Полный текст (592 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
٥٥٤ - وَلِلْحَدِيثِ الْغُسْلُ وَالتَّطَهُّرُ … وَالطِّيبُ [وَالسِّوَاكُ وَالتَّبَخُّرُ]
٥٥٥ - مُسَرِّحًا وَاجْلِسْ بِصَدْرٍ بِأَدَبْ … وَهَيْبَةٍ [مُتَّكِئًا عَلَى رَتَبْ]
٥٥٦ - وَلا تَقُمْ لأَحَدٍ وَمَنْ رَفَعْ … صَوْتًا عَلَى الْحَدِيثِ فَازْبُرْهُ وَدَعْ
[٥٥٤] (وَلِلْحَدِيثِ الْغُسْلُ) أيْ: يُسْتَحَبُّ للمحدِّثِ أن يغتسِلَ عندَ إرادَةِ نشرِ الحديثِ (وَالتَّطَهُّرُ) مِنْ عطْفِ العامِّ علَى الخاصِّ؛ ليشمَلَ الوضوءَ والتيممَ (وَالطِّيبُ) أيِ: استعمالُهُ في بدنِهِ وثوْبِهِ (وَالسِّوَاكُ) أيِ: استِعْمَالُهُ (وَالتَّبَخُّرُ) أيِ: استِعْمَالُ البَخُورِ في بدَنِكَ وثوْبِكَ.
[٥٥٥] (مُسَرِّحًا) لحيتَكَ، وكذا ممشِّطًا شعرَكَ إنْ كانَ لكَ (وَاجْلِسْ) أيُّها المحدِّثُ إذا أردْتَ التسمِيعَ لقَوْمٍ (بِصَدْرٍ) أيْ: صدرِ المجلسِ (بِأَدَبْ) معَ الطَّلَبَةِ بأنْ تحتَرِمَهُمْ وتعْتَنِيَ بهِمْ (وَهَيْبَةٍ) أيْ: إجلالٍ للحديثِ (مُتَّكِئًا)، أيْ: حالَ كوْنِكَ متمَكِّنًا في جلوسِكَ، (عَلَى رَتَبْ) بفتحتَيْنِ، أيْ: شيءٍ مرْتَفِعٍ.
[٥٥٦] (وَلا تَقُمْ لأَحَدٍ) كائنًا مَنْ كانَ (وَمَنْ) شرطيَّةٌ (رَفَعْ) مِنَ الحاضِرِينَ (صَوْتًا) له (عَلَى الْحَدِيثِ فَازْبُرْهُ) أيِ: امنَعْهُ عنْ ذَلِكَ (وَدَعْ) التحديثَ إنْ لمْ يتْرُكْ ذلِكَ.
стр. 387
٥٥٧ - وَلا تُحَدِّثْ قَائِمًا [أَوْ مُضْطَجِعْ] … أَوْ فِي الطَّرِيقِ [أَوْ عَلَى حَالٍ] شَنِعْ
٥٥٨ - وَافْتَتِحِ الْمَجْلِسَ كَالتَّتْمِيمِ … بِالْحَمْدِ وَالصَلاةِ وَالتَّسْلِيمِ
٥٥٩ - [بَعْدَ قِرَاءَةٍ لآيٍ] وَدُعَا … وَلْيَكُ مُقْبِلًا عَلَيْهِمو مَعًا
[٥٥٧] (وَلا تُحَدِّثْ قَائِمًا) أيْ: في حالِ قيامِكَ (أَوْ مُضْطَجِعْ) أيْ: فِي حالِ اضطجاعِكَ (أَوْ فِي الطَّرِيقِ) يَشْمَلُ المشْيَ فيهِ والجلوسَ عليهِ (أَوْ عَلَى حَالٍ شَنِعْ) أيْ: قبيحٍ، كالجوعِ، والشِّبَعِ المُفْرطَيْنِ.
[٥٥٨] (وَافْتَتِحِ) أيُّهَا المحدِّثُ (الْمَجْلِسَ) أيْ: مجلسَ التحديثِ (كَالتَّتْمِيمِ) أيْ: مِثلِ تتميمِكَ لهُ (بِالْحَمْدِ) للهِ تعَالَى (وَالصَلاةِ) على رسُولِ اللهِ ﷺ (وَالتَّسْلِيمِ) علَيْهِ.
[٥٥٩] (بَعْدَ قِرَاءَةٍ) مِنْ قارِئٍ حسَنِ الصوْتِ (لآيٍ) جمعِ آيَةٍ (وَ) افتتحَ أيضًا بـ (دُعَا) أيْ: بدعاءٍ يليقُ بالحالِ (وَلْيَكُ) أيِ: المحدِّثُ (مُقْبِلًا عَلَيْهِم) أيِ: الحاضِرِينَ (مَعًا) مجتمعِين، والمرادُ أنَّهُ يُقْبِلُ علَى الحاضِرِينَ جميعًا إذا أمْكَنَ.
стр. 388
٥٦٠ - وَرَتِّلِ الْحَدِيثَ وَاعْقِدْ مَجْلِسَا … [يَوْمًا بِأُسْبُوعٍ] لِلاِمْلَاءِ ائْتِسَا
٥٦١ - ثُمَّ اتَّخِذْ مُسْتَمْلِيًا مُحَصِّلا … وَزِدْ إِذَا يَكْثُرُ جَمْعٌ وَاعْتَلَى
٥٦٢ - يُبَلِّغُ السَّامِعَ أَوْ يُفَهِّمُ … وَاسْتَنْصَتَ النَّاسَ إِذَا تَكَلَّمُوا
[٥٦٠] (وَرَتِّلِ الْحَدِيثَ) أيُّهَا المُحَدِّثُ، أيْ: تمَهَّلْ في قِرَاءَتِهِ، ولا تعجلْ، ولا تسردْهَا سرْدًا يمنعُ فهْمَ بعضِهِ.
(وَاعْقِدْ) أيُّهَا المحدِّثُ العارفُ (مَجْلِسَا) أيْ: مَحَلًّا يجتمعُ فيهِ الناسُ للاستماعِ (يَوْمًا) واحدًا (بِأُسْبُوعٍ) بالضمِّ (لِلاِمْلَاءِ ائْتِسَا) أيِ: اقْتِدَاءً بفعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، والصَّحَابةِ، والتابعينَ، ومَنْ بعدَهُمْ.
[٥٦١] (ثُمَّ) إذا كَثُرَ جموعُ الناسِ ولمْ يبلغْهُمْ صوتُكَ (اتَّخِذْ) أيُّهَا المحدِّثُ (مُسْتَمْلِيًا) يتلقَّنُ منك ويبلغُ الحاضِرِينَ البعيدِينَ عنْكَ (مُحَصِّلا) وهُوَ الماهِرُ في التبليغِ (وَزِدْ) أيُّهَا المحدِّثُ على المستَمْلِي الواحِدِ (إِذَا يَكْثُرُ جَمْعٌ) أيْ: جماعَةُ الحاضِرِينَ بحيثُ لا يكْفِي واحدٌ، فزِدْ بحسَبِ الحاجَةِ (وَاعْتَلَى) أيْ: كانَ المستَمْلِي في مكانٍ عَالٍ مِنْ كُرْسِيٍّ ونحْوِهِ.
[٥٦٢] (يُبَلِّغُ) المستملِي وجوبًا ما سَمِعَهُ منْكَ، ويؤدِّيهِ على وجْهِهِ مِنْ غيْرِ تغْيِيرِ (السَّامِعَ) منْهُ، دونَ المُمْلِي، لبُعْدِهِ (أَوْ يُفَهِّمُ) مَنْ بَلغهُ علَى
стр. 389
بُعْدٍ لكِنْ لَمْ يتفهَّمْهُ، (وَاسْتَنْصَتَ النَّاسَ) أيْ: طلَبَ المستَمْلِي الإنْصَاتَ، وهُوَ السُّكوتُ معَ الاسْتِماعِ منَ الحاضِرِينَ (إِذَا تَكَلَّمُوا) وقْتَ الإمْلاءِ.
٥٦٣ - وَبَعْدَهُ بَسْمَلَ ثُمَّ يَحْمَدُ … مُصَلِّيًا وَبَعْدَ ذَاكَ يُورِدُ
٥٦٤ - مَا قُلْتَ أَوْ مَنْ قُلْتَ مَعْ دُعَائِهِ … لَهُ وَقَالَ الشَّيْخُ فِي انْتِهَائِهِ
٥٦٥ - «حَدَّثَنَا» وَيُورِدُ الإِسْنَادَا … مُتَرْجِمًا شُيُوخَهُ الأَفْرَادَا
[٥٦٣] (وَبَعْدَهُ) أيْ: بعْدَ اسْتِنْصَاتِهِمْ (بَسْمَلَ) أيْ: قالَ المُسْتَمْلِي: بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيمِ (ثُمَّ) بعْدَ البسمَلَةِ (يَحْمَدُ) اللهَ تعَالى (مُصَلِّيًا) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَبَعْدَ ذَاكَ) كلِّهِ (يُورِدُ) المستَمْلِي.
[٥٦٤] (مَا قُلْتَ) أيْ: أيَّ شيْءٍ ذكرْتَ منَ الأحادِيثِ (أَوْ مَنْ قُلْتَ) أيْ: أيَّ شخْصٍ ذكرْتَ منَ الشيوخِ (مَعْ) بسكونِ العَيْنِ (دُعَائِهِ لَهُ) أيْ: دُعَاءِ المستَمْلِي للممْلِي رافعًا لصوْتِهِ قائلًا: رَحِمَكَ اللهُ، أوْ أصلحكَ اللهُ (وَقَالَ الشَّيْخُ) المُمْلِي (فِي انْتِهَائِهِ) أيِ: انتهاءِ المستمْلِي ممَّا يقولُهُ.
[٥٦٥] («حَدَّثَنَا») شيخُنَا العلَّامَةُ المتقِنُ فلانُ ابنُ فلانٍ (وَيُورِدُ الإِسْنَادَا) بألِفِ الإطلاقِ، أيْ: يذكُرُ الإسنادَ بتمامِهِ (مُتَرْجِمًا شُيُوخَهُ) بضمِّ الشينِ، أيْ: مبيِّنًا أحوالَهُمْ وصفاتِهِم (الأَفْرَادَا) بألِفِ الإطلاقِ، أيْ: مترجمًا أفرادَ شيوخِهِ بأنْ يترجِمَ لكلِّ شيخٍ بترجمَةٍ مستقِلَّةٍ ليتميَّزَ تمامَ تَمَيُّزٍ.
