Полный текст (232 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أجَاز أَحدهمَا يُوقف على إجَازَة الآخر فَإِن اعتقهما الْمولى قبل الْإِجَازَة بِلَفْظ وَاحِد لم يبطل النِّكَاح فيهمَا مُطلقًا لِأَنَّهُ لم يتَحَقَّق الْجمع بَين الْحرَّة وَالْأمة لَا فِي حَال العقد وَلَا فِي حَال الْإِجَازَة لَكِن لم يبْق لاجازة الْمولى أثر
وَإِن أعتقهما مفترقا فِي زمانين سقط حق الْمولى من الْإِجَازَة فِي حق الأولى وَبَقِي مَوْقُوفا على إجَازَة الزَّوْج وَبَطل النِّكَاح فِي الثَّانِيَة لِأَنَّهُ يلْزم قبل عتقهَا الْجمع بَين الْحرَّة وَالْأمة حَالَة الْإِجَازَة إِذْ كَانَ حق الْمولى بَاقِيا فِي إجَازَة نِكَاحهَا إِلَى أَن أعْتقهَا
وَلَو قَالَ هَذِه حرَّة وَهَذِه حرَّة كَانَ كَمَا لَو أعتقهما فِي وَقْتَيْنِ وَهَذَا مشْعر بِأَن الْوَاو عِنْدهم للتَّرْتِيب
قَالُوا وَلَيْسَ ذَلِك لهَذَا الْمَعْنى بل لِأَنَّهُ لما عتقت الأولى وَحدهَا خرج نِكَاح الثَّانِيَة عَن أَن يكون محلا للْوَقْف فَإِنَّهُ إِذا تزوج أمة نِكَاحا مَوْقُوفا بَطل نِكَاح الْأمة وَإِذا خرجت الْأمة الَّتِي لم تعْتق عَن عَن أَن تبقى محلا للنِّكَاح الْمَوْقُوف
стр. 72
بَطل نِكَاحهَا وَذَلِكَ أَمر زَائِد غير كَون الْوَاو للتَّرْتِيب أَو للمعية
٧ - وَمِنْهَا على مَا عِنْدهم أَيْضا إِذا زوج أُخْتَيْنِ فِي عقدين من رجل غَائِب بِغَيْر إِذْنه ثمَّ بلغه الْخَبَر فَإِن أجَاز نِكَاحهمَا مَعًا بطلا كَمَا لَو بَاشر العقد بِنَفسِهِ وَإِن أجَاز نِكَاح كل مِنْهُمَا مُتَفَرقًا بَطل فِي الثَّانِيَة وَإِن قَالَ أجزت نِكَاح هَذِه وَهَذِه بطلا أَيْضا كَمَا لَو أجَاز نِكَاحهمَا مَعًا
وَهَذَا يشْعر بِأَن الْوَاو للمعية وَهِي عكس الَّتِي قبلهَا فِيمَا إِذا قَالَ هَذِه حرَّة وَهَذِه حرَّة وَفرقُوا بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَن الْكَلَام إِذا كَانَ آخِره يُغير أَوله فَلِأَنَّهُ يتَوَقَّف أَوله عَلَيْهِ كَمَا هُوَ يتَوَقَّف على الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء وَإِذا لم يُغير آخِره أَوله لم يتَوَقَّف عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَة الأولى فَإِن إِعْتَاق الْأمة الثَّانِيَة لَا يُغير إِعْتَاق الأولى لِأَن نِكَاح الأولى يبْقى صَحِيحا مَوْقُوفا كَمَا كَانَ وَإِنَّمَا أثر الثَّانِي فِي صِحَة نَفسه لَا فِي تَغْيِير الأول لَو صَحَّ فَلم يتَوَقَّف الْكَلَام عَلَيْهِ وَإِذا لم يتَوَقَّف فسد الثَّانِي
وَأما فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَوله أجزت نِكَاح هَذِه وَهَذِه آخر الْكَلَام يُغير أَوله لِأَنَّهُ إِذا لم يضم الثَّانِيَة إِلَى الأولى يَصح نِكَاح الأولى وَإِذا ضم الاجازة إِلَيْهَا بَطل نِكَاحهمَا للْجمع بَينهمَا فَينزل ذَلِك منزلَة الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء المتصلين بالْكلَام بِخِلَاف مَا إِذا أجَاز نِكَاح كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي وَقت فَإِنَّهُ لم يتَّصل بآخر الْكَلَام مَا غير أَوله إِذْ كل اجازة مُنْفَرِدَة بِنَفسِهَا فاقتصر الْبطلَان على الثَّانِيَة
стр. 73
هَذَا حَاصِل مَا وجهوا بِهِ هَذِه الْمَسْأَلَة وَفرقُوا بَينهمَا وَبَين الَّتِي قبلهَا وَلَا يخفى مَا فِي ذَلِك من الضعْف
وَالْفرق ظَاهر بَين هَذِه وَبَين اتِّصَال الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء بِمَا قبله لِأَن مَا اتَّصل بِهِ الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء الْكَلَام فِيهِ جملَة وَاحِدَة فَاعْتبر بآخرها بِخِلَاف قَوْله أجزت نِكَاح هَذِه وَنِكَاح هَذِه فَإِنَّهُمَا جملتان وَإِن كَانَتَا معطوفتين فَلم يحصل تدافع كَمَا فِي قَوْله أجزت نِكَاحهمَا فيبطلان جَمِيعًا لِأَنَّهُ لَيْسَ إِحْدَاهمَا بِتَعْيِين الصِّحَّة أولى من الْأُخْرَى فَيبْطل فيهمَا
وَأما فِي هَذِه الصُّورَة فقد تعيّنت الأولى للصِّحَّة بإفرادها بالاجازة فَيَنْبَغِي أَن تتَعَيَّن الْأُخْرَى للبطلان وَلَا أثر لاتصال الْكَلَام وإلزامهم من هَذِه الْمَسْأَلَة أَن الْوَاو عِنْدهم يَقْتَضِي الْجمع بِقَيْد الْمَعِيَّة ظَاهر وَالله أعلم
٨ - وَمِنْهَا على قاعدتهم أَيْضا إِذا قَالَ من مَاتَ أَبوهُ عَن ثَلَاثَة أعبد قيمتهم على السوَاء أعتق أبي هَذَا وَهَذَا وَهَذَا فَإِن قَالَه بِكَلَام مُتَّصِل عتق من كل وَاحِد ثلثه على قاعدتهم وَلَا قرعَة وَإِن أقرّ بذلك فِي زمن متفرق عتق الأول بِكَمَالِهِ وَنصف الثَّانِي وَثلث الثَّالِث أما عتق الأول بِكَمَالِهِ فَلِأَن الْوَارِث أقرّ بِعِتْقِهِ وَحده وَالثلث يحْتَملهُ بِعِتْق من غير استسعاء ثمَّ لما أقرّ بِالثَّانِي مُنْفَصِلا عَن الأول وَلم يُغير ذَلِك حكم الأول لِأَن الْكَلَام غير مُتَّصِل فَلم يُغير آخِره أَوله لكنه بِمُقْتَضى إِقْرَاره زعم أَن الثُّلُث بَينه وَبَين الأول نِصْفَيْنِ وَلم يصدق فِي إبِْطَال حق الأول لما ذَكرْنَاهُ وَصدق فِي إِثْبَات حق الثَّانِي فَيعتق مِنْهُ نصفه ثمَّ لما أقرّ بِعِتْق الثَّالِث زعم أَن الثُّلُث بَينهم أَثلَاثًا لكنه لم يصدق فِي إبِْطَال حق الْأَوَّلين لعدم اتِّصَال الْكَلَام فَيعتق من الثَّالِث ثلثه
стр. 74
وَأما إِذا أقرّ بذلك بِكَلَام مُتَّصِل فَمُقْتَضى قَوْله إِنَّه يعْتق من كل وَاحِد ثلثه أَن يكون الْوَاو للْجمع بِقَيْد الْمَعِيَّة عِنْدهم وَقد انفصلوا عَنهُ بِمَا تقدم فِي الَّتِي قبل هَذِه أَن آخر الْكَلَام يُغير أَوله فاعتد بجملته كَمَا فِي حَالَة الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء وَذَلِكَ أَنه لَو سكت على الْإِقْرَار بِعِتْق الأول نفذ فِيهِ وَحده فَإِذا وصل بِكَلَامِهِ الْإِقْرَار بِعِتْق الثَّانِي وَالثَّالِث تغير حكم الأول من عتق إِلَى تشقيص واستسعاء فَكَانَ دافعا لحكم الأول وَكَذَا حكم الثَّانِي مَعَ الثَّالِث بِالنِّسْبَةِ إِلَى قدر مَا يتَعَلَّق مِنْهُ كَمَا تقدم فَلَمَّا كَانَ كَذَلِك توقف أول الْكَلَام وأوسطه على آخِره وَعتق من كل وَاحِد ثلثه
هَذَا حَاصِل مَا وجهوا بِهِ هَذِه الْمَسْأَلَة وفيهَا النّظر الْمُتَقَدّم
٩ - وَمِنْهَا إِذا قَالَ فِي مرض مَوته سَالم حر وغانم حر وَكَانَ الثُّلُث لَا يحْتَمل إِلَّا أَحدهمَا فَإِنَّهُ ينفذ عتق الأول لَا لِأَن الْوَاو للتَّرْتِيب بل لِأَن عتق الأول نفذ عَن غير مَوْقُوف على شَيْء فَلم يُصَادف عتق الثَّانِي محلا للنفوذ
هَذَا مَا جزم بِهِ أَصْحَابنَا وَمُقْتَضى قَاعِدَة الْحَنَفِيَّة الْمَذْكُورَة آنِفا أَن الثُّلُث يتقسط عَلَيْهِمَا بالتشقيص لِأَنَّهُ باتصال كَلَامه دفع آخِره أَوله فاعتبرا كَالْكَلَامِ الْوَاحِد
