← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 697

فتح رب البرية في تيسير قراءة الألفية

شعبان العودة

Полный текст (592 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٨٤ - وَمَا بِهِ وَهْنٌ أَقُلْ وَحَيْثُ لا … فَصَالِحٌ، فَابْنُ الصَّلاحِ جَعَلا ٨٥ - مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ وَلا صَحَّ حَسَنْ … لَدَيْهِ [مَعْ جَوَازِ أَنَّهُ وَهَنْ] [٨٤] وقال أبو داودَ أيضًا: (وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (بِهِ) أي: فيه (وَهْنٌ) أي: ضعفٌ شديدٌ؛ فالتنوينُ للتعظيمِ (أَقُلْ) أي: أُبَيِّنُ، وجَزْمُه للضَّرورةِ، (وَحَيْثُ لا) أذكُرُ فيه شيئًا (فَـ) هو (صَالِحٌ) للاحتِجاجِ به، (فَا) لإمامُ أبو عمرِو (ابْنُ الصَّلاحِ) ﵀ (جَعَلا) بألفِ الإطلاقِ. [٨٥] (مَا) أيِ: الحديثَ الذي (لَمْ يُضَعِّفْهُ) أبو داودَ في «سُنَنِه»، (وَلا صَحَّ) عند غيرِه من المُعتمَدين الذين يُميِّزون بين الصحيحِ والحَسنِ: (حَسَنْ) وَقَف عليه بالسكونِ على لُغةِ رَبيعةَ، (لَدَيْهِ) أي: عندَ أبي داودَ (مَعْ) بسكونِ العينِ: لغةٌ في فتحِها (جَوَازِ) أي: احتمالِ (أَنَّهُ) أي: ما سَكَت هو عليه (وَهَنْ) بفتحِ الواوِ والهاءِ، أي: مع احتمالِ ضَعفِه عندَ غيرِه.

стр. 142

٨٦ - فَإِنْ يَقُلْ: قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ لَهْ … [قُلْنَا: احْتِيَاطًا حَسَنًا قَدْ جَعَلَهْ] ٨٧ - فَإِنْ يَقُلْ: فَمُسْلِمٌ يَقُولُ: لا … يَجْمَعُ جُمْلَةَ الصَّحِيحِ النُّبَلا [٨٦] (فَإِنْ يَقُلْ) أي: فإنْ قال قائلٌ معتَرِضًا على ابنِ الصلاحِ؛ كما أبداهُ ابنُ رُشَيدٍ: (قَدْ يَبْلُغُ) ما سَكَت عنه أبو داودَ (الصِّحَّةَ لَهْ) أي: لأبي داودَ، أي: عندَه، وإنْ لم يكُنْ صحيحًا عند غيرِه؛ فكيف يقتصِرُ ابنُ الصلاحِ على الحُكمِ بحُسْنِه فقطْ؟ (قُلْنَا) جوابًا على اعتِراضِه (احْتِيَاطًا) أي: لأجلِ احتِياطِه: (حَسَنًا قَدْ جَعَلَهْ) ابنُ الصلاحِ ﵀؛ إذ الصالِحُ للاحتِجاجِ لا يَخرُجُ عنِ الصَّحِيحِ والحسَنِ، ولا يَرتَقي إلى الصِّحَّةِ إلَّا بنصٍّ؛ وحينئذٍ فالاحتِياطُ الاقتِصارُ على الحُسنِ. [٨٧] (فَإِنْ يَقُلْ) أي: إنْ قال قائلٌ -معترضًا عليه، كما أبداه ابنُ سيِّدِ الناسِ اليَعمُريُّ-: (فَمُسْلِمٌ) صاحِبُ الصحيحِ (يَقُولُ) في «مُقدِّمةِ صَحيحِه» ما معناه: (لا يَجْمَعُ جُمْلَةَ) الحديثِ (الصَّحِيحِ) أي: كلَّ ما صحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ (النُّبَلا) بضمٍّ ففتحٍ: جمعُ نَبِيلٍ، وهو الذَّكاءُ والنَّجابةُ.

стр. 143

٨٨ - فَاحْتَاجَ أَنْ يَنْزِلَ لِلْمُصَدَّقِ … وَإِنْ يَكُنْ فِي حِفْظِهِ لا يَرْتَقِي ٨٩ - هَلاَّ قَضَى فِي الطَّبَقَاتِ الثَّانِيَهْ … بِالحُسْنِ مِثْلَ مَا قَضَى فِي المَاضِيَهْ [٨٨] (فَاحْتَاجَ) الإمامُ مسلمٌ (أَنْ يَنْزِلَ) أيِ: إلى النزولِ (لِلْمُصَدَّقِ) أي: لتخريجِ أحاديثِ الرجلِ المَنسوبِ إلى الصدقِ، (وَإِنْ يَكُنْ) ذلك المُصَدَّقُ (فِي حِفْظِهِ) وإتقانِه للحديثِ، متعلِّقٌ بقولِه: (لا يَرْتَقِي) إلى درجةِ أولئك النُّبَلاءِ. [٨٩] (هَلَّا قَضَى) ابنُ الصَّلاحِ (فِي) بمعنى «على»، أي: على أحاديثِ (الطَّبَقَاتِ الثَّانِيَهْ) وهي التي لا تَرتقي في الحفظِ إلى درجةِ النبلاءِ (بِالحُسْنِ مِثْلَ مَا قَضَى) أي: مثلَ قضائِه (فِي المَاضِيَهْ) أي: على الحالةِ الماضيةِ، وهي التي سَكَت عنها أبو داودَ. وحاصِلُ كلامِ المُعترِضِ: أنَّ عَمَلَ أبي داودَ شبيهٌ بعملِ مُسلمٍ؛ فهلَّا ألزَمَ الشيخُ ابنُ الصلاحِ مُسلِمًا من ذلك ما ألزَمَه أبا داودُ؛ لاتِّحادِ معنَى كلامَيهِما؟

стр. 144

٩٠ - [أَجِبْ بِأَنَّ مُسْلِمًا فِيهِ شَرَطْ … مَا صَحَّ فَامْنَعْ أَنْ لِذِي الحُسْنِ يُحَطْ] ٩١ - فِإِنْ يُقَلْ: فِي السُّنَنِ الصِّحَاحُ مَعْ … ضَعِيفِهَا وَالبَغَوِيُّ قَدْ جَمَعْ ٩٢ - مَصَابِحًا وَجَعَلَ الحِسَانَ مَا … فِي سُنَنٍ [قُلْنَا: اصْطِلاحٌ يُنْتَمَى] [٩٠] (أَجِبْ) أيُّها المُحدِّثُ (بِأَنَّ مُسْلِمًا) ﵀ (فِيهِ) أي: في كتابِه (شَرَطْ) أيِ: الْتزَمَ تخريجَ (مَا صَحَّ) من الحديثِ؛ (فَامْنَعْ) أيُّها النِّحْريرُ، الطَّالبُ للتَّحريرِ (أَنْ لِذِي الحُسْنِ) أي: لدرجةِ حديثِ صاحِبِ الحُسنِ، متعلِّقٌ بقَولِه: (يُحَطْ) أي: امنَعْ حَطَّ حديثِه إلى درجةِ الحديثِ الحَسَنِ. [٩١] (فِإِنْ يُقَلْ) أي: قال قائلٌ اعتِراضًا على صنيعِ البغويِّ (فِي السُّنَنِ) الأربعِ وأشباهِهَا (الصِّحَاحُ) بكسرِ الصادِ: جمعُ صحيحٍ، أيِ: الأحاديثُ الصحيحةُ، وكذا الحِسانُ (مَعْ ضَعِيفِهَا) أيِ: الأحاديثِ، بل وفيها المُنكَرُ أيضًا (وَالبَغَوِيُّ) مُحيِي السُّنَّةِ الفقيهُ المُجتهِدُ أبو مُحمَّد الحُسَينُ بنُ مَسعودِ بنِ مُحمَّدٍ الفَرَّاءُ (قَدْ جَمَعْ) كتابًا في الحديثِ سمَّاه. [٩٢] (مَصَابِحًا) بحذفِ الياءِ تخفيفًا؛ لأنَّه جَمْعُ مِصباحٍ، وهو السِّراجُ، واسمُ الكتابِ الكاملُ «مَصابيحُ السُّنَّةِ»، (و) قَسَّمَ أحاديثَه إلى صحاحٍ وحِسانٍ؛ فجَعَل الصِّحاحَ ما في «الصَّحِيحينِ»، أو أحدِهِما، (وَجَعَلَ الحِسَانَ مَا) أيِ:

стр. 145

الأحاديثَ التي (فِي سُنَنٍ) لأبي داودَ، والترمذيِّ، وأشباهِهِما؛ فَاعْتُرِضَ عليه في ذلك - (قُلْنَا) مُجيبِين عن هذا الِاعتراضِ: إنَّ هذا (اصْطِلاحٌ يُنْتَمَى) أي: يُنسَبُ إليه خاصَّةً في هذا الكتابِ. ٩٣ - يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ أَقْوَى مَا وَجَدْ … ثُمَّ الضَّعِيفَ حَيْثُ غَيْرَهُ فَقَدْ ٩٤ - وَالنَّسَئِي مَنْ لَمْ يَكُونُوا اتَّفَقُوا … تَرْكًا لَهُ [وَالآخِرُونَ ألْحَقُوا [٩٣] (يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ) في «سُنَنِه» (أَقْوَى مَا وَجَدْ) بالبناءِ للفاعِلِ، أي: أصحَّ ما وَجَبَ قَبولُه منَ الأحاديثِ إذا وَجَده، (ثُمَّ) يروي (الضَّعِيفَ) منها مِن قِبَلِ سوءِ حِفظِ راويهِ ونحوِ ذلك، لا مُطلَقَ الضَّعيفِ؛ (حَيْثُ غَيْرَهُ) أيِ: الضَّعيفَ (فَقَدْ) أي: حيثُ لم يَجِدِ الأقوَى المَذكورَ. ثم ذَكَر شرْطَ النسائيِّ في الأصلِ؛ فقال: [٩٤] (وَ) الإمامُ الحافظُ الحجةُ أبو عبدِ الرحمنِ أحمدُ بنُ شُعيبِ بنِ عليِّ بن سِنانِ بنِ بَحرٍ الخُراسانيُّ (النَّسَئِي) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ: نِسبةٌ إلى نَسَأٍ، وهي بَلدةٌ بخُراسانَ، كان ﵀ لا يَقتصِرُ في التَّخريجِ على المُتَّفقِ على قَبولِهم؛ بل يُخرِجُ حديثَ (مَنْ لَمْ يَكُونُوا) أي: أئمةُ الحديثِ (اتَّفَقُوا تَرْكًا لَهُ) أي: على تَركِه، (وَالآخِرُونَ) بكسرِ الخاءِ، أي: المُحدِّثون المُتأخِّرون عن زمانِ مَن جَعَل الأُصولَ خمسةً (ألْحَقُوا بِـ) الأصولِ.

