ الكوفيِّ، (عَنْ عَلْقَمَةٍ) بنِ قيسِ بنِ عبدِ اللهِ بن علقمةَ النَّخَعيِّ الكوفيِّ أبي شِبْلٍ، أحدِ الأعلامِ، مُخَضْرِمٍ، (عَنِ ابْنِ مَسعُودِ) بنِ غافِلِ بنِ حَبِيبِ بنِ شَمْخِ بنِ مَخُزومِ الهُذْليِّ أبي عبدِ الرَّحمنِ الكوفيِّ، أحدِ السَّابِقين الأوَّلين، وحَذْفُ تَنوينْ «مَسعود» هنا للضَّرورةِ، وقَولُه: (الْحَسَنْ) صِفةٌ لابنِ مسعودِ ﵁، أي: حَسَنُ الأوصافِ؛ لأنَّه كان يُشْبِهُ النبيَّ ﷺ في هَدْيِه ودَلِّهِ وسَمْتِه. وهذا القولُ لابنِ مَعينٍ. [٢٩] (وَ) قيلَ: أَصَحُّها: عبدُ الرَّحمنِ (وَلَدُ القَاسِمِ) بنِ مُحمَّدِ بنِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ أبي مُحمَّدٍ المدنيِّ، (عَنْ أَبِيهِ) القاسمِ المَذكورِ، أحدِ الفُقهاءِ السَّبعةِ، (عَنْ) عَمَّتِه (عائِشَةٍ) بالصَّرفِ للضَّرورةِ بنتِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ

стр. 110

-﵄ أمِّ المُؤمنين، أمِّ عبدِ اللهِ، الفقيهةِ الرَّبَّانيةِ. وهذا القَولُ لابِن معينٍ أيضًا؛ فله قَولانِ، وله ثالِثٌ يأتي. (وَقَالَ قَوْمٌ) من المُحَدِّثين، وهو الحاكِمُ أبو عَبدِ اللهِ المَعروفُ بابن البَيِّعِ، صاحِبُ «المُستدرَكِ على الصَّحِيحَينِ»، ومَن تَبِعَه (ذُو) أي: صاحِبُ (فِطَنْ) بكَسرِ ففَتحٍ، وهي الحِذْق بالكَسرِ، أي: أصحابُ حِذْقٍ في فنِّ الحَديثِ. ٣٠ - لا يَنْبَغِي التَّعْمِيمُ فِي الإِسْنادِ … [بَلْ خُصَّ بِالصَّحْبِ أَوِ البِلادِ ٣١ - فَأَرْفَعُ الإِسْنادِ لِلصِّدِّيقِ مَا … اِبْنُ أَبِي خَالِدِ عَنْ قَيْسٍ نَمَا [٣٠] (لا يَنْبَغِي التَّعْمِيمُ) أي: تَعميمُ الحُكمِ (فِي الإِسْنادِ) أي: في أصَحِّيَّتِه على الإطلاقِ، أي: لا يُحكَمُ بأنَّه أصَحُّ الأسانيدِ كُلِّها، (بَلْ خُصَّ) أيُّها المُحَدِّثُ، أي: قَيِّدْ (بِالصَّحْبِ)، أي: بصَحابيِّ تلك التَّرجمةِ، بأن تَقولَ مثلًا: أصحُّ أسانيدِ فلانٍ: فُلَانٌ … إلخ (أَوِ) خُصَّ بـ (البِلادِ) بأن تَقولَ مثلًا: أصحُّ أسانيدِ المَدَنيِّين: فلانٌ إلخ. [٣١] (فَأَرْفَعُ) أي: إذا عَرَفْتَ أنَّ الأحسَنَ والأليَقَ هو التَّقيِيدُ؛ فأقولُ

стр. 111

لك: أرفَعُ (الإِسْنادِ) أي: أصحُّ الأسانيدِ (لِـ) أبي بكرٍ (الصِّدِّيقِ)، واسمُه عبدُ اللهِ بنُ عُثمانَ بنِ عامِرِ بنِ عَمرِو بنِ كَعبِ بنِ سَعدِ بنِ تَيمٍ التَّيميِّ (مَا) رَوَى إسماعيلُ (اِبْنُ أَبِي خَالِدِ) (١) بتَركِ التَّنويِن للوَزنِ، البَجَليُّ الأحمَسيُّ، أبو عبدِ اللهِ الكوفيُّ، أحدُ الأعلامِ، (عَنْ قَيْسٍ) بنِ أبي حازِمٍ (٢) البَجَليِّ الأحمَسيِّ، أبي عبدِ اللهِ الكوفيِّ، مُخضرَمٍ (نَمَا) أي: نَسَبه إليه، ونَمَا الحديثُ: ارتفَعَ. ومعنى البَيتِ: أنَّ أرفَعَ وأصحَّ أسانيدِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: هو الحَديثُ الذي رواه إسماعيلُ بنُ أبي خالِدٍ، حالَ كونِه آخذًا عن قيسِ بنِ أبي حازِمٍ، أي: الحَديثُ المَروِيُّ بهذا السَّندِ. ٣٢ - وَعُمَرٍ فَابْنَ شِهابٍ بَدِّهِ … عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ [٣٢] (وَعُمَرٍ) بالجرِّ عَطفٌ على «الصِّدِّيقِ»، وصُرِف للضَّرورةِ، أي: أصحُّ الأسانيدِ لعُمرَ ﵁: (فَابْنَ شِهابٍ بَدِّهِ) أمرٌ منَ التَّبديهِ، (عَنْ سَالِمٍ) المُتقدِّمِ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ أَبِهِ) عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، على لغةِ

стр. 112

النَّقصِ، (عَنْ جَدِّهِ) أي: جدِّ سالِمٍ، وهو عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁، وهذا القَولُ للحاكِمِ أيضًا. ٣٣ - وَأَهْلِ بَيْتِ المُصْطَفَى جَعْفَرُ عَنْ … آبَائِهِ، إِنْ عَنْهُ رَاوٍ مَا وَهَنْ [٣٣] (وَ) أرفَعُ أسانيدِ (أَهْلِ بَيْتِ المُصْطَفَى) ﷺ : (جَعْفَرُ) بمَنعِ الصَّرفِ للوَزنِ، هو الصَّادِقُ بنُ محمدِ الباقرِ بنِ عليٍّ زَيْنِ العابِدين بنِ الحُسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ الهاشميِّ، أبو عبدِ اللهِ، المدنيِّ، (عَنْ آبَائِهِ) المذكورين، أي: راويًا هو عن أبيه، وهو عن جَدِّه … إلخ. قال النَّاظِمُ: هذه عِبارةُ الحاكمِ، ووافَقَه مَن نَقَلها، وفيها نظرٌ؛ فإنَّ الضميرَ في جدِّه إنْ عاد إلى جعفرٍ؛ فجدُّهُ عَلِيٌّ لم يسمَعْ من عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، أو إلى مُحمَّدٍ؛ فهو لم يسمَعْ من الحُسَينِ. (إِنْ عَنْهُ رَاوٍ مَا وَهَنْ) أي: إنْ لم يَكُنِ الرَّاوي عن جعفرٍ ضَعيفًا. وحاصِلُ معنَى البيتِ: أنَّ أصحَّ أسانيدِ أهلِ البيتِ: جعفرُ بنُ مُحمَّدِ بنِ عليِّ بنِ الحُسَينِ بنِ عليٍّ، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ؛ إنْ كان الرَّاوي عن جَعفرٍ ثِقةً.

стр. 113

٣٤ - وَلأَبِي هُرَيرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ … سَعِيدٍ اوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ ٣٥ - عَنْ أَعْرَجٍ، وَقيلَ: حَمَّادٌ بِمَا … أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَا [٣٤] (وَ) أصحُّ الأسانيدِ (لأَبِي هُرَيرَةَ) الدَّوسيِّ ﵁: (الزُّهْرِيُّ) مُحمَّدُ بنُ مُسلِمٍ، (عَنْ سَعِيدٍ) ابنِ المُسيَّبِ، (أوْ) لتَنويعِ الخِلافِ، أي: قال البُخاريُّ ﵀: أصحُّ أسانيدِ أبي هُرَيرةَ: (أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ اللهِ بنُ ذَكْوانَ، الأُمَويُّ، المَدنيُّ، أبو عبدِ الرَّحمنِ، (حَيْثُ عَنْ) بتشديدِ النُّونِ، وخُفِّفَ هنا للوَزنِ، أي: ظَهَر ووُجِدَ مَروِيُّه. [٣٥] (عَنْ أَعْرَجٍ) عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرمُزَ الهاشمِيِّ مَولاهُم، أبي داوُدَ المَدنيِّ القارئِ، (وَقيلَ:) في أصحِّ أسانيدِ أبي هُريرةَ ﵁ (حَمَّادٌ) بنُ زيدِ بنِ دِرهمٍ الأزديُّ، أبو إسماعيلَ، الأزرقُ البَصريُّ، الحافِظُ، مَولَى جريرِ بنِ حازِمٍ، وقيلَ غيرُ ذلك، (بِمَا) أي: بالحَديثِ الذي (أَيُّوبُ) بنُ أبَي تَميمَةَ، واسمُه كَيسانُ، السِّختيانِيُّ، أبو بكرٍ البَصريُّ الفَقيهُ (عَنْ مُحَمَّدٍ) أي: ابنِ سِيرينَ (لَهُ) أي: لأبي هُريرَةَ (نَمَا) أي: نَسَبهُ إليه.

