Полный текст (964 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فصل
وإنَّما أُكِّد خبرُ (إنَّ) بِاللَّامِ لأنَّها موضوعةٌ لتأكيد الْمُبْتَدَأ فلمَّا أُريد زيادةُ التوكيد جمع بَينهَا وَبَين (إنَّ)
فصل
وموضعها الأصليُّ قبل (إنَّ) لثَلَاثَة أوجه أحدُها أنَّه وَجب لَهَا الصَّدْر قبل (إنّ) فَكَذَلِك بعد دُخُول (إنَّ) وَلِهَذَا السَّبَب سمَّيت (لَام الِابْتِدَاء) وَالثَّانِي أَن اللَّام تعلّق (علمت) عَن الْعَمَل فَلَو كَانَت (إنّ) قبلهَا لمنعتها عَن الْعَمَل
وَالثَّالِث أنَّ (إنَ) عاملةٌ وَهِي عَامل ضَعِيف فَكَانَ وُقُوع معمولها يَليهَا أوْلى
فصل
وإنَّما أخَّرتْ (اللَّام) إِلَى الْخَبَر لئلَاّ يتوالى حرفا معنى كَمَا لَا يتوالى حرفا نفي أَو اسْتِفْهَام وَكَانَت (اللَّام) أولى بِالتَّأْخِيرِ من (إنَّ) لثَلَاثَة أوجه
أحدُها أنَّ (اللَّام) غير عاملة و (إنَّ) عاملة وَتَأْخِير غير الْعَامِل أوْلى
وَالثَّانِي أنَّ (اللَّام) تؤثِّر فِي الْمَعْنى فَقَط و (إنَّ) تؤثِّر فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى فَكَانَ إِقْرَارهَا ملاصقة اللَّفْظ ملاصقةً للفظ الَّذِي تعْمل فِيهِ أولى
стр. 177
وَالثَّالِث أنَّ (إنَّ) لَو أخَّرت إِلَى الْخَبَر فنصبته وارتفع مَا قبلهَا تغيَّر حكمهَا وَإِن بَقِي مَا قبلهَا مَنْصُوبًا وَمَا بعْدهَا مَرْفُوعا لزم مِنْهُ تَقْدِيم معمولها عَلَيْهَا
فصل
وإنَّما لم تدخل اللَّام فِي خبر (كأنَّ وليت ولعلَّ) لزوَال معنى الِابْتِدَاء وَالتَّحْقِيق والتوكيد إنَّما يُرَاد بِهِ تَحْقِيق المحقَّق الثَّابِت
فصل
وَأَجَازَ الكوفيَّون دُخُول (اللَّام) فِي خبر (لكنّ) لأنَّها مركَّبة من (لَا) و (إنَّ) زيدت عَلَيْهِمَا الْكَاف وَقد جَاءَ ذَلِك فِي الشّعْر ٣٤ -
( ... ولكننَّي من حبَّها لعميدُ) // الطَّوِيل // ولأنَّ (لكنّ) لَا تغيَّر معنى الِابْتِدَاء وَهَذَا عندنَا لَا يجوز لوَجْهَيْنِ أَحدهَا أنَّه لم يَأْتِ مِنْهُ شَيْء فِي الْقُرْآن وَفِي أختيار كَلَامهم وَإِن جَاءَ فِي شعر فَهُوَ شاذّ سوَّغته الضَّرُورَة
стр. 178
وَالثَّانِي أنَّ (اللَّام) لَو جَازَت مَعَ (لكنَّ) لتقدَّمت عَلَيْهَا لأنّ موضعهَا صدر الْجُمْلَة وإنَّما أخَّرت فِي (إنَّ) لئلَاّ يتوالى حرفا تَأْكِيد و (لكنَّ) لَيست للتوكيد بل للاستدراك وَبِهَذَا تبيَّن أنَّ معنى الِابْتِدَاء لَا يبْقى مَعهَا بالكلِّيَّة لأنَّ الِابْتِدَاء لَا اسْتِدْرَاك فِيهِ
فصل
وَالْأَصْل فِي (إنِّي) (إنِّني) وَفِي (كأنِّي) (كأنَّني) فَيُؤتى بنُون الْوِقَايَة لئلاّ ينكسر آخر الْحَرْف وإنَّما جَازَ حذفهَا تَخْفِيفًا لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَكَثْرَة النونات والمحذوف النُّون الثَّانِيَة لوَجْهَيْنِ
أحدُهما أنَّها حذفت قبل دُخُولهَا على الضَّمِير فَقَالُوا (إنْ) وَهِي المخَّففة فَكَذَلِك بعد دُخُولهَا على الضَّمِير
وَالثَّانِي أنَّ النُّون الأولى لَا يجوز حذفهَا لأنَّك تحْتَاج إِلَى تسكين الثَّانِيَة ليصحَّ إدغامها فَيصير مَعَك حذفٌ وتسكيٌن وإدغام ولأنَّ الثّقل لَا يَقع إِلَّا بالمكرر لَا بِالْأولِ
стр. 179
وَحذف الثَّالِثَة ضَعِيف لأنَّها دخلت لِمَعْنى يختلُّ بالحذف وَقد ذهب قومٌ إِلَى أنَّ المحذوفة هِيَ الأُولى وَذهب آخَرُونَ إِلَى أنَّ المحذوفة فِي الثَّالِثَة وَالصَّحِيح مَا ذكرنَا فأمَّا قَوْلك (إنَّا) فالمحذوفة هِيَ الثَّانِيَة عِنْد الْجَمِيع
فصل
وَأكْثر مَا جَاءَ (لعلّي) بِغَيْر لون لأنَّ اللَّام تشبه النُّون فلَمَّا ثقل اجْتِمَاع النونات ثقل دُخُول النُّون على اللَّام المشددَّة وَقد جَاءَ (لعلّني) فِي الشّعْر وأمَّا (ليتي) فضعيف فِي الْقيَاس قَلِيل فِي الِاسْتِعْمَال لأنَّ النُّون إِذا لم تثبت توالت أَشْيَاء مستثقلة وَهِي الْيَاء وكسرة التاءِ وَالْيَاء بعْدهَا
فصل
وَيكون ضمير الشَّأْن والقصّة اسْم (إنَّ) كَمَا كَانَ اسْم (كَانَ) إلَاّ أنَّ (كَانَ) يسْتَتر فِيهَا الضَّمِير إِذْ كَانَت فعلاًو (إنَّ) لَا يسْتَتر فِيهَا لأنَّها حرف وَإِن جَاءَت الْجُمْلَة بعْدهَا كَقَوْلِك إنَّ زيدٌ قَائِم كَانَ ضمير القصّة محذوفاً للْعلم بِهِ
وَقَالَ الكسائيّ تكون ملغاة عَن الْعَمَل وَهَذَا ضَعِيف لقوَّة شبه (إنَّ) بِالْفِعْلِ فإنَّ جعلت بِمَعْنى (نعم) جَازَ ذَلِك فأمَّا قَول الشَّاعِر ٣٥ -
(فليت كفافاً كَانَ خيرُك كلّه ... وشرُّك عنَّي مَا ارتوى الماءَ مرتوي)
стр. 180
فَفِيهِ آوجه
أحدُها أنَّ ضمير الشَّأْن مَحْذُوف وَهُوَ اسْم (لَيْت) وخبرها الْجُمْلَة الَّتِى بعْدهَا و (كفافاً) خبر (كَانَ) (خيرك) اسْمهَا وَلم يثن الْخَبَر لأنَّه كالمصدر / وَالثَّانِي أنَّ (كفافاً) اسْم (لَيْت) وَكَانَ وَمَا عملت فِيهِ خَبَرهَا وَخبر (كَانَ) مَحْذُوف
وَالثَّالِث أنَّ (كَانَ) زَائِدَة ويروى (شرَّك) بِالنّصب على أنَّه مَعْطُوف على اسْم (لَيْت) وأمَّا قَوْله (ماارتوى المَاء) فَالصَّحِيح فِي المَاء النصب و (مرتوي) فَاعل وتروى بِالرَّفْع على معنى مَا أروى المَاء مرتوياً وَسكن الْيَاء فِي مَوضِع النصب ثمّ حذف التَّنْوِين وَقيل جعل المَاء مرتوياً على الْمُبَالغَة وكلُّ ذَلِك ضَعِيف وَقيل (مرتوي) رفع خبر (شرّك)
فصل