стр. 390
٥٦٦ - وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ … أَوْ حِرْفَةٍ لا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ
٥٦٧ - وَارْوِ فِي الاِمْلا عَنْ شُيُوخٍ عُدِّلُوا … عَنْ كُلِّ شَيْخٍ أَثَرٌ وَيَجْعَلُ
٥٦٨ - أَرْجَحَهُمْ مُقَدَّمًا وَحَرِّرِ … وَعَالِيًا قَصِيرَ مَتْنٍ اخْتَرِ
[٥٦٦] (وَذِكْرُهُ) أيْ: ذكرُ المُمْلِي شيوخَهُ أو ذِكْرُ الشيخِ (بِالْوَصْفِ) أيْ: صِفَةِ النقصِ كالأعْمَشِ (أَوْ بِاللَّقَبِ) كغُنْدرٍ (أَوْ حِرْفَةٍ) كالخيّاطِ (لا بَأْسَ) بهِ (إِنْ لَمْ يَعِبِ) أيْ: إنْ لمْ يقصِدْ عيبَهُ بِهِ.
[٥٦٧] (وَاْرْوِ) أيُّهَا المُحَدِّثُ الِّذِي يريدُ الإمْلاءِ (فِي الاِمْلا) أيْ: حَالِ إملائِكَ الحدِيثَ استحبَابًا (عَنْ شُيُوخٍ) كثيرينَ، ولا تقْتَصِرْ عَلَى شَيْخٍ واحِدٍ (عُدِّلُوا) أيْ: وُصِفُوا بالعَدَالَةِ (عَنْ كُلِّ شَيْخٍ أَثَرٌ) حديثًا واحدًا، ولا تَزدْ عليْهِ، (وَيَجْعَلُ) المُمْلِيَ:
[٥٦٨] (أَرْجَحَهُمْ) بعلوِّ سنَدِهِ، أو كونِهِ أحفظَ (مُقَدَّمًا) أيْ: متَقَدِّمًا على غيْرِهِ (وَحَرِّرِ) ما تُمْلِيهِ، أيْ: قَوِّمْه (وَعَالِيًا) أيْ: سندًا عاليًا (قَصِيرَ مَتْنٍ) لِمَا فيهِ مِنْ مزيدِ الفائِدَةِ (اخْتَرِ) أيُّهَا المحدثُ المُمْلِي.
стр. 391
٥٦٩ - ثُمَّ أَبِنْ [عُلُوَّهُ وَصِحَّتَهْ] … وَضَبْطَهُ وَمُشْكِلًا وَعِلَّتَهْ
٥٧٠ - وَاجْتَنِبِ الْمُشْكِلَ [كَالصِّفَاتِ … وَرُخَصًا مَعَ الْمُشَاجَرَاتِ
٥٧١ - وَالزَّهُدُ مَعْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ … أَوْلَى فِي الاِمْلاءِ بِالاِتِّفَاقِ]
[٥٦٩] (ثُمَّ) بعَدَ أنْ أمليتَ (أَبِنْ) أيْ: أظْهِرْ للسامِعِينَ (عُلُوَّهُ) أيْ: علوَّ إسنادِهِ (وَصِحَّتَهْ) إن كانَ صحيحًا، أيْ: وحُسْنَهُ، وضُعفَهُ (وَضَبْطَهُ وَمُشْكِلًا) فِي الأسماءِ والألفاظِ (وَعِلَّتَهْ) إن كانتْ فيهِ عِلَّةٌ.
[٥٧٠] (وَاجْتَنِبِ) أيِ: ابتعِدْ فِي إملائِكَ (الْمُشْكِلَ) أيْ: ذكرَ المشكلِ مِنَ الأحاديثِ (كَالصِّفَاتِ) أيْ: كأحاديثِ الصفاتِ لِمَا لا يؤمنُ على السامِعِينَ مِنَ الخطَأِ والوَهمِ، (وَ) اجتنبْ (رُخَصًا) أيْ: ذِكرَ أحاديثِهَا للعوَامِّ (مَعَ الْمُشَاجَرَاتِ) والمرادُ هُنَا التشاجرُ الذِي وقَعَ بين الصحابَةِ؛ لئلَّا يقعَ السامعُونَ في بَعْضِ الصحابَةِ.
[٥٧١] (وَالزَّهُدُ) أيِ: الحديثُ الدالُّ والباعثُ على الإعراضِ عَنِ الدُّنْيَا (مَعْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ) أيْ: معَ الأحاديثِ الدالةِ علَى مكارِمِ الأخلاقِ (أَوْلَى) أيْ: أحَقُّ بالذِّكْرِ (فِي) مجْلِسِ (الاِمْلاءِ) وذَلِكَ (بِالاِتِّفَاقِ) بينَ أهْلِ العلْمِ.
стр. 392
٥٧٢ - وَاخْتِمْهُ بِالإِنْشَادِ وَالنَّوَادِرِ … وَمُتْقِنٌ خَرَّجَهُ لِلْقَاصِرِ
٥٧٣ - [أَوْ حَافِظٍ بِمَا يَهُمُّ يُشْغَلُ] … وَقَابِلِ الإِمْلاءَ حِينَ يَكْمُلُ
[٥٧٢] (وَاْخْتِمْهُ) أيْ: مجلسَ الإملاءِ (بِالإِنْشَادِ) أيْ: قراءةِ الأشعارِ المباحةِ المُرَقِّقَةِ (وَالنَّوَادِرِ) المستحسنةِ.
(وَمُتْقِنٌ) أيْ: حافظٌ متقنٌ (خَرَّجَهُ) أيِ: الحديثَ الَّذِي يريدُ إملاءَهُ قبْلَ يومِ مجْلِسِهِ (لِلْقَاصِرِ) أيِ: المملِي القاصِرِ عنِ التخريجِ؛ لقصورِ معرفتِهِ بالحديثِ وعِلَلِهِ، واختلافِ وجوهِهِ.
[٥٧٣] (أَوْ حَافِظٍ) أيْ: خرجهُ لحافظٍ قادِرٍ على التخريجِ، إلَّا أنَّهُ (بِمَا) أيْ: بشيءٍ (يَهُمُّ) بفتحِ الياءِ (يُشْغَلُ).
وحاصلُ المعنَى: أنَّهُ إذا قصَّرَ المحدِّثُ عنْ تخريجِ الإملاءِ، أو كانَ مشغولًا بأعمالِ تُهِمُّهُ؛ كالإفتاءِ، والتأليفِ فلَا بأْسَ أنْ يستعِينَ علَى ذلِكَ ببعضِ الحفَّاظِ المتقنِينَ، كما فعلَهُ جماعةٌ منَ الشيوخِ.
(وَقَابِلِ) أيُّهَا المحدِّثُ (الإِمْلاءَ) أيِ: المُمْلَى بفتحِ اللامِ (حِينَ يَكْمُلُ) إملاؤُهُ، فإِنَّ المقابلةَ واجبةٌ كمَا تقدَّمَ؛ لإصلاحِ ما فسَدَ منْهُ بزيغِ القلَمِ وطُغْيَانِهِ.
стр. 393
مَسأَلَةٌ
وهِيَ مِنْ زوائِدِ الناظِمِ على العراقِيِّ ﵀:
٥٧٤ - [وَذَا الْحَدِيثِ وَصَفُوا، فَاْخْتَصَّا … بِحَافِظٍ كَذَا الْخَطِيبُ نَصَّا
٥٧٥ - وَهْوَ الَّذِي إِلَيْهِ فِي التَّصْحِيحِ … يُرْجَعُ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ
[٥٧٤] (وَذَا الْحَدِيثِ) أيْ: صاحبَ الحديثِ (وَصَفُوا) أيْ: أهلُ الحديثِ (فَاْخْتَصَّا بِحَافِظٍ) أيْ: بهذَا الوصْفِ (كَذَا) أيْ: مثلَ هذَا التنصيصِ (الْخَطِيبُ) أبو بكرٍ البغدادِيُّ (نَصَّا) بألِفِ الإطلاقِ، أيْ: عَيَّنَ اختصاصَ صاحبِ الحديثِ بالحافظِ.
[٥٧٥] (وَهْوَ) أيِ: الحافظُ في اصطلاحِ المحدِّثينَ (الَّذِي إِلَيْهِ فِي التَّصْحِيحِ) أيْ: تَصْحِيحِ الحديثِ (يُرْجَعُ وَالتَّعْدِيلِ) أيِ: الحكمِ بعدالَةِ الرواةِ (وَالتَّجْرِيحِ) أيِ: الحكمِ بجرحهِمْ.
стр. 394
٥٧٦ - أَنْ يَحْفَظَ السُّنَّةَ مَا صَحَّ وَمَا … يَدْرِي الأَسَانِيدَ وَمَا قَدْ وَهِمَا
٥٧٧ - فِيهِ الرُّوَاةُ زَائِدًا أَوْ مُدْرَجَا … وَمَا بِهِ الإِعْلالُ فِيهَا نَهَجَا
٥٧٨ - يَدْرِي اصْطِلاحَ الْقَوْمِ وَالتَّمَيُّزَا … بَيْنَ مَرَاتِبِ الرِّجَالِ مَيَّزَا
[٥٧٦] (أَنْ يَحْفَظَ) صاحبُ الحديثِ (السُّنَّةَ) النبويَّةَ، وكَذَا الآثارَ المَرْوِيَّةَ (مَا صَحَّ) أيِ: الَّذِي صَحَّ منْهَا (وَمَا) أيْ: يحفظُ الَّذِي (يَدْرِي) بِهِ (الأَسَانِيدَ) مِنْ علْمِ الرجالِ (وَ) يحفظُ أيضًا (مَا قَدْ وَهِمَا) كَغَلِطَ، والألِفُ للإطلاقِ.
[٥٧٧] (فِيهِ الرُّوَاةُ زَائِدًا) أيْ: حالَ كونِهِ زائدًا (أَوْ مُدْرَجَا) في المَتْنِ، أو فِي الإِسْنَادِ (وَ) يحفظُ أيضًا (مَا بِهِ الإِعْلالُ فِيهَا) أيِ: الأسانيدُ (نَهَجَا) أيْ: بَانَ.
[٥٧٨] (يَدْرِي) أيْ: يعْرِفُ معرِفَةً تامَّةً (اصْطِلاحَ الْقَوْمِ) أيْ: مصطلحاتِ المحدِّثِينَ (وَ) يدْرِي أيضًا (التَّمَيُّزَا) أيِ: التَّفَاوُتَ الَّذِي (بَيْنَ مَرَاتِبِ الرِّجَالِ)؛ فإنَّهَا تتفاوَتُ (مَيَّزَا) أيْ: حالَ كوْنِهِ مميِّزًا لذلِكَ، وضابِطًا لَهُ.