стр. 114

والمعنى: أنَّ أصحَّ أسانيدِ أبي هُريرةَ: حمَّادُ بنُ زيدٍ، حالَ كَونِه مُقيَّدًا بالحديثِ الذي رواه أيُّوبُ، عن مُحمَّدِ بنِ سِيرينَ، عن أبي هُريرةَ ﵁، وهذا القَولُ لابنِ المَدينيِّ ﵀. ٣٦ - لِمَكَّةٍ سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍو، وَذَا … عَنْ جَابِرٍ، وَلِلمَدِينَةِ خُذا [٣٦] (لِمَكَّةٍ) بالصَّرفِ للوَزنِ: (سُفْيانُ) أي: أصحُّ أسانيدِ أهلِ مَكَّةَ المُشرَّفةِ: سُفيانُ بنُ عُيَينةَ، أبو مُحمَّدٍ، الهِلاليُّ، مَولاهُمُ، الكوفيُّ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دِينارٍ، الجُمَحيُّ، مَولاهُم، أبو مُحمَّدٍ المكيُّ، الأَثرَمُ، أحدُ الأعلامِ، (وَذَا) أي: عَمرٌو (عَنْ جَابِرٍ) هو ابنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ حرامٍ الأنصاريُّ، السَّلَمِيُّ، أبو عبدِ الرحمنِ، أو أبو عبدِ اللهِ، أو أبو مُحمَّدِ المَدنيُّ، الصَّحابيُّ، المَشهورُ. والمعنى: أنَّ أصحَّ الأسانيدِ لأهلِ مكَّةَ، سُفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عَمرٍو، حالَ كَونِه راويًا عن جابِرٍ ﵁. (وَلِلمَدِينَةِ) المُنوَّرةِ -على ساكِنها أفضلُ الصَّلاِة وأزكى السَّلامِ (خُذا) أيُّها الطَّالِبُ الذَّكيُّ، والألفُ بَدَلٌ منَ النُّونِ الخَفيفةِ.

стр. 115

٣٧ - ابْنَ أَبِي حَكِيمَ عَنْ عَبِيدَةِ … الحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةِ ٣٨ - وَما رَوَى مَعْمَرُ عَنْ هَمَّامَ عَنْ … أَبِي هُرَيرَةَ أَصَحُّ لِلْيَمَنْ [٣٧] (ابْنَ) بالنَّصبِ مَفعولُ «خُذ» (أَبِي حَكِيمَ) بمَنعِ الصَّرفِ للوَزنِ، هو إسماعيلُ بنُ أبي حكيمٍ، مولَى عُثمانَ المَدنيِّ، (عَنْ عَبِيدَةِ) بفَتحِ العَينِ، هو ابنُ سُفيانَ بنِ الحارِثِ، (الحَضْرَمِيِّ) نِسبةً إلى حَضْرَمَوْتَ: بُلَيدةٌ منَ اليَمنِ بقُربِ عَدَنَ، (عَنْ أَبِي هُرَيرَةِ) ﵁ بالصَّرفِ للقافِيَةِ. والمعنى: خُذْ أيُّها المُحدِّثُ أصحَّ أسانيدِ المدينةِ: ابنَ أبي حَكيمٍ … إلخ. وهذا القَولُ لأحمَدَ بنِ صالِحٍ المِصرِيِّ ﵀. [٣٨] (وَما) أصحَّ الحديثِ الذي (رَوَى)، أي: نَقَله (مَعْمَرُ) بمَنعِ الصَّرفِ للوَزنِ، ابنُ راشِدٍ الأَزْديُّ، مولًى لمَولاهُم عبدُ السَّلامِ بنُ عبدِ القُدُّوسِ، أبو عُروةَ البَصريُّ، ثمَّ اليَمانِيُّ، أحدُ الأعلامِ، (عَنْ هَمَّامَ) بمَنعِ الصَّرفِ أيضًا للوَزنِ ابنِ مُنَبِّهِ بنِ كامِلٍ الأَبْنَاوِيِّ، أبي عُقْبةَ الصَّنعانيِّ اليَمانيِّ، (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) ﵁ (أَصَحُّ) الأحاديثِ (لـ) أهلِ (الْيَمَنْ).

стр. 116

٣٩ - لِلشَّامِ الأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَا … عَنِ الصِّحَابِ فَائِقٌ إِتْقَانَا ٤٠ - وَغَيْرُ هَذَا مِنْ تَراجِمٍ تُعَدّْ … ضَمَّنْتُهَا شَرْحِيَ عَنْها لا تُعَدْ] [٣٩] (لِلشَّامِ) مُتعلِّقٌ بـ «فائقٌ» (الأَوْزَاعِيُّ) إمامُ أهلِ الشَّامِ، أبو عَمرٍو عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَمرٍو، (عَنْ حَسَّانَا) بألفِ الإطلاقِ، ابنِ عَطِيَّةَ المُحارِبيِّ مولاهم أبي بَكرٍ الدِّمَشقيِّ الفقيهِ (عَنِ الصِّحَابِ) ﵃ بكَسرِ الصَّادِ- جَمعُ صاحِبٍ بمَعنَى الصحابيِّ، (فَائِقٌ) أي: راجِحٌ (إِتْقَانَا) أي: من حيثُ الإتقانُ على غيرِه من أسانيدِ الشَّاميِّين .. والمعنى: أَنَّ أصحَّ أسانيدِ أهلِ الشامِ هوَ الأوزاعيُّ، عن حسَّانَ … إلخ؛ فهو سَنَدٌ فائِقٌ على غيرِه من أسانيدِهم. [٤٠] (وَغَيْرُ هَذَا) أي: ومنها غيرُ هذا، (مِنْ تَراجِمٍ تُعَدْ)، أي: مَعدودَةٌ عند العُلَماءِ بأنَّها أصحُّ الأسانيدِ، (ضَمَّنْتُهَا شَرْحِيَ) أي: جَعَلْتُها ضِمنَه، والمُرادُ بالشَّرحِ هو «تدريبُ الرَّاوي» الذي جَعَله شَرحًا لـ «تقريبِ النَّواويِّ»، بل ولجَميعِ كُتُبِ الفنِّ؛ إذ هو مِن أجمَعِ ما أُلِّفَ في هذا الفَنِّ، (عَنْها) أي: لها مُتعلِّق بـ «شرح» (لا تُعَدّْ) أي: لا تُذكَرُ هنا؛ لضِيقِ النَّظمِ، واللهُ أعلَمُ.

стр. 117

مسألةٌ ٤١ - [أَوَّلُ جامِعِ الحديثِ والأَثَرْ … اِبْنُ شِهابٍ آمِرًا لَهُ عُمَرْ ٤٢ - وَأَوَّلُ الجَامِعِ لِلأَبْوَابِ … جَمَاعَةٌ فِي العَصْرِ ذُو اقْتِرَابِ [٤١] (أَوَّلُ جامِعِ) أي: أسبقُ مُدَوِّنِ (الحديثِ) النبويِّ (والأَثَرْ) إمَّا عطفُ تفسيرٍ للحديثِ، إنْ قلنا بتَرادُفِهما، وإمَّا عطفٌ مُغايِرٌ، إنْ خُصَّ بالمَوقوفِ: (اِبْنُ شِهابٍ) الزُّهريُّ (آمِرًا لَهُ) أي: الآمِرُ لابنِ شهابٍ بجَمعِ الأحاديثِ (عُمَرْ) بنُ عبدِ العزيزِ بنِ مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ، أحدِ الخُلَفاءِ الرَّاشدين. ومعنى البيتِ: أنَّ أولَ مَن دَوَّن الحَديثِ هو الإمامُ ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ بأمرِ الخَليفةِ عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ﵀، والمُرادُ بالتَّدوينِ المذكورِ: هو التَّدوين الرَّسميُّ؛ بحيث يَكونُ مَجموعًا مُرتَّبًا، وإلَّا فقد كان يُكتَبُ في الرِّقاعِ والعِظامِ من لَدُنْ زمنِ رَسولِ اللهِ ﷺ وهَلُمَّ جَرًّا. [٤٢] (وَأَوَّلُ) مُبتدَأُ (الجَامِعِ لِلأَبْوَابِ) المُتنوِّعةِ منَ العِباداتِ، والمُعاملاتِ، والمَغازي، وغيرِها (جَمَاعَةٌ) خبرُ المُبتدأِ، أي: طائفةٌ

стр. 118

(فِي العَصْرِ) أي: في الزمنِ (ذُو اقْتِرَابِ) صفةٌ لجماعةٍ. ومعنى البيتِ: أنَّ أوَّلَ مَن جَمَع الحديثَ جماعةٌ مُتقارِبون في الزَّمنِ، وذلك أثناءَ المِائةِ الثانيةِ؛ فلا يُدرَى أيُّهم سَبَق؛ لكَونِهم في وقتٍ واحدٍ، وهم: ٤٣ - كَابْنِ جُرَيْجٍ وَهُشَيْمٍ مَالِكِ … وَمَعْمَرٍ وَوَلَدِ المُبَارَكِ] ٤٤ - وَأَوَّلُ الجَامِعِ بِاقْتِصَارِ … عَلَى الصَّحِيحِ فَقَطِ البُخَارِي [٤٣] (كَا) لإمامِ عبدِ الملكِ بنِ عبدِ العزيزِ (بْنِ جُرَيْجٍ) الأُمَويِّ مَولاهُم، أحدِ الأعلامِ، من تابِعي التَّابعين، (وَهُشَيْمٍ) بضمِّ الهاءِ وفَتحِ الشِّينِ، ابنِ بَشِيرٍ بفَتحِ الباءِ، أبي مُعاوِيةَ، السُّلَمِيِّ الواسِطيِّ، من تابِعي التَّابعين، و (مَالِكِ) بنِ أنسٍ، إمامِ دارِ الهِجرةِ، (وَمَعْمَرٍ) بنِ راشدٍ، أبي عُروةَ الإمامِ، الحافِظِ، (وَ) عبدِ اللهِ (وَلَدِ المُبَارَكِ) بنِ واضِحٍ المَروَزيِّ، الحَنظَليِّ، مَولاهم أبي عبدِ الرحمنِ، الإمامِ المُجْمَعِ على جَلالَتِه، وإمامَتِه في كلِّ شيءٍ. [٤٤] (وَأَوَّلُ الجَامِعِ) أي: أسبَقُ مُحدِّثٍ في جَمعِ الأحاديثِ المُسنَدةِ (بِاقْتِصَارِ) أي: مع اقتِصارٍ، أي: مُقتصِرًا (عَلَى الصَّحِيحِ) المُجرَّدِ منَ