وَيجوز أَن تعْمل (أنْ) المخففة من الثَّقِيلَة عَملهَا قبل التَّخْفِيف وَقد جَاءَ ذَلِك فِي الشّعْر كَمَا قَالَ الشَّاعِر [// الطَّوِيل //] ٣٦ -
(فَلَو أنْكِ فِي يومِ الرخاءِ سألتنِي ... فراقَكِ لم أبخلْ وأنتِ صديق)
стр. 181
وَقَرَأَ بعض القرَّاء ﴿وإنْ كلا لما ليوفيّنهم ربُّك أَعْمَالهم﴾ بتَخْفِيف النُّون وَنصب (كلّ) وَلَا يجوز أَن يكون بِمَعْنى (مَا) وَأَن ينصب (كلا) بِفعل مقدَّر لأنَّك إنْ قدَّرته من جنس الْمَذْكُور بعْدهَا فسد الْمَعْنى لأنَّه يصير (مَا يوفيَّ كلاًّ أَعْمَالهم) وإنْ قدرته من غير جنسه لم يكن لتقدير الْقسم هُنَا مَوضِع لأنَّ أحسن مَا يقدَّر بِهِ (مَا نُهمل كلاًّ) على أنَّ (لَمّا) لَا تكون بِمَعْنى (إلَاّ) فِي غير الْقسم
وَإِن كَانَت المخفَّفة من الثَّقِيلَة وأضمرت عَاملا غير (مَا) لم يصحّ لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أنَّ (أنَّ) قد توهنت بالحذف فَلَا توهّن بِحَذْف الْفِعْل أَيْضا
وَالثَّانِي أنَّ المخففَّة إِذا وَليهَا الْفِعْل وَحذف اسْمهَا لَا يَخْلُو من عوض والعوض هُوَ (قد وَالسِّين وسوف وَلم وَلَا وَلَيْسَ)
стр. 182
ويدلُّ على جَوَازه ايضاً أنَّ المثقّلة مشتبهّه بِالْفِعْلِ وَقد عمل الْفِعْل بعد تخفيفه بالحذف كَقَوْلِك لم يَك وَلَا أدر وَلم أبَلْ وَقَالَ الكوفيَّون لَا يجوز أَن تعْمل بعد التَّخْفِيف لِضعْفِهَا وَقد دللنا على الْجَوَاز وَيَكْفِي فِي ضعفها جَوَاز إبطالِ عَملهَا لَا وُجُوبه فأمّا قَول الشَّاعِر [// الطَّوِيل //] ٣٧ -
(فيوماً توافينا بوجهٍ مقسَّمٍ ... كأنْ ظَبْيَة تعطوا إِلَى وارفِ السَّلَمْ فيروى بِالرَّفْع مَعَ الإلغاء وَالتَّقْدِير كأنهَّا ظَبْيَة وَبِالنَّصبِ على الإعمال وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي كَأَن ظَبْيَة هَذِه الْمَرْأَة وبالجِّر على زِيَادَة (أنْ) والجرّ بكاف التَّشْبِيه
стр. 183
بَاب
الْفرق بَين إِن الْمَفْتُوحَة والمكسورة
وإنَّما فرَّقوا بَينهمَا لافتراقهما فِي الْمَعْنى وَالْتِبَاس الْمَعْنى فِي بعض الْمَوَاضِع ففرَّقوا بالحركات ليزول اللّبْس أَلا ترى أنَّك إِذا أنَّك إِذا قلت أوَّل مَا أَقُول إنَّي أَحْمد الله يحْتَمل مَعْنيين أَحدهمَا أَن تجْعَل الْحَمد هُوَ أول كلامك
والثانى أَن تجْعَل الْحَمد هُوَ الَّذِي تحكيه بِقَوْلِك (أَقُول) وَلَيْسَ هُوَ نفس الأوَّل فَعِنْدَ ذَلِك يحْتَاج إِلَى الْفرق بَينهمَا ليتَّضح الْمَعْنى
وَكَذَلِكَ قَوْله ﵊ فِي التلبيه ((لبيْك إنَّ الْحَمد لَك)) إِذا فتحت كَانَ الْمَعْنى لبّيك لأنَّ الْحَمد لَك وَإِذا كسرت كَانَ مستأنفاً وَهُوَ أَجود فِي التَّلْبِيَة
стр. 184
فصل
والمكسور هِيَ الأَصْل لثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أنَّها تفِيد فِي الْجُمْلَة معنى وَاحِدًا هُوَ التوكيد فَهِيَ ك (لَام الِابْتِدَاء) و (الْبَاء) الدَّاخِلَة فِي خبر (لَيْسَ) و (نون تَأْكِيد الْفِعْل) والمفتوحة تفِيد التوكيد وتعلّق مَا بعْدهَا بِمَا قبلهَا
وَالثَّانِي أنَّ (إنَّ) الْمَكْسُورَة أشبه بِالْفِعْلِ لذا كَانَت عاملة غير مَعْمُول فِيهَا كَمَا هُوَ أصل الْفِعْل والمفتوحة عاملة ومعمول فِيهَا فَهِيَ كالمركَّب والمكسورةُ كالمفرد والمفرد أصل للمركَّب
وَالثَّالِث أنَّ الْمَكْسُورَة لَيست كبعض الِاسْم هِيَ مستقلَّة بِنَفسِهَا والمفتوحة كبعض الِاسْم إِذْ كَانَت هِيَ وَمَا عملت فِيهِ تَقْدِير اسْم وَاحِد
وَقد قَالَ قوم الْمَفْتُوحَة أصلٌ للمكسورة وَقَالَ آخَرُونَ كلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا أصلٌ بِنَفسِهَا وَالصَّحِيح مَا بدأنا بِهِ
فصل
وإنَّما خصَّت المصدريَّة بِالْفَتْح لأنَّهم لَمَّا آثروا الْفرق عدلوا إِلَى أخفَّ الحركات وَهِي الفتحة إنْ شِئْت قلت لَمَّا كَانَت المصدريَّة كبعض الِاسْم طَال
стр. 185
الْكَلَام بهَا فخصَّت بأخف الحركات وأنْ شِئْت قلت لَمَّا كَانَت مصدرّية حملوها على (أَن) الناصبة للْفِعْل فِي الْفَتْح كَمَا حملُوا الناصبة للْفِعْل فِي الْعَمَل على الناصبة للاسم
فصل
وكلّ مَوضِع وَقعت فِيهِ (إنَّ) وَحسن أَن يَقع فِي موقعها فعل وفاعل أَو مُبْتَدأ وَخبر كَانَت مَكْسُورَة وكلُّ مَوضِع لم يحسن فِي موضعهَا إلَاّ الْفِعْل وَحده أَو الِاسْم وَحده فَهِيَ مَفْتُوحَة وعَلى هَذَا تبنى مسَائِل الْفرق بَين (إنَّ) و (أنَّ) فَمن ذَلِك كسرهَا بعد القَوْل لأنَّ القَوْل تحكى بعده الْجُمْلَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل والمبتدأ وَالْخَبَر وَمن ذَلِك كسرهَا إِذا وَقعت صلَة (للَّذي) وَإِذا وَقعت فِي جَوَاب الْقسم وَإِذا وَقعت اللَّام فِي خَبَرهَا
وَقد تقع فِي مَوضِع يحْتَمل الأمَريْن كَقَوْلِك لقِيت زيدا فَإِذا إنَّه عبد بِالْكَسْرِ على معنى فَإِذا هُوَ عبد وبالفتح على معنى فَإِذا العبوديَّةُ أيْ فاجأتني ذلتَّه وَنَحْو ذَلِك
стр. 186
بَاب (لَا)
وَلها اقسام ستّة أَحدهَا أَن تدخل على الِاسْتِفْهَام لتنفي عَنهُ الْخَبَر وَهَذَا البابُ مختصٌّ بهَا وبقيَّة أقسامها تُذْكَرُ فِي مواضهعا وَاعْلَم أنَّ (لَا) هَذِه عاملة فِي الِاسْم على الْجُمْلَة لأنَّها أشبهت (أنَّ) الثَّقِيلَة من أوجه
