Полный текст (232 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَكَذَلِكَ قَالَا أَيْضا فِيمَا إِذا قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا أَنْت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق إِن دخلت الدَّار فَدخلت إِنَّه يَقع عَلَيْهِ الثَّلَاث كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا وَلَو قَالَ لَهَا أَنْت طَالِق ثمَّ طَالِق لم تقع إِلَّا طَلْقَة فَيلْزم من ذَلِك أَن يكون الْوَاو للْجمع بِقَيْد الْمَعِيَّة
وَهُوَ أَيْضا مَذْهَب أَحْمد وَبَعض الْمَالِكِيَّة فَيكون ذَلِك أَيْضا قولا لَهُم
وَالْحق أَنه لَا دلَالَة فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ على القَوْل بِأَن الْوَاو للْجمع بِقَيْد الْمَعِيَّة كَمَا أَنه لَا يُؤْخَذ من قَول الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة فِي مَسْأَلَة الطَّلَاق أَنه تقع وَاحِدَة كَون الْوَاو عِنْدهمَا للتَّرْتِيب كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي مَسْأَلَة النِّكَاح أَيْضا
وَقد قَالُوا فِيمَن تزوج أمتين بِغَيْر إِذن الْمولى ثمَّ إِن الْمولى أعتقهما مَعًا إِنَّه لَا يبطل النِّكَاح مُطلقًا وَإِن أعتقهما مُتَفَرقًا بَطل فِي الثَّانِيَة وَلَو قَالَ هَذِه حرَّة وَهَذِه حرَّة كَانَ التَّفْرِيق فَيلْزم على هَذَا أَن يكون الْوَاو عِنْدهم للتَّرْتِيب وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا سَيَأْتِي أَيْضا بَيَانه
وَالْقَوْل الرَّابِع
أَن الْوَاو للتَّرْتِيب حَيْثُ يَسْتَحِيل الْجمع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا واسجدوا﴾
стр. 37
) وَهُوَ مَذْهَب الْفراء فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ كَثِيرُونَ وَبَعْضهمْ نقل عَنهُ القَوْل بالترتيب مُطلقًا كالقول الثَّانِي
فَهَذَا خُلَاصَة مَا نقل من أَقْوَالهم فِي الْوَاو
وَحكى الإِمَام أَبُو المظفر بن السَّمْعَانِيّ عَن القَاضِي أبي الْحسن الْمَاوَرْدِيّ من أَئِمَّة أَصْحَابنَا أَنه قَالَ الْوَاو لَهَا ثَلَاثَة مَوَاضِع حَقِيقَة ومجاز ومختلف فِي حَقِيقَته ومجازه
فالحقيقة أَن تسْتَعْمل فِي الْعَطف للْجمع والاشتراك كَقَوْلِك جَاءَنِي زيد وَعَمْرو وَالْمجَاز أَن تسْتَعْمل بِمَعْنى أَو كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾
والمختلف فِي حَقِيقَته ومجازه أَن تسْتَعْمل فِي التَّرْتِيب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ﴾ فَذهب جُمْهُور أهل اللُّغَة وَالْفُقَهَاء إِلَى أَنَّهَا تكون إِذا اسْتعْملت فِي التَّرْتِيب مجَازًا وَذهب بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي إِلَى أَنَّهَا تكون حَقِيقَة فِيهِ فَإِذا اسْتعْملت فِي مَوضِع يحْتَمل الْأَمريْنِ حملت على التَّرْتِيب دون الْجمع لزِيَادَة الْفَائِدَة
قَالَ الْفراء تحمل على الْجمع إِذا احتملت أَمريْن وعَلى التَّرْتِيب إِذا لم تحْتَمل غَيره يَعْنِي حَيْثُ يَسْتَحِيل الْجمع
стр. 38
١٠ - فصل فِي الْأَدِلَّة الدَّالَّة على القَوْل الأول
بِأَن الْوَاو لمُطلق الْجمع
وَهُوَ الْمَشْهُور الَّذِي رَجحه الْمُحَقِّقُونَ وَهِي وُجُوه
أَولهَا
النَّقْل عَن أَئِمَّة اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَقَوْلهمْ حجَّة وَقد وَقد قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي أجمع البصريون والكوفيون على أَنَّهَا للْجمع الْمُطلق وَكَأَنَّهُ مَا اعْتد بِخِلَاف الْفراء وَفِي ذَلِك نظر
وَقَالَ أَبُو سعيد السيرافي أجمع النحويون واللغويون من الْكُوفِيّين والبصريين إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم وَجُمْهُور الْفُقَهَاء على أَن الْوَاو للْجمع من غير تَرْتِيب
стр. 39
وَهَذِه الْعبارَة أَشد من عبارَة الْفَارِسِي وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي عول عَلَيْهِ أَبُو عَمْرو بن الْحَاجِب وَغَيره وَهُوَ يتَخَرَّج إِمَّا على عدم الِاعْتِبَار بالمخالف إِذا شَذَّ عَن الْجَمَاعَة بِأَن يكون وَاحِدًا أَو اثْنَيْنِ وَنَحْو ذَلِك وَإِمَّا على أَنه وَإِن اعْتبر خِلَافه فَالْأَظْهر أَن قَول الْجُمْهُور يكون حجَّة لِأَنَّهُ يبعد عَادَة أَن يكون الرَّاجِح هُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ الْأَقَل النَّادِر وَقد تقدم أَن سِيبَوَيْهٍ نَص على أَن الْوَاو للْجمع الْمُطلق فِي سَبْعَة عشر موضعا من كِتَابه
وَثَانِيها
الاستقراء التَّام من كَلَام الْعَرَب فِي مجيئها لما لَا يحْتَمل التَّرْتِيب أَو يَقْتَضِي خِلَافه فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وادخلوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة﴾ وَفِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿وَقُولُوا حطة وادخلوا الْبَاب سجدا﴾ والقصة وَاحِدَة فَلَو كَانَت الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب لوقع التَّنَاقُض بَين مدلولي الْآيَتَيْنِ
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا نموت ونحيا﴾ وَلَيْسَ مُرَادهم حَيَاة بعد الْمَوْت لأَنهم لم يَكُونُوا يعترفون بِهِ فَلم يبْق مُرَادهم إِلَّا
стр. 40
الْحَيَاة الَّتِي قبل الْمَوْت وَلَو كَانَت الْوَاو مرتبَة لتناقض كَلَامهم هَذَا مَعَ وُرُوده فِي الْقُرْآن الْعَظِيم
وَقَوله تَعَالَى ﴿يَا مَرْيَم اقنتي لِرَبِّك واسجدي واركعي مَعَ الراكعين﴾ وَمَا يُقَال على هَذِه من أَنه يحْتَمل أَن يكون فِي شرعهم السُّجُود قبل الرُّكُوع جَوَابه أَن الأَصْل اسْتِوَاء الشَّرَائِع فِي كَيْفيَّة أَدَاء الصَّلَاة فمجرد هَذَا الِاحْتِمَال لَا يقْدَح فِي الأَصْل حَتَّى يثبت بِدَلِيل أَنه كَانَ فِي شرعهم كَذَلِك
وَكَذَلِكَ مَا قَالَه السُّهيْلي أَن المُرَاد بِكُل من السُّجُود وَالرُّكُوع الْبعيد عَن الصَّلَاة نَفسهَا من إِطْلَاق الْجُزْء على الْكل فَكَأَنَّهُ قيل لَهَا صلي مُنْفَرِدَة فِي بَيْتك وَهُوَ المُرَاد بقوله ﴿واسجدي﴾ وَصلي مَعَ النَّاس جمَاعَة وَهُوَ المُرَاد بقوله ﴿واركعي مَعَ الراكعين﴾ فَهَذَا التَّأْوِيل فِيهِ صرف للْعَطْف عَن حقيقتة إِلَى مجازه وَتَقْيِيد لَهُ فَلَا يُصَار إِلَيْهِ أَيْضا إِلَّا بِدَلِيل وَلم يقم دَلِيل على إِرَادَة مَا ذكره
وَمن ذَلِك قَول حسان بن ثَابت ﵁
(بهاليل مِنْهُم جَعْفَر وَابْن أمه ... عَليّ وَمِنْهُم أَحْمد المتخير)
стр. 41
وَلَو كَانَت الْوَاو للتَّرْتِيب لقدم النَّبِي ﷺ على ابْني عَمه عَليّ وجعفر ﵄
وَقَالَ الآخر
(فملتنا أننا مُسلمُونَ ... على دين صديقنا وَالنَّبِيّ)