стр. 119

الحديثِ، (فَقَطِ) أي: فحَسْبُ: (البُخَارِي) وهو الإمامُ الحافِظُ الحُجَّةُ مُحمَّدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ. ٤٥ - وَمُسْلِمٌ مِنْ بَعْدِهِ، وَالأَوَّلُ … عَلَى الصَّوَابِ فِي الصَّحِيحِ أَفْضَلُ ٤٦ - [وَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِمًا فَإِنَّمَا … تَرْتِيبَهُ وَصُنْعَهُ قَدْ أَحْكَمَا] [٤٥] (وَمُسْلِمٌ) بنُ الحجَّاجِ، القُشَيْريُّ (مِنْ بَعْدِهِ) أي: البُخاريِّ، يَعني: أنَّ الإمامَ مُسلِمًا جَمَع الصَّحِيحَ بعدَ البخاريِّ؛ لأنَّه مُتأخِّرٌ وقتًا؛ فإنه تِلميذُه وخِرِّيجُه، (وَالأَوَّلُ) أيِ: الإمامُ البُخاريُّ (عَلَى الصَّوَابِ) أيِ: القَولِ السَّدِيدِ (فِي) التَّثبُّتِ واستِيفاءِ شُروطِ (الصَّحِيحِ) منَ الأحاديثِ المُسنَدةِ (أَفْضَلُ)؛ لكَونِه أعلَمَ بالفَنِّ، وأعدَلَ رُوَاةً، وأشدَّ اتِّصالًا منه. [٤٦] (وَمَنْ) شَرطيَّةٌ (يُفَضِّلْ) منَ العُلَماءِ (مُسْلِمًا) على البُخاريِّ، أي: كِتابَه على كِتابِه (فَإِنَّمَا تَرْتِيبَهُ) بالنَّصبِ مَفعولٌ لمَحذوفٍ، أي: فَضَّلَ، أو بالرَّفعِ خبرٌ لمحذوفٍ، أي: مُرادُه: تَرتيبُه، لا من حيثُ الأَصحِّيَّةُ، (وَصُنْعَهُ) عَطفُ تفسيرٍ لترتيبَ، أوِ المُرادُ بالتَّرتيبِ: ترتيبُ الأبوابِ والأحاديثِ؛ بحيث يَذكُرُ كلَّ بابٍ وحديثٍ إلى جَنبِ مُناسِبِه، وفي مَظَانِّه،

стр. 120

وبالصُّنعِ: حُسنُ صِناعةِ الحَديثِ من حيثُ تَلخيصُ الطُّرُقِ، والاحتِرازُ من تَحويلِ الأسانيدِ عندَ الِاتفاقِ من غَيرِ تنبيهٍ على اختلافِ ألفاظِ الرُّواةِ في متنٍ، أو إسنادٍ، ولو في حرفٍ واحدٍ؛ فالعَطفُ للمُغايَرَةِ، (قَدْ أَحْكَمَا) أي: حالَ كونِه مُحْكِمًا، أي: مُتقِنًا لتَرتيبِه، وصُنعِه، والألِفُ ضَميرٌ راجِعةٌ إلى التَّرتيبِ والصُّنعِ، أي: حالَ كَونِهِما مُحْكَمَينِ. ٤٧ - وَانْتَقَدُوا عَلَيْهِمَا يَسِيرَا … [فَكَمْ تَرَى نَحْوَهُمَا نَصِيرَا] ٤٨ - وَلَيْسَ فِي الْكُتْبِ أَصَحُّ مِنْهُمَا … بَعْدَ الْقُرَانِ وَلِهَذَا قُدِّمَا [٤٧] (وَانْتَقَدُوا) أيِ: اعتَرَض بعضُ أهلِ النقدِ، كالدَّارَقُطنيِّ، وأبي عليٍّ الغَسَّانيِّ الجَيَّانيِّ، وأبي ذَرٍّ الهَرَويِّ، وأبي مَسعودٍ الدِّمَشقيِّ، وغَيرِهم. (عَلَيْهِمَا) أيِ: البُخاريِّ ومُسلمٍ (يَسِيرَا) أي: قليلًا من أحاديثِهما، وعِدَّتُها -كما قال الحافِظُ- مِائتانِ وعَشَرةُ أحاديثَ، اشتَرَكَا في اثنَينِ وثَلاثينَ، واختَصَّ البُخاريُّ بثَمانينَ إلَّا اثنَينِ، ومُسلِمٌ بمائةٍ؛ (فَكَمْ) بمعنى عددٍ كثيرٍ (تَرَى) بالتاءِ أيُّها الطَّالِبُ، أي: رَأينا كَثيرًا من العُلَماءِ المُبَرَّزِين، والحُفَّاظِ المُتقِنين (نَحْوَهُمَا) أي: قَصْدَهُما (نَصِيرَا) أي: مُعِينًا، أو مانِعًا من أن يَتطرَّق إليه قَدْحُ قادِحٍ.

стр. 121

[٤٨] (وَلَيْسَ فِي الْكُتْبِ) بسُكونِ التاءِ (أَصَحُّ) أي: أقوَى وأرجَحُ صِحَّةً (مِنْهُمَا) أي: الصَّحِيحَين (بَعْدَ الْقُرَانِ) الكريمِ، لغةٌ قُرِئ بها في السَّبعةِ؛ (وَلِهَذَا) أي: لأجلِ كونِهما بهذه المَرتبةِ الرَّفيعةِ (قُدِّمَا) الألفُ للإطلاقِ. ٤٩ - مَرْوِيُّ ذَيْنِ، فَالبُخَارِيِّ، فَمَا … لِمُسْلِمٍ، فَمَا حَوَى شَرْطَهُمَا ٥٠ - فَشَرْطَ أَوَّلٍ، فَثَانٍ، ثُمَّ مَا … كانَ عَلَى شَرْطِ فَتًى غَيْرِهِمَا [٤٩] (مَرْوِيُّ ذَيْنِ) أيِ: الحديثُ الذي رواه هذانِ الإمامانِ، وهذا هو القِسمُ الأوَّلُ من أقسامِ الصَّحِيحِ السَّبعةِ، (فَالبُخَارِيِّ) أي: فما رَوى البخاريُّ مُنفرِدًا عن مسلمٍ، (فَمَا) أي: الحَديثُ الذي (لـ) لإمامِ الحُجَّةِ (مُسْلِمٍ) بنِ الحجَّاجِ، وهو الثالثُ، (فَمَا حَوَى) أي: فالحديثُ الذي جَمَعَ (شَرْطَهُمَا) أي: رجالَ إسنادِهما، وهو الرابعُ. [٥٠] (فَشَرْطَ أَوَّلٍ) أي: ما جَمَع شرْطَ البخاريِّ، وهو الخامِسُ، (فَثَانٍ) عطفٌ على «أولٍ» أي: شرْطُ مسلمٍ، وهو السادِسُ، (ثُمَّ مَا) أي: ثم قُدِّم الحديثُ الذي (كانَ عَلَى شَرْطِ فَتًى) من أئمةِ الحديثِ (غَيْرِهِمَا) أي: غيرِ الشَّيخَينِ، وهذا آخرُ الأقسامِ السَّبعةِ، وفائدةُ التَّقسيمِ تظهَرُ عندَ التَّعارُضِ.

стр. 122

٥١ - [وَرُبَّمَا يَعْرِضَ لِلْمَفُوقِ مَا … يَجْعَلُهُ مُسَاوِيًا أَوْ قُدِّمَا ٥٢ - وَشَرْطُ ذَيْنِ كَوْنُ ذَا الإِسْنَادِ … لَدَيْهِمَا بِالجَمْعِ وَالإِفْرَادِ] ٥٣ - وَعِدَّةُ الأَوَّلِ بِالتَّحْرِيرِ … أَلْفَانِ وَالرُّبْعُ بِلا تَكْرِيرِ [٥١] (وَرُبَّمَا) للتَّقليلِ (يَعْرِضَ) أي: يظهَرُ ويتَّضِحُ (لِلْمَفُوقِ) أيِ: المَفضولِ لتأخُّرِ رُتبَتِه (مَا) يعرِض (يَجْعَلُهُ) أيِ: المَفوقَ (مُسَاوِيًا) للفائقِ (أَوْ قُدِّمَا) أي: أو مُقدَّمًا عليه بسببِ ما صاحَبَه من المُرجِّحاتِ. [٥٢] (وَشَرْطُ ذَيْنِ) أي: المُرادُ بشَرطِ الشَّيخَينِ: (كَوْنُ ذَا الإِسْنَادِ) أي: كونُ هذا الإسنادِ الذي قيلَ: إنَّه على شَرطِهما، أو شَرطِ أحدِهِما (لَدَيْهِمَا) أي: في كتابَيهِما (بِالجَمْعِ) أي: كَونُ إسنادِه مَذكورًا في كتابَيهِما معًا، (وَالإِفْرَادِ) فيما قيلَ فيه: على شَرطِ البخاريِّ، أو مُسلِمٍ. [٥٣] (وَعِدَّةُ) أحاديثِ (الأَوَّلِ) أي: «صَحيحِ البُخاريِّ»، والمُرادُ الأحاديثُ المُسنَدةُ (بِالتَّحْرِيرِ) أي: على ما حرَّره مَن حقَّقَه، وهو إمامُ المُتقِنين في المتأخِّرين الحافِظُ ابنُ حجرٍ في كِتابِه «فتحِ الباري» ومُقدِّمَتِه

