← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 6984

الفصول المفيدة في الواو المزيدة

صلاح الدين العلائي

Полный текст (232 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثيبات وأبكارا) وَقَول الشَّاعِر (إِلَى الْملك القرم وَابْن الْهمام ... وَلَيْث الكتيبة فِي المزدحم) وَلِهَذَا كُله جوز جمَاعَة عطف الصِّفَات بِالْوَاو مُطلقًا وَحمل عَلَيْهِ من يَقُول إِن الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر مَا جَاءَ فِي الحَدِيث عَن عَائِشَة وَحَفْصَة ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ عَلَيْهِمَا (حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَصَلَاة الْعَصْر) فَقَالُوا هُوَ من بَاب عطف الصِّفَات وَلَا شكّ أَن تَجْوِيز هَذَا على الْإِطْلَاق ينْقض قاعدتين كبيرتين إِحْدَاهمَا

стр. 107

أَن الصّفة والموصوف كالشيء الْوَاحِد وَالثَّانيَِة أَن الْعَطف يَقْتَضِي الْمُغَايرَة وَاو الثَّمَانِية وَالرَّدّ على القَوْل بهَا وَذكر جمَاعَة أَن الْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر﴾ وَقَوله ﴿ثيبات وأبكارا﴾ وَاو الثَّمَانِية لِأَن السَّبْعَة عدد كَامِل فَيُؤتى بعْدهَا بِالْوَاو إشعارا بذلك وحملوا عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَة وثامنهم كلبهم﴾ وَهُوَ قَول لَا دَلِيل لَهُ وَلَا أصل لَهُ وأعجب من ذَلِك أَنهم قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ إِنَّهَا وَاو الثَّمَانِية لِأَن الْجنَّة كلهَا ثَمَانِيَة أَبْوَاب وَهُوَ تخيل عَجِيب وَالْوَاو هُنَا للْحَال كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّحْقِيق أَن الصِّفَات إِذا قصد تعدادها من غير نظر إِلَى جمع أَو انْفِرَاد لم يكن ثمَّ عطف وَإِن أُرِيد الْجمع بَين الصفتين أَو التَّنْبِيه على تغايرهما عطف بالحرف وَكَذَلِكَ إِذا أُرِيد التنويع لعدم اجْتِمَاعهمَا فَإِنَّهُ يُؤْتى بالْعَطْف أَيْضا وَكَذَلِكَ إِذا قصد رفع استبعاد اجْتِمَاعهمَا لموصوف وَاحِد فَإِنَّهَا

стр. 108

تعطف أَيْضا كَمَا فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم (إِلَى الْملك القرم وَابْن الْهمام ... ) فَإِن الْعَطف جَاءَ هُنَا رفعا لاستبعاد من يستبعد اجْتِمَاع هَذِه الصِّفَات فِيهِ فَقَوله تَعَالَى ﴿هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن﴾ إِنَّمَا عطفت لِأَنَّهَا أَسمَاء متضادة الْمعَانِي فِي أصل الْوَضع فَرفع الْوَهم بالْعَطْف عَن من يستبعد ذَلِك فِي ذَات وَاحِدَة فَإِن الشَّيْء الْوَاحِد لَا يكون بَاطِنا ظَاهرا من وَجه وَاحِد فَكَانَ الْعَطف هَا هُنَا أحسن وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿ثيبات وأبكارا﴾ فَإِن الْمَقْصُود بِالصِّفَاتِ الأول ذكرهَا مجتمعة وَالْوَاو توهم التنويع لاقتضائها الْمُغَايرَة فَترك الْعَطف بَينهَا لبيانا اجتماعها فِي وَقت وَاحِد بِخِلَاف الثيوبة والبكورة فَإِنَّهُمَا متضادان لَا يَجْتَمِعَانِ على مَحل وَاحِد فِي آن وَاحِد فَأتى بِالْوَاو لتضاد النَّوْعَيْنِ وَقَوله تَعَالَى ﴿غَافِر الذَّنب وقابل التوب﴾ قد يظنّ أَنَّهُمَا يجريان مجْرى الْوَصْف الْوَاحِد لتلازمهما فَمن غفر الذَّنب قبل التوب فَبين الله سُبْحَانَهُ بعطف أَحدهمَا على الآخر أَنَّهُمَا مفهومان متغايران ووصفان مُخْتَلِفَانِ يجب أَن يعْطى لكل وَاحِد حكمه وَذَلِكَ مَعَ الْعَطف أبين وأوضح وَأما ﴿شَدِيد الْعقَاب﴾ و ﴿ذِي الطول﴾ فهما كالمتضادين فَإِن شدَّة الْعقَاب تَقْتَضِي أَيْضا الضَّرَر والا تُضَاف بالطول يَقْتَضِي اتِّصَال النَّفْع فحرف الْعَطف لبَيَان أَنَّهُمَا مجتمعان فِي ذَاته وَهِي مَوْصُوفَة بهما على الِاجْتِمَاع ليتعبد العَبْد على الرَّجَاء وَالْخَوْف دَائِما فَحسن ترك الْعَطف لهَذَا الْمَعْنى وَأما قَوْله ﴿الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر﴾ فَكل صفة تقدّمت غير مسبوقة بِالْوَاو مُغَايرَة لِلْأُخْرَى وَالْغَرَض أَنَّهَا فِي اجتماعها كالوصف

стр. 109

الْوَاحِد لموصوف وَاحِد فَلم يحْتَج إِلَى عطف فَلَمَّا ذكر الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وهما متلازمان أَو كالمتلازمين يستمدان من مَادَّة وَاحِدَة كغفران الذَّنب وَقبُول التوب حسن الْعَطف ليبين أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُعْتَد بِهِ على حِدته لَا يَكْفِي مِنْهُ مَا يحصل فِي ضمن الآخر بل لَا بُد من أَن يُؤْتى بِكُل مِنْهُمَا بمنفرده فَحسن الْعَطف لذَلِك وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَ الْأَمر وَالنَّهْي ضدين من جِهَة أَن أَحدهمَا طلب الإيجاد وَالْآخر طلب الإعدام كَانَا كالنوعين المتغايرين فِي قَوْله ﴿ثيبات وأبكارا﴾ فَحسن الْعَطف لذَلِك فَأَما قَوْله ﴿سَبْعَة وثامنهم كلبهم﴾ فَإِن الْوَاو لم يدْخل هُنَا دون مَا قبله إِلَّا لفائدة وَهِي التَّقْدِير لِأَن عدتهمْ سَبْعَة فَقَوله فِي الجملتين الْأَوليين ﴿رابعهم كلبهم﴾ ﴿سادسهم كلبهم﴾ هما من تَتِمَّة الْمَقُول وَلذَلِك أتبعه بقوله تَعَالَى ﴿رجما بِالْغَيْبِ﴾ وَالْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وثامنهم كلبهم﴾ قَائِمَة مقَام التَّصْدِيق لذَلِك تَقْدِيره نعم وثامنهم كلبهم كَمَا إِذا قَالَ الْقَائِل زيد كَاتب فَتَقول لَهُ وشاعر وَيكون ذَلِك تَحْقِيقا لقَوْله الأول وَلذَلِك لم يقل سُبْحَانَهُ بعده ﴿رجما بِالْغَيْبِ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْأَوليين وَقَالَ ﴿قل رَبِّي أعلم بِعدَّتِهِمْ مَا يعلمهُمْ إِلَّا قَلِيل﴾ وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه قَالَ أَنا من الْقَلِيل وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بعد قَوْله ﴿وَجعلُوا أعزة﴾