وَلَو كَانَت الْوَاو للتَّرْتِيب لقدم النَّبِي ﷺ أَيْضا
وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(فَقلت لَهُ لما تمطى بجوزه ... وَأَرْدَفَ أعجازا وناء بكلكل)
وَلَو كَانَت للتَّرْتِيب لقدم الكلكل وَهُوَ الصَّدْر ثمَّ الْجَوْز وَهُوَ الْوسط ثمَّ الأعجاز وَهِي المآخر
وَقَالَ أَبُو النَّجْم
(تعله من جَانب وتنهله)
والعلل لَا يكون إِلَّا بعد النهل بِدَلِيل قَول الْجَعْدِي
стр. 42
(وشربنا عللا بعد نهل)
وَذكر بَعضهم ذَلِك من قَول لبيد
(أغلي السباء بِكُل أدكن عاتق ... أَو جونة قدحت وفض ختامها)
والجونة الخابية المطلية بالقار وقدحت غرفت بالمغرفة وَهِي المقدحة وَيُقَال مزجت وَقيل بزلت وفض ختامها أَي كسر طينها قَالُوا وَمَعْلُوم أَنَّهَا لَا تقدح إِلَّا بعد فض ختامها
стр. 43
قلت وَفِي هَذَا الْبَيْت نظر لِأَنَّهُ يجوز أَن تكون الْوَاو حَالية وَقد مقدرَة بعْدهَا وَيكون مَعْنَاهُ قدحت وَقد فض ختامها كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ وَسَيَأْتِي ذَلِك فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله
وَقد يعْتَرض على جَمِيع هَذِه الأبيات الْمُتَقَدّمَة بِأَن التَّرْتِيب ترك فِيهَا لضَرُورَة الْوَزْن والقافية فَتكون الْوَاو اسْتعْملت فِي غير التَّرْتِيب مجَازًا لذَلِك لَكِن يُجَاب عَنهُ بِأَن الأَصْل عدم الْمجَاز إِلَّا أَن يقوم عَلَيْهِ دَلِيل فَإِن قيل دَلِيله الْأَدِلَّة الَّتِي يحْتَج بهَا على أَن الْوَاو للتَّرْتِيب فستأتي تِلْكَ الْأَدِلَّة مَعَ الْجَواب عَنْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَبِهَذَا أَيْضا اعْترض على الْآيَتَيْنِ الْمُتَقَدّم ذكرهمَا أَولا وَجَوَابه مَا ذكرنَا وَيُمكن تَحْرِير الدَّلِيل على وَجه ينْدَفع عَنهُ الِاعْتِرَاض بِأَن يُقَال لَو كَانَت الْوَاو للتَّرْتِيب للَزِمَ من هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة والأبيات الْمُتَقَدّمَة إِمَّا التَّنَاقُض وَإِمَّا الْخُرُوج عَن موضوعها بالمجاز أَو يلْزم الِاشْتِرَاك وكل من ذَلِك على خلاف الأَصْل
وَقيل أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى (نموت ونحيا) إِن المُرَاد بهَا يَمُوت من مضى وَيحيى من يُولد وَهُوَ تَأْوِيل أَيْضا على خلاف مُقْتَضى الدَّهْر
وَالَّذِي يظْهر أَنهم مَا أَرَادوا إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَات كل شخص فيهم وقصدوا بذلك إِنْكَار الْبَعْث وَقدمُوا ذكر الْمَوْت لِأَن الْوَاو لَا يَقْتَضِي ترتيبا
فَإِن قيل فقد قَالَ سِيبَوَيْهٍ عَنْهُم إِنَّهُم يقدمُونَ مَا هم بِهِ أهم وببيانه أعنى
стр. 44
فَلم عدل هُنَا إِلَى خلاف ذَلِك
قُلْنَا هَذَا وَإِن كَانَ سجيتهم فَذَلِك فِي الْغَالِب وَلَيْسَ بضربة لازب عَلَيْهِم وَأَيْضًا فقد يكون مَا قدم من ذَلِك أهم عِنْدهم فِي ذَلِك الْمقَام وَإِن لم يكن أهم مُطلقًا
وَمِمَّا جَاءَ من هَذَا الْوَجْه أَيْضا فِي الْقُرْآن الْعَظِيم قَوْله تَعَالَى ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وَعَاد وَفرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد وَثَمُود وَقوم لوط وَأَصْحَاب الأيكة﴾ وَفِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وَأَصْحَاب الرس وَثَمُود وَعَاد وَفرْعَوْن وإخوان لوط وَأَصْحَاب الأيكة وَقوم تبع﴾ فَقدم فِي آيَة مَا أَخّرهُ فِي الْأُخْرَى وَلم يلْتَزم التَّرْتِيب فَدلَّ على أَن الْوَاو لَا تَقْتَضِيه وَدلّ أَيْضا على أَن تَقْدِيم الأهم هُوَ فِي الْغَالِب وَالْأَكْثَر وَلَيْسَ بِلَازِم
الْوَجْه الثَّالِث
أَن الْوَاو اسْتعْملت فِي مَوَاضِع لَا يسوغ فِيهَا التَّرْتِيب نَحْو تقَاتل زيد وَعَمْرو واختصم بكر وخَالِد وجمعت زيدا وعمرا وَالْمَال بَين هَذَا وَهَذَا وسيان قيامك وقعودك
وَلَا يتَصَوَّر التَّرْتِيب فِي شَيْء من ذَلِك لِأَن المفاعلة لَا تكون إِلَّا من اثْنَيْنِ جَمِيعًا وَكَذَلِكَ بَقِيَّة مَا ذكر وَلَا يَصح الْإِتْيَان فِي شَيْء مِنْهَا بِالْفَاءِ وَلَا ثمَّ فَلَا تَقول تقَاتل زيد فعمرو وَلَا المَال بَين هَذَا ثمَّ هَذَا وَلَا سيان قيامك فقعودك
فَلَو كَانَت الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب لكَانَتْ فِي هَذِه الصُّور أَو لجَاز دُخُول الْفَاء وَثمّ فِيهَا
стр. 45
وَإِذا ثَبت أَنَّهَا اسْتعْملت فِي مَوَاضِع لَا يَصح فِيهَا التَّرْتِيب وَلَا تكون فِيهَا إِلَّا للْجمع الْمُطلق امْتنع اسْتِعْمَالهَا فِي التَّرْتِيب لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى الِاشْتِرَاك وَهُوَ على خلاف الأَصْل
وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي عول جُمْهُور أَئِمَّة الْعَرَبيَّة عَلَيْهِ وَقد اعْترض عَلَيْهِ بِأُمُور
أَحدهَا مَا تقدم أَن التَّرْتِيب لما امْتنع فِي هَذِه الصُّور لم يمْتَنع جعلهَا فِي الْجمع الْمُطلق على وَجه الْمجَاز بِدَلِيل تعذر التَّرْتِيب وللأدلة الدَّالَّة على أَنَّهَا للتَّرْتِيب
وَثَانِيها أَنه لَا يلْزم من التَّجَوُّز بِالْوَاو فِي هَذِه الْأَمْثِلَة فِي غير التَّرْتِيب أَن يتجوز فِيهَا بِالْفَاءِ وَثمّ إِذْ لَو قيل بذلك لَكَانَ قِيَاسا فِي اللُّغَة وَلَو سلمنَا جَرَيَان الْقيَاس فِيهَا فَهُنَا لَا يلْزم ذَلِك لقِيَام الْفرق وَهُوَ أَن الْفَاء وَثمّ يقتضيان التَّرْتِيب بطرِيق التعقيب والتراخي وَالْوَاو لَيْسَ كَذَلِك بل هِيَ لمُطلق التَّرْتِيب
على أَنه قد دخلت الْفَاء فِي بَيت كَمَا تقدم من قَول امْرِئ الْقَيْس
(بَين الدُّخُول فحومل)
وَغَيره وَدخلت أَو فِي سيان فِي قَول الشَّاعِر
(وَكَانَ سيان أَن لَا يسرحوا نعما ... أَو يسرحوه بهَا واغبرت السوح)
стр. 46
فَلم يتَعَيَّن الْوَاو فِي ذَلِك
وَثَالِثهَا أَن هَذَا الدَّلِيل يقلب بصورته فَيُقَال اسْتعْملت الْوَاو فِي مَوَاضِع كَثِيرَة للتَّرْتِيب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا واسجدوا﴾ ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ والفصال بعد الْحمل (وغيض المَاء وَقضي الْأَمر واستوت على الجودي) واستواؤها كَانَ بعد غيض المَاء وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِذا زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا وأخرجت الأَرْض أثقالها﴾ إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تعداده
وَإِذا كَانَت فِي هَذِه الْمَوَاضِع للتَّرْتِيب فَتكون فِي تِلْكَ الصُّور الَّتِي لَا يُمكن التَّرْتِيب فِيهَا مجَازًا وَإِلَّا لزم الِاشْتِرَاك وَاحْتِمَال الْمجَاز أَحَق مِنْهُ