стр. 146

٩٥ - بِالْخَمْسَةِ ابْنَ مَاجَهٍ، قِيلَ: وَمَنْ … مَازَ بِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمُ وَهَنْ] ٩٦ - تَساهَلَ الَّذِي عَلَيْهَا أَطْلَقَا … صَحِيحَةً [وَالدَّارِمِيْ وَالْمُنْتَقَى] [٩٥] (الْخَمْسَةِ) الصَّحيحَينِ، و أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيِّ و (ابْنَ مَاجَهٍ) بسُكونِ الهاءِ وصلًا ووقْفًا، وَنَوَّنَهُ هنا للضرورةِ، أي: سُنَنَ الحافظِ أبي عبدِ الله مُحمَّدِ بنِ يزيدَ ابنِ ماجهْ القَزْوينيِّ الرَّبَعِيِّ، (قِيلَ: وَمَنْ مَازَ بِهِمْ) أيِ: الرواةُ الذين امتازَ بهم ابنُ ماجهْ عن غيرِه، أي: انفَرَد بإخراجِ أحاديثِهِم؛ (فَإِنَّ فِيهِمُ وَهَنْ) بفَتحَتَين، أي: ضَعْفًا، ثم ذَكَر تَساهُلَ مَن أطلَقَ على السُّننِ الصَّحيحةَ، فقال: [٩٦] (تَساهَلَ الَّذِي) أيِ: المُحدِّثُ الذي (عَلَيْهَا) أيِ: السُّنَنِ كُلِّها، أو بعضِها (أَطْلَقَا) بألفِ الإطلاقِ (صَحِيحَةً) أي: هذه الصيغةَ، كالحاكمِ، والخطيبِ؛ حيث أطلقَا الصِّحَّةَ على الترمذيِّ، وابنِ السَّكَنِ على كتابِ أبي داودَ والنسائيِّ، والحاكِمِ على أبي داودَ، وجماعةٍ -منهم أبو عليٍّ النَّيسابوريُّ، وأبو أحمَدَ بنِ عَدِيٍّ، والدَّارقُطنيِّ والخطيبِ- على كتابِ النسائيِّ، (وَ) كذا تساهَلَ مَن أطلَقَ اسمَ الصِّحةِ على كتابِ الحافظِ أبي مُحمَّدٍ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ (الدَّارِمِيْ) نسبةً إلى دارِمِ ابنِ مالكٍ، بطنٍ كبيرٍ من تميمٍ، (وَ) كذا تساهَلَ مَن أطلَقَ اسمَ الصَّحيحِ على كتابِ الإمامِ الحافِظِ أبي مُحمَّدٍ

стр. 147

عبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ الجارُودِ النَّيسابوريِّ المُجاوِرِ بمَكَّةَ، المُسمَّى بـ (الْمُنْتَقَى) في الأحكامِ. تنبيهٌ: يَحتمِلُ عطْفُ قولِه «والدَّارِمِي» و «المُنتقَى» على قَولِه: «ابنَ ماجَهٍ» أيْ: ألْحَقَ بعضُ المُتأخِّرين بالأصولِ الخمسةِ سننَ الدارمِيِّ، والمُنتقَى، وهو الذي ذَكَره الشارحُ التِّرمِسيُّ؛ لكِنَّ الأوَّلَ أوضَحُ. ولمَّا أنهى الكلامَ على السُّننِ شَرَع يُبيِّنُ دَرجةَ المَسانيدِ؛ فقال: ٩٧ - وَدُونَهَا مَسَانِدٌ [وَالْمُعْتَلِيْ … مِنْهَا الَّذِي لِأَحْمَدٍ وَالحَنْظَلِيْ] [٩٧] (وَدُونَهَا) أي: الأُصولِ الخمسةِ (مَسَانِدٌ) جمعُ مسندٍ، (وَالْمُعْتَلِيْ) أي: المُسندِ العالِي رتبةً (مِنْهَا) من تلك المسانيدِ (الَّذِي) أي: المُسندُ الذي (لـ) لإمامِ الحُجَّةِ أبي عبدِ اللهِ (أَحْمَدٍ) صُرِفَ للضرورةِ ابنِ مُحمَّدِ بنِ حَنبلٍ الشَّيبانيِّ، (وَ) المُسندُ الذي للحافِظِ الحُجَّةِ أبي يَعقوبَ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ بنِ مَخلَدِ بنِ إبراهيمَ بنِ مُطرِّفٍ المَعروفِ بابنِ رَاهَوَيهِ التَّميميِّ (الحَنْظَلِيْ) المَروَزيِّ النَّيسابُوريِّ.

стр. 148

مَسْأَلَةٌ ٩٨ - الحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالحُسْنِ عَلَى … مَتْنٍ رَواهُ التِّرْمِذِيْ، وَاسْتَشْكَلا ٩٩ - فَقِيلَ: يعْنِي اللُّغَوِي وَيَلْزَمُ … وَصْفُ الضَّعِيفِ وَهْوَ نُكْرٌ لَهُمُ [٩٨] (الحُكْمُ) مبتدأٌ خبرُه قولُه: «عَلَى متنٍ» … إلخ (بِالصِّحَّةِ وَالحُسْنِ) وكذا الغَرابةِ، وإنَّما لم يَذكُرْها لأنَّها لا تُنافي الصِّحَّةَ والحُسنَ، وقَولُه: (عَلَى مَتْنٍ)، أي: كائنٌ على متنٍ … إلخ (رَواهُ التِّرْمِذِيْ وَ) لكنَّ هذا الاستِعمالَ (اسْتَشْكَلا) والألفِ للإطلاقِ. ومعنى البيتِ: أنَّ الحُكمَ بالصِّحَّةِ والحُسنِ واقعٌ في كلامِ الإمامِ الترمذيِّ في «جامِعِه» في حديثٍ واحدٍ؛ حيثُ يقولُ: «هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ»، ولكنَّ هذا الاستِعمالَ مُستشكِلٌ قديمًا وحديثًا. [٩٩] (فَقِيلَ) في الجَوابِ عنه: (يعْنِي) أي: يُريدُ بالحسَنِ معناه (اللُّغَوِي)، وهو ما تَميلُ إليه النَّفسُ، وهذا القَولُ للإمامِ ابنِ الصَّلاحِ ﵀، (وَيَلْزَمُ) على هذا الجوابِ (وَصْفُ) الحديثِ (الضَّعِيفِ) بل والموضوعِ إذا كان حَسَنَ اللفظِ بأنَّه حسنٌ، (وَهْوَ) أي: الوصفُ المذكورُ (نُكْرٌ) بالضَّمِّ أي: منكرٌ (لَهُمُ) أي: عند المُحدِّثين، وهذا الرَّدُّ لابنِ دقيقِ العيدِ.

стр. 149

١٠٠ - وَقِيلَ: بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ السَّنَدْ … وَفِيهِ شَيْءٌ حَيْثُ وَصْفُ مَا انْفَرَدْ ١٠١ - وَقِيلَ: مَا تَلْقَاهُ يَحْوِي العُلْيَا … فَذَاكَ حَاوٍ أَبَدًا لِلدُّنْيَا [١٠٠] (وَقِيلَ) في الجوابِ أيضًا، وهو لابنِ الصلاحِ ﵀ أيضًا، وتَبِعه النوويُّ ﵀: (بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ السَّنَدْ) أيِ: الوصفُ بهذَينِ الوصفَينِ إنَّما يكونُ إذا تعدَّد السَّندُ؛ بأنْ رُوِيَ بإسنادَين أحدُهُما صحيحٌ، والآخَرُ حسنٌ، (وَفِيهِ) أي: في هذا الجوابِ (شَيْءٌ) منْ الاعتِراضِ؛ (حَيْثُ وَصْفُ مَا انْفَرَدْ) أي: حيث وُجِدَ وَصْفُ التِّرمذيِّ ﵀ لسندٍ مُنفَردٍ بالحُسنِ. وحاصلُ معنَى البيتِ: أنَّه إنَّما يقولُ ذلك لتعدُّدِ سندِه، لكنَّ هذا مُعترَضٌ؛ لأنَّه يقولُ ذلك في الأحاديثِ التي ليس لها إلَّا مَخرَجٌ واحدٌ. [١٠١] (وَقِيلَ) في الجوابِ أيضًا، وهو للعلَّامةِ أبي الفتحِ بنِ دقيقِ العيدِ (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (تَلْقَاهُ) أي: تجِدُه -أيُّها المُحدِّثُ- (يَحْوِي) أي: يجمَعُ الدَّرجةَ (العُلْيَا)، وهي الحفظُ والإتقانُ، وهو معنَى الصِّحَّةِ؛ (فَذَاكَ) أيِ: الحاوي للعُلْيَا (حَاوٍ أَبَدًا) أي: لا محالةَ (لِلدُّنْيَا)، أي: للدَّرجةِ الدُّنيا: تأنيثُ الأدنى، وهي صِفةُ الحُسنِ التي هي كالصِّدقِ؛ فعلى هذا يلزَمُ أن يُقالَ:

стр. 150

١٠٢ - كُلُّ صَحِيحٍ حَسَنٌ لا يَنْعَكِسْ … [وَقِيلَ: هَذَا حَيِثُ رَأْيٌ يَلْتَبِسْ ١٠٣ - وَصَاحِبُ النُّخْبَةِ: ذَا إِنِ انْفَرَدْ … إِسْنَادُهُ، وَالثَّانِ حَيْثُ ذُو عَدَدْ] ١٠٤ - [وَقَدْ بَدَا لِي فِيهِ مَعْنَيَانِ … لَمْ يُوجَدَا لأَهْلِ هَذَا الشَّانِ [١٠٢] (كُلُّ صَحِيحٍ حَسَنٌ) و (لا يَنْعَكِسْ) ذلك؛ فلا يُقالُ: كلُّ حسَنٍ صحيحٌ، ثمَّ أشار إلى الرَّابعِ بقَولِه: (وَقِيلَ) في الجَوابِ، وهو للحافِظِ ابنِ كثيرٍ ﵀ (هَذَا) أي: وَصْفُه بالوصفَينِ (حَيِثُ رَأْيٌ) للمُجتهِدِ (يَلْتَبِسْ) عليه. [١٠٣] (وَ) الإمامُ الحافظُ (صَاحِبُ النُّخْبَةِ) أي: أنَّ صاحِبَ «نُخبةِ الفِكَرِ في مُصطلَحِ أهلِ الأثرِ» -وهو الحافِظُ ابنُ حجرٍ ﵀ قال: (ذَا) أي: جوابُ ابنِ كثيرٍ (إِنِ انْفَرَدْ إِسْنَادُهُ) أي: إسنادُ الحديثِ؛ إذ لا يَتَمَشَّى إلَّا عليه، (وَ) ذلك (الثَّانِ) أي: الجوابُ الثاني، من جَوابَيِ ابنِ الصلاحِ ﵀؛ (حَيْثُ ذُو عَدَدْ) أي: حيثُ رواه ذو تعدُّدٍ، اثنانِ فصاعدًا. [١٠٤] (وَقَدْ بَدَا) أي: ظهَر (لِي فِيهِ) أي: فيما يقولُ فيه التِّرمذيُّ وغيرُه: حسنٌ صحيحٌ (مَعْنَيَانِ) يكونانِ جوابًا لِمَا اسْتُشْكِلَ (لَمْ يُوجَدَا) هذانِ المعنَيانِ (لأَهْلِ هَذَا الشَّانِ)، ممَّن تكلَّم في هذا المَوضوعِ، ثمَّ فسَّرَهُما بقولِه:

стр. 151

١٠٥ - أَيْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ صَحِيحُ … لِغَيْرِهِ، لَمَّا بَدَا التَّرْجِيحُ ١٠٦ - أَوْ حَسَنٌ عَلَى الَّذِيِ بِهِ يُحَدْ … وَهْوُ أَصَحُّ مَا هُنَاكَ قَدْ وَرَدْ] ١٠٧ - وَالحُكْمُ بِالصَّحِّةِ لِلإِسْنَادِ … وَالحُسْنِ دُونَ المَتْنِ لِلنُّقَّادِ [١٠٥] (أَيْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ) أيِ: الحديثُ الذي قيلَ فيه ذلك حسنٌ لذاتِه على الحدِّ الذي مَرَّ بيانُه؛ لكَوِن رجالِه رجالَ الحَسَنِ، وهو (صَحِيحُ لِغَيْرِهِ) لوُجودِ ما يُرَقِّيه إلى درجةِ الصحيحِ؛ (لَمَّا) أي: حينَ (بَدَا) أي: ظهَرَ (التَّرْجِيحُ) أي: المُرجِّحُ، أي: ثبتَت له الصِّحَّةُ حينَ ظهَر المُرجِّحُ، أو لظُهورِ المرجِّحِ، وهذا المعنى يتمَشَّى إذا تعدَّدتِ الطُّرقُ. [١٠٦] (أَوْ) للتَّقسيمِ: (حَسَنٌ) أيِ: الحديثُ المذكورُ حسنٌ (عَلَى) المعنى (الَّذِيِ بِهِ) أي: بذلك المعنى (يُحَدْ) الحسَنُ على ما تقدَّم؛ لاجتِماعِ شُروطِه، (وَهْوُ) أيِ: الحديثُ المَوصوفُ بالحُسنِ (أَصَحُّ) أي: أقوى (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (هُنَاكَ) أي: في ذلك البابِ الذي قيلَ فيه ذلك (قَدْ وَرَدْ) أي: جاء ورُوِيَ. [١٠٧] (وَالحُكْمُ بِالصَّحِّةِ لِلإِسْنَادِ) أي: حُكْمُ بعضِ الحُفَّاظِ لأيِّ إسنادٍ كان بأنَّه صحيحٌ؛ كقَولِه: هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ، (وَالحُسْنِ)

стр. 152

كقَولِهم: هذا حديثٌ حسَنُ الإسنادِ، وكذا الضَّعفِ (دُونَ المَتْنِ) أي: حالَ كونِ الحُكمِ للإسنادِ، مُتجاوِزًا المتنَ، (لِلنُّقَّادِ) أي: للبُصَراءِ بعِلَلِ الحديثِ. ١٠٨ - [لِعِلَّةٍ أَوْ لِشُذُوذٍ] وَاحْكُمِ … لِلْمَتْنِ إِنْ أَطْلَقَ ذُو حِفْظٍ نُمِي ١٠٩ - [وَلِلْقَبُولِ يُطْلِقُونَ جَيِّدَا … وَالثَّابِتَ الصَّالِحَ وَالمُجَوَّدَا [١٠٨] (لِعِلَّةٍ أَوْ لِشُذُوذٍ) أي: لأجلِ وُجودِ علَّةٍ قادِحةٍ في ذلك المتنِ، أو لوُجودِ شُذوذٍ فيه، (وَ) لكنِ (احْكُمِ) -أيُّها المُحدِّثُ العَزيزُ، إنْ كُنتَ من ذوي التَّمييزِ- بما حَكَم به النُّقَّادُ للإسنادِ منَ الصِّحَّةِ والحُسنِ (لِلْمَتْنِ) أيضًا (إِنْ أَطْلَقَ) الحُكمَ للإسنادِ بواحدٍ منهما (ذُو حِفْظٍ نُمِي) أي: نُسِب إلى الحفظِ، وهو إشارةٌ إلى أنَّ ذلك الحافِظَ مشهورٌ مُعتمَدٌ عليه في التَّصحيحِ والتَّحسينِ، ممَّن عُرِف بعدمِ التَّفرِقةِ بين اللَّفظَينِ؛ خُصوصًا إنْ كان في مقامِ الِاحتجاجِ. [١٠٩] (وَلِلْقَبُولِ) أيِ: الحديثُ المقبولُ في الأحكامِ وغيرِها (يُطْلِقُونَ) أي: يَستعمِلُ المُحدِّثون ألفاظًا، منها: (جَيِّدَا وَالثَّابِتَ الصَّالِحَ وَالمُجَوَّدَا) بفتحِ الواوِ المُشدَّدةِ، ومنها: القويُّ، والمعروفُ، والمحفوظُ، والمُشبَّهُ.

стр. 153

١١٠ - وَهَذِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالحَسَنْ … وَقَرَّبُوا مُشَبَّهَاتٍ مِنْ حَسَنْ ١١١ - وَهَلْ يُخَصُّ بِالصَّحِيحِ الثَّابِتُ … أَوْ يَشْمَلُ الْحُسْنَ نِزَاعٌ ثَابِتُ] [١١٠] (وَهَذِهِ) الألفاظُ المذكورةُ دائرةٌ (بَيْنَ الصَّحِّيحِ وَالحَسَنْ) فتُستعمَلُ فيهِما. (وَقَرَّبُوا مُشَبَّهَاتٍ) أي: جعَلوها قريبةً (مِنْ) درجةِ (حَسَنْ)؛ فهي بالنِّسبةِ إليه كنِسبةِ الجيِّدِ إلى الصحيحِ؛ فتُطلَقُ على الحَسَنِ، وما يُقارِبُه. [١١١] (وَهَلْ يُخَصُّ بِـ) الحديثِ (الصَّحِيحِ الثَّابِتُ) أي: لَفْظُه، يعني: أنَّهم إذا قالوا: هذا حديثٌ ثابتٌ؛ هل هو مُختَصٌّ بالصَّحيحِ؟ (أَوْ يَشْمَلُ الْحُسْنَ) أيضًا؟ فيه (نِزَاعٌ ثَابِتُ) بين المُحقِّقين، وجَزَم في «التدريبِ» بالشُّمولِ.

стр. 154

الضعيفُ وهو النَّوعُ الثالثُ من أنواعِ عُلومِ الحديثِ: ١١٢ - هُوَ الَّذِي عَنْ صِفَةِ الحُسْنِ خَلا … [وَهْوَ عَلَى مَرَاتِبٍ قَدْ جُعِلا] ١١٣ - وَابْنُ الصَّلاحِ فَلَهُ تَعْدِيدُ … إِلَى كَثِيرٍ [وَهْوَ لا يُفِيدُ [١١٢] (هُوَ) أيِ: الضِّعيفُ اصطِلاحًا: (الَّذِي عَنْ صِفَةِ) الحديثِ ذي (الحُسْنِ) منَ الصِّفاتِ المُتقدِّمةِ (خَلا) سندًا أو متنًا (وَهْوَ) أيِ: الضعيفُ (عَلَى مَرَاتِبٍ) بالصَّرفِ للضرورةِ متفاوتةٍ (قَدْ جُعِلا) بألفِ الإطلاقِ، بحسَبِ شدَّةِ ضعفِ رُواتِه وخِفَّتِه، كما تفاوَتَت صحةُ الصحيحِ. [١١٣] (وَ) أمَّا الحافظُ العلَّامةُ أبو عمرِو (ابْنُ الصَّلاحِ فَلَهُ تَعْدِيدُ) لأنواعِ الضَّعيفِ في «مقدِّمتِه» (إِلَى كَثِيرٍ) منَ الأنواعِ، (وَهْوَ لا يُفِيدُ) يعني: أنَّ هذا التقسيمَ لا فائدةَ فيه. ثمَّ تكلَّم على بعضِ أَوْهَى الأسانيدِ على نمَطِ ما تقدَّم في الصحيحِ؛ تبعًا للحاكمِ؛ فقال:

стр. 155

١١٤ - ثُمَّ عَنِ الصِّدِّيقِ الأوْهَى كَرَّهْ … صَدَقَةٌ عَنْ فَرْقَدٍ عَنْ مُرَّهْ ١١٥ - وَالْبَيْتِ عَمْرٌو ذَا عَنِ الجُعْفِيِّ … عَنِ حَارِثِ الأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ [١١٤] (ثُمَّ) بعدَ أنْ عرفْتَ تعريفَ الضعيفِ؛ فاعرِفْ بعضَ أوهَى الأسانيدِ؛ فمنها: (عَنِ) أبي بكرٍ (الصِّدِّيقِ) ﵁ (الأوْهَى) أيِ: السندُ الأضعَفُ (كَرَّهْ) بفتحِ الكافِ وتشديدِ الراءِ المفتوحةِ بوزن «مَرَّة» ومعناها: (صَدَقَةٌ) بالصرفِ للضرورةِ، وهو صَدَقةُ بنُ موسى الدَّقِيقيُّ، أبو المغيرةِ البصريُّ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ فَرْقَدٍ) هو ابنُ يَعقوبَ السَّبَخِيِّ، بفتحِ المُهملةِ والموحَّدةِ، وبخاءٍ مُعجَمةِ، أبو يعقوبَ البصريُّ، (عَنْ مُرَّهْ) بنِ شَراحيلَ، يُقال له: مُرَّةُ الطَّيِّبُ. [١١٥] (وَالْبَيْتِ) أي: أوهى الأسانيدِ لأهلِ البيتِ: (عَمْرٌو)، وهو عمرُو بنُ شَمِرٍ الجُعفيِّ الشيعيِّ (ذَا) أي: عَمرٌو يروي (عَنِ) جابرِ بنِ يَزيدَ (الجُعْفِيِّ) الكوفيِّ، من عُلَماءِ الشيعةِ، حالَ كونِه راويًا (عَنِ حَارِثِ) بتَرِك الصرفِ للوزنِ، ابنِ عبدِ اللهِ أو ابنِ عُبيدٍ، أبي زُهيرٍ (الأَعْوَرِ) الهَمدانيِّ، الكوفيِّ، من كبارِ التابعين على ضعفٍ فيه، حالَ كونِه راويًا (عَنْ عَلِيِّ) بنِ أبي طالبٍ ﵁.

стр. 156

١١٦ - وَلأَبِي هُرَيْرَةَ: السَّرِيُّ عَنْ … دَاوُدَ عَنْ وَالِدِهِ أَيَّ وَهَنْ ١١٧ - لأَنَسٍ: دَاوُدُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ … أَبَانَ، وَاعْدُدْ لأَسَانِيدِ اليَمَنْ [١١٦] (وَ) أوهى الأسانيدِ (لأَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (السَّرِيُّ) بنُ إسماعيلَ بفتحِ السينِ وكسرِ الراءِ وتشديدِ الياءِ، الهَمدانيِّ الكوفيِّ، (عَنْ دَاوُدَ) بنِ يَزيدَ بنش عبدِ الرحمنِ الأوديِّ، الزَّعافِريِّ بزايٍ مفتوحةٍ ومهملةٍ وكسرِ الفاءِ، أبي يزيدَ الكوفيِّ الأعرجِ، (عَنْ وَالِدِهِ) يزيدَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ الأوديِّ، (أَيَّ وَهَنْ) أي: حالَ كونِ هذا السندِ كاملَ الوَهَنِ، أي: شديدَ الضعفِ. [١١٧] (لأَنَسٍ) أي: أوهى الأسانيدِ لأنسِ بنِ مالكِ بنِ النضرِ بنِ ضَمضَمِ بن زيدِ بنِ حرامٍ الأنصاريِّ النَّجَّاريِّ خادمِ رسولِ اللهِ ﷺ : (دَاوُدُ) بن المُحَبَّر، بمُهملةٍ وموحَّدةٍ ومشدَّدةٍ مفتوحةٍ، بنُ قَحْذَمٍ، بفتحِ القافِ وسكونِ المهملةِ وفتحِ المُعجمةِ، الثَّقَفيُّ البَكراويُّ، أبو سُليمانَ البصريُّ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ أَبِيهِ) المُحبَّرِ المذكورِ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ أَبَانَ) بنِ أبي عيَّاشٍ، واسمُه فَيروزٌ، أبي إسماعيلَ، البصريِّ. ثمَّ قال: (وَاعْدُدْ) أيُّها المحدِّثُ (لـ) أَوْهَى (أَسَانِيدِ اليَمَنْ).

стр. 157

١١٨ - حَفْصًا عَنَيْتُ العَدَنِيْ عَنِ الحَكَمْ … وَغَيْرُ ذَاكَ مِنْ تَرَاجِمٍ تُضَمْ] [١١٨] (حَفْصًا)، وهو أبو إسماعيلَ الصَّنعانيُّ، حَفصُ بنُ عُمرَ بنِ مَيمونٍ (عَنَيْتُ) أي: قَصدْتُ به (العَدَنِيْ) منسوبٌ إلى عَدَنَ بفَتحتَين بلدٌ باليمنِ، لَقَبُه الفَرْخُ بفتحِ الفاءِ وسكونِ الراءِ بعدها خاءٌ معجمةٌ، حالَ كونِه راويًا (عَنِ الحَكَمْ) بنِ أبانَ العدنيِّ، أبي عيسى. (وَغَيْرُ ذَاكَ مِنْ تَرَاجِمٍ) أي: أسانيدَ (تُضَمْ) أيُّها المحدِّثُ.

стр. 158

المُسْنَدُ وهو النوعُ الرابعُ، واختلَفوا في حقيقتِه على أقوالٍ ثلاثةٍ: بَيَّنَهَا بقولِه: ١١٩ - الْمُسْنَدُ: الْمَرْفُوعُ ذَا اتِّصَالِ … وَقِيلَ: أَوَّلٌ، وَقِيلَ: التَّالِي [١١٩] (الْمُسْنَدُ) بفتحِ النونِ (الْمَرْفُوعُ) إلى النبيِّ ﷺ ، حالَ كونِه (ذَا اتِّصَالِ) في إسنادِه؛ فخرَج الموقوفُ، والمرسَلُ، والمعضَلُ، والمدلَّسُ، وهذا القولُ للحاكِمِ، وبه جزَم الحافظُ في «النخبةِ». (وَقِيلَ): المسندُ (أَوَّلٌ) أيِ: المرفوعُ فقطْ، وهذا القولُ للحافِظِ أبي عُمرَ بنِ عبدِ البَرِّ، ذَكَره في كتابِه «التمهيدِ»؛ وعليه فالمسندُ والمرفوعُ شيءٌ واحدٌ. (وَقِيلَ): المسندُ هو (التَّالِي) أي: التابعُ في الذكرِ للمرفوعِ في قولِه: «ذا اتصالٍ»، يعني: المتصِلَ، أي: أنَّ المسندَ هو المتصلُ فقطْ، سواءٌ كان مرفوعًا، أو موقوفًا، أو مقطوعًا، وهذا القولُ للحافظِ أبي بكرٍ الخطيبِ، وتَبِعه ابنُ الصَّبَّاغِ.

стр. 159

المَرفُوعُ، والمَوقُوفُ، والمَقطُوعُ وهي الأنواعُ: الخامسُ، والسادسُ، والسابعُ: ١٢٠ - وَمَا يُضَافُ لِلنَّبِي المَرْفُوعُ لَوْ … مِنْ تَابِعٍ، أَوْ صَاحِبٍ وَقْفًا رَأَوْا ١٢١ - سَوَاءٌ الْمَوْصُولُ وَالْمَقْطُوعُ فِي … ذَيْنِ، وَجَعْلُ الرَّفْعِ لِلْوَصْلِ قُفِي [١٢٠] (وَمَا) موصولةٌ (يُضَافُ) أي: يُنسَبُ (لِلنَّبِي) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ، أي: إليه ﷺ قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، (المَرْفُوعُ) منَ الحديثِ (لَوْ مِنْ تَابِعٍ) أي: ولو كان الرفعُ صادرًا من تابعيٍّ، خلافًا للخطيبِ، (أَوْ صَاحِبٍ) أي: وما يُضافُ إلى صاحبٍ، بمعنى صحابيٍّ قولًا له، أو فعلًا، أو نحوَهُما (وَقْفًا رَأَوْا) أي: رأَوْه موقوفًا. [١٢١] (سَوَاءٌ الْمَوْصُولُ وَالْمَقْطُوعُ)، والمقطوعُ أيِ: المنقطعُ؛ إذِ المرادُ به هنا معناه اللغويُّ، لا الاصطلاحيُّ الذي يأتي، أيِ: المنقطعُ سنَدُه بسببِ حذفِ بعضِ الرواةِ عنه سواءٌ، أي: مستوِيان (فِي ذَيْنِ) أي: في إطلاقِ المرفوعِ والموقوفِ عليه.

стр. 160

وحاصلُ المعنى: أنَّه لا يُشتَرطُ في المرفوعِ والموقوفِ اتصالُ السَّندِ؛ فيُطلَقانِ على المتصلِ، والمنقطعِ، ونحوِهما، كما مرَّ آنفًا. (وَجَعْلُ الرَّفْعِ لِلْوَصْلِ) أيِ: الموصولِ (قُفِي) أي: تُبِعَ، أيِ: استِعمالُ المرفوعِ في خُصوصِ المتصلِ أمرٌ مُتَّبَعٌ، استعمَلَه بعضُ أهلِ الحديثِ. ١٢٢ - وَمَا يُضَفْ لِتَابِعٍ مَقْطُوعُ … وَالْوَقْفُ إِنْ قَيَّدْتَهُ مَسْمُوعُ ١٢٣ - وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ … نَحْوُ: مِنَ السُّنَّةِ، مِنْ صَحَابِي [١٢٢] (وَمَا) شرطيةٌ (يُضَفْ لِتَابِعٍ) كبيرًا أو صغيرًا (مَقْطُوعُ) خبرٌ لمحذوفٍ، أي: هو. (وَالْوَقْفُ) أي: استِعمالُ الموقوفِ للتابعيِّ (إِنْ قَيَّدْتَهُ) به، كقَولِك: موقوفٌ على عطاءٍ، أو ابنِ المُسيَّبِ مثلًا، (مَسْمُوعُ) أي: إنَّ استعمالَ الموقوفِ على غيرِ الصحابيِّ مسموعٌ منَ المحدِّثين بشرطِ التقييدِ، وإلَّا فلا للإِلباسِ. [١٢٣] (وَلْيُعْطَ) بالبناءِ للمفعولِ (حُكْمَ الرَّفْعِ) أي: حُكمَ الحديثِ المرفوعِ إليه ﷺ (فِي) القولِ (الصَّوابِ) أيِ: الحقِّ الراجحِ من أقوالٍ ثلاثةٍ، وهو الذي عليه الجمهورُ: (نَحْوُ: مِنَ السُّنَّةِ) أي: نحوُ قولِه: «من السُّنَّةِ» كذا، حالَ كونِه صادرًا (مِنْ صَحَابِي).