стр. 395
٥٧٩ - فِي ثِقَةٍ وَالضَّعْفِ وَالطِّبَاقِ … كَذَا الْخَطِيبُ حَدَّ لِلإِطْلاقِ
٥٨٠ - وَصَرَّحَ الْمِزِّيُّ أَنْ يَكُونَ مَا … يَفُوتُهُ أَقَلَّ مِمَّا عَلِمَا
٥٨١ - وَدُونَهُ مُحَدِّثٌ أَنْ تُبْصِرَهْ … مِنْ ذَاكَ يَحْوِي جُمَلًا مُسْتَكْثَرَهْ
[٥٧٩] (فِي ثِقَةٍ وَالضَّعْفِ) أيْ: مميِّزًا بينَ مراتبهِمْ في صفَةِ الثقةِ والضعفِ (وَالطِّبَاقِ) أيْ: يدرِي أيضًا تبايُنَ طبقاتِهِمْ (كَذَا) أيْ: مثلُ هذَا التعريفِ (الْخَطِيبُ) أبو بكرٍ البغدادِيُّ (حَدَّ) أيْ: عَرَّفَ (لِلإِطْلاقِ) أيْ: لأجْلِ أنْ يُطلَقَ عليهِ اسمُ «الحافِظ».
[٥٨٠] (وَصَرَّحَ) أيْ: بَيَّنَ (الْمِزِّيُّ) أبو الحجاجِ (أَنْ يَكُونَ مَا يَفُوتُهُ) منَ الرجالِ وتراجمهِمْ، وأحوالهِمْ، وبلدانِهِمْ (أَقَلَّ مِمَّا عَلِمَا) الألِفُ للإطْلاقِ، أيْ: مِنَ الَّذِي علِمَهُ مِنْ ذلِكَ.
[٥٨١] (وَدُونَهُ) أيِ: الحافظِ في الرُّتبةِ (مُحَدِّثٌ) أيِ: المحدثُ (أَنْ تُبْصِرَهْ) أيْ: تعرِفَهُ (مِنْ ذَاكَ) أيْ: مِنَ الذي تقدَّمَ في تعريفِ الحافِظِ (يَحْوِي) أيْ: يجمعُ (جُمَلًا مُسْتَكْثَرَهْ) أيْ: معدودةً بأنَّهَا كثيرةٌ.
وحاصلُ معنَى البيتِ: أنَّ المحدِّثَ مَنْ يجمعُ جُمَلًا كثيرَةً مِنْ صفاتِ الحافظِ إنْ لمْ يجمَعْهَا كلَّهَا.
стр. 396
٥٨٢ - وَمَنْ عَلَى سَمَاعِهِ الْمُجَرَّدِ … مُقْتَصِرٌ لا عِلْمَ سِمْ بِالْمُسْنِدِ
٥٨٣ - وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَقَّبُوا … ذَوِي الْحَدِيثِ قِدَمًا ذَا مَنْقَبُ]
[٥٨٢] (وَمَنْ) أيِ: الَّذِي (عَلَى سَمَاعِهِ الْمُجَرَّدِ) أيْ: عنْ معرِفَةِ ما ذُكِرَ في صفةِ الحافِظِ والمحدِّثِ (مُقْتَصِرٌ) أيْ: هُوَ (لا عِلْمَ) أيْ: لَا عِلْمَ له بتِلْكَ الأمورِ المشتَرَطَةِ قبلُ (سِمْ) أمْرٌ مِنْ وَسَمَ، إذا جَعَلَ لهُ علامَةً (بِالْمُسْنِدِ) بكسْرِ النونِ.
فالمسنِدُ هُوَ الَّذِي يقتصرُ علَى سماعِ الأحاديثِ وإسماعِهَا مِنْ غيرِ معرفَةٍ بعُلُومِهَا أو إتقانٍ لهَا.
[٥٨٣] (وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَقَّبُوا) أيِ: العلماءُ (ذَوِي الْحَدِيثِ) أيْ: أصْحَابَ الحديثِ (قِدَمًا) بكَسْرٍ ففَتْحٍ (ذَا) أيْ: هذا اللقبُ (مَنْقَبُ) أيْ: مَفْخَرٌ لهُمْ.
стр. 397
آدَابُ طَالِبِ الحَدِيثِ
وهوَ النوعُ الثانِي والأربعُونَ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ:
وقَدْ تقدَّمَتْ جملَةٌ منْ آدابِهِ فِيمَا قبْلُ لاشتراكِهِمَا فِيهَا، والمذكورُ هُنَا هوَ الَّذِي يختصُّ بهِ الطالِبُ غَالِبًا.
٥٨٤ - وَصَحِّحِ النِّيَّةَ [ثُمَّ اسْتَعْمِلِ … مَكَارِمَ الأَخْلاقِ] ثُمَّ حَصِّلِ
٥٨٥ - مِنْ أَهْلِ مِصْرِكَ الْعَلِيِّ فَالْعَلِي … ثُمَّ البِلادَ ارْحَلْ وَلا تَسَهَّلِ
[٥٨٤] (وَصَحِّحِ) أيُّهَا الطالبُ للحديثِ (النِّيَّةَ) في طَلَبِهِ، (ثُمَّ) بعْدَ تصحيحِ النيةِ (اسْتَعْمِلِ) أيْ: لازِمْ وحَقِّقْ (مَكَارِمَ الأَخْلاقِ) أيِ: الأخلاقَ الطيبةَ (ثُمَّ) بعْدَ أنْ تتَخَلَّقَ بِهَا (حَصِّلِ) أيِ: اطلُبْ حصولَ عِلْمِ الحدِيثِ.
[٥٨٥] (مِنْ أَهْلِ مِصْرِكَ) أيْ: تَطَلَّبْهُ منْ أهْلِ بلَدِكَ (الْعَلِيِّ) أيِ: الرفيعِ سنَدًا، وعِلْمًا، (فَالْعَلِي) أيْ: إذا انتهيْتَ مِنَ الأعلَى فاطْلُبْهُ مِمَّنْ دونَهُ عُلُوًّا، (ثُمَّ) إذا أتْقَنْتَ ما فِي بلدِكَ (البِلادَ) الأخْرَى (ارْحَلْ) أيِ: انْتَقِلْ لطلبِ الحَدِيثِ مِنْ بلدِكَ إلى البلادِ الأخْرى (وَلا تَسَهَّلِ) أيْ: لا تَتَسَاهَلْ.
стр. 398
٥٨٦ - فِي الْحَمْلِ، وَاعْمَلْ بِالَّذِي تَرْوِيهِ … وَالشَّيْخَ بَجِّلْ لا تُطِلْ عَلَيْهِ
٥٨٧ - وَلا يَعُوقَنْكَ الْحَيَا عَنْ طَلَبِ … وَالْكِبْرُ، وَابْذُلْ مَا تُفَادُ وَاكْتُبِ
٥٨٨ - لِلْعَالِ وَالنَّازِلِ لاِسْتِبْصَارِ … لا كَثْرَةِ الشُّيُوخِ لاِفْتِخَارِ
[٥٨٦] (فِي الْحَمْلِ) أيْ: حمْلِ الحديثِ بحيثُ تُخِلُّ بِمَا يجبُ عليْكَ فيهِ، (وَاعْمَلْ) أيُّهَا الطالِبُ (بِالَّذِي تَرْوِيهِ) من أحاديثِ العِبَادَاتِ، والآدابِ، والفضائلِ (وَالشَّيْخَ بَجِّلْ) أيْ: عظِّمْهُ واحْتِرمْهُ (لا تُطِلْ عَلَيْهِ) أيْ: لا تملَّهُ بإطَالَةِ الجلوسِ؛ لأنَّ ذلِكَ يُغَيِّرُ الأفهامَ ويُفْسِدُ الأخلاقَ ويُحِيلُ الطبْعَ، ويُخْشى على فاعِلِ ذلِكَ أنْ يُحْرمَ مِنَ الانتفاعِ.
[٥٨٧] (وَلا يَعُوقَنْكَ) أيْ: لا يمْنَعْكَ (الْحَيَا) بالقصْرِ للضرورةِ (عَنْ طَلَبِ) ما تحتاجُ إلَيْهِ (وَ) لا يمْنَعْكَ (الْكِبْرُ) أيِ: العظمَةُ (وَابْذُلْ) أيْ: أعطِ لغيرِكَ بمعْنَى عَلِّمْهِمْ وُجُوبًا (مَا تُفَادُ) أيْ: مَا أفادَكَ شيوخُكَ (وَاكْتُبِ) أيُّهَا الطالبُ عمَّنْ لَقِيتَهُ.
[٥٨٨] (لِلْعَالِ) بحذْفِ الياءِ للوزنِ، أيِ: الحديثِ العالِي سَنَدًا
стр. 399
(وَالنَّازِلِ) منهُ (لاِسْتِبْصَارِ) أيِ: اكتُبْ ذلِكَ لِطَلَبِ البصيرةِ، وهِيَ العلمُ والخِبْرَةُ (لَا كَثْرَةِ الشُّيُوخِ) أيْ: لَا تكتُبْ لتكثيرِ عدَدِ شيوخِكَ (لاِفْتِخَارِ) أيْ: لأجْلِ أنْ تفتخِرَ به على أقرانِكَ.
٥٨٩ - [وَمَنْ يُفِدْكَ الْعِلْمَ لا تُؤَخِّرِ … بَلْ خُذْ وَمَهْمَا تَرْوِ عَنْهُ فَانْظُرِ]
٥٩٠ - فَقَدْ رَوَوْا: إِذَا كَتَبْتَ قَمِّشِ … ثُمَّ إِذَا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ
[٥٨٩] (وَمَنْ) شرطيةٌ (يُفِدْكَ) أيُّهَا الطالِبُ (الْعِلْمَ) أيَّ عِلْمٍ كانَ (لا تُؤَخِّرِ) «لا» ناهيَةٌ، أيْ: فلا تؤخِّرْ فائدتَهُ (بَلْ خُذْ) هَا واكْتُبْهَا (وَمَهْمَا تَرْوِ عَنْهُ) أيْ: إذَا أرَدْتَ الروايَةَ عَنْ ذلِكَ المفِيدِ (فَانْظُرِ) أيِ: ابْحَثْ، هَلْ هوَ مِمَّنْ تحلُّ الروايةُ عنْهُ، أم لا؟ لئلَّا ترويَ عمَّنْ ليسَ أهلًا للروايَةِ.
[٥٩٠] (فَقَدْ رَوَوْا) أيْ: لأَنَّ العلماءَ نقَلُوا (إِذَا كَتَبْتَ قَمِّشِ) أيِ: اجْمَعْ مِنْ ههُنَا وههُنَا (ثُمَّ إِذَا رَوَيْتَهُ) أيْ: إذا أردْتَ رِوَايَةَ ما كتَبْتَهُ (فَفَتِّشِ) أيِ: ابحَثْ بشِدَّةٍ، لتميِّزَ الصحيحَ فَتَرْوِيَهُ، وغيرَ الصحيحِ فتَرْمِيَه.