стр. 75
أما إِذا قَالَ سَالم وغانم وواثق أَحْرَار وَلم يَحْتَمِلهُمْ الثُّلُث فَإِنَّهُ يقرع بَينهم على قَاعِدَة الشَّافِعِي الَّتِي دلّ عَلَيْهَا الحَدِيث وَيعتق من كل مِنْهُم ثلثه عِنْد الْحَنَفِيَّة على قاعدتهم وَلَيْسَ ذَلِك لِأَن الْوَاو للمعية بل لِأَن الْأَخْبَار بحريتهم كَانَ بعد تسميتهم فَهُوَ كَمَا لَو عينهم جَمِيعًا بِكَلِمَة وَاحِدَة مُخَاطبا لَهُم وَذَلِكَ قدر زَائِد على كَون الْوَاو للْجمع بِقَيْد الْمَعِيَّة كَمَا أَن فِي الأول لَا يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهَا للتَّرْتِيب وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
стр. 76
١٣ - فصل الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة للتقديم والاهتمام
تقدم كَلَام سِيبَوَيْهٍ أَنهم يقدمُونَ فِي كَلَامهم مَا هم بِهِ أهم وببيانه أعنى وَإِن كَانَا جَمِيعًا يهمانهم ويعنيانهم
وَهَذَا ذكره بعد بَيَانه أَن الْوَاو لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب قَالَ فَتَقول صمت شعْبَان ورمضان وَإِن شِئْت صمت رَمَضَان وَشَعْبَان بخلال الْفَاء وَثمّ
وَقَالَ عقيبة إِلَّا أَنهم يقدمُونَ فِي كَلَامهم إِلَى أَخّرهُ
وَهَذَا يَسْتَدْعِي بَيَان الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة للتقديم والاهتمام ليترتب عَلَيْهَا مُنَاسبَة الْمَوَاضِع المعطوفة فِي مَوَاضِع من الْكتاب وَالسّنة قدم بَعْضهَا على بعض لحكمة تَقْتَضِي التَّقْدِيم فِي ذَلِك الْمقَام من حَيْثُ الْمَعْنى أما من حَيْثُ اللَّفْظ فقد يُرَاعى سَبَب ذَلِك فَيقدم بعض الْأَلْفَاظ على بعض بِحَسب الخفة والثقل كَقَوْلِهِم ربيعَة وَمُضر وَكَانَ تَقْدِيم مُضر أولى لشرفها بِالنَّبِيِّ ﷺ ولاتساع قبائلها وَكَثْرَة فضائلها وَلَكِن قدمت ربيعَة لِكَثْرَة الحركات وتواليها فِي لفظ مُضر فَإِذا أخرت وقف عَلَيْهَا بِالسُّكُونِ فتقل حركاتها وَلَكِن اعْتِبَار هَذَا قَلِيل جدا
وَالْأَكْثَر الْغَالِب إِنَّمَا هُوَ اعْتِبَار الْمَعْنى وَذَلِكَ بِأحد خَمْسَة أَشْيَاء وَهِي
стр. 77
الزَّمَان والطبع والرتبة وَالسَّبَب وَالْفضل فَإِذا سبق معنى من هَذِه الْمعَانِي إِلَى الْخلد والفكر سبق اللَّفْظ الدَّال على ذَلِك الْمَعْنى وَكَانَ ترَتّب الْكَلَام بِحَسب ذَلِك
وَهَذَا كُله على وَجه الْأَوْلَوِيَّة وَبَيَان الْمُنَاسبَة لَا على وَجه اللُّزُوم وَأَنه لَا يجوز غَيره بل وَقع خلاف ذَلِك مَعَ عدم الْمُنَاسبَة وَقد يكون فِي اللَّفْظ مَعْنيانِ من هَذِه الْخَمْسَة فَيقدم بِسَبَب أَحدهمَا فِي مَوضِع وَيُؤَخر بِسَبَب الآخر فِي مَوضِع آخر لتقدم مَا يكون أهم مِنْهُ فِي ذَلِك الْموضع بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك الْمَعْنى
فمثال التَّقْدِيم بِالزَّمَانِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن يُكذِّبُوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَقوم إِبْرَاهِيم وَقوم لوط وَأَصْحَاب مَدين وَكذب مُوسَى فأمليت للْكَافِرِينَ﴾ فَإِن تَرْتِيب هَذِه السَّبْعَة وَقع بِحَسب الزَّمَان وَكَذَلِكَ أَكثر مَا ورد فِي الْقُرْآن من سِيَاق هَذِه الْقَصَص مبسوطة كَمَا فِي الْأَعْرَاف وَهود وَالشعرَاء وَغَيرهَا وَكَذَلِكَ حَيْثُ يذكر عَاد وَثَمُود غَالِبا
وَقد جَاءَ فِي مَوَاضِع يسيرَة على خلاف ذَلِك حَيْثُ كَانَ الْمَقْصُود تعدادهم مَعَ قطع النّظر عَن التَّقْدِيم بِحَسب الزَّمَان
وَمِنْه أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿وَجعل الظُّلُمَات والنور﴾ فَإِن الظلمَة سَابِقَة على النُّور بِالزَّمَانِ كَمَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث (إِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة ثمَّ ألْقى عَلَيْهِ من نوره) وَقَالَ تَعَالَى ﴿فِي ظلمات ثَلَاث﴾ يَعْنِي ظلمَة الرَّحِم وظلمة الْبَطن وظلمة المشيمة وَكَذَلِكَ تقدم الظلمَة المعقولة وَهِي الْجَهْل
стр. 78
مَعْلُوم بضرورة الْعقل كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة﴾
وَمِثَال التَّقْدِيم بالطبع قَوْله تَعَالَى ﴿مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ وَكَذَلِكَ سَائِر مَا يتَقَدَّم من الْأَعْدَاد بَعْضهَا على بعض إِنَّمَا يتَقَدَّم بالطبع لِأَن كل رُتْبَة مِنْهُ إِنَّمَا تتركب مِمَّا قبلهَا كتقديم الْجِسْم على الْحَيَوَان وَالْحَيَوَان على الْإِنْسَان
وَمِنْه أَيْضا تَقْدِيم الْعَزِيز على الْحَكِيم وَرُبمَا كَانَ من تَقْدِيم السَّبَب على الْمُسَبّب وَقد رُوِيَ أَن أَعْرَابِيًا لَا يحفظ الْقُرْآن سمع قَارِئًا يقرآ / إِن الله حَكِيم عَزِيز / فَقَالَ مَا هَكَذَا أنزلت فَقَرَأَ ذَلِك ﴿عَزِيز حَكِيم﴾ فَقَالَ هَذَا صَحِيح عز فَلَمَّا عز حكم
وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن الْعَظِيم وَالْكَلَام كثير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين﴾ لِأَن التَّوْبَة سَبَب الطَّهَارَة وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿كل أفاك أثيم﴾ و ﴿كل مُعْتَد أثيم﴾ لِأَن الأول سَبَب الْإِثْم وَكَذَلِكَ الاعتداء
وَأما التَّقْدِيم بالرتبة فكقوله تَعَالَى ﴿هماز مشاء بنميم﴾ لِأَن الْمَشْي مُرَتّب على الْقعُود فِي الْمَكَان والهماز العياب وَذَلِكَ لَا يفْتَقر إِلَى حَرَكَة وانتقال من مَوْضِعه بِخِلَاف النميمة
стр. 79
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿مناع للخير مُعْتَد﴾ لِأَن المناع يمْنَع خير نَفسه والمعتدي يعتدي على غَيره وَنَفسه فِي الرُّتْبَة قبل غَيره
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿يأتوك رجَالًا وعَلى كل ضامر﴾ لِأَن الْغَالِب أَن من يَأْتِي رَاجِلا يكون من مَكَان قريب والراكب يَأْتِي من مَكَان بعيد على أَنه قد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ وددت أَنِّي حججْت رَاجِلا لِأَن الله تَعَالَى قدم الرجالة على الركْبَان فِي الْقُرْآن فَجعله ابْن عَبَّاس ﵁ من بَاب تَقْدِيم الْفَاضِل على الْمَفْضُول
وَمَا قدم أَيْضا اعْتِبَارا بِالسَّبَبِ فِي تَقْدِيمه على الْمُسَبّب قَوْله تَعَالَى ﴿حب الشَّهَوَات من النِّسَاء والبنين﴾
وَمِثَال التَّقْدِيم بِالْفَضْلِ والشرف قَوْله تَعَالَى ﴿من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ وَمِنْه تَقْدِيم السّمع على الْبَصَر وَتَقْدِيم سميع على بَصِير
وَجعل السُّهيْلي ﵀ من ذَلِك تَقْدِيم الْجِنّ على الْإِنْس فِي غَالب الْمَوَاضِع قَالَ لِأَن الْجِنّ يَشْمَل الْمَلَائِكَة وَغَيرهم مِمَّا اجتن على الْأَبْصَار قَالَ تَعَالَى ﴿وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا﴾ وَالْمرَاد بهم الْمَلَائِكَة