وَالْجَوَاب عَن الأول مَا تقدم أَن الأَصْل فِي الاطلاق الْحَقِيقَة وَمَا تَدعُونَهُ من الْأَدِلَّة الْمُقْتَضِيَة لكَون الْوَاو للتَّرْتِيب وَأَنَّهَا الحاملة على جعلهَا مجَازًا فِي هَذِه الصُّور فَسَيَأْتِي الْجَواب عَن ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَعَن الثَّانِي أَن الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ جَوَاز الْفَاء وَثمّ فِي هَذِه الصُّور لَيْسَ ذَلِك بطرِيق الْقيَاس فِي اللُّغَة بل هُوَ اسْتِدْلَال بِعَدَمِ جَوَاز اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي معنى عدم جَوَاز اسْتِعْمَال مَا هُوَ مثله فِيهِ وَلَيْسَ ذَلِك من الْقيَاس فِي شَيْء بل هُوَ كاطراد أَسمَاء الفاعلين والمفعولين وَنَحْو ذَلِك وَالصَّحِيح قيام كل من
стр. 47
المترادفين مقَام الآخر إِذا كَانَا من لُغَة وَاحِدَة فَحَيْثُ لَا يَصح ذَلِك يكون دَلِيلا على عدم الترادف
وَمَا ذَكرُوهُ من الْفرق فَغير مَانع من الِاسْتِدْلَال لِأَن امْتنَاع دُخُول الْفَاء وَثمّ فِي هَذِه الْمَوَاضِع لِكَوْنِهِمَا دالتين على التَّرْتِيب الْمنَافِي للمعية لَا بخصوصية التعقيب والتراخي وَالْوَاو بِتَقْدِير أَن يكون للتَّرْتِيب يشاركهما فِي ذَلِك فيكونان مترادفين من هَذِه الْحَيْثِيَّة فَإِذا امْتنع دخولهما مَعَ صِحَة دُخُول الْوَاو لزم من ذَلِك أَلا يكون الْوَاو مثلهمَا
وَأما دُخُول الْفَاء فِيمَا بعد بَين فقد تقدم الْجَواب عَنهُ وَأَن المزاد نواحي الدُّخُول وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مثله
وَأما دُخُول أَو بعد سيان فَهُوَ من الشاذ الَّذِي لَا يُقَاس عَلَيْهِ وَقد أول ذَلِك على أَن السراح وَعَدَمه لما كَانَا متعاقدين وَلَا يكون إِلَّا أَحدهمَا جِيءَ فِيهِ بِأَو وَالْمرَاد بهَا التَّقْسِيم لتشمل الْقسمَيْنِ جَمِيعًا وَلَا تعلق لهَذَا بِكَوْن الْوَاو للتَّرْتِيب
وَعَن الثَّالِث أَن التَّرْتِيب فِي هَذِه الْمَوَاضِع مَعَ اللَّفْظ لِأَن اللَّفْظ اسْتعْمل فِيهِ وَلَا يلْزم من وُقُوع الْمَعْنى مَعَ اللَّفْظ اسْتِعْمَاله فِيهِ وَالدَّلِيل على أَن اللَّفْظ غير مُسْتَعْمل فِيهِ مَا تقدم من الْآيَات الَّتِي جَاءَت الْوَاو فِيهَا وَلَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب فَكَانَ التَّرْتِيب هُنَا وَاقعا مَعَ الْوَاو وَعلم ذَلِك من دَلِيل خارجي لِأَن الْوَاو مستعملة فِيهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزم كَونهَا حَقِيقَة فِيهِ حَتَّى تكون مجَازًا فِي تِلْكَ المواطن بل الْعَكْس أولى كَمَا بَيناهُ
стр. 48
الْوَجْه الرَّابِع
أَن الْقَائِل جَاءَ زيد وَعَمْرو يحسن أَن يُقَال لَهُ جَاءَا مَعًا أَو تقدم زيد أَو تقدم عَمْرو وَلَو كَانَت الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب لما حسن هَذَا الاستفسار
وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن حسن الاستفسار لاحْتِمَال اللَّفْظ لَهُ على جِهَة الْمجَاز وَجَوَابه أَن الاستفسار لَا يحسن إِلَّا عِنْد دلَالَة اللَّفْظ على شَيْئَيْنِ وَاحْتِمَال إِرَادَة أَحدهمَا مَعَ تساويهما كَمَا هُنَا فِي الْوَاو فَإِنَّهَا لما اقْتَضَت مُطلق الْجمع كَانَ اللَّفْظ مُحْتملا لمجيئهما مَعًا ومترتبا إِمَّا على حسب اللَّفْظ أَو على عَكسه
فَأَما إِذا كَانَ اللَّفْظ حَقِيقَة وَاحِدَة فَإِنَّهُ لَا يحسن الاستفسار من أجل احْتِمَال الْمجَاز إِذْ أَنْوَاع الْمجَاز مُتعَدِّدَة وَلَيْسَ ثمَّ مَا يدل على صرف اللَّفْظ عَن حَقِيقَته فَلَا وَجه للاستفسار
نعم لَو قَامَت قرينَة تدل على أَن الْحَقِيقَة غير مُرَادة وَكَانَ هُنَاكَ مجازات مُحْتَملَة حسن الاستفسار وَلَيْسَ مَا نَحن فِيهِ من ذَلِك
الْوَجْه الْخَامِس
قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الَّذِي صَححهُ الْحَاكِم (لَا تَقولُوا مَا شَاءَ الله وَشاء فلَان قُولُوا مَا شَاءَ الله ثمَّ شَاءَ فلَان) فَهَذَا يدل على أَن الْوَاو للْجمع لَا للتَّرْتِيب
стр. 49
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث قتيلة بنت صَيْفِي عَن النَّبِي ﷺ بِسَنَد صَحِيح وَفِيه قصر
وَالْأول رَوَاهُ أَيْضا أَبُو دَاوُد من حَدِيث حُذَيْفَة ﵄ والْحَدِيث مَجْمُوع الطَّرفَيْنِ يَنْتَهِي إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة القوية وَهُوَ وَإِن كَانَ خبر وَاحِد لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن فيلتقي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لِأَنَّهَا ظنية
وَقد احْتج جمَاعَة من الْأَئِمَّة بأدلة أُخْرَى لَا تَخْلُو عَن اعْتِرَاض مُؤثر فنذكرها وَمَا يرد عَلَيْهَا
أَحدهَا لَو كَانَت الْوَاو للتَّرْتِيب لَكَانَ قَول الْقَائِل رَأَيْت زيدا وعمرا بعده تَكْرَارا لِأَن بعدية رُؤْيَة عَمْرو علمت من الْوَاو على تَقْدِير أَنَّهَا للتَّرْتِيب وَلَا يعد
стр. 50
النَّاس ذَلِك تَكْرَارا فَلَا يكون الْوَاو للتَّرْتِيب وَثَانِيها أَنه يلْزم أَيْضا من جعلهَا للتَّرْتِيب أَن يكون قَول الْقَائِل رَأَيْت زيدا وعمرا قبله متناقضا لِأَن الْوَاو تَقْتَضِي نقيض مَا تَقْتَضِيه قبل وَلَا يعد هَذَا الْكَلَام تناقضا
وَثَالِثهَا أَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ اشْتَرِ خبْزًا وَلَحْمًا وائت بزيد وَعَمْرو وَنَحْو ذَلِك فالاتفاق على أَنه لَا يجب عَلَيْهِ مُرَاعَاة التَّرْتِيب فِي الشِّرَاء والإتيان على حسب مَا تَقْتَضِيه الْوَاو لَو كَانَت للتَّرْتِيب
وَرَابِعهَا وَقد عول عَلَيْهِ جمَاعَة من النُّحَاة أَن وَاو الْعَطف فِي الْأَسْمَاء الْمُخْتَلفَة كواو الْجمع فِي الْأَسْمَاء المتفقة فَالْأَصْل فِي الْجمع أَن يُؤْتى بالأسماء منسوقة نَحْو زيد وَزيد وَزيد لكنه قيل الزيدون تَخْفِيفًا واختصارا وواو الْجمع لَا يُفِيد ترتيبا اتِّفَاقًا فَكَذَلِك وَاو الْعَطف لَا يفِيدهُ أَيْضا
وخامسها أَن الْجمع الْمُطلق معنى مَعْقُول تمس الْحَاجة إِلَى التَّعْبِير عَنهُ فَالظَّاهِر أَن الْوَاضِع وضع لَهُ لفظا وَلَيْسَ ذَلِك غير الْوَاو بِالْإِجْمَاع فَتكون هِيَ الْمَوْضُوعَة لذَلِك
وسادسها أَن الْوَاو أفادت التَّرْتِيب لدخلت فِي جَوَاب الشَّرْط وَلَا يَصح دُخُولهَا فِيهِ فَلَا يُقَال إِن قَامَ زيد وأكرمه كَمَا يُقَال إِن قَامَ زيد فَأكْرمه فَلَمَّا لم يَصح ذَلِك لم تكن للتَّرْتِيب
وَاعْترض على الأول أَنه إِن أَرَادَ التاكرار من غير فَائِدَة فالملازمة مَمْنُوعَة فَإِنَّهُ لم يخل عَن فَائِدَة وَهِي رفع احْتِمَال توهم الْمجَاز كَمَا فِي الْأَلْفَاظ الْمُؤَكّدَة فَإِن الْقَائِل جَاءَ الْقَوْم يُفِيد مَجِيء كلهم لما تَقْتَضِيه الْألف