стр. 400
٥٩١ - وَتَمِّمِ الْكِتَابَ فِي السَّمَاعِ … وَإِنْ يَكُنْ لِلاِنْتِخَابِ دَاعِ
٥٩٢ - فَلْيَنْتَخِبْ [عَالِيَهُ وَمَا انْفَرَدْ] … وَقَاصِرٌ أَعَانَهُ مَنِ اسْتَعَدّ
٥٩٣ - وَعَلَّمُوا فِي الأَصْلِ [لِلْمُقَابَلَهْ … أَوْ لِذَهَابِ فَرْعِهِ فَعَادَلَهْ]
[٥٩١] (وَتَمِّمِ) أيُّهَا الطالِبُ (الْكِتَابَ) أوِ الجزءَ (فِي السَّمَاعِ) أيْ: في حَالِ سماعِكَ من شَيْخِكَ، ولا تنتخبْ منهُ، فرُبَّمَا تحتاجُ إلَى روايَةِ شيءٍ منْهُ لمْ يكُنْ فيمَا انتخَبْتَهُ فتندمُ، (وَإِنْ يَكُنْ لِلاِنْتِخَابِ دَاعِ) أيْ: إنْ يَحْصُلْ للطالبِ دَاعٍ، أيْ: سببٌ موجبٌ للانتخابِ.
[٥٩٢] (فَلْيَنْتَخِبْ) الطالبُ (عَالِيَهُ) أيْ: عالِيَ ذلكَ الكتابِ (وَمَا انْفَرَدْ) بِهِ (وَ) أمَّا الـ (قَاصِرٌ) أيْ: عنْ أهْلِيَّةِ الانتِخَابِ (أَعَانَهُ) على الانتِخَابِ (مَنِ اسْتَعَدّ) أيْ: من تَأَهَّلَ لذلك بكَوْنِهِ حافظًا عارفًا بكيفيَّةِ الانْتِخَابِ.
[٥٩٣] (وَعَلَّمُوا) أيْ: وضَعَ المنتخبونَ علامَةً (فِي الأَصْلِ) أيِ: المنتخبِ منْهُ وهُوَ كتابُ الشيخِ على ما انتخبُوهُ (لِلْمُقَابَلَهْ) أيْ: لأجْلِ أنْ يقابلُوا ما كتبُوهُ مِنَ المنتخَبِ بِهِ (أَوْ لِـ) أجْلِ (ذَهَابِ فَرْعِهِ) أيْ: فَقْدِ فرعِهِ
стр. 401
المُنْتَخَبِ (فَعَادَ) أيْ: رَجعَ ذلك المنتخِبُ (لَهْ) أيْ: إلَى المحلِّ الَّذِي وضعَ عليْهِ العلامَةَ.
فائِدةٌ: بيت زائدٌ في ألفيةِ العراقيِّ ﵀ لمْ يذكُرْهُ الناظمُ ﵀.
قالَ الشيخُ ﵀: لمْ يذكُرِ الناظمُ ﵀ كيفيَّةَ العلامَةِ، وذكرَهَا العراقِيُّ ﵀ معَ الاختلافِ، فقالَ:
وَعَلَّمُوا فِي الأصْلِ إمَّا خَطَّا … أوْ هَمْزَتَيْنِ أوْ بِصَادٍ أوْطَا
والمعنى: أنَّهُمْ اخْتلفُوا في اختيارِ العلامةِ، ولكِنْ لا حَرَجَ في ذلِكَ، فكانَ الدارقُطْنِيُّ يعلِّمُ بخطٍّ عريضٍ بالحمرةِ في الحاشيةِ اليُسْرَى، وكانَ اللالَكَائِيُّ يُعَلِّمُ على أوَّلِ إسنادِ الحديثِ بخطٍّ صغيرٍ بالحمرةِ، وهَذَا الَّذِي استَقَرَّ عليْهِ عملُ أكْثَرِ المتأخِّرِينَ.
٥٩٤ - وَسَامِعُ الْحَدِيثِ بِاقْتِصَارِ … عَنْ فَهْمِهِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ
٥٩٥ - [فَلْيَتَعَرَّفْ ضَعْفَهُ وَصِحَّتَهْ … وَفِقْهَهُ وَنَحْوَهُ وَلُغَتَهْ
[٥٩٤] (وَسَامِعُ الْحَدِيثِ) وكَذَا كاتِبُهُ (بِاقْتِصَارِ) أيْ: مع اقْتِصَارٍ (عَنْ فَهْمِهِ) أيْ: فهْمِ ما فِي سنَدِهِ ومتْنِهِ (كَمَثَلِ الْحِمَارِ) أيْ: كصِفَةِ الحِمَارِ الَّذِي هو أبلدُ الحيوانِ، وبِئْسَ المثلُ.
стр. 402
[٥٩٥] (فَلْيَتَعَرَّفْ) أيْ: لِيَعْرِفْ سامِعُ الحديثِ معرفةً بالِغةً (ضَعْفَهُ) أيْ: ضعْفَ ذلكَ الحديثِ إن كان ضَعِيفًا (وَصِحَّتَهْ) إن كانَ صحيحًا، وكذا حُسْنَهُ (وَفِقْهَهُ) أيْ: ما فيهِ مِنَ الأحكامِ (وَنَحْوَهُ) أيْ: ما يحتاجُ إليهِ الحديثيُّ (وَلُغَتَهْ) أيْ: ما يحتاجُ إلَيْهِ الحديثيُّ مِنْ علْمِ اللغةِ.
٥٩٦ - وَمَا بِهِ مِنْ مُشْكِلٍ وَأَسْمَا … رِجَالِهِ وَمَا حَوَاهُ عِلْمَا]
٥٩٧ - وَاْقْرَأْ كِتَابًا تَدْرِ مِنْهُ الاِصْطِلاحْ … [كَهَذِهِ] وَأَصْلِهَا وَابْنِ الصَّلاحْ
[٥٩٦] (وَ) ليتعرَّفْ أيضًا (مَا بِهِ)، أيِ: الَّذِي استَقَرَّ فيهِ (مِنْ مُشْكِلٍ) منَ الأسانِيدِ والمتونِ (وَأَسْمَا) بالقَصْرِ للوَزْنِ، أيْ: وليتعرَّفْ أيضًا أسْمَاءَ (رِجَالِهِ) وكذَا ألْقَابُهُمْ، وكُنَاهُمْ، وليتعرَّفْ أيضًا جمِيعَ (وَمَا حَوَاهُ) الحديثُ (عِلْمَا) أيْ: مِنْ حيثُ العلمُ.
[٥٩٧] (وَاْقْرَأْ) أيُّهَا الطالبُ لتحقيقِ علومِ الحديثِ (كِتَابًا) من كُتُبِ المُصْطَلحِ (تَدْرِ) بحذْفِ لامِ الفعْلِ تخفيفًا (مِنْهُ الاِصْطِلاحْ كَهَذِهِ) الألفيَّةِ الَّتِي هي أجْمَعُ ما أُلِّفَ من المنظوماتِ فيهِ (وَ) كـ (أَصْلِهَا) الَّذِي هو ألفِيَّةُ الحافظِ العراقِيِّ ﵀ (وَ) كمُقَدِّمَةِ الحافظِ أبي عمْرِو (ابْنِ الصَّلاحْ) فإنَّهَا مِنْ أنفَعِ ما أُلِّفَ في هذَا الفَنِّ.
стр. 403
٥٩٨ - وَقَدِّمِ الصِّحَاحَ ثُمَّ السُّنَنَا … ثُمَّ الْمَسَانِيدَ وَمَا لا يُغْتَنَى
٥٩٩ - وَاحْفَظْهُ مُتْقِنًا وَذَاكِر [وَرَأَوْا … جَوَازَ كَتْمٍ عَنْ خِلافِ الأَهْلِ أَوْ
٦٠٠ - مَنْ يُنْكِرُ الصَّوَابَ إِنْ يُذَكَّرِ] … ثُمَّ إِذَا أُهِّلْتَ صَنِّفْ تَمْهَرِ
[٥٩٨] (وَقَدِّمِ) أيُّهَا الطالبُ في السَّمَاعِ والضبطِ والمعرِفَةِ (الصِّحَاحَ) بالكسْرِ جمع صحيحٍ؛ كالبخاريِّ، ومسلمٍ، (ثُمَّ) قَدِّمْ بعْدَهَا (السُّنَنَا) كـ «سننِ أبي داوُدَ» و «سننِ النَّسَائِيِّ» (ثُمَّ) قَدِّمْ بعْدَهَا (الْمَسَانِيدَ) أيْ: سمَاعَهَا؛ كمسنَدِ الإمامِ أحْمَدَ، وإسحاقَ بنِ راهوَيْهِ (وَ) اقْرَأْ أيضًا (مَا) أيْ: كُتُبًا (لا يُغْتَنَى) أيْ: لا يُستَغْنَى عنْهَا، وأهَمُّهَا «الموطأ» لمالِكٍ.
[٥٩٩] (وَاحْفَظْهُ) أيِ: الحدِيثَ (مُتْقِنًا) لهُ، أيْ: مُحكِمًا (وَ) بعْدَ حفظِكَ (ذَاكِرْ) أيُّهَا الطالبُ بمحفوظاتِكَ الطلبَةَ ونحوَهُمْ.
(وَرَأَوْا) أيِ: العلماءُ (جَوَازَ كَتْمٍ) أيْ: كتْمِ العلْمِ (عَنْ خِلافِ) أيْ: غيرِ (الأَهْلِ) أيْ: أهلِ العلمِ، والمعَنْى: أنَّ العلماءَ جَوَّزوا كتْمَ العِلْمِ عمَّنْ ليسَ بأهْلِهِ (أَوْ) عَنْ:
[٦٠٠] (مَنْ) موصولَةٌ (يُنْكِرُ) أيْ: يتركُ (الصَّوَابَ إِنْ) شرْطِيةٌ
стр. 404
(يُذَكَّرِ) أيْ: يُلَقَّنِ، والمعنى: أنَّهُمْ جوَّزُوا كتْمَهُ أيضًا عمَّنْ لا يقْبَلُ الصوابَ إِذا أُرْشِدَ إليهِ.
(ثُمَّ إِذَا) أتقنْتَ طلبَهُ علَى الوجْهِ الذِي تقدَّمَ و (أُهِّلْتَ) فـ (صَنِّفْ) في علْمِ الحديثِ (تَمْهَرِ) أيْ: تصِرْ ماهِرًا في عِلْمِ الحديثِ.