стр. 80
وَقَالَ الْأَعْشَى
(وسخر من جن الملائك سَبْعَة ... قيَاما لَدَيْهِ يعْملُونَ بِلَا أجر)
فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَيَوْمئِذٍ لَا يسْأَل عَن ذَنبه إنس وَلَا جَان﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أَن لن تَقول الْإِنْس وَالْجِنّ على الله كذبا﴾ فَإِن لفظ الْجِنّ فِي هَذِه الْآيَات لَا يتَنَاوَل الْمَلَائِكَة لبراءتهم عَن الْعُيُوب وَأَنَّهُمْ لَا يتَوَهَّم عَلَيْهِم الْكَذِب وَلَا سَائِر الذُّنُوب فَلَمَّا لم يتناولهم عُمُوم لفظ الْجِنّ لهَذِهِ الْقَرِينَة بَدَأَ بِلَفْظ الْأنس لشرفهم وفضلهم
قلت وَهَذَا يرد عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم يقصون عَلَيْكُم آياتي﴾ الْآيَة فَإِن الْمَلَائِكَة لَا يدْخلُونَ فِي لفظ الْجِنّ فِي هَذِه الْآيَة قطعا وَقد قدمهم فِي اللَّفْظ فَالَّذِي يظْهر أَن تَقْدِيم الْجِنّ
стр. 81
على الْإِنْس من التَّقَدُّم بِالزَّمَانِ لأَنهم خلقُوا قبل بني آدم وَحَيْثُ قدم الْإِنْس فِي تِلْكَ الْآيَات يكون تَقْدِيمًا بالشرف والكمال وَهَذَا كَمَا فِي تَقْدِيم السَّمَاء على الأَرْض غَالِبا فَإِنَّهُ بِالْفَضْلِ والشرف وقدمت الأَرْض عَلَيْهَا فِي مثل قَوْله ﴿وَمَا يعزب عَن رَبك من مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء﴾ بالرتبة لِأَنَّهَا مسوقة لإحصاء أَعمال المخاطبين لما تقدم من قَوْله ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ من عمل إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا﴾ فَنَاسَبَ ذَلِك هُنَا تَقْدِيم الأَرْض الَّتِي هم أَهلهَا ومستقرون فِيهَا وَهِي أقرب إِلَيْهِم من السَّمَاء
وَهَكَذَا أَيْضا تَقْدِيم السَّمِيع على الْعَلِيم فِي قَوْله ﴿سميع عليم﴾ فِي مَوَاضِع فَإِنَّهُ خبر يتَضَمَّن التخويف والتهديد فَبَدَأَ بالسميع لتَعَلُّقه بِمَا قرب كالأصوات وهمس الحركات فَإِن من يسمع حسك وخفي صَوْتك أقرب إِلَيْك فِي الْعَادة مِمَّن يُقَال لَك إِنَّه يعلم وَإِن كَانَ علم الْبَارِي سُبْحَانَهُ مُتَعَلقا بِمَا ظهر وبطن وَقرب وَبعد وَلَكِن ذكر السَّمِيع أوقع فِي بَاب التخويف من الْعَلِيم فَكَأَنَّهُ مُتَقَدم بالرتبة
وَأما تَقْدِيم الغفور على الرَّحِيم فِي الْغَالِب فَهُوَ بالطبع لِأَن الْمَغْفِرَة سَلامَة وَالرَّحْمَة غنيمَة والسلامة مَطْلُوبَة قبل الْغَنِيمَة وَجَاء فِي سُورَة سبأ تَقْدِيم الرَّحِيم على الغفور وَذَلِكَ تَقْدِيم إِمَّا بِالْفَضْلِ والكمال وَإِمَّا بالطبع أَيْضا لِأَن الْآيَة منتظمة ذكر أَصْنَاف الْخلق من الْمُكَلّفين وَغَيرهم من الْحَيَوَان فالرحمة تشملهم وَالْمَغْفِرَة تخص بعض الْمُكَلّفين والعموم مُتَقَدم بالطبع على
стр. 82
الْخُصُوص كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ و ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا واسجدوا﴾ التَّقْدِيم فِيهِ بِالزَّمَانِ وبالطبع لِأَنَّهُ انْتِقَال من علو إِلَى خفض والعلو بالطبع من حق الْقَائِم قبل الانخفاض وَأما ﴿واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ فالتقديم فِيهِ بِالْفَضْلِ لِأَن السُّجُود أفضل من الرُّكُوع لقَوْله ﷺ (أقرب مَا يكون العَبْد من ربه وَهُوَ ساجد)
وَقد تقدم عَن السُّهيْلي أَنه جعل السُّجُود وَالرُّكُوع فِي هَذِه الْآيَة من بَاب التَّعْبِير بالجزء عَن الْكل وَأَن المُرَاد بِالسُّجُود صلَاتهَا فِي بَيتهَا وبالركوع صلَاتهَا مَعَ النَّاس فِي الْمَسْجِد لقَوْله ﴿واركعي مَعَ الراكعين﴾ وَقدم الأول لفضله لِأَن أفضل صَلَاة الْمَرْأَة فِي بَيتهَا وَكَذَلِكَ عبر عَنهُ بِالسُّجُود لِأَنَّهُ أفضل من الرُّكُوع وَذكر أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وطهر بَيْتِي للطائفين والقائمين والركع السُّجُود﴾ أَن التَّقْدِيم فِيهِ بالرتبة فَبَدَأَ بالطائفين لقربهم من الْبَيْت ثمَّ بالقائمين وَالْمرَاد بهم العاكفين كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا مَا دمت عَلَيْهِ قَائِما﴾ أَي مواظبا ملازما وهم كالطائفين فِي الْقرب من الْبَيْت بل يَصح ذَلِك فِي كل مَكَان مَعَ اسْتِقْبَال الْبَيْت
стр. 83
قَالَ وَلم يعْطف السُّجُود بِالْوَاو لأَنهم هم الركع وَالشَّيْء لَا يعْطف على نَفسه وَلِأَن من لم يسْجد فِي الصَّلَاة لَا يعْتد بركوعه وَأَيْضًا فلئلا يظنّ أَن المُرَاد بِالسُّجُود الْمصدر دون النَّعْت الَّذِي هُوَ جمع
فَهَذِهِ الْمَوَاضِع تنبه على مَا وَرَاءَهَا فِي الْحِكْمَة لتقديم بعض الْأَشْيَاء فِي الذّكر على بعض
وَالله أعلم
стр. 84
١٤ - فصل قَاعِدَة الْحَنَفِيَّة فِي عطف الْجمل
تقدم من قَاعِدَة الْحَنَفِيَّة أَن الْجُمْلَة إِذا عطفت على أُخْرَى قبلهَا فَإِن كَانَت الْجُمْلَة الثَّانِيَة تَامَّة اسْتَقَلت بِنَفسِهَا وَكَانَت الْمُشَاركَة فِي أصل الحكم لَا فِي جَمِيع صِفَاته وَقد لَا تَقْتَضِي مُشَاركَة أصلا وَهِي الَّتِي تسمى وَاو الِاسْتِئْنَاف كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَإِن يَشَأْ الله يخْتم على قَلْبك ويمح الله الْبَاطِل ويحق الْحق بكلماته﴾ فَإِن قَوْله ﴿ويمح الله الْبَاطِل﴾ جملَة مستأنفة لَا تعلق لَهَا بِمَا قبلهَا وَلَا هِيَ دَاخِلَة فِي جَوَاب الشَّرْط وَحذف الْوَاو من ﴿ويمح﴾ اتبَاعا للرسم وَإِلَّا فالفعل مَرْفُوع بِدَلِيل الْعَطف عَلَيْهِ بقوله ﴿ويحق الْحق﴾
أما إِذا كَانَت الْجُمْلَة المعطوفة نَاقِصَة فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّة أَنَّهَا تشارك الأولى فِي جَمِيع ماهي عَلَيْهِ فَإِذا قَالَ هَذِه طَالِق ثَلَاثًا وَهَذِه طلقت الثَّانِيَة ثَلَاثًا أَيْضا
стр. 85
بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ وَهَذِه طَالِق فَإِنَّهَا لَا تطلق إِلَّا وَاحِدَة لاستقلال الْجُمْلَة بِتَمَامِهَا
وعَلى هَذَا بنوا بحثهم الْمَشْهُور فِي قَوْله ﷺ (لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) فِي تَخْصِيص الْجُمْلَة الأولى بالكافر الْحَرْبِيّ لعطفه الثَّانِيَة عَلَيْهَا وَهِي عِنْدهم مُقَيّدَة بِتَقْدِير الْكَافِر الْحَرْبِيّ وَقَالُوا حرف الْعَطف يَجْعَل الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ كالشيء الْوَاحِد وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَة فيهمَا فِي الحكم وتفاصيله
