Полный текст (964 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أَي لَا لي براح كَقَوْلِك مَالِي وَقَالَ العجَّاج [من الرجز] ١٨ -
(تاللهِ لَوْلَا أنْ تحشَّ الطُّبَّخُ ... بِي الجحيمَ حِين لَا مُسْتَضْرَخُ) // الرجز // وَمِنْهُم مَنْ يُعملها مَعَ الْحِين خاصّة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ولاتَ حينَ مناص﴾ تَقْدِيره وَلَيْسَ الْحِين حِين مستضرح وَقَالَ الأخفشُ هُوَ مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف أَي ولات أرى حِين مناص وَقَالَ قوم هُوَ مبنيَّ مَعَ (لَا) وَمن الْعَرَب من يرفع الْحِين هُنَا ويحذف الْخَبَر فأمَّا (التَّاء) فَقَالَ قومٌ هِيَ مُتَّصِلَة ب (لَا) دخلت لتأنيث الْكَلِمَة كَمَا دخلت فِي (ربّ) و (ثمّ) وعَلى هَذَا يُوقف عَلَيْهَا بِالتَّاءِ لأنَّها أشبهت التَّاء اللاحقة بِالْفِعْلِ فِي دلالتها على التَّأْنِيث فِي غير لَفظهَا وَفتحت ليفرقّ بَين الْحَرْف وَالْفِعْل وَلَو قيل حرِّكت لالتقاء الساكنين كَانَ وَجها وَقَالَ الكسائيّ يُوقف عَلَيْهَا بِالْهَاءِ لتحُّركها وَمِنْهُم من قَالَ هِيَ متصَّلة بِحِين كَمَا قَالُوا (تلان
стр. 142
بَاب نعم وَبئسَ
وهما فعلان عِنْد البصرييَّن وَالْكسَائِيّ واسمان عِنْد البَاقِينَ وَالدَّلِيل على أنَّهما فعلان ثَلَاثَة أَشْيَاء أحدُهما اتَّصال تَاء التَّأْنِيث الساكنة الدّالة على تَأْنِيث الْفَاعِل بهَا وَلَيْسَ كَذَلِك تَاء (ربَّت) و (ثَّمت) لأنَّها متحَّركة غير داَّلة على تَأْنِيث الْفَاعِل وَقد وقف عَلَيْهَا قوم بِالْهَاءِ وَالثَّانِي أنَّه يسْتَتر فِيهَا الضَّمِير وَلَيْسَت اسْم فَاعل وَلَا مفعول وَلَا مَا أشبههما وَقد حكى الكسائيّ نعموا رجَالًا الزيدون وَالثَّالِث أنَّها لَيست حرفا بالِاتِّفَاقِ وَلَا سِيمَا وَهِي تفِيد مَعَ اسْم وَاحِد وَلَا يجوز أَن تكون اسْما إِذْ لَو كَانَت اسْما لكَانَتْ إمَّا أَن تكون مَرْفُوعَة وَلَا سَبِيل إِلَى ذَلِك إِذْ لَيست فَاعِلا وَلَا مُبْتَدأ وَلَا مَا شُبَّه بهما وإمَّا مَنْصُوبَة وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ أَيْضا إِذْ لَيست مَفْعُولا وَلَا مَا شبَّه بِهِ وإمَّا مجرورةً وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ فأمَّا دُخُول (الْبَاء) عَلَيْهَا فِي بعض الحكايات فَلَا يدلُّ على أنَّها اسْم كَمَا قَالَ الراجز
стр. 143
١٩ -
(وَالله مَا ليلِي بنام صاحُبهْ ... ) // مشطور الرجز // وَالتَّقْدِير فِي ذَلِك كلّه بمقول فِيهِ وحذْفُ القَوْل كثير
وأمَّا مَا حُكي أنَّهم قَالُوا (نَعِيَم) فشادّ وَالْيَاء فِيهَا ناشئة عَن إشباع الكسرة وأمَّا دُخُول اللَّام عليْها فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿ولَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ فَهُوَ جَوَاب قسم كَمَا قَالَ ٢٠ -
(إِذن لقام بنصري ... ) // الْبَسِيط // وكقول الآخر
стр. 144
٢١ -
( ... لناموا فَمَا إنْ من حديثٍ وَلَا صال) // الطَّوِيل // وأمَّا دُخُول (يَا) عَلَيْهَا فِي نَحْو قَوْلهم يانعم الْمولى فالمنادى مَحْذُوف أَي يَا الله أَنْت نعم الْمولى كَمَا قَالُوا يالَعَنهُ الله وكقراءة من قَرَأَ / أَلا يَا اسجدوا / وَكَقَوْلِه ﴿يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ﴾ وأمَّا عدم تصرَّفها فَلم نذكرهُ بعد
فصل
وَالْأَصْل فِي (نَعْمَ) نَعِمَ الرجل إِذا أصَاب نِعْمَةً وبَئِس إِذا أصَاب بؤساً مكسور الْعين وفيهَا أَربع لُغَات هَذِه أحداها وَقد جَاءَت فِي شعر طرفَة ٢٢ -
( ... نَعِمَ الساعون فِي الْأَمر المْبُرّ
стр. 145
وَثَانِيهمَا كسر النُّون وَإِسْكَان الْعين وَالْوَجْه فِيهِ أنَّهم نقلوا كسرة الْعين إِلَى الْفَاء وَثَالِثهَا كسرهَا على الإتباع وَرَابِعهَا فتح النُّون على الأَصْل وَإِسْكَان الْعين على التَّخْفِيف وَهَذَا مستمرّ فِي كلَّ فعل أَو اسْم مكسور الْعين إِذا كَانَت عينه حرفا حلقياً
فصل
وإنَّما كَانَ هَذَا الْفِعْل مَاضِيا غير متصرِّف لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أنَّه لَمَّا أخرج إِلَى معنى اشبه الْحَرْف فِي دلَالَته على الْمَعْنى فجمد كَمَا جمد الْحَرْف وَالثَّانِي أنَّه مَوْضُوع للْمُبَالَغَة فِي الْمَدْح والذمّ وإنَّما يصدر ذَلِك ممّن علم أَن ثمَّ صِفَات توجب ذَلِك فَهُوَ مَمْدَحة أَو مذَّمة بِمَا فِيهِ لَا بِمَا ينتظره
فصل
وإنَّما كَانَ فَاعل (نعم) و (بئس) جِنْسا معرَّفاً بِاللَّامِ لثلالثة أوجه أحدُها أنَّ (نعم) لَمَّا كَانَت للمدح العامَّ جُعل فاعلًها مطابقاً لمعناها وَالثَّانِي أنَّ الْجِنْس يذكر تَنْبِيها على أَن الْمَخْصُوص بالمدح أفضل جنسه
стр. 146
