Полный текст (592 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
والمشاهيرِ، وفلانٌ («فِيهِ خُلْفٌ») بضمٍّ فسكونٍ، أي: خلافٌ بيَّنَ الحفَّاظُ في حديثِه، وفلانٌ اختُلِفَ فيهِ، وفلانٌ («طَعَنُوا») فيهِ، أو مطعونٌ فيهِ، وفلانٌ (تَكَلَّمُوا) فيه.
وكذَا: سكَتُوا عنه. أو: فيهِ نظرٌ. من غيرِ البخاريِّ، وأمَّا عندَهُ فقد تقدَّمَ، وفلانٌ: (سَيِّئُ حِفْظٍ). وفلانٌ («لَيِّنُ») بفتحِ اللَّامِ وتشديدِ الياءِ، يُكتَبُ حديثُه، ويُنظَرُ فيهِ اعتبارًا.
٣٤٣ - «لَيْسَ بِحُجَّةٍ» أَوِ «الْقَوِيِّ» … «بِعُمْدَةٍ» «بِذَاكَ» «بِالْمَرْضِيِّ»
[٣٤٣] وفلانٌ («لَيْسَ بِحُجَّةٍ» أَوْ) ليسَ بـ («الْقَّوِيِّ») أو المتينِ، أو المأمونِ، وفلانٌ ليسَ («بِعُمْدَةٍ») أي: لا يُعتمَدُ عليهِ، وفلانٌ ليسَ («بِذَاكَ») أو فلانٌ ليسَ («بِالْمَرْضِيِّ») أو ليسَ يحمَدُونَه، أو ليسَ بالحافظِ.
стр. 282
تَحَمُّلُ الحَدِيثِ
وهوَ النَّوعُ الثَّامنُ والثَّلاثونَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:
٣٤٤ - وَمَنْ بِكُفْرٍ أَوْ صِبًا قَدْ حَمَلَا … [أَوْ فِسْقِهِ] ثُمَّ رَوَى إِذْ كَمُلَا
٣٤٥ - يَقْبَلُهُ الْجُمْهُورُ وَالْمُشْتَهِرُ … لا سِنَّ لِلْحَمْلِ بَلِ الْمُعْتَبَرُ
[٣٤٤] (وَمَنْ بِكُفْرٍ) أي: في حالةِ كفرِه، أو معَ كفرِه، (أَوْ صِبًا) بكسرٍ ففتحٍ، أي: في حالةِ صغرِهِ، (قَدْ حَمَلَا) الألفُ للإطلاقِ، أي: نقَلَ الحديثَ، (أَوْ) حَمَل في حالِ (فِسْقِهِ ثُمَّ رَوَى) ما حمَلَه، (إِذْ كَمُلَا) أي: وقتَ كمالِهِ بالإسلامِ، والبلوغِ، والتَّوبةِ.
[٣٤٥] (يَقْبَلُهُ الْجُمْهُورُ) أي: يَقبَلُ روايتَهُ أكثرُ أهلِ الحديثِ، (وَالْمُشْتَهِرُ) من أقوالِ العلماءِ: (لا سِنَّ لِلْحَمْلِ) أي: عدمُ اعتبارِ سنٍّ معيَّنٍ في تحمُّلِ الحديثِ، (بَلِ الْمُعْتَبَرُ) في ذلكَ:
стр. 283
٣٤٦ - تَمْيِيزُهُ أَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَا … قَدْ ضَبَطُوا وَرَدُّهُ الْجَوَابَا
٣٤٧ - وَمَا رَوَوْا عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلِ … وَنَجْلِ هَارُونَ عَلَى ذَا [نَزِّلِ]
[٣٤٦] (تَمْيِيزُهُ) أي: كونُ الصَّبيِّ مميِّزًا، وإنْ كانَ دونَ خمسٍ، وإلَّا لم يصِحَّ، (أَنْ يَفْهَمَ) الصَّبيُّ (الْخِطَابَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: مخاطبةَ النَّاسِ لهُ، (قَدْ ضَبَطُوا) أي: ضبطَ العلماءُ وقتَ التَّحمُّلِ بفهمِ الخطابِ، (وَرَدُّهُ الْجَوَابَا) أي: ردُّهُ جوابًا لمَنْ خاطَبَه.
[٣٤٧] (وَمَا رَوَوْا) أي: نقلَ العلماءُ، (عَنْ) الإمامِ أبي عبدِ اللهِ (أَحْمَدَ) بنِ محمدِ (ابنِ حَنْبَلِ) الشَّيبانيِّ ﵀، وهوَ أنَّه سُئِلَ: متَى يسمَعُ الصَّبيُّ الحديثَ؟ فقالَ: إذَا عَقَلَ، وضبَطَ.
(وَ) كذَا ما رُوِيَ عن موسَى (نَجْلِ) أي: ابنِ (هَارُونَ) بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَرْوانَ الحَمَّالِ ﵀، والمنقولُ عنهُ هوَ: أنَّه سُئِلَ: متَى يسمَعُ الصَّبيُّ؟ فقالَ: إذَا فرَّقَ بينَ البقرةِ والحِمارِ.
(عَلَى ذَا) أي: المذكورِ من أنَّ المعتبرَ هوَ التَّمييزُ، دونَ التَّحديدِ بسنٍّ مخصوصةٍ (نَزِّلِ).
стр. 284
٣٤٨ - وَغَالِبًا يَحْصُلُ إِنْ خَمْسٌ غَبَرْ … فَحَدُّهُ الْجُلُّ بِهَا ثُمَّ اسْتَقَرّْ
٣٤٩ - وَكَتْبُهُ وَضَبْطُهُ حَيْثُ اسْتَعَدّْ … [وَإِنْ يُقَدِّمْ قَبْلَهُ الْفِقْهَ أَسَدّْ]
[٣٤٨] (وَغَالِبًا) أي: في غالبِ الأحوالِ، (يَحْصُلُ) ما ذُكِرَ من التَّمييزِ، (إِنْ) شرطيَّةٌ، (خَمْسٌ) من السِّنينَ (غَبَرْ) أي: مضَى، (فَحَدُّهُ) أي: من أجلِ أنَّ حصولَ التَّمييزِ غالبًا في الخمسِ حدُّه، أي: وَقَّتَ السَّماعَ (الْجُلُّ) بالضَّمِّ، أي: معظمُ أهلِ الحديثِ، (بِهَا) أي: الخمسِ، (ثُمَّ اسْتَقَرّ) عليهِ عملُ المتأخِّرينَ من أهلِ الحديثِ، فيكتُبونَ لابنِ خمسٍ فصاعِدًا: «سَمِعَ»، ولمَن لم يبلُغْها: «حَضَرَ».
[٣٤٩] (وَكَتْبُهُ) بفتحٍ فسكونٍ، أي: كتابةُ الصَّبيِّ للحديثِ، (وَضَبْطُهُ) أي: تحقيقُ الحديثِ، (حَيْثُ اسْتَعَدّ) أي: عندَ كونِ الصَّبيِّ مُستَعِدًّا، ومتأهِّلًا لذلكَ، فلا يتعيَّنُ بوقتٍ مخصوصٍ، (وَإِنْ يُقَدِّمْ) الطَّالبُ (قَبْلَهُ) أي: قبلَ اشتغالِهِ بالحديثِ، (الْفِقْهَ) أي: طلبَهُ (أَسَدّ) أي: أصوَبُ.
стр. 285
أَقْسَامُ التَّحَمُّلِ
أي: هذَا مبحثُ أنواعِ تحمُّلِ، أي نقلِ، الحديثِ عن الشُّيوخِ، وهذَا البابُ مكمِّلٌ للبابِ السَّابقِ، وليسَ بابًا مستقِلًّا بنفسِه، ومجاميعُ هذهِ الأقسامِ ثمانيةٌ، تأتِي مفصَّلةً معَ الألفاظِ الَّتي يُؤَدِّي بهَا ما تحمَّلَه في كلِّ قسمٍ؛ فالقسمُ الأوَّلُ ما ذكَرَه بقولِه:
٣٥٠ - أَعْلَى وُجُوهِ مَنْ يُرِيدُ حَمْلا … سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ أَمْلَى أَمْ لا
٣٥١ - مِنْ حِفْظٍ اوْ مِنْ كُتُبٍ وَلَوْ وَرَا … سِتْرٍ إِذَا عَرَفْتَهُ أَوْ أَخْبَرَا
[٣٥٠] (أَعْلَى) أي: أرفَعُ (وُجُوهِ) أي: طرقِ (مَنْ يُرِيدُ حَمْلا) أي: أَخْذًا للحديثِ عنِ الشُّيوخِ، (سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ) أي: سماعُ الطَّالبِ تلفُّظَ الشَّيخِ بالحديثِ، (أَمْلَى) من الإملاءِ، (أَمْ لا) أي: أم لَمْ يُمْلِ.
[٣٥١] (مِنْ حِفْظٍ اوْ مِنْ كُتُبٍ) أي: سواءٌ كانَ تحديثُه لهُ من حفظِه، أو من كتبِهِ.
стр. 286
وحاصلُ المعنَى: أنَّ أعلَى وجوهِ تحمُّلِ الحديثِ أنْ يسمعَ الطَّالبُ لفظَ شيخِه، سواءٌ حدَّثَه من حفظِه، أو من كتبِه بإملاءٍ، أو بغيرِ إملاءٍ.
(وَلَوْ) كانَ الشَّيخُ المُسمِعُ (وَرَا سِتْرٍ) بكسرٍ فسكونٍ، أي: حجابٍ، (إِذَا عَرَفْتَهُ) بصوتِه (أَوْ أَخْبَرَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: أخبرَكَ بأنَّه الشَّيخُ الفُلَانيُّ.
٣٥٢ - مُعْتَمَدٌ، وَرَدَّ هَذَا شُعْبَهْ … ثُمَّ «سَمِعْتُ» فِي الأَدَاءِ أَشْبَهْ
[٣٥٢] (مُعْتَمَدٌ) أي: ثقةٌ من أهلِ الخِبْرةِ بذلكَ الشَّيخِ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا سمِعْتَ الشَّيخَ يحدِّثُ، وهوَ وراءَ الحجابِ صحَّ أنْ تروِيَ عنهُ، بشرطِ معرفتِكَ لهُ إمَّا بصوتِه، أو بإخبارِ ثقةٍ بهِ.
(وَرَدَّ هَذَا) أي: السَّماعَ من وراءِ السِّترِ، (شُعْبَهْ) بنُ الحجَّاجِ أبو بِسْطامٍ؛ فإنَّه شرَطَ رؤيةَ الشَّيخِ؛ لاحتمالِ أنَّه شيطانٌ تصوَّرَ بصورةِ ذلكَ الشَّيخِ، يقولُ: «حدَّثَنا» و «أخبَرَنا». (ثُمَّ «سَمِعْتُ») أي: هذَا اللَّفظَ (فِي الأَدَاءِ) أي: روايةِ ما تحمَّلَه بسماعِ لفظِ الشَّيخِ، (أَشْبَهْ) أي: أولَى بالتَّقديمِ ممَّا يأتِي بَعْدُ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ قولّ مَنْ تحمَّلَ بسماعِ لفظِ الشَّيخِ: «سمِعْتُ». في الأداءِ أولَى ممَّا يأتِي؛ لأنَّه لا يكادُ أحدٌ يقولُ: سمِعْتُ. في الإجازةِ، والمكاتَبةِ.