стр. 110

أَهلهَا أَذِلَّة) فَلَيْسَتْ الْوَاو للثمانية كَمَا يَقُوله من يزْعم ذَلِك وَلَا دُخُول الْوَاو فِي الْأَخِيرَة وَتركهَا فِي الْأَوليين على السوَاء كَمَا قَالَه بعض أَئِمَّة النُّحَاة وَالله أعلم

стр. 111

١٨ - فصل زِيَادَة الْوَاو العاطفة اخْتلفُوا فِي جَوَاز زِيَادَة الْوَاو العاطفة لغير معنى فجوزه الْكُوفِيُّونَ احتجاجا بقوله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وليكون من الموقنين﴾ وَقَوله ﴿فَلَمَّا أسلما وتله للجبين وناديناه﴾ وَجعلُوا مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ وَقَول الشَّاعِر الْمُتَقَدّم أول الْكتاب (وقلبتم ظهر الْمِجَن لنا) بعد قَوْله (حَتَّى إِذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبوا) فتقديره قلبتم وَالْوَاو زَائِدَة وَذهب البصريون إِلَى أَنَّهَا لَيست زَائِدَة فِي شَيْء من ذَلِك وَلَا تجوز

стр. 112

زيادتها لِأَن الْحُرُوف وضعت للمعاني فَذكرهَا بِدُونِ مَعْنَاهَا يَقْتَضِي مُخَالفَة الْوَضع وَيُورث اللّبْس وَأَيْضًا فَإِن الْحُرُوف وضعت للاختصار نائبة عَن الْجمل كالهمزة فَإِنَّهَا نائبة عَن أستفهم وزيادتها ينْقض هَذَا الْمَعْنى وَتلك الْمَوَاضِع الْوَاو فِيهَا عاطفة على مَحْذُوف مُقَدّر يتم بِهِ الْكَلَام تَقْدِيره لنبصره أَو لنرشده وَنَحْو ذَلِك ثمَّ عطف عَلَيْهِ (وليكون من الموقنين) وَكَذَلِكَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى تَقْدِيره عرفنَا صبره وانقياده ﴿وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم﴾ وَكَذَلِكَ قيل فِي قَوْله ﴿وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ تَقْدِيره عرفُوا صِحَة مَا وعدوا بِهِ ﴿وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ والأقوى أَن تكون الْوَاو حَالية كَمَا تقدم وَسَيَأْتِي ذَلِك وَبَيَان فَائِدَته إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما الْبَيْت فتقديره عرف غدركم وقلبتم ظهر الْمِجَن وَحذف الْجَواب كثير

стр. 113

وَفِي التَّهْذِيب لِلْبَغوِيِّ من أَئِمَّة أَصْحَابنَا أَنه إِذا قَالَ إِن دخلت الدَّار وَأَنت طَالِق إِن قَالَ أردْت التَّعْلِيق فأقمت الْوَاو مقَام الْفَاء قبل قَوْله وَإِن قَالَ أردْت التَّنْجِيز ينجز الطَّلَاق يَعْنِي وَتَكون الْوَاو زَائِدَة وَزَاد غَيره انه إِذا قَالَ لم أقصد شَيْئا يقْضِي بِوُقُوع الطَّلَاق فِي الْحَال ويلغى حرف الْوَاو كَمَا لَو قَالَ ابتدأء وَأَنت طَالِق حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن إِسْمَاعِيل البوشنجي مقررا لَهُ وَاعْترض عَلَيْهِ النَّوَوِيّ وَاخْتَارَ أَنه عِنْد الاطلاق يكون تَعْلِيقا بِدُخُول الدَّار إِن كَانَ قَائِلهَا لَا يعرف الْعَرَبيَّة وَإِن عرفهَا فَلَا يكون تَعْلِيقا وَلَا غَيره إِلَّا لِأَنَّهُ عِنْده غير مُفِيد وَهَذَا الَّذِي قَالَه النَّوَوِيّ ﵀ جَار على الْقَاعِدَة وَالله سُبْحَانَهُ أعلم

стр. 114

١٩ - فصل تَقْدِير مَعْطُوف عَلَيْهِ مَحْذُوف فِي الْقُرْآن تقدم فِيمَا ذكر آنِفا عَن الْبَصرِيين أَنهم يقدرُونَ محذوفا يعْطف عَلَيْهِ وَهَذَا التَّقْدِير كثير فِي الْقُرْآن الْعَظِيم فَمِنْهُ مَا يتَوَقَّف صِحَة الْكَلَام عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ أَي فَأكل فَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَقَوله ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ أَي فَأفْطر فَعدَّة من أَيَّام آخر وَكَذَلِكَ ﴿فأوحينا إِلَى مُوسَى أَن اضْرِب بعصاك الْبَحْر فانفلق﴾ تَقْدِيره فَضرب فانفلق وَيُسمى هَذَا عِنْد الْأُصُولِيِّينَ دلَالَة الِاقْتِضَاء أَي إِن صِحَة الْكَلَام اقْتَضَت هَذَا الْمُقدر وَمِنْه مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ تَمام البلاغة لتجري على الْقَوَاعِد الْعَرَبيَّة كَمَا

стр. 115

قَالَ صَاحب الْكَشَّاف فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِن لم تَنْتَهِ لأرجمنك واهجرني مَلِيًّا﴾ إِن الْعَطف على مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ قَوْله ﴿لأرجمنك﴾ تَقْدِيره فاحذرني واهجرني مَلِيًّا لِأَن قَوْله ﴿لأرجمنك﴾ تهديد وتقريع وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ إِن الْمُعْتَمد بالْعَطْف هُوَ جملَة وصف ثَوَاب الْمُؤمنِينَ فَهِيَ معطوفة على جملَة وصف عَذَاب الْكَافرين كَمَا تَقول زيد يُعَاقب بالقيد والإرهاق وَبشر عمرا بِالْعَفو وَالْإِطْلَاق قَالَ وَلَك أَن تَقول هُوَ مَعْطُوف على قَوْله ﴿فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وقودها﴾ كَمَا قَالَ يَا بني تَمِيم احْذَرُوا عُقُوبَة مَا جنيتم وَبشر يَا فلَان بني أَسد بإحساني إِلَيْهِم وَقَالَ أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الصَّفّ ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ إِنَّه مَعْطُوف على ﴿تؤمنون﴾ لِأَنَّهُ بِمَعْنى آمنُوا

стр. 116

وَالَّذِي اخْتَارَهُ السكاكي فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ أَن الْعَطف فيهمَا على قل مرَادا مُقَدرا قبل ﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ و ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ قَالَ لِأَن إِرَادَة القَوْل بِوَاسِطَة انصباب الْكَلَام إِلَى مَعْنَاهُ كثير وَذكر مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وأنزلنا عَلَيْكُم الْمَنّ والسلوى كلوا﴾ وَقَوله ﴿وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم ورفعنا فَوْقكُم الطّور خُذُوا﴾ وَقَوله ﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا وَاتَّخذُوا﴾ أَي قُلْنَا أَو قائلين وَنَحْو ذَلِك وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَه السكاكي نظر لِأَنَّهُ لَا يلْزم من إِضْمَار القَوْل مَوضِع الْحَال تَقْدِيره أمرا أول الْكَلَام من غير دَلِيل يدل عَلَيْهِ وَاخْتَارَ بعض شُيُوخنَا أَن يكون الْأَمر فِي الْآيَتَيْنِ مَعْطُوفًا على مُقَدّر يدل عَلَيْهِ مَا قبله وَهُوَ فِي الْآيَة الأولى فَأَنْذر أَو نَحوه أَي فأنذرهم وَبشر الَّذين آمنُوا وَفِي الثَّانِيَة فأبشر أَو نَحوه أَي فأبشر يَا مُحَمَّد وَبشر الْمُؤمنِينَ وَهَذَا كَمَا قدر الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لأرجمنك واهجرني مَلِيًّا﴾