وَإِذا شاركت الْجُمْلَة النَّاقِصَة الأولى التَّامَّة فِيمَا تمت بِهِ بِعَيْنِه فَلَا حَاجَة إِلَى تَقْدِير شَيْء آخر من إِعَادَة شَرط أَو تَقْدِير خبر لِأَن الثَّانِيَة بعطفها أفادت مَا تفيده الأولى فَلَا فَائِدَة فِي التَّقْدِير
وَلِهَذَا إِذا قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق وَطَالِق كَانَ الثَّانِي مُعَلّقا بذلك الشَّرْط بِعَيْنِه وَلَا حَاجَة إِلَى تَقْدِير إِعَادَته
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِن دخلت هَذِه الدَّار وَإِن دخلت هَذِه الدَّار الْأُخْرَى فعلق بِدُخُول الدَّار الثَّانِيَة تِلْكَ التطليقة لَا تَطْلِيقَة أُخْرَى حَتَّى لَو دخلت الدَّاريْنِ لم تطلق إِلَّا وَاحِدَة وَلَو قدر الشَّرْط معادا لطلقت ثِنْتَيْنِ وَهَذَا يرد عَلَيْهِ الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة إِذا قَالَ هَذِه طَالِق ثَلَاثًا وَهَذِه فَإِن مُقْتَضى الشّركَة أَن تطلق كل وَاحِدَة ثِنْتَيْنِ لانقسام الثَّلَاث عَلَيْهِمَا وتكميل النَّاقِص
стр. 86
وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم وَلفُلَان جعلت الْألف منقسمة عَلَيْهِمَا عِنْدهم تَحْقِيقا للشَّرِكَة وَلَا تجْعَل كالمعاد حَتَّى يكون لكل مِنْهُمَا ألف
وَقد اعتذروا عَن ذَلِك بِأَن فِي مَسْأَلَة الطَّلَاق فهم مَقْصُود الزَّوْج وَهِي الْبَيْنُونَة الْكُبْرَى بخطاب الأولى فَكَانَت الثَّانِيَة كَذَلِك وَفِي مَسْأَلَة الْإِقْرَار لم يُعَارض ذَلِك شَيْء مَعَ اعْتِقَاده بِأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة وَقَالُوا فِيمَا إِذا قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق وفلانة إِنَّه يَقْتَضِي تَعْلِيق طَلَاق الثَّانِيَة بِدُخُول الأولى حَتَّى إِذا دخلت الأولى الدَّار طلقتا جَمِيعًا
وَمُقْتَضى قَوْلهم إِن عطف الْجُمْلَة النَّاقِصَة على الْكَامِلَة يتَضَمَّن مشاركتهما فِي الحكم أَن يكون طَلَاق الثَّانِيَة مُعَلّقا على دُخُول نَفسهَا لَا على دُخُول الأولى لكِنهمْ بنوا ذَلِك على مَا تقدم لَهُم من عدم تَقْدِير الشَّرْط الثَّانِي فَلَا يتَعَلَّق طَلاقهَا إِلَّا بِدُخُول الأولى
وَقد الْتزم ابْن الْحَاجِب فِي أثْنَاء كَلَام لَهُ فِي مُخْتَصره الأصولي أَن قَول الْقَائِل ضربت زيدا يَوْم الْجُمُعَة وعمرا يتَقَيَّد بِيَوْم الْجُمُعَة أَيْضا وَهَذَا يَقْتَضِي أَن عطف الْجُمْلَة النَّاقِصَة عِنْده على الْكَامِلَة تَقْتَضِي مشاركتها فِي أصل الحكم وتفاصيله وَذكر لي بعض الْفُضَلَاء أَن ابْن عُصْفُور اخْتَار ذَلِك أَيْضا وَلم أظفر بِهِ فِي كَلَامه
أما أَصْحَابنَا فقد اخْتلف حكمهم فِي ذَلِك فَقَالُوا فِي مَسْأَلَة الشَّرْط الْمُتَقَدّمَة إِذا قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق وفلانة إِن الثَّانِيَة تتقيد أَيْضا بِالشّرطِ وَكَذَلِكَ لَو قدم الْجَزَاء على الشَّرْط وَهُوَ ظَاهر وَقَالُوا فِيمَا إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ ألف وَدِرْهَم وَنَحْو ذَلِك إِنَّه لَا يكون الدِّرْهَم مُفَسرًا للألف بل لَهُ
стр. 87
تَفْسِيرهَا بِمَا شَاءَ وَهُوَ مَذْهَب مَالك أَيْضا
وَقَالَت الْحَنَفِيَّة إِن كَانَ الْمَعْطُوف مَكِيلًا أَو معدودا أَو مَوْزُونا تفسرت الْألف بِهِ وَهُوَ جَار على مَا تقدم من قاعدتهم فَإِن كَانَ الْمَعْطُوف مُتَقَوّما كَالثَّوْبِ وَالْعَبْد بَقِي الْعدَد الأول على إبهامه وَهَذَا وَارِد عَلَيْهِم
وَبَالغ بعض أَصْحَابنَا حَتَّى قَالَ إِذا قَالَ الْمقر لَهُ عَليّ خَمْسَة وَعِشْرُونَ درهما إِن الْخَمْسَة تكون مُبْهمَة وَالْعشْرُونَ هِيَ المفسرة بالدرهم وَلِأَن الرَّاجِح تَفْسِير الْكل بِهِ لِأَنَّهُ لَا يجب بِذكر الدِّرْهَم شَيْء زَائِد فَيكون مُفَسرًا للْكُلّ بِخِلَاف قَوْله ألف وَدِرْهَم
وَلَو قَالَ كل امْرَأَة أَتَزَوَّجهَا فَهِيَ طَالِق وَأَنت يَا أم أَوْلَادِي قَالَ أَبُو عَاصِم الْعَبَّادِيّ لَا يَقع عَلَيْهِ الطَّلَاق قبل لِأَنَّهُ النِّكَاح لَغْو وَقد رتب طَلاقهَا عَلَيْهِ قبله وَحَكَاهُ عَنهُ الرَّافِعِيّ مقررا لَهُ ثمَّ قَالَ وَيقرب من هَذَا مَا ذكره غَيره أَنه لَو قَالَ لزوجته نسَاء الْعَالمين طَوَالِق وَأَنت يَا فَاطِمَة لَا يَقع بِهِ شَيْء لِأَنَّهُ عطف طَلاقهَا على طَلَاق نسْوَة لَا يَقع طلاقهن
وَمُقْتَضى تَعْلِيل هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنه إِذا عطف الطَّلَاق على طَلَاق نَافِذ يَقع وَلَكِن الظَّاهِر أَن ذَلِك يكون كِنَايَة فتشترط النِّيَّة مَعَه بِدَلِيل أَنه لَو طلق إِحْدَى امرأتيه ثمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى اشتركت مَعهَا أَو أَنْت كهي أَو مثلهَا قَالُوا
стр. 88
إِن نوى طَلَاق الثَّانِيَة طلقت وَإِلَّا فَلَا
وَلَو طلق إِحْدَى امرأتيه ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى اشتركت مَعهَا وَلم ينْو الْعدَد قَالَ اسماعيل البوشنجي جرت مَسْأَلَة بَين يَدي أَبُو بكر الشَّاشِي فَأفْتى أَنَّهَا تطلق وَاحِدَة ثمَّ توقف البوشنجي فِي ذَلِك وَقَالَ قد أوقع على الأولى ثَلَاثًا والتشريك يَقْتَضِي أَن يكون لَهَا مثل ذَلِك فَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون قَوْله هَذِه طَالِق ثَلَاثًا وَهَذِه لَا يَقع بِهِ الثَّلَاث على الثَّانِيَة إِلَّا بِالنِّيَّةِ
وَحكى الرَّافِعِيّ عَن كتب الْحَنَفِيَّة أَنه إِذا حلف لأدخلن هَذِه الدَّار الْيَوْم أَو هَذِه بر بِدُخُول إِحْدَاهمَا ذكر ذَلِك فِيمَا ألحقهُ تماثل أَصْحَابنَا من كتبهمْ مِمَّا لَا يُخَالف أصولنا وَتَبعهُ النَّوَوِيّ على ذَلِك وَمُقْتَضى ذَلِك الحاق الْجُمْلَة المعطوفة فِي التَّقْيِيد بِالْيَوْمِ الَّتِي قبلهَا وَالله أعلم
стр. 89
١٥ - فصل إِضْمَار حرف الْعَطف
اخْتلفُوا فِي إِضْمَار حرف الْعَطف فالأكثرون على أَنه لَا يضمر لِأَن الْحُرُوف أَدِلَّة على معَان فِي نفس الْمُتَكَلّم فَلَو أضمرت لم يكن شَيْء يدل عَلَيْهَا فَلَا يهتدى إِلَى مُرَاد الْمُتَكَلّم وكما أَن حُرُوف النَّفْي والتوكيد وَالتَّمَنِّي والترجي وَنَحْوهَا لَا تضمر فَكَذَلِك حُرُوف الْعَطف وَإِمَّا إِضْمَار حُرُوف الِاسْتِفْهَام فِي بعض الْمَوَاضِع فَلِأَن للمستفهم هَيْئَة تخَالف هَيْئَة الْمخبر فَفِي الْكَلَام مَا يدل عَلَيْهِ
وَذهب أَبُو عَليّ الْفَارِسِي وَجَمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين كَابْن مَالك وَابْن عُصْفُور وَنَحْوهمَا إِلَى جَوَاز ذَلِك وَقَيده الْمُحَقِّقُونَ عِنْد فهم الْمَعْنى وَاسْتدلَّ
стр. 90
الْفَارِسِي لَهُ بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم قلت لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ توَلّوا﴾ الْآيَة قَالَ تَقْدِيره وَقلت لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ كَانَ جَوَاب ﴿إِذا﴾ قَوْله ﴿توَلّوا﴾