стр. 287
٣٥٣ - وَبَعْدَهُ التَّحْدِيثُ فَالإِخْبَارُ ثُمّْ … «أَنْبَأَنَا» «نَبَّأَنَا» وَبَعْدُ ضُمّْ
٣٥٤ - «قَالَ لَنَا» وَدُونَهُ [«لَنَا ذَكَرْ»] … وَفِي الْمُذَاكِّرَاتِ هَذِهِ أَبَرّْ
[٣٥٣] (وَبَعْدَهُ) أي: بعدَ «سمِعْتُ»، (التَّحْدِيثُ) أي: اللَّفظُ المُشتَقُّ منه، وهوَ لفظُ «حدَّثَني»، و «حدَّثَنا» يعنِي: أنَّ لفظَ «حدَّثَني» و «حدَّثَنا» يلِي «سمِعْتُ» (فَـ) يلِي (الإِخْبَارُ) بكسرِ الهمزةِ، أي: ما اشتُقَّ منهُ كأخبَرَني، وأخبَرَنا، وهوَ كثيرُ الاستعمالِ، (ثُمَّ) بعدَ الإخبارِ لفظُ («أَنْبَأَنَا») و («نَبَّأَنَا») بتشديدِ الباءِ، وهمَا قليلَا الاستِعمالِ فيمَا سمعَ من لفظِ الشَّيخِ، وهذَا قبلَ اشتهارِ استعمالِ «أنبَأَنا» في الإجازةِ، (وَبَعْدُ) أي: بعدَ «أنبَأَنا» و «نبَّأَنا» (ضُمّ).
[٣٥٤] «(قَالَ لَنَا») أي: ضُمَّ قولُ القائلِ: قالَ لنا فلانٌ، أو قالَ لي فلانٌ، إلى ما تقدَّمَ، (وَدُونَهُ) أي: دونَ ما تقدَّمَ من «أنبَأَنا» و «نبَّأَنا»، وليسَ المرادُ أنَّه دونَ «قالَ لنَا»؛ لأنَّهُما في مرتبةٍ واحدةٍ، («لَنَا ذَكَرْ») أي: هذَا اللَّفظَ، يعنِي: أنَّ قولَ الرَّاوِي: «ذكرَ لنَا فلانٌ». أو: ذكرَ لي فلانٌ. دونَ قولِه: «أنبَأَنا». (وَفِي الْمُذَاكِّرَاتِ) أي: في حالِ المذاكِّراتِ معَ الشَّيخِ والمُناظَرةِ لهُ، (هَذِهِ) أي: «ذَكَرَ لنَا»، و «قالَ لنَا»، (أَبَرّ)، أي: أحسَنُ.
стр. 288
وحاصلُ المعنَى: أنَّ استعمالَ «ذكرَ لنَا» وما أشبَهَه في أداءِ ما سمِعَه مذاكرةً أحسنُ من «حدَّثَنا».
٣٥٥ - [وَبَعْضُهُمْ قَالَ: «سَمِعْتُ» أَخِّرَا … وَقِيلَ: إِنْ عَلَى الْعُمُومِ أَخْبَرَا]
[٣٥٥] (وَبَعْضُهُمْ) أي: بعضُ العلماءِ، وهوَ ابنُ الصَّلاحِ ﵀، (قَالَ: «سَمِعْتُ») أي: استعمالَهَا، (أَخِّرَا) الألفُ إطلاقيَّةٌ، يعنِي: أنَّ (سمِعْتُ) مؤخَّرةٌ عن (حدَّثَنا).
وحاصلُ المعنَى: أنَّ بعضَهم قالَ: إنَّ «سمِعْتُ» مؤخَّرةٌ عنْ نحوِ «حدَّثَنا»؛ لأنَّها لا تدلُّ علَى أنَّ الشَّيخَ خاطَبَه بالحديثِ، بخلافِ «حدَّثَنا» ونحوِهَا، فإنَّها تدلُّ عليهِ.
(وَقِيلَ) أي: قالَ بعضُهم، وهوَ الزَّرْكشيُّ، والقُطبُ القَسْطلانيُّ -رحمهما الله-: إنَّما تؤخَّرُ «سمِعْتُ» عن نحوِ «حدَّثَنا»، (إِنْ) كانَ المحدِّثُ (عَلَى) وجهِ (الْعُمُومِ أَخْبَرَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: أخبرَ النَّاسَ عمومًا، يعنِي: أنَّه إذَا أخبرَ النَّاسَ علَى جهةِ العُمومِ تكونُ «حدَّثَنا» ونحوُها أرفعَ من «سمِعْتُ»، وإلَّا فلا.
стр. 289
ثمَّ بدَأَ بالقسمِ الثَّاني فقالَ ﵀:
٣٥٦ - وَبَعْدَ ذَا قِرَاءَةٌ «عَرْضًا» دَعَوْا … قَرَأْتَهَا مِنْ حِفْظٍ اوْ كِتَابٍ اوْ
٣٥٧ - سَمِعْتَ مِنْ قَارٍ لَهُ وَالْمُسْمِعُ … يَحْفَظُهُ، أَوْ ثِقَةٌ مُسْتَمِعُ
[٣٥٦] (وَبَعْدَ ذَا) أي: بعدَ القسمِ الأوَّلِ، وهوَ السَّماعُ من لفظِ الشَّيخِ في الرُّتبةِ، (قِرَاءَةٌ) علَى الشَّيخِ، يعنِي: أنَّ قراءةَ الطَّالبِ علَى الشَّيخِ تلِي في المرتبةِ السَّماعَ من لفظِه، («عَرْضًا») بفتحٍ فسكونٍ، لـ (دَعَوْا) أي: سَمَّوْهاعرضًا، يعنِي أنَّ العلماءَ، وهم أكثرُ المحدِّثينَ من الشَّرقِ، وخُراسانَ، سمَّوُا القراءةَ عرضًا، بمعنَى أنَّ القارئَ يَعْرِضُ الحديثَ علَى الشَّيخِ كما يَعْرِضُ القُرآنَ علَى المُقْرِئِ. (قَرَأْتَهَا) أي: الأحاديثَ بنفسِكَ علَى الشَّيخِ، (مِنْ حِفْظٍ) أي: من ظهرِ قلبِكَ، (اوْ كِتَابٍ) لكَ، أو للشَّيخِ، أو لغيرِه، يعنِي: أنَّ قراءتَكَ الأحاديثَ من حفظٍ أو من كتابٍ لا فرقَ بينَهُما، (أَوْ) كونُكَ.
[٣٥٧] (سَمِعْتَ) القراءةَ (مِنْ قَارٍ) أصلُه قارِئٌ، (لَهُ) أي: للحديثِ، (وَ) الحالُ أنَّ (الْمُسْمِع) أي: الشَّيخُ الَّذي يُسمِعُهُ الطَّالبُ قراءتَهُ، (يَحْفَظُهُ) أي: الحديثَ المقروءَ عليهِ، (أَوْ ثِقَةٌ) أي: أو يحفظُه ثِقَةٌ، (مُسْتَمِعُ) لتلكَ
стр. 290
القراءةِ غيرُ غافلٍ، ومسألةُ حفظِ الثِّقةِ زادَها العراقيُّ علَى ابنِ الصَّلاحِ -رحمهما الله-، قالَ: لا فرقَ بينَ إمساكِ الثِّقةِ لأصلِ الشَّيخِ، وبينَ حفظِ الثِّقةِ لمَا يقرَأُ.
٣٥٨ - أَو أَمْسَكَ الْمُسْمَعُ أَصْلًا أَوْ جَرَى … عَلَى الصَّحِيحِ ثِقَةٌ أَوْ مَنْ قَرَا
٣٥٩ - وَالأَكْثَرُونَ حَكَوُا الإِجْمَاعَا … أَخْذًا بِهَا وَأَلْغَوُا النِّزَاعَا
[٣٥٨] (أَو أَمْسَكَ) الشَّيخُ (الْمُسْمَعُ أَصْلًا) أي: أصلَه الَّذي سمِعَه من شيخِه، (أَوْ جَرَى) في إمساكِ الأصلِ، (عَلَى الصَّحِيحِ ثِقَةٌ أَوْ مَنْ قَرَا) أي: أو جرَى في إمساكِ الأصلِ القارئُ الَّذي قرأَ الحديثَ، يعنِي أنَّه لا يشترَطُ حفظُ ذلكَ الحديثِ الَّذي يقرؤُه الطَّالبُ، بلْ إذَا أمسكَ الشَّيخُ أصلَه، أو أمسكَ ثقةٌ، أو القارئُ نفسُه جازَ في صحَّةِ العرضِ.
[٣٥٩] (وَالأَكْثَرُونَ) من المحدِّثينَ والفقهاءِ، (حَكَوُا الإِجْمَاعَا) أي: روَوْا إجماعَ العلماءِ، (أَخْذًا) أي: علَى الأخذِ (بِهَا) أي: بالقراءةِ، (وَأَلْغَوُا النِّزَاعَا) أي: ردُّوا الخلافَ المحكيَّ في ذلكَ؛ لكونِه غيرَ معتبرٍ.
стр. 291
٣٦٠ - وَكَوْنُهَا أَرْجَحَ مِمَّا قَبْلُ أَوْ … سَاوَتْهُ أَوْ تَأَخَّرَتْ: خُلْفٌ حَكَوْا
٣٦١ - وَفِي الأَدَا قِيلَ: «قَرَأْتُ» أَوْ «قُرِي» … ثُمَّ الَّذِي فِي أَوَّلٍ إِنْ تَذْكُرِ
[٣٦٠] (وَكَوْنُهَا) علَى القراءةِ (أَرْجَحَ مِمَّا قَبْلُ) أي: من السَّماعِ من لفظِ الشَّيخِ، (أَوْ سَاوَتْهُ) أي: صارَتْ مساويةً لهُ في الرُّتبةِ، (أَوْ تَأَخَّرَتْ) عنهُ (خُلْفٌ) بضمٍّ فسكونٍ، أي: في هذهِ الوجوهِ اختلافٌ للعلماءِ، (حَكَوْا) أي: محكيٌّ نقلَه العلماءُ عنِ المحدِّثينَ، وغيرِهِم.
وحاصلُ معنَى البيتِ: أنَّ العلماءَ في القراءةِ: هلْ هيَ أرجحُ منه، أو مساويةٌ، أو دونَهُ؟ علَى أقوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّها أرجحُ.
الثَّاني: هوَ المساواةُ.
والثَّالثُ: هوَ ترجيحُ السَّماعِ علَيْها.
[٣٦١] (وَفِي الأَدَا) بالقصرِ للضَّرورةِ، أي: أداءِ ما تحمَّلَه بالقراءةِ متعلِّقٌ بـ (قِيلَ) أي: قالَ الرَّاوِي: («قَرَأْتُ») علَى فلانٍ، إنْ قرأَ بنفسِه، (أَوْ) قالَ («قُرِي») وبتخفيفِ الهمزةِ علَى فلانٍ، لكنْ يُصَرِّحُ الحالُ بقولِه: وأنا أسمَعُ. فأقرَّ بِهِ؛ للأمنِ من التَّدليسِ، (ثُمَّ) يلِي (الَّذِي) تقدَّمَ (فِي أَوَّلٍ) أي: القسمِ الأوَّلِ، وهوَ السَّماعُ من التَّحديثِ، والإخبارِ، والإنباءِ، وغيرِهَا، (إِنْ) شرطيَّةٌ، (تَذْكُرِ) أيُّها المُحدِّثُ.