стр. 161

١٢٤ - كَذَا: أُمِرْنَا، وَكَذَا: كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ، أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى ١٢٥ - [ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ لا يَخْفَى وَفِي: … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي [١٢٤] (كَذَا) حُكمُ قولِه: (أُمِرْنَا)، وكذا «نُهِينا» عن كذا، (وَكَذَا) قولُه: (كُنَّا نَرَى) أو «نفعَلُ» أو «نقولُ»، ونحوُ ذلك؛ فهو في حكمِ المرفوعِ، سواءٌ نُسِب ذلك إلى عهدِه ﷺ ؛ بأن يقولَ: كنَّا نرى كذا (فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ) إلى عهدِه ﷺ ، متعلِّق بـ (عَرَى) أي: خلَا، يعني: أنَّه خلَا عن نسبِته إلى عهدِه ﷺ . [١٢٥] (ثَالِثُهَا) أيِ: الأقوالُ: (إِنْ كَانَ) ذلك الفعلُ (لا يَخْفَى) فمرفوعٌ، وإلَّا فموقوفٌ، أي: إنْ كان الفعلُ ممَّا لا يَخفَى على النبيِّ ﷺ غالبًا فمرفوعٌ، وهذا القولُ قَطَع به أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ، وقال به ابنُ السَّمعانيِّ وآخَرون. ثم قال ﵀: (وَفِي: تَصْرِيحِهِ) أي: تصريحِ الصحابيِّ (بِعِلْمِهِ) أي: عِلمِ النبيِّ ﷺ بالقضيةِ (الْخُلْفُ) أيِ: الخلافُ المتقدِّمُ (نُفِي) بالبناءِ للمفعولِ، أيِ: انَتَفى. وحاصلُ المعنى: أنَّ الصحابيَّ إذا صرَّح بعلمِ النبيِّ ﷺ بأنْ ذَكَر ذلك في القصةِ - صار ذلك مَرفوعًا إجماعًا، لكنَّ دعوى الإجماعِ مُنتقَضةٌ بخِلافِ داودَ الظاهريِّ، وبعضِ المتكلِّمين؛ فتأمَّلْ!

стр. 162

١٢٦ - وَنَحْوُ: كَانُوا يَقْرَعُونَ بَابَهُ … بِالظُّفْرِ، فِيمَا قَدْ رَأَوْا صَوَابَهُ ١٢٧ - وَما أَتَى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْيِ لا … يُقَالُ [إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلا] [١٢٦] (وَنَحْوُ) بالرفعِ عطفًا على «نحوُ منَ السُّنَّةِ»، أي: ولْيُعْطَ حُكْمَ الرفعِ في الأصحِّ نحوُ: (كَانُوا) أيِ: الصحابةُ (يَقْرَعُونَ) أي: يَطرُقون (بَابَهُ) ﷺ (بِالظُّفْرِ فِيمَا قَدْ رَأَوْا صَوَابَهُ) أي: في القولِ الذي رأى العلماءُ كونَه صوابًا، وهو قولُ ابنِ الصلاحِ ﵀. [١٢٧] (وَما) أي: ولْيُعْطَ -في الأصحِّ- حُكْمَ الرفعِ: الحديثُ الذي (أَتَى) أي: جاء عنِ الصحابيِّ من قولٍ له، أو فعلٍ، (وَمِثْلُهُ) أي: مثلُ ذلك الآتي (بِالرَّأْيِ) أي: الاجتهادِ (لا يُقَالُ)، أي: ولا يُفعَلُ. وحاصلُ المعنى: أنَّ الصحابيَ إذا قال قولًا، أو فَعَل فعلًا، لا مجالَ للاجتهادِ فيه يُحمَلُ على أنَّه تلقَّاه منَ النبيِّ ﷺ . ثمَّ ذَكَر قيدًا ذَكَره العراقيُ ﵀، وتَبِعه عليه الحافظُ بقولِه: (إِذْ) ظرفيةٌ (عَنْ سَالِفٍ) أي: متقدِّمٍ منَ الأُممِ (مَا) نافيةٌ (حُمِلا) أي: إذا لم يَحْمِلْ ذلك الصحابيُّ عن أهلِ الكتابِ، والألفُ إطلاقيةٌ فيهِما، يعني: أنَّه إنَّما يكونُ له حُكْمُ المرفوعِ إذا لم يكُنِ الصحابيُّ يَروي الإسرائيلياتِ عن أهلِ الكتابِ، وإلَّا فلا.

стр. 163

١٢٨ - وَهكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا … فِي سَبَبِ النُّزُولِ [أَوْ رَأْيًا أَبَى ١٢٩ - وَعَمَّمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ … وَخَصَّ فِي خِلافِهِ كَمَا حُكِي] [١٢٨] (وَهكَذَا) أي: ولْيُعْطَ حكمَ الرفعِ (تَفْسِيرُ مَنْ) أي: تبيِينُ وتوضيحُ شخصٍ للقُرآنِ (قَدْ صَحِبَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: صَحِبَ النبيَّ ﷺ (فِي سَبَبِ النُّزُولِ) أي: حالَ كونِ التفسيرِ واقعًا في سببِ نُزولِ الآيةِ، (أَوْ) فيما (رَأْيًا) أيِ: اجتهادًا (أَبَى) أيِ: امتَنَع من أن ينالَه رأيُ مجتهِدٍ؛ فلا يأخُذُ حُكْمَ الرفعِ، وهذا هو المعتمَدُ الذي ذَهَب إليه الخطيبُ، وأبو منصورٍ البغداديُّ، وتَبِعَهُما ابنُ الصلاحِ ﵏. [١٢٩] (وَعَمَّمَ) هذا الحُكْمَ في كلِّ ما فَسَّرَ به الصحابيُّ (الْحَاكِمُ) أبو عبدِ اللهِ (فِي) كتابِه (الْمُسْتَدْرَكِ وَخَصَّ) الحاكمُ (فِي خِلافِهِ) أي: في غيرِ «المستدرَكِ»، وهو كتابُه المسمَّى «معرفةُ علومِ الحديثِ» (كَمَا حُكِي). والمعنى: أنَّ الحاكمَ في كتابِه «معرفةِ علومِ الحديثِ» لم يُعمِّمِ الحُكمَ، بل خصَّ كما خَصَّ غيرُه بما كان في سببِ النزولِ، وفيما لا مجالَ للرأيِ فيه.

стр. 164

١٣٠ - وَقَالَ: لا، مِنْ قَائِلٍ مَذْكُورِ … [وَقَدَ عَصَى الْهَادِيَ فِي الْمَشْهُورِ] ١٣١ - وَهَكَذَا: يَرْفَعُهُ، يَنْمِيهِ … رِوَايَةً، يَبْلُغْ بِهِ، يَرْوِيهِ [١٣٠] (وَقَالَ) الحاكمُ: (لا) يكونُ تفسيرُ الصحابيِّ مرفوعًا إنْ كان صادرًا (مِنْ قَائِلٍ مَذْكُورِ) أي: منَ الصحابيِّ الذي ذُكِر في سندِ ذلك التفسيرِ. وحاصلُ المعنى: أنَّ شرْطَ كونِ تفسيرِ الصحابيِّ مرفوعًا: أن يتعلَّقَ بسبَبِ النزولِ، أو بما لا مجالَ للرأيِ فيه، وإلَّا فهو منَ الموقوفاتِ. ثمَّ قال ﵀: (وَ) لْيُعْطَ أيضًا حُكْمَ الرفعِ: قولُ الصحابيِّ على مَن فَعَل فعلًا منَ الأفعالِ: إنَّ هذا (قَدَ عَصَى) النبيَّ (الْهَادِيَ) ﷺ ، (فِي) القولِ (الْمَشْهُورِ) بين أهلِ الحديثِ، وجَزَم به الزَّرْكَشيُّ، وادَّعى ابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ عليه. [١٣١] (وَ) لْيُعْطَ حُكْمَ الرفعِ أيضًا (هَكَذَا) أي: مثلُ ما تقدَّم منَ الأنواعِ: قولُ التابعيِّ (يَرْفَعُهُ) أيِ: الحديثَ، أو رَفَعَه (يَنْمِيهِ) بفتحِ الياءِ، أي: يَنسُبُه (رِوَايَةً) أي: يَنقُلُ ذلك الحديثَ نقلًا (يَبْلُغْ) بسكونِ الغينِ للوزنِ (بِهِ) أي: بذلك الحديثِ (يَرْوِيهِ)، أو رواه بمعنًى يَنقُلُه عنِ النبيِّ ﷺ .

стр. 165

١٣٢ - وَكُلُّ ذَا مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ … [لا رَابِعٌ جَزْمًا] لَهُمْ، وَالأَوَّلُ [١٣٢] (وَكُلُّ ذَا) أي: كلُّ ما تقدَّم من قولِه: «ولْيُعْطَ حُكْمَ الرفعِ» إلى هنا (مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ) مرفوعٌ، ويَحتمِلُ أن يكونَ اسمُ الإشارةِ عائدًا إلى البيتِ الذي قبْلَه، أي: كلُّ هذه الألفاظِ إذا صَدَرت عندَ ذِكْرِ التابعيِّ؛ كأن يقولَ مَن يَروي عنِ التابعيِّ: حدَّثَنا فلانٌ بكذا يرفَعُه، أو ينمِيه، أو يبلُغُ به، ونحوُها؛ فهو مرسلٌ مرفوعٌ بلا خلافٍ، وهو الذي تُفيدُه عبارةُ شُروحِ الألفيةِ العراقيةِ للسخاويِّ، وغيرِه، (لا رَابِعٌ) قال الشارحُ: هو التفسيرُ في سببِ النزولِ. قلتُ: لا وجْهَ لإخراجِ التفسيرِ عمَّا قبْلَه؛ لأنَّه يكونُ المعنى عليه: وكلُّ هذه الألفاظِ المتقدِّمةِ إذا كانت منَ التابعيِّ فهو مرسَلٌ، إلَّا الرابِعَ؛ فإنَّه ليس كذلك، وهذا معنًى فاسدٌ؛ لأنَّ التفسيرَ الذي يتعلَّق بسببِ النزولِ مرسَلٌ مرفوعٌ أيضًا، ولعلَّ النُّسخةَ وَقَع فيها تصحيفٌ، والأصلُ: وَكُلُّ ذَا مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ … مَعْ رَفْعِهِ جَزْمًا لَهُمْ والأَوَّلُ وتكونُ الإشارةُ إلى البيتِ الذي قبْلَه، يعني: أنَّ هذه الألفاظَ إذا ذُكِرَت عند ذِكْرِ التابعيِّ؛ فالحديثُ مرسَلٌ مرفوعٌ بلا خلافٍ، كما أشار إليه بقولِه: (جَزْمًا لَهُمْ) أي: حالَ كونِه مجزومًا به، أي: مُتَّفَقًا عليه بين العلماءِ، (وَالأَوَّلُ) أي: قولُه: «منَ السُّنَّةِ».