стр. 117

٢٠ - فصل تَقْدِيم الْمَعْطُوف على الْمَعْطُوف عَلَيْهِ لَا يجوز تَقْدِيم الْمَعْطُوف على الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْوَاو خَاصَّة بِثَلَاثَة شُرُوط أَحدهَا أَن لَا يُؤَدِّي إِلَى وُقُوع حرف الْعَطف صَدرا فَلَا تَقول وَعَمْرو زيد قائمان فِي زيد وَعَمْرو قائمان وَثَانِيها أَن لَا يُؤَدِّي إِلَى مُبَاشرَة حرف الْعَطف عَاملا غير متصرف مثل إِن وعمرا زيدا قائمان وَثَالِثهَا أَن لَا يكون مجرورا فَلَا تَقول مَرَرْت وَعَمْرو بزيد وَعند خلوه من هَذِه الثَّلَاثَة يجوز كَقَوْل الشَّاعِر (أَلا يَا نَخْلَة من ذَات عرق ... عَلَيْك وَرَحْمَة الله السَّلَام)

стр. 118

وَقَول الآخر جمعت وفحشا غيبَة ونميمة ... ثَلَاث خلال لست عَنْهَا بمرعوي) وَقَول ذِي الرمة كأنا على أَوْلَاد أحقب لاحها ... وَرمي السفا أنفاسها بسهام) (جنوب ذوت عَنْهَا التناهي فأنزلت ... بهَا يَوْم ذُبَاب السبيب صِيَام) يُرِيد لاحها جنوب وَرمي السفا وَقَوله أَيْضا

стр. 119

(وَأَنت غَرِيم لَا أَظن قَضَاءَهُ ... وَلَا الْعَنزي القارظ الدَّهْر جائيا) قَالُوا يُرِيد لَا أَظن قَضَاءَهُ جائيا هُوَ وَلَا الْعَنزي وَالَّذِي يظْهر أَن هَذَا جَمِيعه ضَرُورَة اضْطر الشَّاعِر إِلَيْهَا الْوَزْن والقافية وَأَن مثله لَا يَجِيء فِي سَعَة الْكَلَام لَكِن أَئِمَّة الْعَرَبيَّة لم يخصصوه بالشعر فَإِن قيل فقد جَاءَ التَّقْدِيم مَعَ أَو فِي قَول الشَّاعِر فلست بنازل إِلَّا ألمت ... برحلي أَو خيالتها الكذوب) يُرِيد إِلَّا ألمت الكذوب أَو خيالتها فَجَوَابه أَن الكذوب صفة لخيالتها وَقَوله أَو خيالتها عطف على المستكن فِي ألمت وَلم يحْتَج إِلَى تَأْكِيد لطول الْكَلَام بفصل الْجَار وَالْمَجْرُور والمضاف إِلَيْهِ وَالله أعلم

стр. 120

٢١ - فصل النَّوْع الثَّانِي الْكَلَام على وَاو الْحَال وَتسَمى أَيْضا وَاو الِابْتِدَاء وَهِي الدَّاخِلَة على الْجُمْلَة الَّتِي تقع حَالا وكل مَا صَحَّ من الْجمل أَن يكون خَبرا لمبتدأ أَو صلَة لموصول أَو صفة صَحَّ أَن تقع حَالا ثمَّ لَا تَخْلُو تِلْكَ الْجُمْلَة من أَن تكون اسمية أَو فعلية فَإِن كَانَت اسمية فتجئ على ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا وَهُوَ الْأَكْثَر أَن تكون بِالْوَاو وفيهَا ضمير يعود على صَاحب الْحَال كَقَوْلِك جَاءَ زيد وَهُوَ ضَاحِك وَجَاء وَهُوَ يضْحك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وتحسبهم أيقاظا وهم رقود﴾ وَالثَّانِي أَن تحذف الْوَاو ويكتفى بالضمير الرابط مثل جَاءَ زيد وَجهه مسرور وَجَاء زيد وَعَلِيهِ قلنسوة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة ترى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة﴾

стр. 121

وَالثَّالِث أَن يحذف الضَّمِير ويكتفى بِالْوَاو كَقَوْلِك جَاءَ زيد وَالشَّمْس طالعة قَالَ الله تَعَالَى ﴿يغشى طَائِفَة مِنْكُم وَطَائِفَة قد أهمتهم أنفسهم﴾ وَأما الْجُمْلَة الفعلية فَإِن كَانَ الْفِعْل مضارعا مثبتا لم يكن فِيهِ وَاو وَلَا بُد فِيهِ من ضمير رابط يعود على ذِي الْحَال مثل قَوْلك جَاءَ زيد يضْحك قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهمَا تمشي على استحياء﴾ وَقَالَ الشَّاعِر (مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء ناره ... تَجِد خير نَار عِنْدهَا خير موقد) وَالْمرَاد عاشيا وَلم تكن هُنَاكَ حَاجَة إِلَى الْوَاو لما بَين الْفِعْل الْمُضَارع وَاسم الْفَاعِل من الْمُنَاسبَة ثمَّ لَا بُد وَأَن يكون ذَلِك الْفِعْل يُرَاد بِهِ الْحَال فَأَما الْفِعْل المخلص للاستقبال فَلَا يَقع موقع الْحَال لِأَنَّهُ لَا يدل عَلَيْهَا لَا تَقول جَاءَ زيد سيركب وَكَذَلِكَ الْفِعْل الْمَاضِي أَيْضا لَا يجوز أَن يَقع حَالا لعدم دلَالَته عَلَيْهَا إِلَّا أَن يكون مَعَه مَا يدل على الْحَال كَمَا يَأْتِي وَإِن كَانَ الْفِعْل الْمُضَارع منفيا كنت مُخَيّرا فِيهِ بَين الْإِتْيَان بِالْوَاو وحذفها تَقول قعد زيد لَا يحدثنا وَجلسَ وَمَا يُكَلِّمنَا وَلَا بُد من الضَّمِير كَمَا تقدم قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَاضْرب لَهُم طَرِيقا فِي الْبَحْر يبسا لَا تخَاف دركا وَلَا تخشى﴾ وَقَالَ الشَّاعِر

стр. 122

(بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... وَلم تكْثر الْقَتْلَى بهَا حِين سلت) وَأما الْفِعْل الْمَاضِي الْقَرِيب من الْحَال فَإِن كَانَ مثبتا فَالْوَجْه أَن يُؤْتى بِالْوَاو وَقد سَوَاء كَانَ فِي الْجُمْلَة ضمير عَائِد أَو لم يكن تَقول جَاءَ زيد وَقد قضى حَاجته جَاءَ وَقد طلعت الشَّمْس قَالَ الشَّاعِر (ذكرتك والخطي يخْطر بَيْننَا ... وَقد نهلت منا المثقفة السسمر) فموضع قد نهلت نصب على الْحَال وَالتَّقْدِير ناهلة وَقد يحذف الْوَاو إِذا كَانَ فِي الْجُمْلَة ضمير كَقَوْلِك جَاءَ زيد قد تَعب وَجَاء قد أتعب دَابَّته قَالَ الشَّاعِر (وَإِنِّي لتعروني لذكراك هزة ... كَمَا انتفض العصفور بلله الْقطر)