стр. 51
وَاللَّام من الِاسْتِغْرَاق فَقَوله بعد ذَلِك كلهم وأجمعون تَأْكِيد لرفع توهم الْمجَاز وَأَنه أَرَادَ بالقوم بَعضهم فَكَذَلِك هُنَا جَاءَ بقوله بعده تَأْكِيدًا لرفع توهم أَنه أَرَادَ الْمَعِيَّة تجوزا فَلم تخل عَن فَائِدَة وَإِن أَرَادَ التّكْرَار مَعَ الْفَائِدَة فَلَا نسلم بطلَان اللَّازِم وَذَلِكَ ظَاهر
وعَلى الْوَجْه الثَّانِي يمْنَع لُزُوم التَّنَاقُض وَإِنَّمَا يلْزم لَو لم تكن كلمة قبله قرينَة لارادة جِهَة التَّجَوُّز فِي تِلْكَ الصُّورَة كَمَا فِي قَول الْقَائِل رَأَيْت أسدا يَرْمِي
وعَلى الثَّالِث بِأَن أَمْثَال هَذِه القضايا الْعُرْفِيَّة متعارضة وَإِنَّمَا لم يحمل مَا تقدم على التَّرْتِيب لقِيَام الْقَرِينَة الدَّالَّة على أَن مُرَاد السَّيِّد الْجمع بَين شرائهما على أَي وَجه كَانَ وَكَذَلِكَ بَين مَجِيء من طلبهما وَقد تقدم قرينَة تَقْتَضِي التَّرْتِيب كَمَا إِذا قَالَ السَّيِّد لعَبْدِهِ اسْقِنِي مَاء واشتر كَذَا أَو اسْقِنِي واطلب فلَانا فَإِن الْقَرِينَة هُنَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب بَين الشَّيْئَيْنِ وَتَقْدِيم سقيه لَا لمدلول الْوَاو وَأَنَّهَا اقْتَضَت ذَلِك بل لقَرِينَة الْعَطش المحوج إِلَى تَقْدِيم السَّقْي
فَالْحق أَنه لَا يحْتَج بِشَيْء من هَذِه القضايا الْعُرْفِيَّة على أحد هذَيْن الطَّرفَيْنِ
وعَلى الْوَجْه الرَّابِع بِأَن تَشْبِيه الشي بالشَّيْء لَا يَقْتَضِي اشتراكهما فِي كل الْأُمُور بل يَكْفِي اشتراكهما فِي أهمها وَكَذَلِكَ هُنَا فَإِنَّهُ لَا مَانع من كَون الْوَاو العاطفة جَارِيَة مجْرى وَاو الْجمع مَعَ كَونهَا مُخْتَصَّة بالترتيب كَمَا فِي الْفَاء وَثمّ كَيفَ وَإِن الْوَاو العاطفة تَقْتَضِي التَّشْرِيك فِي الْإِعْرَاب إِمَّا بِنَفسِهَا أَو بتسليط الْفِعْل الَّذِي قبلهَا أَو بإضمار فعل بعْدهَا على الْخلاف الْمُتَقَدّم
стр. 52
وواو الْجمع لَا تَقْتَضِي شَيْئا من ذَلِك فَدلَّ على أَنَّهَا لَيست بالسواء فِي جَمِيع الْأُمُور
وعَلى الْخَامِس بِأَنَّهُ مُقَابل بِمثلِهِ وَهُوَ أَن التَّرْتِيب الْمُطلق أَيْضا معنى مَعْقُول تمس الْحَاجة إِلَى التَّعْبِير عَنهُ وَلَيْسَ إِلَّا بِالْوَاو فَتكون مَوْضُوعَة لَهُ
وعَلى السَّادِس أَن الْفَاء الدَّاخِلَة عل جَوَاب الشَّرْط لَيست العاطفة حَتَّى يلْزم قيام الْوَاو مقَامهَا إِذا كَانَت للتَّرْتِيب بل هِيَ رابطة بَين الشَّرْط وَالْجَزَاء وَلَو سلم بطرِيق التنازل أَنَّهَا العاطفة فينتقض مَا ذَكرُوهُ بثم فَإِنَّهَا لَا تدخل على جَوَاب الشَّرْط فَلَا يدل عدم دُخُول الْوَاو فِيهِ على شَيْء
стр. 53
١١ - فصل فِيمَا احْتج بِهِ لِلْقَائِلين بِأَن الْوَاو للتَّرْتِيب
وَذَلِكَ وُجُوه
أَحدهَا
مَا تقدم من الْآيَات الَّتِي وَقع التَّرْتِيب على مُقْتَضى مَا فِيهَا من تَقْدِيم وَتَأْخِير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا واسجدوا﴾ وَمَا ذكر مَعَه
وَجَوَابه مَا تقدم أَن التَّرْتِيب لَيْسَ مستفادا من هَذِه الْآيَات بل بِدَلِيل من خَارج مثل فعله ﷺ الرُّكُوع قبل السُّجُود وَقَوله (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) فالترتيب وَقع مَعَ اللَّفْظ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمل فِيهِ
وَثَانِيها
قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله﴾ الْآيَة وَثَبت فِي حَدِيث جَابر ﵁ الَّذِي سَاقه فِي صفه الْحَج بقوله إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 54
لما خرج إِلَى السَّعْي قَرَأَ هَذِه الْآيَة وَقَالَ (نبدأ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ) هَكَذَا فِي صَحِيح مُسلم بِصفة الْخَبَر وَهُوَ عِنْد النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي رِوَايَة بِصِيغَة الْأَمر (ابدأوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ) وَسَنَد ذَلِك جيد صَحِيح يحْتَج بِهِ وَجَوَابه أَن الْوَاو لَو اقْتَضَت التَّرْتِيب لما احْتِيجَ إِلَى ذَلِك ولكان التَّعْلِيل وَقع بمدلول الْوَاو لابتداء الله تَعَالَى بالصفا
وَأما مَا يُوجد فِي كتب أَئِمَّة الْأُصُول أَن الصَّحَابَة ﵃ قَالُوا للنَّبِي ﷺ بِمَ نبدأ فَقَالَ ابدأوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ فَإِنَّهُ لَا يُوجد هَكَذَا فِي شَيْء من كتب الحَدِيث وَالْجَوَاب على تَقْدِير صِحَة هَذِه الرِّوَايَة ظَاهر فَإِنَّهُ لَو كَانَت الْوَاو للتَّرْتِيب لفهم الصَّحَابَة مدلولها وَمَا احتاجوا إِلَى سُؤال
стр. 55
وَثَالِثهَا
مَا جَاءَ فِي صَحِيح مُسلم أَن خَطِيبًا قَامَ بَين يَدي النَّبِي ﷺ فَقَالَ (من يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فقد غوى) وَالدّلَالَة من هَذَا ظَاهِرَة فَإِنَّهَا لَو كَانَت لمُطلق الْجمع لم يكن بَين الْكَلَامَيْنِ فرق
وَأجَاب عَنهُ جمَاعَة من أَئِمَّة الْأُصُول وَغَيرهم بِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا أنكر عَلَيْهِ لإتيانه بالضمير الْمُقْتَضِي للتسوية فَأمره بالْعَطْف وإفراد اسْم الله تَعَالَى تَعْظِيمًا لَهُ بِتَقْدِيم اسْمه بِدَلِيل أَن مَعْصِيّة الله مَعْصِيّة رَسُوله ﷺ وَكَذَلِكَ الْعَكْس فَلَا تَرْتِيب بَينهمَا بل كل مِنْهُمَا مستلزمة لِلْأُخْرَى
وَهَذَا الْجَواب يرد عَلَيْهِم شَيْئَانِ
أَحدهمَا قَوْلهم إِن معصيتهما لَا تَرْتِيب فِيهَا فَإِن كَانَ المُرَاد التَّرْتِيب الزماني فَمُسلم وَلَا يلْزم مِنْهُ عدم التَّرْتِيب مُطلقًا فَإِن التَّرْتِيب تَارَة يكون بِالزَّمَانِ وَتارَة يكون بالرتبة
وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ عدم التَّرْتِيب مُطلقًا فَلَيْسَ ذَلِك بِصَحِيح لِأَن فِيهَا التَّرْتِيب بالرتبة إِذْ لَا شكّ أَن مَعْصِيّة الرَّسُول ﷺ مرتبَة على مَعْصِيّة الله تَعَالَى وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا يسْتَلْزم الْأُخْرَى
стр. 56
الثَّانِي مَا روى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ (علمنَا رَسُول الله ﷺ خطْبَة الْحَاجة) فَذكرهَا وفيهَا (من يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فَإِنَّهُ لَا يضر إِلَّا نَفسه وَلَا يضر الله شَيْئا) وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث أنس ﵁ أَيْضا (وَمن يعصهما فقد غوى) من قَول النَّبِي ﷺ
وَقيل فِي الْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث وُجُوه