وَذكر أَبُو الْقَاسِم اللورقي أَن الإِمَام الشَّافِعِي حمل على هَذَا مَا اخْتَارَهُ من التَّشَهُّد (التَّحِيَّات المباركات الصَّلَوَات الطَّيِّبَات لله) بِغَيْر وَاو على مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس ﵁
وروى أَبُو زيد أَن الْعَرَب تَقول أكلت لَحْمًا لَبَنًا تَمرا وَجعل ابْن مَالك من هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناعمة﴾ بعد قَوْله ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ خاشعة﴾ وَمِنْه أَيْضا قَول الشَّاعِر
(كَيفَ أَصبَحت كَيفَ أمسيت مِمَّا ... يزرع الود فِي فؤاد السقيم)
стр. 91
وَقَول الآخر
(مَا لي لَا أبْكِي على علاتي ... صبائحي غبائقي قيلاتي)
وَقَول الآخر
(ضربا طلخفا فِي الطلى شخيتا)
يُرِيد ضربا طلخفا وشخيتا والطلخف الشَّديد والشخيت دونه فِي الشدَّة والطلى جمع طلية وَهِي صفحات الْأَعْنَاق
وأنشدوا أَيْضا قَول الآخر
(فَأَصْبَحْنَ ينشرن آذانهن فِي ... الطرح طرفا شمالا يَمِينا)
(وأمت بِنَا مشرقا مغربا ... غبارا وحبسا صحارى حزونا)
تَقْدِيره شمالا ويمينا ومشرقا ومغربا
стр. 92
وَمنع السُّهيْلي ذَلِك فِي الْآيَة الْمُتَقَدّمَة وَجعل جَوَاب ﴿إِذا﴾ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قلت لَا أجد﴾ وَقَوله ﴿توَلّوا وأعينهم﴾ إِخْبَارًا عَنْهُم وثناء عَلَيْهِم لِأَنَّهَا نزلت فِي قوم مخصوصين عرفُوا بأعيانهم قَالَ وَالْكَلَام غير مُحْتَاج إِلَى الْعَطف بِالْوَاو لِأَنَّهُ مُرْتَبِط بِمَا قبله كالتفسير لَهُ
قلت وَكَذَلِكَ الْمَنْع أَيْضا مُتَوَجّه فِي قَوْله ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناعمة﴾ إِذْ لَا ضَرُورَة إِلَى الْعَطف وَيجوز أَن يكون ذَلِك جملَة ابتدائية مستأنفة وَأما الأبيات وَإِن تَضَمَّنت إِضْمَار حرف الْعَطف فَفِيهَا كلامان أَحدهمَا أَنَّهَا قَليلَة جدا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي الْكَلَام فَلَا يَقْتَضِي ذَلِك جَوَازًا عَاما وَالثَّانِي أَنَّهَا وَإِن اقْتَضَت الْجَوَاز فَيَنْبَغِي أَن يقْتَصر بِهِ على مَا كَانَ مثلهَا حَيْثُ يكون المعطوفان متجاور غير متراخ بعضهما عَن بعض كَمَا روى أَبُو زيد من قَوْلهم أكلت لَحْمًا لَبَنًا تَمرا ليدل ذَلِك دلَالَة ظَاهِرَة على تَقْدِير العاطف بِخِلَاف مَا إِذا تخَلّل فصل فَإِنَّهُ لَا يبْقى فِي قُوَّة الْكَلَام دلَالَة على تَقْدِيره
وَقد ذكر السُّهيْلي أَن الْبَيْت الْمُتَقَدّم
(كَيفَ أَصبَحت كَيفَ أمسيت)
لم يرد الشَّاعِر فِيهِ الْعَطف إِذْ لَو أَرَادَ ذَلِك لانحصر إِثْبَات الود فِي هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ من غير مواظبة وَلَا اسْتِمْرَار عَلَيْهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يَجْعَل أول الْكَلَام تَرْجَمَة على سَائِر الْبَاب يُرِيد الِاسْتِمْرَار على هَذَا الْكَلَام والمواظبة عَلَيْهِ وعَلى مثله هُوَ الجالب للود وَالله أعلم
стр. 93
١٦ - فصل الْفَصْل والوصل
يتَّصل بِهَذَا الْكَلَام القَوْل فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يحسن فِيهَا الْإِتْيَان بِالْوَاو العاطفة وَالَّتِي يحسن فِيهَا حذفهَا أويتعين وَهُوَ الْفَنّ الْمُسَمّى بِالْفَصْلِ والوصل فِي علم الْبَيَان وَهُوَ من أدق أبوابه وأغمضها مسلكا وَلَا يقوم بِهِ إِلَّا من أُوتِيَ فِي فهم كَلَام الْعَرَب فهما دَقِيقًا وطبعا سليما ورزق فِي إِدْرَاكه ذوقا صَحِيحا
وَلِهَذَا سُئِلَ بعض الْعلمَاء عَن البلاغة فَقَالَ معرفَة الْفَصْل من الْوَصْل وَإِنَّمَا الْإِشْكَال فِي هَذَا الْبَاب فِي الْوَاو دون غَيرهَا من حُرُوف الْعَطف لِأَن تِلْكَ تفِيد مَعَ التَّشْرِيك شَيْئا زَائِدا كالترتيب فِي الْفَاء والتراخي فِي ثمَّ وكإفادة أَو أَن المُرَاد أحد الشَّيْئَيْنِ وَكَذَلِكَ الْبَقِيَّة بِخِلَاف الْوَاو فَإِنَّهَا تفِيد مُطلق الْجمع كَمَا تقدم وَهُوَ التَّشْرِيك فِي أصل الحكم أَو فِي بعض صِفَاته أَو فِي لَازم الْمُسَمّى إِمَّا ذهنا أَو عرفا وَنَحْو ذَلِك من الْجِهَات الجامعة لاقْتِضَاء الْعَطف
عطف الْجمل
وَالَّذِي يتَصَدَّى النّظر فِيهِ الْكَلَام فِي عطف الْجمل بَعْضهَا على بعض وَتَركه وَقد ذكر جمَاعَة من النجَاة لما تكلمُوا فِي إِضْمَار الْوَاو العاطفة أَن الْمُتَكَلّم بِالْخِيَارِ فِي الْجمل إِن شَاءَ عطفها وَإِن شَاءَ لم يعْطف ومثلوا ذَلِك بقوله
стр. 94
تَعَالَى ﴿سيقولون ثَلَاثَة رابعهم كلبهم وَيَقُولُونَ خَمْسَة سادسهم كلبهم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَة وثامنهم كلبهم﴾ وَهَذَا لَيْسَ بالهين وَلَا الْأَمر فِيهِ سهل كَمَا سنبينه إِن شَاءَ الله وَلَيْسَ حذف الْوَاو وإثباتها فِي هَذِه الْجمل الثَّلَاثَة على السوَاء كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
عطف جملَة لَهَا مَحل على أُخْرَى
ثمَّ الْجُمْلَة إِذا عطفت على جملَة أُخْرَى فإمَّا أَن تكون الأولى لَهَا مَحل من الْإِعْرَاب أَولا فَإِن كَانَ لَهَا مَحل من الْإِعْرَاب وَقصد التَّشْرِيك بَينهَا وَبَين الثَّانِيَة فِيهِ عطفت عَلَيْهَا كعطف الْمُفْرد على الْمُفْرد فَإِن الْجُمْلَة لَا يكون لَهَا مَحل من الْإِعْرَاب حَتَّى تكون وَاقعَة موقع الْمُفْرد فَكَمَا يشْتَرط فِي عطف الْمُفْردَات أَن يكون بَينهَا جِهَة جَامِعَة كَذَلِك يشْتَرط فِي الْجمل كَقَوْلِك زيد يكْتب ويشعر أَو يُعْطي وَيمْنَع وَعَلِيهِ حمل قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يقبض ويبسط﴾ وَلذَلِك عيب على أبي تَمام فِي بَيته الْمُتَقَدّم ذكره
(لَا وَالَّذِي هُوَ عَالم أَن النَّوَى ... صَبر وَأَن أَبَا الْحُسَيْن كريم) لعدم الْمُنَاسبَة بَين الجملتين
فَإِن لم يقْصد التَّشْرِيك بَين الجملتين فِي الْإِعْرَاب كَانَ لَهُ الْخِيَار فِي الْعَطف وَعَدَمه لكنه يتَقَيَّد بِمَا سَيَأْتِي ذكره وَرُبمَا وَرُبمَا تعين الْوَصْل أَو عدم الْعَطف كَمَا سَيَأْتِي
стр. 95
عطف جملَة لَا مَحل لَهَا على أُخْرَى
أما إِذا كَانَت الْجُمْلَة لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب فَلَا بُد فِي الْعَطف من أَن تكون الجملتان كالنظيرين والشريكين بِحَيْثُ إِذا عرف السَّامع حَال الأولى عناه أَن يعرف الثَّانِي أَو مَا يقرب من ذَلِك كَقَوْلِك زيد كَاتب وَعَمْرو شَاعِر فَإِن هَذَا خطاب لمن هُوَ متشوق لمعْرِفَة حَالهمَا فِي هَذَا الْأَمر الْمَخْصُوص وَكَذَلِكَ زيد طَوِيل وَعَمْرو قصير فَلَو قلت زيد طَوِيل الْقَامَة وَعَمْرو شَاعِر لم يكن ذَلِك حسنا إِلَّا إِذا تقدم سُؤال من مُتَكَلم عَن حَال كل مِنْهُمَا فِي ذَلِك الشَّيْء الْمَخْصُوص وَلَو قلت خرجت الْيَوْم من دَاري وَأحسن الَّذِي يَقُول كَذَا كَانَ كلَاما متهجنا لِأَن الثَّانِي لَيْسَ من الأول فِي شَيْء بِخِلَاف قَوْلك الْعلم حسن وَالْجهل قَبِيح لِأَن كَون الْعلم حسنا مضموم فِي الْعُقُول إِلَى كَون الْجَهْل قبيحا