أَحدهَا أنَّها تدخل على مُبْتَدأ وَخبر كَمَا أنَّ (إنَّ) كَذَلِك وَالثَّانِي أنَّ لَهَا صدر الْجُمْلَة كَمَا أَن (إنَّ) كَذَلِك
وَالثَّالِث أنَّها لتوكيد النَّفْي كَمَا أنَّ (إنَّ) لتوكيد الْإِثْبَات وَالرَّابِع أنَّها نقيضة (أنَّ) وهم يحملون الشَّيْء على نقيضه كَمَا يحملونه على نَظِيره وسنرى ذَلِك مستقصى فِي مَوْضِعه
وَقَالَ بَعضهم هِيَ مَحْمُولَة على (أنْ) الْخَفِيفَة لوَجْهَيْنِ
стр. 187
أَحدهمَا أنَّها على حرفين مثلهَا وَالثَّانِي أنّ الْخَفِيفَة وتلغي كَمَا أَن (لَا) كَذَلِك
فصل
وتعمل النصب فِي الِاسْم عِنْد الْجَمِيع كَمَا عملت (إنَّ) وإنَّما تعمله بِثَلَاث شَرَائِط إِحْدَاهَا أَن تلِي الِاسْم من غير فصل
وَالثَّانيَِة أَن تكون دَاخِلَة على نكرَة وَالثَّالِثَة أَن تكون تِلْكَ النكرَة جنساُ وإنَّما عملت بِهَذِهِ الشَّرَائِط لأنَّها اخْتصّت بِهَذِهِ الْأَشْيَاء وكلّ مختصّ يجب أَن يعْمل وعملت النصب لما ذكرنَا من مشابهتها (إنَّ)
فصل
وَاخْتلفُوا فِي الِاسْم النكرَة المتفيّة ب (لَا) نفيا عامّاً إِذا لم تكن مُضَافَة وَلَا مشابهة للمضاف هَل هِيَ مبنيّة أَو معربة فمذهب أَكثر البصريَّين أنَّها مبينَّة وَقَالَ الزّجاج والسيرافيّ وَأهل الْكُوفَة هِيَ معربة
واحتجّ الأوَّلون على بنائها من أوجه
стр. 188
أَحدهَا أنَّ بَين (لَا) وَبَين النكرَة حرفا مقدَّرا وَهُوَ (مِنْ) وَالِاسْم إِذا تضمَّن معنى الْحَرْف بُني وَإِنَّمَا وَجب تقديرُ (مِنْ) هَهُنَا لِأَنَّهَا جوابُ مَنْ قالَ هَل من رجلٍ فِي الدَّار وإنَّما دخلت هَهُنَا لتدلّ على الْجِنْس وَذَلِكَ أنَّك إِذا قلت هَل رجلٌ فِي الدَّار أَو لَا رجلٌ فِي الدَّار بِالرَّفْع والتنوين تنَاول رجلا وَاحِدًا حتّى لوكان هُنَاكَ رجلَانِ أَو أَكثر لم يكن الِاسْتِفْهَام متناولاً لَهما فَإِذا أدخلت (مِنْ) تنَاول الْجِنْس كلّه وَكَذَلِكَ إِذا قلت مَا جَاءَنِي من رجل لم يجز أَن يكون جَاءَك وَاحِد أَو أَكثر وَإِن حذفت (من) جَازَ أَن يكن جَاءَك رجلَانِ أَو أَكثر وَإِذا أثبت ذَلِك صَار الِاسْم متضّمناً معنى (من) المفيدة معنى الْجِنْس
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن لَا لما لم تعْمل إِلَّا إِذا لاصقت الِاسْم وَكَانَت (من) بَينهمَا مُرَادة صارتا كالاسم الْمركب فِي بَاب الْعدَد كخمسة عشر والمركب يبْنى لتَضَمّنه معنى الْحَرْف
وَالثَّالِث أنَّ (لَا) فِي هَذَا الْبَاب خَالَفت بقيَّة حُرُوف النَّفْي من وَجْهَيْن
أحدُهما أنَّها جوابٌ لما لَيْسَ بِإِيجَاب بل لما هُوَ اسْتِفْهَام وَبَقِيَّة حُرُوف النَّفْي يُجَاب بهَا عَن الْوَاجِب
وَالثَّانِي أنَّها مختصَّة بالنكرة العامَّة الَّتِي هِيَ جنس وَلَيْسَ شيءٌ من حُرُوف النَّفْي مختصّاً بِضَرْب من الْأَسْمَاء
стр. 189
واحتجَّ من قَالَ الِاسْم هُنَا مُعرب بأَرْبعَة أوجه
أحدُها أنَّ الِاسْم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مُعرب كَقَوْلِك لَا رجل وغلاماَ عنْدك وَالْوَاو نَائِبه عَن (لَا)
وَالثَّانِي أنَّ خَبَرهَا معربّ وعملها فِي الاسمين وَاحِد ٠ وَالثَّالِث أنَّ (لَا) عَامله فَلَو حصل الْبناء هُنَا لحصل بعامل وَالْبناء لَا يحصل بعامل لانَّ الْعَامِل غير الْمَعْمُول وَالْبناء شبه التَّرْكِيب وجزءا المركَّب شَيْء وَاحِد
وَالرَّابِع أنَّ الِاسْم لَو كَانَ مبنيّاً لبني على حركه غير الْفَتْح لأنَّ (لَا) تعْمل النصب فَإِذا عرض الْبناء وَجب أَن تكون حركته غير حَرَكَة الْإِعْرَاب كَمَا فِي (قبلُ وبعدُ)
وَالْجَوَاب أنَّ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ بني لتضمُّنه معنى الْحَرْف وإنَّما يكون ذَلِك مَعَ (لَا) نَفسهَا وَالْوَاو لَا تنوب عَن (لَا) فِي هَذَا الْمَعْنى بل تنوب عَنْهَا فِي الْعَطف فَقَط وَلِهَذَا يسوغ إِظْهَار (لَا) مَعَ (الْوَاو)
стр. 190
وأمَّا عَملهَا فِي الْخَبَر فَفِيهِ اخْتِلَاف سَنذكرُهُ على أنَّ عَملهَا فِيهِ لَا يُوجب بناءه لأنَّ علَّة الْبناء وجدت فِي الِاسْم دون الْخَبَر ويدلُّ عَلَيْهِ أنَّ الْبناء لأجل التَّرْكِيب وَنحن نجْعَل الاسمين المركَّبين بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد وَهُوَ مَعَ هَذَا مُخَالف للْقِيَاس فَكيف نجْعَل ثَلَاثَة أَشْيَاء بِمَنْزِلَة شَيْء وَاحِد
وأمَّا الْبناء ففير حَادث ب (لَا) من حَيْثُ هِيَ عاملة بل حَادث بالتركيب وتضُّمنه معنى الْحَرْف كَمَا أنَّ (يَا) فِي النداء تعْمل النصب فِي المعرب فَإِذا دخلت على الْمُفْرد بُني لابهابل بِشَيْء آخر وأمَّا جعل حَرَكَة المبنيّ هُنَا الْفَتْح فَفِيهِ أوجه
أحدُها أنَّ الْفَتْح اختير لطول الِاسْم بالتركيب كَمَا اختير فِي خمسةَ عشَر
وَالثَّانِي أنَّ النَّفْي هُنَا لَمّا خرج عَن نَظَائِره خرج الْبناء عَن نَظَائِره وَالثَّالِث أنَّهم لَو بنوه على الْكسر لكَانَتْ مثل الْحَرَكَة الَّتِي يستحقُّها هَذَا الِاسْم فِي الأَصْل إِذْ اصلُه لَا من رجل وَلَو بني على الضمِّ لكَانَتْ حركته فِي حَال عُمُومه كالحركة فِي حَال خصوصه ففرَّقوا بَينهمَا وَعدلُوا إِلَى الْفَتْح
ويدلَّ على فَسَاد مَذْهَب من قَالَ هُوَ مُعرب أنَّه لَو كَانَ كَذَلِك لنوَن كَمَا يُنَّون اسْم إنَّ فإنْ قيل إنَّما لم ينَّون لأنَّ (لَا) ضعفت إِذْ كَانَت فرعَ فرعِ فرعٍ وَذَلِكَ أنَّ (كَانَ) فرعٌ فِي الْعَمَل على الْأَفْعَال الحقيقّة و (إنَّ) فرع على (كَانَ) و (لَا) فرع على (إنَّ) فلمَّا ضعف خُولِفَ باسمها بَقِيَّة المعربات