стр. 292
٣٦٢ - مُقَيَّدًا قِرَاءَةً لا مُطْلَقا … وَلا «سَمِعْتُ» أَبَدًا فِي الْمُنْتَقَى
٣٦٣ - وَالْمُرْتَضَى الثَّالِثُ فِي الإِخْبَارِ … يُطْلَقُ لا التَّحْدِيثُ فِي الأَعْصَارِ
[٣٦٢] (مُقَيَّدًا قِرَاءَةً) أي: بقراءةٍ (لا مُطْلَقًا).
وحاصلُ المعنَى: أنَّه يلِي «قَرَأْتُ» و «قُرِئَ» ما تقدَّمَ من صيغِ الأداءِ في القسمِ الأوَّلِ، لكِنْ بشرطِ أنْ يكونَ مقيَّدًا بالقراءةِ نحوَ: حدَّثَنا فلانٌ بقراءتِي عليهِ، أو قراءةً عليهِ وأنا أسمَعُ، أو أخبرَنا فلانٌ بقراءتِي، أو قراءةً عليهِ، أو أنبَأَنا، أو نبَّأَنا فلانٌ بقراءتِي، أو قراءةً عليهِ، أو قالَ لنَا فلانٌ بقراءتِي، أو قراءةً عليهِ، أو نحوَ ذلكَ.
(وَلا) تقُلْ: («سَمِعْتُ») فلانًا يقولُ: كذَا (أَبَدًا) أي: مطلقًا، يعنِي: سواءٌ قيَّدْتَه بقراءةٍ، أو لا، (فِي الْمُنْتَقَى) أي: في القولِ المختارِ الَّذي صحَّحَه القاضِي أبو بكرٍ الباقِلانيُّ ﵀؛ لأنَّ سمِعْتُ صريحةٌ في السَّماعِ لفظًا.
[٣٦٣] (وَ) القولُ (الْمُرْتَضَى) عندَ العلماءِ المحقِّقينَ مبتدأ، (الثَّالِثُ) من الأقوالِ (فِي الإِخْبَارِ) بكسرِ الهمزةِ، (يُطْلَقُ) أي: يجوزُ إطلاقُه.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ القولَ المختارَ في «أخبَرَنا» من الأقوالِ الثَّلاثةِ جوازُ إطلاقِه فيمَا تحمَّلَه بالعرضِ، (لا التَّحْدِيثُ) أي: لا يطلقُ التَّحديثُ، أي: ولا ما تصَرَّفَ منهُ، في أداءِ ما تحمَّلَه بالعرضِ، (فِي الأَعْصَارِ) جمعُ
стр. 293
عصرٍ، أي: في جميعِ الأعصَارِ، فجعَلُوا «أخبرَنَا» قائمًا مَقَامَ قولِه: أنَا قرَأْتُه، لا أنَّه لَفَظَ لِي بهِ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّهم اختلَفُوا في إطلاقِ «حدَّثَنا» و «أخبَرَنا» في القراءةِ علَى ثلاثةِ مذاهبَ:
الأوَّلُ: المنعُ، فلا يجوزُ إطلاقُ «حدَّثَنا»، ولا «أخبَرَنا» في القراءةِ.
والثَّاني: جوازُ إطلاقِهَا، فيجوزُ فيمَا قُرِئَ علَى الشَّيخِ أنْ يقولَ: «حدَّثَنا» و «أخبَرَنا» من غيرِ أنْ يصرِّحَ بالقراءةِ.
الثَّالثُ: منعُ الإطلاقِ في «حدَّثَنا»، وجوازُه في «أخبَرَنا»، وهذَا هوَ القولُ المختارُ كمَا أشارَ إليهِ النَّاظمُ.
٣٦٤ - وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ «حَدَّثَنِي» … وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ «أَخْبَرَنِي»
٣٦٥ - وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً «حَدَّثَنَا» … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا «أَخْبَرَنَا»
[٣٦٤] (وَاسْتَحْسَنُوا) أي: العلماءُ كافةً، (لِمُفْرَدٍ) أي: لمَنْ سمعَ من شيخِه، وهوَ منفردٌ أنْ يقولَ في الأداءِ: («حَدَّثَنِي») فلانٌ. بالإفرادِ، (وَ) استَحْسَنوا لـ (قَارِئٍ بِنَفْسِهِ) علَى الشَّيخِ، وليسَ معَه غيرُه أنْ يقولَ في الأداءِ: («أَخْبَرَنِي») فلانٌ. بالإفرادِ.
[٣٦٥] (وَإِنْ) شرطيَّةٌ (يُحَدِّثْ) الشَّيخُ (جُمْلَةً) أي: جماعةً من الطَّلبةِ
стр. 294
اثنَينِ فأكثرَ، استحسَنُوا أنْ يقولَ في الأداءِ: («حَدَّثَنَا») فلانٌ. بالجمعِ، (وَإِنْ سَمِعْتَ) أيُّها الطَّالبُ (قَارِئًا) يقرَأُ علَى الشَّيخِ فقُلْ: («أَخْبَرَنَا»). بالجمعِ.
٣٦٦ - وَحَيْثُ شُكَّ فِي سَمَاعٍ أَوْ عَدَدْ … أَوْ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ فِي الأَسَدّْ
٣٦٧ - وَلَمْ يُجَوَّزْ مِنْ مُصَنَّفٍ وَلا … مِنْ لَفْظِ شَيْخٍ فَارِقٍ أَنْ يُبْدَلا
[٣٦٦] (وَحَيْثُ شُكَّ) أي: شكَّ الرَّاوِي (فِي سَمَاعٍ) للحديثِ بقراءةِ غيرِه، أم بقراءةِ نفسِه هوَ، (أَوْ) شكَّ في (عَدَدْ) أي: وجودِ عددٍ من الطُّلَّابِ واحد أو أكثرَ، (أَوْ) شكَّ فيـ (مَا يَقُولُ الشَّيْخُ) من الصِّيغِ هل هوَ «حدَّثَنا» أو «أخبرَنا» أو «حدَّثني» أو «أخبرَني»؟ (وَحِّدْ) أيُّها الرَّاوي عندَ الأداءِ في هذهِ الصُّورِ كلِّها، أي: ائتِ بالإفرادِ، فتقولُ: «حدَّثَني فلانٌ». أو: «أخبَرَني». وهذَا (فِي) القولِ (الأَسَدّ) أي: الأرجحِ والأصوبِ.
[٣٦٧] (وَلَمْ يُجَوَّزْ) من التَّجويزِ، (مِنْ مُصَنَّفٍ) بفتحِ النُّونِ، أي: كتابٍ مؤلَّفٍ من الجوامعِ، والسُّننِ، والمسانيدِ، ونحوِهَا، (وَلا) يجوزُ أيضًا (مِنْ لَفْظِ شَيْخٍ فَارِقٍ) بينَ «حدَّثَنا»، و «أخبرَنا» (أَنْ) مصدريَّةٌ، (يُبْدَلا) أي: أنْ يُبدِلَ الرَّاوي لفظَ:
стр. 295
٣٦٨ - «أَخْبَرَ» بِالتَّحْدِيثِ أَوْ عَكْسٌ، بَلَى … يَجُوزُ إِنْ سَوَّى، وَقِيلَ: حُظِلا
٣٦٩ - إِذَا قَرَا وَلَمْ يُقِرَّ الْمُسْمَعُ … لَفْظًا: كَفَى، وَقِيلَ: لَيْسَ يَنْفَعُ
[٣٦٨] («أَخْبَرَ» بِالتَّحْدِيثِ) أي: بما اشتُقَّتْ منهُ، كأنْ يقولَ: «حدَّثَنا». (أَوْ) يبدلَ (عَكْسٌ) وهوَ «حدَّثَنا» بـ «أخبرَنا».
وحاصلُ المعنَى: أنَّه لا يجوزُ إبدالُ «أخبرَنا» بـ «حدَّثَنا»، أو عكسُه في الكتبِ المؤلَّفةِ المُبَوَّبةِ، أو المسندةِ، أو غيرِهَا.
(بَلَى يَجُوزُ) إبدالُ «حدَّثَنا» بـ «أخبرَنا»، والعكسُ، (إِنْ سَوَّى) الشَّيخُ بينَ الألفاظِ، يعنِي: أنَّه إذَا سمعَ الحديثَ من لفظِ شيخٍ يرَى التَّسويةَ بينَ «حدَّثَنا» و «أخبرَنا»، فلهُ الإبدالُ إنْ قُلْنا بالرِّوايةِ بالمعنَى، وإلَّا فلا، ونُقلَ المنعُ عن أحمدَ ﵀، وإليهِ أشارَ بقولِه: (وَقِيلَ: حُظِلا). بالبناءِ للمفعولِ، وألفِ الإطلاقِ، أي: مُنِعَ الإبدالُ مطلقًا.
[٣٦٩] (إِذَا قَرَا) أي: الطَّالبُ الحديثَ علَى شيخٍ متيقِّظٍ عارفٍ غيرِ مُكْرَهٍ، (وَ) لكنْ بعدَ القراءةِ، (لَمْ يُقِرَّ) بذلكَ الحديثِ (الْمُسْمَعُ) أي: الشيخُ الَّذي يُسمِعُه الطَّالبُ، أي: ولم ينكِرْ ففيهِ اكتفاءٌ، (لَفْظًا) أي: لم يُقِرَّ بلفظِه بأنْ يقولَ: نعَمْ. وكذَا ما أشبَهَه، كأنْ يومِئَ برأسِه، أو يُشيرَ
стр. 296
بإصبعِه، وغلبَ علَى ظنِّ القارئِ أنَّ سكوتَهُ إجابةٌ، (كَفَى) جوابُ «إذَا» أي: كفَى ذلكَ في صحَّةِ السَّماعِ، وهذَا قولُ الجمهورِ، (وَقِيلَ: لَيْسَ يَنْفَعُ) ذلكَ السُّكوتُ، بلْ لا بدَّ من إقرارِهِ بهِ نطقًا، وهذَا لقومٍ من الظَّاهريَّةِ، وبعضِ أهلِ الحديثِ.
٣٧٠ - ثَالِثُهَا: يَعْمَلُ أَوْ يَرْوِيهِ … بِـ «قَدْ قَرَأْتُ» أَوْ «قُرِي عَلَيْهِ»
٣٧١ - وَلْيَرْوِ مَا يَسْمَعُهُ وَلَوْ مَنَعْ … الشَّيْخُ، أَوْ خَصَّصَ غَيْرًا، أَوْ رَجَعْ
[٣٧٠] (ثَالِثُهَا) أي: الأقوالِ في هذهِ المسألةِ أنَّه (يَعْمَلُ) بذلكَ الحديثِ (أَوْ) بمعنَى الواوِ، (يَرْوِيهِ) أي: ذلكَ الحديثَ إذَا أرادَ روايتَهُ (بِـ) قولِه: (قَدْ قَرَأْتُ) الحديثَ الفُلانيَّ علَى فلانٍ. إنْ قرأَ بنفسِه، (أَوْ قُرِي) بتخفيفِ الهمزةِ (عَلَيْهِ) أي: الشَّيخِ، إنْ قرأَ غيرُه، وهوَ يسمعُ، ولا يقولُ: «حدَّثَني». ولا: «أخبرَني».