стр. 166

١٣٣ - صَحَّحَ فِيهِ [النَّوَوِيُّ] الْوَقْفَا … [وَالْفَرْقُ فِيهِ وَاضِحٌ لا يَخْفَى] [١٣٣] (صَحَّحَ فِيهِ النَّوَوِيُّ الْوَقْفَا) أي: كونُه موقوفًا، والمعنى: أنَّ قولَ التابعيِّ: منَ السُّنَّةِ كذا، صحَّح الإمامُ النوويُّ ﵀ كونَه متصلًا موقوفًا على الصحابيِّ، (وَالْفَرْقُ فِيهِ وَاضِحٌ) أيِ: الفرقُ بينه وبين المسألةِ المذكورةِ في البيتِ الذي قبْلَه واضحٌ (لا يَخْفَى) على مَن تأمَّلَه. وحاصلُ المعنى: أنَّ الفرقَ بين قولِه: «منَ السُّنَّةِ كذا» حيث جعلْناه موقوفًا متصلًا، وبين الألفاظِ المتقدِّمةِ حيث جعلْناها مرفوعةً مرسلةً - واضحٌ غيرُ خَفِيٍّ؛ وذلك لأنَّ «يرفَعُ الحديثَ» تصريحٌ بالرفعِ، وقريبٌ منه ما ذُكِرَ معه منَ الألفاظِ، بخلافِ «منَ السُّنَّةِ»؛ فيَتطَرَّقُها احتمالُ إرادةِ سُنَّةِ الخُلَفاءِ الراشِدين؛ فكثيرًا ما يُعبِّرون بها فيما يُضافُ إليهم، وقد يُريدون سُنَّةَ البلدِ، ومقابِلُ الصَّحِيحِ قوُل مَن قال: إنَّه مرفوعٌ مرسَلٌ.

стр. 167

المَوصُولُ، والمُنقَطِعُ، والمُعضَلُ وهو النَّوعُ الثامنُ، والتاسعُ، والعاشرُ: ١٣٤ - مَرْفُوعًا اْوْ مَوْقُوفًا إِذْ يَتَّصِلُ … إِسْنَادُهُ: الْمَوْصُولُ وَالمُتَّصِلُ ١٣٥ - وَوَاحِدٌ قَبْلَ الصَّحابِيِّ سَقَطْ … مُنْقَطِعٌ، قِيلَ: أَوِ الصَّاحِبِ قَطْ [١٣٤] (مَرْفُوعًا) أي: حالَ كونِ الموصولِ مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ (اْوْ مَوْقُوفًا) على الصَّحَابيِّ (إِذْ يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ) بسماعٍ كلِّ واحدٍ من رُواتِه عمَّن فوقَه، أو بالإجازةِ كما قالَه ابنُ جماعةَ، إلى مُنتَهاهُ: (الْمَوْصُولُ)، والتقديرُ: الموصولُ حاصلٌ إذ يتصِلُ إسنادُه، أي: وقْتَ اتصالِ سندِ الحديثِ، (وَ) يُقالُ له: (المُتَّصِلُ) أيضًا فهُما اسمانِ لِمُسَمًّى واحدٍ. [١٣٥] (وَوَاحِدٌ) أي: راوٍ واحدٌ (قَبْلَ الصَّحابِيِّ) أيْ: من أيِّ موضعٍ كان السقوطُ، وإنَّما قُيِّد به؛ لأنَّه لو كان الساقطُ صحابيًّا لَكانَ مُرسَلًا (سَقَطْ) أي: واحدٌ ساقطٌ (مُنْقَطِعٌ) أي: فالسندُ منقطِعٌ، وتقديرُ الكلامِ: وواحدٌ ساقطٌ قبْلَ الصحابيِّ فالسندُ منقطِعٌ بسببِه، (قِيلَ: أَوِ الصَّاحِبِ) أي: أو سَقَط الصحابيُّ (قَطْ) أي: فحسْبُ.

стр. 168

١٣٦ - [مُنْقَطِعٌ مِنْ مَوْضِعَيْنِ اثْنَيْنِ لا … تَوَالِيًا] وَمُعْضَلٌ حَيْثُ وَلا ١٣٧ - وَمِنْهُ حَذْفُ صَاحِبٍ وَالْمُصْطَفَى … وَمَتْنُهُ بِالتَّابِعِيِّ وُقِفَا [١٣٦] (مُنْقَطِعٌ) أيِ: السندُ منقطِعٌ (مِنْ مَوْضِعَيْنِ) متعلِّقٌ بـ «منقطعٌ» (اثْنَيْنِ) صفةٌ كاشفةٌ لـ «موضِعَين»؛ يعني: أنَّه إذا سَقَط منَ السندِ راوِيانِ (لا تَوَالِيًا) حالٌ من «موضِعَين»، أي: حاَل كونِهما غيرَ متوالِيَينِ. والحاصِلُ: أنَّه إذا كان الساقطُ أكثرَ من واحدٍ بشرطِ عدمِ التوالي فهو منقطعٌ أيضًا، لكنَّه مقيَّدٌ بأنَّه منقطِعٌ من موضِعَين، أو من ثلاثةٍ، أو أربعةٍ، وهَلُمَّ جَرًّا، (وَمُعْضَلٌ) بفتحِ الضادِ المعجمةِ (حَيْثُ وَلا) بفتحِ الواو، أيِ: السندُ الذي سَقَط منه اثنانِ يُسمَّى بالمعضَلِ. والحاصلُ: أن المُعضَلَ هو الذي سَقَط من إسنادِه اثنانِ فأكثَرُ مع التوالي. [١٣٧] (وَمِنْهُ) أي: ومنَ المُعضَلِ (حَذْفُ صَاحِبٍ) أي: صحابيٍّ منَ السندِ (وَ) حذفُ الرسولِ (الْمُصْطَفَى) ﷺ ، (وَمَتْنُهُ) أي: متنُ ذلك السندِ (بِالتَّابِعِيِّ) أي: عليه (وُقِفَا) بالبناءِ للمَفعولِ، والألِفُ للإطلاقِ. وحاصلُ معنى البيتِ: أنَّ منَ المُعضَلِ ما حُذِفَ منه الصَّحابيُّ، والنبيُّ ﷺ معًا، ووُقِفَ مَتْنُه على التابعيِّ.

стр. 169

المُرسَلُ وهو النَّوعُ الحادي عَشَرَ من أنواعِ علومِ الحديثِ: ١٣٨ - الْمُرْسَلُ الْمَرْفُوعُ بِالتَّابِعِ، أَوْ … ذِي كِبَرٍ، أَوْ سَقْطُ رَاوٍ قَدْ حَكَوْا [١٣٨] (الْمُرْسَلُ الْمَرْفُوعُ) أيِ: المرسلُ في اصطِلاحِ أهلِ الحديثِ هو: الحديثُ المرفوعُ إلى النبيِّ ﷺ قولًا، أو فعلًا، أو نحوَهُما (بِالتَّابِعِ) متعلِّقٌ بالمرفوعِ، والباءُ سببيةٌ، أي: بسببِه. وحاصلُ المعنى: أنَّ المرسلَ اصطلاحًا هو: قولُ التابعيِّ مطلقًا، كبيرًا كان، أو صغيرًا: قال رسولُ اللهِ ﷺ كذا، أو فَعَلَ كذا، أو فُعِلَ بحَضْرتِه كذا، أو نحوُ ذلك، (أَوْ) لتنويعِ الخِلافِ، أي: قال بعضُهم: المُرسلُ هو: مرفوعُ تابعيٍّ (ذِي كِبَرٍ) أي: كبيرٍ؛ فكأنَّه قال: إنَّ المُرسَلَ هو مرفوعُ التابعيِّ الكبيرِ، (أَوْ) لتنويعِ الخلافِ أيضًا (سَقْطُ) بفتحٍ فسكونٍ، بمعنى سقوطٍ، أيِ: المرسلُ ذو سُقوطِ (رَاوٍ) من سندِه، يعني: أنَّ بعضَهم قال: إنَّ المرسلَ هو: ما سَقَط من سندِه راوٍ، سواءٌ كان في أولِه، أو آخرِه، أو بينَهُما، واحدًا أو أكثرَ (قَدْ حَكَوْا) جملةٌ حاليةٌ ممَّا تقدَّم منَ الأقوالِ، أي: حالَ كونِ العلماءِ قد حَكَوها في تعريفِ المرسلِ.

стр. 170

١٣٩ - أَشْهَرُهَا الأَوَّلُ ثُمَّ الْحُجَّةُ … بِهِ رَأَى الأَئِمَّةُ [الثَّلاثَةُ] ١٤٠ - وَرَدُّهُ الأَقْوَى، وَقَوْلُ الأَكْثَرُ … كَالشَّافِعِيْ، وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ [١٣٩] (أَشْهَرُهَا الأَوَّلُ) أي: أشهرُ الأقوالِ الثلاثةِ عند المحدِّثين، والأكثرُ في استعمالِهِم: هو القولُ الأولُ. (ثُمَّ) بعدَ أنْ عرفْتَ الأقوالَ في تعريفِه: (الْحُجَّةُ بِهِ) بالضمِّ في الأصلِ: هو الدليلُ، والبُرهانُ، أي: الاحتجاجُ بالمرسلِ (رَأَى) أي: ذَهَب إليه (الأَئِمَّةُ الثَّلاثَةُ) الإمامُ أبو حنيفةَ، والإمامُ مالكٌ في المشهورِ عنه، وجمهورُ أتباعِهِما، والإمامُ أحمدُ في روايةٍ عنه. [١٤٠] (وَرَدُّهُ الأَقْوَى) أي: ردُّ الاحتجاجِ بالمرسلِ هو الرأيُ الأقوى؛ لقوَّةِ دليلِه، (وَ) هو (قَوْلُ الأَكْثَرُ) منَ العلماءِ المحقِّقين، وذلك (كَـ) الإمامِ القدوةِ رأسِ الفقهاءِ والمحدِّثين أبي عبدِ اللهِ مُحمَّدِ بنِ إدريسَ (الشَّافِعِيْ)؛ فإنَّه ﵁ أوَّلُ مَنْ ردَّ المرسَلَ على ما قيلَ، (وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ) أي: وكأهلِ علمِ الحديثِ، كما حكاهُ عنهم مسلِمٌ في صدرِ «صحيحِه».