стр. 191
قيل أثر ضعفها قد ظهر فِي شَيْء غير التَّنْوِين فَمن ذَلِك أنَّه لَا ي فصل بَينهَا وَبَين اسْمهَا بالْخبر وَلَا بِغَيْرِهِ ولأنَّ التَّنْوِين لَا يحدث بالعامل حَتَّى يحذف إِذا ضعف الْعَامِل وإنَّما هُوَ تابعٌ لحركة الْإِعْرَاب
فَإِن قيل إِنَّمَا حذف التَّنْوِين لِأَن هَذَا الْبَاب خَالف بَقِيَّة العوامل فِي اخْتِصَاصه بِبَعْض الْأَسْمَاء وعَلى وَجه مَخْصُوص فخولف بِهِ أَيْضا فِي التَّنْوِين قيل قد أجبنا عَن هَذَا
فصل
واتَّفقوا على أنَّ النكرَة المضافة كَقَوْلِك لَا غُلَام رجلٍ عندنَا وَفِي المشابه للمضاف كَقَوْلِك لَا خيرا من زيد عندنَا مُعرب وإنَّما خَالف هَذَا الِاسْم النكرَة المفردة لثَلَاثَة أوجه
أحدُها أنَّ الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ كاشيء الْوَاحِد وهما فِي اللَّفْظ اسمان فَلَو بنيت الِاسْم الأوَّل مَعَ (لَا) لَكَانَ لعلّة التَّرْكِيب فَتَصِير ثَلَاثَة أَشْيَاء كالشيء وَاحِد
وَالثَّانِي أنَّ الْمُضَاف إِلَيْهِ واقعٌ موقع التَّنْوِين وكما أنَّ التَّنْوِين لَا يكون بعد حَرَكَة الْبناء كَذَلِك الْمُضَاف إِلَيْهِ
стр. 192
وَالثَّالِث أنَّ الْمُضَاف عاملٌ فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ وَقد أُلفَ من كلّ مبنيّ إِذا أضيف إِلَى مُفْرد أعرب فأمَّأ (لدنْ) فبنيت مَعَ الْإِضَافَة لإيغاها فِي شبه الْحَرْف بِخِلَاف بَاب (لَا)
فصل
والمشابه للمضاف من أجل طوله مَا كَانَ عَاملا فِيمَا بعده وَكَانَ مَا بعده من تَمام مَعْنَاهُ كَقَوْلِك لَا ضَارِبًا زيدا وَلَا حَسَناً وَجهه قَائِم وَلَا خيرا من زيد لنا وَوجه مشابهته للمضاف من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أنَّه عَامل فِيمَا بعده كَمَا يعْمل الْمُضَاف فِيهِ الْمُضَاف إِلَيْهِ وَالثَّانِي أنَّ مَا بعده مفتقر إِلَيْهِ كافتقار الْمُضَاف إِلَيْهِ إِلَى الْمُضَاف وعَلى هَذَا إِذا قلت لَا مروراً بزيدٍ وعلقَّت الْبَاء بِالْمَصْدَرِ نصبت ونوَّنت لأنَّه عاملٌ فِيمَا بعده وَالْخَبَر مَحْذُوف وإنْ جعلت (بزيد) الْخَبَر لم تْنوِّن الْمصدر لأنَّه غير عَامل هَهُنَا وَكَذَلِكَ لَا آمُر بِالْمَعْرُوفِ يَوْم الْجُمُعَة إِن أعملت آمراً نوَّنته وَإِن لم تعمله لم تنوِّنه وَلَا يكون (يَوْم الْجُمُعَة) خَبرا لأنَّ ظرف الزَّمَان لَا يُخبَر بِهِ عَن الجثث وَالنَّفْي على هَذَا التَّقْدِير خاصٌّ بِبَعْض الآمرين وَإِن جعلت الْبَاء الْخَبَر كَانَ النَّفْي عامّاً
стр. 193
فصل
وَمَوْضِع (لَا) وَاسْمهَا رفع بِالِابْتِدَاءِ لوَجْهَيْنِ
أحدُهما أنَّهما فِي حكم المركَّب على مَا تقدم والمركَّب يجْرِي مجْرى الْمُفْرد فِي مَوضِع الْإِعْرَاب
وَالثَّانِي أنَّ الْكَلَام قبل دُخُول (لَا) جملَة خبريَّة كَقَوْلِك عندنَا رجل فَإِذا أدخلت (لَا) بقيتْ الخبريه على مَا كَانَت إلَاّ أنَّ الْخَبَر منفيّ وَكَانَ مثبتاً وَهَذَا مثل (مَا) فِي قَوْلك مَا عندنَا رجلٌ إلَاّ أنَّك لَمَّا أدخلت (لَا) أوْلَيْتَها الِاسْم وَلِهَذَا إِذا قدَّمت الْخَبَر أَو فصلت بَينهمَا رَجَعَ إِلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر لفظا مثل قَوْله تَعَالَى ﴿لَا فِيهَا غول﴾ وَلَيْسَ ك (أنَّ وليت ولعلّ) لأنَّها تغير معنى الِابْتِدَاء
فصل
وَاخْتلفُوا فِي خبر (لَا) فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ هُوَ مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ كَمَا يرْتَفع قبل دُخُول (لَا) وحجَّتهُ شَيْئَانِ
أحدُهما أنَّه لَمَّا كَانَ مَوضِع (لَا) وَاسْمهَا رفعا كَانَ الْخَبَر مَرْفُوعا على ذَلِك التَّقْدِير
стр. 194
وَالثَّانِي أنَّ (لَا) ضَعِيفَة جدا فَلم تعْمل فِي الاسمين بِخِلَاف (كَانَ) و (إنَّ)
وَقَالَ الْأَخْفَش هُوَ مَرْفُوع ب (لَا) لأنَّها أقتضت اسْمَيْنِ وعملت فِي أَحدهمَا فتعمل فِي الآخر ك (إنَّ) وعَلى هَذَا تترتَّب مَسْأَلَة هِيَ قَول الشَّاعِر ٣٨ -
(فَلَا لغوٌ وَلَا تأثيم فِيهَا ... )
على قَول سِيبَوَيْهٍ (فِيهَا) خبرٌ عَن الاسمين وعَلى قَول أبي الْحسن هُوَ خبر عَن أَحدهمَا وَخبر الآخر مَحْذُوف
فصل
إِذا وصفت اسْم (لَا) قبل الْخَبَر فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أحدُها النصب بِالتَّنْوِينِ حملا على مَوضِع اسْم (لَا) كَمَا حملت صفة المنادى المبنيّ على مَوْضِعه فَنصبت وَلم تبن الصّفة كَمَا لم تبن صفة المنادى
стр. 195
وَالثَّانِي الرّفْع والتنوين حملا على مَوضِع (لَا) وَاسْمهَا إِذْ موضعهَا رفع على مَا تقدَّم وَالثَّالِث الْفَتْح بِغَيْر تَنْوِين وَفِي ذَلِك وَجْهَان أحدُهما أنَّها فَتْحة بِنَاء وأنَّما فعلوا ذَلِك لأنَّ الصّفة والموصوف كالشيء الْوَاحِد وَلِهَذَا قد لزمتْ فِي بعض الْمَوَاضِع كَمَا تلْزم الصِّلَة نَحْو قَوْلهم يَا أيُّها الرجل وكقولهم مَرَرْت بخلف الْأَحْمَر وَلَوْلَا ذكر (الْأَحْمَر) لم تعلم أنَّ المُرَاد (خلفٌ) المعروفُ بِالْعلمِ أَو غَيره ولَمَّا جَرَتا مجْرى الشَّيْء الْوَاحِد بَنْوهما قبل دُخُول (لَا) كَمَا بني (خَمْسَة عشر) وكما بنوا (ابْن أمّ) و (زيدَ بن عَمْرو) فِيمَن فتح الدَّال ثَّم أدخلُوا عَلَيْهِ حرف النداء دخلت (لَا) على اسْم مركَّب مبنيّ وَلَا يجوز أَن