[٣٧١] (وَلْيَرْوِ) مَن سَمِعَ شيخًا يحدِّثُ، (مَا يَسْمَعُهُ) من الأحاديثِ لفظًا، (وَلَوْ مَنَع الشَّيْخُ) السَّامعَ من روايةِ ذلكَ، بأنْ قالَ لهُ، لا لعلَّةٍ، أو رِيبةٍ في المسموعِ، (أَوْ خَصَّصَ) الشَّيخُ بالرِّوايةِ (غَيْرًا) أي: غيرَ ذلكَ السَّامعِ، (أَوْ رَجَعْ) عن حديثِه صريحًا، أو كنايةً.
стр. 297
٣٧٢ - مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَالسَّمَاعُ فِي الأَصَحّْ … ثَالِثُهَا مِنْ نَاسِخٍ يَفْهَمُ صَحّْ
٣٧٣ - رَابِعُهَا: يَقُولُ «قَدْ حَضَرْتُ» … وَلا يَقُلْ «حُدِّثْتُ» أَوْ «أُخْبِرْتُ»
[٣٧٢] (مِنْ غَيْرِ شَكٍّ) في سماعِه، أو نحوِ ذلكَ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا سمعَ حديثًا من شيخٍ جازَ أنْ يروِيَه، ولو منعَه عن روايتِه، كمَا صرَّحَ بذلكَ غيرُ واحدٍ من الأئمَّةِ؛ لأنَّه قد حدَّثَه، وهوَ شيءٌ لا يُرجَعُ فيهِ، فلا يُؤثَرُ المنعُ.
(وَالسَّمَاعُ)، أي: سماعُ الحديثِ، (فِي الأَصَحّ) من الأقوالِ المرويَّةِ في هذهِ المسألةِ، (ثَالِثُهَا) أي: ثالثُ الأقوالِ، (مِنْ نَاسِخٍ) أي: كاتبٍ، (يَفْهَمُ) صفةُ «ناسخٍ»، أي: كاتبٍ مميِّزٍ للألفاظِ المقروءةِ، (صَحّ) أي: السَّماعُ منهُ، أو عليهِ.
[٣٧٣] (رَابِعُهَا) أي: الأَقْوَالِ في المسألةِ أنَّه (يَقُولُ) في الأداءِ: («قَدْ حَضَرْتُ») عندَ فلانٍ حينَ حدَّثَ بكذَا، أو قُرِئَ عليهِ كذَا. (وَلا) ناهيةٌ (يَقُلْ: «حُدِّثْتُ» أَوْ «أُخْبِرْتُ») أي: لا يقُلْ في الأداءِ: «حدَّثَني فلانٌ». ولا: «أخبرَنِي».
وحاصلُ المعنَى: أنَّ العلماءَ اختلَفُوا في صحَّةِ السَّماعِ من ناسخٍ ينسخُ
стр. 298
حالَ القراءةِ، مُسمِعًا كانَ، أو سامعًا علَى أقوالٍ:
الأوَّلُ: المنعُ مطلقًا.
والثَّاني: الجوازُ مطلقًا.
والثَّالثُ: التَّفصيلُ؛ فإنْ كانَ السَّماعُ من ناسخٍ لا يمتنعُ معَ نسخِه فهمُ ما قُرِئَ صحَّ، وإلَّا بأنْ يمتنِعَ معَه فهمُ ما يقرأُ حتَّى يكونَ الواصلُ إلى سمعِه كأنَّه صوتُ غُفْلٍ لا يصحُّ.
والرَّابعُ: قولُ من قالَ: إنَّه يقولُ في الأداءِ: حضَرْتُ، ولا يقولُ: حدَّثَنا، ولا أخبرَنا.
٣٧٤ - وَالْخُلْفُ يَجْرِي حَيْثُمَا تَكَلَّمَا … [أَوْ أَسْرَعَ الْقَارِئُ] أَوْ إِنْ هَيْنَمَا
٣٧٥ - أوْ بُعْدَ السَّامِعُ، لَكِنْ يُعْفَى … عَنْ كِلْمَةٍ وَكِلْمَتَيْنِ تَخْفَى
[٣٧٤] (وَالْخُلْفُ) بالضَّمِّ، أي: الاختلافُ المذكورُ في مسألةِ النَّسخِ، (يَجْرِي حَيْثُمَا تَكَلَّمَا) الشَّيخُ أو السَّامعُ وقتَ التَّحديثِ، (أَوْ أَسْرَعَ الْقَارِئُ) أي: إفراطُ القارئِ في الإسراعِ، بحيثُ يَخفَى بعضُ الكلامِ علَى السَّامعِ، (أَوْ إِنْ) شرطيَّةٌ، (هَيْنَمَا) أي: أخفَى صوتَه، والهَيْنمةُ بفتحِ الهاءِ وسكونِ الياءِ وفتحِ النُّونِ: الصَّوتُ الخفيُّ.
стр. 299
[٣٧٥] (أوْ بُعْدَ السَّامِعُ) عن القارئِ، أو كانَ في سمعِه، أو المسمَعِ بعضُ ثِقَلٍ، أو عَرَضَ نُعَاسٌ خفيفٌ بحيثُ يُفَوِّتُ سماعَ البعضِ، (لَكِنْ) معَ ذلكَ (يُعْفَى) أي: يُغتفَرُ، (عَنْ) قدرٍ يسيرٍ، (كِلْمَةٍ وَكِلْمَتَيْنِ تَخْفَى) صفةٌ لـ «كلمةٍ».
وحاصلُ المعنَى: أنَّ الخلافَ المذكورَ في المسألةِ السَّابقةِ، يجرِي فيمَا إذَا تحدَّثَ الشَّيخُ، أو السَّامعُ، أو أفرطَ القارئُ علَى الإسراعِ، بحيثُ يخفَى علَى السَّامعِ بعضُ الكلامِ، أو أخفَى صوتَه، أو بعدَ السامعُ بحيثُ لا يَفْهَمُ المقروءَ.
٣٧٦ - وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجِيزَ الْمُسْمِعُ … جَبْرًا لِذَا وَكُلِّ نَقْصٍ يَقَعُ
٣٧٧ - وَجَازَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ مُمْلِيهِ … مَا بَلَّغَ السَّامِعَ مُسْتَمْلِيهِ
[٣٧٦] (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ) مصدريَّةٌ، (يُجِيزَ) الشَّيخُ (الْمُسْمِعُ) أي: الَّذي يسمِعُ الحديثَ للطَّلبةِ، (جَبْرًا لِذَا) أي: لأجلِ جبرِ الخللِ المذكورِ، (وَ) جَبْرًا لـ (كُلِّ نَقْصٍ يَقَعُ) أي: يحصلُ في حالِ السَّماعِ، كأنْ يغلطَ القارئُ ويغفلَ الشَّيخُ، أو بالعكسِ.
[٣٧٧] (وَجَازَ أَنْ) مصدريَّةٌ، (يَرْوِيَ) الرَّاوي (عَنْ مُمْلِيهِ) أي: الشَّيخِ الَّذي أملَى الحديثَ عليهِ، (مَا بَلَّغَ) بتشديدِ اللَّامِ، (السَّامِعَ مُسْتَمْلِيهِ).
стр. 300
وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا عظُمَ مجلسُ الإملاءِ، فاتَّخَذَ الشَّيخُ مستملِيًا يبلِّغُ عنهُ، فمَن سمِعَ من المستملِي حديثًا جازَ أنْ يروِيَ ذلكَ الحديثَ عن المُملِي عندَ جماعةٍ من المتقدِّمينَ وغيرِهِم.
٣٧٨ - لِلأَقْدَمِينَ، [وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ] … وَابْنُ الصَّلاحِ قَالَ: هَذَا يُحْظَلُ
٣٧٩ - وَالْخُلْفُ يَجْرِي فِي الَّذِي لا يَفْهَمُ … كَلِمَةً، فَمِنْهُ قَدْ يَسْتَفْهِمُ
[٣٧٨] (لِلأَقْدَمِينَ) متعلِّقٌ بـ «جازَ»، (وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ) أي: علَى هذَا المذهبِ جرَى عملُ أكابرِ المحدِّثينَ الَّذينَ كانَ يَعْظُمُ الجمعُ في مجالِسِهم جِدًّا، (وَ) أبو عَمرٍو عثمانُ (ابْنُ الصَّلاحِ قَالَ: هَذَا يُحْظَلُ) أي: الَّذي ذُكِرَ من جوازِ روايةِ مَن سمِعَ من المستملِي عن المُملِي ممنوعٌ؛ لمَا فيهِ من التَّساهُلِ.
[٣٧٩] (وَالْخُلْفُ) أي: الاختلافُ المذكورُ، (يَجْرِي) أيضًا، (فِي) السَّامعِ (الَّذِي لا يَفْهَمُ كَلِمَةً) أو أكثرَ، (فَمِنْهُ) أي: المُستملِي وكذَا من رفيقِهِ، (قَدْ يَسْتَفْهِمُ) أي: يطلُبُ فهمَهَا.
وحاصلُ المعنَى: أنَّهم اختلَفُوا في صحَّةِ روايةِ ما استفهَمَه السَّامعُ
стр. 301
من الألفاظِ اليسيرةِ من المستملِي، أو من بعضِ الحاضرينَ، فجوَّزَه بعضُهم، ومنهم: الإمامُ أحمدُ ﵀، ومنعَه آخرونَ منهُم: أبو نُعَيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ ﵀.
ثمَّ ذكرَ ﵀ القسمَ الثَّالثَ بقولِه:
٣٨٠ - ثَالِثُهَا: إِجَازَةٌ، وَاخْتُلِفَا … فَقِيلَ: لا يَرْوِي بِهَا، وَضُعِّفَا
٣٨١ - وَقِيلَ: لا يَرْوِي وَلَكِنْ يَعْمَلُ … وَقِيلَ: عَكْسُهُ، [وَقِيلَ: أَفْضَلُ
[٣٨٠] (ثَالِثُهَا: إِجَازَةٌ) أي: ثالثُ أقسامِ التَّحمُّلِ ما يُسمَّى بإجازةٍ، (وَاخْتُلِفَا) بالبناءِ للمفعولِ، وألفِ الإطلاقِ، أي: اختلَفَ العلماءُ في جوازِ الرِّوايةِ بهَا علَى أقوالٍ؛ (فَقِيلَ: لا يَرْوِي بِهَا) أي: الإجازةِ، وهوَ قولُ جماعةٍ منَ المحدِّثينَ كشُعبةَ، (وَ) لكِنَّ هذَا القولَ (ضُعِّفَا) بالبناءِ للمفعولِ، وألفِ الإطلاقِ، أي: نُسِبَ إلى الضَّعفِ.
