Полный текст (964 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
٨ -
(كلا يوميْ طُوالةَ وَصلُ أروى ... ظَنونٌ آنَ مُطرح الظُنونِ) و (كلا) مَنْصُوب الْخَبَر وَهُوَ ظنون والمعمول تَابع الْعَامِل وَالتَّابِع لَا يَقع موقعاً لَا يَقع فِيهِ الْمَتْبُوع
وَالرَّابِع أنَّ الظّرْف وحرف الجرَّ غير مشتقَّين وَلَا معتمدين فَلم يعملا كَقَوْلِك هَذَا زيدٌ فَإِن قَالُوا الظريف نَائِب عَن الْفِعْل فَيعْمل عمله فقد أجبنا عَنهُ فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة
فصل
فَإِن كَانَ الْخَبَر استفهاماً لزم تَقْدِيمه لأنَّ الِاسْتِفْهَام لَهُ صدر الْكَلَام إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ فِيمَا بعده وَلَو قدمت المستفهم عَنهُ على الِاسْتِفْهَام لعكست الْمَعْنى فأمَّا قَوْلهم صنعت مَاذَا ف (مَا) غير معمولة ل (صنعت) هَذِه وَالتَّقْدِير أصنعت ثمَّ حذفت همزَة الِاسْتِفْهَام ثمَّ أتيت ب (مَا) دالَّة عَلَيْهَا و (مَا) مَنْصُوبَة بِفعل آخر استُغني عَنهُ بالمذكور
стр. 107
فصل
وإنَّما لزم تَقْدِيم الْخَبَر إِذا كَانَ ظرفا أَو حرف جرَّ على النكرَة كَقَوْلِك لَهُ مَال لأنَّه لوَ أُخرَّ لجَاز أَن يُعتقد صفة وأنَّ الْخَبَر منتظر وبالتقديم ثَمَّ يَزُول هَذَا الظنّ
فصل
فِيمَا يسدُّ مسدَّ الْخَبَر
فَمن ذَلِك (جَوَاب لَوْلَا) فِي قَوْلك لَوْلَا زيدٌ لأتيتك وَالتَّقْدِير لَوْلَا زيدٌ حَاضر وموجود فَصَارَ طول الْكَلَام بِالْجَوَابِ دَالا على الْمَحْذُوف ومغنياً عَنهُ
وَمن ذَلِك (لعمرك) فِي الْقسم وَالتَّقْدِير قسمي وَالْجَوَاب دالٌّ على الْمَحْذُوف
وَمن ذَلِك قولُهم ضربي زيدا قَائِما ف (قَائِما) حَال من ضمير مَحْذُوف تَقْدِير ضربي زيدا إِذا كَانَ قَائِما فحذفت (إِذا) لأنَّها زمَان وَاسم الْفَاعِل يدلُّ على الزَّمَان و (كَانَ) هَذِه التامَّة ضميرها فَاعل وَالْحَال مِنْهُ فإنْ قلت لم لَا تكون النَّاقِصَة و (قَائِما خَبَرهَا قيل لَا يصحُّ لوَجْهَيْنِ
стр. 108
أَحدهمَا أنَّ (قَائِما) لم تقع فِي مثل هَذِه إلَاّ نكرَة وَخبر (كَانَ) يجوز أَن يكون معرفَة
وَالثَّانِي أنَّ الْغَرَض من (كَانَ) تعْيين زمَان الْخَبَر فَإِذا حذفت لم يبْق على زَمَانه دَلِيل
وَمثل هَذِه الْمَسْأَلَة أَكثر شربي السويق ملتوتاً وأخطبُ مَا يكون الْأَمِير قَائِما فأمَّا قولُهم أخطبُ مَا يكون الْأَمِير يوُم الْجُمُعَة فيروى بِالنّصب على تَقْدِير أَخطب أكوان الْأَمِير يومَ الْجُمُعَة ف (يَوْمًا) هَهُنَا خبر وَفِي الْكَلَام مجَاز وَهُوَ جعل الْكَوْن خاطباً ويُروى بِالرَّفْع على تَقْدِير أَخطب أيامِ كونِ الْأَمِير فَفِيهِ على هَذَا حذف ومجاز
وَمن ذَلِك كلّ رجل وضيعته فَالْخَبَر فِيهِ مَحْذُوف أَي مقرونان أغْنى عَن الْخَبَر كونُ الْوَاو بِمَعْنى (مَعَ) والضيعة هَهُنَا الحرفة
وأمَّا قَوْلهم أَنْت أعلم وربُّك فتقديره ربُّك مكافئك أَو مجازيك
стр. 109
فصل
وأمَّا قَوْلهم أمَّا زيد فمنطلق ف (زيد) مُبْتَدأ و (منطلق) خَبره وإنَّما دخلت الْفَاء لما فِي (أمَّا) من معنى الشَّرْط فَكَانَ موضعهَا الْمُبْتَدَأ لكَونهَا تكون فِي أوَّل لجملة الْمجازى بهَا لكنَّهم أخرَّوها إِلَى الْخَبَر لِئَلَّا تلِي الْفَاء مَا فِي تَقْدِير حرف الشَّرْط وَجعلُوا الْمُبْتَدَأ كالعوض من فعل الشَّرْط وَلَا تدخل الْفَاء على الْخَبَر فِي غير ذَلِك إلَاّ فِي خبر (الَّذِي) إِذا وصل بِفعل أَو ظرف فِيهِ مَا يُؤذِنُ بأنَّ مَا فِي الْخَبَر مستحقّ الصِّلَة
وَكَذَلِكَ صفة النكرَة كَقَوْلِهِم كلُّ رجل يأتيني فَلهُ دِرْهَم فإنْ أدخلت على (الَّذِي) (إنَّ) جَازَ أَن تدخل الْفَاء فِي الْخَبَر وَقَالَ الْأَخْفَش لَا يجوز وَوجه جَوَازه أنَّ (إنَّ) لَا تغيَّر معنى الْكَلَام بل تؤكَّد الْخَبَر بِخِلَاف أخواتها فإنَّها تغيَّر معنى الْكَلَام والأخفش يحكم بِزِيَادَة الْفَاء إِذا وجدهَا فِي شَيْء من ذَلِك
стр. 110
بَاب الْفَاعِل
الْفَاعِل عِنْد النحويَّين الِاسْم الْمسند إِلَيْهِ الْفِعْل أَو مَا قَامَ مقَامه مقدَّما عَلَيْهِ سَوَاء وجد مِنْهُ حَقِيقَة أَو لم يُوجد
وَقَالَ بعض النحويَّين الْفَاعِل من وجد مِنْهُ الْفِعْل وَغَيره مَحْمُول عَلَيْهِ وَهَذَا ضَعِيف لأربعة أوجه
أَحدهَا أنَّ قَوْلهم رخص السّعر وَمَات زيد فَاعل عِنْدهم وَلم يصدر مِنْهُ فعل حَقِيقَة
وَالثَّانِي أنَّه إِذا كَانَ فَاعِلا لصدور الْفِعْل لم يجز بَقَاء هَذَا الِاسْم عَلَيْهِ مَعَ نَفْيه لأنَّ الْمَعْلُول لَا يثبت بِدُونِ علَّة
وَالثَّالِث أنَّ قَوْلك مَا قَامَ زيد يصحُّ أَن تَقول فِيهِ مَا فعل الْقيام فتنفي الْفِعْل عَنهُ فَكيف يشتق لَهُ مِنْهُ اسْم مُثبت
وَالرَّابِع أنَّ الِاسْم إِذا تقدَّم على الْفِعْل بَطل أَن يكون فَاعِلا مَعَ صُدُور الْفِعْل مِنْهُ
فصل
وإنَّما شَرط فِيهِ أَن يتقدَّم الْفِعْل عَلَيْهِ لأربعة أوجه
стр. 111