وحاصلُ المعْنَى: أنَّكَ إذا تأهَّلْتَ للتصنيف صَنِّفْ؛ لأنَّكَ تتمهَّرُ بهِ.
٦٠١ - وَيُبْقِ ذِكْرًا مَا لَهُ مِنْ غَايَهْ … [وَإِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَهْ]
٦٠٢ - فَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بِالأَبْوَابِ … وَقَوْمٌ الْمُسْنَدَ لِلصِّحَابِ
[٦٠١] (وَيُبْقِ) بضمِّ أوَّلِهِ، أيْ: يُخَلِّدْ (ذِكْرًا) بالكسْرِ، أيْ: وشَرَفًا (مَا) نافيةٌ، أيْ: لَيْسَ (لَهُ) أيْ: لذلِكَ الذكْرِ (مِنْ غَايَهْ) أيْ: نهايَةٍ ينتَهِي إليْهَا.
وحاصلُ المعْنَى: أنَّ التصنيفَ يُخَلِّد شرفَكَ بينَ العلماءِ المحصِّلِينَ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
(وَإِنَّهُ) أيِ: التصنيفُ (فَرْضٌ) أيْ: مفْرُوضٌ (عَلَى) سبيلِ (الْكِفَايَهْ).
[٦٠٢] (فَبَعْضُهُمْ) أيْ: بعضُ العلماءِ الذِينَ تَصَدَّوا للتصنيفِ (يَجْمَعُ) أيْ: يُؤَلِّفُ ما يريدُهُ (بِالأَبْوَابِ) الفقهِيَّةِ (وَقَوْمٌ) أيْ: ويجمعُ قومٌ منهُمُ (الْمُسْنَدَ لِلصِّحَابِ) بالكسْرِ جمْعُ صاحِبٍ، والمرادُ بهِ الصحابِيُّ، فيُفْرَدُ ما لهُمْ منَ الأحاديثِ واحدًا فواحدًا، كمسنَدِ الإمامِ أحمَدَ، وغيْرِهِ.
стр. 405
٦٠٣ - [يَبْدَأُ بِالأَسْبَقِ أَوْ بِالأَقْرَبِ … إِلَى النَّبِيْ أَوِ الْحُرُوفَ يَجْتَبِي]
٦٠٤ - وَخَيْرُهُ مُعَلَّلٌ، وَقَدْ رَأَوْا … أَنْ يَجْمَعَ [الأَطْرَافَ] أَوْ شُيُوخًا اوْ
[٦٠٣] (يَبْدَأُ) أيْ: حالَ كونِهِ بادئًا (بِالأَسْبَقِ) في الإسلامِ، فيُقَدِّمُ العشرَةَ، ثُمَّ أهلَ بَدْرٍ، ثمَّ أهْلَ الحديبيةِ، ثم المهاجِرِينَ بيْنَها وبيْنَ الفتْحِ، ثم مسلِمَةَ الفتْحِ، ثُمَّ أصاغِرَ الأسْنَانِ، ثُمَّ بالنِّساءِ مقدِّمًا أمهاتِ المؤمنِينَ، ومنهُمْ مَنْ يُرَتِّبُ علَى القبائِلِ، وإليْهِ أشارَ بقولِهِ (أَوْ) يَبْدَأُ (بِالأَقْرَبِ) منهُمْ (إِلَى النَّبِيْ) بتخْفِيفِ الياءِ للوَزْنِ ﷺ نَسَبًا، ومنهُمْ منْ يُرَتِّبُ على حروفِ المعْجَمِ، وإليْهِ أشارَ بقوْلِهِ (أَوِ الْحُرُوفَ) المعجمَةَ لـ (يَجْتَبِي) أيْ: يختارُهَا علَى ما تقدَّم لِيُرَتِّبَ عليْهَا أسماءَ الصَّحَابَةِ.
ثم ذكرَ أحْسَنَ أنواعِ التصنيفِ، فَقَالَ:
[٦٠٤] (وَخَيْرُهُ) أيْ: أحسنُ التصنيفِ في الطريقتَيْنِ المتقدِّمَتَيْنِ (مُعَلَّلٌ) أيْ: مَا ذُكِرَ فيه عللُ الحديثِ، وذلِكَ بأنْ يجمَعَ في كلِّ متْنٍ طُرُقَهُ، واختلافَ الرُّوَاةِ فيهِ (وَقَدْ رَأَوْا) أي: ذهبَ أهْلُ الحديثِ إلى (أَنْ يَجْمَعَ) المُصَنِّفُ (الأَطْرَافَ) جمعُ طرَفٍ، أيْ: طرفَ الحَدِيثِ الدالَّ على بقِيَّتِهِ (أَوْ) يجمَعَ
стр. 406
(شُيُوخًا) أيْ: أحادِيثَ شيوخٍ، كلُّ شيخٍ بانْفِرَادِهِ (اوْ) يجْمَعَ:
٦٠٥ - أَبْوَابًا اوْ تَرَاجِمًا أَوْ طُرُقَا … وَاحْذَرْ مِنَ الإِخْرَاجِ قَبْلَ الاِنْتِقَا
٦٠٦ - [وَهَلْ يُثَابُ قَارِئُ الآثَارِ … كَقَارِئِ الْقُرْآنِ: خُلْفٌ جَارِي]
[٦٠٥] (أَبْوَابًا) مِنْ أبوابِ الكُتُبِ المصنفَةِ الجامِعَةِ للأحكَامِ وغيرِهَا؛ كرُؤْيَةِ اللهِ، والقراءةِ خلْفَ الإمامِ، وغَيْرِهَا، (اوْ) يجمعَ (تَرَاجِمًا) جمْعَ ترجمَةٍ، أيْ: أسانيدَ معيَّنَةً، كمالِكٍ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَرَ، (أَوْ) يجمعَ (طُرُقَا) جمعُ طريقٍ، أيْ: سندًا، أيْ: يجمعُ أسانيدَ كثيرةً لحديثٍ واحدٍ؛ كطرقِ حديثِ: «منْ كَذَبَ عليَّ»، (وَاحْذَرْ) أيُّهَا المصنِّفُ (مِنَ الإِخْرَاجِ) أيْ: إخراجِ مُصَنَّفِكَ إلى الناسِ (قَبْلَ الاِنْتِقَا) أيْ: تهذيبِهِ، وتحريرِهِ.
[٦٠٦] (وَهَلْ يُثَابُ) ويُؤْجَرُ (قَارِئُ الآثَارِ) أيِ: الأحاديثِ النبويَّةِ (كَقَارِئِ الْقُرْآنِ) أيْ: كمَا يُثابُ قارئُ القرآنِ (خُلْفٌ) بالضَّمِّ، أيِ: اختلافٌ، أيْ: بَيْنَ العلماءِ (جَارِي).
وحاصلُ معْنَى البيتِ: أنَّهُ جرَى اختلافٌ بينَ العلمَاءِ في أنَّ قارِئَ الحديثِ مجردًا يُثابُ كقارِئِ القرْآنِ أوْ لا؟
стр. 407
العَالِي وَالنَّازِلُ
وهو النَّوْعُ الثالثُ والأربَعُونَ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ:
٦٠٧ - [قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ … وَهْوَ مِنَ الدِّينِ بِلا تَرْدَادِ]
٦٠٨ - وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ، وَمَنْ … يُفَضِّلُ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ
[٦٠٧] (قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ) المحمديَّةُ (بِالإِسْنَادِ) المُتَّصِلِ إلى نَبِيِّهَا ﷺ (وَهْوَ) أيِ: الإسنادُ (مِنَ) جُمْلَةِ أمورِ (الدِّينِ) وسُنَّةٌ بالغةٌ منْ سنَنِهِ المؤكَّدَةِ (بِلا تَرْدَادِ) أيْ: منْ غيْرِ تردُّدٍ وشَكٍّ في ذَلِكَ.
[٦٠٨] (وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ) نبويةٌ، أيْ: طلبُ الإنسانِ علوَّ الإسنادِ الَّذِي هوَ قلَّةُ الوسائِطِ في السَّنَدِ، سُنَّةٌ مأثُورةٌ (وَمَنْ) شرطيةٌ، أو موْصُولَةٌ (يُفَضِّلُ) أيِ: الَّذِي يُفَضِّلُ (النُّزُولَ) ضِدَّ العُلُوِّ (عَنْهُ) أيْ: عَنِ العُلُوِّ، وهو بعْضُ أهْلِ النَّظَرِ محتجًّا لهُ بأنَّ الإسنادَ كُلَّمَا زادَ عددُهُ زادَ الاجتهادُ في معرِفَةِ أحوالِ الرواةِ، فيكْثُرُ الثوابُ فيهِ (مَا) نافيةٌ (فَطَنْ) فمَا فَهِمَ المقصودَ مِنَ العُلُوِّ؛ إذِ المقصودُ منهُ الصحِّةُ؛ إذْ قلةُ الوسائطِ يُقِلُّ الخلَلَ وكثْرَتُهَا بالعَكْسِ.
стр. 408
٦٠٩ - وَقَسَّمُوهُ خَمْسَةً كَمَا رَأَوْا: … قُرْبٌ إِلَى النَّبِيِّ أَوْ إِمَامٍ اوْ
٦١٠ - بِنِسْبَةٍ إِلَى كِتَابٍ مُعْتَمَدْ … يُنْزَلُ لَوْ ذَا مِنْ طَرِيقِهِ وَرَدْ
[٦٠٩] (وَقَسَّمُوهُ) أيْ: قسَّمَ العُلَمَاءُ العُلُوَّ (خَمْسَةً) أيْ: تقسِيمًا خمْسَةً (كَمَا رَأَوْا) أيْ: إِنَّمَا قسَّمُوهُ خمسةً لِمَا اسْتَبَانَ لهُمْ ممَّا يقتَضِي ذَلِكَ (قُرْبٌ) أيْ: أوَّلُهَا قربُ المحدِّثِ (إِلَى النَّبِيِّ) ﷺ مِنْ حيثُ العدَدُ، وأشارَ إلى الثانِي، وهُوَ العلُوُّ النسبِيُّ بقوْلِهِ: (أَوْ) قربٌ إِلَى (إِمَامٍ) مِنْ أئِمَّةِ الحديثِ ذِي صِفَاتٍ عَلِيَّةٍ، وأشَارَ إلى الثالِثِ، وهُوَ علوٌّ نِسْبِيٌّ أيضًا بقَوْلِهِ: (اوْ) قُرْبٌ مُقَيَّدٌ.
[٦١٠] (بِنِسْبَةٍ إِلَى) رِوَايَةِ (كِتَابٍ مُعْتَمَدْ) كالكُتُبِ السِّتَّةِ (يُنْزَلُ) أيْ: يُنْسَبُ إلى النزولِ، أيْ: يُنْزَلُ الرَّاوِي (لَوْ ذَا) أيْ: هَذَا الحديثُ (مِنْ طَرِيقِهِ) أيْ: طَرِيقِ ذلِكَ الكتابِ (وَرَدْ) أيْ: نُقِلَ.
