Полный текст (592 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
١٥١ - وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقِيلَ: الأَكْثَرُ، … وَقِيلَ: قَدِّمْ أَحْفَظَا، وَالأَشْهَرُ
١٥٢ - عَلَيْهِ لا يَقْدَحُ هَذَا مِنْهُ فِي … أَهْلِيَّةِ الْوَاصِلِ وَالَّذِي يَفِي
[١٥١] (وَقِيلَ: عَكْسُهُ) أيِ: المعتبَرُ عكْسُ هذا الحُكمِ، وهو تقديمُ الوقفِ والإرسالِ، قال الخطيبُ ﵀: وهو قولُ أكثرِ المحدِّثين، (وَقِيلَ: الأَكْثَرُ) أي: يقدَّم ما قالَه الأكثرُ، من وقفٍ أو رفعٍ، ووصلٍ أو إرسالٍ، وهذا القولُ نَقَله الحاكِمُ ﵀ في «المدخلِ» عن أئمةِ الحديثِ، (وَقِيلَ: قَدِّمْ) منَ التقديمِ (أَحْفَظَا) أي: ما قاله الأحفَظُ من رفعٍ ووقفٍ، أو وصلٍ وإرسالٍ، (وَالأَشْهَرُ) من قولَيِ العلماءِ.
[١٥٢] (عَلَيْهِ) أي: إذا مَشَينا على القولِ الرابعِ، وكذا الثالثِ، كما أفادَه في التنقيحُ: أنَّه (لا يَقْدَحُ) أي: لا يَجرَحُ (هَذَا) إشارةٌ إلى ما ذُكِر منَ الوقفِ والإرسالِ (مِنْهُ) أي: منَ الأحفظِ (فِي أَهْلِيَّةِ الْوَاصِلِ) أي: والرافعِ، يعني: أنَّ ما ذُكِر منَ الوقفِ والإرسالِ إذا قُدِّم الأحفظُ فيه على غيرِه لا يلزَمُ منه القدحُ في عدالةِ مَن رَفَع، أو وَصَل، (وَ) لا يقدَحُ أيضًا في الحديثِ (الَّذِي يَفِي) بسندِه، يعني: الحديثَ الذي يروِيه مسندًا، والمرادُ جنسُ الحديثِ الذي رواه بسندِه، لا الحديثُ المختلَفُ فيه الذي هو محَلُّ النِّزاعِ؛ فإنَّه يقدَحُ فيه بلا شكٍّ.
стр. 177
١٥٣ - وَإِنْ يَكُنْ مِنْ وَاحِدٍ تَعَارَضَا … فَاحْكُمْ لَهُ بِالْمُرْتَضَى بِمَا مَضَى
[١٥٣] (وَإِنْ يَكُنْ مِنْ) راوٍ (وَاحِدٍ تَعَارَضَا) كلٌّ منَ الرفعِ والوقفِ، والوصلِ والإرسالِ؛ (فَاحْكُمْ) أيُّها المحدِّثُ (لَهُ) أي: لهذا المُتعارِضِ (في الْمُرْتَضَى) أي: في القولِ المَرْضِيِّ الذي عليه الجمهورُ (بِمَا مَضَى)، أي: بالحُكمِ الذي مرَّ قريبًا، وهو الحُكمُ للرفعِ والوصلِ.
стр. 178
المُعلق
وهو النوعُ الثاني عَشَرَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:
١٥٤ - مَا أَوَّلُ الإِسْنَادِ مِنْهُ يُطْلَقُ … وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ مُعَلَّقُ
١٥٥ - وَفِي الصَّحِيحِ ذَا كَثِيرٌ، فَالَّذِي … أُتِيْ بِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ خُذِ
[١٥٤] (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (أَوَّلُ الإِسْنَادِ) من جهةِ الراوي، كشيخِه، فمَن فوقَه (مِنْهُ) أي: من ذلك الحديثِ (يُطْلَقُ) أي: يُحذَفُ، ويُسقَطُ، من قولِهم: أطلقْتُ الأسيرَ: إذا حَلَلْتُ أَسْرَه، (وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ) أي: ولو كان الحذفُ من أولِ السندِ إلى آخِرِه؛ بأنِ اقتصَرَ على الرسولِ ﷺ في المرفوعِ، وعلى الصحابيِّ في الموقوفِ: (مُعَلَّقُ) أي: فهذا النوعُ يُسمَّى معلَّقًا.
[١٥٥] (وَفِي الصَّحِيحِ) أي: «صحيحِ البخاريِّ»؛ لأنَّه المرادُ عندَ الإطلاقِ، (ذَا) أيِ: التعليقُ (كَثِيرٌ، فَالَّذِي) الفاءُ فصيحيَّةٌ، «والذي» مبتدأٌ، أي: إذا عرفْتَ أنَّ معلَّقاتِ البخاريِّ كثيرةٌ، وأردْتَ بياَن حُكمِها؛ فأقولُ
стр. 179
لك: المعلَّقُ: الذي (أُتِيْ بِهِ) أي: المعلَّق (بِصِيغَةِ) أي: صورةِ (الْجَزْمِ) كـ: قال، وفَعَلَ، وأَمَرَ، وَذَكَرَ فلانٌ (خُذِ) أيُّها المُحدِّثُ.
١٥٦ - صِحَّتَهُ عَنِ الْمُضَافِ عَنْهُ … وَغَيْرَهُ ضَعِّفْ وَلا تَهِنْهُ
١٥٧ - وَمَا عَزَا لِشَيْخِهِ بِقَالا … فَفِي الأَصَحِّ احْكُمْ لَهُ اتِّصَالا
[١٥٦] (صِحَّتَهُ) أي: صحةُ ما أتى به مجزومًا (عَنِ الْمُضَافِ عَنْهُ) أي: عنِ الشخصِ الذي أُضيفَ الحديثُ إليه، (وَغَيْرَهُ) أي: غيرَ ما أتى به بصيغةِ الجزمِ؛ بأنْ أتى به بصيغةِ التمريضِ، كَـ: يُروَى، ويُذْكَرُ، ويُحكَى، وذُكِرَ، وحُكِيَ عن فلانٍ، أو في البابِ عنه ﷺ ، كما قال ابنُ الصلاحِ ﵀ (ضَعِّفْ) أيِ: احكُمْ بضَعفِه عنِ المضافِ إليه، (وَلا) ناهيةٌ (تَهِنْه) مضارعٌ «وَهَنْتُه» أي: لا تَحْكُمْ على ما أورَدَه بصيغةِ التمريضِ بأنَّه واهنٌ ساقطٌ جِدًّا؛ لإدخالِه إيَّاهُ في الكتابِ الموسومِ بالصحيحِ.
ووَقَع في نسخةٍ: «تُوهِنْهُ».
[١٥٧] (وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (عَزَا) أي: نَسَبه صاحبُ الصحيحِ في كتابِه (لِشَيْخِهِ) أي: إليه (بِقَالا) أي: بهذه الكلمةِ، والألِفُ للإطلاقِ، ونحوِها كـ «زَادَ» و «ذَكَر»، وذلك كقولِه: قال فلان، وزاد فلان، وذَكَر فلان،
стр. 180
ونحوُها (فَفِي الأَصَحِّ) أيِ: القولِ الأصحِّ الذي جَزَم به ابنُ الصلاحِ ﵀، وصوَّبَه العراقيُّ ﵀، متعلِّقٌ بـ (احْكُمْ لَهُ) أي: لهذا المعزُوِّ لشيخِه (اتِّصَالا) أي: باتصالٍ.
١٥٨ - [وَمَا لَهَا لَدَى سِوَاهُ ضَابِطُ … فَتَارَةً وَصْلٌ وَأُخْرَى سَاقِطُ]
[١٥٨] (وَمَا) نافيةٌ (لَهَا) أي: لـ «قال» (لَدَى سِوَاهُ) أي: عند غيرِ البخاريِّ منَ المحدِّثين، وهو متعلِّقٌ بـ (ضَابِطُ) والمعنى: أنَّه ليس لهذِه الكلمةِ عندَ غيرِ البخاريِّ ضابطٌ يُرجَعُ إليه؛ (فَتَارَةً وَصْلٌ) أي: هي ذاتُ وصلٌ، بمعنى: أنَّها مستعمَلةٌ في الوصلِ، (وَأُخْرَى) أي: تارةً أخرى هي (سَاقِطُ)، يعني: أنَّ ما استُعمِلَت فيه ليس موصولًا بالسماعِ.