стр. 171

١٤١ - نَعَمْ بِهِ يُحْتَجُّ إِنْ يَعْتَضِدِ … بِمُرْسَلٍ آخَرَ أَوْ بِمُسْنَدِ ١٤٢ - [أَوْ قَوْلِ صَاحِبٍ أَوِ الْجُمْهُورِ أَوْ … قَيْسٍ] وَمِنْ شُرُوطِهِ كَمَا رَأَوْا [١٤١] (نَعَمْ) بفتحتَين (بِهِ) أي: بالمرسَلِ (يُحْتَجُّ) بالبناءِ للمفعولِ، أي: يُحتَجُّ به عند القائلِين بعدمِ حُجِّيَّتِه، بشروطٍ أشار إليها بقولِه: (إِنْ) شرطيةٌ (يَعْتَضِدِ) تَقَوَّى، يعني: أنَّه يُحتَجُ به إنْ تقوَّى بأحدِ أُمورٍ: منها: (بِمُرْسَلٍ آخَرَ) أي: يُحتَجُّ به إنِ اعتَضَدَ بمرسَلٍ آخرَ يرويه المُرسِلُ من غيرِ شيوخِ الأولِ، (أَوْ) يعتضِدُ (بِمُسْنَدِ) أي: مرفوعٍ متصلٍ يجيءُ من وجهٍ آخرَ صحيحٍ، أو حسَنٍ، أو ضعيفٍ. [١٤٢] (أَوْ) يعتضِدُ بـ (قَوْلِ صَاحِبٍ) أي: صحابيٍّ، (أَوِ) يعتضِدُ بقولِ (الْجُمْهُورِ) بالضَّمِّ، يعني: أنَّه إذا أفتى أكثرُ العلماءِ بمُوافقةِ المرسلِ قُبِلَ، (أَوْ) يعتضِدُ بـ (قَيْسٍ) بفتحٍ فسكونٍ، وهو: إلحاقُ فرعٍ بأصلٍ في حُكمٍ لِعلَّةٍ جامعةٍ بينهما؛ كإلحاقِ النبيذِ بالخمرِ في الحرمةِ للإِسكارِ (وَمِنْ شُرُوطِهِ) أي: شروطِ قَبولِ المرسلِ المعتضِدِ للاحتجاجِ به (كَمَا رَأَوْا) أي: اعتقَدَه المحقِّقون:

стр. 172

١٤٣ - كَوْنُ الَّذِي أَرْسَلَ مِنْ كِبَارِ … وَإِنْ مَشَى مَعْ حَافِظٍ يُجَارِي ١٤٤ - وَلَيْسَ مِنْ شُيُوخِهِ مَنْ ضَعُفَا … [كَنَهْيِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالأَصْلِ وَفَا] [١٤٣] (كَوْنُ) الشخصِ (الَّذِي أَرْسَلَ) الحديثَ (مِنْ كِبَارِ) التابِعين، (وَ) كونُ الذي أَرسَلَ (إِنْ) شرطيةٌ (مَشَى) في حديثِه (مَعْ حَافِظٍ) منَ الحُفَّاظِ (يُجَارِي) بالجيمِ، والمرادُ: يُوافِقُه، ولا يُخالِفُه. [١٤٤] (وَ) كونُه أيضًا (لَيْسَ مِنْ شُيُوخِهِ) خبرٌ مقدَّمٌ، أيِ: الذين يَروي عنهمُ الحديثَ (مَنْ ضَعُفَا) أي: شخصٌ ضعيفٌ. والمعنى: أنَّه يَلتزِمُ الروايةَ عنِ الثقاتِ؛ بحيثُ إذا عَيَّن شيخَه في مُرسَلِه في روايةٍ أخرى، أو في مُطلَقِ حديثِه -حسْبَما يحتمِلُه كلامُ الشافعيِّ- لا يُسَمِّي مجهولًا، ولا مرغوبًا عنِ الروايةِ عنه، (كَنَهْيِ بَيْعِ اللَّحْمِ) تقديرُه: وذلك كائنٌ كنهيِ بيعِ اللحمِ (بِالأَصْلِ) أيِ: الحيوانِ، وذلك ما رواه سعيدُ بنُ المسيَّبِ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن بَيعِ اللَّحمِ بالحَيَوانِ»؛ فقد جاء عنِ ابنِ عباسٍ ﵄: «أنَّ جَزُورًا نُحِرَت على عهدِ أبي بكرٍ ﵁؛ فجاء رجلٌ بِعَنَاق، فقال: أَعطُونِي جزءًا بهذِه العَناقِ؛ فقال أبو بكرٍ: ﵁: لا يَصلُحُ هذا». وكان القاسمُ بنُ محمَّدٍ، وابنُ المسيَّبِ، وعُروةُ بنُ الزبيرِ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ يُحرِّمون بيعَ اللحمِ بالحَيوانِ، (وَفَا) أي: أن هذا المثالَ الواحدَ تمَّ به المثالُ لكُلِّها.

стр. 173

١٤٥ - وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحْ … [كَسَامِعٍ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ اتَّضَحْ ١٤٦ - إِسْلامُهُ بَعْدَ وَفَاةٍ وَالَّذِي … رَآهُ لا مُمَيِّزًا لَا تَحْتَ ذِي] [١٤٥] (وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ) أيِ: الصحابيِّ (وَصْلٌ) على حذفِ مُضافٍ، أي: ذو وصلٍ، أي: محكومٌ بأنَّه موصولٌ صحيحٌ يُحتَجُّ به (فِي) المذهبِ (الأَصَحْ) الذي قَطَع به الجمهورُ، وأطبَق عليه المحدِّثون المشترِطون للصحيحِ، القائلون بضعفِ المرسلِ، وفي «الصحيحَينِ» منه ما لا يُحصَى. (كَسَامِعٍ) كحُكمِ سامعٍ منَ النبيِّ ﷺ (فِي) حالِ (كُفْرِهِ) متعلِّقٌ بما قبْلَه، (ثُمَّ) أسلَمَ و (اتَّضَحْ) أي: ظهَرَ [١٤٦] (إِسْلامُهُ) أي: ذلك السامِعِ (بَعْدَ وَفَاةٍ) أي: موتِ النبيِّ ﷺ ، (وَالَّذِي) أيِ: الصحابيُّ الذي (رَآهُ) أيِ: النبيَّ ﷺ (لا مُمَيِّزًا) أي: حالَ كونِه غيرَ مميِّزٍ (لَا تَحْتَ ذِي) أي: لا يدخُلُ حُكْمُ روايتِه تحتَ المسألةِ؛ فلا يُقالُ: إنه مرسلُ صحابيٍّ، بل مرسلٌ كسائرِ المراسيلِ.

стр. 174

١٤٧ - وَقَوْلُهُمْ: عَنْ رَجُلٍ [مُتَّصِلُ] … وَقِيلَ: بَلْ مُنْقَطِعٌ أَوْ مُرْسَلُ ١٤٨ - [كَذَاكَ فِي الأَرْجَحِ كُتْبٌ لَمْ يُسَمْ … حَامِلُهَا أَوْ لَيْسَ يُدْرَى مَا اتَّسَمْ [١٤٧] (وَقَوْلُهُمْ) أي: قولُ المحدِّثين: (عَنْ رَجُلٍ) أي: حدَّثَنا فلانٌ عن رجلٍ (مُتَّصِلُ) أي: هو حديثٌ متصلٌ، في إسنادِه مجهولٌ، (وَقِيلَ): لا يكونُ متصلًا (بَلْ) هو (مُنْقَطِعٌ)، ولا يُسمَّى أيضًا مرسلًا، (أَوْ) لتنويعِ الخلافِ، أي: قال بعضُهم: إنَّه (مُرْسَلُ) منَ المراسيلِ. [١٤٨] (كَذَاكَ) أي: مِثلُ ما تقدَّم في قولِهم: «عن رجلٍ» (فِي الأَرْجَحِ) أيِ: القولِ الأقوَى (كُتْبٌ) بسكونِ التاءِ مخفَّفُ كُتُبٍ بضمِّها: جمْعُ كتابٍ، أي: كُتُبُ النبيِّ ﷺ إلى الآفاقِ، وقولُه: (لَمْ يُسَمْ) بتخفيفِ الميمِ للوزنِ (حَامِلُهَا). والمعنى: أنَّ كُتُبَ النبيِّ ﷺ التي أرسلَها إلى المُلوكِ وغيرِهم حكمُها إذا لم يُسَمَّ حامِلُها: أنَّها متصلةٌ في سندِها مجهولٌ، في الأرجحِ. ثم قال ﵀: (أَوْ لَيْسَ) حامِلُها (يُدْرَى) أي: يُعلَمُ (مَا اتَّسَمْ) به، أي: ما اتَّصَف به. وحاصلُ المعنى: أنَّ الكتبَ المذكورةَ إذا سُمِّي حامِلُها باسمٍ لا يُعرَفُ به، فحُكمُها كذلك، أي: أنَّها متصلةٌ في إسنادِها مجهولٌ، في الأرجَحِ.