وَالثَّالِث أنَّ الْجِنْس ذكر للإعلام بأنَّ كلّ فَضِيلَة وكلَّ رذيلة افْتَرَقت فِي جَمِيع الْجِنْس مجتمعة فِي الْمَخْصُوص بالمدح والذمَّ فإنْ قيل لَو كَانَ جِنْسا لما ثنَّي وَلَا جمع قيل إنَّما ثنَّي وَجمع على معنى إنَّ زيدا يفضل هَذَا الْجِنْس إِذا مَيَّزوا رجلَيْنِ رجلَيْنِ أَو رجَالًا رجَالًا وَقيل إنَّما ثُنَّي وَجمع ليَكُون على وفَاق الْمَخْصُوص بالمدج والذمَّ فِي التَّثْنِيَة وإنَّما كَانَ الْمُضَاف إِلَى الْجِنْس كالجنس لأنَّ الْمُضَاف يكتسي تَعْرِيف الْمُضَاف إِلَيْهِ وإنَّما جَازَ إضماره لما فِيهِ من الِاخْتِصَار مَعَ فهم الْمَعْنى وَلم يظْهر فِيهِ ضمير التَّثْنِيَة وَالْجمع اسْتغْنَاء بِصِيغَة الِاسْم الممّيز للضمير إِذْ هُوَ فِي الْمَعْنى وَجَاز الْإِضْمَار قبل الذّكر لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أنَّه إِضْمَار على شريطة التَّفْسِير وَالثَّانِي أنَّ الْمظهر لَيْسَ يُرَاد بِهِ واحدٌ بِعَيْنِه فَفِيهِ نوع إِبْهَام والمضمر قبل الذّكر كَذَلِك وَهَذَا مثل قَوْلهم (ربّه رجلا) وَالِاخْتِيَار أَن يجمع بَين الْفَاعِل
стр. 147
والتمييزلأنَّ التَّمْيِيز هَهُنَا مفسّر للمضمر وَلَا مُضْمر وَإِن جَاءَ مِنْهُ شَيْء فِي الشّعْر فشاذّ يذكر على وَجه التوكيد وَجعله أَبُو العبَّاس قِيَاسا
فصل
وأمَّا الْمَخْصُوص بالمدح والذمَّ فَفِي رَفعه وَجْهَان أَحدهمَا هُوَ خبرٌ مبتدؤه مَحْذُوف وَالثَّانِي هُوَ مُبْتَدأ وَالْجُمْلَة قبله خَبره وَلم يحْتَج لى ضمير لأنَّ الْجِنْس مُشْتَمل عَلَيْهِ فيجرى مجْرى الضَّمِير كَمَا قالو [من الطَّوِيل] ٢٣ -
(أمّا الْقِتَال لاقتال لديكم ... ) // الطَّوِيل // ٢٤ -
(وأمَّا الصدرور لاصدور لجَعْفَر ... ) // الطَّوِيل //
стр. 148
فصل
وَقد حذف فاعلُ (نعم) من اللَّفْظ تَارَة والمخصوصُ أُخْرَى وَقد حذفا جَمِيعًا فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿بئس للظالمين بَدَلا﴾ وَالتَّقْدِير بئس الْبَدَل إِبْلِيس وذريَّته وَجَاز ذَلِك لتقدَّم ذكره وَمن حذفِ الْمَخْصُوص قَوْله تَعَالَى ﴿بئس مثل الْقَوْم الَّذين كذبُوا﴾ ف (الَّذين) صفة للْقَوْم وَالتَّقْدِير بئس مثل الْقَوْم هَذَا الْمثل وَيجوز أَن يكون الَّذين فى مَوضِع رفع أَي بئس مثل الْقَوْم أَي مثل الَّذين فَحذف المضافَ وَأقَام الْمُضاف إِلَيْهِ مُقامه وأمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿سَاءَ مثلا الْقَوْم﴾ ف (سَاءَ) بِمَنْزِلَة (بئس) وَالتَّقْدِير سَاءَ الْمثل مثلا مثل الْقَوْم فَعمل فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ وساء بِمَنْزِلَة بئس فى جَمِيع الْأَحْكَام
فصل
إِذا كَانَ الْفَاعِل مؤنَّثا هُنَا كَانَ ثُبُوت التَّاء كَغَيْرِهِ من الْأَفْعَال وَيجوز حذفهَا
стр. 149
لأنَّ الْفَاعِل جنس وَالْجِنْس مذكَّر فغلَّب الْمَعْنى كَمَا قَالُوا مَا قَامَ إِلَّا هِنْد أَي مَا قَامَ أحدٌ إلاّ هِنْد
стр. 150
بَاب حبَّذا
(حبَّ) فعل مَاض وَأَصله (حَبُبَ) مثل ظرف لأنَّ اسْم الْفَاعِل مِنْهُ حبيب وَهُوَ لَازم فأمَّا (حَببْتُ الرجل) فَهُوَ فعلت مثل ضرب وَاخْتلفُوا فِيهَا على ثَلَاثَة أَقْوَال أحُدها أنّه غير مركَّب وفاعله (ذَا) وَالِاسْم الْمُرْتَفع بعده كالمرتفع بعد فَاعل (نعم) فى الْوَجْهَيْنِ إلَاّ أنَّه لَا يجوز تَقْدِيمه هُنَا على حبَّذا لِأَن حبَّذا صَارَت كالحرف الْمُثبت لِمَعْنى فى غَيره فَيكون لَهُ صدر الْكَلَام وَهَذَا هُوَ الأَصْل وَالْقَوْل الثَّانِي أنَّ (حبَّ) رُكَّبتْ مَعَ (ذَا) وصارا فى تَقْدِير اسْم مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ و (زيدٌ) خَبره وَتَقْدِير المقرَّب إِلَى الْقلب زيدٌ وَاحْتج على ذَلِك بِحُسْن ندائه كَقَوْلِهِم ٢٥ -
(يَا حبَّذا حبلُ الريَّانِ من جبلُ ... ) ٢٦ -
(يَا حبَّذا القمراء ... )
١٨٩ - وكقولهم (مَا أحيبذه) فصغروه تَصْغِير الْمُفْرد وبأنَّه لم يُثَنَّ وَلم يجمع وَلم يؤنَّث وبأنَّه لَا يحذف ويضمر فى الْفِعْل كَمَا فُعل فى (نعم) وَهَذِه الْأَوْجه لَا يعْتَمد عَلَيْهَا لِأَن المنادى مَحْذُوف تَقْدِيره (يَا قوم) كَمَا قَالُوا ٢٧ -
(أَلا يَا اسلمي ... ) فأدخلوها على الْفِعْل وأمَّا الْمَنْع من تنثيته وَجمعه فلمِا يذكر من بعدُ وأمَّا قَوْلهم مَا أحبيذه فَمن الشذوذِ الَّذِي لَا يُستدلُّ بِهِ على أصل الثَّالِث أنَّ جعل التَّرْكِيب كالفعل وارتفع زيد بِهِ
فصل
وإنَّما لم يُثنَّ وَلم يجمع كَمَا فُعل فى فَاعل (نعم) لتركبيه عِنْد من يرى التَّرْكِيب وَمن لم يره فَفِيهِ وَجْهَان
стр. 151
أَحدهمَا أنَّ (ذَا) لَمَّا كَانَ عبارَة عَن الْمَذْكُور أَو المقرَّب من الْقلب كَانَ جِنْسا وَلَفظ الْجِنْس مُفْرد لم يغيرَّه عَن ذَلِك وَالثَّانِي أنَّ الْمُفْرد هُوَ الأَصْل وَيبقى هُنَا على لَفظه لأنَّه صَار كالمثل والأمثالُ لَا تغّير عَن أوَّليتها وَلم يضمر فَاعل (حبَّ) لِئَلَّا يبطل معنى الْإِشَارَة
فصل
والنكرة تنصب بعده على التَّمْيِيز وَجَاز الْجمع بَينهمَا لأنَّها لَيست من لفظ الْفَاعِل بِخِلَاف بَاب (نعم) وَالِاسْم الْمَخْصُوص بالتقريب مرفوعٌ وَفِيه أَرْبَعَة أوجه الأوَّل هُوَ خبر ابْتِدَاء بِمَحْذُوف وَالثَّانِي هُوَ مُبْتَدأ و (حبذا) خَبره ولَمّا كَانَت (ذَا) تشبه الضَّمِير كَانَت كالعائد على الْمُبْتَدَأ وَلَا يجوز على هَذَا الْوَجْه زيدٌ حبَّذا كَمَا جَازَ فِي (نعم) لجَرَيَان (حبَّذا) مجْرى الْمثل وحروف الْمعَانِي وَالثَّالِث أنَّه تَبْيِين للْفَاعِل وَالرَّابِع أنَّه بدلٌ لَازم وَمن جعل (حبّذا) مركَّباً كَانَ (زيد) خَبره أَو فَاعله
стр. 152
بَاب عَسى