[٣٨١] (وَقِيلَ: لا يَرْوِي) بهَا بالضَّبطِ المتقدِّمِ، أي: لا تجوزُ الرِّوايةُ بالإجازةِ، (وَلَكِنْ يَعْمَلُ) أي: لكِنْ يجوزُ العملُ بها، وهذَا القولُ منقولٌ عن الأوزاعيِّ ﵀، (وَقِيلَ: عَكْسُهُ) أي: عكسُ القولِ المذكورِ، وهوَ
стр. 302
جوازُ الرِّوايةِ دونَ العملِ، كالمُرسلِ، وهوَ لبعضِ الظَّاهريَّةِ ومَن تابَعَهم، قالَ ابنُ الصَّلاحِ ﵀: وهذَا باطلٌ. (وَقِيلَ): إنَّها (أَفْضَلُ) أي:
٣٨٢ - مِنَ السَّمَاعِ، وَالتَّسَاوِي نُقِلا] … وَالْحَقُّ: أَنْ يَرْوِي بِهَا وَيَعْمَلا
٣٨٣ - [وَأَنَّهَا دُونَ السَّمَاعِ لِلسَّلَفْ … وَاسْتَوَيَا لَدَى أُنَاسٍ الْخَلَفْ]
[٣٨٢] (مِنَ السَّمَاعِ) مطلقًا، وهوَ اختيارُ بعضِ المحقِّقينَ، (وَالتَّسَاوِي نُقِلا وَالْحَقُّ) أي: القولُ الصَّحيحُ الَّذي قالَه المحقِّقونَ: (أَنْ يَرْوِي بِهَا وَيَعْمَلا) أي: جوازُ الرِّوايةِ والعملِ بهَا، وهوَ قولُ الأكثرينَ من العلماءِ المحدثينَ، وغيرِهم.
[٣٨٣] (وَأَنَّهَا) أي: الإجازةَ، (دُونَ السَّمَاعِ) رتبةً، (لِلسَّلَفْ) أي: عندَهم، أي: قيلَ: إنَّها دونَ السَّماعِ، (وَاسْتَوَيَا) أي: السَّماعُ والإجازةُ، (لَدَى أُنَاسٍ) أي: عندَهم، (الْخَلَفْ) وهوَ قولُ العلَّامةِ الطُّوفيِّ ﵀، قالَ: إنَّها في عصرِ السَّلفِ دونَ السَّماعِ، وفي عصرِ الخلفِ مساويةٌ لهُ، والحاصلُ أنَّ مسألةَ الإجازةِ فيهَا مذاهبُ.
الأوَّلُ: وهوَ الَّذي قالَه الجمهورُ من الطَّوائفِ، واستقرَّ عليهِ العملُ جوازُ الرِّوايةِ والعملِ بها، وهوَ الصَّحيحُ.
стр. 303
الثَّاني: المنعُ.
الثَّالثُ: أنَّها لا يعملُ بهَا مع جوازِ التَّحديثِ بهَا.
الرَّابعُ: عكسُ هذَا القولِ.
الخامسُ: أنَّ الإجازةَ أفضلُ من السَّماعِ.
السَّادسُ: أنَّهما متساوِيانِ في الرُّتبةِ.
السَّابعُ: التَّفصيلُ؛ ففي عصرِ السَّلفِ السَّماعُ أولَى، وأمَّا بعدَ أنْ دُوِّنَتِ الدَّواوينُ، وجُمِعتِ السُّننُ واشتُهِرَتْ، فلا فرقَ بينَهما، أي: فهما مستوِيانِ.
٣٨٤ - عَيَّنَ مَا أَجَازَ وَالْمُجَازَ لَهْ … أَوْ ذَا وَمَا أَجَازَهُ قَدْ أَجْمَلَهْ
[٣٨٤] (عَيَّنَ) المُجيزُ، (مَا) أي: الحديثَ، أو الكتابَ الَّذي (أَجَازَ) للطَّالبِ، (وَ) عيَّنَ (الْمُجَازَ لَهْ) من الطَّلبةِ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ النَّوعَ الأوَّلَ هوَ أنْ يعيِّنَ المُجازَ بهِ والمُجازَ لهُ، كأنْ يقولَ: أجَزْتُكَ البخاريَّ.
(أَوْ) عيَّنَ (ذَا) أي: المُجازَ له (وَ) الحالُ أنَّ (مَا أَجَازَهُ) أي: الَّذي أجازَ لهُ من الحديثِ أو الكتابِ مثلًا، (قَدْ أَجْمَلَهْ) أي: عمَّمَه، يعنِي: أنَّه لم يعيِّنْه.
وحاصلُ هذَا النَّوعِ: أنْ يجيزَ المحدِّثُ لمعيَّنٍ أو مُعَيَّنِينَ في غيرِ مُعَيَّنٍ، وهوَ المسمَّى بإجازةِ خاصٍّ بعامٍّ، وهوَ مقبولٌ كسابقِه عندَ جمهورِ العلماءِ من المحدِّثينَ، وغيرِهم.
стр. 304
٣٨٥ - فَإِنْ يُعَمِّمْ مُطْلَقًا أَوْ مَنْ وُجِدْ … فِي عَصْرِهِ: صُحِّحَ رَدٌّ وَاعْتُمِدْ
٣٨٦ - مَا لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ مَعْ حَصْرِ … فَصَحِّحَنْ، كَالْعُلَمَا بِمِصْرِ
[٣٨٥] (فَإِنْ يُعَمِّمْ) المحدِّثُ، المُجازَ لهُ، (مُطْلَقًا) أي: مِن دونِ قيدٍ، وسواءٌ عينَ المجازَ بهِ أو لا، بأنْ يقولَ: أجَزْتُ المسلمينَ، أو كلَّ أحدٍ، الكتابَ الفلانيَّ، أو جميعَ مرويَّاتِي. (أَوْ) قيَّدَه بقيدٍ شبيهٍ بالإطلاقِ، كأنْ يجيزَ (مَنْ وُجِدْ فِي عَصْرِهِ) أي: وقتِه، كأنْ يقولَ: مَن أدرَكَ زمانِي أو أهلَ زمانِي (صُحِّحَ رَدٌّ) أي: ردُّ الرِّوايةِ بهذَا النَّوعِ، (وَاعْتُمِدْ) أي: اعْتَمَدَ هذَا الرَّأيَ العلماءُ.
[٣٨٦] (مَا) مصدريَّةٌ ظرفيَّةٌ، (لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ) أي: المُجازِ لهُ، (مَعْ) بسكونِ العينِ لغةٌ في فتحِهَا، (حَصْرِ) بوصفٍ حاصرٍ، يعنِي: أنَّ الرَّدَّ المذكورَ كانَ مدَّةَ عدمِ حصرِه بقيدٍ حاصرٍ، فأمَّا إذَا كانَ تعميمُه مقيَّدًا بوصفٍ حاصرٍ، (فَصَحِّحَنْ) تلكَ الإجازةَ العامَّةَ، وذلكَ (كَـ) قولِهِ: أجَزْتُ (الْعُلَمَا) بالقصرِ للوزنِ، أي: العلماءِ الموجودينَ (بِمِصْرِ) البلدِ المعروفِ، أو نحوِه، كأجَزْتُ لمَن ملَكَ نسخةً من التَّصنيفِ الفُلانيِّ.
стр. 305
٣٨٧ - وَالْجَهْلُ بِالْمُجَازِ وَالْمُجَازِ لَهْ … كَلَمْ يُبَيِّنْ ذُو اشْتِرَاكٍ: أَبْطَلَهْ
٣٨٨ - وَلا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِالأَعْيَانِ مَعْ … تَسْمِيَةٍ أَوْ لَمْ يُصَفِّحْ مَا جَمَعْ
[٣٨٧] (وَالْجَهْلُ بِالْمُجَازِ) بهِ من الحديثِ، أو الكتابِ، أو نحوِهِما، (وَالْمُجَازِ لَهْ) أي: الشَّخصِ الَّذي أُجيزَ لهُ، كأجَزْتُ بعضَ النَّاسِ بعضَ مرويَّاتِي، (كَلَمْ يُبَيِّنْ ذُو اشْتِرَاكٍ) أي: كعدمِ تبيينِ صاحبِ الاشتراكِ من الشَّخصِ أو الكتابِ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا سَمَّى المجيزُ كتابًا، أو شخصًا، وقد تَسَمَّى بذلكَ الكتابِ، أو الشَّخصِ سواهُ، مثلَ أنْ يقولَ: أجَزْتُ لكَ أنْ ترويَ عَنِّي كتابَ السُّننِ. وفي مرويَّاتِه عدَّةُ كتبٍ يعرفُ كلٌّ منها بالسُّننِ، كأبي داودَ، والدَّارقطنيِّ، والبيهقيِّ، وغيرِها، أو يقولَ: أجزتُ محمدَ بنَ عبدِ اللهِ الأنصاريَّ. وفي ذلكَ الوقتِ جماعةٌ مشترِكُونَ في هذَا الاسمِ، (أَبْطَلَهْ) أي: أبطلَ الجهلُ بذلكَ الإجازةَ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ الجهلَ المذكورَ يبطلُ الإجازةَ؛ لعدمِ التَّمييزِ عندَ السَّامعِ.
[٣٨٨] (وَلا يَضُرُّ) في صحَّةِ الإجازةِ (الْجَهْلُ) أي: جهلُ المُجيزِ (بِالأَعْيَانِ) أي: أشخاصِ المُجازِ لهم، (مَعْ تَسْمِيَةٍ) أي: ذكرِ أسمائِهِم
стр. 306
وأنسابِهِم بحيثُ يزولُ الاشتِباهُ عنهم.
وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا جهلَ المجيزُ أعيانَ المجازِ لهم مع تسميتِهِم، فإنَّه لا يضرُّ ذلكَ في الإجازةِ، كما أنَّه لا يشترطُ معرفةُ المسمعِ عينَ السامعِ الَّذي سمِعَ منهُ، (أَوْ لَمْ يُصَفِّحْ) أي: لم يَرَ المجيزُ صَفَحَاتِ وُجُوهِ (مَا) بمعنَى «مَن» (جَمَعْ) أسماءَهُم في إجازتِه.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ المجيزَ إذَا جمعَ بالإجازةِ جماعةً سمَّاهم من غيرِ حصرِ عددِهم، وتَصَفُّحِهِمْ واحدًا واحدًا، جازَ قياسًا علَى السَّماعِ أيضًا.
٣٨٩ - وفِي الأَصَحِّ أَبْطَلُوا وَإِنْ يَقُلِ … أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ عَلِي
[٣٨٩] (وفِي الأَصَحِّ) من قولَيِ العلماءِ، (أَبْطَلُوا) أي: حكَمُوا ببُطلانِ الإجازةِ، (وَإِنْ يَقُلِ) المجيزُ في إجازتِه: (أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ) الإجازةَ منِّي، (وَ) كذَا إنْ يقُلْ: أجزتُ (مَنْ شَاءَ) الإجازةَ لهُ، (عَلِي) ابنَ فلانٍ، لرجلٍ معيَّنٍ.