стр. 196
تكون (لَا) دخلت عَلَيْهِمَا وهما معربان فُبنيتا مَعهَا لأنَّ ذَلِك يُوجب جعل ثَلَاثَة اشياء كشيء وَاحِد وَلَا نَظِير لَهُ
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن تجْعَل فَتْحة الصّفة فَتْحة إِعْرَاب وحذفت التَّنْوِين ليشاكل لفظ الصّفة لفظ الْمَوْصُوف كَمَا أنَّهم جعلُوا (كلا) و (كلتا) بِلَفْظ التَّثْنِيَة إِذا أضيفت إِلَى الممضمرلأنَّها فِي ذَلِك الْموضع تتبع مَا قبلهَا من المثنَّى وَهَذَا على مَذْهَب من جعل اسْم (لَا) مُعْرباً أظهر
فصل
فإنْ جَاءَت الصّفة بعد الْخَبَر جَازَ فِيهَا الرّفْع وَالنّصب بِالتَّنْوِينِ على مَا تقدَّم وَلم يجز الْبناء للفصل بَينهمَا بالْخبر
فصل
إِذا عطفت على اسْم (لَا) وَلم تكرِّر كَانَ لَك فِي الْمَعْطُوف الرّفْع على مَوضِع (لَا) وَاسْمهَا كَمَا ذكرنَا فِي الصّفة وَالنّصب بِالتَّنْوِينِ قِيَاسا على الصّفة أَيْضا
стр. 197
وَلَا يجوز بِنَاؤُه لِأَن لفظ (لَا) غير مَوْجُود مَعَه وَلَا يجوز بِنَاؤُه بِسَبَب (لَا) المتقدِّمة لأنَّ ذَلِك يُفْضِي إِلَى جعل أَرْبَعَة أَشْيَاء كشيءٍ وَاحِد
فصل
فإنْ عطفت عَلَيْهِ معرفَة لم يحز فِيهَا النصب لأنَّ (لَا) لَا تعْمل فِي المعارف بل ترفعه على الْموضع كَقَوْلِك لاغلام لَك والعبَّاسُ وَكَذَلِكَ إِن ذكرت (لَا) فَقلت (وَلَا العَّباسُ) وَرَفعه على الْموضع
فصل
فَإِذا كرَّرت (لَا) مَعَ الْمَعْطُوف جَازَ فِيهَا عدَّة أوجه
أحدُها أَن تبني الاسمين على أَن تجْعَل (لَا) الثَّانِيَة غير مزيدة كالأولى وَالْوَاو عاطفة جملَة على جملَة ٢ -
وَالثَّانِي أَن تبني الأوَّل على أصل الْبَاب تنصب الثَّانِي وتنِّونه وَتجْعَل (لَا) زايدة كَمَا زيدت فِي قَوْلك مَالِي دِينَار وَلَا دِرْهَم فإنَّها مزيدة لتوكيد النَّفْي ٣ - وَالثَّالِث أنْ تبنى الأوّل على الأَصْل وترفع الثَّانِي على ثَلَاثَة أوجه
стр. 198
أ -
أَحدهَا أَن تجْعَل (لَا) زَائِدَة وَتحمل الْمَعْطُوف على الْموضع ب - وَالثَّانِي أَن تجْعَل (لَا) عاملة عمل (لَيْسَ) فَيكون أسمها مَرْفُوعا وخبرها مَنْصُوبًا وَقد أَجَازُوا ذَلِك إِذا كَانَ الِاسْم نكرَة كَمَا قَالَ [الْكَامِل] ٣٩ -
(من صدّ عَن نيرانها ... فَأَنا ابنُ قيسٍ لابراحُ) // الْكَامِل // أَي لَيْسَ لنا براح وَقَالَ العجَّاح ٤٠ -
(تالله لَوْلَا أَن تحش الطَّبْخ ... بِي الْجَحِيم حِين لَا مُسْتَصْرحُ) // الرجز // وحملْ (لَا) على (لَيْسَ) قويٌّ فِي الْقيَاس لأنَّها نَافِيَة مثلهَا وَإِذا جَازَ قياسها على (إنَّ) فِي الْعَمَل - مَعَ أنَّها نقيضتها - فحْملُها على نظيرتها أوْلى ج -
وَالثَّالِث أَن تلْغي (لَا) وَيكون مَا بعْدهَا مُبْتَدأ وخبراً على مَا يُوجِبهُ الْقيَاس فِيهَا ٤ -
وَالْوَجْه الرَّابِع أَن ترفع الاسمين وَتجْعَل (لَا) الأولى على مَا ذَكرْنَاهُ فِي رفع الثَّانِيَة من حملهَا على (لَيْسَ) وإلغائها
стр. 199
٥ -
وَالْخَامِس أَن تَرْفَعَ الأولى على مَا ذكرنَا وتبني على أصل الْبَاب
فصل
فإنْ كَانَ اسْم (لَا) مثنَّى أَو مجموعاً كَانَ بِالْيَاءِ وَالنُّون أمَّا (الْيَاء) فإنَّها تدلُّ على النصب فِي المعرب فَجعلت هَهُنَا دلَالَة على مَوضِع الْمَنْصُوب وعَلى لفظ الْفَتْح الَّذِي فِي اسْم (لَا) كَمَا قَالُوا فِي المنادى يَا زَيْدَانَ أَقبلَا وَاخْتلفُوا هَل هَذَا اسْم مُعرب أَو مبنٌّي على مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْإِفْرَاد
فَقَالَ الْخَلِيل وسيبويه هُوَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ لأنَّ العلَّة الْمُوجبَة للْبِنَاء قَائِمَة وَلَا مَانع مِنْهُ والمثَّنى يكون مَبْنِيا كَمَا فِي بَاب النداء و (النُّون) لَيست بَدَلا من الْحَرَكَة والتنوين فِي كلِّ مَوضِع على مَا يبيّن فِي بَاب التَّثْنِيَة
وَقَالَ أَبُو العبَّاس هما معربان لوَجْهَيْنِ
أحدُهما أنَّه لَيْسَ شَيْء من المركَّبات ثنَّيَّ فِيهِ الِاسْم الثَّانِي وَجمع
стр. 200
وَالثَّانِي أنَّ المثنّى فِي حكم الْمَعْطُوف والعطف يمْنَع من الْبناء وَالَّذِي ذكره غير لَازم فإنَّ المركَّب إِذا سُمِّي بِهِ صحَّت تَثْنِيَة الِاسْم الثَّانِي وَجمعه كَمَا لَو سمَّيت رجلا ب (حَضرمَوْت) فإنَّك تَقول فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع جَاءَنِي حضرموتان وحضرموتون وأمَّا جعل التَّثْنِيَة كالمعطوف فَذَاك فِي الْمَعْنى لَا فِي اللَّفْظ
فصل
وَإِذا دخلت (لَا) على الْمعرفَة لم تعْمل فِيهَا وَلزِمَ تكريرها كَقَوْلِك لَا زيدٌ فِي الدَّار وَلَا عمروٌ وإنَّما لم تعْمل هُنَا لبُطْلَان شبهها ب (إنّ) وإنَّما لزم التكرير لأنّه جَوَاب من قَالَ أَزِيد فِي الدَّار أم عَمْرو فَلَو قلت لَا مُقْتَصرا عَلَيْهَا لم يُطَابق الْجَواب السُّؤَال وَكَذَا لَو قلت لَا زيدٌ لم يُسْتوف جَوَاب السُّؤَال
فأمَّا قَوْلهم لَا نَوْلُك أَن تفعل فَجَاز من غير تَكْرِير حملا على الْمَعْنى
وَالْمعْنَى لَا يَنْبَغِي لَك
فصل
فأمَّا قَوْلهم لَا أبالك فالعرب يستعملونها على ثَلَاثَة أوجه
стр. 201
١ -