أَحدهَا أَن هَذَا خَاص بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ يُعْطي مقَام الربوبية حَقه وَلَا يتَوَهَّم فِيهِ تسويته لَهُ بِمَا عداهُ أصلا بِخِلَاف غَيره من الْأَئِمَّة فَإِنَّهُ مَظَنَّة التَّسْوِيَة عِنْد الْإِطْلَاق وَالْجمع فِي الضمائر بَين مَا يعود إِلَى اسْم الله تَعَالَى وَغَيره فَلهَذَا جَاءَ بالإتيان بِالْجمعِ بَين الاسمين بضمير وَاحِد من كَلَام النَّبِي ﷺ فِي الْحَدِيثين الْمشَار إِلَيْهِمَا وَفِي قَوْله ﷺ أَيْضا (من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا) وَغير ذَلِك
стр. 57
وَأمر ﷺ ذَلِك الْخَطِيب بِالْإِفْرَادِ لِئَلَّا يُوهم كَلَامه التَّسْوِيَة وَهُوَ مثل الحَدِيث الْمُتَقَدّم من قَوْله ﷺ (لَا تَقولُوا مَا شَاءَ الله وشئت قُولُوا مَا شَاءَ الله ثمَّ شِئْت)
وَهَذَا يرد عَلَيْهِ أَن حَدِيث ابْن مَسْعُود الْمُتَقَدّم فِيهِ تَعْلِيم النَّبِي ﷺ أمته تِلْكَ الْخطْبَة ليقولوها عِنْد الْحَاجة وَفِيه (وَمن يعصهما) فَيدل على عدم الخصوصية بِهِ إِلَّا أَن يُقَال يُؤْخَذ من مَجْمُوع الْحَدِيثين أَن يَقُولُوا فِي خطْبَة الْحَاجة (وَمن يعْص الله وَرَسُوله) كم علم النَّبِي ﷺ ذَلِك الْخَطِيب وَيكون حَدِيث ابْن مَسْعُود فِيهِ تَعْلِيم أصل خطْبَة الْحَاجة لَا بِجَمِيعِ ألفاظها وَفِيه نظر
وَثَانِيها أَن النَّبِي ﷺ حَيْثُ أنكر على ذَلِك الْخَطِيب كَانَ هُنَاكَ من يتَوَهَّم مِنْهُ التَّسْوِيَة بَين المقامين عِنْد الْجمع بَين الاسمين بضمير وَاحِد فَمنع من ذَلِك وَحَيْثُ لم يكن هُنَاكَ من يلبس عَلَيْهِ أَتَى بضمير الْجمع وَهَذَا لَعَلَّه أقرب من الَّذِي قبله
وَثَالِثهَا أَن ذَلِك الْمَنْع لم يكن على وَجه التحتم بِدَلِيل الْأَحَادِيث الآخر بل على وَجه النّدب والإرشاد إِلَى الْأَوْلَوِيَّة فِي إِفْرَاد اسْم الله تَعَالَى بِالذكر من التَّعْظِيم اللَّائِق بجلاله
وَهَذَا يرجع فِي الْحَقِيقَة إِلَى مَا قَالَه أَئِمَّة الْأُصُول أَولا لَكِن بِزِيَادَة أَن ذَلِك لَيْسَ حتما وَحِينَئِذٍ فَلَا تكون الْوَاو مقتضية للتَّرْتِيب
وَرَابِعهَا أَن ذَلِك الْإِنْكَار كَانَ مُخْتَصًّا بذلك الْخَطِيب وَكَأن النَّبِي ﷺ فهم عَنهُ أَنه لم يجمع بَينهمَا فِي الضَّمِير إِلَّا لتسويته بَينهمَا فِي الْمقَام فَقَالَ لَهُ (بئس الْخَطِيب أَنْت) فَيكون ذَلِك مُخْتَصًّا بِمن حَاله كَذَلِك
وَلَعَلَّ هَذَا الْجَواب هُوَ الْأَقْوَى لِأَن هَذِه الْقِصَّة وَاقعَة عين وَمَا ذَكرْنَاهُ مُحْتَمل ويؤثر هَذَا الِاحْتِمَال فِيهَا أَن يحمل على الْعُمُوم فِي حق كل أحد
стр. 58
فَإِذا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك حَدِيث أبي دَاوُد الَّذِي علم فِيهِ النَّبِي ﷺ أمته كَيْفيَّة خطْبَة الْحَاجة وفيهَا ﴿وَمن يعصهما﴾ بضمير التَّثْنِيَة قوي ذَلِك الِاحْتِمَال
وَهَذَا مثل مَا قيل فِي قَوْله ﷺ (لَا تفضلُونِي على مُوسَى) مَعَ قَوْله (أَنا سيد ولد آدم) فَقيل فِي الْجمع بَينهمَا وُجُوه مِنْهَا أَن الَّذِي مَنعه من التَّفْضِيل فهم مِنْهُ غضا من منصب مُوسَى ﵇ عِنْد التَّفْضِيل عَلَيْهِ فَمَنعه مِنْهُ فَيكون ذَلِك مُخْتَصًّا بِمن هُوَ مثل حَاله وَالْعلم عِنْد الله
وَرَابِعهَا
مَا رُوِيَ أَن عمر ﵁ أنكر على سحيم عبد بني الحسحاس قَوْله
(كفى الشيب وَالْإِسْلَام للمرء ناهيا)
وَقَالَ لَو قدمت الْإِسْلَام على الشيب
стр. 59
وَأَن الصَّحَابَة ﵃ أَنْكَرُوا على عبد الله بن عَبَّاس ﵄ أمره بِتَقْدِيم الْعمرَة على الْحَج وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ فلولا أَنهم فَهموا من الْآيَة التَّرْتِيب لما أَنْكَرُوا ذَلِك عَلَيْهِ وَفهم الصَّحَابَة ﵃ حجَّة فِي مثل ذَلِك لأَنهم أهل اللِّسَان وَهَذَا الْأَثر ذكره جمَاعَة من أَئِمَّة الْأُصُول وَلم أَجِدهُ فِي شَيْء من كتب الحَدِيث بعد كَثْرَة الْبَحْث عَنهُ
وَكَذَلِكَ أَيْضا لم أجد لإنكار عمر ﵁ على سحيم سندا وَلكنه مَشْهُور فِي كثير من الْكتب وَقد أُجِيب عَنهُ بِأَن ذَلِك الْإِنْكَار على وَجه الْأَدَب فِي تَقْدِيم الأهم فِي الذّكر وَإِن كَانَت الْوَاو لَا تَقْتَضِي ترتيبا فَإِن التَّرْتِيب لَهُ سَبَب إِرَادَة لفظية كالفاء وَثمّ وطبيعة زمانية فالنطق الْوَاقِع فِي الزَّمَان الأول مُتَقَدم بالطبع على النُّطْق الْوَاقِع فِي الزَّمَان الَّذِي بعده وَهُوَ السِّرّ فِيمَا حكى سِيبَوَيْهٍ عَن الْعَرَب أَنهم يبدأون بِمَا هُوَ الأهم عِنْدهم وَكَانَت الْعِنَايَة بِهِ أَشد فَكل مَا قدم بِالزَّمَانِ دلّ على أَن الْمُتَكَلّم قصد الاهتمام بِهِ أَكثر مِمَّا بعده وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَفْضِيلًا فإنكار عمر ﵁ لهَذَا الْمَعْنى
وَأما إِنْكَار الصَّحَابَة ﵃ على ابْن عَبَّاس فَأجَاب عَنهُ فَخر
стр. 60
الدّين بِأَن فهمهم معَارض لفهم ابْن عَبَّاس وَفِيه نظر لِأَن الْكَثْرَة مقتضية للترجيح
وَأجَاب عَنهُ الْآمِدِيّ بِأَنَّهُ لم يكن مُسْتَند إنكارهم أمره بِتَقْدِيم الْعمرَة على الْحَج كَون الْآيَة مقتضية للتَّرْتِيب حَتَّى تتأخر الْعمرَة على الْحَج بل لِأَنَّهَا مقتضية للْجمع الْمُطلق وَأمره بالترتيب مُخَالف لمقْتَضى الْآيَة
وَأجَاب غَيره بِمَا تقدم من الاهتمام بِذكر الأول فَإِنَّهُم فَهموا من الْآيَة الاهتمام بِأَمْر الْحَج فتقديم الْعمرَة عَلَيْهِ فِي الْفِعْل يُنَاقض ذَلِك الاهتمام وَإِن لم تكن الْوَاو مقتضية للتَّرْتِيب
وخامسها
أَن التَّرْتِيب على سَبِيل التعقيب وضعُوا لَهُ الْفَاء وعَلى سَبِيل التَّرَاخِي وضعُوا لَهُ ثمَّ وَمُطلق التَّرْتِيب وَهُوَ الْقدر الْمُشْتَرك بَين الخاصتين معنى مَعْقُول أَيْضا فَلَا بُد لَهُ من لفظ يدل عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ لِأَن الْمُقْتَضِي لذَلِك قَائِم وَالْمَانِع
стр. 61
مُنْتَفٍ وَيلْزم من ذَلِك أَن تكون الْوَاو هِيَ الْمَوْضُوعَة لَهُ إِذْ لَا غَيرهَا مَوضِع لَهُ بالِاتِّفَاقِ
وَجَوَابه الْمُعَارضَة بِمثلِهِ كَمَا تقدم فِي الْجمع الْمُطلق وَالْحَاجة إِلَيْهِ أَعم فَيكون أَكثر فَائِدَة فَكَانَ أولى بِالْوَضْعِ
وَاعْترض على هَذَا بِأَنا إِذا جعلنَا الْوَاو حَقِيقَة فِي التَّرْتِيب كَانَ الْجمع الْمُطلق جُزْءا من الْمُسَمّى ولازما لَهُ فَيجوز جعله مجَازًا فِيهِ لما بَينهمَا من الْمُلَازمَة بِخِلَاف الْعَكْس فَإنَّا إِذا قُلْنَا إِنَّهَا حَقِيقَة فِي الْجمع الْمُطلق لَازِما لَهُ فَلَا يتجوز بهَا فِيهِ لعدم الْمُلَازمَة