стр. 123

المُسمَّاةِ بـ «هُدى الساري»: (أَلْفَانِ وَالرُّبْعُ) أي: رُبْعُ الألفَينِ، وهو خَمسُمِائةٍ، أي: وزِيادَةُ ثَلاثةَ عَشَرَ، هذا هو الذي ذَكَره في «الفَتحِ» في بابِ كُفرانِ العَشيرِ، وتَبِعَه النَّاظِمُ في «التَّدريبِ»، والذي ذَكَره في «هُدى الساري» يُخالِفُ هذا؛ حَيثُ قال: «فجَميعُ ما في «صحيحِ البُخاريِّ» منَ المُتونِ المَوصولةِ بلا تَكريرٍ على التَّحريرِ: ألفَا حديثٍ وسِتُّمِائةِ حَديثٍ وحَديثانِ … » ثمَّ قال: «فجميعُ ما في الكِتابِ على هذا بالمُكرَّرِ (٩٠٨٢) حديثًا، وهذه العِدَّةُ خارِجةٌ عنِ المَوقوفاتِ على الصَّحابةِ والمَقطوعاتِ عنِ التَّابِعين فمَن بَعدَهم»، وقَولُه: (بِلا تَكْرِيرِ) أي: حالَ كَونِ ما ذُكِر بدونِ ذِكْرِ المُكرَّرِ، وأمَّا مع المُكرَّرِ فجُملَتُه -كما قال الحافِظُ أيضًا- من غيرِ المُعلَّقاتِ والمُتابَعاتِ: سَبعةُ آلافٍ وثَلاثُمِائةٍ وسَبعةٍ وتِسعون حَديثًا. ٥٤ - [وَمُسْلِمٍ أَرْبَعَةُ الآلافِ] … وَفِيهِمَا التَّكْرَارُ جَمًّا وَافِ [٥٤] (وَمُسْلِمٍ) أي: وعِدَّةُ أحاديثِ «صَحيحِ مُسلمٍ» (أَرْبَعَةُ الآلافِ) بإدخالِ «ألْ» على «آلافٍ»، وهو لغةٌ لا ضَرورةٌ، (وَفِيهِمَا) أيِ: «الصَّحِيحين» (التَّكْرَارُ) أي: تَكرارُ الحَديثِ الواحِدِ مرَّتينِ فصاعدًا لفائدةٍ إسنادِيةٍ، أو مَتْنيَّةٍ (جَمًّا) أي: حالَ كونِ التَّكرارِ كثيرًا، والْجَمُّ: الشيءُ الكثيرُ، (وَافِ) أي: كثيرٌ، والمعنى: أن التَّكرارَ في الكِتابَينِ كثيرٌ جدًّا، وقد عَلِمتَ

стр. 124

عِدَّةَ المُكرَّراتِ في «البُخارِي»، وأمَّا في «صحيحِ مُسلمٍ»؛ فقد قال العِراقيُّ: «إنَّه يَزيدُ على البُخاريِّ؛ لكَثرَةِ طُرقِه، قال: وقد رأيتُ عن أبي الفضلِ أحمدَ بنِ سَلمةَ: إنَّه اثنا عَشَرَ ألفًا، وقال المَيَانِجِيُّ: ثَمانيةُ آلافٍ. ٥٥ - مِنَ الصَّحِيحِ فَوَّتَا كَثِيرِا … وَقَالَ نَجْلُ أَخْرَمٍ: يَسِيرًا [٥٥] (مِنَ الصَّحِيحِ) أي: الحديثِ الصَّحِيحِ (فَوَّتَا) بتشديدِ الواوِ، والألفُ والضميرٌ عائدٌ على البخاريِّ ومسلمٍ، أي: تَرَكَا (كَثِيرِا) أي: شيئًا، أو تَفويتًا كثيرًا، والمعنى: أن البُخاريَّ ومسلمًا -رحمهما الله- تَرَكَا تخريجَ أحاديثَ صَحيحةٍ كثيرةٍ؛ فلم يَذكُراهَا في كِتابَيهِما؛ وذلك لأنَّهُما لم يَستوعِبَا ذِكْرَ الصَّحِيحِ، ولا الْتَزَماه، (وَقَالَ) الحافِظُ أبو عبدِ اللهِ (نَجْلُ أَخْرَمٍ) بالصَّرفِ للضَّرورةِ، أي: ولدُ الأخرمِ بالخاءِ المُعجَمةِ والرَّاءِ المُهمَلةِ، هو مُحمَّد بنُ يَعقوبَ بنِ الأخرَمِ الشَّيبانيُّ، المَعروفُ أبوه بابنِ الكِرْمانيِّ، وهو شيخُ أبي عبدِ اللهِ الحاكِمِ (يَسِيرًا) أي: تَرَك الشَّيخانِ قَليلًا منَ الأحاديثِ الصِّحاحِ.

стр. 125

٥٦ - [مُرَادُهُ أَعَلَى الصَّحِيحِ فَاحْمِلِ … أَخْذًا مِنَ الحَاكِمِ أَيْ فِي المَدْخَلِ] [٥٦] (مُرَادُهُ) مبتدأٌ، أي: مَقصودُ ابنِ الأخرَمِ بقَولِه: لم يَفُتْهُما إلَّا القليلُ (أَعَلَى الصَّحِيحِ) خبرُ المبتدَأِ، أيِ: الحَديثِ الذي في الدَّرجةِ العُلْيا منَ الصِّحَّةِ، فكأنَّه قال: لم يَفُتْهُما من أصحِّ الصَّحِيحِ إلَّا القليلُ، (فَاحْمِلِ) عليه -أيُّها الطَّالبُ الماهِرُ، والمُحقِّقُ الباهِرُ- مرادَ ابنِ الأخرمِ، (أَخْذًا) أي: حالَ كَونِك آخذًا هذا الجوابَ (مِنَ) كلامِ (الحَاكِمِ) أبي عبدِ اللهِ مُحمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ النَّيسابوريِّ، المَعروفِ بابنِ البَيِّعِ (أَيْ) تَفسيرُه (فِي) كتابِه المُسمَّى بـ («المَدْخَلِ) إلى كتاب الإكليل»، والمعنى: أنَّ مرادَ ابنِ الأخرمِ ﵀ في قَولِه: «ما فاتَهما إلَّا القليلُ» هو أصحُّ الصَّحِيحِ؛ لأنَّ الصَّحِيحَ مراتِبُ، وهذا الجَوابُ مأخوذٌ من تقسيمِ الحافِظِ أبي عبدِ اللهِ الحاكِمِ للحديثِ الصَّحِيحِ في كتابِه «المَدخَلِ» إلى عَشَرةِ أقسامٍ؛ فذَكَر منها في القسمِ الأوَّلِ الذي هو الدرجةُ الأولى اختيارَ الشَّيخَينِ … إلى آخِرِ الأقسامِ التي ذَكَرها، فتبيَّنَّا أنَّ ما فاتَهُما من هذا النَّوعِ قليلٌ، لا كثيرٌ؛ فحصَل الجوابُ، وللَّهِ الحمدُ.

стр. 126

٥٧ - النَّوَوِيْ: لَمْ يَفُتِ الخَمْسَةَ مِنْ … مَا صَحَّ إِلاَّ النَّزْرُ فاقْبَلْهُ وَدِنْ ٥٨ - وَاحْمِلْ مَقَالَ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ … أَحْوِي عَلَى مُكَرَّرٍ وَوَقْفِ [٥٧] (النَّوَوِيْ) أي: قال النَّوويُّ: (لَمْ يَفُتِ) الأُصولَ (الخَمْسَةَ) أي: «الصَّحِيحينِ»، و «سننِ أبي داودَ، و «التِّرمذيِّ»، و «النَّسائيِّ» (ممَا صَحَّ) أي: منَ الحديثِ الذي صحَّ (إِلاَّ النَّزْرُ) أيِ: الشيءُ القليلُ. والمعنى: أنَّ الإمامَ النَّوويَّ ﵀ قال: «إنَّه لم يَفُتِ الأصولَ الخمسةَ إلَّا اليسيرُ»، قال النَّاظِمُ ﵀ مُقرِّرًا لقَولِه وراضيًا له-: (فاقْبَلْهُ) أيُّها الطَّالِبُ الذَّكِيُّ والرَّاغِبُ الألمَعِيُّ؛ لكَونِه صوابًا، (وَدِنْ) بالكسرِ فِعلُ أمرٍ مِن دانَه يَدِينُه، بمعنى: أَطَاعَه أو جَازَاهُ، أي: أَطِعْه في هذا القَولِ، ولا تَعتَرِضْ عليه، أو جازِهِ بالشُّكرِ والدُّعاءِ له؛ لكَونِه أفادَك عِلمًا. ولمَّا كان يَتوجَّهُ على قَولِه اعتِراضٌ بقَولِ البُخاريِّ ﵀: «أحفَظُ مِائةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومِائتيْ ألفِ حديثٍ غيرِ صَحيحٍ»؛ فإنَّه يدلُّ على كَثرةِ ما فات الأُصولَ الخَمسةِ منَ الصَّحِيحِ؛ لقلةِ أَحَاديثِهَا - أجابَ عنه النَّاظِمُ بقَولِه: [٥٨] (وَاحْمِلْ) أيُّها الطَّالِبُ الرَّاغِبُ (مَقَالَ) أي: قولَ الإمامِ البخاريِّ:

стр. 127

(عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ) أي: مِائةُ ألفٍ (أَحْوِي) أي: أحفَظُ (عَلَى مُكَرَّرٍ) أي: على الحديثِ الذي يَتكرَّرُ إسناده (وَوَقْفِ) أي: مَوقوفٍ على الصَّحابةِ والتَّابعين. ثمَّ ذَكَر ما يُعرَفُ به الحَديثُ الصَّحِيحُ الزَّائدُ على «الصَّحِيحَينِ؛ فقال: ٥٩ - وَخُذْهُ حَيْثُ حَافِظٌ عَلَيْهِ نَصْ … وَمِنْ مُصَنَّفٍ بِجَمْعِهِ يُخَصْ ٦٠ - كَابْنِ خُزَيْمَةَ [وَيتْلُو مُسْلِمَا … وَأَوْلِهِ] البُسْتِيَّ [ثُمَّ] الحَاكِمَا [٥٩] (وَخُذْهُ) أي: الحَديثَ الصَّحِيحَ الزَّائدَ عَلَيهِما (حَيْثُ حَافِظٌ) من حُفَّاظِ الحديثِ النبويِّ (عَلَيْهِ) أي: على صِحَّتِه (نَصْ) أي: عَيَّنَهُ، وأوضَحَه، كأبي داوُدَ، والتِّرمذيِّ، والدَّارَقطنيِّ، وغَيرِهم (وَ) خُذْهُ أيضًا (مِنْ) كتابٍ (مُصَنَّفٍ) بفتحِ النُّونِ (بِجَمْعِهِ) أي: جَمعِ الصَّحِيحِ، مُتعلِّقٌ بـ (يُخَصْ) أيِ: الكُتبِ التي تَختَصُّ بجَمعِ الصَّحِيحِ الذي لم يَختلِطْ بغَيرِه. [٦٠] (كَـ) صحيحِ الإمامِ الحافِظِ أبي بَكرٍ مُحمَّدِ بنِ إسحاقَ (ابْنِ خُزَيْمَةَ) بنِ المُغيرةِ السُّلَميِّ النَّيسابُوريِّ، (وَيتْلُو) أي: «صحيحُهُ» في الرُّتبةِ (مُسْلِمَا) أي: «صَحيحَهُ»، (وَأَوْلِهِ) أي: أَتْبِعْ «صحيحَ ابنِ خُزيمةَ» في الرُّتبةِ

стр. 128

(البُسْتِيَّ) أي: «صَحيحَهُ»، وهو الحافِظُ أبو حاتِمٍ مُحمَّدُ بنُ حِبَّانَ بنِ أحمَدَ بنِ حِبَّانَ بنِ مُعاذٍ التميميُّ، (ثُمَّ) أَوْلِ البُستيَّ في الرُّتبةِ، (الحَاكِمَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: كتابَه المُسمَّى بـ «المُستدرَكِ»، ولمَّا كان كتابُه -مع ذلك- وَقَع فيه تَساهُلٌ كبيرٌ - نَبَّه عليه بقَولِه: ٦١ - وَكَمْ بِهِ تَسَاهُلٌ [حَتَى وَرَدْ … فِيهِ مَناكِرُ وَمَوْضُوعٌ يُرَدْ] ٦٢ - وَابْنُ الصَّلاحِ قَالَ: مَا تَفَرَّدَا … فَحَسَنٌ إِلاَّ لِضَعْفٍ فَارْدُدَا [٦١] (وَكَمْ) أي: عددٌ كثيرٌ (بِهِ) أي: في كتابِه (تَسَاهُلٌ) أي: تَغافُلٌ في التَّصحيحِ؛ (حَتَى وَرَدْ) غايةٌ لتَساهُلِه في التَّصحيحِ (فِيهِ) أيِ: «المُستدرَكِ» (مَناكِرُ) أي: واهِياتٌ لا تَصِحُّ، (وَمَوْضُوعٌ) أي: مَكذوبٌ (يُرَدْ) أي: مَردودٌ صِفةٌ لـ «موضوعٌ»، ثم ذَكَرَ ما قالَه الإمامُ ابنُ الصَّلاحِ في شأنِ ما تفرَّد الحاكِمُ بتَصحيحِه؛ فقال: [٦٢] (وَ) الإمامُ الحافِظُ أبو عَمرٍو عُثمانُ (ابْنُ الصَّلاحِ قَالَ) في شأنِ الحاكِمِ: (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (تَفَرَّدَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: الحاكِمُ

стр. 129

بتَصحيحِه (فَـ) هو حديثٌ (حَسَنٌ) للعملِ به، والاحتجاجِ، (إِلاَّ لِضَعْفٍ) أي: إلَّا أن يظهَرَ ضَعْفُه؛ فإذا كان كذلك (فَارْدُدَا)، وإنَّما قال ذلك. ٦٣ - جَرْيًا عَلَى امْتِناعِ أَنْ يُصَحَّحَا … فِي عَصْرِنَا كَمَا إِلَيْهِ جَنَحَا ٦٤ - وَغَيْرُهُ جَوَّزَهُ [وَهْوَ الأَبَرْ] … فَاحْكُمْ هُنَا بِمَا لَهُ أَدَّى النَّظَرْ [٦٣] (جَرْيًا) أي: لأَجلِ جَرْيِه (عَلَى) رأيِ (امْتِناعِ أَنْ يُصَحَّحَا)، وكذا أن يُحَسَّنَ، أو يُضَعَّفَ (فِي عَصْرِنَا) المتأخِّرِ؛ لضَعفِ أهلِيَّةِ أهلِ هذه الأزمانِ، وقَولُه: (كَمَا إِلَيْهِ) أي: إلى هذا الرأيِ (جَنَحَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: مالَ ابنُ الصلاحِ، واعتمَدَه، مؤكِّدٌ لِمَا قَبْلَه. والمعنى: أنَّ ابنَ الصَّلاحِ إنَّما حَكَم بكَونِ ما تَفرَّد بتَصحيحِه الحاكِمُ حَسَنًا، لأجلِ كَونِه جاريًا على مَنعِ الاستِقلالِ بإدراكِ الصَّحِيحِ، وكذا الحَسنُ، والضَّعِيفُ -كما تُفيدُه عِبارةُ «التَّدريبِ» - في هذه الأعصارِ المتأخِّرةِ؛ لضَعفِ أهلِها عن ذلك، ثم أشار النَّاظِمُ إلى ردِّ رأيِ ابنِ الصَّلاحِ هذا بقَولِه: [٦٤] (وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ الصَّلاحِ -كالإِمامِ النوويِّ- (جَوَّزَهُ) أيِ: التَّصحيحَ، وكذا التَّحسينُ، والتَّضعيفُ، لِمَن تمكَّن وقَوِيَت مَعرِفَتُه، (وَهْوَ)

стр. 130

أي: القَولُ هذا (الأَبَرْ) أيِ: الأحسَنُ والأرجَحُ؛ (فَاحْكُمْ) أي: فإذا كان كذلك فاحكُمْ -أيُّها المتأهِّلُ لذلك- في الحديثِ (هُنَا) أي: فيما انفرَدَ بتَصحيحِه الحاكِمُ (بِمَا لَهُ أَدَّى النَّظَرْ)، أي: بالحُكمِ الذي أدَّى إليه نَظَرُك واجتِهادُك منَ الصِّحَّةِ، أوِ الحُسنِ، أوِ الضَّعفِ. ٦٥ - [مَا سَاهَلَ البُسْتِيُّ فِي كِتَابِهِ … بَلْ شَرْطُهُ خَفَّ وَقَدْ وَفَّى بِهِ] ٦٦ - وَاسْتَخْرَجُوا عَلَى الصَّحِيحَيْنِ [بِأَنْ … يَرْوِي أَحَادِيثَ كِتَابٍ حَيْثُ عَنْ [٦٥] (مَا) نافيةٌ (سَاهَلَ) أي: تَساهَلَ الإمامُ الحافِظُ مُحمَّدُ بنُ حِبَّانَ (البُسْتِيُّ) بضمِّ فسُكونٍ نِسبةٌ إلى بلدٍ بسِجِسْتانَ، في التَّصحيحِ (فِي كِتَابِهِ) «الأنواعِ والتقاسيمِ»، (بَلْ شَرْطُهُ) أي: البُستيِّ (خَفَّ) أي: قَلَّ، بخلافِ شرطِ غيرِه من الأئمةِ، (وَقَدْ وَفَّى) البُسْتِيُّ (بِهِ) أي: بما اشتَرَطه، وغايَتُه: أنه يُخْرِج في كِتابِه المَذكورِ ما كان راوِيه ثِقةً، غيرَ مُدلِّسٍ، سَمِعَ من شَيخِه، وسَمِع منه الآخِذُ عنه، ولا يكونُ هناك إرسالٌ، ولا انقِطاعٌ، وإذا لم يَكُنْ في الراوي جَرحٌ، ولا تَعديلٌ، وكُلٌّ من شَيخِه والرَّاوي عنه ثقةٌ، ولم يأتِ بحَديثٍ مُنكَرٍ - فهو عِندَه ثقةٌ، ثم تكلَّم على الكُتبِ المُستخرَجةِ على