أحدُها أنَّ الْفَاعِل كجزء من الْفِعْل لما نذكرهُ من بعدُ ومحالٌ تقدُّم جُزْء الشَّيْء عَلَيْهِ وَالثَّانِي أنَّ كَونه فَاعِلا لَا يتصوَّر حَقِيقَة إلَاّ بعد صُدُور الْفِعْل مِنْهُ كَكَوْنِهِ كَاتبا وبانياً فَجعل فِي اللَّفْظ كَذَلِك
وَالثَّالِث أَن الِاسْم إِذا تقدَّم على الْفِعْل جَازَ أَن يسند إِلَى غَيره كَقَوْلِك زيدٌ قَامَ أَبوهُ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا تقدَّم عَلَيْهِ
وَالرَّابِع أنَّ الْفَاعِل لَو جَازَ أَن يتقدَّم على الْفِعْل لم يحْتَج إِلَى ضمير تَثْنِيَة وَلَا جمع والضميرُ لَازم لَهُ كَقَوْلِك الزيدان قاما والزيدون قَامُوا وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا تقدَّم
فصل
والدُليل على أَن الْفَاعِل كجزء من أَجزَاء الْفِعْل اثْنَا عشر وَجها أحدُها أنَّ آخر الْفِعْل يسكَّن لضمير الْفَاعِل لئلَاّ يتوالى أَرْبَعَة متحرّكات ك (ضربت) و (ضربنا) وَلم نسكَّنه مَعَ ضمير الْمَفْعُول نَحْو (ضَرَبَنا) لأنَّه فِي حكم الْمُنْفَصِل وَالثَّانِي أنَّهم جعلُوا النُّون فِي الْأَمْثِلَة الْخَمْسَة عَلامَة رفع الْفِعْل مَعَ حيلولة الْفَاعِل بَينهمَا وَلَوْلَا أنَّه كجزء من الْفِعْل لم يكن كَذَلِك وَالثَّالِث أنَّهم لم يعطفوا على الضَّمِير المتَّصل الْمَرْفُوع من غير توكيد لجريانه مجْرى الْحَرْف من الْفِعْل واختلاطه بِهِ
стр. 112
وَالرَّابِع أنَّهم وصلوا تَاء التَّأْنِيث بِالْفِعْلِ دلَالَة على تَأْنِيث الْفَاعِل فَكَانَ كالجزء مِنْهُ الْخَامِس أنَّهم قَالُوا (ألقيا) و (قفا) مَكَان (ألقِ ألقِ) وَلَوْلَا أنَّ ضمير الْفَاعِل كجزء من الْفِعْل لما أنيب مَنَابه السَّادِس أنَّهم نسبوا إِلَى (كنت) (كنتي) وَلَوْلَا جعلهم التَّاء كجزء من الْفِعْل لم يبْق مَعَ النّسَب السَّابِع أنَّهم ألغوا (ظَنَنْت) إِذا توسَّطت أَو تأخَّرت وَلَا وَجه لذَلِك إِلَّا جعل الْفَاعِل كجزء من الْفِعْل الَّذِي لَا فَاعل لَهُ وَمثل ذَلِك لَا يعْمل الثَّامِن أمتناعهم من تَقْدِيم الْفَاعِل على الْفِعْل كامتناعهم من تَقْدِيم بعض حُرُوفه
وَالتَّاسِع أنَّهم جعلُوا (حبَّذا) بِمَنْزِلَة جُزْء وَاحِد لَا يُفِيد مَعَ أنَّه فعل وفاعل
والعاشر أنَّ من النحويَّين من حعل (حبَّذا) فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ وَأخْبر عَنهُ وَالْجُمْلَة لَا يصحُّ فِيهَا ذَلِك إلَاّ إِذا سُمِّي بهَا
وَالْحَادِي عشر أنَّهم جعلُوا (ذَا) فِي (حبذَّا) بِلَفْظ وَاحِد فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع والتأنيث كَمَا يفعل ذَلِك فِي الْحَرْف الْوَاحِد
стр. 113
وَالثَّانِي عشر أنَّهم قَالُوا فِي تَصْغِير (حبَّذا) (مَا أحيبذه) فصغروا الْفِعْل وحذفوا مِنْهُ إِحْدَى البائين وَمن الِاسْم الْألف والعربُ تَقول لَا تحبَّذه عَلَيْهِ فاشتقَّ مِنْهُمَا
فصل
وَالْعَامِل فى الْفَاعِل الفعلُ الْمسند إِلَيْهِ وَهَذَا أسدُّ من قَوْلهم الْعَامِل إِسْنَاد الْفِعْل إِلَيْهِ لأنَّ الْإِسْنَاد معنى وَالْعَامِل هُنَا لفظيّ وَالَّذِي ذكرته هُوَ الَّذِي أرادوه لأنَّ الْفِعْل لَا يعْمل إِلَّا إِذا كَانَ لَهُ نِسْبَة إِلَى الِاسْم فلَمّا كَانَ من شُرُوط عمل الْفِعْل الإسنادُ وَالنِّسْبَة تجوَّزوا بِمَا قَالُوا والحقيقة مَا قلت
وَقَالَ خلف الكوفيّ الْعَامِل فِي الْفَاعِل الفاعليَّة وَالدَّلِيل على فَسَاد قَوْله من أَرْبَعَة أوجه أحدُها أنَّ (إنَّ) عاملة بِنَفسِهَا وَهِي نائبة عَن الْفِعْل فَعمل الْفِعْل بِنَفسِهِ أوْلى وَالثَّانِي أنَّ الْفِعْل لفظ مختضٌّ بِالِاسْمِ والاختصاصُ مؤثَّر فِي الْمَعْنى فَوَجَبَ أَن يؤثِّر فِي اللَّفْظ كعوامل الْفِعْل وَالثَّالِث أَن الْمُوجب لِمَعْنى الفاعلية هوالفعل فَكَانَ هُوَ الْمُوجب للْعَمَل فِي اللَّفْظ
стр. 114
وَالرَّابِع أنَّ الِاسْم قد يكون فِي اللَّفْظ فَاعِلا وَفِي الْمَعْنى مَفْعُولا بِهِ كَقَوْلِك مَاتَ زيدٌ ومفعولا فِي اللَّفْظ وَهُوَ فِي الْمَعْنى فَاعل كَقَوْلِك تصبَّب زيدٌ عرقاً وَلَو كَانَ الْعَامِل هُوَ الْمَعْنى لانعكست هَذِه الْمسَائِل
فصل
وإنَّما أعرب الْفَاعِل بِالرَّفْع لأربعة أوجه أَحدهَا أنَّ الْغَرَض الْفرق بَين الْفَاعِل وَالْمَفْعُول فبأيِّ شيْ حصل جَازَ
وَالثَّانِي أنَّ الْفَاعِل أقلُّ من الْمَفْعُول والضمُّ أثقل من الْفَتْح فَجعل الأثقل للأقلِّ والأخف للْأَكْثَر تعديلاً وَالثَّالِث أنَّ الْفَاعِل أقوى من الْمَفْعُول إِذا كَانَ لَازِما لَا يسوغ حذفه والضَّمة أقوى الحركات فَجعل لَهُ مَا يُنَاسِبه
وَالرَّابِع أنَّ الْفَاعِل قبل الْمَفْعُول لفظا وَمعنى لأنَّ الْفِعْل يصدر مِنْهُ قبل وُصُوله إِلَى الْمَفْعُول فَجعل لَهُ أوَّل الحركات وَهُوَ الضَّمّة
فصل
وإنَّما لم يجز أَن تكون الْجُمْلَة فاعلاُ لثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أنَّ الْفَاعِل كجزء من الْفِعْل وَلَا يُمكن جعل الْجُمْلَة كالجزء لاستقلالها
стр. 115