وحاصلُ المعنَى: أنَّنَا لو رَوَيْنَا الحديثَ مِنْ طَرِيقِ كتابٍ مِنْ تلكَ الكتبِ يَقَعُ أنزلَ مِمَّا لَوْ رويْنَاهُ مِنْ غيْرِ طَرِيقِهَا.
ثُمَّ إِنَّ هذَا النَّوْعَ هُوَ النوعُ الَّذِي تقعُ فيهِ المُوَافَقَاتُ، والأَبْدَالُ، والمُسَاوَاةُ والمُصَافحاتُ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ:
стр. 409
٦١١ - فَإِنْ يَصِلْ لِشَيْخِهِ مُوَافَقَهْ … أَوْ شَيْخِ شَيْخٍ: بَدَلٌ، أَوْ وَافَقَهْ
٦١٢ - فِي عَدَدٍ فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ، وَإِنْ … فَرْدًا يَزِدْ مُصَافَحَاتٌ فَاْسْتَبِنْ
[٦١١] (فَإِنْ يَصِلْ) الراوِي (لِشَيْخِهِ) أيْ: شَيْخِ صاحِبِ الكتابِ؛ كَشَيْخِ أحَدِ الأئمةِ الستَّةِ مَثلًا (مُوَافَقَهْ)، أيْ: فَهُوَ موافَقَةٌ، (أَوْ) يَصِلْ إِلَى (شَيْخِ شَيْخٍ) لأحَدِ الأئِمَّةِ السِّتَّةِ مثلًا مع وُجُودِ العُلُوِّ أيْضًا (بَدَلٌ) أيْ: فَهُوَ بَدلٌ، أَيْ: يُسَمَّى بِهِ (أَوْ وَافَقَهْ) أيْ: وافَقَ الرَّاوِي صاحِبَ الكِتَابِ.
[٦١٢] (فِي عَدَدٍ) أيْ: عَدَدِ إسنادِهِمَا (فَهْوَ) أيِ: الوِفَاقُ المذْكُورُ (الْمُسَاوَاةُ) أيْ: يُسَمَّى بِهَا، (وَإِنْ فَرْدًا) أيْ: رَاوِيًا واحِدًا (يَزِدْ) صاحِبُ الكِتَابِ: (مُصَافَحَاتٌ) أيْ: فهُوَ مصافحَاتٌ.
وحاصلُ المعْنَى: أنهُ إنْ زادَ أحدُ الستةِ -مثلًا- راويًا واحدًا على الرَّاوِي الذِي وقعَ لَهُ ذَلِكَ الحديثُ سُمِّيَ مصافحةً، بمعنى أنَّ الراوِيَ كأنَّهُ لقِيَ أحدَ الأئمةِ الستةِ وصافحَهُ بذلِكَ، (فَاْسْتَبِنْ) أيِ: اطْلُبْ بيانَه واتِّضَاحَهُ علَى الوجهِ الذي بَيَّنَّاه، ثم شَرَعَ يذكُرُ علوَّ الصفَةِ.
стр. 410
وهوَ القسمُ الرابعُ، فقالَ:
٦١٣ - وَقِدَمُ الْوَفَاةِ أَوْ خَمْسِينَا … عَامًا تَقَضَّتْ أَوْ سِوَى عِشْرِينَا
[٦١٣] (وَقِدَمُ الْوَفَاةِ) أَيْ: رابعُهَا: قِدَمُ الوفاةِ، بكسْرِ القافِ، وفتحِ الدالِ، أيْ: تقدُّم موتِ الراوي عنْ شيخٍ على وفاةِ راوٍ آخرَ عنْ ذلك الشيخِ، (أَوْ خَمْسِينَا) أيْ: تقدُّمُ خمسينَ (عَامًا تَقَضَّتْ) أيِ: انصرمَتْ، أيْ: مضَتْ تلكَ الخمسُونَ منْ وقْتِ وفاةِ الشيخِ.
وحاصلُ المعْنَى: أنَّ الذي تقدَّمَ كان بالنسبةِ لوفاةِ الراوي مع راوٍ آخَرَ، وأمَّا العلوُّ الذي يُستفادُ مِنْ مجرَّدِ وفاةِ الشيخِ لَا معَ الالتفاتِ لأَمْرٍ آخرَ: فقدِ اختلفُوا فيهِ، فقِيلَ: مُضِيُّ خمسينَ سنَةً مِنْ تاريخِ وفاةِ الشيخِ، وهذا قولُ الحافظِ ابنِ جوصاءَ، (أَوْ سِوَى) أيْ: إِلَّا (عِشْرِينَا) سنَةً، أيْ: مِنَ الخمسِينَ، يعْنِي: ثلاثِينَ سنَةً مِنْ وفاةِ الشيخِ، وهذا للحافظِ ابنِ منْدَهْ، قال: إذا مَرَّ على الإسنادِ ثلاثون سنَةً فهُوَ عالٍ.
стр. 411
ثُمَّ ذكَرَ ثانِي أقْسَامِ علُوِّ الصفةِ وهو خامِسُ الأقسامِ، فقالَ:
٦١٤ - وَقِدَمُ السَّمَاعِ وَالنُّزُولُ … نَقِيضُهُ فَخَمْسَةً مَجْعُولُ
٦١٥ - وَإِنَّمَا يُذَمُّ مَا لَمْ يَنْجَبِرْ … [لَكِنَّهُ عُلُوُّ مَعْنًى يَقْتَصِرْ]
[٦١٤] (وَقِدَمُ السَّمَاعِ) أيْ: وخامِسُهَا علوُّ قدمِ السماعِ لأحَدِ رواتِهِ بالنسبةِ لراوٍ آخَرَ اشترَكَ معهُ في السماعِ عنْ شيخِهِ، بأنْ يكونَ سماعُ أحدهِمَا مِنْ ستِّينَ مثلًا والآخرِ مِنْ أربعِينَ، ويتسَاوَى العددُ إليْهِمَا، فالأوَّلُ أعلَى، سواءً تقدَّمَتْ وفاتُهُ على الآخَرِ أمْ لَا.
(وَالنُّزُولُ نَقِيضُهُ) أيْ: ضِدُّهُ (فَخَمْسَةً مَجْعُولُ) أيْ: جُعِلَ خمسةَ أقسامٍ مِثلَهُ، فتفْصِيلُهَا يُدْرَكُ مِنْ تفصيلِ أقسامِ العلوِّ المتقدِّمِ.
[٦١٥] (وَإِنَّمَا يُذَمُّ) أيْ: إنَّمَا ذَمَّ العلماءُ النزولَ (مَا لَمْ يَنْجَبِرْ) أيْ: مُدَّةَ عدَمِ انجبارِهِ بصفَةٍ مرجِّحَةٍ، (لَكِنَّهُ) أيْ: هذا النزولَ المُنْجَبِرَ (عُلُوُّ مَعْنًى) أيْ: مِنْ حيثُ المعْنَى (يَقْتَصِرْ) عليْهِ لا يتَعَدَّاهُ إلى الظَّاهِرِ.
стр. 412
٦١٦ - وَلاِبْنِ حِبَّانَ: إِذَا دَارَ السَّنَدْ … مِنْ عَالِمٍ يَنْزِلُ أَوْ عَالٍ فَقَدْ
٦١٧ - فَإِنْ تَرَى لِلْمَتْنِ فَالأَعْلامُ … وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ فَالْعَوَامُ
[٦١٦] (وَلاِبْنِ حِبَّانَ) البُسْتِيِّ صاحِبِ «الصحيح» (إِذَا دَارَ السَّنَدْ) أيْ: إِذَا كانَ سندُ الحديثِ دائرًا (مِنْ) بَيْنِ (عَالِمٍ يَنْزِلُ) سندُهُ لكثْرَةِ عدَدِهِ (أَوْ) بمعْنَى الواوِ (عَالٍ) أيْ: رجلٌ عالٍ سندُهُ؛ لِقِلَّةِ عدَدِهِ (فَقَدْ) بمعْنى عَدِمَ.
[٦١٧] (فَإِنْ تَرَى) أيُّهَا المحدثُ، أيْ: تنْظُرُ (لِلْمَتْنِ) أيْ: إلى مَتْنِ الحديثِ (فَالأَعْلامُ) أيْ: أوْلَى، أيِ: الفقهاءُ الذينَ هُمْ كالأعلامِ أَوْلَى من العوامِّ الَّذِينَ هُمْ أعْلَى سندًا، (وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ) أيْ: تنظرُ أيُّهَا المُحَدِّثُ إلى سنَدِ ذَلِكَ المَتْنِ، (فَالْعَوَامُ) أيْ: أوْلَى.
وحاصلُ المعْنَى: أنَّ ابنَ حِبَّانَ له تفصيلٌ حسنٌ، وهو أنَّ النَّظَرَ إن كان للسَّنَدِ فالشيوخُ أوْلَى، وإن كان للمَتْنِ فالفقهاءُ أوْلَى.
стр. 413
المُسَلسَل
وهُوَ النوعُ الرابعُ والأربعُونَ مِنْ أنْوَاعِ علومِ الحديثِ:
٦١٨ - هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ … قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ
٦١٩ - قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ كِلَيْهِمَا … لَهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِيمَا قُسِّمَا
[٦١٨] (هُوَ) أيِ: المسلسلُ (الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ قَدْ تَابَعُوا) أيْ: توارَدُوا واحدًا بَعْدَ واحدٍ (فِي صِفَةٍ) أيْ: على صِفَةٍ واحِدَةٍ (أَوْ) على (حَالَهْ) واحِدَةٍ.
[٦١٩] (قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ) أيْ: أوْ صِفَةٍ فعليةٍ (كِلَيْهِمَا) أيْ: أوْ كليْهِمَا، أيِ: القوليَّةِ والفعليةِ معًا (لَهُمْ) أيْ: حالَ كوْنِ الوصْفِ والحالةِ لرِجالِ الإسنادِ (أَوِ الإِسْنَادِ) أيْ: روايَةِ الحديثِ، فالإسنادُ هنَا بمعْنَى رفعِ القولِ إلى قائلِهِ، بخلافِهِ فيمَا تقدَّمَ، فإنَّهُ بمعْنَى الرِّجَالِ (فِيمَا قُسِّمَا) أيْ: هذَا حصَلَ في تقسيمِ المحدِّثِينَ لأنواعِ المسلسلِ.