وَهِي فعل بِدَلِيل اتَّصال الضمائر بهَا وتاء التَّأْنِيث الساكنة نَحْو عَسَيْت وعسوا وعسين وعستْ وَمَعْنَاهَا الإشفاق والطمع فِي قرب الشَّيْء كَقَوْلِك عَسى زيد أَن يقوم أَي أطمع فِي قرب قِيَامه وَهِي فعل مَاض لأنّك تخبر بهَا عَن طمع وَاقع فِي أَمر مُسْتَقْبل وَلَا يكون مِنْهَا مُسْتَقْبل وَلَا اسْم فَاعل بل هِيَ فعل جامد وإنَّما كَانَت كَذَلِك لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أنّها أشبهت الْحُرُوف إِذْ كَانَ لَهَا معنى فى غَيرهَا وَهُوَ الدّلَالَة على قرب الْفِعْل الْوَاقِع بعْدهَا وَحكم الْفِعْل أَن يدل على معنى فى نَفسه وَشبههَا بالحرف يُوجب جمودها كَمَا أنَّ الْحَرْف جامد
وَالثَّانِي أنَّها تشبه (لعلّ) فى الطمع والإشفاق فتلزم صِيغَة وَاحِدَة ك (لعلَّ)
стр. 153
فصل
إِذا وَقع الْفِعْل الَّذِي دلَّت عَلَيْهِ (عَسى) بعد الِاسْم كَانَ مَوْضِعه نصبا كَقَوْلِك عَسى زيدٌ أَن يقوم وَقَالَ الكوفُّيون مَوْضِعه رفع على أنَّه بدلٌ ممَّا قبله
وَالدَّلِيل على القَوْل الأوَّل من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن (زيدا) هُنَا فَاعل (عَسى) وَمَعْنَاهَا قَارب زيدٌ فَيَقْتَضِي مَفْعُولا وَهُوَ قَوْلك (أَن يقوم)
وَالثَّانِي أَن (عَسى) دلّت على معنى فِي قَوْلك (أَن يقوم) كَمَا دلَّت (كَانَ) على معنى فِي الْخَبَر فَوَجَبَ أَن يكون مَنْصُوبًا كَخَبَر (كَانَ) يشْهد لَهُ قَول الشَّاعِر ٢٨ -
(أكثَرْتَ فِي اللومِ ملحّا دائمأ ... لَا تَلْحَني إنَّي عَسَيتُ صَائِما) // الرجز // وَمِنْه الْمَثَل (عَسى الغوير أبْؤُسا) وَلَا يصحُّ أَن يقدّر ب (أَن يكون أبوساً) لما فِيهِ من حذف الْمَوْصُول وإبقاء صلته وَلَا يصحَّ جعله بَدَلا لثَلَاثَة أوجه
стр. 154
أَحدهَا أنَّ الْبَدَل لَا يلْزم ذكره وَهَذَا يلْزم ذكره وَالثَّانِي أنَّه فِي معنى الْمَفْعُول وَالْخَبَر الَّذِي دلَّت عَلَيْهِ (عَسى) وَلَيْسَ هَذَا حكم الْبَدَل
وَالثَّالِث أنَّه قد جَاءَ الْفِعْل الَّذِي دلَّت عَلَيْهِ (عَسى) وإبدال الْفِعْل من الِاسْم لَا يصحَّ
فصل
وإنَّما كَانَ خبر عَسى فعلا مُسْتَقْبلا لأنَّها تدل على المقاربة والمقاربة فِي الْمَاضِي محالٌ لِأَنَّهُ قد وجد وَلم يكن اسْما إِذْ لَا دلَالَة للاسم على الِاسْتِقْبَال وإنَّما لَزِمت فِيهِ (أنْ) لتمحّضه على الِاسْتِقْبَال وَلم يكن (السِّين) و (سَوف) لأنَّهما يدلَاّن على نفس زمَان الْفِعْل وَالْغَرَض هُنَا تقريبه فإنْ جَاءَ شَيْء من ذَلِك فَهُوَ شاذّ
فصل
وَإِذا وَقع (أَن وَالْفِعْل) قبل الِاسْم فموضعه رفع على أنَّه فَاعل (عَسى) وَيكون مَعْنَاهَا (قرب) وَلَا تَقْتَضِي مَفْعُولا أَو يكون هَذَا الْفَاعِل لم تضمنَّه من الْحَدث مغنياً عَن الْخَبَر
стр. 155
فصل
وأمَّا (كَاد) فَفعل متصرّف يدلُّ على شدَّة مقاربة الْفِعْل وَمن هَهُنَا لم يدْخل خَبَرها (أَن) ليَكُون لَفظه كَلَفْظِ فعل الْحَال فإنْ جَاءَت فِيهِ (أَن) فَهُوَ شاذّ مَحْمُول على (عَسى) كَمَا حملت عَسى على (كَاد) فإنْ تقدَّم الْفِعْل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم﴾ كَانَ فِيهَا أَرْبَعَة أوجه
أَحدهَا أَن يكون فِيهَا ضمير الشَّأْن وَالْجُمْلَة بعْدهَا مفسّرة وَالثَّانِي أَن تكون (تزِيغ) حَالا مغنية عَن الْخَبَر
стр. 156
وَالثَّالِث أَن تكون (تزِيغ) فى نيَّة التَّأْخِير وَالرَّابِع أَن يكون فَاعل (كَاد) ضميراً الْقَبِيل أَي كَاد الْقَبِيل وأضمر ليقوم مَا يدلّ عَلَيْهِ وَهَذَا قَول ابى الْحسن
فصل
إِذا كَانَت (كَاد) مثبتة فى اللَّفْظ فالفعل غير وَاقع فى الْحَقِيقَة كَقَوْلِك كَاد زيدٌ يقوم أَي قَارب ذَاك وَلم يقْم وَإِن كَانَت منفية فَهُوَ وَاقع فى الْحَقِيقَة كَقَوْلِك لم يكد يقوم لأنَّ الْمَعْنى قَارب ترك الْقيام
فأمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿لم يكد يَرَاهَا﴾ فقد اضْطَرَبَتْ فِيهِ الْأَقْوَال فَقَالَ بَعضهم التَّقْدِير لم يرهَا وَلم يكد وَهَذَا خطأ لأنَّ قَوْله (لم يكد) إِن كَانَت على بَابهَا نقض الثَّانِي الأوَّل لأنَّه نفى الرُّؤْيَة ثمَّ أثبتها وَإِن لم تكن على بَابهَا فَلَا حَاجَة إِلَى تَقْدِير الْفِعْل الأوَّل وَقَالَ الْآخرُونَ إنَّه رَآهَا بعد الْيَأْس من ذَلِك وَهَذَا أشبه بِالْمَعْنَى وَاللَّفْظ
стр. 157
بَاب التَّعجُّب
التَّعجُّب هُوَ الدهش من الشَّيْء الخارخ عَن نَظَائِره الْمَجْهُول سَببه وَقد قيل إِذا ظهر السَّبَب بَطل الْعجب وَاللَّفْظ الْمَوْضُوع لَهُ بحقًّ الأَصْل (مَا أَفعلهُ) فأمَّا (أفْعِلْ بِهِ) فمعدولٌ بِهِ عَن أَصله على مَا سنبيَّنه
فصل
و (مَا) فى التَّعجُّب تكرة غير مَوْصُولَة مُبْتَدأ و (أحْسَنَ) خَبَرهَا وَقَالَ أَبُو الْحسن هِيَ بِمَعْنى الذى و (أحسن) صلتها وَالْخَبَر محذزف
وَالدَّلِيل على الأوَّل من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أنَّ التعحُّب من مَوَاضِع الْإِبْهَام ف (الَّذِي) فِيهَا إِيضَاح بصلتها وَالثَّانِي أنَّ تَقْدِير الْخَبَر هُنَا لَا فَائِدَة فِيهِ إِذْ تَقْدِيره الَّذِي أحسن زيدا شَيْء وَهَذَا لَا يَسْتَفِيد مِنْهُ السَّامع فَائِدَة وإنَّما جَازَ الِابْتِدَاء بِهَذِهِ النكرَة لأنَّ الْغَرَض مِنْهُ التعجُّب لَا الْإِخْبَار الْمَحْض