وَالثَّانِي أنَّ الْفَاعِل قد يكون مضمراً وَمَعْرِفَة بِالْألف وَاللَّام وإضمار الْجُمْلَة لَا يصحُّ وَالْألف وَاللَّام لَا تدخل عَلَيْهَا
وَالثَّالِث أنَّ الْجُمْلَة قد عمل بعضُها فِي بعض فَلَا يصحُّ أنْ يعْمل فِيهَا الْفِعْل لَا فِي جُمْلَتهَا وَلَا فِي أبعاضها إِذْ لَا يُمكن تقديرها بالمفرد هُنَا
فصل
وَالْأَصْل تَقْدِيم الْفَاعِل على الْمَفْعُول لأنَّه لَازم فِي الْجُمْلَة جَار مجْرى جُزْء من الْفِعْل وَالْمَفْعُول قد يسْتَغْنى عَنهُ وَالْفَاعِل يصدر مِنْهُ الْفِعْل ثَّم يُفْضِي إِلَى الْمَفْعُول بِهِ بعد ذَلِك إلَاّ أنّ تَقْدِيم الْمَفْعُول جَائِز لقوَّة الْفِعْل بتصرفَّه وَالْحَاجة إِلَى اتساع الْأَلْفَاظ فإنْ خيفّ اللّبْس لم يجز التَّقْدِيم مثل أَن يكون الْفَاعِل وَالْمَفْعُول لَا يتبيَّن فيهمَا إِعْرَاب فإنْ وصف أحدُهما أَو عطف عَلَيْهِ مَا يفصل بَينهمَا جَازَ التَّقْدِيم
فصل
وأوْلى الْفِعْلَيْنِ بِالْعَمَلِ الْأَخير مِنْهُمَا وَقَالَ الكوفيَّون الأوَّل أوْلى واتَّفقوا على أنَّ كلا الْأَمريْنِ جَائِز إِذا صحَّ الْمَعْنى وأنَّه لَا يُخيَّر فِي إِعْمَال أيّهما شَاءَ إِذا لم يصحَّ الْمَعْنى وَإِذا تقدَّم الْفِعْل الَّذِي يحْتَاج إِلَى فَاعل أضمر فِيهِ كَقَوْلِك ضربوني وَضربت الزيدين وَقَالَ الكسائيُّ لَا يُضمر
стр. 116
وَالدَّلِيل على أنَّ إِعْمَال الثَّانِي أوْلى السماعُ والقياسُ فَمن السماع قولُه تَعَالَى ﴿يستفتونك قلِ الله يفتيكم فِي الكلالةِ﴾ وَلَو أعْمَلَ الأول لقَالَ (فِيهَا) وَقَوله تَعَالَى ﴿قَالَ آتوني أفرغ عليهِ قطِراً﴾ وَلم يقل (أفرغه) وَقَوله تَعَالَى ﴿هاؤمُ اقرؤوا كتابَيْه﴾ وَلم يقل (اقرؤوه) وَمِمَّا جَاءَ فِي الشّعْر قولُ الفرزدق // الطَّوِيل // ٩ -
(ولكنَّ نصفا لَو سببْتُ وسبَّني ... بَنو عبد شمس مِنْ مُناف وهاشمِ) وَلم يقل سبُّوني وَهُوَ كثير فِي الشّعْر
وأمَّا القياسُ فَهُوَ أنَّ الثَّانِي أقرب إِلَى الِاسْم وإعماُله فِيهِ لَا يُغير معنى فَكَانَ
стр. 117
أوْلى كَقَوْلِهِم خشَّنت بصدره وَصدر زيد بحرِّ الْمَعْطُوف وَكَذَا قَوْلهم مَرَرْت ومرَّ بِي زيد أَكثر من قَوْلهم مر بِي ومررت بزيد والعلَّة فِيهِ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أنَّ الْعَامِل فِي الشَّيْء كالعلَّة الْعَقْلِيَّة وَتلك لَا يفصل بَينهَا وَبَين معمولها
وَالثَّانِي أنَّ الْفَصْل بَين الْعَامِل والمعمول بالأجنبيّ لَا يجوز كَقَوْلِهِم كَانَت زيدا الحَّمى تَأْخُذ والمعطوف هُنَا كَالْأَجْنَبِيِّ فاحسن أَحْوَاله أَن يضعف عمل الأوَّل ويدلُّ على ذَلِك أنَّ الْفِعْل إِذا تَأَخّر عَن الْمَفْعُول جَازَ دُخُول اللَّام عَلَيْهِ كَقَوْلِك لزيدٍ ضربُت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لرِّبهم يرهبون﴾ وَلَا يجوز ذَلِك مَعَ تَقْدِيم الْفِعْل / وَكَذَلِكَ أَيْضا إِذا جَاوز الْفِعْل الْفَاعِل المؤسنث الْحَقِيقِيّ لَزِمت فِيهِ التَّاء وَإِن فصل بَينهمَا لم يلْزم كلُّ ذَلِك اهتمامٌ بالأقرب وَكَانَ أَبُو عليّ يتمثَّل عِنْد ذَلِك بقول الْهُذلِيّ ١٠ -
(وإنَّما ... نوكّل بالأدنى وَإِن جلَّ مَا يمْضِي)
стр. 118
واحتجَّ الْآخرُونَ بِأَبْيَات عمل فِيهَا الأوَّل وَلَيْسَ فِيهَا حجَّة على الأوْلى بل الْجَوَاز فأمَّا قَول أمرئ الْقَيْس ١١
(فَلَو أنَّ مَا أسعى لأدنى معيشةٍ ... كفاني _ ولَمْ أطلبْ - قليلٌ من المَال) فإنَّما أعمل الأوَّل فِيهِ لأنَّ الْمَعْنى عَلَيْهِ أَي لَو كنت أسعى لأمر حقير كفاني الْقَلِيل وَلَو نصب على هَذَا لتناقض الْمَعْنى فإنْ قَالُوا الأوَّل أهُّم للبدء بِهِ قُلْنَا لَو اشتدَّ الاهتمام بِهِ لّجُعل معمولُه إِلَى جَانِبه على الاهتمام بالأقرب أشدّ على مَا بيَّنا
стр. 119
بَاب مَا لم يُسمَّ فَاعله
إنَّما حذف الْفَاعِل لخمسة أوجه
أَحدهَا ألَاّ يكون للمتكلمِّ فِي ذكره غَرَض
وَالثَّانِي أنْ يُترك ذكره تَعْظِيمًا لَهُ واحتقاراً
وَالثَّالِث أَن يكون الْمُخَاطب قد عرفه
وَالرَّابِع أَن يخَاف عَلَيْهِ من ذكره وَالْخَامِس ألَاّ يكون المتكلَّم يعرفهُ
فصل
وإنَّما غُيِّرَ لفظ الْفِعْل ليدلَّ تَغْيِيره على حذف الْفَاعِل وإنَّما ضُمَّ أوَّله وكُّسِر مَا قبل آخِره فِي الْمَاضِي وَفتح الْمُسْتَقْبل لوَجْهَيْنِ
أحدُهما أنَّه خُصَّ بِصِيغَة لَا يكون مثلهَا فِي الْأَسْمَاء وَلَا فِي الْأَفْعَال الَّتِي سمُيِّي فاعلها لئلَاّ يلتبس فإنْ قلت كَانَ يجب أَن يُكسر أوَّلُه ويضَّم مَا قبل آخِره إِذْ لَا نَظِير لَهُ قيل الْخُرُوج من كسر إِلَى ضمّ مستثقل جدّاً بِخِلَاف الْخُرُوج من ضمّ إِلَى
стр. 120
كسر فأمَّا (دُئِل) فَلَا يُعتدُّ بِهِ لقلَّته وشذوذه وإنَّما فتح قبل الْأَخير فِي الْمُسْتَقْبل لئلَاّ يلتبس بِمَا سُمَّي فَاعله
وَالْوَجْه الثَّانِي أنَّهم ضمُّوه عوضا من ضمَّ الْفَاعِل الْمَحْذُوف وَهَذَا ضَعِيف لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أنَّهم غيَّروا مِنْهُ موضعا آخر بِغَيْر الضمِّ وَالثَّانِي أنَّ الْمَحْذُوف قد أقيم الْمَفْعُول مُقامه