(لَا أَب لَك) بِحَذْف الْألف وَهُوَ الأصلُ لأنَّ (لَا) لَا تعْمل فِي الْمعرفَة و (اللَّام) تقطع الِاسْم عَن الْإِضَافَة فَيبقى نكرَة و (أَب) و (أَخ) وبابهما تحذف لاماتها فِي الْإِفْرَاد ٢ -
وَالْوَجْه الثَّانِي (لَا أَبَا لَك) بِإِثْبَات الْألف وَفِي ذَلِك ثَلَاثَة أوجه أ - أَحدهَا أنَّه جَاءَ على لُغَة من قَالَ (لَا أَبَا) فِي كلّ حَال كالمقصور ب - وَالثَّانِي أنَّ الْألف نشأت عَن إشباع فَتْحة الْبَاء ج - وَالثَّالِث أنَّ (اللَّام) فِي حكم الزَّائِدَة من وَجه فكأنَّ (الْأَب) مُضَاف إِلَى الْكَاف وَلَام هَذَا الِاسْم ترجع فِي الْإِضَافَة وَهِي أصلٌ من وَجه وَذَلِكَ أنَّ (لَا) لَا تعْمل فِي المعارف وَقد عملت هَهُنَا فَوَجَبَ أَن تكون اللَّام مبطلة للإضافة وَهَذَا كَمَا قَالُوا ٤١ -
( ... يَا بؤس للْجَهْل) // الْبَسِيط //
стр. 202
(يابؤس للحرب ... ) // مجزوء الْكَامِل // ولايجوز ذَلِك فِي غير اللَّام لأنَّها القاطعة للإضافة فِي هَذَا الْمَعْنى ٣ -
واللغة الثَّالِثَة (لَا ابالك) بِحَذْف اللَّام وَهِي اشدُّها وأبعدُها عَن الْقيَاس وَالْوَجْه فِيهَا أنَّه حذف (اللَّام) وَهُوَ يريدها فَهِيَ فِي حكم الملفوظ بِهِ كَمَا فِي قَوْلهم ٤٣ -
( ... وَلَا ناعبٍ إلَاّ ببينٍ غرائبها) // الطَّوِيل // وكما قيل لرؤبة كَيفَ أَصبَحت فَقَالَ خيرٍ إِن شَاءَ الله أَرَادَ بِخَير وَمثل ذَلِك قَوْلهم (لَا يَدي لَك بفلان) و (هَذَا قميصٌ لَا كُمَّيْ لَهُ) فَحذف النُّون هَهُنَا وَإِثْبَات الْيَاء على الْوَجْه الْمُقدم
стр. 203
فَإِن فصل ت بَين اللَّام وَبَين الِاسْم الأوَّل ثَبَتَتْ النُّون لأنَّ ذَلِك يمْنَع من الْإِضَافَة وأمَّا (لَك) فِي قَوْلك (لَا أبالك) فَفِيهَا ثَلَاثَة
أوجه أَحدهَا أنْ تجعلها الْخَبَر وَالثَّانِي أَن تجعلها صفة للاسم فِي مَوضِع نصب أَو رفع وتتعلق بِمَحْذُوف
وَالثَّالِث أَن تجعلها للتبيين والتقديرأعني لَك وَالْقَوْل المحقَّق فِي (لأابالك) أنَّ اللَّام فِي حكم الزَّائِدَة من وَجه وَالِاسْم مُضَاف إِلَى (الْكَاف) وَلم يعرّف لأنّ الْمَعْنى لَا مثل أَبِيك كَمَا قَالُوا ٤٤ -
(لَا هَيْثَم اللَّيْلَة للمطيّ ... ) // الرجز //
فصل
فإنْ أدخلت همزَة الِاسْتِفْهَام على (لَا) لم تغيرِّ حكم (لَا) فِي جَمِيع مَا ذكرنَا إلَاّ أنّ سِيبَوَيْهٍ يخْتَار فِي الْخَبَر النَّصْبَ فَيَقُول أَلا رجل أفضلَ مِنْك وَإِن قلت
стр. 204
أَلا رجلا فعلى معنى التمنّي أَي لَا أجد وَإِن قلت أَلا رجل يكرمنا فَهُوَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل الْهمزَة فِي اللَّفْظ
وَاخْتلفُوا فِي مَوضِع الِاسْم فسيبويه يرى أنَّه مَنْصُوب بِمَا فِي (أَلا) من معنى التمنّي وَلم يغيرّ اللَّفْظ كَمَا أَن قَوْلك ﵀ لفظهُ على شَيْء وَمَعْنَاهُ على شَيْء آخر فعلى هَذَا القَوْل لَا يجوز رفع الصّفة كَقَوْلِك أَلا مَاء بَارِدًا أشربه وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَوْضِعه على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل الْهمزَة وَرفع صفته جَائِز
فصل
وَأما (أَلا) الَّتِي للتخضيض فَكَلمهُ وَاحِدَة وَمَا بعْدهَا مَنْصُوب بِفعل مُضْمر وَيَأْتِي ذكر ذَلِك فِي المنصوبات إِن شَاءَ الله
стр. 205
فصل
فَإِن استثيت بعد (لَا) رفعت الْمُسْتَثْنى كَقَوْلِك لَا إِلَه إِلَّا الله لأنَّه بدل من الْموضع وَقد بَطل عمل (لَا) بالإثبات وَالتَّقْدِير لَا إِلَه فِي الْوُجُود إلَاّ الله أَي الله وَحده الْإِلَه
فصل
وأمَّا قَوْلهم جِئْت بِلَا شَيْء وغضبت من لَا شَيْء ف (لَا) فِيهِ حرف عِنْد البصريَّين وَلم تمنع تعدِّي الْعَامِل إِلَى مَا بعْدهَا لأنَّها زِيَادَة فِي اللَّفْظ دون الْمَعْنى وَقَالَ بَعضهم هِيَ اسْم بِمَعْنى (غير) وتجرّ بِالْإِضَافَة وأمَّا قَول الشَّاعِر ٤٥ -
(أَبى جودُه لَا البخلُ واستعجلتْ بِهِ ... نَعَمْ مِنْ فَتى لَا يمْنَع الْجُود قَاتله) // الطَّوِيل //
стр. 206
فيروى (الْبُخْل) بالجرِّ على أنَّه جعل (لَا) اسْما وأضافها إِلَى كلمة الْبُخْل وَبِالنَّصبِ بدلاُ من (لَا) وبالرفع على إِضْمَار (هُوَ)
فصل
وأمَّا قولُهم (لَا خَيْرَ بخيرٍ بعده النَّار وَلَا شرَّ بشرٍّ بعده الجنَّةُ) فَفِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا أنَّ قَوْله (بِخَير) خبر (لَا) و (بعدُه) صفة الْخَبَر وَالْبَاء بِمَعْنى (فِي) وَالثَّانِي أنَّ (بعده) صفة اسْم (لَا) و (بِخَير) خَبره مقدّم وَالْبَاء زَائِدَة وَالتَّقْدِير لَا خير بعدَه النارُ خيرٌ
стр. 207
بَاب ظَنَنْت وَأَخَوَاتهَا
هَذِه الْأَفْعَال من عوامل الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَلذَلِك احْتَاجَت إِلَى مفعولين فالأوَّل مَا كَانَ مُبْتَدأ وَالثَّانِي مَا وَمَا صلح أَن يكون خَبرا
وإنَّما نصبتهما لأنَّهما جَاءَا بعد الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالَّذِي تعلَّق بِهِ الظَّن مِنْهُمَا هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي وَذكر الْمَفْعُول الأوَّل لأنَّه محلُّ الشَّيْء المظنون لأ لأنَّه مظنون أَلا ترى أنَّ قَوْلك ظَنَنْت زيدا مُنْطَلقًا (زيدٌ) فِيهِ غير مظنون وإنَّما المظنون انطلاقه ولكنْ لَو قلت ظَنَنْت مُنْطَلقًا لم يعلم الانطلاق لمن كَانَ كَمَا لَو ذكرت الْخَبَر من غير مُبْتَدأ