تنبيهٌ: قال شيخنا ﵀: ولو قال بدلَ هذا البيتِ:
وَمَنْ سِوَاهُ بَعْضُهُمْ يَسْتَعْمِلُ … لِلْوَصْلِ وَالْبَعْضُ لِقَطْعٍ يَعْمَلُ
لَكانَ موضِّحًا لاصطِلاحِ البخاريِّ واصطِلاحِ غيرِه.
стр. 181
المُعَنْعَنُ
وهو النَّوعُ الثالثَ عَشَرَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:
١٥٩ - وَمَنْ رَوَى بِـ «عَنْ» وَ «أَنَّ» فَاحْكُمِ … بِوَصْلِهِ إِنِ اللِّقَاءُ يُعْلَمِ
١٦٠ - وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا، وَقِيلَ: لا … وَقِيلَ «أَنَّ» اقْطَعْ وَأَمَّا «عَنْ» صِلا
[١٥٩] (وَمَنْ) شرطيةٌ أو موصولةٌ: مبتدأٌ (رَوَى) الحديثُ عن شيخِه (بِـ) صيغةِ («عَنْ») كأنْ يقولَ: عن فلانٍ، (وَ) بصيغةِ («أَنَّ») بفتحِ الهمزةِ، وتُكسَرُ، وتشديدِ النونِ؛ كأن يقولَ: حدَّثَنا فلانٌ أنَّ فلانًا قال كذا، ونحوُ ذلك؛ (فَاحْكُمِ) بكسرِ الميمِ للوزنِ -أيُّها المحدثُ- على حديثِه (بِوَصْلِهِ) أي: بكونِه موصولًا مسنَدًا، (إِنِ اللِّقَاءُ) أي: لقاءُ المعنعِنِ -بكسرِ العينِ الثانيةِ- والمُعَنعَنِ عنه -بفتحِها-، وكذا في المؤنِّنِ (يُعْلَمِ) بكسرِ الميمِ للرويِّ، أي: إنْ يُعلَمِ اللقاءُ المذكورُ المَكنِيُّ به عنِ السماعِ؛ بأن يثبُتَ ذلك، ولو مرةً، وهذا هو الشرطُ الأولُ.
[١٦٠] (وَلَمْ يَكُنْ) المُعنعِنُ بالكسرِ، وكذا المؤنِّنُ (مُدَلِّسًا)، وهذا
стр. 182
هو الشرطُ الثاني، (وَقِيلَ): إنَّ المعنعَنَ والمؤنَّنَ (لا) يُحكَمُ باتصالِهما، بل هما مُنقطِعانِ، (وَقِيلَ أَنَّ) مفعولٌ مقدمٌ (اقْطَعْ) أي: احكُمْ -أيُّها المحدِّثُ- بانقطاعِ ما رُوِيَ بـ «أنَّ» حتى يتبيَّنَ السماعُ في ذلك الخبرِ بعينِه من جهةٍ أخرى.
(وَأَمَّا «عَنْ» صِلا) أي: أنَّك تحكُمُ باتصالِ ما رُوي بـ «عن» بالشرطَينِ السابقَينِ.
١٦١ - وَمُسْلِمٌ يَشْرِطْ تَعَاصُرًا فَقَطْ … وَبَعْضُهُمْ طُولَ صَحَابَةٍ شَرَطْ
[١٦١] (وَ) الإمامُ الحافظُ الحجةُ أبو الحسينِ (مُسْلِمٌ) بنُ الحجاجِ القُشَيريُّ صاحِبُ الصحيحِ (يَشْرِطْ) سُكِّنت طاؤه؛ فأدغِمت في التاءِ بعدها، وهو جائزٌ في سَعةِ الكلامِ، ويتعيَّن هنا للوزنِ (تَعَاصُرًا) مفعولُ «يشرِط» (فَقَطْ) أي: فحسْبُ، والمعنى: أنَّ مسلمًا ﵀ اكتفَى في الحكمِ على الحديثِ المعنعَنِ بالاتصالِ بالمُعاصرةِ.
(وَبَعْضُهُمْ) أي: بعضُ العلماءِ، وهو أبو المُظفَّرِ بنُ السمعانيِّ (طُولَ صَحَابَةٍ) مفعولٌ مقدَّمٌ لـ «شَرَطْ» والصَّحابةِ بالكسرِ، والفتحِ.
والمعنى: أنَّ بعضَ العُلماءِ شَرَط -زيادةً على اللقاءِ- طُول صُحبةِ المعنعِنِ للمُعنعَنِ عنه، ولم يكتفِ بثُبوتِ اللقاءِ.
стр. 183
١٦٢ - وَبَعْضُهُمْ عِرْفَانَهُ بِالأَخْذِ عَنْ … وَاسْتُعْمِلا إِجَازَةً فِي ذَا الزَّمَنْ
١٦٣ - وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى … مُتَّصِلٌ، وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى
[١٦٢] (وَبَعْضُهُمْ) أي: شَرَطَ (عِرْفَانَهُ) بكسرٍ فسكونٍ، أي: شَرَط كونَ الراوي معروفًا (بِالأَخْذِ) أي: الروايةِ (عَنْ) أي: عمَّن رَوى عنه.
والمعنى: أنَّ بعضَهم شَرَط لقبولِ العنعنِة ونحوِها -زيادةً على ما تقدَّم- كونَه معروفًا بالأخذِ عمَّن عَنعَن عنه.
وهذا القولُ لأبي عمرٍو عثمانُ بنُ سعيدٍ المقرئُ الدَّاني.
ثم قال ﵀: (وَاسْتُعْمِلا) بالبناءِ للمفعولِ، والضميرُ عائدٌ على «عَنْ» و «أنَّ» (إِجَازَةً) أي: في إجازةٍ (فِي ذَا الزَّمَنْ) أي: في هذا الوقتِ المتأخِّرِ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ المتأخرين قدِ اصطَلَحوا على أنَّ: «عَنْ» و «أَنَّ» للإجازةِ؛ فهما عندَهم بمنزلةِ: «أخبَرَنا».
[١٦٣] (وَكُلُّ) أي: حديثُ كلِّ (مَنْ أَدْرَكَ) منَ الرواةِ سواءٌ كان صحابيًّا أو مَن دونه (مَا لَهُ رَوَى مُتَّصِلٌ)، والمعنى: أنَّ كلَّ مَن روى قصةً، أو واقعةً أدرَكَها فحديثُه متصِلٌ.
(وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ ما ذُكِر، هو كلُّ مَن لم يُدرِكْ ما رواه منَ الواقعةِ
стр. 184
(قَطْعًا) أي: انقطاعًا (حَوَى) أي: جَمَع، والمعنى: أنَّ كلَّ مَن رَوَى واقعةً لم يُدرِكْها فروايتُه منقطعةٌ؛ فإن كان صحابيًّا؛ فمرسلُ صحابيِّ، وإلَّا فمنقطعٌ بالمعنى الاصطلاحيِّ.
وحاصلُ معنى البيتِ: أنَّ الراويَ إذا روى حديثًا فيه قصةٌ أو واقعةٌ؛ فإنْ أدرَك ما رواه بأنْ حكى قصةً وَقَعت بين النبيِّ ﷺ وبين بعضِ الصحابةِ، والراوي لذلك صحابيٌّ أدرك تلك الواقِعةَ؛ فهو محكومٌ له بالاتصالِ، وإنْ لم يُعلَمْ أنَّه شاهَدَها، وإنْ لم يُدرِك تلك الواقِعةَ؛ فهو مرسلُ صحابيٍّ، وإنْ كان الراوي تابعيًّا؛ فهو منقطِعٌ.
стр. 185
التَّدْلِيسُ
وهو النوعُ الرابعَ عَشَرَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:
١٦٤ - تَدْلِيسُ الِاسْنَادِ بِأَنْ يَرْوِيَ عَنْ … مُعَاصِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْهُ بِـ «أَنْ»
١٦٥ - يَأْتِي بِلَفْظٍ يُوهِمُ اتِّصَالا … كَـ «عَنْ» وَ «أَنَّ» وكذاك «قالا»
[١٦٤] (تَدْلِيسُ الِاسْنَادِ) أيِ: النوعُ المسمَّى به (بِأَنْ يَرْوِيَ) الباءُ للتصويرِ، يعني: أنَّ تدليسَ الإسنادِ مُصَوَّر بروايةِ شخصٍ (عَنْ مُعَاصِرٍ) أي: شيخٍ معاصِرٍ له، أو مُلَاقٍ (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (لَمْ يُحَدِّثْهُ) أي: ذلك المعاصِرُ، وإنَّما حدَّثَه رجلٌ آخرُ عنه (بِـ «أَنْ») أي: مع إتيانِ ذلك الراوي.