стр. 123

فَقَوله بلله الْقطر جملَة حَالية من العصفور قَالَ امْرُؤ الْقَيْس (إِذا التفتت نحوي ذوى لي رِيحهَا ... نسيم الصِّبَا جَاءَت بريا القرنفل) وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿أَو جاؤوكم حصرت صُدُورهمْ﴾ فِي أحد الْأَقْوَال أما إِذا لم يكن فِيهَا ضمير فَلَا بُد من الْوَاو كَقَوْلِك جَاءَ زيد وَقد طلعت الشَّمْس وَقد تكون الْوَاو فَقَط وَقد مقدرَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا﴾ وَقَوله ﴿حَتَّى إِذا جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ التَّقْدِير وَقد فتحت أَبْوَابهَا وَذَلِكَ لِأَن من تَتِمَّة إكرام أهل الْجنَّة أَن تفتح لَهُم أَبْوَابهَا قبل الْوُصُول إِلَيْهَا فَلَا يتنغصون بِالْوُقُوفِ عَلَيْهَا وليجدوا رِيحهَا قبل الْوُصُول إِلَيْهَا

стр. 124

كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث بِخِلَاف جَهَنَّم أعاذنا الله مِنْهَا فَإِن أَبْوَابهَا تفتح حَالَة وصولهم إِلَيْهَا ليفجأهم الْعَذَاب بَغْتَة فَيكون ذَلِك أَشد عَلَيْهِم وعَلى هَذَا يكون جَوَاب الشَّرْط محذوفا تَقْدِيره دخلوها وَقَالَ لَهُم خزنتها وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْفِعْل الْمَاضِي منفيا فَلَا بُد فِيهِ من الْوَاو سَوَاء كَانَ فِيهِ ضمير أَو لم يكن تَقول ذهب عَمْرو وَمَا كلم أحدا وَمر وَمَا نطق بِكَلِمَة وَنزل وَمَا طلع الْفجْر وَكَذَلِكَ الْمَاضِي الْمَنْفِيّ بِلَفْظ الْمُضَارع مثل جَاءَ زيد وَمَا يُكَلِّمنَا وَذهب وَلم تطلع الشَّمْس هَذِه الْمَوَاضِع الَّتِي يشْتَرط دُخُول الْوَاو فِيهَا وضابطه أَنه مَتى خلت الْجُمْلَة عَن رابط فَلَا بُد من الْوَاو ليَكُون رابطة كَمَا يرْبط الضَّمِير

стр. 125

وسيبويه يقدر هَذِه الْوَاو بإذ فَكل مَوضِع صلح أَن يخلفها إِذْ كَانَت للْحَال وَالْجُمْلَة الَّتِي تَلِيهَا حَالية وَذَلِكَ لِأَن الْحَال تشبه الظّرْف فَإنَّك إِذا قلت جَاءَ زيد وَعَمْرو منطلق كَانَ مَعْنَاهُ وَقت انطلاق عَمْرو وَكَذَلِكَ عطف الظّرْف عَلَيْهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لتمرون عَلَيْهِم مصبحين وبالليل﴾ فلولا الشّبَه لما صَحَّ الْعَطف وَلَا شكّ أَن الأَصْل فِي الْحَال المنتقلة أَن تكون بِغَيْر الْوَاو لِأَن إعرابها لَيْسَ يتبع وَمَا لَيْسَ إعرابه يتبع لَا يدْخلهُ وَاو الْعَطف وَهَذِه الْوَاو وَإِن كَانَت تسمى وَاو الْحَال فأصلها الْعَطف وَأَيْضًا فَإِن الْحَال فِي الْمَعْنى حكم على ذِي الْحَال كالخبر بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُبْتَدَأ إِلَّا أَن الْفرق بَينه وَبَينهَا أَن الحكم بالْخبر يحصل بِالْأَصَالَةِ لَا فِي ضم شَيْء آخر وَالْحكم بِالْحَال إِنَّمَا يحصل فِي ضم غَيرهَا فَإِن قَوْلك جَاءَ زيد رَاكِبًا مَحْكُوم بِهِ على زيد لَكِن لَا بِالْأَصَالَةِ بل بالتبعية بِأَن وصل بالمجيء وَجعل قيدا لَهُ بِخِلَافِهِ فِي قَوْلنَا زيد رَاكب

стр. 126

وَأَيْضًا فالحال فِي الْحَقِيقَة وصف لذِي الْحَال فَلَا يدخلهَا الْوَاو كالنعت إِلَّا أَنه خُولِفَ هَذَا الأَصْل فِيمَا إِذا كَانَت جملَة لِأَنَّهَا بِالنّظرِ إِلَيْهَا من حَيْثُ هِيَ جملَة مُسْتَقلَّة بالإفادة فتحتاج إِلَى مَا يربطها بِمَا جعلت حَالا عَنهُ وكل وَاحِد من الضَّمِير وَالْوَاو صَالح للربط وَالْأَصْل الضَّمِير بِدَلِيل الِاقْتِصَار عَلَيْهِ فِي الْحَال المفردة وَالْخَبَر والنعت فَإِذا عرف ذَلِك فلتعلم أَنه وَقع للزمخشري فِي كِتَابه الْمفصل كَلَام ضَعِيف وَتَبعهُ عَلَيْهِ ابْن الْحَاجِب فِي مقدمته بِزِيَادَة على الضعْف وَلم يعْتَرض عَلَيْهِ كثير مِمَّن شرح كَلَامه فَنَذْكُر ذَلِك للتّنْبِيه عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمفصل وَالْجُمْلَة تقع حَالا فَإِن كَانَت اسمية فالواو إِلَّا مَا شَذَّ من قَوْلهم كَلمته فوه إِلَى فِي وَمَا عَسى أَن يعثر عَلَيْهِ فِي الندرة وَأما قَوْله لَقيته عَلَيْهِ جُبَّة وشي فَمَعْنَاه مُسْتَقِرَّة عَلَيْهِ جُبَّة وشي انْتهى كَلَامه وَمُقْتَضى كَلَامه أَن الِاقْتِصَار على الضَّمِير فِي الْجُمْلَة الاسمية دون الْوَاو شَاذ ونادر لَا يعثر عَلَيْهِ إِلَّا قَلِيلا لما أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَمَا عَسى أَن يعثر عَلَيْهِ فِي الندرة وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بالشذوذ من جِهَة الْقيَاس وكل ذَلِك لَيْسَ بِصَحِيح

стр. 127

أما الْقيَاس فقد بَينا أَن الأَصْل الضَّمِير وَأَن الْمُعْتَبر إِنَّمَا هُوَ الرابط بَين الجملتين حَتَّى تكون الثَّانِيَة حَالا والربط فِي الضَّمِير أقوى مِنْهُ فِي الْوَاو وَأما الِاسْتِعْمَال فَلَيْسَ بنادر كَمَا ذكر فقد تقدم مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة ترى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة﴾ وَكَذَلِكَ أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضكُم لبَعض﴾ فِي سُورَة الْبَقَرَة وَكَذَلِكَ فِي الْأَعْرَاف وَسورَة طه وَقَوله تَعَالَى ﴿نبذ فريق من الَّذين أُوتُوا الْكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يعلمُونَ﴾ فَإِنَّهُم قَالُوا فِي قَوْله ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يعلمُونَ﴾ إِنَّهَا فِي مَوضِع الْحَال تَقْدِيره مشبهين بِمن لَا يعلم وَمثله أَيْضا قَوْله ﴿ولى مستكبرا كَأَن لم يسْمعهَا كَأَن فِي أُذُنَيْهِ وقرا﴾