стр. 131

«الصَّحِيحينِ بقَولِه: [٦٦] (وَاسْتَخْرَجُوا) أيِ: العُلماءُ (عَلَى الصَّحِيحَيْنِ) «صحيحِ البخاريِّ ومسلمٍ» (بِأَنْ يَرْوِي) الباءُ للتَّصويرِ، أي: يَذكُرَ المُستخرِجُ (أَحَادِيثَ كِتَابٍ)، وإنَّما نكَّره، وإنْ كان الأولَى كونَه مُعَرَّفًا؛ ليُفيدَ أنَّ هذا الحُكمَ غيرُ مُختَصٍّ بهذَينِ الكتابَينِ؛ (حَيْثُ عَنْ) بتَشديدِ النُّونِ، وخُفِّفَت هنا للوَزنِ، أي: ظهَر المَذكورُ منَ الأحاديثِ. ٦٧ - لا مِنْ طَرِيقِ مَنْ إِلَيْهِ عَمَدَا … مُجْتَمِعًا فِي شَيْخِهِ فَصَاعِدَا] ٦٨ - فَرُبَّمَا تَفَاوَتَتْ مَعْنًى، وَفِي … لَفْظٍ كَثِيرًا، فَاجْتَنِبْ أَنْ تُضِفِ [٦٧] (لا) أي: يروي من طَريقِ نَفسِه، لا (مِنْ طَرِيقِ مَنْ) أيِ: الشخصِ الذي (إِلَيْهِ عَمَدَا)، أي: قَصَده لِاستِخراجِ أحاديثِه، والضميرُ عائدٌ إلى الرَّاوي، أيِ: المُستخرِجُ حالَ كونِه (مُجْتَمِعًا) مع صاحِبِ الكتابِ في الإسنادِ (فِي شَيْخِهِ) أي: مع شيخِ صاحِبِ الكتابِ، (فَصَاعِدَا) أي: فما فوقَ الشَّيخِ، كشيخِ الشَّيخِ، ثمَّ إنَّ المُستخرَجاتِ لم يُلتَزَم فيها موافقةُ الصَّحِيحينِ في الألفاظِ، وإليه أشار بقَولِه:

стр. 132

[٦٨] (فَرُبَّمَا تَفَاوَتَتْ) المستخرَجاتُ والمستخرَجُ عليها (مَعْنًى) أي: في المعنى، وهذا قليلٌ (وَفِي لَفْظٍ كَثِيرًا) أي: تفاوَتَت في لفظٍ تَفَاوُتًا كثيرًا؛ لأنَّهم يَرْوُونَهَا بالألفاظِ التي وَقَعت لهم من شُيوخِهم، (فَاجْتَنِبْ) أيُّها المُحدِّثُ (أَنْ تُضِفِ) أي: تَنسُبَ. ٦٩ - إِلَيْهِمَا، وَمَنْ عَزَا أَرَادَا … بِذَلِكَ الأَصْلَ [وَمَا أَجَادَا] ٧٠ - وَاحْكُمْ بِصِحَّةٍ لِمَا يَزِيدُ … فَهْوَ مَعَ العُلُوِ ذَا يُفِيدُ [٦٩] (إِلَيْهِمَا) أي: «الصَّحيحينِ»، (وَمَنْ) شرطيَّةٌ (عَزَا) منَ المُحدِّثين كالبيهقيِّ في «السُّننِ»، والبَغويِّ في «شرحِ السُّنةِ» إلى «الصَّحيحَينِ» قائلًا: رواه البخاريُّ أو مسلمٌ، مع أنه قد وَقَع في بعضِه تفاوُتٌ في المعنى، أو في اللفظِ (أَرَادَا) جوابُ «من» والألِفُ للإطلاقِ (بِذَلِكَ) أي: العَزْوِ المذكورِ (الأَصْلَ) أي: أصْلَ الحديثِ الذي أورَدَه، دون اللفظِ، (وَمَا أَجَادَا) بألفِ الإطلاقِ أيضًا، أي: ما أحسَنَ في صَنيعِه هذا. ولَمَّا ذَكَر المُستخرَجاتِ وحُكمَ العزو إلى «الصَّحِيحَينِ» لمن نَقَل عنها - شَرَع يَذكُرُ فَوائدَها، وهي كثيرةٌ أوصَلَها الحافِظُ إلى عَشَرةٍ؛ فذَكَر منها هنا ثَمانِيةً بقَولِه:

стр. 133

الأولى: صِحَّةُ الزِّيادةِ، وإليها أشار بقَولِه: [٧٠] (وَاحْكُمْ) أيُّها المُحدِّثُ (بِصِحَّةٍ لِمَا يَزِيدُ)، أي: للَّذي يَزيدُه المُستخرِجُ -بكسرِ الراءِ- في المُستخرَجاتِ -بفَتحِها- من ألفاظٍ؛ لأنَّها خارجةٌ من مَخرجِ الصَّحيحِ. والثانيةُ: العُلُوُّ، وأشار إليها بقَولِه: (فَهْوَ) أي: المُستخرَجُ (مَعَ العُلُوِ) أي: عُلُوِّ الإسنادِ (ذَا) أي: المَذكورَ من الصِّحَّةِ (يُفِيدُ) الحُكمَ بصِحَّةِ الزِّيادةِ مع إفادتِه العُلُوَّ؛ إذ قد تكونُ الرِّوايةُ المُستخرَجةٌ أعلى إسنادًا. مِثالُه: أنَّ أبا نُعيمٍ لو روى حديثًا عن عبدِ الرَّزاقِ من طريقِ البخاريِّ أو مسلمٍ، لم يَصِلْ إليه إلا بأربعةٍ، ولو رواه عن طريقِ الطَّبرانيِّ، عنِ الدَّبَرِي، عنه وصَل باثنينِ، وعلى هاتَينِ الفائدَتينِ اقتَصَر ابنُ الصَّلاحِ، وتَبِعَه العراقيُّ. ٧١ - [وَكَثْرَةَ الطُّرْقِ وَتَبْيِينَ الَّذِي … أُبْهِمَ أَوْ أُهْمِلَ أَوْ سَمَاعَ ذِي [٧١] الثالثةُ: ما أشار إليه بقَولِه: (وَكَثْرَةَ الطُّرْقِ) بسُكونِ الرَّاءِ للتَّخفيفِ: جمعُ طريقٍ، أي: يُفيدُ أيضًا كَثْرةَ الأسانيدِ؛ بأن يَضُمَّ المستخرِجُ -بالكسرِ شخصًا آخرَ فأكثَرَ، مع الذي حدَّث عنه مصنِّفُ الصَّحِيح، فيحصُلَ قوَّةُ الحديثِ المستخرَجِ، والمستخرَجِ عليه؛ فإذا تعارَضتِ الأحاديثُ رُجِّح أكثرُها طُرُقًا.

стр. 134

الرابعةُ: ما أشار إليها بقولِه: (وَتَبْيِينَ الَّذِي أُبْهِمَ) يَعني: تبيينَ المُستخرِجِ -بالكسر- الروايَ الذي أبهَمَه صاحِبُ الصَّحِيحِ، كحدَّثنا فلانٌ، أو رجلٌ؛ فيُعيِّنَه المُستخرِجُ. والخامسةُ: ما ذَكَرها بقَولِه: (أَوْ) تبيينَ الذي (أُهْمِلَ) في الصَّحيحِ، كحدَّثني مُحمَّدٌ، فيُميِّزَه المُستخرِجُ أيضًا. والسادسةُ: ما أشار إليها بقَولِه: (أَوْ سَمَاعِ) أي: تبيِينَ سماعِ (ذِي تَدْلِيسٍ) أي: مُدلِّسٍ، فيُبيِّنُ المُستخرِجُ تَصريحَه بالسَّماعِ. ٧٢ - تَدْلِيسٍ أوْ مُخْتَلِطٍ وَكُلُّ مَا … أُعِلَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْهُ سَلِمَا] [٧٢] والسابعةُ: ما أشار إليها بقَولِه: (أوْ مُخْتَلِطٍ) أي: تبيينَ رِوايةِ مُختلِطٍ بكَونِها قبْلَ اختِلاطِه. والثامنةُ: ما أشار إليها بقولِه: (وَكُلُّ مَا) أيِ: الذي (أُعِلَّ) به حديثٌ (فِي الصَّحِيحِ) أي: صحيحِ البخاريِّ أو مسلمٍ (مِنْهُ) أي: ممَّا أُعِلَّ به (سَلِمَا) بألفِ الإطلاقِ، والمعنى: وكلُّ حديثٍ أُعِلَّ، أي: حَصَلت فيه علةٌ في الصَّحيحِ سَلِمَ المستخرَجُ منه.

стр. 135

خاتمة ٧٣ - لِأَخْذِ مَتْنٍ مِنْ مُصَنَّفٍ يَجِبْ … عَرْضٌ عَلَى أَصْلٍ، وَعِدَّةٍ نُدِبْ ٧٤ - وَمَنْ لِنَقْلٍ فِي الحَدِيثِ شَرَطَا … رِوَايَةً وَلَوْ مُجَازًا [غُلِّطَا] [٧٣] (لِأَخْذِ مَتْنٍ) أي: حديثٍ (مِنْ مُصَنَّفٍ) بفَتحِ النونِ، أي: من كتابٍ من الكتبِ المعتمَدةِ، كالبخاريِّ ومسلمٍ، ممَّا اشتُهِرَ وصحَّ لِيَعْمَلَ، أو يَحْتَجَّ به لذي مذهبٍ، (يَجِبْ عَرْضٌ) أي: تَجِبُ مُقابلةُ ذلك المصنَّفِ (عَلَى أَصْلٍ) واحِدٍ محَقَّقٍ، معتمَدٍ، متعلِّق بِـ «عَرْضٍ»، (وَعِدَّةٍ) أي: نُسَخٍ عِدَّةٍ، أي: متعدِّدةٍ، (نُدِبْ)، ومعنى البيتِ: أنَّ مَن أرادَ الاحتِجاجَ، أوِ العملَ بحديثٍ من كتابٍ منَ الكُتبِ المُعتمَدةِ، وَجَب عليه أن يُقاِبَله على أصلٍ واحِدٍ مُحقَّق مُعْتَمَدٍ، واستُحِبَّ أن يُقاِبِلَه على أُصولٍ مُتعدِّدةٍ. [٧٤] (وَمَنْ) شَرطيةٌ (لِنَقْلٍ) متعلِّقٌ بـ «شَرَط» (فِي الحَدِيثِ) أي: كائِنٌ الحديثُ (شَرَطَا) بألفِ الإطلاقِ (رِوَايَةً) أي: نَقلًا عنِ الشُّيوخِ، (وَلَوْ) كان النقلُ على أقلِّ وُجوهِ الرِّواياتِ بأن يَكونَ (مُجَازًا) بالضَّمِّ (غُلِّطَا) أي: نُسِب

стр. 136

قولُه هذا إلى الغَلَطِ، ومعنى البيت: أنَّ مَن شَرَطَ لروايةِ الحديثِ النقلَ عنِ الشَّيخِ ولو بالإجازةِ غُلِّطَ في قولِه هذا، وهذا المشتَرِطُ هو بَعضُ المحدِّثين، ومنهم أبو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ خيرِ بنِ عُمرَ الأُمويُّ الإشبيليُّ.