وَبِعِبَارَة أُخْرَى أَنه تعَارض احْتِمَالَانِ أَحدهمَا كَون اللَّفْظ حَقِيقَة فِي الْأَخَص مجَازًا فِي الْأَعَمّ وَالْآخر كَونه حَقِيقَة فِي الْأَعَمّ مجَازًا فِي الْأَخَص وَالْأول أولى لِأَن الْأَخَص يسْتَلْزم الْأَعَمّ وَلَا ينعكس
وَجَوَابه هَذَا يمْتَنع أَنه لَا يَصح التَّجَوُّز بهَا فِي التَّرْتِيب إِذا كَانَت حَقِيقَة فِي الْجمع الْمُطلق بل هَذَا هُوَ الْأَقْوَى لِأَن إِطْلَاق اللَّفْظ الْأَعَمّ وَإِرَادَة الْأَخَص كثير سَائِغ وَلَيْسَت وُجُوه العلاقة الْمُقْتَضِيَة للتجوز منحصرة فِي التلازم حَتَّى يلْزم مَا ذَكرُوهُ بل لَهَا وُجُوه كَثِيرَة غير ذَلِك
وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 62
١٢ - فصل فِي مسَائِل فقهية
تتخرج على أَن الْوَاو للْجمع الْمُطلق أَو للتَّرْتِيب
فَمِنْهَا إِذا قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا أَنْت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق فمذهب الْحَنَفِيَّة وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه لَا يَقع عَلَيْهِ إِلَّا طَلْقَة وَاحِدَة بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا فَإِنَّهَا تطلق لَهَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذهب
стр. 63
إِلَيْهِ جمَاعَة من الْمَالِكِيَّة وَذهب آخَرُونَ مِنْهُم إِلَى أَنَّهَا تطلق ثَلَاثًا فِي هَذِه الْوَاو وَهُوَ مَذْهَب أحمدبن حَنْبَل وَاللَّيْث بن سعد وَابْن أبي ليلى وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب من الْمَالِكِيَّة وَحَكَاهُ بعض الْأَصْحَاب قولا قَدِيما للْإِمَام الشَّافِعِي وَبَعْضهمْ ذكره وَجها أَيْضا للأصحاب
وَهَؤُلَاء مأخذهم أَن الْكَلَام كُله فِي حكم جملَة وَاحِدَة لَا أَن الْوَاو تَقْتَضِي الْمَعِيَّة بل لَا فرق بَين قَوْله أَنْت طَالِق ثَلَاثًا وَبَين الصُّورَة الْأُخْرَى بالْعَطْف بِالْوَاو بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق ثمَّ طَالِق أَو طَالِق فطالق فَإِن ابْن شَاس حكى عَن مَذْهَب مَالك أَنه لَا يَقع إِلَّا طَلْقَة وَاحِدَة لِأَنَّهَا تبين بِالْأولَى فتجيء الثَّانِيَة بعد الْبَيْنُونَة لما تَقْتَضِيه الْفَاء من التَّرْتِيب وَثمّ من المهلة بِخِلَاف الْوَاو
وَذكر بعض الْمُتَأَخِّرين من الْمَالِكِيَّة عَن مَذْهَبهم أَنه لَا فرق بَين الْوَاو وَبَين الْفَاء وَثمّ فِي وُقُوع الثَّلَاث وَإِن كَانَت غير مَدْخُول بهَا وَغلط ابْن شَاس فِيمَا
стр. 64
نقل فيحرر ذَلِك من كتبهمْ
وَأما الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يَقع إِلَّا وَاحِدَة فمأخذهم أَنه إِذا قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا فَإِن قَوْله ثَلَاثًا تَفْسِير لقَوْله أَنْت طَالِق وَالْكَلَام بِهِ جملَة وَاحِدَة وَهُوَ مُعْتَبر بِآخِرهِ فَتَقَع الثَّلَاث وَأما إِذا نسق بِالْوَاو فقد عدد الْجمل فَكَانَت الْجُمْلَة الأولى غير مُقَيّدَة بِشَيْء فتقتضي وُقُوع الطَّلَاق بهَا فتصادفها الْجُمْلَة الثَّانِيَة وَهِي بَائِنَة فَلَا تُؤثر لعدم تأثر الْمحل بهَا وَالْوَاو لَا تَقْتَضِي الْجمع بِقَيْد الْمَعِيَّة بل الْمَوْجُود من هَذَا الْكَلَام ثَلَاث إيقاعات مُتَوَالِيَات من غير أَن يكون للْبَعْض تعلق بِالْبَعْضِ وَهِي مترتبة بِالزَّمَانِ ضَرُورَة التَّلَفُّظ بهَا فَتبين بِالْجُمْلَةِ الأولى وَلَا يلْحقهَا شَيْء بعْدهَا وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن تكون الْوَاو للتَّرْتِيب
فَائِدَة
ذكر الشَّيْخ أَبُو عمر بن الْحَاجِب فِي مُخْتَصره فِي أصُول الْفِقْه عَن مَالك ﵀ أَنه قَالَ فِي الْوَاو الْأَظْهر أَنَّهَا مثل (ثمَّ) ثمَّ حمله على أَنه لم يرد بذلك أَنَّهَا مثل ثمَّ فِي إِفَادَة التَّرْتِيب بل مُرَاده فِي الْمَدْخُول بهَا أَنه لَا ينوى
стр. 65
فِي التَّأْكِيد إِذا ادَّعَاهُ فِي قَوْله أَنْت طَالِق وَطَالِق كَمَا لَا يقبل مِنْهُ أَيْضا فِي قَوْله أَنْت طَالِق ثمَّ طَالِق
وَقد تخبط شرَّاح كتاب الْمُخْتَصر فِي هَذَا الْموضع بِكَلَام مُخْتَلف لَا فَائِدَة فِي الإطالة بِهِ
وَيعرف ذَلِك بِبَيَان مَذْهَب مَالك ﵀ فِي هَذِه الْمسَائِل فقاعدته أَنه إِذا قَالَ للمدخول بهَا أَنْت طَالِق أَنْت طَالِق أَنْت طَالِق وَنوى تَأْكِيد الأولى لم يَقع عَلَيْهِ غَيرهَا وَيقبل مِنْهُ دَعْوَى نِيَّة التَّأْكِيد فَإِن كَانَ ذَلِك بِالْفَاءِ أَو بثم لم يقبل مِنْهُ نِيَّة التَّأْكِيد وَلَا تَنْفَعهُ وَيَقَع عَلَيْهِ الثَّلَاث وَإِن كَانَ الْعَطف بِالْوَاو قَالَ ابْن الْقَاسِم توقف عَنْهَا مَالك وَقَالَ فِي النسق بِالْوَاو إِشْكَال قَالَ وَرَأَيْت الْأَغْلَب على رَأْيه أَنَّهَا مثل ثمَّ وَلَا ينوى وَهُوَ رَأْيِي هَذَا نقل صَاحب الْجَوَاهِر عَن ابْن الْقَاسِم
стр. 66
وَالَّذِي نَقله عَنهُ ابْن يُونُس أَنه قَالَ أَعنِي ابْن الْقَاسِم قَالَ مَالك وَفِي النسق بِالْوَاو إِشْكَال قَالَ ورأيته يَعْنِي مَالِكًا يُرِيد بقوله إِنَّهَا ثَلَاث تَطْلِيقَات وَلَا ينوى وَهُوَ رَأْيِي فَظهر بِهَذَا أَن معنى كَون الْوَاو بِمَعْنى ثمَّ عِنْد مَالك فِي هَذِه الصُّورَة الْخَاصَّة إِذا خَاطب الْمَدْخُول بهَا لَا فِي كل الصُّور وَأما فِي غير الْمَدْخُول بهَا فقد تقدم الْكَلَام فِيهِ وَالله أعلم
٢ - وَمِنْهَا مَا إِذا قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق فَدخلت فِيهَا وَجْهَان لِأَصْحَابِنَا وَخلاف بَين الْحَنَفِيَّة أَيْضا
أحد الْوَجْهَيْنِ وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَقع بِالدُّخُولِ إِلَّا وَاحِدَة
وَالثَّانِي وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن يَقع بِهِ الثَّلَاث وَهُوَ الَّذِي رَجحه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ
стр. 67
وَوجه أَصْحَابنَا الأول بِالْقِيَاسِ على مَا إِذا نجز ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يَقع بِهِ إِلَّا وَاحِدَة كَمَا تقدم وَالثَّانِي بِأَن الثَّلَاث جَمِيعًا مُتَعَلقَة بِالدُّخُولِ وواقعة عِنْده فَلَا تقدم وَلَا تَأَخّر
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة يُمكن بِنَاء الْوَجْهَيْنِ على الْخلاف بَين أَصْحَابنَا فِي أَن الْوَاو للْجمع الْمُطلق أَو للتَّرْتِيب
قلت وَفِي هَذَا الْبناء نظر من جِهَة أَن مُقْتَضى مَا وجهوه أَن يكون الْوَاو للْجمع بِقَيْد الْمَعِيَّة لَا لمُطلق الْجمع