[١٦٥] (يَأْتِي بِلَفْظٍ) من ألفاظِ الأداءِ (يُوهِمُ) أي: يُوقِعُ في الوَهْمِ (اتِّصَالا) بذلك الشيخِ (كَـ «عَنْ») أي: ذلك كلفظةِ «عَنْ» (وَ «أَنَّ» وكذاك «قالا»).
وحاصلُ معنى البيتَينِ: أنَّ تدليسَ الإسنادِ هو: أن يروِيَ شخصٌ عمَّن عاصَرَه، أو لَقِيَه ما لم يسمَعْه منه، موهِمًا سماعَه، بإتيانِه بلفظٍ يوهِمُ الاتصالَ، ولا يقتضيهِ، مثلُ عن «فلانٍ» أو «أنَّ فلانًا»، أو «قال فلانٌ»، أو نحوِها.
стр. 186
١٦٦ - [وَقِيلَ: أَنْ يَرْوِيَ مَا لَمْ يَسْمَعِ … مِنْهُ وَلَوْ تَعَاصُرًا لَمْ يَجْمَعِ
١٦٧ - وَمِنْهُ أَنْ يُسَمِّيَ الشَّيخَ فَقَطْ … قَطْعٌ بِهِ الأَدَاةُ مُطْلَقًا سَقَطْ
[١٦٦] (وَقِيلَ): التدليسُ: (أَنْ) مصدريةٌ (يَرْوِيَ) الرجلُ عنِ الرجلِ (مَا لَمْ يَسْمَعِ) أيِ: الحديثَ الذي لم يسمَعْه (مِنْهُ)، أي: منَ المحدِّثِ، والمعنى: أنَّ التدليسَ هو: أن يروِيَ ما لم يسمَعْه بلفظٍ يُوهِمُ اتِّصالًا كـ «عن»، (وَلَوْ) كان الراوي (تَعَاصُرًا) أي: معاصرَةً مع مَن روى عنه (لَمْ يَجْمَعِ) أي: ولو لم يجمَعِ المعاصرةَ، وكُسِرَتِ العينُ فيه وفي «يسمَعِ» للوزنِ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ التدليسَ على هذا القولِ هو: أن يحدِّثَ الرجلُ عنِ الرجلِ بما لم يسمَعْه منه بلفظٍ لا يقتضي تصريحًا بالسماعِ، ولو لم يتعاصَرَا.
[١٦٧] (وَمِنْهُ) أي: من تدليسِ الإسنادِ: (أَنْ يُسَمِّيَ) الراوي (الشَّيخَ) أي: يذكُرَ اسمَ الشيخِ (فَقَطْ) أي: فحسْبُ، يعني: أنه ما ذَكَر صِيَغَ الأداءِ، (قَطْعٌ) أي: هو تدليسُ قطعٍ (بِهِ) والباءُ بمعنى «مِن» أي: من ذلك الحديثِ (الأَدَاةُ) أي: صيغةُ التحديثِ (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كان «حدَّثَنا»، أو «أخبَرَنا»، أو «عن»، أو نحوَ ذلك (سَقَطْ).
стр. 187
وحاصلُ معنى البيتِ: أنَّ من تدليسِ الإسنادِ: ما يُسَمَّى تدليسَ القطعِ، سمَّاه به الحافِظُ في «تصنيفِه في المدلِّسين»، وهو أن يُسْقِطَ أداةَ الروايةِ أصلًا مقتصِرًا على اسمِ شيخِه، ويفعَلُه أهلُ الحديثِ كثيرًا.
١٦٨ - وَمِنْهُ عَطْفٌ، وَكَذَا أَنْ يَذْكُرَا … «حَدَّثَنَا» وَفَصْلُهُ الاِسْمَ طَرَا]
[١٦٨] (وَمِنْهُ عَطْفٌ) أي: ومن تدليسِ الإسنادِ: «تدليُس عطفٍ»: وهو أن يروِيَ عن شيخَين من شيوخِه ما سَمِعاه من شيخٍ اشتَرَكا فيه، ويكونُ قد سمِعَ من أحدِهِما دونَ الآخَرِ؛ فيصرِّحُ عنِ الأولِ بالسماعِ، ويَعطِفُ الثانيَ عليه، فيُوهِمُ أنَّه حدَّث عنه بالسماعِ أيضًا، وإنَّما حدَّث بالسماعِ عنِ الأولِ، (وَكَذَا) أي: مثلُ ما تقدَّم من تدليسِ القطعِ، والعطفِ: (أَنْ) مصدريةٌ (يَذْكُرَا) أيِ: الراوي، والألِفُ إطلاقيةٌ («حَدَّثَنَا») أي: لفظُ «حدَّثَنا»، (وَفَصْلُهُ) أي: فصلُ الراوي (الاِسْمَ) أيِ: اسمِ الشيخِ (طَرَا) بقلبِ الهمزةِ ألِفًا للوقفِ، أي: وَقَع، والتقديرُ: ومثلُ ما تقدَّم منَ الأنواعِ: ذِكرُ الراوي ألفاظَ الأداءِ، والحالُ أنَّ فصْلَه اسمَ الشيخِ عن صيغِ الأداءِ طارئٌ؛ بأن يسكُتَ بعدَ ذكرِ الأداةِ، ثم يذكُرُ اسمَ الشيخِ.
стр. 188
١٦٩ - وَكُلُّهُ ذَمٌّ، وَقِيلَ: بَلْ جَرَحْ … فَاعِلَهُ، وَلَوْ بِمَرَّةٍ وَضَحْ
١٧٠ - وَالْمُرْتَضَى قَبُولُهُمْ إِنْ صَرَّحُوا … بِالْوَصْلِ فَالأَكْثَرُ هَذَا صَحَّحُوا
[١٦٩] (وَكُلُّهُ) أي: جميعُ أنواعِ التدليسِ (ذَمٌّ) أي: ذمَّه العلماءُ، (وَقِيلَ) أي: قال فريقٌ من أهلِ الحديثِ: (بَلْ) للإضرابِ الانتقاليِّ (جَرَحْ فَاعِلَهُ) أي: جَرَحَ التدليسُ فاعلَه، (وَلَوْ) للتقليلِ (بِمَرَّةٍ) واحدةٍ (وَضَحْ) أي: ظَهَر التدليسُ.
[١٧٠] (وَالْمُرْتَضَى) أيِ: القولُ المرضيُّ من أقوالِ العُلماءِ في المُدَلِّسين، (قَبُولُهُمْ) أي: قبولُ العلماءِ حديثَ المدلِّسين (إِنْ) شرطيةٌ (صَرَّحُوا) أيِ: المدلِّسون فيما رَوَوه (بِالْوَصْلِ) أي: بكونِ ما رَوَوه موصولًا بالسماعِ؛ بأن قالوا: «سَمِعتُ»، أو «حدَّثَنا»، أو «أخبَرَنا»، أو نحوَها؛ (فَالأَكْثَرُ) من أئمةِ الحديثِ، والفقهِ، والأصولِ (هَذَا صَحَّحُوا) أي: صحَّحَ أكثرُ العلماءِ هذا القولَ المُفَصلَ.
стр. 189
١٧١ - [وَمَا أَتَانَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِـ «عَنْ» … فَحَمْلُهُ عَلَى ثُبُوتِهِ قَمَنْ]
١٧٢ - وَشَرُّهُ [«التَّجْوِيدُ»] وَالتَّسْوِيَةُ … [إِسْقَاطُ غَيْرِ شَيْخِهِ وَيُثْبِتُ
١٧٣ - كَمِثْلِ «عَنْ» وَذَاكَ قَطْعًا يَجْرَحُ] … وَدُونَهُ تَدْلِيسُ شَيْخٍ يُفْصِحُ
[١٧١] (وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (أَتَانَا) أي: وَصَل إلينا عنِ المدلِّسين (فِي الصَّحِيحَيْنِ) أي: حالَ كونِه في كتابيِ البخاريِّ ومسلمٍ (بِعَنْ) أي: حالَ كونِه مرويًّا بصيغةٍ تحتمِلُ السماعَ وعدَمَه كـ «عن» ونحوِها؛ (فَحَمْلُهُ) أي: حمْلُ ذلك الحديثِ (عَلَى ثُبُوتِهِ) أي: ثبوتِ ذلك الحديثِ بالسماعِ له من جهةٍ أخرى (قَمَنْ) أي: حقيقٌ.