стр. 137

الحسن وهو النوع الثاني من أنواع علوم الحديث: ٧٥ - المُرْتَضَى فِي حَدِّهِ مَا اتَّصَلا … بِنَقْلِ عَدْلٍ قَلَّ ضَبْطُهُ وَلا ٧٦ - شَذَّ وَلا عُلِّلَ [وَلْيُرَتَّبِ … مَرَاتِبًا] والِاحْتِجَاجِ يَجْتَبِي [٧٥] (المُرْتَضَى) أي: القَولُ المَرضيُّ منَ الأقوالِ التي ذُكِرت (فِي حَدِّهِ) أي: تعريفِ الحَسَنِ: ما قاله شيخُ الإسلامِ تقيُّ الدينِ الشُّمُنِّيُّ بضمِّ الشينِ وتشديدِ النونِ، وهو: (مَا اتَّصَلا) بألفِ الإطلاقِ، أي: خبرٌ متَّصلٌ سندُه (بِنَقْلِ عَدْلٍ) أي: مع عدالةِ الناقلِ (قَلَّ ضَبْطُهُ) أي: قليلُ الضبطِ صَدرًا، أو كتابةً (وَلا). [٧٦] (شَذَّ) أي: وليس حديثًا شاذًّا (وَلا عُلِّلَ) أي: وليس مُعلَّلًا بعلةٍ قادِحةٍ، ثمَّ أشار إلى أنَّ للحسَنِ مراتبَ كالصحيحِ؛ فقال: (وَلْيُرَتَّبِ) أي: الحَسَنُ (مَرَاتِبًا) بالصَّرفِ للضَّرورةِ، أي: على مراتِبَ … ثمَّ ذَكَر حُكْمَه؛ فقال: (والاِحْتِجَاجِ) أي: جَعْلَ الحديثِ الحسنِ حُجةً في الأحكامِ وغيرِها (يَجْتَبِي).

стр. 138

٧٧ - اَلْفُقَهَا وَجُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ … فَإِنْ أَتَى مِنْ طُرْقٍ أُخْرَى يَنْمِي ٧٨ - إِلَى الصَّحِيحِ، أَيْ لِغَيْرِهِ، كَمَا … يَرْقَى إِلَى الحُسْنِ الَّذِي قَدْ وُسِمَا ٧٩ - ضَعْفًا لِسُوءِ الحِفْظِ [أَوْ إِرْسَالٍ أْوْ … تَدْلِيسٍ أْوْ جَهَالَةٍ] إِذَا رَأَوْا [٧٧] (اَلْفُقَهَا) أي: يختارُه الفُقَهاءُ، (وَجُلُّ) أي: مُعظَمُ (أَهْلِ الْعِلْمِ) منَ المُحدِّثين والأُصوليِّين؛ (فَإِنْ أَتَى) الخبَرُ الحسَنُ (مِنْ طُرْقٍ) بسُكونِ الراءِ: جمعُ طريقٍ (أُخْرَى) أي: من جهةٍ أخرى ولو واحدةً (يَنْمِي) يرتفِعُ من درجةِ الحُسنِ. [٧٨] (إِلَى) درجةِ (الصَّحِيحِ)، لكِنْ لمَّا كان الصحيحُ له قِسمانِ: صحيحٌ لذاتِه، وصحيحٌ لغَيرِه، والحَسنُ إنَّما يرتفِعُ إلى الصَّحيحِ لغيرِه - بَيَّن ذلك بـ «أيِ» التَّفسيريةِ؛ فقال: (أَيْ لِغَيْرِهِ) أيِ: الصَّحيحِ لغَيرِه، (كَمَا يَرْقَى) بسببِ المُتابعةِ (إِلَى) درجةِ ذِي (الحُسْنِ) -ويُسمَّى: الحَسَنَ لغَيرِه- الحديثُ (الَّذِي قَدْ وُسِمَا) أي: عُلِّمَ. [٧٩] (ضَعْفًا) أي: بضَعفٍ، يعني: أنَّه شُهِرَ بكَوِنه ضعيفًا (لـ) أجلِ

стр. 139

(سُوءِ الحِفْظِ) من رَاويهِ الصَّدوقِ؛ فإذا جاء من وجهٍ آخرَ زال ضَعْفُه (أَوْ) وُسِم بضَعفِه لأجلِ (إِرْسَالٍ) أي: كان ضَعْفُه لوُجودِ إرسالٍ في سَنَدِه؛ فإذا جاء من وجهٍ آخرَ فإنَّه يزولُ ضَعْفُه، ويَكونُ حَسَنًا لغيرِه، (أْوْ) كان ضَعفُه لأجلِ (تَدْلِيسٍ) مِن راويهِ، (أْوْ) ضُعِّفَ لأجلِ (جَهَالَةٍ) رجالِ الإسنادِ (إِذَا رَأَوْا) أي: المُحدِّثون. ٨٠ - مَجِيئَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَمَا … كَانَ لِفِسْقٍ اْوْ يُرَى مُتَّهَمَا ٨١ - [يَرْقَى عَنِ الإِنْكَارِ بِالتَّعَدُّدِ … بَلْ رُبَّمَا يَصِيرُ كَالَّذِي بُدِي [٨٠] (مَجِيئَهُ) أيِ: الحديثِ الذي وُسِمَ بالضَّعفِ (مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَمَا كَانَ) أي: الحديثِ الذي كان ضَعفُه (لِفِسْقٍ) في راويهِ، (اْوْ يُرَى) أي: يُظَنُّ راويهِ (مُتَّهَمَا) بالكذبِ. [٨١] (يَرْقَى عَنِ الإِنْكَارِ) أي: عن كونِه مُنكَرًا، أو لا أصلَ له (بِالتَّعَدُّدِ) أي: بسببِ تعدُّدِ طُرُقِه، (بَلْ رُبَّمَا) كثرةُ الطُّرقِ حتى أوصلَتْه إلى درجةِ المَستورِ والسيئِ الحفظِ؛ بحيثُ إذا وُجِد له طريقٌ آخَرَ (يَصِيرُ) بمَجموعِ ذلك (كَالَّذِي بُدِي) أي: كالحسنِ.

стр. 140

٨٢ - وَالْكُتُبُ الأَرْبَعُ ثَمَّتَ السُّنَنْ … لِلدَّارَقُطْنِيْ مِنْ مَظِنَّاتِ الحَسَنْ] ٨٣ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ كِتَابِهْ … ذَكَرْتُ مَا صَحَّ وَمَا يُشَابِهْ [٨٢] (وَالْكُتُبُ الأَرْبَعُ) التي هي السُّننُ الأربَعُ للأئمةِ الأربعةِ: أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيِّ، وابنِ ماجهْ (ثَمَّتَ) بمعنى الواوِ؛ لأنَّه لا ترتيبَ يُرادُ هنا، (السُّنَنْ) بالضَّمِّ: جَمعُ سنةٍ، وهي الطَّريقةُ (لِـ) لإمامِ شيخِ الإسلامِ حافِظِ الزمانِ، أبي الحسنِ عليِّ بنِ عُمرَ بنِ أحمدَ بنِ مهديٍّ البغداديِّ (الدَّارَقُطْنِيْ) بفتحِ الراءِ وضمِّ القافِ وسُكونِ الطاءِ: نسبةٌ إلى «دارَ قطن» مَحِلَّةٌ ببَغدادَ كبيرةٌ، (مِنْ مَظِنَّاتِ الحَسَنْ) جمْعُ «مظِنَّةٍ» بكَسرِ الظَّاءِ. [٨٣] (قَالَ) الإمامُ الحافِظُ الحُجَّةُ (أَبُو دَاوُدَ) سُلَيمانُ بنُ الأشعثِ بنِ إسحاقَ بنِ بَشيرِ بنِ شدَّادِ بنِ عمرٍو الأزديُّ السِّجِسْتانيُّ (عَنْ كِتَابِهْ) أي: مُبيِّنًا عن شأنِ كتابِه «السُّننِ»: (ذَكَرْتُ) فيه (مَا صَحَّ) أيِ: الحديثَ الصحيحَ (وَمَا يُشَابِهْ) أي: يشابِهُ الصحيحَ.

стр. 141

٨٤ - وَمَا بِهِ وَهْنٌ أَقُلْ وَحَيْثُ لا … فَصَالِحٌ، فَابْنُ الصَّلاحِ جَعَلا ٨٥ - مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ وَلا صَحَّ حَسَنْ … لَدَيْهِ [مَعْ جَوَازِ أَنَّهُ وَهَنْ] [٨٤] وقال أبو داودَ أيضًا: (وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (بِهِ) أي: فيه (وَهْنٌ) أي: ضعفٌ شديدٌ؛ فالتنوينُ للتعظيمِ (أَقُلْ) أي: أُبَيِّنُ، وجَزْمُه للضَّرورةِ، (وَحَيْثُ لا) أذكُرُ فيه شيئًا (فَـ) هو (صَالِحٌ) للاحتِجاجِ به، (فَا) لإمامُ أبو عمرِو (ابْنُ الصَّلاحِ) ﵀ (جَعَلا) بألفِ الإطلاقِ. [٨٥] (مَا) أيِ: الحديثَ الذي (لَمْ يُضَعِّفْهُ) أبو داودَ في «سُنَنِه»، (وَلا صَحَّ) عند غيرِه من المُعتمَدين الذين يُميِّزون بين الصحيحِ والحَسنِ: (حَسَنْ) وَقَف عليه بالسكونِ على لُغةِ رَبيعةَ، (لَدَيْهِ) أي: عندَ أبي داودَ (مَعْ) بسكونِ العينِ: لغةٌ في فتحِها (جَوَازِ) أي: احتمالِ (أَنَّهُ) أي: ما سَكَت هو عليه (وَهَنْ) بفتحِ الواوِ والهاءِ، أي: مع احتمالِ ضَعفِه عندَ غيرِه.