فصل
وإنَّما أقيم الْمَفْعُول مُقام الْفَاعِل ليَكُون الْفِعْل حَدِيثا عَنهُ إِذْ الْفِعْل خبر وَلَا بدَّ لَهُ من مخبر عَنهُ ولّمَّا أقيم مقَامه فِي الأسناد إِلَيْهِ رفُع كَمَا رفع الرافع لَهُ الْفِعْل الْمسند إِلَيْهِ
فصل
وإنَّما لم يجز بِنَاء الْفِعْل اللَّازِم لما يسمَّ فَاعله لأنَّه يبْقى خَبرا بِغَيْر مخبر عَنهُ كَقَوْلِك جُلس وَقد ذهب قوم إِلَى جَوَازه على أَن يكون الْمصدر الْمَحْذُوف مضمراً فِيهِ وساغ حذفه بِدلَالَة الْفِعْل عَلَيْهِ وَهَذَا ضَعِيف جدّاً لأنَّ الْمصدر الْمَحْذُوف لَا يُفِيد
стр. 121
إِسْنَاد الْفِعْل إِلَيْهِ إِذا كَانَ الْفِعْل يُغني عَنهُ وَلَا يصحّ تَقْدِير مصدر مَوْصُوف وَلَا دالّ على عدد إِذْ لَيْسَ فِي الْفِعْل دلَالَة على الصّفة وَالْعدَد
فصل
وَإِذا كَانَ فِي الْكَلَام مفعول بِهِ صَحِيح جُعل القائَم مَقامَ الْفَاعِل دون الظّرْف وحرف الجرّ لأربعة أوجه
أحدُها أنَّ الْفِعْل يصل إِلَيْهِ بِنَفسِهِ كَمَا يصل إِلَى الْفَاعِل بِخِلَاف الظّرْف
وَالثَّانِي أنَّ الْمَفْعُول بِهِ شريك الْفَاعِل لأنَّ الْفَاعِل يوجِد الْفِعْل وَالْمَفْعُول بِهِ يحفظه
وَالثَّالِث أنَّ الْمَفْعُول فِي الْمَعْنى قد جعل فَاعِلا فِي اللَّفْظ كَقَوْلِك مَاتَ زيد وطلعت الشَّمْس وهما فِي الْمَعْنى مفعول بهما بِخِلَاف الظّرْف
وَالرَّابِع أنَّ من الْأَفْعَال مَا لم يُسمَّ فَاعله بِحَال نَحْو عُنيت بحاجتك وبابه وَلم يسند إلَاّ إِلَى مفعول بِهِ صَحِيح فدلَّ على أنّه أشبه بالفاعل
وَقَالَ الكوفيَّون يجوز إِقَامَة الظّرْف مقَام الْفَاعِل وَإِن كَانَ مَعَه مفعول صَحِيح لِأَنَّهُ يصير مَفْعُولا بِهِ على السعَة وَهَذَا ضَعِيف لما ذكرنَا
فصل
وأمَّا إِقَامَة الْمصدر مقَام الْفَاعِل مَعَ الْمَفْعُول بِهِ فللبصريَّين فِيهِ مذهبان
стр. 122
أَحدهمَا لَا يجوز لأنَّ الْمصدر يصل إِلَيْهِ فِي الْمَعْنى فَهُوَ غير لَازم بِخِلَاف الْمَفْعُول بِهِ
وَالْآخر يجوز لِأَن الْفِعْل يصل إِلَيْهِ بِنَفسِهِ واحتجُّوا على ذَلِك بقرأءة أبي جَعْفَر المدنيّ ﴿ليُجْزَى قوما﴾ أَي ليُجْزَى الجزاءُ قوما وبقراءة عَاصِم ﴿وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ﴾ أَي نجي النَّجَاء وَبقول جرير
(فَلَو وَلَدت فُقَيْرَةُ جَرْوَ كَلْبٍ ... لَسُبَّ بذلك الكلْبِ الكلابا)
стр. 123
وَهَذَا ضَعِيف لما ذكرنَا والقراءتان ضعيفتان على أنَّ قِرَاءَة عَاصِم فِيهَا وَجه آخر يُخرجهَا من هَذَا الْبَاب وَهُوَ يكون أَن الأَصْل (ننجي) ثَّم أبدل النُّون الثَّانِيَة جيماً وأدغمها وأمَّا قِرَاءَة أبي جَعْفَر فعلى تَقْدِير (لنجزي الْخَيْر قوما) فالخير مفعول بِهِ وَهَذَا الْفِعْل يتعّدىَّ إِلَى مفعولين وأضمر الأوَّل لدلَالَة الثَّانِي عَلَيْهِ وأمَّا الْبَيْت فقد حُمل على مَا قَالُوا وَحمل على وَجه آخر وَهُوَ أَن يكون التَّقْدِير فَلَو ولدت قفيرة الْكلاب ياجرو كلب لسبّ أَي جنس الْكلاب
فصل
وإنَّما جَازَ إِقَامَة حرف الجرَّ والظرف والمصدر - أيَّها شِئْت _ مُقام الْفَاعِل لتساويها فِي ضعفها عَن الْمَفْعُول بِهِ وإنَّما يُقَام الظّرْف مقَام الْفَاعِل إِذا جعل مَفْعُولا على السعَة لأنَّه إذْ كَانَ ظرفا كَانَ حرف الجرِّ مقدَّراُ مَعَه وَهُوَ (فِي) و (فِي) يَقع فِيهَا الْفِعْل لَا بهَا ولأنَّ الْفِعْل يصل إِلَى الْفَاعِل بِغَيْر وَاسِطَة فَلم يُشبههُ الظّرْف ولأنَّ
стр. 124
الْمَفْعُول بِهِ يصحّ أسناد الْفِعْل إِلَيْهِ وَإِذا قدَّر مَعَ الظّرْف (فِي) لم يصحّ إِسْنَاد الْفِعْل إِلَيْهِ
قإنْ قلت فَكيف يصحّ إِقَامَة (الْبَاء) مقَام الْفَاعِل قيل إِن (الْبَاء) لم يُؤْت بهَا إلاّ لتقوّي الْفِعْل و (فِي) هِيَ الدالَّة على الظرفيَّة وإقامتها مقَام الْفَاعِل تسلبها هَذَا الْمَعْنى وَلَا يُقَام الْمصدر مقَام الْفَاعِل إلَاّ إِذا وصف أَو دلَّ على الْمرة أَو المرَّات لِأَنَّهُ حينئذٍ يُفِيد مَالا يدلُّ الْفِعْل عَلَيْهِ
فصل
وَلَا يجوز إِقَامَة الْحَال مقَام الْفَاعِل لأربعة أوجه أَحدهَا أنَّ الْفَاعِل يكون مظْهرا ومضمراً وَمَعْرِفَة ونكرة وَالْحَال لَا تكون إلَاّ نكرَة
وَالثَّانِي أنَّ الْحَال تقدّر ب (فِي) وَلَا يصحّ تَقْدِير إِسْقَاطهَا
وَالثَّالِث أنَّ الْحَال كالخبر على مَا نبيَّنه فِي بَابه وَخبر الْمُبْتَدَأ لَا يصحّ قيامُه مقَام الْفَاعِل لِأَنَّهُ مُسْند إِلَى غَيره وَالرَّابِع أنَّ الْحَال كالصفة فِي الْمَعْنى لِأَنَّهَا هِيَ صَاحب الْحَال وإنَّما يُقَام مقَام الْفَاعِل غَيره
стр. 125
فصل
وإنَّما لم يقم الميزَّ مقَام الْفَاعِل لثَلَاثَة أوجه أحدُها أنَّه لَا يكون ألَاّ نكرَة وَالثَّانِي أنَّ حرف الجرّ مَعَه مُرَاد وَالثَّالِث أنَّه لَو اسقط المميّز لمك يبْق عَلَيْهِ دَلِيل وَلِهَذَا الْوَجْه لن يَجْعَل الْمُسْتَثْنى مقَام الْفَاعِل