التَّعَلُّق بَين الجملتين بالتأكيد أَو الصّفة يُوجب الْفَصْل
ثمَّ هَذِه الْجمل على قسمَيْنِ الأول أَن يكون معنى إِحْدَى الجملتين لذاته مُتَعَلقا بِمَعْنى الْأُخْرَى كَمَا إِذا كَانَت كالتوكيد لَهَا أَو الصّفة فَلَا يجوز إِدْخَال العاطف بَينهمَا لِأَن التَّأْكِيد وَالصّفة متعلقان بالمؤكد والموصوف لذاتهما والتعلق الذاتي يُغني عَن لفظ يدل على التَّعَلُّق فَمثل ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿الم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ﴾ فَإِن وزان ﴿لَا ريب فِيهِ﴾ فِي الْآيَة وزان نَفسه فِي قَوْلك جَاءَنِي الْخَلِيفَة نَفسه فَهُوَ بَيَان وَتَحْقِيق مُؤَكد لِأَنَّك لم ترد بِقَوْلِك جَاءَنِي الْخَلِيفَة الْمجَاز فَكَذَلِك الْآيَة فَإِنَّهُ لما بولغ فِي وَصفه
стр. 96
بالكمال وبلوغه الدرجَة القصوى مِنْهُ لجعله الْمُبْتَدَأ ذَلِك وَتَقْدِير الْخَبَر بِاللَّامِ فَكَانَ نفي الريب عَنهُ تَأْكِيدًا لكماله كَأَنَّهُ قَالَ هُوَ ذَلِك الْكتاب
وَمثله قَوْله ﴿سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ﴾ فَإِن معنى قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُؤمنُونَ﴾ معنى مَا قبله وَكَذَلِكَ أَيْضا قَوْله تَعَالَى بعده ﴿ختم الله على قُلُوبهم﴾ تَأْكِيد ثَان لِأَن عدم التَّفَاوُت بَين الانذار وَعَدَمه لَا يَصح إِلَّا فِي حق من لَيْسَ لَهُ قلب يخلص إِلَيْهِ الْحق وَسمع تدْرك بِهِ حجَّة وبصر تثبت بِهِ عِبْرَة
وَقَوله تَعَالَى ﴿يخادعون الله وَالَّذين آمنُوا﴾ كَذَلِك أَيْضا تَأْكِيد لما قبله لِأَن المخادعة لَيست شَيْئا غير قَوْلهم ﴿آمنا﴾ مَعَ أَنهم غير مُؤمنين فَلذَلِك لم يقل ويخادعون
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا إِنَّا مَعكُمْ إِنَّمَا نَحن مستهزؤون﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ولى مستكبرا كَأَن لم يسْمعهَا كَأَن فِي أُذُنَيْهِ وقرا﴾ وَإِن كَانَ الثَّانِي أبلغ من الأول لِأَن حَال من لَا يَصح السّمع مِنْهُ أبلغ فِي عدم الِانْتِفَاع بالْكلَام من حَال من يَصح ذَلِك مِنْهُ
فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿مَا هَذَا بشرا إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم﴾ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون من التَّأْكِيد من حَيْثُ إِن الْمُرْتَفع عَن جنس البشرية من الْمَخْلُوقَات
стр. 97
لَيْسَ إِلَّا الْملك فِي عرف المستحسن الْمُعظم لذَلِك وَيحْتَمل أَن يكون من الصّفة فَإِن إِخْرَاجه من جنس البشرية تَتَضَمَّن لَا محَالة دُخُوله فِي جنس آخر وَالْقِسْمَة غير منحصرة فِي الْملك والبشر فَكَانَ جعله ملكا لِسَان الْمَقْصُود من ذَلِك الْجِنْس والتمييز عَن غَيره
وَمن مَوَاضِع التوكيد أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِن هُوَ إِلَّا ذكر وَقُرْآن مُبين﴾ وَقَوله ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾
عدم التَّعَلُّق بَين الجملتين وَوُجُود اللّبْس بالْعَطْف يُوجب الْفَصْل
الْقسم الثَّانِي أَلا يكون بَين الجملتين تعلق ذاتي فإمَّا أَن يعرض لبس من الْعَطف أَولا فَإِن عرض لبس وَجب ترك الْعَطف كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا إِنَّا مَعكُمْ إِنَّمَا نَحن مستهزؤون الله يستهزئ بهم﴾ فَإِنَّهُ لَو عطف ﴿الله يستهزئ بهم﴾ على مَا قبله لأوهم أَنه من مقول الْمُنَافِقين وَلَيْسَ مِنْهُ فَترك الْعَطف لذَلِك وَمثله أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحن مصلحون أَلا إِنَّهُم هم المفسدون﴾ فَترك الْعَطف لبَيَان أَن هَذِه الْجُمْلَة من قَول الله تَعَالَى ردا عَلَيْهِم وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا أنؤمن كَمَا آمن السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُم هم السُّفَهَاء﴾
وَهَذِه الْجمل فِي الْحَقِيقَة جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر لِأَنَّهُ تَعَالَى لما أخبر عَنْهُم بِأَنَّهُم قَالُوا كَيْت وَكَيْت شوق السَّامع إِلَى الْعلم بمصير أَمرهم وَمَا حكم بِهِ
стр. 98
عَلَيْهِم فَكَأَنَّهُ قيل وماذا يفعل الله بهم فَقَالَ ﴿الله يستهزئ بهم ويمدهم فِي طغيانهم يعمهون﴾ أَو مَاذَا حكمهم فَقَالَ ﴿أَلا إِنَّهُم هم السُّفَهَاء﴾ فحصر السَّفه فيهم وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(زعم العواذل أنني فِي غمرة ... صدقُوا وَلَكِن غمرتي لَا تنجلي)
فَإِنَّهُ لما حكى عَن العواذل أَنهم قَالُوا هُوَ فِي غمرة وَكَانَ ذَلِك مِمَّا يُحَرك السَّامع لِأَن يَقُول لَهُ فَمَا جوابك عَن ذَلِك أخرج الْكَلَام مخرجه فَقَالَ صدقُوا إِلَّا أَن ترك الْعَطف هُنَا لَا يتَعَيَّن لعدم الايهام واللبس بِخِلَاف الْآيَات الْمُتَقَدّمَة
وَأَيْضًا فَلَو عطف قَوْله ﴿الله يستهزئ بهم﴾ على مَا قبله لأوهم مشاركته فِي الِاخْتِصَاص بالظرف الْمُتَقَدّم وَهُوَ قَوْله ﴿وَإِذا خلوا إِلَى شياطينهم﴾ لِأَنَّهُ الْوَقْت الْمَقُول فِيهِ ﴿إِنَّا مَعكُمْ إِنَّمَا نَحن مستهزؤون﴾ وَلَا شكّ أَن استهزاء الله بهم وَهُوَ خذلانه إيَّاهُم واستدراجه لَهُم من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ مُتَّصِل لَا يَنْقَطِع بِكُل حَال خلوا إِلَى شياطينهم أم لم يخلوا إِلَيْهِم
أما إِذا لم يحصل من الْعَطف لبس وَلَا إِيهَام فإمَّا أَن يكون بَين الجملتين انْقِطَاع إِمَّا كَامِل أَو بِمَنْزِلَتِهِ أَو اتِّصَال كَامِل أَو بِمَنْزِلَتِهِ
стр. 99
الِانْقِطَاع بَين الجملتين يُوجب الْفَصْل
فَإِن كَانَت الثَّانِيَة مُنْقَطِعَة عَن الأولى أَو فِي معنى ذَلِك حذفت الْوَاو لِأَن الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ يَقْتَضِي مُنَاسبَة بَينهمَا كَمَا تقدم وَمن هَذَا الضَّرْب اخْتِلَاف الجملتين خَبرا وإنشاء كَقَوْلِك مَاتَ فلَان اللَّهُمَّ ارحمه أَو ﵀ لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْإِنْشَاء وَجعل السكاكي مِنْهُ قَول اليزيدي
(ملكته حُبْلَى وَلكنه ... أَلْقَاهُ من زهد على غاربي)
(وَقَالَ إِنِّي فِي الْهوى كَاذِب ... انتقم الله من الْكَاذِب)
стр. 100
وَحمله الْجِرْجَانِيّ على الِاسْتِئْنَاف وَقَول السكاكي أقوى