وإنَّما عُدل عَن) شَيْء) إِلَى (مَا) لأنَّ (مَا) أشدُّ إبهاماً إِذْ كَانَت لَا تثنى
стр. 158
وَلَا تجمُع وَلَا تقع للتحقير ولأنَّها يؤكّد بهَا إِبْهَام (شَيْء) فَيُقَال مَا أخذت مِنْهُ شَيْئا مَا فأنَّها تثنَّى وَتجمع وُتْذَكُر للتحقير كَقَوْلِك عِنْدِي شُييءٌ أَي حقير
وَلم يستعملوا فى التَّعَجُّب (مَنْ) بِمن يعقل وَلَا (أيَّا) لأنَّها كشيْ فِيمَا ذكرنَا
فصل
فأمَّا صِيغَة (أفعل) فِي التعجُّب فَفعل لثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا إِلْحَاق نون الْوِقَايَة بهَا فِي قَوْلك مَا أحسنني فَهُوَ كَقَوْلِك أكرمنى وَلَيْسَ الْأَسْمَاء كَذَلِك وَلَا عِبْرَة بِمَا جَازَ فِي الشّعْر من ذَلِك قَوْله ٢٩ -
( ... وَلَيْسَ حاملني إلَاّ ابْن حمَّال) لشذوذه والاضطرار إِلَيْهِ
وَالثَّانِي أنَّ (أفعل) هَذِه تنصب المتعَّجب مِنْهُ على أنَّه مفعول بِهِ وَلَا تجوز إِضَافَته إِلَيْهِ على الْفَتْح أبدا وَلَو كَانَ اسْما لأعرب
стр. 159
وَقَالَ بعض الكوفييًّن هُوَ اسْم لأنَّه يصغر وَلَا تلْحقهُ الضمائر وَلَا تَاء التَّأْنِيث وتصحُّ فِيهِ الْوَاو وَالْيَاء كَقَوْلِك مَا أخوفني وَمَا أسيرني وَلَيْسَ كَذَلِك الْفِعْل
وَالْجَوَاب أنَّ التصغير جَازَ فِي هَذَا الْفِعْل لثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أنَّه نَائِب عَن تَصْغِير الْمصدر كَمَا أنَّ الْإِضَافَة إِلَى الْفِعْل فى اللَّفْظ وَهِي فِي التَّقْدِير إِلَى مصدره
وَالثَّانِي أنَّ هَذَا الْفِعْل أشبه الِاسْم فِي جموده وَالثَّالِث أنَّ لَفْظَة (أفعل) هُنَا مثل لَفْظَة (هُوَ أفعل مِنْك) وللشبه اللَّفْظِيّ أثّر كَمَا فِي بَاب مَالا ينْصَرف
وأمّا خلوُّة عَن الضَّمِير فإنَّما كَانَ كَذَلِك لأنَّ فِيهِ ضمير (مَا) وَهِي مُفْردَة بكلَّ حَال وَكَذَلِكَ امْتنَاع تَاء التَّأْنِيث لأنَّ (مَا) مذكّر وأمَّا الْوَاو وَالْيَاء فَلَا حجَّة فِيهَا فإنَّ من الْأَفْعَال مَا هُوَ كَذَلِك كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان﴾
стр. 160
) ولأنَّ هَذَا الْفِعْل أشبه الأسم وأشبه لفظُه (أفعل مِنْك) فأجري عَلَيْهِ فِي الصحَّة حكمهَا
فصل
وَلَا يكون التعجُّب إلَاّ من وصف مَوْجُود فِي حَال التعجُّب مِنْهُ وَلذَلِك كَانَت الصِّيغَة الداَّلة عَلَيْهِ صِيغَة الْمَاضِي لأنَّ فعل الْحَال لَا يتكامل حتَّى يَنْتَهِي والمستقبل مَعْدُوم فأمَّا قَوْلهم مَا أطول مَا يخرج هَذَا الْغُلَام فَجَاز لأنَّ أَمَارَات طوله فِي الْمُسْتَقْبل موجودةٌ فِي الْحَال
فصل
الأَصْل فِي فعل التعجُّب أَن يكون من أَفعَال الغرائز لأنَّها هِيَ الَّتِي تخفى فَإِذا زَادَت تُعُّجب مِنْهَا لخفاء سَببهَا وأمَّا قولُهم مَا أضْرب زيدا لعَمْرو فأنَّما تُعجِّب مِنْهُ لتكّرُّره وخفاء سَبَب ذَلِك حتّى صَار كالغريزيّ
فصل
وَلَا يبْنى فعل التَّعَجُّب إلاّ من الثلاثيّ لِأَن الْغَرَض مِنْهُ أَن يصير مَا كَانَ فَاعِلا
стр. 161
مَفْعُولا كَقَوْلِك حسن زيدٌ وتبني مِنْهُ أحسن زيدا كَقَوْلِك فَرح زيد وأفرحت زيدا وَلِهَذَا ينْتَقل عَن اللُّزُوم إِلَى التعدِّي وَلَا يُعدَّى بِالْهَمْزَةِ إلَاّ الثلاثي فأمَّا الرباعيّ فَلَا يعدَّى بهَا فَلَا تَقول فِي (دحرج) (أَدَحْرَجْته) والعلّة فِي ذَلِك أنَّ الْهمزَة لَمّا أحدثت معنى التعدِّي صَارَت كحرف من الْفِعْل أصليّ وَلَيْسَ فى الْأَفْعَال مَا هُوَ على خَمْسَة أحرف أصُول لما فِي ذَلِك من الثّقل وَكَثْرَة أَمْثِلَة الْفِعْل وَلِهَذَا لم يكن فِي الرباعي حرف إِلْحَاق وَكَانَ فِي الثلاثيّ مثل (جَلْبَبَ) فأمَّا قَوْلهم مَا أعطَاهُ لِلْمَالِ وأولاه للخير وأفقره إِلَى كَذَا وَمَا أشبه فإنَّه على أَرْبَعَة أحرف غير همزَة التعديّ إِلَّا أنَّ حرفا مِنْهَا زَائِد كالهمزة فِي (أعْطى وَأولى) فحذفوها فَبَقيَ (عطى) و (ولى) وَلَهُمَا معنى فلَمّا أَرَادوا التعجُّبُّ حذفوا الْهمزَة الَّتِى كَانَت قبل ذَلِك وَجعلُوا همزَة التعجُّب عوضا عَنْهَا وأمَّا (أفقر) فَلَا يسْتَعْمل مِنْهُ (فقر) وَلَكِن (افْتقر) إلَاّ أنَّ الأَصْل يسْتَعْمل لأنَّه قد جَاءَ الْفَاعِل مِنْهُ (فَقير) فَهُوَ مثل (ظرف) وظريف) فلّمّا تعجبوا مِنْهُ أَخْرجُوهُ على الأَصْل
стр. 162
وإنَّما لم يُتَعَجَّب من الألوان لأنَّ الأَصْل فِيهَا أَن تكون على أَكثر من ثَلَاثَة أحرف نَحْو (ابيضَّ) و (أحمرّ) وَمثل ذَلِك لَا يُعدَّى بِالْهَمْزَةِ
وَقَالَ الكوفيَّون يجوز فى الْبيَاض والسواد لِأَنَّهُمَا أصلا الألوان وَقد جَاءَ فى الشّعْر (أبيضُهم) و (أبيضُ من كَذَا) و (أسودُ من كَذَا) وَهَذَا مَذْهَب ضَعِيف لما تقدَّم وجَعْلُ الْبيَاض والسواد أصلين دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا وَلَو صحتّ لم يستقم قَوْلهم فِيهَا وَمَا جَاءَ فِي الشّعْر فَهُوَ إمَّا شاذّ أَو يكون (مِنْهُ) الَّتِي بعده صفةٌ لَهُ أَو يكون (أفعل) لَا يُرَاد بِهِ الْمُبَالغَة
فصل
وَلَا يُبنى فعل التعجبَّ من الْعُيُوب الظَّاهِرَة كالْحول والعَوَر لوَجْهَيْنِ