فصل
وأمَّا الْمَفْعُول لَهُ فَلَا يُقَام مقَام الْفَاعِل لوَجْهَيْنِ د أَحدهمَا أنَّ اللَّام مُرَادة وَالثَّانِي أنَّه غَرَض الْفَاعِل فَلَو أقيم مقَامه لبطل هَذَا الْمَعْنى
فصل
وأنَّما لم يقم خبر كَانَ مقَام أسمها لوَجْهَيْنِ أحدُهما أنَّه هُوَ الِاسْم فِي الْمَعْنى وَالثَّانِي أنَّ الْخَبَر مسندٌ إِلَى غَيره فَلَا يسند إِلَيْهِ
стр. 126
بَاب كَانَ وَأَخَوَاتهَا
ذهب الْجُمْهُور إِلَى أنَّها أَفعَال لتصُّرفها وأتِّصال الضمائر وتاء التَّأْنِيث بهَا ودلالتها على معنى فِي نَفسهَا وَهُوَ الزَّمَان
فصل
وإنَّما لم تدلّ على حدث وَلَا أكّدت بِالْمَصْدَرِ لأنَّهم اشتقوها من المصادر ثّم خلعوا عَنْهَا دلالتها على الْحَدث لتدلَّ على زمن خبر الْمُبْتَدَأ حتَّى صَارَت مَعَ الْخَبَر بِمَنْزِلَة الْفِعْل الدالّ على الْحَدث وَالزَّمَان
وَمن عبَّر من البصريَّين عَنْهَا بالحروف فقد تجوَّز لأنَّه وجدهَا تشبه الْحُرُوف فِي أنَّها لَا تدلّ على الْحَدث وإنَّما هِيَ أَفعَال لفظيَّة أَو يكون عنَىَ بالحروف
стр. 127
الطَّرِيقَة إِذْ كَانَ لهَذِهِ الْأَفْعَال فِي النَّحْو طَريقَة تخَالف فِيهَا بقيَّة الْأَفْعَال ولهذه العلَّة خصّوها من بَين الْأَفْعَال بِالدُّخُولِ على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر
وأمَّا (لَيْسَ) فَمن البصريَّين من قَالَ هِيَ حرف وإنَّ الضَّمِير اتَّصل بهَا لشبهها بالأفعال كَمَا اتَّصل الضَّمِير ب (هَا) على لُغَة من قَالَ فِي التَّثْنِيَة (هاءا) وَفِي الْجمع (هاؤوا) وَأَبُو عليّ يُشِير إِلَيْهِ فِي كتبه كثيرا ويقوِّي ذَلِك أنَّها لَا تدلُّ على زمَان وأنَّها تَنْفِي كَمَا تَنْفِي (مَا) وأنَّهم شبَّهوها ب (مَا) فِي إبِْطَال عَملهَا بِدُخُول (إلَاّ) على الْخَبَر فِي قَوْلهم لَيْسَ إلَاّ الطّيب الْمسك بِالرَّفْع فيهمَا
وَمن قَالَ هِيَ فعلٌ لفظيٌّ فقد احتجَّ بِمَا ذكرنَا وسلبت التصرُّف لشبهها بهَا ويدلُّ على أنَّها فعلٌ جَوَاز تَقْدِيم خَبَرهَا على اسْمهَا عِنْد الْجَمِيع وتقديمه عَلَيْهَا عِنْد كثير مِنْهُم بِخِلَاف (مَا)
فصل
وإنَّما كَانَت (كَانَ) أمّ هَذِه الْأَفْعَال لخمسة أوجه
أَحدهَا سَعَة أقسامها
стр. 128
وَالثَّانِي أنَّ (كَانَ) التامَّة دَالَّة على الْكَوْن وكلُّ شَيْء دَاخل تَحت الْكَوْن
وَالثَّالِث أنَّ (كَانَ) دالَّة على مُطلق الزَّمَان الْمَاضِي و (يكون) دالَّة على مُطلق الزَّمَان الْمُسْتَقْبل بِخِلَاف غَيرهَا فإنَّها تدل على زمَان مَخْصُوص كالصباح والمساء
وَالرَّابِع أنَّها أَكثر فِي كَلَامهم وَلِهَذَا حذفوا مِنْهَا النُّون إِذا كَانَت نَاقِصَة فِي قَوْلهم لم يَك
وَالْخَامِس أنَّ بقيَّة أخواتها تصلح أَن تقع أَخْبَارًا لَهَا كَقَوْلِك كَانَ زيد أصبح مُنْطَلقًا وَلَا يحسنُ أصبح زيد كَانَ مُنْطَلقًا
فصل
وإنَّما اقْتَضَت النَّاقِصَة اسْمَيْنِ لأنّها دخلت على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر للدلالة على زمن الْخَبَر وإنمَّا عملت لأنَّها أَفعَال متصرِّفة مُؤثرَة فِي معنى الْجُمْلَة فَأَشْبَهت (ظَنَنْت) وإنَّما رفعت ونصبت لأنَّها تفْتَقر إِلَى اسْم تسند إِلَيْهِ كَسَائِر الْأَفْعَال فَمَا تسند إِلَيْهِ مشبَّه بالفاعل الْحَقِيقِيّ
стр. 129
وأمَّا الْخَبَر فمنصوب ب (كَانَ) عِنْد البصريَّين وَقَالَ الكوفيُّون ينْتَصب على الْقطع يعنون الْحَال وَالدَّلِيل على انتصابه ب (كَانَ) أنَّه اسْم بعد الْفِعْل وَالْفَاعِل وَلَيْسَ بتابع لَهُ فَأشبه الْمَفْعُول بِهِ وَلَا يصحّ جعله حَالا لأنَّ الْحَال لَا يكون معرفَة وَلَا مضمراً وليصحُّ حذفه وَلَيْسَ كَذَلِك خبر كَانَ لأنَّه مَقْصُود الْجُمْلَة أَلا ترى أنَّه لَو قَالَ كَانَ زيٌد قَائِما فَقَالَ قَائِل لَا كَانَ النَّفْي عَائِدًا إِلَى الْقيام لَا إِلَى كَانَ
فصل
وإنَّما لم يكن منصوبها مَفْعُولا بِهِ على التَّحْقِيق لأنَّ الْمَفْعُول بِهِ يسوغ حذفه وَلَا يلْزم أَن تكون عدَّته على عدَّة الْفَاعِل وَلَا أَن يكون الْمَفْعُول بِهِ هُوَ الْفَاعِل وَخبر كَانَ يلْزم فِيهِ ذَلِك
فصل
وإنَّما جَازَ تَقْدِيم أَخْبَارهَا على أسمائها لتصرُّفها فأمَّا تَقْدِيم خبر (مَا زَالَ وَأَخَوَاتهَا) عَلَيْهَا فَمَنعه البصريُّون والفرَّاء لِأَن (مَا) أمّ حُرُوف النَّفْي وَمَا فِي صلَة النَّفْي لَا يتقدَّم عَلَيْهِ لأنَّ النَّفْي لَهُ صدر الْكَلَام إِذْ كَانَ يحدث فِيمَا بعده معنى لَا يفهم بالتقديم فَيُشبه حُرُوف الْجَزَاء والاستفهام والنداء
стр. 130
فأمَّا (لَا يزَال) و (لن يزَال) و (لم يزل) فَيجوز تَقْدِيم الْخَبَر عَلَيْهَا لأنهَّا فروع على (مَا) إِذْ كَانَت تردّ إِلَيْهَا وتستعمل فِي مَوَاضِع لَا يصحّ فِيهَا (مَا) وَلِهَذَا عملت فِي الْأَفْعَال للزومها إِيَّاهَا فمفعول فعلهَا يتقدَّم عَلَيْهَا كَمَا يتقدَّم على نفس الْفِعْل العرّي عَن حرف النَّفْي بِخِلَاف (مَا)