стр. 128

وَقد صرح الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْكَشَّاف بِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿فِيهِ هدى وَنور﴾ جمله حَالية من الانجيل فِي قَوْله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل فِيهِ هدى وَنور﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى قبل هَذِه الْآيَة ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور﴾ وَلَا وَاو فِيهَا وَقَالَ الشَّاعِر (فلولا جنان اللَّيْل مَا آب عَامر ... إِلَى جَعْفَر سرباله لم يمزق) فَكل هَذِه الشواهد ترد كَونه شاذا أَو ضَعِيفا كَمَا قَالَ ابْن الْحَاجِب فَإِنَّهُ قَالَ وَتَكون جملَة خبرية فالاسمية بِالْوَاو وَالضَّمِير أَو بِالْوَاو أَو بالضمير على ضعف فَجعل الِاقْتِصَار على كل وَاحِد من الْوَاو وَالضَّمِير دون الآخر ضَعِيفا وَقد بَينا مَا يتَعَلَّق بالاقتصار على الضَّمِير دون الْوَاو وَأَنه غير ضَعِيف وَلَا شَاذ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا لَهَا منذرون﴾ وَمَا رَوَاهُ سِيبَوَيْهٍ من قَوْلهم كَلمته فوه إِلَى فِي وَرجع عوده على بدئه بِالرَّفْع ولقيته عَلَيْهِ جُبَّة وشي وَمَا قدره الزَّمَخْشَرِيّ من الِاسْتِقْرَار فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ وَقَول بشار

стр. 129

(إِذا أنكرتني بلذة أَو نكرتها ... خرجت مَعَ الْبَازِي عَليّ سَواد) بِمَعْنى عَليّ بَقِيَّة من اللَّيْل وَقَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت (فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك التَّاج مرتفقا ... فِي رَأس غمدان دَارا مِنْك محلالا) وَقَول الآخر (وَقد صبرت للذل أَعْوَاد مِنْبَر ... تقوم عَلَيْهِ فِي يَديك قضيب) وَأنْشد الْجِرْجَانِيّ مِنْهُ أَيْضا قَول الشَّاعِر (إِذا أتيت أَبَا مَرْوَان تسأله ... وجدته حاضراه الْجُود وَالْكَرم) وَجعل وجدت هُنَا لَيست المتعدية إِلَى مفعولين بل بِمَعْنى أصبت

стр. 130

تتعدى إِلَى مفعول وَاحِد فَقَوله حاضراه الْجُود وَالْكَرم جملَة حَالية وَلَيْسَ فِيهَا وَاو فَكل هَذِه الشواهد تمنع الضعْف والشذوذ وَكَذَلِكَ الِاقْتِصَار على الْوَاو دون الضَّمِير فقد تقدم قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَائِفَة قد أهمتهم أنفسهم﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا أخرجك رَبك من بَيْتك بِالْحَقِّ وَإِن فريقا من الْمُؤمنِينَ لكارهون﴾ وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس (وَقد أغتدي وَالطير فِي وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل) وَقَالَ الآخر أنْشدهُ ابْن مَالك سرينا وَنجم قد أَضَاء فمذ بدا ... محياك أخْفى ضوؤه كل شارق) وَكَذَلِكَ الْبَيْت الْمُتَقَدّم (ذكرتك والخطي يخْطر بَيْننَا ... ) فَاكْتفى فِيهَا رابطا بِالْوَاو عَن الضَّمِير كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ وَالله أعلم

стр. 131

٢٢ - فصل الرَّبْط بِالْوَاو أَو بالضمير فِي جملَة الْحَال تقرر أَن الْجُمْلَة الاسمية إِذا وَقعت حَالا فَإِنَّهَا تكون تَارَة بِالْوَاو وَتارَة بالضمير وَإِن كَانَ الْأَكْثَر الْجمع بَينهمَا وَقد ذكر الْجِرْجَانِيّ أَن الْمُبْتَدَأ من الْجُمْلَة مَتى كَانَ ضمير ذِي الْحَال لم تصلح بِغَيْر الْوَاو الْبَتَّةَ كَقَوْلِك جَاءَنِي زيد وَهُوَ رَاكب ورأيته وَهُوَ جَالس وَلَو جِئْت بهَا بِغَيْر الْوَاو لم يكن كلَاما وَقَالَ هُوَ وَغَيره أَيْضا إِن صَاحب الْحَال مَتى كَانَ نكرَة مُقَدّمَة عَلَيْهَا وَجَبت الْوَاو مثل جَاءَنِي رجل وعَلى كتفه سيف وَإِنَّمَا وَجَبت الْوَاو لِئَلَّا يشْتَبه بالنعت وَعَلِيهِ خرج السكاكي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا وَلها كتاب مَعْلُوم﴾ وَاعْترض على الزَّمَخْشَرِيّ فِي جعل قَوْله وَلها كتاب صفة

стр. 132

لقرية وَأَن الْوَاو توسطت لتأكيد لصوق الصّفة بالموصوف وعَلى هَذَا فَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا لَهَا منذرون﴾ أولى بجعله صفة وَإِن كَانَ غَيره جعلهَا حَالا وَيكون حرف الِاسْتِثْنَاء أغْنى عَن الْوَاو وَقَالَ السكاكي وَصَحَّ وُقُوع الْحَال هُنَا من النكرَة لِأَن الْقرْيَة فِي حكم الموصوفة نازلة منزلَة قَوْله وَمَا أهلكنا من قَرْيَة من الْقرى وَذكر الْجِرْجَانِيّ أَيْضا أَن الْجُمْلَة الاسمية مَتى كَانَ الْخَبَر فِيهَا ظرفا مقدما على الْمُبْتَدَأ فالأكثر فِيهَا أَن تَجِيء بِغَيْر وَاو مثل الأبيات الْمُتَقَدّمَة (خرجت مَعَ الْبَازِي على سَواد ... ) (فَاشْرَبْ هينئا عَلَيْك التَّاج مرتفقا ... ) (تقوم عَلَيْهِ فِي يَديك قضيب ... ) ثمَّ اخْتَار فِي هَذِه الْمَوَاضِع أَن يكون الثَّانِي مرتفعا بالظرف لَا بالإبتداء وَهُوَ مَحل اتِّفَاق سِيبَوَيْهٍ والأخفش لِأَن سِيبَوَيْهٍ يعْمل الظّرْف إِذا كَانَ مُعْتَمدًا وَهنا لما جرت الْحَال مجْرى الصّفة كَانَ اعْتِمَادًا كَافِيا فِي أَن يرْتَفع

стр. 133

الظَّاهِر بالظرف قَالَ وَيَنْبَغِي أَن يكون الظّرْف هَا هُنَا خَاصّا فِي تَقْدِير اسْم فَاعل تَقْدِيره كَائِنا وَيجوز أَن يكون أَيْضا فِي تَقْدِير فعل مَاض مَعَ قد وَلَا يَصح أَن يكون مُقَدرا بِفعل مضارع وَإِنَّمَا اخْتَار تَقْدِيره باسم فَاعل لرجوع الْحَال حِينَئِذٍ إِلَى أَصْلهَا فِي الافراد وَلِهَذَا كثر مجيئها بِلَا وَاو يَعْنِي إِذا كَانَت الْجُمْلَة مصدرة بالظرف وَجوز التَّقْدِير بِفعل مَاض أَيْضا لمجيئها بِالْوَاو قَلِيلا وَإِنَّمَا امْتنع تقديرها بالمضارع لِأَنَّهَا إِذا تقدرت بِهِ يمْتَنع مجيئها بِالْوَاو وَهنا لَا يمْتَنع ذَلِك ثمَّ ذكر فِي قَوْله فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم (وجدته حاضراه الْجُود وَالْكَرم ... ) إِن حذف الْوَاو هُنَا حسنه تَقْدِيم الْخَبَر الَّذِي هُوَ حاضراه وَلَو قَالَ وجدته الْجُود وَالْكَرم حاضراه لم يحسن كَالْأولِ لِأَن ذَلِك بِمَنْزِلَة قَوْله حَاضرا عِنْده الْجُود وَالْكَرم قَالَ وَمِمَّا يحسن فِيهِ مَجِيء الاسمية بِلَا وَاو دُخُول حرف على الْمُبْتَدَأ كَمَا فِي قَول الشَّاعِر (فَقلت عَسى أَن تبصريني كَأَنَّمَا ... بني حوالي الْأسود الحوارد)