стр. 414
٦٢٠ - [وَخَيْرُهُ الدَّالُّ عَلَى الْوَصْفِ، وَمِنْ
مُفَادِهِ زِيَادَةُ الضَّبْطِ زُكِنْ]
٦٢١ - وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي التَّسَلْسُلِ … مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ
٦٢٢ - كَأَوَّلِيَّةٍ [لِسُفْيَاَن انْتَهَى … وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا]
[٦٢٠] (وَخَيْرُهُ الدَّالُّ) أيْ: أفضَلُ أنواعِ المسلسلِ هوَ الَّذِي يَدُلُّ (عَلَى الْوَصْفِ) أيْ: وصفِ الاتصالِ (وَمِنْ مُفَادِهِ) أيْ: مِنْ فائدةِ المسلسلِ: (زِيَادَةُ الضَّبْطِ) أيِ: اشتِمَالُهُ علَى زيادَةِ ضبطِ الراوِي (زُكِنْ) عُلِمَ.
[٦٢١] (وَقَلَّمَا يَسْلَمُ) أَيِ: المُسَلْسَلُ (فِي) وصْفِ (التَّسَلْسُلِ) لا فِي أصْلِ المَتْنِ (مِنْ خَلَلٍ) أيْ: عَيْبٍ بضعفٍ، (وَرُبَّمَا) للتقليلِ (لَمْ يُوصَلِ) أيِ: التسلسلُ بأَنْ يقعَ فيهِ انقطاعٌ.
[٦٢٢] (كَأَوَّلِيَّةٍ) أيْ: كالحديثِ المسلسلِ بوصفِ الأوَّلِيَّةِ، وهُوَ قوْلُ كلِّ راوٍ مِنْ رواتِه: أولُ حديثٍ سمعتُهُ مِنْ شيخِي (لِسُفْيَاَن) بنِ عُيَيْنَةَ (انْتَهَى) أيِ: انقطَعَ تسلسُلُهُ.
стр. 415
وحاصلُ المعْنَى: أنَّ تسلسلَ هذَا الحديثِ بالأوليةِ مَا جاوزَ سفيانَ، بَلِ انقطعَ عنْدَهُ، فمن رواهُ مسلسلًا إلى آخرِهِ فقَدْ وَهِمَ، (وَخَيْرُهُ) أيْ: أفضلُ أنواعِ المسلسلاتِ على الإطلاقِ (مُسَلْسَلٌ) أيْ: حديثٌ مسلسلٌ (بِالْفُقَهَا) أيِ: الأئمَّةِ الحفاظِ؛ كحديثٍ رَوَاهُ أحمدُ، عنِ الشافعيِّ، عنْ مالكٍ.
стр. 416
غَريبُ ألفاظِ الحَدِيثِ
وهو النوعُ الخامسُ والأربعُونَ مِنْ أنْواعِ علومِ الحدِيثِ:
٦٢٣ - أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِيهِ مَعْمَرُ … وَالنَّضْرُ، قَوْلانِ، وَقَوْمٌ أَثَرُوا
٦٢٤ - [وَاْبْنُ الأَثِيرِ الآنَ أَعْلَى، وَلَقَدْ … لَخَّصْتُهُ مَعَ زَوَائِدَ تُعَدّ]
[٦٢٣] (أَوَّلُ) أيْ: أسبقُ (مَنْ صَنَّفَ) أيْ: جمَعَ (فِيهِ) أيْ: تفسيرِ الغريبِ: (مَعْمَرُ) أبُو عُبَيْدَة معمرُ بنُ المُثَنَّى، (وَالنَّضْرُ) بْنُ شُمَيْلٍ.
والمَعْنَى: أنهُ اختُلِفَ في أوَّلِ منْ صنَّفَ في غريبِ ألفاظِ الحديثِ، هَلْ هوَ معْمَرُ بنُ المُثَنَّى، أوِ النضرُ بنُ شُمَيْلٍ؟
(قَوْلانِ) أيْ: هذانِ قولانِ للعُلَمَاءِ، (وَقَوْمٌ) مِنَ العلماءِ ممَّنْ جاءَ بعدَهُمَا (أَثَرُوا) أيْ: نقلُوا عَنْ هذَيْنِ الإمامَيْنِ.
[٦٢٤] (وَاْبْنُ الأَثِيرِ) أيْ: كتابُهُ المُسَمَّى بـ «النهايةِ في غريبِ الحديثِ والأثرِ» (الآنَ) أيْ: في الوَقْتِ الحاضِرِ (أَعْلَى) أيْ: أفْضَلُ مِنْ غيْرِهِ (وَلَقَدْ لَخَّصْتُهُ) أيِ: اخْتَصَرْتُهُ (مَعَ زَوَائِدَ) مزيدةٍ عليْهِ (تُعَدّ) أيْ: معدودةٌ، وسَمَّى كتابَهُ الملخَّصَ: «الدُّرُّ النَّثير».
стр. 417
٦٢٥ - فَاعْنَ بِهِ، وَلا تَخُضْ بِالظَّنِّ … وَلا تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ
٦٢٦ - وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ [اوْ … عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا]
[٦٢٥] (فَاْعْنَ بِهِ) أيِ: اجْتَهِدْ أيُّهَا الطالبُ في معْرِفَةِ غريبِ الحدِيثِ، (وَلا تَخُضْ) أيْ: لا تدخلْ فيهِ (بِالظَّنِّ) أيْ: متلَبِّسًا بِهِ، (وَلا تُقَلِّدْ) أيْ: لا تَتَّبِعْ في معْرِفَتِهِ أحَدًا (غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ) الماهرِينَ به إنْ وجدتَهُمْ، وإلا فكتبُهُمْ.
[٦٢٦] (وَخَيْرُهُ) أيْ: أحْسَنُ ما فسِّرَ به الغريبُ (مَا) أيِ: التفسيرُ الَّذِي (جَاءَ) أيْ: ورَدَ مبيَّنًا (مِنْ طَرِيقٍ) أُخْرى (اوْ) جاءَ (عَنِ الصَّحَابِيِّ) راوِي ذلك الحديثِ (أو) عَنْ (رَاوٍ) آخرَ غيْرِ الصحابيِّ (قَدْ حَكَوْا).
стр. 418
المُصَحَّفُ، والمُحَرَّفُ
وهُمَا النوعُ السادسُ والأربعُونَ والسابِعُ والأربعُونَ:
ولِكَوْنِهِمَا تحويلَ الكلِمَةِ منَ الهيئَةِ المتعارفَةِ إلى غيْرِهَا كانا فنًّا مهمًّا لا ينهضُ بأعبائِهِمَا إلَّا الحُفَّاظُ الحُذَّاقُ
٦٢٧ - وَالْعَسْكَرِيْ صَنَّفَ فِي التَّصْحِيفِ … وَالدَّارَقُطْنِيْ أَيَّمَا تَصْنِيفِ
[٦٢٧] (وَالْعَسْكَرِيْ صَنَّفَ) أيْ: ألَّفَ الإمامُ اللغويُّ الحجةُ أبو أحْمَدَ الحسنُ بنُ عبدِ اللهِ العسكريُّ (فِي) فنِّ (التَّصْحِيفِ) والتحريفِ (وَالدَّارَقُطْنِيْ) الإمامُ الحافظُ أبو الحسنِ عليُّ بنُ عُمَرَ (أَيَّمَا تَصْنِيفِ) أيْ: تصنيفًا كاملًا في بابِهِ.
ثمَّ بيّنَ معنى التصحيفِ والتحريفِ، فقَالَ:
٦٢٨ - فَمَا يُغَيَّرْ نُقْطُهُ مُصَحَّفُ … أَوْ شَكْلُهُ لا أَحْرُفٌ مُحَرَّفُ
[٦٢٨] (فَمَا يُغَيَّرْ نُقْطُهُ) بضَمٍّ ففتحٍ جمعُ نقْطَةٍ، خفَّفَهُ بتسكينِ القافِ للوَزْنِ، أيْ: أيُّ حَرفٍ غُيِّرَتْ نُقْطَةٌ مِنْ نُقَطِهِ (مُصَحَّفُ) أيْ: فهُوَ مصحَّفٌ
стр. 419
(أَوْ شَكْلُهُ) أيْ: أو غُيِّر شكْلُهُ، أيْ: حركاتُهُ (لا أَحْرُفٌ) أيْ: ليسَتِ الأحرفُ منهُ مغيَّرةً (مُحَرَّفُ) أيْ: فَهُوَ محرَّفُ.
٦٢٩ - فَقَدْ يَكُونُ سَنَدًا وَمَتْنَا … وَسَامِعًا وَظَاهِرًا وَمَعْنَى
[٦٢٩] (فَقَدْ يَكُونُ) أيِ: المذْكُورُ مِنَ التَّصْحِيفِ والتحْرِيفِ (سَنَدًا) أيْ: فيهِ (وَمَتْنَا) أيْ: فيهِ (وَ) يكونُ أيضًا (سَامِعًا) أيْ: خَطَأَ سَمْعِ سَامِعٍ (وَ) يكونُ أيضًا (ظَاهِرًا) يعني: لفظًا بدليلِ ما بَعْدَهُ، (وَ) يكونُ (مَعْنَى) أيْ: من جِهَةِ المعْنَى.
ثم ذكَرَ أمْثِلَةَ هذهِ الأقسامِ بالتَّرْتِيبِ، فقَالَ:
٦٣٠ - فَأَوَّلٌ: «مُرَاجِمٌ» صَحَّفَهُ … يَحْيَى «مُزَاحِمًا» فَمَا أَنْصَفَهُ
[٦٣٠] (فَأَوَّلٌ) وهو التَّصْحِيفُ في السَّنَدِ («مُرَاجِمٌ») بضمِّ الميمِ فراءٌ فجيمٌ والِدُ العَوَّام (صَحَّفَهُ) أيْ: مراجمًا هذا (يَحْيَى) بنُ معينٍ فجعَلَهُ: («مُزَاحِمًا») بالزَّاي المعْجَمَةِ، والحاءِ المُهْمَلَةِ (فَمَا أَنْصَفَهُ) أيْ: ما أعْطَاهُ حقَّهُ.
стр. 420
ثم ذكَرَ مِثَالَ الثاني بقَوْلِهِ:
٦٣١ - وَبَعْدَهُ: «يُشَقِّقُونَ الْخُطَبَا»
صَحَّفَهُ وَكِيعُ قَالَ: «الْحَطَبَا»
[٦٣١] (وَبَعْدَهُ) أيْ: بعْدَ تصحيف السَّنَدِ («يُشَقِّقُونَ الْخُطَبَا» صَحَّفَهُ وَكِيعُ) بنُ الجرَّاحِ (قَالَ: «الْحَطَبَا») أيْ: حالَ كونِهِ قائلًا فيهِ: «الحَطَبَ» بدلَ الخطبِ، وهُوَ حديثٌ رُوِيَ عنْ معاويةَ ﵁ قالَ: «لعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ الَّذِينَ يشقِّقُونَ الخُطَبَ تَشْقِيقَ الشِّعْرِ» أيِ: الذين يتكلَّفُونَ تحْسِينَهَا.