وَقَالَ ابْن كيسَان وبقيَّة الكوفيَّين يجوز تَقْدِيم الْخَبَر عَلَيْهَا لأنَّ (مَا وَالْفِعْل) صَارا فِي معنى الْإِثْبَات وَهَذَا ضَعِيف لأنَّ لفظ النَّفْي بَاقٍ وَالِاعْتِبَار بِهِ لَا بِالْمَعْنَى أَلا ترى أنَّ قَوْلك (لَا تفعل) يسمَّى (نهيا) وَلَو جعلت مَكَانَهُ (اترك الْفِعْل) كَانَ الْمَعْنى وَاحِدًا وَيُسمى الثَّانِي (أمرا)
وأمَّا خبر (مَا دَامَ) فَلَا يتقدَّم عَلَيْهَا عِنْد الْجَمِيع لأنّها مصدريَّة ومعمول الْمصدر لَا يتقدَّم عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ (مَا كَانَ) لأنَّ الْكَلَام نفيٌ لفظا وَمعنى
فأمَّا (لَيْسَ) فاتفقوا على جَوَاز تَقْدِيم خَبَرهَا على اسْمهَا وأمَّا تَقْدِيمه عَلَيْهَا فَيجوز عِنْد الكوفيَّين وَبَعض البصريَّين وحجَّة مَنْ منع أنَّ (لَيْسَ) فعل لَفْظِي
стр. 131
جامدٌ قويٌّ الشّبَه بالحرف فَلم يقْوَ قوَّة أخواته وَجَاز تَقْدِيم الْخَبَر فِيهِ على الِاسْم إِذْ كَانَ فعلا فِي الْجُمْلَة فحاله متوسَّطة بَين (كَانَ) وَبَين (مَا)
واحتجَّ من أجَاز تَقْدِيم خبر (لَيْسَ) بقوله ﴿أَلا يَوْم يَأْتِيهم لَيْسَ مصروفاً عَنْهُم﴾ فنصب (يَوْم) بالْخبر وَلَا يَقع الْمَعْمُول إلَاّ حَيْثُ يَقع الْعَامِل ولأنَّ (لَيْسَ) فعلٌ يتقدَّم خَبره على اسْمه فَكَذَلِك يتقدَّم عَلَيْهِ ك (كَانَ) وَقد أُجِيب عَن الْآيَة من وَجْهَيْن أحدُهما أنّه مَنْصُوب بِفعل آخر يفسّره الْخَبَر
وَالثَّانِي أنّ الظروف تعْمل فِيهَا رَوَائِح الْفِعْل
فصل
وإنَّما لم يجز الفصلُ بَين (كَانَ) وَغَيرهَا من العوامل بِمَا لم تعْمل فِيهِ لأنَّه أجنبيّ غير مُسْند للْكَلَام وَالْعَامِل يطْلب معموله فالفصل بَينهمَا يقطعهُ عَنهُ فَإِن جعلت فِي (كَانَ) ضمير الشَّأْن جَازَ تَقْدِيم مَعْمُول الْخَبَر لاتّصال (كَانَ) بِأحد معموليها وَكَون الْفَاصِل كالجزء من جنسهما
стр. 132
فصل
وإنَّما كَانَ الْأَحْسَن فِي خبر (كَانَ) إِذا وَقع ضميراً أَن يكون مُنْفَصِلا لأنّه فِي الأَصْل خبر الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر لَا يكون متّصّلاً وإنّما سَاغَ فِي (كَانَ) أنْ يكون متّصّلاً لأنّه مشبّه بالمفعول فعلى هَذَا (كنت إيّاه) أَحْسَنُ من (كنته)
فصل
وإنَّما لم يجز دُخُول (إلاّ) فِي خبر (مَا زَالَ) وَأَخَوَاتهَا لِأَن مَعْنَاهَا الْإِثْبَات فَيصير ك (كَانَ) فأمَّا قَول ذِي الرّمة // الطَّوِيل // ١٣ -
(حراجيجُ مَا تنفكُّ إلاّ مُناخةً ... على الْخَسْفِ أَو نرمي بهَا بَلَدا قَفْرا) فيروى بِالرَّفْع على أنّه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَمَوْضِع الْجُمْلَة حَال وَبِالنَّصبِ على الْحَال وَتَكون (تنفك) تَامَّة و (على الْخَسْف) حَال أُخْرَى وَيجوز أَن تكون النَّاقِصَة وَتَكون (على الْخَسْف) الْخَبَر أَي مَا تنفكُّ على الْخَسْف إلَاّ إِذا أنيخت وَعَلِيهِ الْمَعْنى
стр. 133
فصل
لَا يجوز أَن تبنى (كَانَ) لما لم يُسمَّ فَاعله لما ذكر فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَقَالَ الفرَّاء يجوز وَهُوَ فاسدٌ لما تقدَّم
فصل
وَلَا تؤكّد (كَانَ) بِالْمَصْدَرِ لأنَّ الْمصدر دالٌّ على الْحَدث والناقصة لَا تدلُّ عَلَيْهِ وَأَجَازَهُ قوم على أَن يكون الْمصدر لفظيّاً كالفعل المؤكّد وَقَوْلهمْ يُعجبنِي كونُ زيد قَائِما فَهُوَ مصدر التامَّة و (قَائِما) مَنْصُوب على الْحَال
فصل
وحرف الجرّ الدَّاخِل على الْخَبَر لَا يعلَّق بِهَذِهِ الْأَفْعَال لأنَّه زَائِد وإنمّا يتعلَّق الْحَرْف بِالْفِعْلِ الَّذِي يعدّيه
فصل
وَلَا تدخل (لَام كي) على خبر كَانَ لأنَّها تدلُّ على الْمَفْعُول لَهُ وَهَذَا يجوز وَالْخَبَر لَا يجوز حذفه ولأنَّ خبر كَانَ يعَّلل بِغَيْرِهِ لَا بِنَفسِهِ وأمَّا قَوْله تَعَالَى
стр. 134
﴿مَا كَانَ الله ليذرَ الْمُؤمنِينَ﴾ فَالْخَبَر فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره مَا كَانَ الله مرِيدا وَنَحْوه وَقَالَ الكوفيّون هُوَ الْخَبَر وسنشبع القَوْل فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الْأَفْعَال
فصل
وإنَّما سَاغَ أَن تزاد (كَانَ) لأنَّها أشبهت الْحُرُوف فِي أنَّ مَعْنَاهَا فِي غَيرهَا ول (كَانَ) الزَّائِدَة فَاعل مُضَمرٌ فِيهَا تَقْدِيره كَانَ الْكَوْن على قَول أبي سعيد السيرافي وَلَا فَاعل لَهَا عِنْد أبي عليّ وَمعنى زيادتها عِنْد السيرافي فِي إِلْغَاء عَملهَا لَا أنَّها تَخْلُو من فَاعل وإنَّما لم يظْهر ضمير فاعلها لِأَن الضَّمِير يرجع إِلَى مَذْكُور فَيلْزم أَن يكون لَهَا اسْم وَإِذا كَانَ لَهَا اسْم كَانَ لَهَا خبر وَلِهَذَا تبيَّن فسادُ قولِ من قَالَ فِي قَول الفرزدق // الوافر // ١٤ -
( ... وجيرانٍ لنا كَانُوا كرامِ)
стр. 135
إنَّ (كَانَ) زَائِدَة وَالصَّحِيح أنَّ خَبَرهَا (لنا) و (كرام) صفة لجيران وإنَّما لم تقع الزَّائِدَة فِي أوَّل الْكَلَام لأنَّ الزَّائِدَة فرع ومؤكّد وتقدَّمه يخلٌّ بِهَذَا الْمَعْنى