стр. 134

ثمَّ قَالَ فَإِنَّهُ لَوْلَا دُخُول كَأَن عَلَيْهِ لم يحسن الْكَلَام إِلَّا بِالْوَاو قلت وَمثله مَا تقدم من قَوْله تَعَالَى ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يعلمُونَ﴾ ﴿كَأَن لم يسْمعهَا﴾ ﴿كَأَن فِي أُذُنَيْهِ وقرا﴾ ثمَّ شبه الْجِرْجَانِيّ بِهَذَا أَيْضا أَن تقع الاسمية حَالا بعد مُفْرد فَإِنَّهُ يلطف موقعها بِخِلَاف مَا إِذا أفردت كَقَوْل ابْن الرُّومِي (وَالله يبقيك لنا سالما ... برداك تبجيل وتعظيم) فَإِنَّهُ لَو قَالَ يبقيك لنا برداك تبجيل لم يحسن وَأما الْجُمْلَة الفعلية فقد تقدم أَن الْمُضَارع الْمُثبت يمْتَنع مَجِيئه بِالْوَاو لما بَين الْفِعْل الْمُضَارع وَاسم الْفَاعِل من الْمُنَاسبَة وَتَقْرِير ذَلِك أَن أصل الْحَال المتنقلة أَن تدل على حُصُول صفة غير ثَابِتَة مُقَارنَة لما جعلت قيدا لَهُ والمضارع الْمُثبت كَذَلِك أما دلَالَته على حُصُول صفة غير ثَابِتَة فَلَا بُد من فعل مُثبت وَالْفِعْل يدل على التجدد وَعدم الثُّبُوت وَأما دلَالَته على الْمُقَارنَة فَلِأَنَّهُ مضارع غير مخلص للاستقبال فَلهَذَا وَجب أَن يكون بالضمير وَحده كالحال المفردة وَامْتنع نَحْو جَاءَ زيد وَتكلم عَمْرو

стр. 135

وَأما مَا جَاءَ من قَول بعض الْعَرَب قُمْت وأصك عينه وَقَول عبد الله بن همام السَّلُولي (فَلَمَّا خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مَالِكًا) فَقيل إِنَّه على حذف الْمُبْتَدَأ أَي وَأَنا أصك وَأَنا أرهنهم وَقيل الأول شَاذ وَالثَّانِي ضَرُورَة وَقَالَ الْجِرْجَانِيّ ﵀ لَيست الْوَاو فيهمَا للْحَال بل هِيَ فيهمَا للْعَطْف وأرهن وأصك بِمَعْنى رهنت وصككت وَلَكِن الْغَرَض فِي إخراجهما على لفظ الْحَال أَن يحكيا الْحَال فِي أحد الْخَبَرَيْنِ ويدعا الآخر على أَصله فِي الْمُضِيّ كَمَا فِي قَول الشَّاعِر (وَلَقَد أَمر على اللَّئِيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لَا يعنيني)

стр. 136

فَكَمَا أَن أَمر هُنَا بِمَعْنى مَرَرْت فَكَذَلِك فِي وأرهنهم وأصك وَيبين ذَلِك أَن الْفَاء تَجِيء مَكَان الْوَاو فِي مثله كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر عَن عبد الله بن عتِيك ﵁ حِين دخل على أبي رَافع الْيَهُودِيّ حصنه قَالَ فانتهيت إِلَيْهِ فاذا هُوَ فِي بَيت مظلم لَا أَدْرِي أَيْن هُوَ من الْبَيْت فَقلت أَبَا رَافع فَقَالَ من هَذَا فَأَهْوَيْت نَحْو الصَّوْت فأضربه بِالسَّيْفِ وَأَنا دهش قَالَ قَوْله فأضربه مضارع عطفه بِالْفَاءِ على مَاض لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى مَاض قلت وَمثله أَيْضا قَول تأبط شرا (أَلا من مبلغ فتيَان فهم ... بِمَا لاقيت يَوْم رَحا بطان)

стр. 137

(بِأَنِّي قد لقِيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان) (فشدت شدَّة نحوي فَأَهوى ... لَهَا كفي بمصقول يمَان) (فأضربها بِلَا دهش فخرت ... صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وللجران) فَأتى بقوله فأضربها ليصور لِقَوْمِهِ الْحَالة الَّتِي فِيهَا تشجع على ضرب الغول حَتَّى كَأَنَّهُ يبصرهم إِيَّاهَا فَكَذَلِك مَا تقدم من قَوْلهم قُمْت وأصك وَجهه وأرهنهم مَالِكًا وَالظَّاهِر أَن مثل هَذَا لَا يُقَاس عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة الحالية وَإِن أُرِيد بِهِ حِكَايَة الْحَال وَأما إِذا كَانَ الْفِعْل منفيا فَإِنَّهُ يجوز دُخُول الْوَاو وَعدمهَا وهما سَوَاء لِأَنَّهُ يدل على الْمُقَارنَة لكَونه مضارعا وَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على الْحُصُول لكَونه منفيا وَقد اسْتثْنى ابْن مَالك الْمُضَارع الْمَنْفِيّ بلم فَجعل الْوَاو فِيهِ وَاجِبَة وَجوز خلوه عَن الضَّمِير مثل جَاءَ زيد وَلم تطلع الشَّمْس وَكَذَلِكَ أَيْضا فِي الْمَاضِي

стр. 138

لفظا أَو معنى يجوز الْوَجْهَانِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مثبتا وَيشْتَرط أَن يكون غَالِبا مَعَ قد إِمَّا ظَاهِرَة أَو مقدرَة حَتَّى تقربه إِلَى الْحَال فَيدل على المقاربة وَمُقْتَضى هَذَا أَن يجب الْوَاو فِي الْمَاضِي الْمَنْفِيّ لانْتِفَاء الْمَعْنيين لكنه لم يجب فِيهِ بل كَانَ مثل الْمُثبت أما الْمَنْفِيّ بلما فَلِأَنَّهَا للاستغراق وَأما الْمَنْفِيّ بغَيْرهَا فَلِأَنَّهُ لما دلّ على انْتِفَاء مُتَقَدم وَكَانَ الأَصْل اسْتِمْرَار ذَلِك حصلت الدّلَالَة على الْمُقَارنَة عِنْد إِطْلَاقه بِخِلَاف الْمُثبت فَإِن وضع الْفِعْل على إِفَادَة التجرد وَتَحْقِيق هَذَا أَن اسْتِمْرَار الْعَدَم لَا يفْتَقر إِلَى سَبَب بِخِلَاف اسْتِمْرَار الْوُجُود وَالله أعلم