[١٧٢] (وَشَرُّهُ «التَّجْوِيدُ») أي: شرُّ أقسامِ التدليسِ: النوعُ المسمَّى عندَ المتقدِّمين بالتجويدِ، (وَ) هو (التَّسْوِيَةُ)؛ فالتجويدُ والتسويةُ اسمانِ لمسمًّى واحدٍ (إِسْقَاطُ) أي: هو إسقاطُ (غَيْرِ شَيْخِهِ) أي: حذفُ الراوي منَ السندِ غيرَ شيخِه، كشيخِ شيخِه، أو مَن فوقَه؛ لكونِه ضعيفًا، أو صغيرًا (وَيُثْبِتُ) أي: وهو يُثبِتُ.
[١٧٣] (كَمِثْلِ «عَنْ») أي: لفظًا محتمِلًا للسماعِ كـ «عن» ونحوِها؛ فالكافُ زائدةٌ.
стр. 190
وحاصلُ المعنى: أنَّ أفحشَ أنواعِ التدليسِ: ما يسمَّى بالتجويدِ والتسويةِ، وصورتُه -كما قال العراقيُّ ﵀: أن يروِيَ حديثًا عن شيخٍ ثقةٍ، وذلك يرويه عن ضعيفٍ، عن ثقةٍ؛ فيأتي المدلِّسُ الذي سَمِع الحديثَ منَ الثقةِ الأولِ، فيُسقِطُ الضعيفَ الذي في السندِ، ويجعَلُ الحديثَ عن شيخِه الثقةِ، عنِ الثقةِ الثاني، بلفظٍ محتمِلٍ؛ فيستوي الإسنادُ كلُّه ثقاتٌ.
ثم قال ﵀: (وَذَاكَ) أيِ: التجويدُ والتسويةُ (قَطْعًا) أي: مقطوعًا به بين العلماءِ، يعني: أنه لا خِلافَ فيه (يَجْرَحُ)، واسمُ الإشارةِ عائدٌ على المُجَوِّدِ.
(وَدُونَهُ) أي: دونَ تدليسِ الإسنادِ بأنواعِه (تَدْلِيسُ شَيْخٍ) من شيوخِ الراوي (يُفْصِحُ) أي: يُبَيَّن ويُذكَرُ ذلك الشيخُ.
١٧٤ - بِوَصْفِهِ بصِفَةٍ لا يُعْرَفُ … فَإِنْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ يُضَعَّفُ
[١٧٤] (بِوَصْفِهِ) الباءُ بمعنى «مع»، أي: مع وصْفِه (بصِفَةٍ) من صفاتِه (لا يُعْرَفُ) بها بين الناسِ (فَإِنْ يَكُنْ) أيِ: التدليسُ؛ (لِكَوْنِهِ) أي: ذلك الشيخِ (يُضَعَّفُ) أي: يُنسَبُ إلى الضعفِ.
стр. 191
١٧٥ - [فَقِيلَ: جَرْحٌ] أَوْ لِلاسْتِصْغَارِ … فَأَمْرُهُ أَخَفُّ كَاسْتِكْثَارِ
١٧٦ - [وَمِنْهُ إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا … اسْمَ مُسَمًّى آخَرٍ تَشْبِيهَا]
[١٧٥] (فَقِيلَ) أي: قال بعضُهم: هذا (جَرْحٌ) أي: جارِحٌ فاعِلَه، أو مجروحٌ فاعِلُه، وهذا القولُ لابنِ الصَّبَّاغِ ﵀.
(أَوْ) يكونُ التدليسُ (لِـ) أجلِ (الاسْتِصْغَارِ) أي: عَدِّ المرويِّ عنه صغيرَ السنِّ؛ (فَأَمْرُهُ) أي: شأنُ هذا التدليسِ، وحُكْمُه (أَخَفُّ) أي: أسهَلُ ممَّا قبْلَه (كَاسْتِكْثَارِ) أي: كما يكونُ أخفَّ إذا كان الحامِلُ له على ذلك استكثارَ الشيوخِ.
[١٧٦] (وَمِنْهُ) أي: من تدليسِ الشيوخِ: (إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا) أي: في الأسانيدِ (اسْمَ مُسَمًّى آخَرٍ) صفةٌ لـ «مُسَمًّى»، وصُرِف للضرورةِ، أي: إعطاءُ شيخٍ من شيوخِ الإسنادِ اسمَ شخصٍ آخرَ، وذلك الشخصُ مشهورٌ (تَشْبِيهَا) أي: لأجلِ تشبيهِ ذلك الشيخِ بذلك الشخصِ المشهورِ.
стр. 192
الإِرْسَالُ الخَفِيُّ، والمَزِيْدُ في مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ
وهما النوعُ الخامسَ عَشَرَ والسادسَ عَشَرَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:
١٧٧ - وَيُعْرَفُ الإِرْسَالُ ذُو الْخَفَاءِ … بِعَدَمِ السَّمَاعِ وَاللِّقَاءِ
١٧٨ - وَمِنْهُ مَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِ … مِنْ جِهَةٍ بِزيْدِ شَخْصٍ وَاعِ
[١٧٧] (وَيُعْرَفُ الإِرْسَالُ ذُو الْخَفَاءِ) احتَرَز به عنِ الإرسالِ الظاهرِ، والمعنى: أنَّ الإرسالَ الخفيَّ يُعرَفُ (بِعَدَمِ السَّمَاعِ) أي: سماعِ الراوي منَ المرويِّ عنه مُطلقًا، لا هذا الحديثَ، ولا غيرَه، ولو تلاقَيَا، (وَ) يُعرَفُ أيضًا بعدمِ (اللِّقَاءِ) بينهما، حيثُ عُلِمَ ذلك؛ إمَّا بالإخبارِ عن نفسِه، أو بإخبارِ إمامٍ مُطَّلِعٍ.
[١٧٨] (وَمِنْهُ) أي: منَ المرسلِ الخفيِّ (مَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِ) لمجيئِه (مِنْ جِهَةٍ) أخرى (بِزيْدِ) أي: بزيادةِ (شَخْصٍ وَاعِ) بينَهما.
قال الشيخُ أحمد شاكر ﵀: «هذا البيتُ زيادةٌ في المتنِ الذي شَرَحه التِّرمسيُّ ﵀، ولم يوجدْ في الأصلِ، وأرى أنَّه لا داعِيَ له؛ لفَهمِ معناه ممَّا
стр. 193
في الأبياتِ بعدَه، ولعلَّه من مسوَّدةِ المؤلِّفِ، ثم حذَفَه في النسخةِ الأخيرةِ.
وتَبِعه على ذلك الشارِحُ ﵀.
١٧٩ - وَبِزِيَادَةٍ تَجِي، وَرُبَّمَا … يُقْضَى عَلَى الزَّائِدِ أَنْ قَدْ وَهِمَا
١٨٠ - [حَيْثُ قَرِينَةٌ] وَإِلَّا احْتَمَلا … سَمَاعُهُ مِنْ ذَيْنِ مَا قَدْ حَمَلا
[١٧٩] (وَ) يُعرَفُ أيضًا (بِزِيَادَةٍ)، أي: بسببِ زيادةِ اسمٍ (تَجِي) أي: تجيءُ تلك الزيادةُ في السندِ بين الراوِيَين اللَّذَين كان يُظَنُّ الاتصالُ بينهما، (وَرُبَّمَا يُقْضَى عَلَى) الراوي (الزَّائِدِ) راويًا بين الراوِيَين (أَنْ) مخففةٌ (قَدْ وَهِمَا) أي: بأنَّه قد وَهِمَ، أي: غَلِطَ.
وحاصِلُ المعنى: أنَّه ربَّما كان الحكمُ للناقصِ، وهذا إذا كان حذْفُ الزائدِ بتحديثٍ، أو نحوِه، وهذا الحكمُ للناقصِ:
[١٨٠] (حَيْثُ) توجَدُ (قَرِينَةٌ) أي: علامةٌ قويةٌ تدلُّ على أن الزائدَ وَهِمَ في زيادتِه (وَإِلَّا) أي: إنْ لم توجَدْ قرينةٌ تدلُّ على الوَهَمِ (احْتَمَلا) أي: جاز وأمكَنَ (سَمَاعُهُ) أي: سماعُ ذلك الراوي (مِنْ ذَيْنِ) أي: هذَين الراوِيَين -المزيدِ وشيخِه- (مَا) أيِ: الحديثَ الذي (قَدْ حَمَلا) الألِفُ إطلاقيةٌ، أي: نَقَله.