أحدُهما أَن فعل هَذِه الْعُيُوب فِي الأَصْل زَائِد على ثَلَاثَة أحرف نَحْو (احولَّ) و (اعورَّ) فَلَا يصحُّ زِيَادَة همزَة التعجُّبَّ عَلَيْهِ وَمَا جَاءَ مِنْهُ على ثَلَاثَة أحرف فمعدول بِهِ عَن أَصله وَلِهَذَا يصحُّ فِيهِ الْوَاو نَحْو (حول) تَنْبِيها على أنَّه فِي حكم (احولَّ) وَمَا جَاءَ مِنْهُ ثلاثياً لَا غير نَحْو (عمي) فَمَحْمُول على الْبَاقِي
стр. 163
وَالْوَجْه الثَّانِي أنَّ الْعُيُوب الظَّاهِرَة كالَخلَق الثَّابِتَة كَالْيَدِ وَالرجل وكما لَا يبْنى من هَذِه الاعضاء فعل التعجُّب كَذَلِك الْعُيُوب الظَّاهِرَة
أمَّا الْعُيُوب الْبَاطِنَة كعمى الْقلب والحماقة فيبنى مِنْهَا فعل التعجُّب نَحْو مَا أعمى قلبه وَمَا أحمره تُرِيدُ البلادة وَكَذَلِكَ مَا أسوده تُرِيدُ السِّيَادَة
فصل
وَلَا يجوز الْعَطف على فَاعل فعل التعجبَّ لِاسْتِحَالَة الْمَعْنى وَلَا الْبَدَل مِنْهُ لأنَّ ذَلِك يوضحَّه ومبناه على الْإِبْهَام وَلَا يجوز أَن يكون الْمَفْعُول هُنَا نكرَة غير مَوْصُوفَة كَقَوْلِك مَا أحسن زيدا لأنَّه غير مُفِيد وَلَا يجوز الْفَصْل بَين فعل التعجُّب ومفعوله إلَاّ بالطرف لأنَّه بجموده أشبه (إنَّ)
فصل
وأمَّا (أفْعِلْ بِهِ) فى التعجُّب فلفظه لفظ الْأَمر وَمَعْنَاهُ الْخَبَر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَلْيَمْدُدْ لهُ الرَّحمنُ مدّاً﴾ مَعْنَاهُ فَلَيَمُدَّنَّ لَهُ الرَّحْمَن
стр. 164
وَحكي عَن الزَّجاج أنَّه أَمر حَقِيقَة وَالتَّقْدِير أحسنْ يَا حُسْنُ بزيد: أَي دُم أيذُمْ بِهِ وَهَذَا ضَعِيف لثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أنَّ الْأَمر طلب إِيقَاع الْفِعْل والتعجُّب لَا يكون إلَاّ من أمرٍ قد وُجد
وَالثَّانِي أنَّه يصحَّ أَن يُقَال فِي جَوَاب هَذَا الْكَلَام صدقت أَو كذبت وَلَيْسَ كَذَلِك حَقِيقَة الْأَمر
وَالثَّالِث أنَّ لَفظه وَاحِد يكون فى التَّثْنِيَة وَالْجمع والمذكَّر والموَّنث كَقَوْلِك يَا زَيْدَانَ أحسن بِعَمْرو وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الْأَمْثِلَة
وعَلى هَذَا الْخلاف تترتَّب مَسْأَلَة وَهِي أنَّ مَوضِع الْجَار وَالْمَجْرُور رفْعٌ بِأَنَّهُ فَاعل وَالتَّقْدِير أحْسَنَ زيدٌ أَي صَار ذَا حُسْنّ وَمثله ﴿كفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ إلَاّ أَن الْبَاء لَا يجوز حذفهَا فى التعجُّب لئلَاّ يبطل معنى التعجُّب وَيجوز حذفهَا فِي ﴿كفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ وعَلى قَول الزَّجاج (بزيد) فى مَوضِع نصب
стр. 165
فصل
وتزاد (كَانَ) فِي التعجُّب نَحْو مَا كَانَ أحسن زيدا وَلَا فَاعل لَهَا عِنْد أبي عليّ وإنَّما دخلت تدلُّ على المضيّ وَقَالَ السيرافي فاعلها مصدرها وَقَالَ الزجَّاجي فاعلها ضمير (مَا) وَهَذَا ضَعِيف لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَنَّهَا لَو كَانَت كَذَلِك لكَانَتْ هِيَ خبر (مَا) لَا يكون هُنَا إلَاّ (أفعل) وَالثَّانِي أنَّها إنَّها كَانَت التامَّة لم تستقم لفساد الْمَعْنى وإنْ كَانَت النَّاقِصَة لم تستقم أَيْضا لأنَّ خَبَرهَا إِذا كَانَ فعلا مَاضِيا قُدِّرتْ مَعَه (قَدْ) وَتَقْدِير (قَدْ) هُنَا فَاسد لأنَّه يصير مَحْض خبر
стр. 166
بَاب
إنَّ وَأَخَوَاتهَا
إنَّما دخلت (إنَّ) على الْكَلَام للتوكيد عوضا عَن تَكْرِير الْجُمْلَة وَفِي ذَلِك اخْتِصَار تامٌّ مَعَ حُصُول الْغَرَض من التوكيد فإنْ دخلت (اللَّام) فِي خَبَرهَا آكِد وَصَارَت (إنَّ وَاللَّام) عوضا من تَكْرِير الْجُمْلَة ثَلَاث مرَّات وَهَكَذَا (أنَّ) الْمَفْتُوحَة إِذْ لَوْلَا إِرَادَة التوكيد لَكُنْت تَقول مَكَان قَوْلك بَلغنِي أنَّ زيدا منطلق بَلغنِي انطلاق زيد
فصل
وَالْأَصْل فِي (كأنَّ زيدا الأسدُ) أنَّ زيدا كالأسد ثمَّ قدموَّا (الْكَاف) فأدخلوها على (أنَّ) ليبتدئوا بالمشبه وَهُوَ أوْلى من أَن يبتدئوا بِمَا لَفظه لفظ التَّحْقِيق ثمَّ يعود التَّشْبِيه إِلَيْهِ بعد ذَلِك ولَمّا كَانَت كَاف الجرَّ تفتح لَهَا (انَّ) كَمَا تفتح بعد غَيرهَا من حُرُوف الجرّ فُتحت هَهُنَا وَإِن كَانَت قد ركِّبت مَعهَا وجعلتا كحرف وَاحِد تَنْبِيها على الأَصْل الَّذِي ذكرتُ إلَاّ أنَّها تفارق الْكَاف الجارَّة فِي شَيْئَيْنِ أَحدهمَا أنَّها غير معلَّقة بِفعل فَلَا مَوضِع لَهَا وَلما بعْدهَا إِذن
стр. 167
وَالثَّانِي أنَّ مَا بعد الْكَاف لَيْسَ بمجرور الْموضع كَمَا يكون بعد اللَّام فِي قَوْلك لأنَّ زيدا منطلق ولأنَّها لَمَّا ركَّبت وَصَارَ المهّم معنى التَّشْبِيه فِي الْخَبَر صَارَت قَائِمَة بِنَفسِهَا
فصل
و (لكنَّ) مُفْردَة وَقَالَ الكوفيَّون هِيَ مركَّبة من (لَا) و (إِن) و (الْكَاف) زَائِدَة و (الْهمزَة) محذوفة وَهَذَا ضَعِيف جدّاً لِأَن التَّرْكِيب خلاف الأَصْل ثمَّ هُوَ فِي الْحُرُوف أبعد ثمَّ إنَّ فِيهِ أَمريْن آخَرين يزيدانه بعدا وهما زِيَادَة الْكَاف فِي وسط الْكَلِمَة [وَحذف الْهمزَة] وَحذف الْهمزَة فِي مثل هَذَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل قطعيّ
فإنْ قَالُوا معنى النَّفْي والتأكيد باقٍ لأنَّك إِذا قلت قَامَ زيدٌ لكنَّ جعفراً منطلق حصل معنى التَّأْكِيد وَالنَّفْي قيل هَذَا خطأ لأنَّ (لَا) النافية لَا يبطل نَفيهَا بِدُخُول (إنَّ) على مَا بعْدهَا كَقَوْلِك قَامَ زيد لَا إِن جعفراً قَائِم فَهُوَ كَقَوْلِك لَا جَعْفَر قَائِم فِي الْمَعْنى و (لكنَّ) تثبت مَا بعْدهَا لَا تنفيه فَلم يصحّ مَا قَالُوا