فصل
وإنَّما أكّد خبر (لَيْسَ) بِالْبَاء لثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أنَّ الْكَلَام إِذا زيد فِيهِ قوي وَلِهَذَا زيدت (من) فِي قَوْلك مَا جَاءَنِي من أحد وَالثَّانِي أنَّها بِإِزَاءِ (اللَّام) فِي خبر (إنّ) وَالثَّالِث أنَّ دُخُول حرف الجّر يُؤذن بتعُّلُّق الْكَلِمَة بِمَا قبلهَا من فعل أَو مَا قَامَ مقَامه وَلَو حذفه لَكَانَ مَرْفُوعا أَو مَنْصُوبًا وَكِلَاهُمَا قد يحذف عَامله وَيبقى هُوَ بِخِلَاف حرف الجرّ
فصل
وإنَّما اختيرت (الْبَاء) دون غَيرهَا لثَلَاثَة أوجه
стр. 136
أحدُها أنَّ أَصْلهَا الإلصاق والإلصاق يُوجب شدَّة اتِّصَال أحد الشَّيْئَيْنِ بِالْآخرِ وَالثَّانِي أنَّها من حُرُوف الشفتين فَهِيَ أقوى من اللَّام وَغَيرهَا من حُرُوف الجرّ وَالثَّالِث أنَّ حُرُوف الجرّ كلَّها توجب مَعَ تعديتها الْفِعْل معنى كالتبعيض وَالْملك والتشبيه وَغير ذَلِك وَالْبَاء لَا توجب أَكثر من تَعديَة الْفِعْل وَلذَلِك اسْتعْملت فِي القَسَم وَهُوَ بَاب التوكيد
стр. 137
بَاب مَا
الْقيَاس ألَاّ تعْمل (مَا) لأنَّها غير مختَّصة فَهِيَ كحرف الِاسْتِفْهَام والعطف وَغَيرهمَا وَلِهَذَا لم يعملها بَنو تَمِيم وإنَّما أعملها أهل الْحجاز لشبهها ب (لَيْسَ) وَهِي تشبهها فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء النَّفْي وَنفي مَا فِي الْحَال ودخولها على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَدخُول الْبَاء فِي خَبَرهَا وَقد تقرَّر أنَّ الشَّيْء إِذا أشبه غَيره من وَجْهَيْن فَصَاعِدا حُمل عَلَيْهِ مَا لم يفْسد الْمَعْنى وَمِنْه بَاب مَا لَا ينْصَرف ولَمّا أشبهتها عملت فِي الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر ك (لَيْسَ) وَقَالَ الكوفيٌّون خَبَرهَا مَنْصُوب بِحَذْف حرف الجرّ وَهَذَا فاسدٌ لثَلَاثَة أوجه أحُدها أنَّ هَذَا يَقْتَضِي أنَّ حرف الجرَّ فِيهِ أصل وَلَيْسَ كَذَلِك وَالثَّانِي أنَّ هَذَا هَذَا إِيجَاب الْعَمَل بِالْعدمِ والثالثُ أنَّ حرف الجرَّ تحذف فِي مَوَاضِع وَلَا يجب النصب كَقَوْلِك بحسبك قولُ السوء وَكفى بِاللَّه شَهِيدا وَمَا جَاءَنِي من أحد
فصل
وإنَّما بَطل عَملهَا بِدُخُول (إلَاّ) لزوَال شبهها ب (لَيْسَ) إِذا كَانَ الْكَلَام يعود إِلَى الْإِثْبَات وَلم يبطل عمل (لَيْسَ) بإلَاّ لأنَّها أصل فأمَّا قَول الشَّاعِر [من الطَّوِيل]
стр. 138
١٥ -
(وَمَا الدَّهْر إلَاّ منجنوناً بأَهْله ... وَمَا صَاحب الْحَاجَات إلَاّ معذَّبا) // الطَّوِيل // فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أنَّ الْمَنْصُوب مفعول بِهِ وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره إِلَّا يشبه منجنوناً وَهُوَ الدولاب فِي دورانه وإلَاّ يشبه معذّباً وَالثَّانِي أنَّ (منجنونا) و (معذّبا) منصوبان نصب المصادر ونائبان عَن فعل تَقْدِيره إلَاّ يَدُور دوراناً وإلَاّ يعذب تعذيباً
فصل
وإنَّما بَطل عَملهَا بِتَقْدِيم الْخَبَر لِأَن التَّقْدِيم تصرُّف وَلَا تصرُّف لِ (مَا) ولأنَّ التَّقْدِيم فرع عمل و (مَا) فرع فَلَا يجمع بَين فرعين فأمَّا قَول الفرزدق ١٦ -
(فَأَصْبحُوا قَدْ أعادَ اللهُ نِعْمَتَهُمْ ... إذْ قريشٌ وإذْ هم مَا مثْلَهم بشَرُ) // الْبَسِيط // (بِنصب مثلَ فَفِيهِ أَرْبَعَة أوجه
стр. 139
أَحدهَا أنَّه غلط من الفررزدق لأنَّ لغته تميميَّة وهم لَا ينصوبه بِحَال لكّنه ظنَّ أنَّ أهل الْحجاز ينصبون خَبَرهَا مؤخرَّاً ومقدَّماً وَالثَّانِي أنَّها لُغَة ضَعِيفَة وَالثَّالِث أنَّه حَال تَقْدِيره (إِذْ مَا فِي الدُّنْيَا بشرٌ مثلُهم) فلَمَّا قدَّم صفة النكرَة نصبها وَهَذَا ضَعِيف لأنَّ الْعَامِل فِي الْحَال إِذا كَانَ معنى لَا يحذف وَيبقى عمله إلَاّ أنَّهُ سوّغه شبه (مثل) بالظرف وَالرَّابِع أنَّه ظرف تَقْدِيره (وَإِذ مَا مكانهم بشر) أَي فِي مثل حَالهم إلاّ أنّه سوَّغه شبه مثل بالظرف
فصل
وَيبْطل عَملهَا بِتَقْدِيم مَعْمُول الْخَبَر كَقَوْلِك مَا طعامَكَ زيدٌ آكل لأنَّ مَعْمُول الْخَبَر لَا يَقع إلَاّ حَيْثُ يَقع الْعَامِل فتقديمه كتقديم الْعَامِل وَلَو تقدَّم الْعَامِل لَكَانَ مَرْفُوعا فَكَذَلِك إِذا تقدَّم معمولُه وكلُّ مَوضِع لَا ينْتَصب فِيهِ خبر (مَا) لَا تدخل عَلَيْهِ الْبَاء كَمَا لَا يدْخل على خبر الْمُبْتَدَأ فإنْ قلت طعامَكَ مَا زيدٌ آكلاً لم يجز نصبت الْخَبَر أَو رفعته لأنَّ (مَا) لَهَا صدر الْكَلَام وَأَجَازَ ذَلِك الكوفيُّون وقاسوه على (لَا) و (لم)
стр. 140
و (لن) وَقد بيَّنا فِيمَا تقدَّم أنَّ (مَا) أصل حُرُوف النَّفْي فَلَا يسوَّى بَينهمَا
فصل
فإنْ قلت مَا إنْ زيد قَائِم بَطل عَملهَا لوَجْهَيْنِ أحدُهما أنَّ (مَا) كفَّت (إنَّ) عَن الْعَمَل فتكفّها عَن عَملهَا اقتصاصاً وَالثَّانِي أنَّ (مَا) للنَّفْي و (إنْ) تكون للنَّفْي وَالنَّفْي إِذا دخل على النَّفْي صَار إِثْبَاتًا فَكَذَلِك لفظ النَّفْي وَإِن لم تُرٍدْ بِهِ النَّفْي