كَمَال الِاتِّصَال يُوجب الْفَصْل
وَإِن كَانَ بَينهمَا كَمَال الِاتِّصَال فَكَذَلِك أَيْضا لَا يعْطف إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى وَذَلِكَ بِأَن تكون الْجُمْلَة الثَّانِيَة بَدَلا من الأولى أَو عطف بَيَان أَو صفة حَقِيقِيَّة لِئَلَّا يلْزم من ذَلِك عطف الشَّيْء على نَفسه
الِاسْتِئْنَاف يُوجب الْفَصْل
وَإِن لم يكن شَيْء من ذَلِك فَإِن قصد الِاسْتِئْنَاف لم يكن عطف لِأَنَّهُ نوي بِهِ مُبْتَدأ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا أبرئ نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ وَكَذَلِكَ إِذا سيقت الْجُمْلَة الثَّانِيَة فِي معرض جَوَاب سَائل سَأَلَ كَمَا تقدم فِي الْآيَات وَالْبَيْت الْمُتَقَدّم
(صدقُوا وَلَكِن غمرتي لَا تنجلي)
وَمثله قَول أبي الطّيب
стр. 101
(وَمَا عفت الرِّيَاح لَهُ محلا ... عفاه من حدا بهم وساقا)
فَإِنَّهُ لما نفى الْفِعْل الْمَوْجُود عَن الرِّيَاح كَانَ مظنه لِأَن يسْأَل عَن الْفَاعِل
يجب الْعَطف لدفع توهم خلاف الْمَقْصُود
وَأما مَا عدا ذَلِك فيقوى فِيهِ الْعَطف بِالْوَاو وَيتَعَيَّن ذَلِك عِنْد دفع إِيهَام خلاف الْمَقْصُود كَقَوْل الْقَائِل لَا وأيدك الله وَالْوَاو فِي مثل هَذَا متعينة نَظِير تعين حذفهَا فِي تِلْكَ الْآيَات الْمُتَقَدّمَة
يحسن الْعَطف لِاتِّفَاق الجملتين فِي الْخَبَر إو الْإِنْشَاء
وَمَتى اتّفقت الجملتان فِي الْخَبَر أَو الْإِنْشَاء حسن الْعَطف كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ وَقَوله ﴿يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ وَقَوله ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا﴾
وَمثله أَيْضا إِذا اتفقتا معنى لَا لفظا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذنَا مِيثَاق بني إِسْرَائِيل لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله وبالوالدين إحسانا وَذي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَقُولُوا للنَّاس حسنا﴾
стр. 102
) بعطف ﴿قُولُوا﴾ على ﴿لَا تَعْبدُونَ﴾ لِأَنَّهُ بِمَعْنى لَا تعبدوا وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ فتقديره إِمَّا وتحسنون بِمَعْنى أَحْسنُوا وَهَذَا أبلغ من صَرِيح الْأَمر وَالنَّهْي لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قد سورع فِيهِ إِلَى الِامْتِثَال والانتهاء فَهُوَ يخبر عَنهُ
وَالْحَاصِل أَنه مَتى كَانَت الْجُمْلَة الثَّانِيَة مُطَابقَة للأولى لم يعْطف وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت مُغَايرَة لَهَا إِلَّا أَن يكون نوع ارتباط بِوَجْه جَامع
تَقْسِيم الْجَامِع إِلَى عَقْلِي ووهمي وخيالي
وَقد قسم السكاكي الْجَامِع بَين الشَّيْئَيْنِ إِلَى عَقْلِي ووهمي وخيالي أما الْعقلِيّ فَهُوَ أَن يكون بَينهمَا اتِّحَاد فِي التَّصَوُّر أَو تماثل مَعَ تبَاين يَقْتَضِي التَّعَدُّد أَو يكون بَينهمَا تضايف كَمَا فِي الْعلَّة والمعلول وَالسَّبَب والمسبب والسفل والعلو والأقل وَالْأَكْثَر فَإِن الْعقل يَأْبَى أَلا يجتمعا فِي الذِّهْن
وَأما الوهمي فَهُوَ أَن يكون بَين تصورهما شبه تماثل كلون الْبيَاض ولون الصُّفْرَة فَإِن الْوَهم يبرزهما فِي معرض المثلين وَلذَلِك حسن قَول الشَّاعِر
(ثَلَاثَة تشرق الدُّنْيَا ببهجتها ... شمس الضُّحَى وَأَبُو اسحاق وَالْقَمَر)
стр. 103
أَو تضَاد كالسواد وَالْبَيَاض والتحرك والسكون وَالْقِيَام وَالْقعُود وَالْعلم وَالْجهل وَالْحسن والقبح أَو شبه تضَاد كالسماء وَالْأَرْض والسهل والجبل فَإِن الْوَهم ينزل المتضادين والشبيهين بهما بِمَنْزِلَة المتضايفين فَيجمع بَينهمَا فِي الذِّهْن
وَأما الخيالي فَأن يكون بَين تصورهما تقارن فِي الخيال سَابق فَيجمع بَينهمَا لذَلِك وَيخْتَلف هَذَا باخْتلَاف الصُّور الثَّابِتَة فِي الخيالات ترتبا ووضوحا وَعَلِيهِ يتَخَرَّج قَوْله تَعَالَى ﴿أَفلا ينظرُونَ إِلَى الْإِبِل كَيفَ خلقت﴾ وَمَا بعْدهَا فَإِنَّهَا نزلت بِمَكَّة وَالْخطاب مَعَ أَهلهَا وَسَائِر الْعَرَب وَجل انتفاعهم فِي معاشهم بِالْإِبِلِ فَتكون عنايتهم أَولا مصروفة إِلَيْهَا وانتفاعهم مِنْهَا لَا يحصل إِلَّا بِأَن ترعى وتشرب وَذَلِكَ بنزول الْمَطَر فيكثر تقلب وُجُوههم فِي السَّمَاء ثمَّ لَا بُد لَهُم من مأوى يؤويهم وَمن حصن يتحصنون بِهِ وَلَا شَيْء لَهُم فِي ذَلِك كالجبال ثمَّ لَا غنى لَهُم لتعذر طول مكثهم فِي منزل عَن التنقل من أَرض إِلَى سواهَا فَإذْ فتش البدوي فِي خياله وجد صُورَة هَذِه الْأَشْيَاء حَاضِرَة فِيهِ على التَّرْتِيب الْمَذْكُور بِخِلَاف الحضري فَإِنَّهُ لَا يستحضر ذَلِك فِي خياله هَكَذَا فيظن النسق بجهله معيبا
فَإِن قيل قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس وَالْحج وَلَيْسَ الْبر بِأَن تَأْتُوا الْبيُوت من ظُهُورهَا﴾ أَي رابطة بَين الْأَهِلّة وَبَين إتْيَان الْبيُوت
стр. 104
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الْآيَة بكمالها ثمَّ قَالَ عقيبها ﴿وآتينا مُوسَى الْكتاب﴾ الْآيَة
قُلْنَا أما الْآيَة الأولى فسؤالهم إِنَّمَا كَانَ عَن الْحِكْمَة فِي نُقْصَان الْأَهِلّة وتمامها فَكَأَنَّهُ قيل لَهُم مَعْلُوم أَن كل مَا يَفْعَله الله سُبْحَانَهُ فَهُوَ حِكْمَة ظَاهِرَة وَفِيه الْمصلحَة لِعِبَادِهِ فدعوا السُّؤَال عَنهُ وانظروا إِلَى وَاحِدَة تفعلونها أَنْتُم لَيْسَ فِيهَا شَيْء من الْبر وَأَنْتُم تحسبونها برا وَيحْتَمل أَن يكون ذكر ذَلِك على وَجه الاستطراد فَإِنَّهُ لما بَين أَن من الْحِكْمَة فِي الْأَهِلّة مَوَاقِيت الْحَج ذكر مَا يعتاده بَعضهم من شَيْء كَانَ يَظُنّهُ سنة وَهُوَ أَنه إِذا قدم من الْحَج لَا يدْخل بَيته إِلَى من ظَهره على وَجه الاستطراد عِنْد ذكر الْحَج كَمَا فِي قَول مُوسَى ﵇ ﴿هِيَ عصاي أتوكأ عَلَيْهَا وأهش بهَا على غنمي ولي فِيهَا مآرب أُخْرَى﴾
وَأما آيَة الْإِسْرَاء فَالْمَعْنى فِيهَا أطلعناه على الْغَيْب عيَانًا وأخبرناه بوقائع من سلف ليَكُون ذَلِك تنويعا فِي معجزاته ﷺ أَي سُبْحَانَ الَّذِي أطلعك على بعض آيَاته وأخبرك بِمَا جرى لمُوسَى وَقَومه ليَكُون فِيهَا آيَة أُخْرَى
وَجَمِيع مَا فِي الْقُرْآن من الْجمل المعطوفة الْمُنَاسبَة فِيهَا ظَاهِرَة لمن تأملها وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
стр. 105
١٧ - فصل عطف الصِّفَات بَعْضهَا على بعض