فصل
وَاللَّام الأولى فِي (لعلَّ) أصل فِي أقوى الْقَوْلَيْنِ لِأَن الزِّيَادَة تصرّف
стр. 168
والحروف بعيدَة مِنْهُ ولأنَّ الْحَرْف وضع اختصاراً وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ تنَافِي ذَلِك
وأمَّا مجيئها بِغَيْر لَام فلغة فِيهَا أَو حذف حرف أصليّ والحذف من جنس الِاخْتِصَار فَهُوَ أوْلى من الزِّيَادَة
وَفِي (لعلّ) لُغَات وَهِي لعلَّ وعلَّ وعنَّ ولعَنَّ ورعنَّ ولغنَّ وَالْمَشْهُور الأوليان وَأكْثر الْعَرَب تنصب بهَا وَمِنْهُم مَنْ جرَّ بهِا وَهُوَ قَلِيل
فصل
وإنَّما عملت هَذِه الْحُرُوف لاختصاصها بِضَرْب من الْكَلَام واختصاص الشَّيْء بالشَّيْء دليلٌ على قوَّة تَأْثِيره فِيهِ فَإِذا أثرَّ فِي الْمَعْنى أثر فِي اللَّفْظ ليَكُون اللَّفْظ على حسب الْمَعْنى
فَأَما (لَام التَّعْرِيف) فَلَا تعْمل مَعَ اختصاصها لِأَنَّهَا صَارَت كجزء من الِاسْم لأنَّها تعيَّن الْمُسَّمى كَمَا تعينُه الْأَوْصَاف وَلِهَذَا يجوز أَن يتوالى بيتان آخِرُ أحِدِهما معرفةٌ وَآخر الآخرَ اسْم مثل الأوَّل نكرَة وَلَا يُعدُّ إيطاءً
стр. 169
وأمَّا (السِّين) و (سَوف) فَلم يعملا لأنَّهما كجزء من الْفِعْل إِذْ كَانَ الْفِعْل دالاًّ على الزَّمَان وهما تخصَّصانه حتَّى يدلَّ على مَا وضع لَهُ وهما مَعَ الْفِعْل بِمَنْزِلَة فعل مَوْضُوع دَال على الزَّمَان الْمُسْتَقْبل من غير اشْتِرَاك
وأمَّا (قد) فَتدخل على الْمَاضِي والمستقبل ثَّم إنَّها تقرَّب الْمَاضِي من الْحَال وَهَذَا تَأْثِير فِي زمَان الْفِعْل فَصَارَت كالسين وَالْأَفْعَال إنَّما عملت لاختصاصها وَهَذِه الْحُرُوف مشَّبةٌ بهَا
فصل
وإنَّما عملت الرّفْع وَالنّصب لأنَّها شابهت الْأَفْعَال فِي أختصاصها بالأسماء فِي دُخُولهَا على الضمائر نَحْو (إنَّك) و (إنَّه) وَفِي أنَّ معاينها مَعَاني الْأَفْعَال من التوكيد والتشبيه وَغير ذَلِك وَفِي أنَّها على ثَلَاثَة أحرف مَفْتُوحَة الآخر وَمن حَيْثُ رفع الْفِعْل وَنصب فِيمَا يَقْتَضِيهِ فَكَذَلِك هَذِه الْحُرُوف
فصل
وقدِّم منصوبها على مرفوعها لثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أنَّ هَذِه الأحرف فروعٌ فِي الْعَمَل على الْفِعْل وَالْفُرُوع تضعف عَن الْأُصُول فَيجب أَن تشبه بالأصول فِي أَضْعَف أحوالها وأضعف أَحْوَال الْفِعْل أَن يتقدَّم منصوبه على مرفوعه تقدُّماً كَقَوْلِك صرف زيدا غُلامُه وَالثَّانِي أنَّ عمل الْفِعْل فِي منصوبه أَضْعَف من عمله فِي مرفوعه لأنَّه فى الرُّتْبَة متراخٍ عَنهُ فلَمَّا كَانَ الْمَنْصُوب أَضْعَف والمرفوعُ أقوى جُعل الأضعف يَلِي (إنَّ) ليقوى بتقدمَّه فَيعْمل فِيهِ الْعَامِل الضَّعِيف وأًخرِّ لأنَّه الْمَرْفُوع لأنَّ بقوتَّه يَسْتَغْنِي عَن قُوَّة ملاصقة الْعَامِل
وَالثَّالِث أنَّ الْمَرْفُوع لوتقدَّم لجَاز إضماره والحرف لَا يتصًّل بِهِ ضمير الْمَرْفُوع كالتاء وَالْوَاو) فِي (قُمْت) و (قَامُوا) بِخِلَاف مَا إِذا تأخرَّ
فصل
وَلَا يجوز تَقْدِيم الْمَرْفُوع هُنَا لثَلَاثَة أوجه
أحدُها مَا تقدَّم من تعذُّر الْإِضْمَار
وَالثَّانِي أنَّ تَقْدِيم الْمَرْفُوع لَو جَازَ لَكَانَ أوْلى كَمَا فِي الْفِعْل وَقد بينَّا أنَّ تَقْدِيم الْمَنْصُوب هُوَ الْوَجْه
وَالثَّالِث أنَّ التَّقْدِيم وألتأخير تصرُّف وَلَا تصرُّف لهَذِهِ الْحُرُوف
стр. 170
فصل
وإنَّما جَازَ تَقْدِيم الظّرْف وحرف الجرّ إِذا كَانَ خَبرا لثَلَاثَة أوجه أحدُها أنّ (إنّ) غير عاملة فِيهِ إِذْ لَيْسَ هُوَ خَبرا لَهَا فى الْحَقِيقَة وإنَّما الْخَبَر مَا تعلّق بِهِ الظّرْف من معنى الِاسْتِقْرَار وإنَّما يمنتع تَقْدِيم خَبَرهَا الَّذِي يعْمل فِيهِ
وَالثَّانِي أنّ الظّرْف لَا يصحُّ إضماره وَهُوَ أحد مَا يمْنَع التَّقْدِيم وَقد أُمِن
وَالثَّالِث أنّ الظّرْف متعلّق بالْخبر لاشْتِمَاله عَلَيْهِ فَهُوَ كاللازم للجملة فساغ تَقْدِيمه لذَلِك وَلِهَذَا سَاغَ الْفَصْل بالظرف بَين (إنّ) وَاسْمهَا بِهِ أَيْضا فِي قَوْلك إنّ خَلفه زيدا قَائِم وَجَاز الْفَصْل بِهِ بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ فى الشّعْر
فصل
وَخبر (إنّ) وَأَخَوَاتهَا مَرْفُوع بهَا وَقَالَ الكوفّيون هُوَ مَرْفُوع بِمَا كَانَ يرْتَفع بِهِ قبل دُخُولهَا وَالدَّلِيل على أنَّه مَرْفُوع بهَا من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أنّ هَذِه الْحُرُوف تعْمل فِي الِاسْم الأوّل لاقتضائها إيّاه فتعمل فى الْخَبَر كَذَلِك أَيْضا أَلا ترى أنّ الْفِعْل يعْمل فى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول لاقْتِضَائه إيّاهما و (ظَنَنْت) وَأَخَوَاتهَا تعْمل فِي المفعولين وَقد كَانَا قبل ذَلِك مرفوعين لاقْتِضَائه إيَّاهُمَا
стр. 171
وَالثَّانِي أنّ خبر (إنّ) مَرْفُوع وَلَا بّد لهُ من رَافع وَلَا يجوز أَن يرْتَفع بِغَيْر (إنّ) إِذْ لَا عَامل سواهَا وَالَّذِي كَانَ قبل دُخُول (إنّ) هُوَ الْمُبْتَدَأ وَقد بَطل ابتداؤه وَلِهَذَا لَا يعْمل الْخَبَر هُنَا فِي الِاسْم لعمل (إنّ) فِيهِ فَلذَلِك لَا يعْمل الْمُبْتَدَأ هُنَا فِي الْخَبَر