فصل
وَمن الْعَرَب من يعْمل (لَا) عمل (مَا) لاشْتِرَاكهمَا فِي الْمَعْنى وَمِنْه قَول الشَّاعِر ١٧ -
(مَنْ صدَّ عَن نيرانها ... فَأَنا ابنُ قيسٍ لَا براحُ) // مجزوء الْكَامِل
стр. 141
أَي لَا لي براح كَقَوْلِك مَالِي وَقَالَ العجَّاج [من الرجز] ١٨ -
(تاللهِ لَوْلَا أنْ تحشَّ الطُّبَّخُ ... بِي الجحيمَ حِين لَا مُسْتَضْرَخُ) // الرجز // وَمِنْهُم مَنْ يُعملها مَعَ الْحِين خاصّة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ولاتَ حينَ مناص﴾ تَقْدِيره وَلَيْسَ الْحِين حِين مستضرح وَقَالَ الأخفشُ هُوَ مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف أَي ولات أرى حِين مناص وَقَالَ قوم هُوَ مبنيَّ مَعَ (لَا) وَمن الْعَرَب من يرفع الْحِين هُنَا ويحذف الْخَبَر فأمَّا (التَّاء) فَقَالَ قومٌ هِيَ مُتَّصِلَة ب (لَا) دخلت لتأنيث الْكَلِمَة كَمَا دخلت فِي (ربّ) و (ثمّ) وعَلى هَذَا يُوقف عَلَيْهَا بِالتَّاءِ لأنَّها أشبهت التَّاء اللاحقة بِالْفِعْلِ فِي دلالتها على التَّأْنِيث فِي غير لَفظهَا وَفتحت ليفرقّ بَين الْحَرْف وَالْفِعْل وَلَو قيل حرِّكت لالتقاء الساكنين كَانَ وَجها وَقَالَ الكسائيّ يُوقف عَلَيْهَا بِالْهَاءِ لتحُّركها وَمِنْهُم من قَالَ هِيَ متصَّلة بِحِين كَمَا قَالُوا (تلان
стр. 142
بَاب نعم وَبئسَ
وهما فعلان عِنْد البصرييَّن وَالْكسَائِيّ واسمان عِنْد البَاقِينَ وَالدَّلِيل على أنَّهما فعلان ثَلَاثَة أَشْيَاء أحدُهما اتَّصال تَاء التَّأْنِيث الساكنة الدّالة على تَأْنِيث الْفَاعِل بهَا وَلَيْسَ كَذَلِك تَاء (ربَّت) و (ثَّمت) لأنَّها متحَّركة غير داَّلة على تَأْنِيث الْفَاعِل وَقد وقف عَلَيْهَا قوم بِالْهَاءِ وَالثَّانِي أنَّه يسْتَتر فِيهَا الضَّمِير وَلَيْسَت اسْم فَاعل وَلَا مفعول وَلَا مَا أشبههما وَقد حكى الكسائيّ نعموا رجَالًا الزيدون وَالثَّالِث أنَّها لَيست حرفا بالِاتِّفَاقِ وَلَا سِيمَا وَهِي تفِيد مَعَ اسْم وَاحِد وَلَا يجوز أَن تكون اسْما إِذْ لَو كَانَت اسْما لكَانَتْ إمَّا أَن تكون مَرْفُوعَة وَلَا سَبِيل إِلَى ذَلِك إِذْ لَيست فَاعِلا وَلَا مُبْتَدأ وَلَا مَا شُبَّه بهما وإمَّا مَنْصُوبَة وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ أَيْضا إِذْ لَيست مَفْعُولا وَلَا مَا شبَّه بِهِ وإمَّا مجرورةً وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ فأمَّا دُخُول (الْبَاء) عَلَيْهَا فِي بعض الحكايات فَلَا يدلُّ على أنَّها اسْم كَمَا قَالَ الراجز
стр. 143
١٩ -
(وَالله مَا ليلِي بنام صاحُبهْ ... ) // مشطور الرجز // وَالتَّقْدِير فِي ذَلِك كلّه بمقول فِيهِ وحذْفُ القَوْل كثير
وأمَّا مَا حُكي أنَّهم قَالُوا (نَعِيَم) فشادّ وَالْيَاء فِيهَا ناشئة عَن إشباع الكسرة وأمَّا دُخُول اللَّام عليْها فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿ولَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ فَهُوَ جَوَاب قسم كَمَا قَالَ ٢٠ -
(إِذن لقام بنصري ... ) // الْبَسِيط // وكقول الآخر
стр. 144
٢١ -
( ... لناموا فَمَا إنْ من حديثٍ وَلَا صال) // الطَّوِيل // وأمَّا دُخُول (يَا) عَلَيْهَا فِي نَحْو قَوْلهم يانعم الْمولى فالمنادى مَحْذُوف أَي يَا الله أَنْت نعم الْمولى كَمَا قَالُوا يالَعَنهُ الله وكقراءة من قَرَأَ / أَلا يَا اسجدوا / وَكَقَوْلِه ﴿يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ﴾ وأمَّا عدم تصرَّفها فَلم نذكرهُ بعد
فصل
وَالْأَصْل فِي (نَعْمَ) نَعِمَ الرجل إِذا أصَاب نِعْمَةً وبَئِس إِذا أصَاب بؤساً مكسور الْعين وفيهَا أَربع لُغَات هَذِه أحداها وَقد جَاءَت فِي شعر طرفَة ٢٢ -
( ... نَعِمَ الساعون فِي الْأَمر المْبُرّ
стр. 145
وَثَانِيهمَا كسر النُّون وَإِسْكَان الْعين وَالْوَجْه فِيهِ أنَّهم نقلوا كسرة الْعين إِلَى الْفَاء وَثَالِثهَا كسرهَا على الإتباع وَرَابِعهَا فتح النُّون على الأَصْل وَإِسْكَان الْعين على التَّخْفِيف وَهَذَا مستمرّ فِي كلَّ فعل أَو اسْم مكسور الْعين إِذا كَانَت عينه حرفا حلقياً
فصل
وإنَّما كَانَ هَذَا الْفِعْل مَاضِيا غير متصرِّف لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أنَّه لَمَّا أخرج إِلَى معنى اشبه الْحَرْف فِي دلَالَته على الْمَعْنى فجمد كَمَا جمد الْحَرْف وَالثَّانِي أنَّه مَوْضُوع للْمُبَالَغَة فِي الْمَدْح والذمّ وإنَّما يصدر ذَلِك ممّن علم أَن ثمَّ صِفَات توجب ذَلِك فَهُوَ مَمْدَحة أَو مذَّمة بِمَا فِيهِ لَا بِمَا ينتظره
فصل
وإنَّما كَانَ فَاعل (نعم) و (بئس) جِنْسا معرَّفاً بِاللَّامِ لثلالثة أوجه أحدُها أنَّ (نعم) لَمَّا كَانَت للمدح العامَّ جُعل فاعلًها مطابقاً لمعناها وَالثَّانِي أنَّ الْجِنْس يذكر تَنْبِيها على أَن الْمَخْصُوص بالمدح أفضل جنسه
следующие страницы →