وَأما الْحَنَفِيَّة فمأخذ الْخلاف عِنْدهم الْبناء على كَيْفيَّة تعلق الْجَزَاء الثَّانِي وَالثَّالِث بِالشّرطِ لَا لِأَن الْوَاو اقْتَضَت الْمُقَارنَة أَو التَّرْتِيب فَقَالَ أَبُو حنيفَة الْجَزَاء الأول تعلق بِالشّرطِ بِلَا وَاسِطَة وَالثَّانِي تعلق بِهِ بِوَاسِطَة الأول وَالثَّالِث تعلق بِهِ بواسطتين وَالْمُعَلّق تطليق عِنْد وجود الشَّرْط والوسائط من ضَرُورَة صِحَة
стр. 68
الْعَطف فَينزل الْمُعَلق حَيْثُ ينزل مُتَفَرقًا وَمن ضَرُورَته أَن تبين بِالْأولِ فَلَا يُصَادف الثَّانِي وَالثَّالِث محلا قَابلا للوقوع
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد مُوجب اللَّفْظ التَّشْرِيك بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ وَالْجُمْلَة الأولى تَامَّة لوُجُود الشَّرْط وَالْجَزَاء وَقَوله طَالِق جملَة نَاقِصَة وَكَذَلِكَ الثَّالِثَة فتشارك كل وَاحِدَة مِنْهُمَا الأولى فِي التَّعْلِيق لَا فِي التَّطْلِيق فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الأجزية مَا يُوجب صفة التَّرْتِيب إِذْ الْوَاو لَا يَقْتَضِي ذَلِك وَلما تعلّقت غير مَوْصُوفَة بالترتيب وَقعت كَذَلِك أَيْضا بِخِلَاف مَا إِذا نجز الطَّلَاق فَإِنَّهُ يَقع بِالْجُمْلَةِ الأولى وَتَكون الثَّانِيَة كالمعادة للإيقاع وَقد بَانَتْ بِالْأولَى
وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة بسط مَا وَجه بِهِ أَصْحَابنَا وُقُوع الثَّلَاث
وَقَالَ بعض الْحَنَفِيَّة فِي تَوْجِيهه أَيْضا إِن عطف الْجُمْلَة النَّاقِصَة على الْكَامِلَة يُوجب إِعَادَة مَا فِي الْكَامِلَة لتصير النَّاقِصَة مثلهَا بِخِلَاف عطف الْجُمْلَة الْكَامِلَة أَلا ترى إِذا قَالَ هَذِه طَالِق ثَلَاثًا وَهَذِه طلقت الْأُخْرَى ثَلَاثًا لِأَن خبر الأولى يصير معادا فِي حَقّهَا بِخِلَاف مَا لَو قَالَ هَذِه طَالِق ثَلَاثًا وَهَذِه طَالِق فَإِن الثَّانِيَة لَا تطلق إِلَّا وَاحِدَة لِأَن جُمْلَتهَا مفيدة بِنَفسِهَا فَلَا تَقْتَضِي ذكر الْخَبَر مرّة أُخْرَى فَقَوله وَطَالِق بعد قَوْله إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق جملَة نَاقِصَة لَا شَرط لَهُ فَيصير الشَّرْط كالمذكور مرّة أُخْرَى فَكَأَنَّهُ قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق وَطَالِق إِن دخلت الدَّار فَيَقَع ثَلَاث تَطْلِيقَات بدخلة وَاحِدَة وَيصير فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة كَمَا لَو كرر الشَّرْط صَرِيحًا
стр. 69
أما إِذا قدم الْجَزَاء فَقَالَ أَنْت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق إِن دخلت الدَّار فَفِيهَا طَرِيقَانِ عِنْد أَصْحَابنَا
إِحْدَاهمَا أَنه على الْخلاف الْمُتَقَدّم وَالأَصَح أَنه تقع الثَّلَاث إِذا دخلت وَالطَّرِيق الثَّانِي الْقطع بالأصح وَهُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة كلهم لِأَنَّهَا جَمِيعًا تعلّقت بِالدُّخُولِ فَتَقَع جملَة بِخِلَاف مَا إِذا تقدم الشَّرْط إِذْ يُمكن أَن يُقَال إِن الْمُعَلق فِيهِ بِالدُّخُولِ الطَّلقَة الأولى والأخريان معطوفتان ومترتبتان عَلَيْهَا كَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَذَلِكَ لَا يتخيل هُنَا
وَلِهَذَا جمع بعض أَصْحَابنَا بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَذكر فيهمَا ثَلَاثَة أوجه وَالثَّالِث الْفرق بَين تقدم الشَّرْط وتأخره وَالأَصَح فيهمَا جَمِيعًا مَا تقدم أَنه تقع الثَّلَاث بِالدُّخُولِ وَالله أعلم
٣ - وَمِنْهَا إِذا قَالَ الرجل لعَبْدِهِ إِذا مت وَدخلت الدَّار فَأَنت حر فَإِنَّهُ يشْتَرط الدُّخُول بعد الْمَوْت إِلَّا أَن يُصَرح بِأَنَّهُ أَرَادَ الدُّخُول قبله
هَكَذَا نَقله الرَّافِعِيّ وَلم يحك فِيهِ خلافًا وَحكى أَيْضا عَن أَكثر الْأَصْحَاب مثله فِيمَا إِذا قَالَ إِذا مت وشئت الْحُرِّيَّة أَو شَاءَ فلَان فَأَنت حر كَمَا إِذا قَالَ إِذا مت ثمَّ دخلت الدَّار فَأَنت حر
وَمُقْتَضى هَذَا كُله الْجَزْم بِأَن الْوَاو للتَّرْتِيب إِلَّا أَن يُقَال إِن قرينَة التَّعْلِيق هُنَا صرفت الْوَاو عَن حَقِيقَتهَا إِلَى الْمجَاز وَفِيه نظر
٤ - وَمِنْهَا مَا إِذا قَالَ إِن كلمت زيدا وَدخلت الدَّار فَأَنت طَالِق فَفِيهِ وَجْهَان لِأَصْحَابِنَا أصَحهمَا أَنه مَتى وجد الفعلان وَقع الطَّلَاق سَوَاء وجدا مَعًا أَو أَحدهمَا قبل الآخر على وفْق مَا قَالَ أَو على عَكسه لِأَن الْوَاو إِنَّمَا تَقْتَضِي مُطلق الْجمع كَمَا تقدم وَالثَّانِي أَنه لَا تطلق حَتَّى يتَقَدَّم تكليمها زيدا على دُخُول الدَّار فَإِذا وجدا كَذَلِك طلقت وَهَذَا ذهَاب من قَائِله إِلَى أَن الْوَاو
стр. 70
تَقْتَضِي التَّرْتِيب وَهُوَ وَجه مَشْهُور وَلَكِن الرَّاجِح خِلَافه
٥ - وَمِنْهَا إِذا وكل رجلا فِي المخالعة فَقَالَ خُذ مَالِي ثمَّ طَلقهَا لم يجز تَقْدِيم الطَّلَاق على أخد المَال وَلَو قَالَ خُذ مَالِي وَطَلقهَا فَهَل يشْتَرط تَقْدِيم المَال كَمَا فِي الصُّورَة الأولى أم لَا يشْتَرط ذَلِك وَيجوز تَقْدِيم الطَّلَاق كَمَا لَو قَالَ طَلقهَا وَخذ مَالِي مِنْهَا
فِيهِ وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ وَقد رجح صَاحب التَّهْذِيب مِنْهُمَا الأول يَعْنِي الِاشْتِرَاط للتقديم وَهَذَا يحْتَمل أَن يكون ذَهَابًا من الْبَغَوِيّ إِلَى أَن الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب وَيحْتَمل أَن يكون اعْتِبَارا للِاحْتِيَاط للْمُوكل فِي تَقْدِيم أَخذ المَال لِأَن الرَّافِعِيّ حكى عقيب ذَلِك أَنه لَو قَالَ طَلقهَا ثمَّ خُذ مَالِي أَنه يجوز تَقْدِيم أَخذ المَال على الطَّلَاق فَإِنَّهُ زِيَادَة خير فَدلَّ على أَن الْمُعْتَبر لَيْسَ مُرَاعَاة التَّقْدِيم اللَّفْظِيّ بل شَيْئا آخر
٦ - وَمِنْهَا على مَذْهَب الْحَنَفِيَّة إِذا زوج رجل أمتين برضاهما من رجل بِغَيْر إِذْنه وَبِغير إِذن الْمولى فَالنِّكَاح عِنْدهم مَوْقُوف على إجَازَة كل وَاحِد مِنْهُمَا فَإِن
стр. 71
أجَاز أَحدهمَا يُوقف على إجَازَة الآخر فَإِن اعتقهما الْمولى قبل الْإِجَازَة بِلَفْظ وَاحِد لم يبطل النِّكَاح فيهمَا مُطلقًا لِأَنَّهُ لم يتَحَقَّق الْجمع بَين الْحرَّة وَالْأمة لَا فِي حَال العقد وَلَا فِي حَال الْإِجَازَة لَكِن لم يبْق لاجازة الْمولى أثر
وَإِن أعتقهما مفترقا فِي زمانين سقط حق الْمولى من الْإِجَازَة فِي حق الأولى وَبَقِي مَوْقُوفا على إجَازَة الزَّوْج وَبَطل النِّكَاح فِي الثَّانِيَة لِأَنَّهُ يلْزم قبل عتقهَا الْجمع بَين الْحرَّة وَالْأمة حَالَة الْإِجَازَة إِذْ كَانَ حق الْمولى بَاقِيا فِي إجَازَة نِكَاحهَا إِلَى أَن أعْتقهَا
وَلَو قَالَ هَذِه حرَّة وَهَذِه حرَّة كَانَ كَمَا لَو أعتقهما فِي وَقْتَيْنِ وَهَذَا مشْعر بِأَن الْوَاو عِنْدهم للتَّرْتِيب