وحاصلُ معنَى البيتِ: أنَّه إذَا علقَ المجيزُ الإجازةَ بالمشيئةِ، فإمَّا أنْ تكونَ معلَّقةً بمشيئةِ مبهمٍ لنفسِه، كأنْ يقولَ: منْ شاءَ أنْ أجيزَ لهُ، فقَدْ أجَزْتُ لهُ. أو: أجَزتُ لمَن شاءَ. وإمَّا أنْ تكونَ بمشيئةِ غيرِ المُجازِ معيِّنًا لغيرِه، كأنْ يقولَ: أجزتُ لمَنْ شاءَ عليَّ بنَ محمدٍ مثلًا أنْ أجيزَ له، أو من شاءَ عليُّ بنُ محمدٍ أنْ أجيزَ لهُ فقَدْ أجَزْتُه.
أو يقولَ لشخصٍ: أجَزْتُ لمَن شئتَ أنْ أُجيزَهُ. أو نحوَ ذلكَ.
стр. 307
٣٩٠ - وَصَحَّحُوا «أَجَزْتُهُ إِنْ شَاءَ» أَوْ … «أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ» رِوَايَةً رَأَوْا
٣٩١ - وَالإِذْنُ لِلْمَعْدُومِ فِي الأَقْوَى امْتَنَعْ … ثَالِثُهَا: جَازَ لِمَوْجُودٍ تَبَعْ
[٣٩٠] (وَصَحَّحُوا) أي: حكمَ الحُذَّاقُ من العلماءِ بصحَّةِ الإجازةِ إذَا قالَ: («أَجَزْتُهُ). أي: فلانٌ. (إِنْ شَاءَ») الرِّوايةَ عنِّي، أو: أجَزْتُ لكَ إنْ شئتَ أنْ تروِيَ عنِّي، أو أحبَبْتَ، أو أرَدْتَ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا قالَ: أجَزْتُ لفلانٍ كذَا إنْ شاءَ الرِّوايةَ عنِّي. فالصَّحِيحُ الجوازُ؛ لانتفاءِ الجهالةِ، وحقيقةِ التَّعليقِ، ولمْ يبقَ سوَى صيغتِهِ، وقيلَ: لا تجوزُ.
(أَوْ) قال: («أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ» رِوَايَةً) عنِّي. فكذلكَ (رَأَوْا) أي: العلماءُ جوازَها.
وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا علَّقَ الرِّوايةَ بالمشيئةِ، كقولِه: أجَزْتُ منْ شاءَ الرِّوايةَ عنِّي. جازَتْ؛ لأنَّه تصريحٌ بمقتضَى الحالِ.
[٣٩١] (وَالإِذْنُ) أي: الإجازةُ (لِلْمَعْدُومِ) أي: غيرِ المولودِ، (فِي الأَقْوَى) أي: القولِ الأرجحِ، (امْتَنَعْ) أي: صارَ ممنوعَا، (ثَالِثُهَا) أي:
стр. 308
الأقوالِ: (جَازَ) أي: الإذنُ للمعدومِ، (لِمَوْجُودٍ تَبَعْ) بفتحتينِ، أي: حالَ كونِه تابعًا لموجودٍ، بأنْ عطفَ عليهِ، كأجَزْتُ لكَ ولمَن يولَدُ لكَ، أو أجَزتُ لفلانٍ ولمَن سيُولَدُ لهُ.
٣٩٢ - وَصَحَّحُوا جَوازَهَا لِطِفْلِ … وَكَافِرٍ [وَنَحْوِ ذَا] وَحَمْلِ
٣٩٣ - وَمَنْعَهَا بِمَا الْمُجِيزُ يَحْمِلُهْ … مِنْ بَعْدِهَا، فَإِنْ يَقُلْ لا نُبْطِلُهْ
[٣٩٢] (وَصَحَّحُوا) أي: العلماءُ، (جَوازَهَا) أي: الإجازةِ، (لِطِفْلِ) أي: صبيٍّ غيرِ مميِّزٍ، (وَكَافِرٍ وَنَحْوِ ذَا) أي: الكافرُ ممَّنْ ليسَ أهلًا للرِّوايةِ كفاسقٍ، ومبتدِعٍ، ومجنونٍ، (وَ) صحَّحُوها أيضًا لـ (حَمْلِ)، سواءٌ نُفِخَ فيهِ الرُّوحُ، أم لا، فقالَ العراقيُّ ﵀: لم أجِدْ فيهِ أيضًا نقلًا، ولا شكَّ أنَّه أولَى بالصِّحَّةِ من المعدومِ.
[٣٩٣] (وَمَنْعَهَا) أي: صحَّحُوا منعَ الإجازةِ وبُطلانَها، (بِمَا) أي: المرويِّ الَّذي (الْمُجِيزُ يَحْمِلُهْ) أي: الحديثِ الَّذي يحمِلُه الشَّيخُ المجيزُ للطَّالبِ (مِنْ بَعْدِهَا) أي: بعدَ الإجازةِ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ الشَّيخَ إذَا أجازَ للطَّالبِ بما لم يتحمَّلْه بوجهٍ من
стр. 309
سماعٍ أو إجازةٍ ليرويَهُ ذلكَ الطَّالبُ إذا تحمَّلَه المجيزُ، فالصَّحِيحُ بل الصَّوابُ كما قالَه النَّوويُّ ﵀، وهوَ الَّذي حكاهُ عياضٌ ﵀ عنْ أبي الوليدِ يونُسَ بنِ المغيثِ القرطبيِّ ﵀ منعُ ذلكَ، (فَإِنْ يَقُلْ) الشَّيخُ (لا نُبْطِلُهْ).
٣٩٤ - «أَجَزْتُ مَا صَحَّ وَمَا يَصِحُّ لَكْ … مِمَّا سَمِعْتُ أَوْ يَصِحُّ مَا سَلَكْ»
٣٩٥ - فِي مِثْلِ ذَا لا تُدْخِلِ الْمُجَازَا … أَوْ صَحَّ عِنْدَ غَيْرِ مَنْ أَجَازَا
[٣٩٤] («أَجَزْتُ مَا صَحَّ) عندَكَ حالَ الإجازةِ (وَمَا يَصِحُّ لَكْ) أي: عندَكَ بعدَها أَنِّي أَرْوِيهِ (مِمَّا سَمِعْتُـ) هـ من الأحاديثِ، (أَوْ) اقتصرَ علَى قولِه: «ما صحَّ» (يَصِحُّ مَا سَلَك») أي: ما ذكرَه، يعنِي: أنَّه تركَ ذكرَ «يصِحُّ» مكتفيًا بـ «ما صحَّ».
وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا قالَ الشَّيخُ: أجَزتُ لفلانٍ ما صحَّ، ويصحُّ عندَه من مسموعاتِي. صحَّتِ الإجازةُ.
فتجوزُ الرِّوايةُ لِمَا صحَّ عندَه بعدَ الإجازةِ أنَّه سمعَه قبلَها، وقد فعلَهُ الدَّارقطنيُّ ﵀ وغيرُه.
[٣٩٥] (فِي مِثْلِ ذَا) أي: الإجازةِ المتقدِّمةِ، (لا تُدْخِلِ) أيُّها الرَّاوي بها (الْمُجَازَا) بضمِّ الميمِ، أي: ما تحمِلُه بالإجازةِ، (أَوْ صَحَّ) أي: أو
стр. 310
الصَّحيحَ، (عِنْدَ غَيْرِ مَنْ أَجَازَا) أي: عندَ غيرِ الشَّيخِ الَّذي أجازَ لكَ بهذهِ الكيفيَّةِ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا أجازَ لكَ الشَّيخُ بالصِّيغةِ المتقدِّمةِ، وهي أجَزتُ لكَ ما صحَّ … إلخ، فليسَ لكَ أنْ ترويَ ما تحمِلُه بالإجازةِ، أو ما صحَّ عندَ غيرِه؛ لأنَّه مقيَّدٌ بسماعِه.
٣٩٦ - وَمَنْ رَأَى إِجَازَةَ الْمُجَازِ … وَلَوْ عَلا فَذَاكَ ذُو امْتِيَازِ
[٣٩٦] (وَمَنْ) شرطيَّةٌ (رَأَى) من العلماءِ صحَّةَ، (إِجَازَةَ الْمُجَازِ) بضمِّ الميمِ، أي: الحديثِ الَّذي تحمَّلَه الرَّاوِي بالإجازةِ، كأنْ يقولَ: أجَزتُ لكَ مَجَازَاتي. أو روايةَ ما أُجِيزَ لي، أو ما أُبِيحَ لي روايتُهُ. (وَلَوْ عَلا) ذلكَ المجازُ، أي: كَثُرَ بسببِ تَوَالِي الإجازاتِ، (فَذَاكَ ذُو امْتِيَازِ) يعنِي: أنَّ ذلكَ الرَّائيَ ذو تميُّزٍ وفضلٍ علَى مَن لم يَرَ صحَّةَ ذلكَ لكونِ رأيِه صوابًا.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ العلماءَ اختلَفُوا في إجازةِ المُجازِ، كقولِه: أجَزتُ لكَ مجازاتِي. ونحوَ ذلكَ.
فمنعَ ذلكَ بعضُهم؛ لأنَّ الإجازةَ ضعيفةٌ، فَيَقْوَى الضَّعفُ باجتماعِ إجازتينِ، والصَّحيحُ الَّذي عليهِ العملُ، وهوَ الَّذي أشارَ إلى ترجيحِهِ هنا، جوازُها مطلقًا؛ لأنَّ المقصودَ منهَا بقاءُ سِلسِلَةِ الإسنادِ.
стр. 311
٣٩٧ - وَلَفْظُهَا «أَجَزْتُهُ» «أَجَزْتُ لَهْ» … فَأَنْ يَخُطَّ نَاوِيًا [فَيُهْمِلَهْ
٣٩٨ - وَلَيْسَ شَرْطًا الْقَبُولُ بَلْ إِذَا … رَدَّ فَعِنْدِي غَيْرُ قَادِحٍ بِذَا]
[٣٩٧] (وَلَفْظُهَا) أي: اللَّفظُ المستعملُ في الإجازةِ: («أَجَزْتُهُ») أي: أجَزتُ فلانًا مسموعاتِي أو مرويَّاتِي. («أَجَزْتُ لَهْ») والتَّلفُّظُ بالإجازةِ سواءٌ كانَ معَ الكتابةِ أم لا، هوَ الأعلَى رتبةً، ويليهِ الكتابةُ معَ قصدِ الإجازةِ بدونِ تلفُّظٍ، وإليهِ أشارَ بقولِه: (فَأَنْ) الفاءُ للتَّرتيبِ (يَخُطَّ) أي: يكتُبَ الشَّيخُ بالإجازةِ، حالَ كونِهِ (نَاوِيًا) لهَا، يعنِي: أنَّ الكتابةَ بالإجازةِ معَ قصدِهَا تلِي التَّلفُّظَ بهَا، ثمَّ تلِي الكتابةُ بدونِ القصدِ، وإليهَا أشارَ بقولِه: (فَيُهْمِلَهْ) من الإهمالِ، وهوَ التَّركُ، أي: يلِي الخطَّ معَ النِّيَّةِ أنْ يخُطَّ، ويهمِلَ النِّيَّةَ.