стр. 139

٢٣ - فصل ملخص من كَلَام عبد القاهر فِي سر الرَّبْط بِالْوَاو) ذكر الإِمَام عبد القاهر الْجِرْجَانِيّ هُنَا فصلا بديعا فِي سر امْتنَاع الْوَاو من بعض الْجمل الحالية ودخولها على بَعْضهَا إِمَّا على وَجه اللُّزُوم أَو الْأَوْلَوِيَّة أَو يكون دُخُولهَا وَعدمهَا على السوَاء ملخصة أَن الْخَبَر يَنْقَسِم إِلَى مَا هُوَ خبر من الْجُمْلَة لَا تتمّ الْفَائِدَة إِلَّا بِهِ كَخَبَر الْمُبْتَدَأ وَالْفِعْل للْفَاعِل وَإِلَى مَا هُوَ زِيَادَة فِي خبر آخر سَابق لَهُ وَهُوَ الْحَال فَإِنَّهَا خبر فِي الْحَقِيقَة من حَيْثُ إِنَّك تثبت بهَا الْمَعْنى لذِي الْحَال كَمَا تثبته بِخَبَر الْمُبْتَدَأ للمبتدأ وبالفعل للْفَاعِل إِلَّا أَن الْفرق بَينهمَا أَنَّك فِي خبر الْمُبْتَدَأ أثبت الْمَعْنى لَهُ ابْتِدَاء وجردته لَهُ بِالْمُبَاشرَةِ من غير وَاسِطَة وَفِي الْحَال مثل جَاءَ زيد رَاكِبًا جِئْت بِهِ لتريد معنى خَاصّا فِي إخبارك عَنهُ بالمجيء وَهُوَ أَن تَجْعَلهُ بِهَذِهِ الْهَيْئَة فِي مَجِيئه وَلم تجرد إثباتك للرُّكُوب وَلم تباشره بِهِ ابْتِدَاء بل على سَبِيل التبع لغيره فَإِذا عرف ذَلِك فَكل جملَة جَاءَت حَالا ثمَّ امْتنعت من الْوَاو فَذَاك لِأَنَّك عَمَدت إِلَى الْفِعْل الْوَاقِع فِي صدرها فضممته إِلَى الْفِعْل الأول فِي إِثْبَات وَاحِد وكل جملَة وَقعت حَالا ثمَّ اقْتَضَت الْوَاو فَأَنت مُسْتَأْنف بهَا خَبرا غير قَاصد إِلَى أَن تضمها إِلَى الْفِعْل الأول فِي إِثْبَات وَاحِد

стр. 140

فَإِذا قلت جَاءَ زيد يسْرع كَانَ بِمَنْزِلَة قَوْلك مسرعا فِي أَنَّك تثبت مجيئا فِيهِ إسراع وَتجْعَل الْكَلَام خَبرا وَاحِدًا فكأنك قلت جَاءَنِي بِهَذِهِ الْهَيْئَة وَكَذَلِكَ قَوْله (مَتى أرى الصُّبْح قد لاحت مخايله ... ) هُوَ فِي تَقْدِير مَتى أرى الصُّبْح لائحا باديا بَينا وعَلى هَذَا الْقيَاس وَإِذا قلت جَاءَنِي زيد وَغُلَامه يسْعَى بَين يَدَيْهِ وَرَأَيْت زيدا وسيفه على كتفه كَانَ الْمَعْنى أَنَّك أثبت الْمَجِيء والرؤية ثمَّ استأنفت خَبرا وابتدأت إِثْبَاتًا لسعي الْغُلَام بَين يَدَيْهِ وَلكَون السَّيْف على عَاتِقه فَلَمَّا كَانَ الْمَعْنى أَنَّك استأنفت خَبرا آخر احتجت إِلَى مَا يرْبط الْجُمْلَة الثَّانِيَة بِالْأولَى فجيء بِالْوَاو كَمَا جِيءَ بهَا فِي قَوْلك زيد منطلق وَعَمْرو ذَاهِب وتسميتها وَاو الْحَال لَا تخرجها عَن أَن تكون مجتلبة لضم جملَة إِلَى جملَة ونظيرها الْفَاء فِي جَوَاب الشَّرْط فَإِنَّهَا وَإِن لم تكن عاطفة بِمَعْنى أَنَّهَا تدخل مَا بعْدهَا فِي حكم الشَّرْط الْمُعَلق عَلَيْهِ بالْخبر لَا يُخرجهَا أَن تكون بِمَنْزِلَة العاطفة بِمَعْنى أَنَّهَا جَاءَت لتربط جملَة لَيْسَ من شَأْنهَا أَن ترتبط بِنَفسِهَا وكما أَن الْمُضَارع إِذا وَقع جَوَابا للشّرط لم يحْتَج إِلَى الْفَاء فِي الْجَزَاء فَكَذَلِك لَا يحْتَاج إِلَى الْوَاو فِي الْحَال قِيَاسا سويا وَإِنَّمَا امْتنع فِي قَوْلك جَاءَ زيد وَهُوَ يسْرع أَن يدْخل الْإِسْرَاع فِي صلَة الْمَجِيء ويضامه فِي الْإِثْبَات كَمَا كَانَ ذَلِك فِي جَاءَ زيد يسْرع لِأَنَّك إِذا أعدت ذكر زيد فَجئْت بضميره الْمُنْفَصِل كَانَ بِمَنْزِلَة أَن تعيد اسْمه صَرِيحًا فَتَقول جَاءَنِي زيد وَزيد يسْرع فَلَا تَجِد سَبِيلا إِلَى أَن تدخل يسْرع فِي صلَة الْمَجِيء وتضمه إِلَيْهِ فِي الْإِثْبَات لِأَن إِعَادَة ذكر زيد إِنَّمَا يكون لقصد اسْتِئْنَاف الْخَبَر عَنهُ وَإِلَّا كنت تَارِكًا اسْمه الَّذِي جعلته مُبْتَدأ بمضيعة كَمَا لَو

стр. 141

قلت جَاءَنِي زيد وَعَمْرو يسْرع أَمَامه وَجعلت يسْرع لزيد وَحَالا مِنْهُ وَجعلت عمرا لَغوا وَذَلِكَ الْحَال فَإِن قلت إِنَّمَا اسْتَحَالَ ذَلِك من حَيْثُ كَانَ فِي يسْرع ضمير لعَمْرو وتضمنه ضمير عَمْرو يمْنَع أَن يكون لزيد وَأَن يقدر حَالا لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك جَاءَنِي زيد وَهُوَ يسْرع لِأَن السرعة هُنَاكَ لزيد لَا محَالة فَلَا يُقَاس إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى فَجَوَابه أَن الْمَانِع لَيْسَ هُوَ أَن يكون يسْرع فِي قَوْلك جَاءَنِي زيد وَعَمْرو يسْرع أَمَامه حَالا من زيد وَهُوَ فعل لعَمْرو فَإنَّك لَو أخرت عمرا فَرَفَعته بيسرع وَقلت جَاءَنِي زيد يسْرع عَمْرو أَمَامه صَحَّ جعله حَالا من زيد مَعَ أَنه فعل لعَمْرو فَتعين أَن يكون الْمَانِع تَركك عمرا بمضيعة إِذْ جعلته حَالا مُبْتَدأ لَا خبر لَهُ ويفضي بك ذَلِك إِلَى أَن يكون يسْرع فِي مَوضِع نصب لكَونه حَالا من زيد وَفِي مَوضِع رفع لكَونه خَبرا عَن عَمْرو الْمَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَذَلِكَ بَين التدافع وَهَذَا الْمَانِع لَا تَجدهُ إِذا أخرت عمرا وَصَارَ بِمَثَابَة قَوْلك جَاءَنِي زيد مسرعا عَمْرو أَمَامه ثمَّ ذكر الْجِرْجَانِيّ بعد ذَلِك أَنه يَنْبَغِي على هَذَا الأَصْل أَن لَا تَجِيء جملَة من مُبْتَدأ وَخبر حَالا إِلَّا مَعَ الْوَاو وَقَالَ هَذَا هُوَ الأَصْل وَمَا جَاءَ من ذَلِك بِغَيْر وَاو فمؤول بالمفرد مثل كَلمته فوه إِلَى فِي أَي مشافها وَرجع عوده على بدئه أَي ذَاهِبًا فِي طَرِيقه وَكَذَلِكَ بَقِيَّة أَمْثَاله وَلَيْسَ الْحمل على الْمَعْنى وتنزيل الشَّيْء منزلَة غَيره قَلِيلا فِي كَلَامهم وَقد قَالُوا زيد اضربه فأجازوا أَن يكون الْأَمر فِي مَوضِع الْخَبَر لِأَن الْمَعْنى اضْرِب زيدا وَوضع الْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر مَوضِع الْفَاعِل وَفعله فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿أدعوتموهم أم أَنْتُم﴾