стр. 194
١٨١ - [وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالإِخْبَارِ … عَنْ نَفْسِهِ وَالنَّصِّ مِنْ كِبَارِ]
[١٨١] (وَإِنَّمَا يُعْرَفُ) عدمُ السماعِ واللقاءِ بأحدِ أمرَينِ: إمَّا (بِالإِخْبَارِ) أي: إخبارِ الراوي (عَنْ نَفْسِهِ) بأنَّه لم يلْقَ فلانًا أو لم يسمَعْ منه، (وَ) إمَّا بـ (النَّصِّ) أيِ: الإظهارِ، أو التعيينِ (مِنْ) أئمةٍ (كِبَارِ) مُطَّلعين على دقائقِ الأسانيدِ، أي: بإظهارِهم أو تعيِينِهم على أنَّه لم يلْقَ فلانًا، أو لم يسمعْ منه.
стр. 195
الشَّاذُّ والمَحْفُوظُ
وهما النوعُ السابعَ عَشَرَ والثامنَ عَشَرَ، وجَمَع بينَهُما لتَقابُلِهما:
١٨٢ - وَذُو الشُّذُوذِ مَا رَوَى المَقْبُولُ … مُخَالِفًا أَرْجَحَ، وَالمَجْعُولُ
١٨٣ - [أَرْجَحَ مَحْفُوظٌ] وَقِيلَ مَا انْفَرَدْ … لَوْ لَمْ يُخَالِفْ، قِيلَ: أَوْ ضَبْطًا فَقَدْ
[١٨٢] (وَذُو الشُّذُوذِ) اصطِلاحًا: هو (مَا) أي: الحديثُ الذي (رَوَى) أي: نَقَله الراوي (المَقْبُولُ) أي: الثِّقةُ، حالَ كونِه (مُخَالِفًا) بالزيادةِ، أوِ النقصِ في السندِ، أوِ المتنِ (أَرْجَحَ) أي: أولى منه، إمَّا لمزيدِ ضبطٍ، أو كثرةِ عددٍ، أو غيرِ ذلك من وجوهِ الترجيحاتِ (وَالمَجْعُولُ) أي:
[١٨٣] (أَرْجَحَ) أيِ: الحديثُ الذي جُعِل أرجَحَ من مُقَابِلِهِ لرُجْحانِ راوِيه (مَحْفُوظٌ) أي: يُقال له: «محفوظٌ».
стр. 196
(وَقِيلَ) الشاذُّ هو: (مَا انْفَرَدْ) أيِ: الحديثُ الذي انفرَدَ برِوايتِه المقبولُ، أيِ: الثقةُ، و (لَوْ لَمْ يُخَالِفْ) مَن هو أرجَحُ منه.
و (قِيلَ) الشاذُّ: ما انفَرَد به واحدٌ، سواءٌ كان ضابطًا (أَوْ ضَبْطًا فَقَدْ) أي: أو لم يكُنْ ضابطًا.
стр. 197
المُنكَرُ والمَعرُوفُ
وهما النوعُ التاسعَ عَشَرَ والعِشرون، وجمَعهما في بابٍ واحدٍ لتَقابُلِهِما:
١٨٤ - المُنْكَرُ الَّذِي رَوَى غَيْرُ الثِّقَهْ … مُخَالِفًا، فِي نُخْبَةٍ قَدْ حَقَّقَهْ
١٨٥ - [قَابَلَهُ المَعْرُوفُ]، وَالَّذِي رَأَى … تَرَادُفَ المُنْكَرِ وَالشَّاذِ نَأَى
[١٨٤] (المُنْكَرُ) اسمُ مفعولٍ مِن أنكَرَه، بمعنى جَحَده، أو لم يعرِفْه (الَّذِي رَوَى) أيِ: الحديثُ الذي نَقَله وحدَّث به (غَيْرُ الثِّقَهْ) منَ الرواةِ حالَ كونِه (مُخَالِفًا) لغيرِه منَ الثقاتِ.
والمعنى: أنَّ المنكرَ: هو الحديثُ الذي رواه غيرُ ثقةٍ مخالفًا للثقاتِ (فِي نُخْبَةٍ) أي: في الكتابِ المسمَّى بـ «نخبةِ الفِكَرِ في مصطلَحِ أهلِ الأثرِ» (قَدْ حَقَّقَهْ) أي: ذَكَره على الوجهِ الحقُّ مؤلِّفُها الحافظُ أبو الفضلِ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ حجرٍ ﵀.
стр. 198
[١٨٥] (قَابَلَهُ) أي: المُنكرَ الذي عُرِّفَ بهذا التعريفِ: (المَعْرُوفُ) أيِ: النوعُ المسمَّى به؛ لكونِه معروفًا عندَهم.
وحاصلُ المعنى: أنَّ المنكرَ هو ما رواه الضعيفُ مخالِفًا للثقةِ، ويُقابِلُه المعروفُ.
(وَالَّذِي رَأَى) أيِ: اعتَقَد (تَرَادُفَ المُنْكَرِ وَالشَّاذِ) بتخفيفِ الذالِ للوزنِ، أي: كونَهُما بمعنى واحدٍ، وهو الإمامُ الحافظُ أبو عمرِو بنُ الصلاحِ ﵀ (نَأَى) أي: بَعُدَ عنِ الصوابِ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ مَن سَوَّى بين الشاذِّ والمنكرِ قد غَفَل عن منهجِ الصوابِ.
стр. 199
المَترُوكُ
وهو النَّوعُ الحادي والعشرون:
١٨٦ - [وَسَمِّ بِالْمَتْرُوكِ فَرْدًا تُصِبِ … رَاوٍ لَهُ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ
١٨٧ - أَوْ عَرَفُوهُ مِنْهُ فَي غَيْرِ الأَثَرْ … أَوْ فِسْقٌ اْوْ غَفْلَةٌ اْوْ وَهْمٌ كَثُرْ]
[١٨٦] (وَسَمِّ) أيُّها المحدِّثُ (بِالْمَتْرُوكِ فَرْدًا) أي: حديثًا فردًا (تُصِبِ) بالجزمِ جوابًا للأمرِ، وكُسِرتِ الباءُ للوزنِ، أي: تَنَلِ الحقَّ (رَاوٍ لَهُ) أي: لذلك الحديثِ الفردِ (مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ) في الحديثِ النبويِّ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ الحديثَ الذي انفَرَد بروايتِه مَن هو متهمٌ بالكذبِ في حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ بألا يُروَى ذلك الحديثُ إلَّا من جهتِه، وهو مخالِفٌ للقواعدِ المعلومةِ - يسمَّى بـ «المتروكِ».
[١٨٧] (أَوْ عَرَفُوهُ) أي: الكذبَ (مِنْهُ) أي: من ذلك الراوي (فَي غَيْرِ الأَثَرْ) النبويِّ، والمعنى: أنَّه إذا عُرِف ذلك الراوي بالكذبِ بأن ظهَرَ
стр. 200
الكذبُ في كلامِه، (أَوْ فِسْقٌ) أي: فسقُ ذلك الراوي (اْوْ غَفْلَةٌ) أي: غفلةُ ذلك الراوي، أي: ذُهولُه عنِ الإِتقانِ، والحفظِ، والمرادُ كثرتُه، (اْوْ وَهْمٌ) بسكونِ الهاءِ، أي: روايةُ الحديثِ على سبيلِ التَّوهُّمِ، وجملةُ قولِه: (كَثُرْ) صِفةٌ له.
стр. 201
الأفرَادُ
وهو النوعُ الثاني والعشرون من أنواعِ علومِ الحديثِ:
١٨٨ - الْفَرْدُ إِمَّا مُطْلَقٌ مَا انْفَرَدَا … رَاوٍ بِهِ فَإِنْ لِضَبْطٍ بَعُدَا
١٨٩ - رُدَّ، وَإِذْ يَقْرُبُ مِنْهُ فَحَسَنْ … أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ حَيْثُ عَنْ
[١٨٨] (الْفَرْدُ إِمَّا) فردٌ (مُطْلَقٌ) أي: عنِ التقييدِ بشيءٍ ممَّا يأتي (مَا) أي: هو الحديثُ الذي (انْفَرَدَا) بألِفِ الإطلاقِ (رَاوٍ) واحدٌ عن جميعِ الرواةِ (بِهِ) أي: بروايةِ ذلك الحديثِ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ الفردَ على قِسمَين: أحدُهما: ما تفرَّد بروايتِه راوٍ واحدٌ، ولو تعدَّدتِ الطرقُ إليه.
(فَإِنْ) كان ذلك المتفرِّدُ (لِضَبْطٍ) أي: عنه (بَعُدَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: إنْ بَعُدَ عن درجةِ الضبطِ.