стр. 142

٨٦ - فَإِنْ يَقُلْ: قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ لَهْ … [قُلْنَا: احْتِيَاطًا حَسَنًا قَدْ جَعَلَهْ] ٨٧ - فَإِنْ يَقُلْ: فَمُسْلِمٌ يَقُولُ: لا … يَجْمَعُ جُمْلَةَ الصَّحِيحِ النُّبَلا [٨٦] (فَإِنْ يَقُلْ) أي: فإنْ قال قائلٌ معتَرِضًا على ابنِ الصلاحِ؛ كما أبداهُ ابنُ رُشَيدٍ: (قَدْ يَبْلُغُ) ما سَكَت عنه أبو داودَ (الصِّحَّةَ لَهْ) أي: لأبي داودَ، أي: عندَه، وإنْ لم يكُنْ صحيحًا عند غيرِه؛ فكيف يقتصِرُ ابنُ الصلاحِ على الحُكمِ بحُسْنِه فقطْ؟ (قُلْنَا) جوابًا على اعتِراضِه (احْتِيَاطًا) أي: لأجلِ احتِياطِه: (حَسَنًا قَدْ جَعَلَهْ) ابنُ الصلاحِ ﵀؛ إذ الصالِحُ للاحتِجاجِ لا يَخرُجُ عنِ الصَّحِيحِ والحسَنِ، ولا يَرتَقي إلى الصِّحَّةِ إلَّا بنصٍّ؛ وحينئذٍ فالاحتِياطُ الاقتِصارُ على الحُسنِ. [٨٧] (فَإِنْ يَقُلْ) أي: إنْ قال قائلٌ -معترضًا عليه، كما أبداه ابنُ سيِّدِ الناسِ اليَعمُريُّ-: (فَمُسْلِمٌ) صاحِبُ الصحيحِ (يَقُولُ) في «مُقدِّمةِ صَحيحِه» ما معناه: (لا يَجْمَعُ جُمْلَةَ) الحديثِ (الصَّحِيحِ) أي: كلَّ ما صحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ (النُّبَلا) بضمٍّ ففتحٍ: جمعُ نَبِيلٍ، وهو الذَّكاءُ والنَّجابةُ.

стр. 143

٨٨ - فَاحْتَاجَ أَنْ يَنْزِلَ لِلْمُصَدَّقِ … وَإِنْ يَكُنْ فِي حِفْظِهِ لا يَرْتَقِي ٨٩ - هَلاَّ قَضَى فِي الطَّبَقَاتِ الثَّانِيَهْ … بِالحُسْنِ مِثْلَ مَا قَضَى فِي المَاضِيَهْ [٨٨] (فَاحْتَاجَ) الإمامُ مسلمٌ (أَنْ يَنْزِلَ) أيِ: إلى النزولِ (لِلْمُصَدَّقِ) أي: لتخريجِ أحاديثِ الرجلِ المَنسوبِ إلى الصدقِ، (وَإِنْ يَكُنْ) ذلك المُصَدَّقُ (فِي حِفْظِهِ) وإتقانِه للحديثِ، متعلِّقٌ بقولِه: (لا يَرْتَقِي) إلى درجةِ أولئك النُّبَلاءِ. [٨٩] (هَلَّا قَضَى) ابنُ الصَّلاحِ (فِي) بمعنى «على»، أي: على أحاديثِ (الطَّبَقَاتِ الثَّانِيَهْ) وهي التي لا تَرتقي في الحفظِ إلى درجةِ النبلاءِ (بِالحُسْنِ مِثْلَ مَا قَضَى) أي: مثلَ قضائِه (فِي المَاضِيَهْ) أي: على الحالةِ الماضيةِ، وهي التي سَكَت عنها أبو داودَ. وحاصِلُ كلامِ المُعترِضِ: أنَّ عَمَلَ أبي داودَ شبيهٌ بعملِ مُسلمٍ؛ فهلَّا ألزَمَ الشيخُ ابنُ الصلاحِ مُسلِمًا من ذلك ما ألزَمَه أبا داودُ؛ لاتِّحادِ معنَى كلامَيهِما؟

стр. 144

٩٠ - [أَجِبْ بِأَنَّ مُسْلِمًا فِيهِ شَرَطْ … مَا صَحَّ فَامْنَعْ أَنْ لِذِي الحُسْنِ يُحَطْ] ٩١ - فِإِنْ يُقَلْ: فِي السُّنَنِ الصِّحَاحُ مَعْ … ضَعِيفِهَا وَالبَغَوِيُّ قَدْ جَمَعْ ٩٢ - مَصَابِحًا وَجَعَلَ الحِسَانَ مَا … فِي سُنَنٍ [قُلْنَا: اصْطِلاحٌ يُنْتَمَى] [٩٠] (أَجِبْ) أيُّها المُحدِّثُ (بِأَنَّ مُسْلِمًا) ﵀ (فِيهِ) أي: في كتابِه (شَرَطْ) أيِ: الْتزَمَ تخريجَ (مَا صَحَّ) من الحديثِ؛ (فَامْنَعْ) أيُّها النِّحْريرُ، الطَّالبُ للتَّحريرِ (أَنْ لِذِي الحُسْنِ) أي: لدرجةِ حديثِ صاحِبِ الحُسنِ، متعلِّقٌ بقَولِه: (يُحَطْ) أي: امنَعْ حَطَّ حديثِه إلى درجةِ الحديثِ الحَسَنِ. [٩١] (فِإِنْ يُقَلْ) أي: قال قائلٌ اعتِراضًا على صنيعِ البغويِّ (فِي السُّنَنِ) الأربعِ وأشباهِهَا (الصِّحَاحُ) بكسرِ الصادِ: جمعُ صحيحٍ، أيِ: الأحاديثُ الصحيحةُ، وكذا الحِسانُ (مَعْ ضَعِيفِهَا) أيِ: الأحاديثِ، بل وفيها المُنكَرُ أيضًا (وَالبَغَوِيُّ) مُحيِي السُّنَّةِ الفقيهُ المُجتهِدُ أبو مُحمَّد الحُسَينُ بنُ مَسعودِ بنِ مُحمَّدٍ الفَرَّاءُ (قَدْ جَمَعْ) كتابًا في الحديثِ سمَّاه. [٩٢] (مَصَابِحًا) بحذفِ الياءِ تخفيفًا؛ لأنَّه جَمْعُ مِصباحٍ، وهو السِّراجُ، واسمُ الكتابِ الكاملُ «مَصابيحُ السُّنَّةِ»، (و) قَسَّمَ أحاديثَه إلى صحاحٍ وحِسانٍ؛ فجَعَل الصِّحاحَ ما في «الصَّحِيحينِ»، أو أحدِهِما، (وَجَعَلَ الحِسَانَ مَا) أيِ:

стр. 145

الأحاديثَ التي (فِي سُنَنٍ) لأبي داودَ، والترمذيِّ، وأشباهِهِما؛ فَاعْتُرِضَ عليه في ذلك - (قُلْنَا) مُجيبِين عن هذا الِاعتراضِ: إنَّ هذا (اصْطِلاحٌ يُنْتَمَى) أي: يُنسَبُ إليه خاصَّةً في هذا الكتابِ. ٩٣ - يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ أَقْوَى مَا وَجَدْ … ثُمَّ الضَّعِيفَ حَيْثُ غَيْرَهُ فَقَدْ ٩٤ - وَالنَّسَئِي مَنْ لَمْ يَكُونُوا اتَّفَقُوا … تَرْكًا لَهُ [وَالآخِرُونَ ألْحَقُوا [٩٣] (يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ) في «سُنَنِه» (أَقْوَى مَا وَجَدْ) بالبناءِ للفاعِلِ، أي: أصحَّ ما وَجَبَ قَبولُه منَ الأحاديثِ إذا وَجَده، (ثُمَّ) يروي (الضَّعِيفَ) منها مِن قِبَلِ سوءِ حِفظِ راويهِ ونحوِ ذلك، لا مُطلَقَ الضَّعيفِ؛ (حَيْثُ غَيْرَهُ) أيِ: الضَّعيفَ (فَقَدْ) أي: حيثُ لم يَجِدِ الأقوَى المَذكورَ. ثم ذَكَر شرْطَ النسائيِّ في الأصلِ؛ فقال: [٩٤] (وَ) الإمامُ الحافظُ الحجةُ أبو عبدِ الرحمنِ أحمدُ بنُ شُعيبِ بنِ عليِّ بن سِنانِ بنِ بَحرٍ الخُراسانيُّ (النَّسَئِي) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ: نِسبةٌ إلى نَسَأٍ، وهي بَلدةٌ بخُراسانَ، كان ﵀ لا يَقتصِرُ في التَّخريجِ على المُتَّفقِ على قَبولِهم؛ بل يُخرِجُ حديثَ (مَنْ لَمْ يَكُونُوا) أي: أئمةُ الحديثِ (اتَّفَقُوا تَرْكًا لَهُ) أي: على تَركِه، (وَالآخِرُونَ) بكسرِ الخاءِ، أي: المُحدِّثون المُتأخِّرون عن زمانِ مَن جَعَل الأُصولَ خمسةً (ألْحَقُوا بِـ) الأصولِ.
следующие страницы →