стр. 142

صامتون) لِأَن الأَصْل فِي المعادلة أَن تكون الثَّانِيَة كالأولى نَحْو أدعوتموهم أم صمتم ثمَّ قَالَ وَيجوز أَن يكون مَا جَاءَ من قَوْلك إِنَّمَا جَاءَ على إِرَادَة الْوَاو كَمَا جَاءَ الْمَاضِي على إِرَادَة قد قلت وَهَذَا فِيهِ نظر لَا يخفى وَالْأولَى تَأْوِيله بالمفرد لِأَن الأَصْل فِيهِ حِينَئِذٍ أَلا تكون فِيهِ وَاو وَالله أعلم

стр. 143

٢٤ - فصل اسْتِعْمَال الْوَاو فِي الْحَال عِنْد الْأُصُولِيِّينَ ذكر الْبَزْدَوِيّ وَغَيره من أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة أَن اسْتِعْمَال الْوَاو فِي الْحَال على وَجه الْمجَاز والاستعارة والعلاقة مُطلق الْجمع وَهَذَا مُقْتَضى مَا تقدم قَرِيبا عَن الْجِرْجَانِيّ أَن وَاو الْحَال لَا تنفك عَن معنى الْعَطف لما تضمن من ضم جملَة إِلَى جملَة وَالَّذِي صرح بِهِ الإِمَام فَخر الدّين فِي بعض مباحثه أَنَّهَا مُشْتَركَة بَين الْعَطف وَالْحَال وَمُقْتَضى كَلَامه كَمَا سَيَأْتِي أَنَّهَا لَا تكون مُشْتَركَة فِي غير هذَيْن تقليلا للاشتراك وَفِي ذَلِك نظر لِأَن وَاو الْقسم وواو رب لَا جَامع بَينهمَا وَبَين العاطفة فادعاء الِاشْتِرَاك بَين هَذِه الْمعَانِي وَأَن تكون مجَازًا فِي الْحَال أولى لوُجُود العلاقة بَين العاطفة وواو الْحَال وَقد قصر بعض المصنفين القَوْل بالاشتراك على قسم الْأَسْمَاء وَالْأَظْهَر أَنه يجْرِي أَيْضا فِي الْأَفْعَال والحروف

стр. 144

وَصرح فَخر الدّين وَجُمْهُور أَصْحَابه بِوُقُوع الِاشْتِرَاك فِي الْحُرُوف محتجين بإطباق أَئِمَّة الْعَرَبيَّة على ذَلِك والبحث الَّذِي أَشَرنَا إِلَيْهِ عَن الإِمَام فَخر الدّين هُوَ على قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ وَإنَّهُ لفسق﴾ فَإِنَّهُ احْتج بهَا على حل مَتْرُوك التَّسْمِيَة عكس مَا تعلق بِهِ الْمُخَالف وَوجه استدلاله بِهِ أَن الْوَاو للْعَطْف أَو للْحَال لِأَن الِاشْتِرَاك خلاف الأَصْل فتقليله أقل مُخَالفَة للدليل والعطف هُنَا ضَعِيف لِأَن عطف الْجُمْلَة الاسمية على الْجُمْلَة الفعلية قَبِيح لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا لضَرُورَة كَمَا فِي آيَة الْقَذْف وَالْأَصْل عدمهَا هُنَا وَإِذا تعين أَن يكون للْحَال كَانَ تَقْدِير الْآيَة وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ حَال كَونه فسقا لَكِن الْفسق هُنَا غير مُبين وَبَيَانه فِي الْآيَة الْأُخْرَى وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَو فسقا أهل لغير الله بِهِ﴾ فَصَارَ الْفسق مُفَسرًا بِأَنَّهُ الَّذِي أهل لغير الله بِهِ فَيبقى تَقْدِير الْآيَة وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ حَال كَونه مهلا بِهِ لغير الله ثمَّ استفتح القَوْل على حل مَتْرُوك التَّسْمِيَة من أَن تَخْصِيص التَّحْرِيم بِالصّفةِ يَقْتَضِي نفي الحكم عَمَّا عدهَا وَمن قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ﴾ الْآيَة وَمن غير ذَلِك هَذَا ملخص بَحثه

стр. 145

وَاعْترض عَلَيْهِ الْمجد الروذراوي بِأُمُور أَحدهَا منع انحصار الِاشْتِرَاك فِي الْعَطف وَالْحَال فقد يَجِيء للاستئناف كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد مننا على مُوسَى وَهَارُون﴾ وَأَمْثَاله وَكَذَلِكَ فِي هَذِه الْآيَة فِي موضِعين أَحدهمَا ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ وَالثَّانِي ﴿وَإِن أطعتموهم إِنَّكُم لمشركون﴾ وَثَانِيها منع أَنَّهَا وَاو الْحَال قَالَ وَلَا يلفى فِي كَلَام الْعَرَب وَاو مقترنة بإن وَاللَّام فِي خَبَرهَا وَهِي للْحَال وَثَالِثهَا منع الْإِجْمَال فِي لفظ الْفسق فَإِنَّهُ مُطلق الْخُرُوج عَن الطَّاعَة وَلَو سلم فِيهِ الْإِجْمَال فَمَا الدَّلِيل على أَن بَيَانه فِي قَوْله ﴿أَو فسقا أهل لغير الله بِهِ﴾ وَرَابِعهَا أَن الضَّمِير فِي ﴿وَإنَّهُ لفسق﴾ لَا يَصح عوده إِلَى الْمَذْبُوح لِأَنَّهُ مجَاز مَحْض وَالظَّاهِر أَنه يعود إِلَى الْأكل الَّذِي دلّ عَلَيْهِ قَوْله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ فَيبْطل الِاسْتِدْلَال بِهِ على كَونه مُبَاحا لِأَن النَّهْي عَنهُ يدل على تَحْرِيمه فَيكون أكله محرما وفسقا فَلَا يكون مُبَاحا وخامسها أَن مَا ذكره من تَقْدِير الْآيَة ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ حَال كَونه مهلا بِهِ لغير الله أخص مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ لانقسام ذَلِك إِلَى مَا يهل بِهِ لغير الله وَإِلَى مَا لَا يهل بِهِ لأحد وَالْحمل على الْأَعَمّ أولى لِأَنَّهُ أَعم فَائِدَة وسادسها أَن التَّمَسُّك بِهِ فِي الْإِبَاحَة بِمَفْهُوم الصّفة إِثْبَات متنازع فِيهِ لِأَن الْخصم يُخَالف فِي ذَلِك أَيْضا وَهُوَ اخْتِيَار فَخر الدّين فِي الْمَحْصُول فَكيف يحْتَج بِهِ هُنَا وَذكر كلَاما كثيرا لَا فَائِدَة فِي مثله وَلَيْسَ من غرضنا وَمَعَ ذَلِك فَلَا بُد من إِثْبَات عَمَّا فِي هَذِه الاعتراضات
следующие страницы →