← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 6986

اللباب في علل البناء والإعراب

أبو البقاء العكبري

Полный текст (964 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أحدُها إِضْمَار الشِأن فِيهَا كَمَا أضمر فِي (كَانَ) وَالثَّانِي تعليقُها عَن الْعَمَل فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة الَّتِي ذكرت وَالثَّالِث جَوَاز إلغائها إِذا توسطت أَو تَأَخَّرت وَلَيْسَ كَذَلِك (أَعْطَيْت) وبابه فإنّك لَو قلت زيدٌ أَعْطَيْت دِرْهَم لم يجز وَالرَّابِع أنَّه لَا يجوز الِاقْتِصَار على أحد مفعوليها وَقد ذكرت علَّته وَالْخَامِس جَوَاز أتِّصال ضمير الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بهَا وهما لشيءٍ وَاحِد كَقَوْلِك ظننتني قَائِما وَيذكر فِي مَوْضِعه فصل وَقد تكون (ظَنَنْت) بِمَعْنى الْيَقِين كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الَّذينَ يظنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبّهم﴾ وَقد تكون بِمَعْنى (اتَّهمت) فتتعدَّى إِلَى وَاحِد لأنَّ التُّهْمَة لنَفس زيد لَا لصفته وَقد تكون علمت بِمَعْنى (عرفت) فتتعدّى إِلَى وَاحِد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وآخَرِينَ من دُونِهِم لَا تَعلمونَهُم﴾ لأنَّ الْمعرفَة والجهالة تتعلَّق بِعَين زيد لَا بِصفتِهِ وَتَكون (رَأَيْت) من رُؤْيَة الْبَصَر فتتعدى إِلَى وَاحِد فإنْ جَاءَ منصوبٌ مَعهَا فَهُوَ حَال

стр. 212

وأمّا (حسبت) (خِلْتُ) فبمعنى التوهُّم لَا غير وأمَّا (زعمت) فَهُوَ عبارَة عَن القَوْل المقرون بالاعتقاد وَقد تكون حقّاً وَقد تكون بَاطِلا وأمَّا (وجدت) فَتكون بِمَعْنى (علمت) كَقَوْلِك وجدت الله عَالما وَتَكون بِمَعْنى (صادفت) فتتعدّى إِلَى وَاحِد وَتَكون لَازِمَة كَقَوْلِك وَجَدْتُ عَلَيْهِ أَي غضِبت وحزنت فصل وَقد شبّه ب (ظَنَنْت) (قلتُ) وللعرب فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب أحدُها أنْ يعْمل القَوْل عمل الظنّ مَعَ الِاسْتِفْهَام وَالْخطاب والاستقبال كَقَوْلِك أَتَقول زيدا قَائِما لانَّ الْغَالِب أنَّ المستفهم شاكٌّ وأنَّه يستفهم من بِحَضْرَتِهِ ليخبره وَمِنْهُم من يعملها فِي الْخطاب خَبرا كَانَ الْكَلَام أَو أستفهاماً وَمِنْهُم من يعملها عمل الظنّ بكلِّ حَال وَإِذا اتّصل ب (ظَنَنْت) ضميرٌ منصوبٌ فإنْ كَانَت مُقَدّمَة جَازَ أَن تكون الْهَاء ضمير الشَّأْن وَيكون مَا بعْدهَا جملَة وَأَن يكون ضمير الْمصدر أَو ضمير زمَان أَو مَكَان مَفْعُولا بِهِ على السعَة فينتصب المفعولان بعْدهَا