فَإِن قيل فلماذا دخلت هَذِه الْأَفْعَال على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر لتحدث فِي الْجُمْلَة معنى الظنّ وَالْعلم اللَّذين لم يتَحَقَّق مَعْنَاهَا فِي الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر أَلا ترى أنَّ قَوْلك زيد منطلقٌ يجوز أَن تكون قلت ذَلِك عَن ظن وَأَن تكون قلته عَن علم فَإِذا قلت ظَنَنْت أَو علمت صَّرحت بِالْحَقِيقَةِ وَزَالَ الِاحْتِمَال
فصل
وَإِذا ذكرت هَذِه الْأَفْعَال مَعَ فاعلها لم يلْزم ذكر المفعولين لأنّ الجملةَ قد تَّمت وَلَكِن تكون الْفَائِدَة قَاصِرَة لأنَّ الْغَرَض من ذكر الظَّن المظنون فَإِذا اردت تَمام
стр. 208
الْفَائِدَة ذكرت المفعولين لتبيِّن الشي المظنون وَالَّذِي أسْند إِلَيْهِ المظنون وَلَا يجوز الاقتصارُعلى أَحدهمَا لِأَن الْمَفْعُول الأول إِن اقتصرت عَلَيْهِ لم يعرف الْمَقْصُود بِهَذِهِ الْأَفْعَال وَإِن اقتصرت على الثَّانِي لم يعلم إِلَى من أسْند
فصل
وَحكم المفععول الثَّانِي حكم الْخَبَر فِي كَونه مُفردا وَجُمْلَة وظرفا وَفِي لُزُوم الْعَائِد على الْمَفْعُول الأوَّل من الْمَفْعُول الثَّانِي على حسب ذَلِك فِي الْخَبَر لأنَّه خبر فِي الأَصْل
فصل
وَإِذا تقدَّمت هَذِه الْأَفْعَال نصبت المفعولين لفظا أَو تَقْديرا فاللفظ كَقَوْلِك ظَنَنْت زيدا قَائِما وَالتَّقْدِير فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع
أحدُها أَن يكون الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر مفسّراً لضمير الشَّأْن كَقَوْلِك ظننته زيد منطلق ظَنَنْت أَي الشَّأْن وَالْأَمر فالجملة بعده فِي مَوضِع نصب لوقوعها موقع الْمَفْعُول الثَّانِي كَمَا كَانَ ذَلِك خبر فِي خبر (كَانَ)
стр. 209
وَالثَّانِي أَن يكون الْمَفْعُول الأوَّل استفهاما كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لنعلم أَي الحزبين أحْصَى﴾ فالجملة فِي مَوضِع نصب وَلم يعْمل الظَّن فِي لفظ الاستقهام لأنَّ الِاسْتِفْهَام لَهُ صدر الْكَلَام
وَالثَّالِث أَن م تدخل لَام الِابْتِدَاء على الْمَفْعُول الأوَّل كَقَوْلِه علمت لزيد منطلق وَلَا يجوز هُنَا غير الرّفْع لِأَن الْفِعْل وَإِن كَانَ مقدَّما عَاملا وَلكنه ضَعِيف إِذْ كَانَ من أَفعَال الْقلب وَالْغَرَض مِنْهُ ثُبُوت الشَّك أَو الْعلم فِي الْخَبَر وَمن هَهُنَا أشبهت هَذِه الْأَفْعَال الْحُرُوف لأنَّها أفادت معنى فِي غَيرهَا واللامُ وإنْ لم تكن عاملة وَلكنهَا قويت بشيئين
أَحدهمَا لُزُوم تصدرها كَمَا لزم تصدُّر الِاسْتِفْهَام وَالنَّفْي وَالثَّانِي أنَّها مختصّة بالمبتدأ ومحقِّقة لَهُ وَإِذا كَانَت اللَّام أقوى من هَذَا الْفِعْل فِي بَاب الِابْتِدَاء وَكَانَت الْجُمْلَة الَّتِي دخلت عَلَيْهَا هَذِه الْأَفْعَال مُبْتَدأ وخبرا فِي الأَصْل لزم أَن يمْنَع من عمل مَا قبلهَا فِيمَا بعْدهَا لفظا وَلِهَذَا كسرت (إنّ) لوُقُوع اللَّام فِي الْخَبَر وَهَذَا مَعَ أنَّها لم تتصدَّر
فصل
وَإِذا توَّسطت بَين المفعولين جَازَ الإعمال والإلغاء وإنّما كَانَ كَذَلِك لأنَّها ضعيفه لما ذكرنَا من قبل وَقد ازدادت ضعفا بالتأخيرألَاّ ترى أنَّ الْفِعْل الَّذِي
стр. 210
لَا يلغى إِذا تَأَخّر حسن دُخُول اللَّام على مَفْعُوله كَقَوْلِك (لَزٌيد ضربتُ) وَلَا يحسن (ضربت لَزيدٌ) فقد ازراد ضعفها بالتاخير وبدئ باسم يصلح أَن يكون مُبْتَدأ إِذْ لَا عَامل لفظيٌّ قبله وَبعده وَمَا يصلح أَن يكون خَبرا عَنهُ غير (ظَنَنْت) وَالْغَرَض حَاصِل من الرّفْع كَمَا يحصل من النصب فَجَاز إِلْغَاء الظنّ كَمَا انَّ الْقسم يُلْغَى إِذا توسَّط أَو تَأَخّر وَهَذِه الْأَفْعَال تشبه الْقسم فِي جَوَاز تلقِّيها بِالْجُمْلَةِ وَذَلِكَ مَعَ (اللَّام) و (مَا) نَحْو علمت لزيدٌ منطلق وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وظنوا مَا لَهُم مِن محيصٍ﴾ وأمَّأ إعمالها فلأنَّها فعل متصرّف فَعمِلت مؤخرة كَمَا تعْمل مُقَدّمَة
فصل
وَاخْتلفُوا فِي الإعمال والإلغاء هُنَا هَل هما سَوَاء أم لَا قفال قوم هما سَوَاء لتعارض الدَّلِيلَيْنِ اللَّذين ذكرناهما وَقَالَ آخَرُونَ الإعمال أرجحُ لأنَّ الْفِعْل أقوى من الِابْتِدَاء
وأمَّا إِذا تأخرَّت عَن المفعولين فالإلغاءُ أقوى عِنْد الْجَمِيع لأنَّ الْمُبْتَدَأ قد وليه الْخَبَر وازداد الْفِعْل ضعفا بالتاخير بِخِلَاف مَا إِذا توسَّط لأنَّ نسبته إِلَى الرُّتْبَة الأولى كنسبة إِلَى الرُّتْبَة الثَّالِثَة وأذا تأخَّر صَار بَينه وَبَين الرُّتْبَة اللرتبة الأولى مرتبَة وسطى
فصل
وتنفرد هَذِه الْأَفْعَال عَن بَقِيَّة الْأَفْعَال بِخَمْسَة أَشْيَاء
стр. 211
أحدُها إِضْمَار الشِأن فِيهَا كَمَا أضمر فِي (كَانَ) وَالثَّانِي تعليقُها عَن الْعَمَل فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة الَّتِي ذكرت
وَالثَّالِث جَوَاز إلغائها إِذا توسطت أَو تَأَخَّرت وَلَيْسَ كَذَلِك (أَعْطَيْت) وبابه فإنّك لَو قلت زيدٌ أَعْطَيْت دِرْهَم لم يجز
وَالرَّابِع أنَّه لَا يجوز الِاقْتِصَار على أحد مفعوليها وَقد ذكرت علَّته وَالْخَامِس جَوَاز أتِّصال ضمير الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بهَا وهما لشيءٍ وَاحِد كَقَوْلِك ظننتني قَائِما وَيذكر فِي مَوْضِعه