قَالُوا وَلَيْسَ ذَلِك لهَذَا الْمَعْنى بل لِأَنَّهُ لما عتقت الأولى وَحدهَا خرج نِكَاح الثَّانِيَة عَن أَن يكون محلا للْوَقْف فَإِنَّهُ إِذا تزوج أمة نِكَاحا مَوْقُوفا بَطل نِكَاح الْأمة وَإِذا خرجت الْأمة الَّتِي لم تعْتق عَن عَن أَن تبقى محلا للنِّكَاح الْمَوْقُوف
стр. 72
بَطل نِكَاحهَا وَذَلِكَ أَمر زَائِد غير كَون الْوَاو للتَّرْتِيب أَو للمعية
٧ - وَمِنْهَا على مَا عِنْدهم أَيْضا إِذا زوج أُخْتَيْنِ فِي عقدين من رجل غَائِب بِغَيْر إِذْنه ثمَّ بلغه الْخَبَر فَإِن أجَاز نِكَاحهمَا مَعًا بطلا كَمَا لَو بَاشر العقد بِنَفسِهِ وَإِن أجَاز نِكَاح كل مِنْهُمَا مُتَفَرقًا بَطل فِي الثَّانِيَة وَإِن قَالَ أجزت نِكَاح هَذِه وَهَذِه بطلا أَيْضا كَمَا لَو أجَاز نِكَاحهمَا مَعًا
وَهَذَا يشْعر بِأَن الْوَاو للمعية وَهِي عكس الَّتِي قبلهَا فِيمَا إِذا قَالَ هَذِه حرَّة وَهَذِه حرَّة وَفرقُوا بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَن الْكَلَام إِذا كَانَ آخِره يُغير أَوله فَلِأَنَّهُ يتَوَقَّف أَوله عَلَيْهِ كَمَا هُوَ يتَوَقَّف على الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء وَإِذا لم يُغير آخِره أَوله لم يتَوَقَّف عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَة الأولى فَإِن إِعْتَاق الْأمة الثَّانِيَة لَا يُغير إِعْتَاق الأولى لِأَن نِكَاح الأولى يبْقى صَحِيحا مَوْقُوفا كَمَا كَانَ وَإِنَّمَا أثر الثَّانِي فِي صِحَة نَفسه لَا فِي تَغْيِير الأول لَو صَحَّ فَلم يتَوَقَّف الْكَلَام عَلَيْهِ وَإِذا لم يتَوَقَّف فسد الثَّانِي
وَأما فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَوله أجزت نِكَاح هَذِه وَهَذِه آخر الْكَلَام يُغير أَوله لِأَنَّهُ إِذا لم يضم الثَّانِيَة إِلَى الأولى يَصح نِكَاح الأولى وَإِذا ضم الاجازة إِلَيْهَا بَطل نِكَاحهمَا للْجمع بَينهمَا فَينزل ذَلِك منزلَة الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء المتصلين بالْكلَام بِخِلَاف مَا إِذا أجَاز نِكَاح كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي وَقت فَإِنَّهُ لم يتَّصل بآخر الْكَلَام مَا غير أَوله إِذْ كل اجازة مُنْفَرِدَة بِنَفسِهَا فاقتصر الْبطلَان على الثَّانِيَة
стр. 73
هَذَا حَاصِل مَا وجهوا بِهِ هَذِه الْمَسْأَلَة وَفرقُوا بَينهمَا وَبَين الَّتِي قبلهَا وَلَا يخفى مَا فِي ذَلِك من الضعْف
وَالْفرق ظَاهر بَين هَذِه وَبَين اتِّصَال الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء بِمَا قبله لِأَن مَا اتَّصل بِهِ الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء الْكَلَام فِيهِ جملَة وَاحِدَة فَاعْتبر بآخرها بِخِلَاف قَوْله أجزت نِكَاح هَذِه وَنِكَاح هَذِه فَإِنَّهُمَا جملتان وَإِن كَانَتَا معطوفتين فَلم يحصل تدافع كَمَا فِي قَوْله أجزت نِكَاحهمَا فيبطلان جَمِيعًا لِأَنَّهُ لَيْسَ إِحْدَاهمَا بِتَعْيِين الصِّحَّة أولى من الْأُخْرَى فَيبْطل فيهمَا
وَأما فِي هَذِه الصُّورَة فقد تعيّنت الأولى للصِّحَّة بإفرادها بالاجازة فَيَنْبَغِي أَن تتَعَيَّن الْأُخْرَى للبطلان وَلَا أثر لاتصال الْكَلَام وإلزامهم من هَذِه الْمَسْأَلَة أَن الْوَاو عِنْدهم يَقْتَضِي الْجمع بِقَيْد الْمَعِيَّة ظَاهر وَالله أعلم
٨ - وَمِنْهَا على قاعدتهم أَيْضا إِذا قَالَ من مَاتَ أَبوهُ عَن ثَلَاثَة أعبد قيمتهم على السوَاء أعتق أبي هَذَا وَهَذَا وَهَذَا فَإِن قَالَه بِكَلَام مُتَّصِل عتق من كل وَاحِد ثلثه على قاعدتهم وَلَا قرعَة وَإِن أقرّ بذلك فِي زمن متفرق عتق الأول بِكَمَالِهِ وَنصف الثَّانِي وَثلث الثَّالِث أما عتق الأول بِكَمَالِهِ فَلِأَن الْوَارِث أقرّ بِعِتْقِهِ وَحده وَالثلث يحْتَملهُ بِعِتْق من غير استسعاء ثمَّ لما أقرّ بِالثَّانِي مُنْفَصِلا عَن الأول وَلم يُغير ذَلِك حكم الأول لِأَن الْكَلَام غير مُتَّصِل فَلم يُغير آخِره أَوله لكنه بِمُقْتَضى إِقْرَاره زعم أَن الثُّلُث بَينه وَبَين الأول نِصْفَيْنِ وَلم يصدق فِي إبِْطَال حق الأول لما ذَكرْنَاهُ وَصدق فِي إِثْبَات حق الثَّانِي فَيعتق مِنْهُ نصفه ثمَّ لما أقرّ بِعِتْق الثَّالِث زعم أَن الثُّلُث بَينهم أَثلَاثًا لكنه لم يصدق فِي إبِْطَال حق الْأَوَّلين لعدم اتِّصَال الْكَلَام فَيعتق من الثَّالِث ثلثه
стр. 74
وَأما إِذا أقرّ بذلك بِكَلَام مُتَّصِل فَمُقْتَضى قَوْله إِنَّه يعْتق من كل وَاحِد ثلثه أَن يكون الْوَاو للْجمع بِقَيْد الْمَعِيَّة عِنْدهم وَقد انفصلوا عَنهُ بِمَا تقدم فِي الَّتِي قبل هَذِه أَن آخر الْكَلَام يُغير أَوله فاعتد بجملته كَمَا فِي حَالَة الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء وَذَلِكَ أَنه لَو سكت على الْإِقْرَار بِعِتْق الأول نفذ فِيهِ وَحده فَإِذا وصل بِكَلَامِهِ الْإِقْرَار بِعِتْق الثَّانِي وَالثَّالِث تغير حكم الأول من عتق إِلَى تشقيص واستسعاء فَكَانَ دافعا لحكم الأول وَكَذَا حكم الثَّانِي مَعَ الثَّالِث بِالنِّسْبَةِ إِلَى قدر مَا يتَعَلَّق مِنْهُ كَمَا تقدم فَلَمَّا كَانَ كَذَلِك توقف أول الْكَلَام وأوسطه على آخِره وَعتق من كل وَاحِد ثلثه
هَذَا حَاصِل مَا وجهوا بِهِ هَذِه الْمَسْأَلَة وفيهَا النّظر الْمُتَقَدّم
٩ - وَمِنْهَا إِذا قَالَ فِي مرض مَوته سَالم حر وغانم حر وَكَانَ الثُّلُث لَا يحْتَمل إِلَّا أَحدهمَا فَإِنَّهُ ينفذ عتق الأول لَا لِأَن الْوَاو للتَّرْتِيب بل لِأَن عتق الأول نفذ عَن غير مَوْقُوف على شَيْء فَلم يُصَادف عتق الثَّانِي محلا للنفوذ
هَذَا مَا جزم بِهِ أَصْحَابنَا وَمُقْتَضى قَاعِدَة الْحَنَفِيَّة الْمَذْكُورَة آنِفا أَن الثُّلُث يتقسط عَلَيْهِمَا بالتشقيص لِأَنَّهُ باتصال كَلَامه دفع آخِره أَوله فاعتبرا كَالْكَلَامِ الْوَاحِد
стр. 75
أما إِذا قَالَ سَالم وغانم وواثق أَحْرَار وَلم يَحْتَمِلهُمْ الثُّلُث فَإِنَّهُ يقرع بَينهم على قَاعِدَة الشَّافِعِي الَّتِي دلّ عَلَيْهَا الحَدِيث وَيعتق من كل مِنْهُم ثلثه عِنْد الْحَنَفِيَّة على قاعدتهم وَلَيْسَ ذَلِك لِأَن الْوَاو للمعية بل لِأَن الْأَخْبَار بحريتهم كَانَ بعد تسميتهم فَهُوَ كَمَا لَو عينهم جَمِيعًا بِكَلِمَة وَاحِدَة مُخَاطبا لَهُم وَذَلِكَ قدر زَائِد على كَون الْوَاو للْجمع بِقَيْد الْمَعِيَّة كَمَا أَن فِي الأول لَا يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهَا للتَّرْتِيب وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
следующие страницы →