والحاصلُ: أنَّ كيفيَّةَ الإجازةِ أربعةٌ: الكتابةُ معَ اللَّفظِ، وهوَ الأعلَى، ثمَّ اللَّفظُ بدونِ الكتابةِ، ثمَّ الكتابةُ معَ النِّيَّةِ، ثمَّ الكتابةُ معَ إهمالِ النِّيَّةِ.
[٣٩٨] (وَلَيْسَ شَرْطًا) في صحَّةِ الرِّوايةِ بهَا، (الْقَبُولُ) أي: قَبولُ المجازِ لهُ إيَّاها، (بَلْ إِذَا رَدَّ) المُجازُ لهُ الإجازةَ، وكذَا لو رجَعَ المُجيزُ عنهَا، (فَعِنْدِي غَيْرُ قَادِحٍ) في الإجازةِ، (بِذَا) أي: بسببِ ردِّهِ للإجازةِ، يعنِي: أنَّ المُجازَ لهُ لو رَدَّهَا فهوَ غيرُ قادحٍ لهَا بردِّه.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ قبولَ المُجازِ لهُ للإجازةِ غيرُ شرطٍ في صحَّةِ الرِّوايةِ بهَا، كمَا صرَّحَ بهِ البلقينيُّ ﵀.
стр. 312
٣٩٩ - وَاسْتُحْسِنَتْ مِنْ عَالِمٍ لِمَاهِرِ … وَشَرْطُهُ يُعْزَى إِلَى أَكَابِرِ
[٣٩٩] (وَاسْتُحْسِنَتْ) أي: الإجازةُ، أنْ تكونَ (مِنْ) مُجيزٍ (عَالِمٍ) بمَا يجيزُ بهِ، (لِمَاهِرِ) أي: لِمُجَازٍ حاذقٍ بالفنِّ، (وَشَرْطُهُ) أي: اشتراطُ كونِهَا من عالمٍ لماهرٍ، (يُعْزَى) أي: يُنسَبُ (إِلَى أَكَابِرِ) بالصَّرفِ للضَّرورةِ، أي: الأئمَّةِ الكبارِ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّهم قالُوا: إنَّما تُستحسَنُ الإجازةُ إذَا كانَ المُجيزُ عالِمًا بمَا يُجيزُه، وكانَ المُجَازُ لهُ من أهلِ العلمِ أيضًا؛ لأنَّها تسويغٌ، وترخيصٌ يتأهَّلُ لهُ أهلُ العلمِ؛ لمسيسِ حاجتِهِم إليهَا.
ثمَّ بيَّنَ ﵀ النَّوعَ الرَّابعَ بقولِه:
٤٠٠ - رَابِعُهَا عِنْدَهُمُ: الْمُنَاوَلَهْ … أَنْ يُعْطِيَ الْمُحَدِّثُ الْكِتَابَ لَهْ
[٤٠٠] (رَابِعُهَا) أي: رابعُ وجوهِ تحمُّلِ الحديثِ (عِنْدَهُمُ) أي: العلماءِ حالٌ منهُ، (الْمُنَاوَلَهْ) لغةً: العَطِيَّةُ، واصطلاحًا: (أَنْ) مصدريَّةٌ (يُعْطِيَ الْمُحَدِّثُ الْكِتَابَ لَهْ) أي: للطَّالبِ.
стр. 313
٤٠١ - مِلْكًا، تَلِي إِعَارَةٌ، أَوْ يُحْضِرَهْ … لِلشَّيْخِ ذِي الْعِلْمِ لِكَيْمَا يَنْظُرَهْ
٤٠٢ - ثُمَّ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، وَأَذِنْ … فِي الصُّورَتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، فَدِنْ
[٤٠١] (مِلْكًا) بتثليثِ الميمِ، أي: حالَ كونِه مملوكًا لهُ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ النَّوعَ الرَّابعَ من أنواعِ التَّحمُّلِ هوَ المُناولةُ، وهيَ إعطاءُ المحدِّثِ الكتابَ للطَّالبِ، قائلًا: هذَا من تصنيفِي، أو روايتِي، وأنَا عالمٌ بما فيهِ، فَارْوِهِ عنِّي. وهذهِ الصُّورةُ هيَ الأعلَى، (تَلِي) هذهِ الصُّورةَ الأولَى (إِعَارَةٌ) أي: مناولةُ الشَّيخِ الكتابَ علَى وجهِ الإعارةِ، فيقولُ لهُ: خُذْ عنِّي، فانتسِخْه، ثمَّ قَابِلْ بهِ، ثمَّ رُدَّهُ إليَّ. (أَوْ يُحْضِرَهْ) أي: يُحضِرَ الكتابَ الطَّالبُ، (لِلشَّيْخِ) أي: عندَ المحدِّثِ (ذِي الْعِلْمِ) أي: المعرفةِ بما في الكتابِ؛ (لِكَيْمَا يَنْظُرَهْ) أي: يُطالِعَ الكتابَ، ويتصفَّحَه، متأمِّلًا ليعلَمَ صحَّتَه، وعدمَ الزِّيادةِ فيهِ، والنَّقصِ منهُ.
[٤٠٢] (ثُمَّ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ) أي: يرُدَّ الشَّيخُ ذلكَ الكتابَ إلى الطَّالبِ، ويقولَ لهُ: وقَفْتُ علَى ما فيهِ، وهوَ كتابِي، أو روايتِي عن فلانٍ، أو نحوَه، فاروِهِ عنِّي، أو أجزتُ لكَ روايتَهُ. (وَ) قد (أَذِنْ) أي: حالَ كونِهِ آذِنًا للطَّالبِ (فِي الصُّورَتَيْنِ) المذكورتَينِ، أي: صورةِ دفعِ الشَّيخِ الكتابَ إلى الطَّالبِ،
стр. 314
إمَّا ملكًا، أو إعارةً، وصورةِ إحضارِه الكتابَ إلى الشَّيخِ ليتأمَّلَه، ثم يردَّهُ إليهِ، (فِي رِوَايَةٍ) أي: روايةِ ما في الكتابِ، (فَدِنْ) تتميمٌ للبيتِ، بمعنَى أطِعْ، أي: أَطِعِ المحدِّثينَ في قواعدِهِم.
٤٠٣ - وَأَخَذُوا بِهَذِهِ إِجْمَاعَا … بَلْ قِيلَ: ذِي تُعَادِلُ السَّمَاعَا
٤٠٤ - [وَآخَرُونَ فَضَّلُوهَا] وَالأَصَحّْ … تَلِي، وَسَبْقُهَا إِجَازَةً وَضَحْ
[٤٠٣] (وَأَخَذُوا) أي: العلماءُ من المحدِّثينَ وغيرِهم، (بِهَذِهِ) أي: المناولةِ المقرونةِ بالإجازةِ، (إِجْمَاعَا) أي: حالَ كونِهِم مجمِعينَ عليهِ، والمعنَى أنَّ صحَّةَ المُناولةِ المقرونةِ بالإجازةِ مجمعٌ عليها، (بَلْ قِيلَ: ذِي) أي: المناولةُ المقرونةُ بالإذنِ، (تُعَادِلُ) أي: تساوِي (السَّمَاعَا) في الرُّتبةِ والقوَّةِ.
[٤٠٤] (وَآخَرُونَ) من أهلِ الحديثِ، (فَضَّلُوهَا) أي: المناولةَ علَى السَّماعِ، يعنِي: أنَّ بعضَ المحدِّثينَ ذهَبُوا إلى أنَّ المناولةَ أولَى من السَّماعِ، (وَالأَصَحّ) من الأقوالِ، وهوَ الَّذي عليهِ المحقِّقونَ أنَّها (تَلِي) السَّماعَ، بلْ والقراءةَ في الرُّتبةِ، فهيَ منحطَّةٌ عنهُما، (وَسَبْقُهَا) أي: سبقُ المناولةِ المقرونةِ بالإجازةِ، أي: تقدُّمُها في الرُّتبةِ، (إِجَازَةً) أي: مجرَّدةً من المناولةِ (وَضَحْ)؛ لأنَّ تلكَ مختلَفٌ فيهَا دونَ هذِه؛ لمَا ذكَرْنا من الإجماعِ.
стр. 315
٤٠٥ - وَصَحَّ إِنْ نَاوَلَ وَاسْتَرَدَّا … وَمِنْ مُسَاوِي ذَاكَ الاصْلِ أَدَّى
[٤٠٥] (وَصَحَّ) التَّحمُّلُ (إِنْ) شرطيَّةٌ (نَاوَلَ) أي: أعطَى الشَّيخُ الطَّالبَ الكتابَ ونحوَه، معَ الإجازةِ لهُ بروايتِهِ، (وَ) لكنَّه (اسْتَرَدَّا) بألفِ الإطلاقِ، أي: طلبَ ردَّ ما أعطَاهُ في الوقتِ، ولم يُمَكِّنْه منهُ، بلْ أمسَكَه الشَّيخُ عندَه.
وحاصلُ المعنَى: أنَّه إنْ ناوَلَ الشَّيخُ مَرويَّهُ الطَّالبَ، ثمَّ استرَدَّه في الحالِ، فقد صحَّ هذَا الصَّنيعُ منهُ، فتجوزُ الرِّوايةُ، والعملُ بهِ، ولكنَّه دونَ ما سبقَ؛ لعدمِ اطِّلاعِ الطَّالبِ علَى ما يحمِلُه، وغيبتِهِ عنهُ.
(وَ) لكنْ إذَا أرادَ الطَّالبُ الرِّوايةَ لذلكَ (مِنْ مُسَاوِي ذَاكَ الاصْلِ) أي: من كتابٍ مساوٍ لمَا أعطاهُ الشَّيخُ (أَدَّى) أي: رَوَى، أي: عليهِ أنْ يؤدِّيَ من مساوِي ذلكَ الأصلِ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ الطَّالبَ المُنَاوَلَ علَى هذهِ الكيفيَّةِ، إذَا أرادَ روايةَ ما تحمَّلَهُ علَى هذا الوجهِ يلزَمُه أنْ يؤدِّيَه من مساوِي ذلكَ الكتابِ المردودِ، بأنْ وجدَ فرعًا مقابِلًا بهِ موثَّقًا بموافقةِ ما تناولَتْه الإجازةُ، كما يعتبرُ ذلكَ في الإجازةِ المجرَّدةِ، ومن بابٍ أولَى إنْ أدَّاهُ من ذلكَ الأصلِ المستردِّ منه إنْ ظفرَ به وغلبَ علَى ظنِّه سلامتُه من التَّغييرِ.
стр. 316
٤٠٦ - قِيلَ: وَمَا لِذِي مِنَ امْتِيَازِ … عَلَى الَّذِي عُيِّنَ مِنْ مُجَازِ
٤٠٧ - وَإِنْ يَكُنْ أَحْضَرَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ … وَمَا رَأَى: صَحَّ، وَإِلَّا فَلْيُرَدّْ
[٤٠٦] (قِيلَ)، أي: قالَ جماعةٌ من أصحابِ الفقهِ والأصولِ، (وَمَا) نافيةٌ (لِذِي) أي: لهذهِ المناولةِ المذكورةِ، (مِنَ) زائدةٌ، (امْتِيَازِ) أي: تَمَيُّزٌ، وفَضْلٌ، (عَلَى الَّذِي عُيِّنَ مِنْ مُجَازِ) بضمِّ الميمِ، أي: من كتابٍ معيَّنٍ مُجازٍ بهِ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ جماعةً من العلماءِ قالُوا: لا مَزِيَّةَ لهذهِ المناولةِ علَى الكتابِ الَّذي عُيِّنَ في الإجازةِ مجرَّدًا عنها، فلا تأثيرَ لهَا، ولا فائدةَ غيرَ أنَّ شيوخَ أهلِ الحديثِ في القديمِ والحديثِ، يَرَوْنَ لذلكَ مزيَّةً معتبرةً.