[١٨٩] (رُدَّ) أي: يكونُ مردودًا؛ لضعفِ راويه (وَإِذْ يَقْرُبُ) ذلك المنفردُ (مِنْهُ) أيِ: الضبطِ (فَـ) حديثُه (حَسَنْ) يجوزُ الاحتِجاجُ به،
стр. 202
(أَوْ بَلَغَ) المنفردُ (الضَّبْطَ) أي: درجةَ الضبطِ والإتقانِ؛ فحديثُه (فَصَحِّحْ) أي: صحيحٌ يُحتَجُّ به (حَيْثُ عَنْ) بتخفيفِ النونِ للوزنِ، أي: في أيِّ حُكمٍ وَرَد ذلك الحديثُ، سواءٌ كان في التحليلِ والتحريمِ، أم في الفضائلِ والزهدِ.
١٩٠ - وَمِنْهُ نِسْبِيٌّ بِقَيْدٍ يُعْتَمَدْ … بِثِقَةٍ أَوْ عَنْ فُلانٍ أَوْ بَلَدْ
١٩١ - فَيَقْرُبُ الأَوَّلُ مِنْ فَرْدٍ وَرَدْ … وَهَكَذَا الثَّالِثُ إِنْ فَرْدًا يُرَدْ
[١٩٠] (وَمِنْهُ نِسْبِيٌّ) أي: بعضُ الأفرادِ نسبيٌّ، أي: فردٌ بالنِّسبةِ إلى جهةٍ خاصةٍ، وإن كان مشهورًا في نفسِه (بِقَيْدٍ يُعْتَمَدْ)، أي: بسببِ قيدٍ يُذكَرُ معه، وذلك القيد: إمَّا أن يكونَ (بِثِقَةٍ) كأن يقالَ: لم يروِه ثقةٌ إلى فلانٍ (أَوْ) إمَّا أن يكونَ بقيدِ فلانٍ (عَنْ فُلانٍ)، كأن يُقالَ: لم يروِه عن فلانٍ إلَّا فلانٌ، (أَوْ) إمَّا أن يكونَ بقيدِ (بَلَدْ) كمكَّةَ، والمدينةِ، والبصرةِ، والكوفةِ، كأنْ يُقالَ: لم يروِه إلَّا أهلُ مكَّةَ.
[١٩١] (فَيَقْرُبُ الأَوَّلُ) أيِ: المُقيَّدُ بالثقةِ (مِنْ فَرْدٍ) مُطلَقٍ (وَرَدْ) أي: أتى.
وحاصلُ المعنى: أنَّ الفردَ المقيَّدَ بالثقةِ يكون قريبًا من الفردِ المطلقِ؛ لأنَّ روايةَ غيرِ الثقةِ كَلَا روايةٍ.
стр. 203
(وَهَكَذَا الثَّالِثُ) أي: بقُربِ القسمِ الثالثِ منَ النسبيِّ، وهو المقيَّدُ بالبلدِ منَ الفردِ المُطلقِ، وَتَرَكَ الثانيَ لكَونِه معروفًا من بيانِ الأولِ والثالثِ.
(إِنْ فَرْدًا يُرَدْ) أي: إنْ أُريد بتفرُّدِ أهلِ البلدِ انفِرادَ واحدٍ منهم، والمعنى: أنَّ الفردَ المقيَّدَ بالبلدِ يَقرُبُ منَ القسمِ الأولِ.
стр. 204
الغَرِيبُ، والعَزِيزُ، والمَشهُورُ
والمُستَفِيضُ، والمُتَوَاتِرُ
وهي النوعُ الثالثُ والعشرون، والرابعُ والعشرون، والخامسُ والعشرون والسادسُ والعشرون، والسابعُ والعشرون:
١٩٢ - الأَوَّلُ الْمُطْلَقُ فَرْدًا وَالَّذِي … لَهُ طَرِيقَانِ فَقَطْ لَهُ خُذِ
١٩٣ - وَسْمَ الْعَزِيزِ وَالَّذِي رَوَاهُ … ثَلاثَةٌ مَشْهُورُنَا، [رَآهُ
[١٩٢] (الأَوَّلُ) أيِ: الغريبُ (الْمُطْلَقُ فَرْدًا) أيِ: الفردُ المطلقُ، والمعنى: أنَّ الغريبَ هو الفردُ المطلقُ الذي تقدَّم في الأفرادِ: أنَّه ما رواه واحدٌ فقط.
(وَالَّذِي) أيِ: الحديثُ الذي (لَهُ طَرِيقَانِ) أي: راوِيانِ (فَقَطْ) أي: فحسْبُ (لَهُ) أي: لهذا الحديثِ متعلِّقٌ بـ (خُذِ) بكسرِ الذالِ لِلرَّويِّ.
[١٩٣] (وَسْمَ الْعَزِيزِ) أي: علامةَ العزيزِ.
стр. 205
وحاصلُ المعنى: أنَّ الحديثَ الذي يَرويهِ اثنانِ فقطْ يسمَّى: بالعزيزِ.
ثم قال ﵀: (وَالَّذِي) أيِ: الحديثُ الذي (رَوَاهُ ثَلاثَةٌ) من الرواةِ (مَشْهُورُنَا) أي: مشهورُ المحدِّثين.
وحاصلُ المعنى: أنَّ المشهورَ عندَنا -أيُّها المحدِّثون- هو … إلخ، وإنَّما خصَّهمُ احتِرازًا منَ المشهورِ عندَ العامَّةِ، كما يأتي: هو الذي يروِيه ثلاثةٌ فأكثَرُ.
(رَآهُ) أي: المشهورَ.
١٩٤ - قَوْمٌ يُسَاوِي الْمُسْتَفِيضَ وَالأَصَحْ … هَذَا بِأَكْثَرَ، وَلَكِنْ مَا وَضَحْ
[١٩٤] (قَوْمٌ) من العلماءِ، بمعنى: ذهبوا إليه، والمعنى: أنَّه ذَهَب جماعةٌ من أئمةِ الفقهاءِ، والأصوليِّين، وبعضِ المحدِّثين إلى أنَّ المشهورَ (يُسَاوِي) في المعنى الحديثَ الذي سُمِّي (الْمُسْتَفِيضَ).
وحاصلُ المعنى: أنَّ المشهورَ هو المستفيضُ على رأيِ جماعةٍ منَ العلماءِ، لكنَّ الأصحَّ: أنَّ بينهما مُغايَرةً، كما ذَكَره بقولِه: (وَالأَصَحْ) من أقوالِ العلماءِ: أنَّ (هَذَا) أيِ: المستفيضَ يكونُ (بِأَكْثَرَ) من ثلاثةٍ، (وَلَكِنْ مَا) نافيةٌ (وَضَحْ) أي: ظهَرَ فيه.
стр. 206
١٩٥ - حَدُّ تَوَاتُرٍ] وَكُلٌّ يَنْقَسِمْ … لِمَا بِصِحَّةٍ وَضَعْفٍ يَتَّسِمْ
١٩٦ - [وَالْغَالِبُ الضَّعْفُ عَلَى الْغَرِيبِ] … وَقُسِّمَ الْفَرْدُ إِلَى غَرِيبِ
[١٩٥] (حَدُّ تَوَاتُرٍ) يعني: أنَّه لم يوجَدْ فيه حدُّ التَّواتُرِ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ الأصحَّ في حدِّ المُستفيضِ هو: ما رواهُ أكثَرُ من ثلاثةٍ ما لم يبلُغْ إلى حدِّ التواتُرِ، على ما يأتي بَيانُه.
(وَكُلٌّ) منَ الأقسامِ المذكورةِ (يَنْقَسِمْ لِمَا) إلى الحديثِ الذي (بِصِحَّةٍ)، والمرادُ: ما يشمَلُ الحسَنَ، (وَضَعْفٍ) بفتحِ الضادِ وضَّمِها (يَتَّسِمْ) أي: يتحلَّى، ويتَّصِفُ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ كلًّا منَ الأقسامِ المذكورةِ ينقسِمُ إلى صحيحٍ، وحسَنٍ، وضعيفٍ؛ إذ لا يُنافِي واحدًا منها.