واحتجّ الْآخرُونَ بقول الشَّاعِر [الرجز] ٣٠ -
(لَا تتركني فيهمُ شطيرا ... إنّي إِذن أهلك أَو أطيرا) // الرجز // فنصب (أهلكَ) ب (إِذن) وَلم يَجعله خَبَر (إنّ)
واحتجّوا أَيْضا بقول الْعَرَب إنّ بك تكفّل زيد فَجَعل الْفِعْل فِي أسمها وَلَو كَانَت هِيَ الفاعلة فِي الْخَبَر لم تكن كَذَلِك والعلّة فِيهِ أنّ هَذِه الْحُرُوف فروع فِي الْعَمَل فَلم تَقْوَ على الْعَمَل فِي الاسمين
وَالْجَوَاب أمَّا الْبَيْت فَمن الشذوذ وتأويلُه أنَّه حذف الْخَبَر لدلَالَة الْبَاقِي عَلَيْهِ تَقْدِيره إِنِّي أذلّ فأمَّا الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة فَلَا حجَّة فِيهَا لأنَّ اسْم (إنَّ) مَحْذُوف وَهُوَ ضمير الشَّأْن فتقديره إنَّه بك تكفلَّ زيد
стр. 172
وأمَّا ضعفُ هَذِه الْحُرُوف فقد ظهر فِي عدم تصرُّفها وَذَلِكَ كَاف
فصل
وإنَّما بَطل ذَلِك لأنَّها هيَّأتها لدخولها على الْأَفْعَال كَقَوْلِك إنَّما قَامَ زيد
فصل
وَإِذا عطفت على اسْم (إنَّ) قبل الْخَبَر لم يجز فِيهِ إلَاّ النصب وَبِه قَالَ الفرَّاء فِيمَا يظْهر فِيهِ الْإِعْرَاب وَأَجَازَ الرّفْع فِيمَا لم يظْهر فِيهِ الْإِعْرَاب وَيجوز إنَّ زيدا وَأَنت قائمان وَاخْتَارَ الكسائيّ الرّفْع فيهمَا وَالرَّفْع فَاسد لأنَّ الْخَبَر إِذا ثنِّي كَانَ خَبرا عَن الاسمين وَكَانَ الْعَمَل فِيهِ عملا وَاحِدًا وَقد وتقدَّم عاملان أحدُهما (إنَّ) وَالْآخر الْمُبْتَدَأ الْمَعْطُوف وَالْعَمَل الْوَاحِد لَا يُوجِبهُ عاملان
واحتجَّ الْآخرُونَ بقوله تَعَالَى ﴿والصابئون وَالنَّصَارَى﴾ فَرفع قبل الْخَبَر وَيَقُول الْعَرَب إنَّ زيدا وعمروٌ ذاهبان حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ وبأنَّ الْمَعْطُوف على اسْم (لَا) يجوز فِيهِ الرّفْع فَكَذَلِك اسْم (إنَّ)
وَالْجَوَاب عَن الْآيَة من وَجْهَيْن أَحدهمَا أنَّه مَعْطُوف على الضَّمِير فِي (آمنُوا) وَقَامَ الْفَصْل بَينهمَا مقَام التوكيد
стр. 173
وَالثَّانِي أنَّ خبر الصابئين مَحْذُوف والنيَّة بِهِ التَّأْخِير تَقْدِيره إِن الَّذين آمنُوا إِلَى قَوْله ﴿وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ والصابئون كَذَلِك لَا وَيجوز أَن يكون ﴿فَلَا خوف عَلَيْهِم﴾ خبر الصابئين وَخبر إنَّ مَحْذُوف لدلَالَة هَذَا الْخَبَر عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر [من المنسرح] ٣١ -
(نحنُ بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا ... عنْدك راضٍ والرأيُ مُخْتلِفُ) // المنسرح // أَي نَحن بِمَا عندنَا راضون وَلذَلِك تُجيُز فِي الْكَلَام إنَّ زيداُ وعمروٌ قَائِم على الْوَجْهَيْنِ وأمَّا قَول البرجمي // الطَّوِيل // ٣٢ -
(فَمن يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رحْلُهُ ... فإنَّي وقيَّارٌ بهَا لغريبُ) ف (غَرِيب) خبر (إنَّ) لَا غير لأنَّ اللَّام تكون فِي خبر (إنَّ) لَا فِي خبر الْمُبْتَدَأ وأمَّا (قيَّار) فَيجوز أَن يكون مُبْتَدأ و (بهَا) خَبره وَالْجُمْلَة حَال وَيجوز أَن يكون خَبره محذوفاً دلَّ عَلَيْهِ الْمَذْكُور
стр. 174
وأمَّا الْحِكَايَة عَن الْعَرَب فقد قَالَ سبيويه ذَلِك من قَائِله على جِهَة الْغَلَط كَمَا فعلوا فِي خبر (لَيْسَ) فجّروا لأَنهم توهَّموا الْبَاء فِي قَول الشَّاعِر ٣٣ -
(مشائيم لَيْسُوا مصلحينَ عشيرةً ... وَلَا ناعبٍ إلَاّ ببين غرابُها) وإنَّما غلطوا فِي ذَلِك لأنَّه مَوضِع تكْثر فِيهِ الْبَاء كَذَلِك فِي الْحِكَايَة
وأمَّا الْعَطف على اسْم (لَا) فالرفع لَا يجوز وَمن أجَازه قَالَ (لَا) وإسُمها ركِّبا وَجعلا كاسم وَاحِد موضعُه رفعٌ وَمِنْهُم من قَالَ (لَا) لَا تعْمل فِي الْخَبَر لأنَّها فرع فَلم يلْزم فِيهَا مَا لزم فِي (إنَّ)
فصل
واتَّفقوا على جَوَاز نصب الْمَعْطُوف على اسْم إنَّ بعد الْخَبَر على اللَّفْظ وَرَفعه من ثَلَاثَة أوجه
стр. 175
أحُدها أَن يكون على معنى الِابْتِدَاء وَمعنى ذَلِك أنَّك لَو لم تأت ب (إنَّ) لَكَانَ الِاسْم مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ فجَاء الْمَعْطُوف على ذَلِك التَّقْدِير وَلم ينقص رَفعه معنى وَمن قَالَ هُوَ مَعْطُوف على مَوضِع (إنَّ) أَو على مَوضِع اسْم (إنَّ) فَهَذَا الْمَعْنى يُرِيد لَا (إنَّ)
الثَّانِي أَن يكون مُبْتَدأ وَالْخَبَر على الْوَجْهَيْنِ مَحْذُوف دلَّ عَلَيْهِ الْمَذْكُور
وَالثَّالِث أنْ يكون مَعْطُوفًا على الضَّمِير فِي الْخَبَر فَيكون على هَذَا فَاعِلا والأجود على هَذَا توكيدُه هَذَا كلّه فِي (إنّ)
وأمَّا (لكنَّ) فَلَا يجوز الْعَطف فِيهَا على معنى الِابْتِدَاء عِنْد أَكثر المحقّقين وأمَّا (أنَّ) الْمَفْتُوحَة وَمَا عملت فِيهِ فَلَا تقع مُبْتَدأ بل معمولة لعامل لفظيّ قبلهَا وَيجوز الرّفْع على الْوَجْهَيْنِ الآخرين وَكَذَلِكَ (كأنَّ وليت ولعلَّ ولكنَّ) لأنَّ هَذِه الْحُرُوف غيَّرت معنى الِابْتِدَاء
стр. 176
فصل
وإنَّما أُكِّد خبرُ (إنَّ) بِاللَّامِ لأنَّها موضوعةٌ لتأكيد الْمُبْتَدَأ فلمَّا أُريد زيادةُ التوكيد جمع بَينهَا وَبَين (إنَّ)
فصل