وَمِمَّا يتَّصل بذلك أَيْضا الْكَلَام فِي عطف الصِّفَات بَعْضهَا على بعض وَقد تقدم أَن الْجُمْلَة إِذا كَانَت فِي معنى الصّفة لَا تعطف فالصفة الْحَقِيقِيَّة أولى بذلك لِأَنَّهَا متحدة بالموصوف والعطف يَقْتَضِي الْمُغَايرَة وَلِهَذَا جَاءَت صِفَات الله تَعَالَى غير معطوفة غَالِبا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ ﴿الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر﴾ ﴿الْخَالِق البارئ المصور﴾ لِأَنَّهَا صِفَات أزلية أبدية وَافَقت الذَّات فِي الْقدَم وَلَيْسَت مُغَايرَة
وَجَاء فِي الْقُرْآن الْعَظِيم ﴿هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿غَافِر الذَّنب وقابل التوب شَدِيد الْعقَاب ذِي الطول﴾ بعطف (قَابل التوب) دون غَيرهَا
وَقَوله تَعَالَى ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر والحافظون لحدود الله﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات﴾
стр. 106
ثيبات وأبكارا) وَقَول الشَّاعِر
(إِلَى الْملك القرم وَابْن الْهمام ... وَلَيْث الكتيبة فِي المزدحم) وَلِهَذَا كُله جوز جمَاعَة عطف الصِّفَات بِالْوَاو مُطلقًا وَحمل عَلَيْهِ من يَقُول إِن الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر مَا جَاءَ فِي الحَدِيث عَن عَائِشَة وَحَفْصَة ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ عَلَيْهِمَا (حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَصَلَاة الْعَصْر) فَقَالُوا هُوَ من بَاب عطف الصِّفَات
وَلَا شكّ أَن تَجْوِيز هَذَا على الْإِطْلَاق ينْقض قاعدتين كبيرتين إِحْدَاهمَا
стр. 107
أَن الصّفة والموصوف كالشيء الْوَاحِد وَالثَّانيَِة أَن الْعَطف يَقْتَضِي الْمُغَايرَة
وَاو الثَّمَانِية وَالرَّدّ على القَوْل بهَا
وَذكر جمَاعَة أَن الْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر﴾ وَقَوله ﴿ثيبات وأبكارا﴾ وَاو الثَّمَانِية لِأَن السَّبْعَة عدد كَامِل فَيُؤتى بعْدهَا بِالْوَاو إشعارا بذلك وحملوا عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَة وثامنهم كلبهم﴾ وَهُوَ قَول لَا دَلِيل لَهُ وَلَا أصل لَهُ
وأعجب من ذَلِك أَنهم قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ إِنَّهَا وَاو الثَّمَانِية لِأَن الْجنَّة كلهَا ثَمَانِيَة أَبْوَاب وَهُوَ تخيل عَجِيب وَالْوَاو هُنَا للْحَال كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّحْقِيق أَن الصِّفَات إِذا قصد تعدادها من غير نظر إِلَى جمع أَو انْفِرَاد لم يكن ثمَّ عطف وَإِن أُرِيد الْجمع بَين الصفتين أَو التَّنْبِيه على تغايرهما عطف بالحرف وَكَذَلِكَ إِذا أُرِيد التنويع لعدم اجْتِمَاعهمَا فَإِنَّهُ يُؤْتى بالْعَطْف أَيْضا وَكَذَلِكَ إِذا قصد رفع استبعاد اجْتِمَاعهمَا لموصوف وَاحِد فَإِنَّهَا
стр. 108
تعطف أَيْضا كَمَا فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم
(إِلَى الْملك القرم وَابْن الْهمام ... )
فَإِن الْعَطف جَاءَ هُنَا رفعا لاستبعاد من يستبعد اجْتِمَاع هَذِه الصِّفَات فِيهِ فَقَوله تَعَالَى ﴿هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن﴾ إِنَّمَا عطفت لِأَنَّهَا أَسمَاء متضادة الْمعَانِي فِي أصل الْوَضع فَرفع الْوَهم بالْعَطْف عَن من يستبعد ذَلِك فِي ذَات وَاحِدَة فَإِن الشَّيْء الْوَاحِد لَا يكون بَاطِنا ظَاهرا من وَجه وَاحِد فَكَانَ الْعَطف هَا هُنَا أحسن
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿ثيبات وأبكارا﴾ فَإِن الْمَقْصُود بِالصِّفَاتِ الأول ذكرهَا مجتمعة وَالْوَاو توهم التنويع لاقتضائها الْمُغَايرَة فَترك الْعَطف بَينهَا لبيانا اجتماعها فِي وَقت وَاحِد بِخِلَاف الثيوبة والبكورة فَإِنَّهُمَا متضادان لَا يَجْتَمِعَانِ على مَحل وَاحِد فِي آن وَاحِد فَأتى بِالْوَاو لتضاد النَّوْعَيْنِ
وَقَوله تَعَالَى ﴿غَافِر الذَّنب وقابل التوب﴾ قد يظنّ أَنَّهُمَا يجريان مجْرى الْوَصْف الْوَاحِد لتلازمهما فَمن غفر الذَّنب قبل التوب فَبين الله سُبْحَانَهُ بعطف أَحدهمَا على الآخر أَنَّهُمَا مفهومان متغايران ووصفان مُخْتَلِفَانِ يجب أَن يعْطى لكل وَاحِد حكمه وَذَلِكَ مَعَ الْعَطف أبين وأوضح
وَأما ﴿شَدِيد الْعقَاب﴾ و ﴿ذِي الطول﴾ فهما كالمتضادين فَإِن شدَّة الْعقَاب تَقْتَضِي أَيْضا الضَّرَر والا تُضَاف بالطول يَقْتَضِي اتِّصَال النَّفْع فحرف الْعَطف لبَيَان أَنَّهُمَا مجتمعان فِي ذَاته وَهِي مَوْصُوفَة بهما على الِاجْتِمَاع ليتعبد العَبْد على الرَّجَاء وَالْخَوْف دَائِما فَحسن ترك الْعَطف لهَذَا الْمَعْنى
وَأما قَوْله ﴿الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر﴾ فَكل صفة تقدّمت غير مسبوقة بِالْوَاو مُغَايرَة لِلْأُخْرَى وَالْغَرَض أَنَّهَا فِي اجتماعها كالوصف
стр. 109
الْوَاحِد لموصوف وَاحِد فَلم يحْتَج إِلَى عطف فَلَمَّا ذكر الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وهما متلازمان أَو كالمتلازمين يستمدان من مَادَّة وَاحِدَة كغفران الذَّنب وَقبُول التوب حسن الْعَطف ليبين أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُعْتَد بِهِ على حِدته لَا يَكْفِي مِنْهُ مَا يحصل فِي ضمن الآخر بل لَا بُد من أَن يُؤْتى بِكُل مِنْهُمَا بمنفرده فَحسن الْعَطف لذَلِك وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَ الْأَمر وَالنَّهْي ضدين من جِهَة أَن أَحدهمَا طلب الإيجاد وَالْآخر طلب الإعدام كَانَا كالنوعين المتغايرين فِي قَوْله ﴿ثيبات وأبكارا﴾ فَحسن الْعَطف لذَلِك
فَأَما قَوْله ﴿سَبْعَة وثامنهم كلبهم﴾ فَإِن الْوَاو لم يدْخل هُنَا دون مَا قبله إِلَّا لفائدة وَهِي التَّقْدِير لِأَن عدتهمْ سَبْعَة فَقَوله فِي الجملتين الْأَوليين ﴿رابعهم كلبهم﴾ ﴿سادسهم كلبهم﴾ هما من تَتِمَّة الْمَقُول وَلذَلِك أتبعه بقوله تَعَالَى ﴿رجما بِالْغَيْبِ﴾ وَالْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وثامنهم كلبهم﴾ قَائِمَة مقَام التَّصْدِيق لذَلِك تَقْدِيره نعم وثامنهم كلبهم كَمَا إِذا قَالَ الْقَائِل زيد كَاتب فَتَقول لَهُ وشاعر وَيكون ذَلِك تَحْقِيقا لقَوْله الأول وَلذَلِك لم يقل سُبْحَانَهُ بعده ﴿رجما بِالْغَيْبِ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْأَوليين وَقَالَ ﴿قل رَبِّي أعلم بِعدَّتِهِمْ مَا يعلمهُمْ إِلَّا قَلِيل﴾ وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه قَالَ أَنا من الْقَلِيل
وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بعد قَوْله ﴿وَجعلُوا أعزة﴾
стр. 110
أَهلهَا أَذِلَّة) فَلَيْسَتْ الْوَاو للثمانية كَمَا يَقُوله من يزْعم ذَلِك وَلَا دُخُول الْوَاو فِي الْأَخِيرَة وَتركهَا فِي الْأَوليين على السوَاء كَمَا قَالَه بعض أَئِمَّة النُّحَاة وَالله أعلم
следующие страницы →