[١٩٦] (وَ) لكنِ (الْغَالِبُ الضَّعْفُ) بالفتحِ والضَّمِّ (عَلَى الْغَرِيبِ) أيِ: النوعِ المسمَّى به، يعني: أنَّ الغريبَ غالبًا يكونُ ضَعيفًا، ويَندُرُ فيه الصِّحَّةُ؛ ولذا كَرِه جَمعٌ من الأئمَّةِ تَتبُّعَ الغرائبِ. (وَقُسِّمَ الْفَرْدُ) أيِ: المُطلقُ الذي هو الغريبُ (إِلَى) قِسمَينِ: (غَرِيبِ) أي:
стр. 207
١٩٧ - فِي مَتْنِهِ وَسَنَدٍ، وَالثَّانِ قَدْ … [وَلا تَرَى غَرِيبَ مَتْنٍ لا سَنَدْ
١٩٨ - وَيُطْلَقُ الْمَشْهُورُ لِلَّذِي اشْتَهَرْ … فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ شُرُوطٍ تُعْتَبَرْ]
[١٩٧] (فِي مَتْنِهِ وَسَنَدٍ)، كالحديثِ الذي ينفرِدُ بروايةِ متنِه راوٍ واحدٌ فقطْ، (وَ) غريبٌ في (الثَّانِ) أيِ: السندِ (قَدْ) أيْ: فحسْبُ، كأنْ يكونَ المتنُ معروفًا بروايةِ جماعةٍ منَ الصحابةِ؛ فينفرِدُ بها راوٍ من حديثِ صحابيٍّ آخرَ، (وَلا تَرَى) بالتاءِ، أي: لا تعرِفُ أيُّها المحدِّثُ، ولا تجدُ بالبحثِ، وفي نسخةٍ بالنُّونِ والبناءِ للفاعلِ، أي: لا نعرِفُ معاشِرَ المحدِّثين، (غَرِيبَ مَتْنٍ لا سَنَدْ) أي: دونَه، يعني: أنَّه لا يوجَدُ حديثٌ غريبٌ متنًا لا سَندًا.
[١٩٨] (وَيُطْلَقُ الْمَشْهُورُ لِلَّذِي) أي: على الحديثِ الذي (اشْتَهَرْ فِي النَّاسِ) أي: بينَهم (مِنْ غَيْرِ شُرُوطٍ تُعْتَبَرْ) أي: من دونِ أن توجَدَ فيه الشروطُ المعتبَرةُ عند المحدِّثين في المشهورِ المصطلَحِ عليه.
وحاصلُ المعنى: أنَّ اسمَ المشهورِ قد يُطلَقُ على الأحاديثِ التي اشتَهَرت على ألسنةِ الناسِ، سواءٌ كانت صحيحةً، أم ضعيفةً، أم مكذوبةً.
стр. 208
١٩٩ - وَمَا رَوَاهُ عَدَدٌ جَمٌّ يَجِبْ … إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكَذِبْ
٢٠٠ - فَالمُتَوَاتِرُ، [وَقَوْمُ حَدَّدُوا … بِعَشْرَةٍ، وَهْوَ لَدَيَّ أَجْوَدُ
٢٠١ - وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ اْوْ عِشْرِينَا … يُحْكَى وَأَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَا
[١٩٩] (وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (رَوَاهُ عَدَدٌ) أي: جماعةٌ منَ الناسِ (جَمٌّ) بفتحِ الجيمِ وتشديدِ الميمِ، أي: كثيرٌ (يَجِبْ) عادةً (إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ) وتواطُئهِم (عَلَى الْكَذِبْ) بمعنى: أنَّ العادةَ تمنَعُ اتفاقَهم على الكذبِ عمدًا، أو وُقوعَه منهم من غيرِ قصدٍ.
[٢٠٠] (فَـ) هو (المُتَوَاتِرُ) وهو: اصطلاحًا: ما رواه جماعةٌ غيرُ مَحصورين في عددٍ معيَّنٍ … إلى آخِرِ ما تقدَّمَ.
(وَقَوْمُ حَدَّدُوا) أي: قوم من المحدثين أو من علماء أصول الفقه جعلوا لأقل عدده حَدًّا (بِعَشْرَةٍ).
وحاصلُ المعنى: أنَّ بعضَ العلماءِ عَيَّنَ أقلَّ المُتواتِرِ بعَشَرةٍ، وهذا القولُ مَحكِيٌّ عن أبي سعيدٍ الإِصطَرْخِيِّ ﵀، (وَهْوَ) أيِ: التحديدُ بعشَرةٍ (لَدَيَّ) أي: عندي (أَجْوَدُ) أي: أحسنُ من غيرِه منَ الأقوالِ.
стр. 209
[٢٠١] (وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ) أيِ: القولُ بتحديدِ رُواةِ المتواتِرِ باثنيْ عشرَ (اْوْ عِشْرِينَا) أي: القولُ بتحديدِهم بعشرينَ شخصًا (يُحْكَى) أي: يُروى عن بعضِ العُلَماءِ، (وَأَرْبَعِينَ) أيِ: القولُ بتحديدِهم بأربعين نفسًا يُحكى عن بعضِهم، (أَوْ سَبْعِينَا) أي: يُحْكَى عن بعضِهم تَحديدُهم بسبعينَ شخصًا.
٢٠٢ - وَبَعْضُهُمْ قَدِ ادَّعَى فِيهِ الْعَدَمْ … وَبَعْضُهُمْ عِزَّتَهُ، وَهْوَ وَهَمْ
٢٠٣ - بَلِ الصَّوابِ أَنَّهُ كَثِيرٌ … وَفِيهِ لِي مُؤَلَّفٌ نَضِيرٌ]
٢٠٤ - خَمْسٌ وَسَبْعُونَ رَوَوْا «مَنْ كَذَبَا» … وَمِنْهُمُ الْعَشْرَةُ ثُمَّ انْتَسَبَا
[٢٠٢] (وَبَعْضُهُمْ) أي: بعضُ العلماءِ، كابنِ حِبَّانَ والحازِميِّ (قَدِ ادَّعَى فِيهِ) أيِ: المُتواترِ (الْعَدَمْ) أي: كَونَه غيرَ موجودٍ في الرواياتِ، (وَبَعْضُهُمْ) ادَّعى (عِزَّتَهُ) أي: قِلَّتَه جِدًّا، (وَهْوَ) أيِ: المذكورُ من دعوَى العدمِ والعزَّةِ (وَهَمْ) غَلَطٌ.
[٢٠٣] (بَلِ الصَّوابِ) في الحديثِ المتواترِ: (أَنَّهُ) أيِ: المتواترُ (كَثِيرٌ) يوجَدُ في الدَّواوينِ المشهورةِ بكثرةٍ، (وَفِيهِ) أي: في خصوصِ
стр. 210
المتواتِرِ (لِي مُؤَلَّفٌ) أي: كتابٌ مجموعٌ (نَضِيرٌ) أي: حسَنٌ.
[٢٠٤] (خَمْسٌ وَسَبْعُونَ) منَ الصحابةِ (رَوَوْا) عنِ النبيِّ ﷺ حديثَ («مَنْ كَذَبَا») بألِفِ الإطلاقِ، (وَمِنْهُمُ الْعَشْرَةُ) أي: ومن جُملةِ الخمسةِ والسَّبعين الصَّحابَةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، وهمُ الخلفاءُ الأربعةُ، وسعدٌ، وسعيدٌ، وطَلْحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، والزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، وأبو عُبيدةَ بنِ الجَرَّاحِ، (ثُمَّ انْتَسَبَا) بألِفِ الإطلاقِ.
٢٠٥ - لَهَا حَدِيثُ «الرَّفْعِ لِلْيَدَيْنِ» … [وَ «الْحَوْضِ»] وَ «الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ»
[٢٠٥] (لَهَا) أي: للأحاديثِ المتواترةِ (حَدِيثُ «الرَّفْعِ لِلْيَدَيْنِ»).
والمعنى: أنَّ الحديثَ الدالَّ على مشروعيةِ رفعِ اليدَينِ في الصلاةِ معدودٌ في جملةِ المتواتِرِ؛ فإنَّه وَرَد من روايةِ خمسين صحابيًّا.
(وَ «الْحَوْضِ»)، أيِ: انتسَبَ حديثُ الحوضِ أيضًا؛ فإنَّه وَرَد من روايةِ نيِّفٍ وخمسين صحابيًّا، (وَالْمَسْحِ) أي: حديثِ المسحِ (عَلَى الْخُفَّيْنِ) في الوُضوءِ؛ فإنَّه ورد من روايةِ سبعين صحابيًّا.