وموضعها الأصليُّ قبل (إنَّ) لثَلَاثَة أوجه أحدُها أنَّه وَجب لَهَا الصَّدْر قبل (إنّ) فَكَذَلِك بعد دُخُول (إنَّ) وَلِهَذَا السَّبَب سمَّيت (لَام الِابْتِدَاء) وَالثَّانِي أَن اللَّام تعلّق (علمت) عَن الْعَمَل فَلَو كَانَت (إنّ) قبلهَا لمنعتها عَن الْعَمَل
وَالثَّالِث أنَّ (إنَ) عاملةٌ وَهِي عَامل ضَعِيف فَكَانَ وُقُوع معمولها يَليهَا أوْلى
فصل
وإنَّما أخَّرتْ (اللَّام) إِلَى الْخَبَر لئلَاّ يتوالى حرفا معنى كَمَا لَا يتوالى حرفا نفي أَو اسْتِفْهَام وَكَانَت (اللَّام) أولى بِالتَّأْخِيرِ من (إنَّ) لثَلَاثَة أوجه
أحدُها أنَّ (اللَّام) غير عاملة و (إنَّ) عاملة وَتَأْخِير غير الْعَامِل أوْلى
وَالثَّانِي أنَّ (اللَّام) تؤثِّر فِي الْمَعْنى فَقَط و (إنَّ) تؤثِّر فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى فَكَانَ إِقْرَارهَا ملاصقة اللَّفْظ ملاصقةً للفظ الَّذِي تعْمل فِيهِ أولى
стр. 177
وَالثَّالِث أنَّ (إنَّ) لَو أخَّرت إِلَى الْخَبَر فنصبته وارتفع مَا قبلهَا تغيَّر حكمهَا وَإِن بَقِي مَا قبلهَا مَنْصُوبًا وَمَا بعْدهَا مَرْفُوعا لزم مِنْهُ تَقْدِيم معمولها عَلَيْهَا
فصل
وإنَّما لم تدخل اللَّام فِي خبر (كأنَّ وليت ولعلَّ) لزوَال معنى الِابْتِدَاء وَالتَّحْقِيق والتوكيد إنَّما يُرَاد بِهِ تَحْقِيق المحقَّق الثَّابِت
فصل
وَأَجَازَ الكوفيَّون دُخُول (اللَّام) فِي خبر (لكنّ) لأنَّها مركَّبة من (لَا) و (إنَّ) زيدت عَلَيْهِمَا الْكَاف وَقد جَاءَ ذَلِك فِي الشّعْر ٣٤ -
( ... ولكننَّي من حبَّها لعميدُ) // الطَّوِيل // ولأنَّ (لكنّ) لَا تغيَّر معنى الِابْتِدَاء وَهَذَا عندنَا لَا يجوز لوَجْهَيْنِ أَحدهَا أنَّه لم يَأْتِ مِنْهُ شَيْء فِي الْقُرْآن وَفِي أختيار كَلَامهم وَإِن جَاءَ فِي شعر فَهُوَ شاذّ سوَّغته الضَّرُورَة
стр. 178
وَالثَّانِي أنَّ (اللَّام) لَو جَازَت مَعَ (لكنَّ) لتقدَّمت عَلَيْهَا لأنّ موضعهَا صدر الْجُمْلَة وإنَّما أخَّرت فِي (إنَّ) لئلَاّ يتوالى حرفا تَأْكِيد و (لكنَّ) لَيست للتوكيد بل للاستدراك وَبِهَذَا تبيَّن أنَّ معنى الِابْتِدَاء لَا يبْقى مَعهَا بالكلِّيَّة لأنَّ الِابْتِدَاء لَا اسْتِدْرَاك فِيهِ
فصل
وَالْأَصْل فِي (إنِّي) (إنِّني) وَفِي (كأنِّي) (كأنَّني) فَيُؤتى بنُون الْوِقَايَة لئلاّ ينكسر آخر الْحَرْف وإنَّما جَازَ حذفهَا تَخْفِيفًا لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَكَثْرَة النونات والمحذوف النُّون الثَّانِيَة لوَجْهَيْنِ
أحدُهما أنَّها حذفت قبل دُخُولهَا على الضَّمِير فَقَالُوا (إنْ) وَهِي المخَّففة فَكَذَلِك بعد دُخُولهَا على الضَّمِير
وَالثَّانِي أنَّ النُّون الأولى لَا يجوز حذفهَا لأنَّك تحْتَاج إِلَى تسكين الثَّانِيَة ليصحَّ إدغامها فَيصير مَعَك حذفٌ وتسكيٌن وإدغام ولأنَّ الثّقل لَا يَقع إِلَّا بالمكرر لَا بِالْأولِ
стр. 179
وَحذف الثَّالِثَة ضَعِيف لأنَّها دخلت لِمَعْنى يختلُّ بالحذف وَقد ذهب قومٌ إِلَى أنَّ المحذوفة هِيَ الأُولى وَذهب آخَرُونَ إِلَى أنَّ المحذوفة فِي الثَّالِثَة وَالصَّحِيح مَا ذكرنَا فأمَّا قَوْلك (إنَّا) فالمحذوفة هِيَ الثَّانِيَة عِنْد الْجَمِيع
فصل
وَأكْثر مَا جَاءَ (لعلّي) بِغَيْر لون لأنَّ اللَّام تشبه النُّون فلَمَّا ثقل اجْتِمَاع النونات ثقل دُخُول النُّون على اللَّام المشددَّة وَقد جَاءَ (لعلّني) فِي الشّعْر وأمَّا (ليتي) فضعيف فِي الْقيَاس قَلِيل فِي الِاسْتِعْمَال لأنَّ النُّون إِذا لم تثبت توالت أَشْيَاء مستثقلة وَهِي الْيَاء وكسرة التاءِ وَالْيَاء بعْدهَا
فصل
وَيكون ضمير الشَّأْن والقصّة اسْم (إنَّ) كَمَا كَانَ اسْم (كَانَ) إلَاّ أنَّ (كَانَ) يسْتَتر فِيهَا الضَّمِير إِذْ كَانَت فعلاًو (إنَّ) لَا يسْتَتر فِيهَا لأنَّها حرف وَإِن جَاءَت الْجُمْلَة بعْدهَا كَقَوْلِك إنَّ زيدٌ قَائِم كَانَ ضمير القصّة محذوفاً للْعلم بِهِ
وَقَالَ الكسائيّ تكون ملغاة عَن الْعَمَل وَهَذَا ضَعِيف لقوَّة شبه (إنَّ) بِالْفِعْلِ فإنَّ جعلت بِمَعْنى (نعم) جَازَ ذَلِك فأمَّا قَول الشَّاعِر ٣٥ -
(فليت كفافاً كَانَ خيرُك كلّه ... وشرُّك عنَّي مَا ارتوى الماءَ مرتوي)
стр. 180
فَفِيهِ آوجه
أحدُها أنَّ ضمير الشَّأْن مَحْذُوف وَهُوَ اسْم (لَيْت) وخبرها الْجُمْلَة الَّتِى بعْدهَا و (كفافاً) خبر (كَانَ) (خيرك) اسْمهَا وَلم يثن الْخَبَر لأنَّه كالمصدر / وَالثَّانِي أنَّ (كفافاً) اسْم (لَيْت) وَكَانَ وَمَا عملت فِيهِ خَبَرهَا وَخبر (كَانَ) مَحْذُوف
وَالثَّالِث أنَّ (كَانَ) زَائِدَة ويروى (شرَّك) بِالنّصب على أنَّه مَعْطُوف على اسْم (لَيْت) وأمَّا قَوْله (ماارتوى المَاء) فَالصَّحِيح فِي المَاء النصب و (مرتوي) فَاعل وتروى بِالرَّفْع على معنى مَا أروى المَاء مرتوياً وَسكن الْيَاء فِي مَوضِع النصب ثمّ حذف التَّنْوِين وَقيل جعل المَاء مرتوياً على الْمُبَالغَة وكلُّ ذَلِك ضَعِيف وَقيل (مرتوي) رفع خبر (شرّك)
فصل
وَيجوز أَن تعْمل (أنْ) المخففة من الثَّقِيلَة عَملهَا قبل التَّخْفِيف وَقد جَاءَ ذَلِك فِي الشّعْر كَمَا قَالَ الشَّاعِر [// الطَّوِيل //] ٣٦ -
(فَلَو أنْكِ فِي يومِ الرخاءِ سألتنِي ... فراقَكِ لم أبخلْ وأنتِ صديق)
следующие страницы →