[٤٠٧] (وَإِنْ يَكُنْ أَحْضَرَهُ) أي: الكتابَ إلى الشَّيخِ، (مَنْ يُعْتَمَدْ) أي: الطَّالبُ الَّذي يُعتَمَدُ عليهِ لإتقانِه وثقتِهِ، (وَ) الحالُ أنَّه (مَا) نافيةٌ (رَأَى) الشَّيخُ في ذلكَ الكتابِ، (صَحّ) أي: صحَّ صنيعُه هذَا.
وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا أحضرَ الطَّالبُ الكتابَ إلى الشَّيخِ، وقالَ لهُ: هذَا روايتُكَ فناوِلْنيهِ، وأجِزْ لي روايتَه. فأجابَهُ إليهِ معتمدًا عليهِ لإتقانِهِ وثقتِهِ من غيرِ نظرٍ فيهِ، صحَّتِ المناولةُ والإجازةُ، كمَا يصحُّ الاعتمادُ علَى الطَّالبِ في القراءةِ علَى الشَّيخِ إذَا كانَ موثوقًا به معرفةً ودينًا.
стр. 317
وأمَّا إذَا لم يكُنِ الطَّالبُ ممَّنْ يعتمدُ عليهِ فلا تصحُّ الإجازةُ فضلًا عن المناولةِ، كمَا أشارَ إليهِ بقولِه: (وَإِلَّا) يكُنِ الطَّالبُ الَّذي أحضرَ الكتابَ معتمَدًا علَى خَبَرِهِ، ولا يوثقُ بخِبْرَتِهِ، (فَلْيُرَدّ) أي: هذا الصَّنيعُ؛ إذ لا يصحُّ الاعتمادُ علَى غيرِ موثوقٍ بهِ.
٤٠٨ - فَإِنْ يَقُلْ: «أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا» … صَحَّ وَيُرْوَى عَنْهُ حَيْثُ بَانَا
٤٠٩ - [وَإِنْ يُنَاوِلْ لا مَعَ الإِذْنِ وَلا … «هَذَا سَمَاعِي»: فَوِفَاقًا بَطَلا]
[٤٠٨] (فَإِنْ يَقُلْ) الشَّيخُ في الصُّورةِ المذكورةِ، سواءٌ كانَ الطَّالبُ معتمَدًا عليهِ، أم لا؟ (: «أَجَزْتُهُ) لكَ (إِنْ كَانَا») بألفِ الإطلاقِ، أي: الكتابُ من حديثِي. (صَحَّ) أي: صحَّ هذَا القولُ، وكانَ حسنًا فتصِحُّ الرِّوايةُ بهِ، (وَيُرْوَى) أي: يُروَى ذلكَ الحديثُ، أي: يروِي ذلكَ الطَّالبُ ما في الكتابِ (عَنْهُ) أي: عن ذلكَ الشَّيخِ، (حَيْثُ بَانَا) أي: ظهرَ واتَّضَحَ كونُه من مرويَّاتِه.
[٤٠٩] (وَإِنْ يُنَاوِلْ) الشَّيخُ الطَّالبَ شيئًا من مرويَّاتِه، أو أحضرَ الطَّالبُ إليهِ شيئًا منهُ فتصفَّحَه وعرَفَ ما فيهِ، ثمَّ دفعَه إليهِ، (لا مَعَ الإِذْنِ) في الرِّوايةِ (وَلا) قالَ لهُ: («هَذَا) الكتابُ أو الحديثُ (سَمَاعِي») علَى الشَّيخِ الفُلانيِّ، ولا ممَّا أُجِيزَ لي في روايتِهِ. (فَوِفَاقًا) بينَ العلماءِ (بَطَلا) هذَا التَّحمُّلُ، فلا تجوزُ الرِّوايةُ بهِ.
стр. 318
٤١٠ - وَإِنْ يَقُلْ: «هَذَا سَمَاعِي» ثُمَّ لَمْ … يَأْذَنْ: فَفِي صِحَّتِهَا خُلْفٌ يُضَمّْ
٤١١ - وَمَنْ يُنَاوَلْ أَوْ يُجَزْ فَلْيَقُلِ: … «أَنْبَأَنِي» «نَاوَلَنِي» «أَجَازَ لِي»
٤١٢ - «أَطْلَقَ» أَوْ «أَبَاحَ» أَوْ «سَوَّغَ» أَوْ … «أَذِنَ» أَوْ مُشْبِهَ هَذِي، وَرَأَوْا
[٤١٠] (وَإِنْ يَقُلْ) الشَّيخُ عندَ المناولةِ: («هَذَا) الكتابُ أو الحديثُ (سَمَاعِي») علَى الشَّيخِ الفُلانيِّ. أو نحوَهُ، (ثُمَّ لَمْ يَأْذَنْ) لهُ في الرِّوايةِ، بلْ اقتصَرَ علَى قولِه المذكورِ، (فَفِي صِحَّتِهَا) أي: المناولةِ الخاليةِ عنِ الإذنِ (خُلْفٌ) بالضَّمِّ، أي: اختلافٌ بينَ العلماءِ (يُضَمّ)، أي: يُجمَعُ إلى الخلافِ في الأنواعِ المتقدِّمةِ.
[٤١١] (وَمَنْ) شرطيَّةٌ (يُنَاوَلْ أَوْ يُجَزْ) أي: يناوِلُه الشَّيخُ مرويَّهُ، أو يجيزَهُ لهُ، (فَلْيَقُلِ) أي: عندَ أدائِه: («أَنْبَأَنِي») فلانٌ، أو أنبَأَنا، في المناولةِ والإجازةِ، و («نَاوَلَنِي») فلانٌ، أو ناوَلَنا في المناولةِ، و («أَجَازَ لِي») أو أجازَنَا في الإجازةِ المجرَّدةِ عن المناولةِ.
[٤١٢] أو («أَطْلَقَ») لي روايتَهُ عنهُ، (أَوْ «أَبَاحَ») لي (أَوْ «سَوَّغَ») لي، أي: جوَّزَ لي روايتَهُ، أو («أَذِنَ») في روايتِهِ، (أَوْ مُشْبِهَ هَذِي،) الألفاظِ المذكورةِ، من كلِّ عبارةٍ مشعرةٍ بالواقعِ.
стр. 319
وحاصلُ المعنَى: أنَّ مَنْ تحمَّلَ الحديثَ بالمناولةِ، أو الإجازةِ، يقولُ في الأداءِ: «أنبَأني»، «ناوَلَني»، «أجازَ لي»، أو «أطلَقَ لي» روايتَهُ، أو ما أشبَهَ ذلكَ ممَّا يبيِّنُ الواقعَ، (وَرَأَوْا) أي: العلماءُ.
٤١٣ - ثَالِثَها مُصَحَّحًا أَنْ يُورِدَا … «حَدَّثَنَا» «أَخْبَرَنَا» مُقَيِّدَا
٤١٤ - وَقِيلَ: قَيِّدْ فِي مُجَازٍ قَصَرَا … وَبَعْضُهُمْ يَخُصُّهُ بِخَبَّرَا
[٤١٣] (ثَالِثَها) والضَّميرُ راجعٌ إلى الأقوالِ، (مُصَحَّحًا) أي: رَأى العلماءُ ثالثَ الأقوالِ محكومًا بصحَّتِه، (أَنْ يُورِدَا) الألفُ للإطلاقِ، («حَدَّثَنَا» «أَخْبَرَنَا» مُقَيّدَا) أي: حالَ كونِه مقيِّدًا هذينِ اللَّفظينِ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ العلماءَ رأَوْا إيرادَ «حدَّثَنا» و «أخبَرَنا» مقيدًا ببيانِ الواقعِ صحيحًا، فيقولُ: حدَّثَنا فلانٌ إجازةً أو مناولةً، وأخبرَنَا فلانٌ إجازةً أو مناولةً. أو نحوَ ذلكَ.
[٤١٤] (وَقِيلَ) أي: قالَ بعضُهم: (قَيِّدْ) أيُّها المحدِّثُ بعبارةٍ تُبَيِّنُ الواقعَ كمَا تقدَّمَ، (فِي مُجَازٍ) بضمِّ الميمِ، أي: إجازةً، (قَصَرَا) عن المُناولةِ، يعنِي: أنَّها إجازةٌ مجرَّدةٌ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّ بعضَهم قالَ بوجوبِ التَّقييدِ في الإجازةِ المجرَّدةِ
стр. 320
عنِ المناولةِ، فيقولُ: حدَّثَنا إجازةً. أو: أخبَرَنا إجازةً. وأمَّا الإجازةُ معَ المناولةِ، فلا يجبُ تقييدُهَا.
(وَبَعْضُهُمْ) أي: بعضُ المحدِّثينَ، وهوَ الإمامُ أبو عمرٍو الأوزاعيُّ ﵀، (يَخُصُّهُ) أي: المُجَازَ القاصرَ بمعنَى الإجازةِ، (بِـ «خَبَّرَا») بتشديدِ الباءِ، يعنِي: أنَّ الأوزاعيَّ ﵀ يخصُّ الإجازةَ بـ «خبَّرَنا»، بالتَّشديدِ ويجعلُ «أخبَرَنا» بالهمزةِ للقراءةِ.
٤١٥ - وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي بِنَحْوِ «لِي كَتَبْ» … «شَافَهَ» وَهْوَ مُوهِمٌ فَلْيُجْتَنَبْ
٤١٦ - [فِي الاقْتِرَاحِ مُطْلَقًا لا يَمْتَنِعْ … «أَخْبَرَ» إِنْ إِسْنَادَ جُزْءٍ قَدْ سَمِعْ]
[٤١٥] (وَبَعْضُهُمْ) أي: بعضُ المحدِّثينَ من المتأخِّرينَ، (يَرْوِي) ما أجازَه شيخُه بالكتابةِ، (بِنَحْوِ «لِي كَتَبْ») فلانٌ، وأخبَرَني كتابةً، أو في كتابةٍ، ويروِي في الإجازةِ باللَّفظِ («شَافَهَـ») نِي، وأخبَرَنا مشافهةً، (وَهْوَ) أي: هذَا الاستعمالُ (مُوهِمٌ) أي: مُوقِعٌ في الوهمِ، أي: الغلطِ، (فَلْيُجْتَنَبْ) أي: فليُبتَعَدْ عنهُ؛ لمَا فيهِ من خطرِ الإيهامِ.
[٤١٦] (فِي) كتابِ (الاقْتِرَاحِ) لابنِ دقيقٍ ﵀، (مُطْلَقًا) أي: حالَ كونِه غيرَ مقيَّدٍ بشيءٍ ممَّا تقدَّمَ، (لا يَمْتَنِعْ «أَخْبَرَ») أي: إطلاقُ لفظِ
следующие страницы →