стр. 211
٢٠٦ - [وَلابْنِ حِبَّانَ: الْعَزِيزُ مَا وُجِدْ … بِحَدِّهِ السَّابِقِ، لَكِنْ لَمْ يُجِدْ
٢٠٧ - وَلِلْعَلائِيْ جَاءَ فِي الْمَأْثُورِ … ذُو وَصْفَيِ الْعَزِيزِ وَالْمَشْهُورِ]
[٢٠٦] (وَلـ) لحافظِ أبي حاتمٍ مُحمَّدِ (ابْنِ حِبَّانَ) البُستيِّ صاحِبِ «الصحيحِ» (الْعَزِيزُ مَا وُجِدْ).
وحاصلُ المعنى: أنَّ ابنَ حبانَ أنكَرَ وجودَ العزيزِ (بِحَدِّهِ السَّابِقِ)، أي: بتعريفِه المتقدِّمِ، وهو روايةُ اثنَينِ (لَكِنْ لَمْ يُجِدْ) منَ الإجادةِ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ ابنَ حبانَ لم يأتِ بكلامٍ حسنٍ في هذا الإنكارِ.
[٢٠٧] (وَلِـ) لحافظِ الفقيهِ صلاحِ الدينِ (الْعَلائِيْ) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ (جَاءَ فِي الْمَأْثُورِ).
وحاصلُ المعنى: أنَّه قال: جاء في الحديثِ المأثورِ، أيِ: المرويِّ عن النبيِّ ﷺ حديثٌ: (ذُو وَصْفَيِ الْعَزِيزِ وَالْمَشْهُورِ) أي: صاحبُ الاتِّصافِ بهذَينِ الوصفَينِ، يعني: أنَّ بعضَ الأحاديثِ يُوصَفُ بِهما.
стр. 212
الاعْتِبَارُ، والمُتَابَعَاتُ، والشَّوَاهِدُ
وهي النوعُ الثامنُ والعشرونُ والتاسعُ والعشرون والثَّلاثون:
هذا هو الظاهِرُ من صنيعِه؛ حيثُ جعلَ الاعتِبارَ قسيمًا للآخَرَين، وتَبِع في ذلك ابنَ الصلاحِ وغيرَه.
٢٠٨ - الاِعْتِبَارُ سَبْرُ مَا يَرْوِيهِ … هَلْ شَارَكَ الرَّاوِي سِوَاهُ فِيهِ
[٢٠٨] (الاِعْتِبَارُ) في اصطِلاحِهِم (سَبْرُ) بفتحِ السينِ المُهملةِ (مَا) أيِ: الحديثِ الذي (يَرْوِيهِ) بعضُ الرواةِ، ويُعرَفُ (هَلْ شَارَكَ) ذلك (الرَّاوِي) الذي يُظَنُّ تفرُّدُه به (سِوَاهُ) أي: غيرُه (فِيهِ) أي: روايةِ ذلك الحديثِ الذي ظُنَّ أنَّه فردٌ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ الاعتِبارَ هو: أن يأتيَ الحافظُ إلى حديثٍ لبعضِ الرواةِ، فيعتبِرُه برواياتِ غيرِه منَ الرواةِ بسَبْرِ طرقِ الحديثِ، أي: تَتَبُّعِها منَ الجوامِعِ، والمسانيدِ، والمعاجِمِ، والمَشْيَخاتِ، والفوائدِ، والأجزاءِ؛ ليَعرِفَ هل شارَكَه في روايةِ ذلك الحديثِ رَاوٍ غيرُه، أم لا؟
стр. 213
٢٠٩ - فَإِنْ يُشَارِكْهُ الَّذِي بِهِ اعْتُبِرْ … أَوْ شَيْخَهُ أَوْ فَوْقُ: تَابِعٌ أُثِرْ
٢١٠ - وَإِنْ يَكُنْ مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ وَرَدْ … فَشَاهِدٌ، وَفَاقِدٌ ذَيْنِ انْفَرَدْ
[٢٠٩] (فَإِنْ يُشَارِكْهُ) أي: ذلك الذي ظُنَّ تفرُّدُه بذلك الحديثِ (الَّذِي بِهِ اعْتُبِرْ)، والمعنى: أنَّه إنْ وَجَد بعدَ السبرِ والتَّتبُّعِ مَن يشارِكُ ذلك الراويَ منَ الرواةِ المعتبَرِ بِهم، وهو مَن لم يَكُنْ شديدَ الضعفِ، ومن باب أَوْلَى إذا كان ثقةً، (أَوْ شَيْخَهُ) أي: أو يشارِكُ الراوي المعتبَرُ به شيخَه في روايتِه عن شيخِه، (أَوْ) يشارِكُ منَ (فَوْقُ) أي: مَن فوقَ شيخِه، وهو شيُخ شيخِه، فصاعدًا، إلى آخرِ السندِ (تَابِعٌ) أي: فهو تابعٌ، أي: ذلك المشاركُ يسمَّى تابعًا (أُثِرْ) أي: نُقِل، أي: هو تابِعٌ منقولٌ عن أهلِ الحديثِ؛ فإنَّهم سَمَّوه بذلك.
[٢١٠] (وَإِنْ يَكُنْ مَتْنٌ) آخَرُ في البابِ، سواءٌ كان عن ذلك الصحابيِّ، أو عن غيرِه (بِمَعْنَاهُ) أي: بمعنى ذلك الحديثِ المظنونِ تفرُّدُ الراوي به (وَرَدْ) أي: رُوي (فَـ) هو (شَاهِدٌ).
ثم قال ﵀: (وَفَاقِدٌ ذَيْنِ) أيِ: الحديثُ الفاقدُ لهذَينِ المذكورَينِ التابعِ والشاهدِ: (انْفَرَدْ) أي: سُمِّي بالفردِ؛ لانفِرادِه عنِ التابعِ، والشاهدِ.
стр. 214
٢١١ - وَرُبَّمَا يُدْعَى الَّذِي بِالْمَعْنَى … مُتَابِعًا، وَعَكْسُهُ قَدْ يُعْنَى
[٢١١] (وَرُبَّمَا) للتقليلِ (يُدْعَى) أي: يُسمَّى الحديثُ (الَّذِي) رُوي (بِالْمَعْنَى) أي: معنى الحديثِ الذي ظُنَّ فَرديَّتُه (مُتَابِعًا).
وحاصلُ المعنى: أنَّه قد يسمَّى الحديثُ المرويُّ بالمعنى متابعًا، (وَعَكْسُهُ) أي: عكسُ هذا الإطلاقِ، وهو إطلاقُ الشاهدِ على المرويِّ باللَّفظِ (قَدْ) للتقليلِ أيضًا (يُعْنَى)، والمعنى: أنَّ عكْسَ ما تقدَّم، وهو إطلاقُ الشاهدِ على المرويِّ باللَّفظِ قد يُستعمَلُ، فلا فرْقَ بينَهما إلَّا بغلَبةِ الِاستِعمالِ، والأمرُ فيه سهلٌ.
стр. 215
زِيَادَاتُ الثِّقَاتِ
وهو النوعُ الحادي والثَّلاثون:
وهو بابٌ دقيقٌ من أبوابِ التعارُضِ والتَّرجيحِ بين الأدِلَّةِ، وهو منُ البُحوثِ المُهِمَّةِ عندَ المحدِّثين والفقهاءِ والأصوليِّين.
٢١٢ - وَفِي زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ الْخُلْفُ جَمْ … مِمَّنْ رَوَاهُ نَاقِصًا أَوْ مَنْ أَتَمْ
[٢١٢] (وَفِي زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ) أيِ: العُدولِ الضابِطين منَ التابِعين فمَن بَعدَهم (الْخُلْفُ) بالضَّمِّ، أيِ: اختِلافُ العلماءِ منَ الفقهاءِ، والمحدِّثين، وغيرِهم (جَمْ) بفتحٍ فتشديدٍ، إلَّا أنَّه خفَّف للوزنِ، أي: كثيرٌ (مِمَّنْ رَوَاهُ) أي: حالَ كونِ تلك الزِّياداتِ كائنةً من نفسِ مَن رَوَى الحديثَ، حالَ كونِه (نَاقِصًا) بأنْ رواه مرةً ناقصًا، ومرةً مع تلك الزياداتِ، (أَوْ مَنْ أَتَمْ) أي: أو كائنةً ممَّن أتمَّ الحديثَ، أي: رواه تامًّا.
وحاصلُ المعنى: أنَّه إذا روى الحافظُ الثقةُ العدلُ حديثًا ما مرَّتينِ، ووَقَعت في إحدى روايتَيهِ زيادةٌ لم يَروِها هو في الروايةِ الأخرى.
أو رَوى حافِظانِ ثِقَتانِ عدلانِ حديثًا واحدًا، ووَقَعت في روايةِ أحدِهِما
следующие страницы →