стр. 175

١٤٩ - وَرَجُلٌ مِنَ الصِّحَابِ، وَأَبَى … الصَّيْرَفِيْ مُعَنْعَنًا، وَلْيُجْتَبَى] ١٥٠ - وَقَدِّمِ الرَّفْعَ كَالِاتِّصَالِ … مِنْ ثِقَةٍ لِلْوَقْفِ وَالإِرْسَالِ [١٤٩] (وَرَجُلٌ مِنَ الصِّحَابِ) مبتدأٌ خبَرُه محذوفٌ، أي: متصلٌ. والمعنى: أنَّ قولَهم: رجلٌ من الصحابةِ، حُكمُه: أنَّه متصِلٌ بلا خِلافٍ، سوى ما يأتي عن الصَّيرفيِّ، (وَأَبَى) كَرِه قَبولَ ما أُبْهِمَ فيه الصحابيُّ الإمامُ البارعُ المتفنِّنُ أبو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ عبدُ اللهِ (الصَّيْرَفِيْ) البغداديُّ الشافعيُّ (مُعَنْعَنًا) أي: قَبولَ ما ذُكِر حالَ كونِه مُعنعنًا، أو قَبولَ ما رُوِي بـ «عن»، وما أشبَهَ ذلك. وحاصلُ كلامِ الصَّيرفيِّ: أنَّه يَقبَلُ ما أُبْهِمَ فيه الصحابيُّ، بشرْطِ أن يصرِّحَ التابعيُّ بالتحديثِ ونحوِه، (وَلْيُجْتَبَى) واللَّامُ لامُ الأمرِ، أي: لِيُخْتَرْ هذا التفصيلُ؛ لحُسْنِه. [١٥٠] (وَقَدِّمِ) أيُّها المحدِّثُ (الرَّفْعَ) أي: قدِّمْ روايةَ الرفعِ على روايةِ الوقفِ إذا تعارَضَا، (كَالاْتِّصَالِ) أي: كما يتقدَّمُ الاتِّصالُ إذا تعارَضَ مع الإرسالِ (مِنْ ثِقَةٍ) أي: حالَ كونِهما صادِرَين من ثقةٍ ضابطٍ (لِلْوَقْفِ) راجعٌ للرفعِ واللامِ بمعنى «على» أي: عليه، (وَالإِرْسَالِ) أي: عليه راجِعٌ للاتِّصالِ.

стр. 176

١٥١ - وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقِيلَ: الأَكْثَرُ، … وَقِيلَ: قَدِّمْ أَحْفَظَا، وَالأَشْهَرُ ١٥٢ - عَلَيْهِ لا يَقْدَحُ هَذَا مِنْهُ فِي … أَهْلِيَّةِ الْوَاصِلِ وَالَّذِي يَفِي [١٥١] (وَقِيلَ: عَكْسُهُ) أيِ: المعتبَرُ عكْسُ هذا الحُكمِ، وهو تقديمُ الوقفِ والإرسالِ، قال الخطيبُ ﵀: وهو قولُ أكثرِ المحدِّثين، (وَقِيلَ: الأَكْثَرُ) أي: يقدَّم ما قالَه الأكثرُ، من وقفٍ أو رفعٍ، ووصلٍ أو إرسالٍ، وهذا القولُ نَقَله الحاكِمُ ﵀ في «المدخلِ» عن أئمةِ الحديثِ، (وَقِيلَ: قَدِّمْ) منَ التقديمِ (أَحْفَظَا) أي: ما قاله الأحفَظُ من رفعٍ ووقفٍ، أو وصلٍ وإرسالٍ، (وَالأَشْهَرُ) من قولَيِ العلماءِ. [١٥٢] (عَلَيْهِ) أي: إذا مَشَينا على القولِ الرابعِ، وكذا الثالثِ، كما أفادَه في التنقيحُ: أنَّه (لا يَقْدَحُ) أي: لا يَجرَحُ (هَذَا) إشارةٌ إلى ما ذُكِر منَ الوقفِ والإرسالِ (مِنْهُ) أي: منَ الأحفظِ (فِي أَهْلِيَّةِ الْوَاصِلِ) أي: والرافعِ، يعني: أنَّ ما ذُكِر منَ الوقفِ والإرسالِ إذا قُدِّم الأحفظُ فيه على غيرِه لا يلزَمُ منه القدحُ في عدالةِ مَن رَفَع، أو وَصَل، (وَ) لا يقدَحُ أيضًا في الحديثِ (الَّذِي يَفِي) بسندِه، يعني: الحديثَ الذي يروِيه مسندًا، والمرادُ جنسُ الحديثِ الذي رواه بسندِه، لا الحديثُ المختلَفُ فيه الذي هو محَلُّ النِّزاعِ؛ فإنَّه يقدَحُ فيه بلا شكٍّ.

стр. 177

١٥٣ - وَإِنْ يَكُنْ مِنْ وَاحِدٍ تَعَارَضَا … فَاحْكُمْ لَهُ بِالْمُرْتَضَى بِمَا مَضَى [١٥٣] (وَإِنْ يَكُنْ مِنْ) راوٍ (وَاحِدٍ تَعَارَضَا) كلٌّ منَ الرفعِ والوقفِ، والوصلِ والإرسالِ؛ (فَاحْكُمْ) أيُّها المحدِّثُ (لَهُ) أي: لهذا المُتعارِضِ (في الْمُرْتَضَى) أي: في القولِ المَرْضِيِّ الذي عليه الجمهورُ (بِمَا مَضَى)، أي: بالحُكمِ الذي مرَّ قريبًا، وهو الحُكمُ للرفعِ والوصلِ.

стр. 178

المُعلق وهو النوعُ الثاني عَشَرَ من أنواعِ علومِ الحديثِ: ١٥٤ - مَا أَوَّلُ الإِسْنَادِ مِنْهُ يُطْلَقُ … وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ مُعَلَّقُ ١٥٥ - وَفِي الصَّحِيحِ ذَا كَثِيرٌ، فَالَّذِي … أُتِيْ بِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ خُذِ [١٥٤] (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (أَوَّلُ الإِسْنَادِ) من جهةِ الراوي، كشيخِه، فمَن فوقَه (مِنْهُ) أي: من ذلك الحديثِ (يُطْلَقُ) أي: يُحذَفُ، ويُسقَطُ، من قولِهم: أطلقْتُ الأسيرَ: إذا حَلَلْتُ أَسْرَه، (وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ) أي: ولو كان الحذفُ من أولِ السندِ إلى آخِرِه؛ بأنِ اقتصَرَ على الرسولِ ﷺ في المرفوعِ، وعلى الصحابيِّ في الموقوفِ: (مُعَلَّقُ) أي: فهذا النوعُ يُسمَّى معلَّقًا. [١٥٥] (وَفِي الصَّحِيحِ) أي: «صحيحِ البخاريِّ»؛ لأنَّه المرادُ عندَ الإطلاقِ، (ذَا) أيِ: التعليقُ (كَثِيرٌ، فَالَّذِي) الفاءُ فصيحيَّةٌ، «والذي» مبتدأٌ، أي: إذا عرفْتَ أنَّ معلَّقاتِ البخاريِّ كثيرةٌ، وأردْتَ بياَن حُكمِها؛ فأقولُ

стр. 179

لك: المعلَّقُ: الذي (أُتِيْ بِهِ) أي: المعلَّق (بِصِيغَةِ) أي: صورةِ (الْجَزْمِ) كـ: قال، وفَعَلَ، وأَمَرَ، وَذَكَرَ فلانٌ (خُذِ) أيُّها المُحدِّثُ. ١٥٦ - صِحَّتَهُ عَنِ الْمُضَافِ عَنْهُ … وَغَيْرَهُ ضَعِّفْ وَلا تَهِنْهُ ١٥٧ - وَمَا عَزَا لِشَيْخِهِ بِقَالا … فَفِي الأَصَحِّ احْكُمْ لَهُ اتِّصَالا [١٥٦] (صِحَّتَهُ) أي: صحةُ ما أتى به مجزومًا (عَنِ الْمُضَافِ عَنْهُ) أي: عنِ الشخصِ الذي أُضيفَ الحديثُ إليه، (وَغَيْرَهُ) أي: غيرَ ما أتى به بصيغةِ الجزمِ؛ بأنْ أتى به بصيغةِ التمريضِ، كَـ: يُروَى، ويُذْكَرُ، ويُحكَى، وذُكِرَ، وحُكِيَ عن فلانٍ، أو في البابِ عنه ﷺ ، كما قال ابنُ الصلاحِ ﵀ (ضَعِّفْ) أيِ: احكُمْ بضَعفِه عنِ المضافِ إليه، (وَلا) ناهيةٌ (تَهِنْه) مضارعٌ «وَهَنْتُه» أي: لا تَحْكُمْ على ما أورَدَه بصيغةِ التمريضِ بأنَّه واهنٌ ساقطٌ جِدًّا؛ لإدخالِه إيَّاهُ في الكتابِ الموسومِ بالصحيحِ. ووَقَع في نسخةٍ: «تُوهِنْهُ». [١٥٧] (وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (عَزَا) أي: نَسَبه صاحبُ الصحيحِ في كتابِه (لِشَيْخِهِ) أي: إليه (بِقَالا) أي: بهذه الكلمةِ، والألِفُ للإطلاقِ، ونحوِها كـ «زَادَ» و «ذَكَر»، وذلك كقولِه: قال فلان، وزاد فلان، وذَكَر فلان،

стр. 180

ونحوُها (فَفِي الأَصَحِّ) أيِ: القولِ الأصحِّ الذي جَزَم به ابنُ الصلاحِ ﵀، وصوَّبَه العراقيُّ ﵀، متعلِّقٌ بـ (احْكُمْ لَهُ) أي: لهذا المعزُوِّ لشيخِه (اتِّصَالا) أي: باتصالٍ. ١٥٨ - [وَمَا لَهَا لَدَى سِوَاهُ ضَابِطُ … فَتَارَةً وَصْلٌ وَأُخْرَى سَاقِطُ] [١٥٨] (وَمَا) نافيةٌ (لَهَا) أي: لـ «قال» (لَدَى سِوَاهُ) أي: عند غيرِ البخاريِّ منَ المحدِّثين، وهو متعلِّقٌ بـ (ضَابِطُ) والمعنى: أنَّه ليس لهذِه الكلمةِ عندَ غيرِ البخاريِّ ضابطٌ يُرجَعُ إليه؛ (فَتَارَةً وَصْلٌ) أي: هي ذاتُ وصلٌ، بمعنى: أنَّها مستعمَلةٌ في الوصلِ، (وَأُخْرَى) أي: تارةً أخرى هي (سَاقِطُ)، يعني: أنَّ ما استُعمِلَت فيه ليس موصولًا بالسماعِ. تنبيهٌ: قال شيخنا ﵀: ولو قال بدلَ هذا البيتِ: وَمَنْ سِوَاهُ بَعْضُهُمْ يَسْتَعْمِلُ … لِلْوَصْلِ وَالْبَعْضُ لِقَطْعٍ يَعْمَلُ لَكانَ موضِّحًا لاصطِلاحِ البخاريِّ واصطِلاحِ غيرِه.
следующие страницы →