ثم ذكَرَ مثالَ الثالثِ: فَقَالَ:
٦٣٢ - وَثَالِثٌ: كَـ «خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَهْ» … شُعْبَةُ قَالَ مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَهْ
[٦٣٢] (وَثَالِثٌ) أيْ: مِثالُ ثالثِ الأقْسَامِ، وهو التَّصْحِيفُ في السَّمْعِ (كَـ «خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَهْ» شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (قَالَ) فيهِ: (مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَهْ) بالتَّصْحِيفِ.
ثم ذَكَرَ مثالَ الرابعِ، فَقَالَ:
٦٣٣ - وَرَابِعٌ: مِثْلُ حَدِيثِ احْتَجَرَا … صَحَّفَهُ بِالمِيمِ بَعْضُ الْكُبَرَا
[٦٣٣] (وَرَابِعٌ) أيْ: ورابعُ الأقسامِ، وهُوَ التَّصْحِيفُ في اللَّفْظِ، (مِثْلُ
стр. 421
حَدِيثِ احْتَجَرَا) بألفِ الإطلاقِ حالَ كوْنِهِ (صَحَّفَهُ بِالمِيمِ) بدَلَ الرَّاءِ (بَعْضُ الْكُبَرَا) وهُوَ عبدُ اللهِ بْنُ لَهِيعَةَ المصْرِيُّ، وهُوَ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ في المسْجِدِ»، وإِنَّمَا هُوَ بالرَّاءِ: «احْتَجَرَ في المسجِدِ بِخُصٍّ وحَصِيرٍ حُجْرَةً يُصَلِّي فِيهَا».
ثم ذَكَرَ مثالَ الخامسِ، فقَالَ:
٦٣٤ - وَخَامِسٌ مِثْلُ حَدِيثِ الْعَنَزَهْ … ظَنَّ الْقَبِيلَ عَالِمٌ مِنْ عَنَزَهْ
[٦٣٤] (وَخَامِسٌ) أيْ: وخامسُ الأقسامِ وهُوَ التصحيفُ في المَعْنَى وإعرابِهِ، (مِثْلُ حَدِيثِ الْعَنَزَهْ) في حديثِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى إلى العنَزَةِ» والعَنَزَةُ -بفتْحَتَيْنِ-: عصا أقْصَرُ من الرُّمحِ (ظَنَّ الْقَبِيلَ) أيْ: توهَّمَ أنَّ المرادَ بالعنَزَةِ في هذا الحديثِ: القبيلةُ المشهورةُ (عَالِمٌ) أيْ: عالمٌ جليلُ (مِنْ) قبيلةِ (عَنَزَهْ) وهو الحافظُ الحجَّةُ أبو موسى محمدُ بْنُ المُثَنَّى ﵀.
стр. 422
النَّاسِخُ، وَالمَنْسُوخُ مِنَ الحَدِيثِ
وهُوَ النَّوْعُ الثامِنُ والأربعُونَ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ:
٦٣٥ - النَّسْخُ: [رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ] وَالصَّوَابْ … فِي الْحَدِّ رَفْعُ حُكْمِ شَرْعٍ بِخِطَابْ
٦٣٦ - فَاعْنَ بِهِ فَإِنَّهُ مُهِمُّ … [وَبَعْضُهُمْ أَتَاهُ فِيهِ الْوَهْمُ]
[٦٣٥] (النَّسْخُ: رَفْعٌ) أيْ: رَفْعٌ للحكمِ (أَوْ) لتنويعِ الخلافِ (بَيَانٌ) أيْ: قيلَ: النسخُ بيانٌ لانتهاءِ أمَدِ الحُكْمِ، (وَالصَّوَابْ) أيِ: القولُ الحَقُّ (فِي الْحَدِّ) أيْ: فِي تعريفِ النسخِ: (رَفْعُ حُكْمِ شَرْعٍ بِخِطَابْ) أيْ: رَفْعُ الشارِعِ حكمًا منهُ متقَدِّمًا بحُكْمٍ منه متأخِّرٍ.
[٦٣٦] (فَاعْنَ) أيِ: اشتَغِلْ، واجتَهِدْ (بِهِ) أيْ: بمعْرِفَةِ الناسخِ والمنسوخِ مِنَ الحديثِ؛ (فَإِنَّهُ) أيْ: هذا النوعُ (مُهِمُّ وَبَعْضُهُمْ) أيْ: بعضُ مَنِ اعْتَنَى بالتصنيفِ في هذا النوعِ (أَتَاهُ فِيهِ الْوَهْمُ) أيْ: حصَلَ له الخطأُ؛ حيثُ أدْخَلَ فيه ما ليسَ منْهُ.
стр. 423
٦٣٧ - يُعْرَفُ بِالنَّصِّ مِنَ الشَّارِعِ أَوْ … صَاحِبِهِ أَوْ عُرِفَ الْوَقْتُ، وَلَوْ
٦٣٨ - [صَحَّ حَدِيثٌ] وَعَلَى تَرْكِ الْعَمَلْ … أُجْمِعَ فَالْوَفْقُ عَلَى النَّاسِخِ دَلّ
[٦٣٧] (يُعْرَفُ) أيِ: النسخُ (بِالنَّصِّ) أيِ: التَّصْرِيحِ (مِنَ الشَّارِعِ) أيِ: النبيِّ ﷺ بِذَلِكَ (أَوْ) قولِ (صَاحِبِهِ) بأنَّ هذَا منسوخٌ، وشَرَطَ أهلُ الأصولِ في هذَا أنْ يُخْبِرَ بتأخُّرِهِ، (أَوْ عُرِفَ الْوَقْتُ) أيْ: تاريخُ ورودِ الحَدِيثَيْنِ (وَلَوْ) أيْ:
[٦٣٨] (صَحَّ حَدِيثٌ) باستيفاءِ شروطِ الصِّحَّةِ (وَ) لكِنْ (عَلَى تَرْكِ الْعَمَلْ أُجْمِعَ) أي: أجْمَعَ العلمَاءُ عَلَى ترْكِ العملِ بذلِكَ الحديثِ، (فَالْوَفْقُ) أيِ: اتِّفَاقُهُمْ عليهِ (عَلَى النَّاسِخِ) متعلِّقٌ بـ (دَلّ) أيْ: أَرْشَدَ على أنَّ هذَا الحديثَ له ناسِخٌ، وإِنْ لمْ نقفْ عليْهِ.
стр. 424
مُختَلِفُ الحَدِيثِ
وهو النوعُ التاسعُ والأربعُون مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ
٦٣٩ - [أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الْمُخْتَلِفِ … الشَّافِعِي، فَكُنْ بِذَا النَّوْعِ حَفِي
٦٤٠ - فَهْوَ مُهِمٌّ، وَجَمِيعُ الْفِرَقِ] … فِي الدِّينِ: تَضْطَرُّ لَهُ فَحَقِّقِ
[٦٣٩] (أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ) أيْ: جَمَعَ (فِي الْمُخْتَلِفِ) أيِ: النَّوْعِ المُسَمَّى بمختلِفِ الحدِيثِ: (الشَّافِعِي) محمدُ بنُ إدريسَ، (فَكُنْ) أيْ: إذا كان مختلِفُ الحديثِ مما يُعْتَنَى به، فكُنْ أيُّهَا المُحَدِّثُ (بِذَا النَّوْعِ) أيِ: مختلفِ الحديثِ (حَفِي) أيْ: مبالغًا في تحقيقِهِ.
[٦٤٠] (فَهْوَ مُهِمٌّ) أيْ: لأنَّهُ مهِمٌّ (وَجَمِيعُ الْفِرَقِ) أيْ: طوائفِ العلماءِ مِنَ المُحَدِّثِينَ، والمفسِّرِينَ، والفقهاءِ وغيْرِهِمْ (فِي الدِّينِ: تَضْطَرُّ لَهُ) أيْ: تحتاجُ إِلَى هذا الفنِّ، (فَحَقِّقِ) أيْ: إذا كانَ الأمرُ كذلك فيَنْبَغِي لك أنْ تُحَقِّقَ معرفتَهُ وتَغُوصَ في أسرارِهِ.
стр. 425
٦٤١ - [وَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِيهِ مَنْ كَمَلْ … فِقْهًا وَأَصْلًا وَحَدِيثًا وَاعْتَمَلْ]
٦٤٢ - وَهْوَ: حَدِيثٌ قَدْ أَبَاهُ آخَرُ … فَالْجَمْعُ إِنْ أَمْكَنَ لا يُنَافِرُ
[٦٤١] (وَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِيهِ) أيْ: للكلامِ على مختلفِ الحديثِ (مَنْ كَمَلْ فِقْهًا وَأَصْلًا وَحَدِيثًا) أيْ: منْ كانَ كاملًا في فنِّ الفِقْهِ، وأصولِ الدينِ، والحديثِ (وَاعْتَمَلْ) أيْ: بالَغَ في تحقيقِهَا.
[٦٤٢] (وَهْوَ) أيْ: مختلِفُ الحديثِ: (حَدِيثٌ قَدْ أَبَاهُ) أيْ: عارَضَهُ في الظاهِرِ حديثٌ (آخَرُ) مثلُهُ في القُوَّةِ، ثمَّ إنَّهُ ينقسِمُ إلى قسمَيْنِ: أحدُهُمَا: ما يُمْكِنُ فيهِ الجمعُ، أشارَ إليه بقَوْلِهِ: (فَالْجَمْعُ) أيِ: الجمْعُ بينَ مدْلُولَيِ الحديثَيْنِ المتعارضَيْنِ ظاهرًا (إِنْ أَمْكَنَ) بوجْهٍ صحيحٍ (لا يُنَافِرُ) أيْ: لا يُنَافي أحَدُ الحديثَيْنِ الآخَرَ.
ثم ذكر مثالًا لِمَا يُمْكِنُ فيه الجَمْعُ:
٦٤٣ - كَمَتْنِ «لا عَدْوَى» وَمَتْنِ «فِرَّا» … فَذَاكَ لِلطَّبْعِ، وَذَا لاِسْتِقْرَا
٦٤٤ - [وَقِيلَ: بَلْ سَدُّ ذَرِيعَةٍ، وَمَنْ … يَقُولُ مَخْصُوصٌ بِهَذَا: مَا وَهَنْ]
[٦٤٣] (كَمَتْنِ «لا عَدْوَى) ولا طيَرَةَ» فإِنَّهُ يدُلُّ على نفْيِ الإِعْداء
следующие страницы →