فصل
وَقد تكون (ظَنَنْت) بِمَعْنى الْيَقِين كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الَّذينَ يظنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبّهم﴾ وَقد تكون بِمَعْنى (اتَّهمت) فتتعدَّى إِلَى وَاحِد لأنَّ التُّهْمَة لنَفس زيد لَا لصفته وَقد تكون علمت بِمَعْنى (عرفت) فتتعدّى إِلَى وَاحِد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وآخَرِينَ من دُونِهِم لَا تَعلمونَهُم﴾ لأنَّ الْمعرفَة والجهالة تتعلَّق بِعَين زيد لَا بِصفتِهِ وَتَكون (رَأَيْت) من رُؤْيَة الْبَصَر فتتعدى إِلَى وَاحِد فإنْ جَاءَ منصوبٌ مَعهَا فَهُوَ حَال
стр. 212
وأمّا (حسبت) (خِلْتُ) فبمعنى التوهُّم لَا غير وأمَّا (زعمت) فَهُوَ عبارَة عَن القَوْل المقرون بالاعتقاد وَقد تكون حقّاً وَقد تكون بَاطِلا وأمَّا (وجدت) فَتكون بِمَعْنى (علمت) كَقَوْلِك وجدت الله عَالما وَتَكون بِمَعْنى (صادفت) فتتعدّى إِلَى وَاحِد وَتَكون لَازِمَة كَقَوْلِك وَجَدْتُ عَلَيْهِ أَي غضِبت وحزنت
فصل
وَقد شبّه ب (ظَنَنْت) (قلتُ) وللعرب فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب
أحدُها أنْ يعْمل القَوْل عمل الظنّ مَعَ الِاسْتِفْهَام وَالْخطاب والاستقبال كَقَوْلِك أَتَقول زيدا قَائِما لانَّ الْغَالِب أنَّ المستفهم شاكٌّ وأنَّه يستفهم من بِحَضْرَتِهِ ليخبره وَمِنْهُم من يعملها فِي الْخطاب خَبرا كَانَ الْكَلَام أَو أستفهاماً وَمِنْهُم من يعملها عمل الظنّ بكلِّ حَال
وَإِذا اتّصل ب (ظَنَنْت) ضميرٌ منصوبٌ فإنْ كَانَت مُقَدّمَة جَازَ أَن تكون الْهَاء ضمير الشَّأْن وَيكون مَا بعْدهَا جملَة وَأَن يكون ضمير الْمصدر أَو ضمير زمَان أَو مَكَان مَفْعُولا بِهِ على السعَة فينتصب المفعولان بعْدهَا
стр. 213
وَإِن كَانَت متوسِّطة جَازَ ذَلِك أَيْضا إلَاّ ضمير الشَّأْن لأنَّه لَا يفسّر إلَاّ بجملة بعده فإنْ قلت زيد ظننته قَائِما فَإِن رفعت الاسمين على أَن الْهَاء ضمير زيد لم يجز لأنَّك قد أعملت الْفِعْل فِي مفعول فَلَا بدَّ من آخر وَإِن جَعلتهَا ضمير الْمصدر كَانَ الْوَجْه نصبهما لأنَّك قد أكَّدت الظنّ فإنْ أتيت بِلَفْظ الْمصدر كَانَ التَّأْكِيد أشدّ والإلغائها بعيد مَعَ التوكيد فَإِن قلت ظَنَنْت ذَلِك جَازَ أَن يكون كِنَايَة عَن الْمصدر وَأَن يكون كِنَايَة عَن الْجُمْلَة
فصل
وَلَا يجوز الِاقْتِصَار على أحد المفعولين هُنَا لما تقدَّم وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَسْأَلَتَانِ
إِحْدَاهمَا إِذا وَقعت (أنَّ) وَمَا عملت فِيهِ بعد هَذِه الْأَفْعَال فَعِنْدَ سِيبَوَيْهٍ قد سدّت الْجُمْلَة مسدَّ المفعولين وَلَيْسَ فِي الْكَلَام حذف لأنَّ الْجُمْلَة مُشْتَمِلَة على الجزاين لفظا وَمعنى وَقَالَ الاخفش الْمَفْعُول الثَّانِي مَحْذُوف لأنَّ (أنَّ) مصدَرَّية فَتكون هِيَ وَمَا عملت فِيهِ فِي تَقْدِير الْمصدر الْمُفْرد كَقَوْلِك علمت أنَّ زيدا قَائِم أَي علمت قيام زيد كَائِنا وَهَذَا مُسْتَغْنى عَن تَقْدِيره لثَلَاثَة أوجه
стр. 214
أحدُها أنَّه لَا فَائِدَة فِيهِ وَالثَّانِي أنَّ مَا تعلَّق بِهِ الْعلم والظنّ مصّرح بِهِ وَهُوَ الْقيام وَالثَّالِث أنَّ (أنَّ) للتوكيد مَعَ بَقَاء الْجُمْلَة على رمّتها فَهِيَ ك (لَام الِابْتِدَاء) وكما لَا يحُتاج هُنَاكَ إِلَى تَقْدِير مفعول كَذَلِك هَهُنَا
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَوْلك ظنّ زيدٌ قَائِما أَبوهُ ف (زيدٌ) فَاعل و (قَائِما) مفعول و (أَبوهُ) فَاعل الْقيام وَهَذَا لَا يجوز عندنَا إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَام سوى مفعول وَاحِد وَأَجَازَهُ الكوفيُّون واحتجُّوا بقول الشَّاعِر [// الطَّوِيل //]
(أظنَّ ابنُ طرثوث عتيبةُ ذَاهِبًا ... بعاديّتي تكذابُه وجعائلُهْ) وَهَذَا شاذٌّ لَا يعرّج عَلَيْهِ
стр. 215
بَاب
مَا يتعدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفعولين
أقْصَى مَا يتعدَّى إِلَيْهِ الْفِعْل من الْفَاعِل ثَلَاثَة وَذَلِكَ أنَّ الأَصْل نِسْبَة الْفِعْل إِلَى المفاعيل ثّم إنَّ فعل الْفَاعِل قد يفْتَقر إِلَى محلٍّ مَخْصُوص يباشره مَقْصُورا عَلَيْهِ مثل ضرب زيدٌ عمرا وَقد يحدث الْفَاعِل الْفِعْل لغيره بِحَيْثُ يصير الْمُحدث لَهُ الْفِعْل فَاعِلا بِهِ كَقَوْلِك أضربت زيدا عمرا أَي مكَّنته من إِيقَاع الضَّرْب بِهِ فَأَنت فَاعل التَّمْكِين من الضَّرْب و (زيد) مفعول هَذَا التَّمْكِين و (الضَّرْب) الممكّن مِنْهُ حَاصِل من زيد فِي عَمْرو ف (زيد) فَاعله و (عَمْرو) مَفْعُوله
وَقد يكون فعل الْفَاعِل متعلِّقاً بشيئين لَا يتَحَقَّق بدونهما كَقَوْلِك أَعْطَيْت زيدا درهما فالأعطاء من الْفَاعِل لَا يتمُّ إلَاّ بالآخذ والمأخوذ إلَاّ أنَّ أحد الشَّيْئَيْنِ مفعول الْإِعْطَاء وفاعل الْأَخْذ وَالْآخر مفعول لَا غير
وَقد يكون الْفِعْل متعلَّقا بمفعول وَاحِد وَلَكِن يذكر مَعَه غَيره لتوقُّف فهمه عَلَيْهِ كَقَوْلِك ظَنَنْت زيدا قَائِما فالمفعول على التَّحْقِيق هُوَ المطنون وَهُوَ الْقيام وَلَكِن لَا يُفِيد ذكره مَا لم يذكر من نسب إِلَيْهِ
следующие страницы →