стр. 213

وَإِن كَانَت متوسِّطة جَازَ ذَلِك أَيْضا إلَاّ ضمير الشَّأْن لأنَّه لَا يفسّر إلَاّ بجملة بعده فإنْ قلت زيد ظننته قَائِما فَإِن رفعت الاسمين على أَن الْهَاء ضمير زيد لم يجز لأنَّك قد أعملت الْفِعْل فِي مفعول فَلَا بدَّ من آخر وَإِن جَعلتهَا ضمير الْمصدر كَانَ الْوَجْه نصبهما لأنَّك قد أكَّدت الظنّ فإنْ أتيت بِلَفْظ الْمصدر كَانَ التَّأْكِيد أشدّ والإلغائها بعيد مَعَ التوكيد فَإِن قلت ظَنَنْت ذَلِك جَازَ أَن يكون كِنَايَة عَن الْمصدر وَأَن يكون كِنَايَة عَن الْجُمْلَة فصل وَلَا يجوز الِاقْتِصَار على أحد المفعولين هُنَا لما تقدَّم وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَسْأَلَتَانِ إِحْدَاهمَا إِذا وَقعت (أنَّ) وَمَا عملت فِيهِ بعد هَذِه الْأَفْعَال فَعِنْدَ سِيبَوَيْهٍ قد سدّت الْجُمْلَة مسدَّ المفعولين وَلَيْسَ فِي الْكَلَام حذف لأنَّ الْجُمْلَة مُشْتَمِلَة على الجزاين لفظا وَمعنى وَقَالَ الاخفش الْمَفْعُول الثَّانِي مَحْذُوف لأنَّ (أنَّ) مصدَرَّية فَتكون هِيَ وَمَا عملت فِيهِ فِي تَقْدِير الْمصدر الْمُفْرد كَقَوْلِك علمت أنَّ زيدا قَائِم أَي علمت قيام زيد كَائِنا وَهَذَا مُسْتَغْنى عَن تَقْدِيره لثَلَاثَة أوجه

стр. 214

أحدُها أنَّه لَا فَائِدَة فِيهِ وَالثَّانِي أنَّ مَا تعلَّق بِهِ الْعلم والظنّ مصّرح بِهِ وَهُوَ الْقيام وَالثَّالِث أنَّ (أنَّ) للتوكيد مَعَ بَقَاء الْجُمْلَة على رمّتها فَهِيَ ك (لَام الِابْتِدَاء) وكما لَا يحُتاج هُنَاكَ إِلَى تَقْدِير مفعول كَذَلِك هَهُنَا الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قَوْلك ظنّ زيدٌ قَائِما أَبوهُ ف (زيدٌ) فَاعل و (قَائِما) مفعول و (أَبوهُ) فَاعل الْقيام وَهَذَا لَا يجوز عندنَا إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَام سوى مفعول وَاحِد وَأَجَازَهُ الكوفيُّون واحتجُّوا بقول الشَّاعِر [// الطَّوِيل //] (أظنَّ ابنُ طرثوث عتيبةُ ذَاهِبًا ... بعاديّتي تكذابُه وجعائلُهْ) وَهَذَا شاذٌّ لَا يعرّج عَلَيْهِ

стр. 215

بَاب مَا يتعدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفعولين أقْصَى مَا يتعدَّى إِلَيْهِ الْفِعْل من الْفَاعِل ثَلَاثَة وَذَلِكَ أنَّ الأَصْل نِسْبَة الْفِعْل إِلَى المفاعيل ثّم إنَّ فعل الْفَاعِل قد يفْتَقر إِلَى محلٍّ مَخْصُوص يباشره مَقْصُورا عَلَيْهِ مثل ضرب زيدٌ عمرا وَقد يحدث الْفَاعِل الْفِعْل لغيره بِحَيْثُ يصير الْمُحدث لَهُ الْفِعْل فَاعِلا بِهِ كَقَوْلِك أضربت زيدا عمرا أَي مكَّنته من إِيقَاع الضَّرْب بِهِ فَأَنت فَاعل التَّمْكِين من الضَّرْب و (زيد) مفعول هَذَا التَّمْكِين و (الضَّرْب) الممكّن مِنْهُ حَاصِل من زيد فِي عَمْرو ف (زيد) فَاعله و (عَمْرو) مَفْعُوله وَقد يكون فعل الْفَاعِل متعلِّقاً بشيئين لَا يتَحَقَّق بدونهما كَقَوْلِك أَعْطَيْت زيدا درهما فالأعطاء من الْفَاعِل لَا يتمُّ إلَاّ بالآخذ والمأخوذ إلَاّ أنَّ أحد الشَّيْئَيْنِ مفعول الْإِعْطَاء وفاعل الْأَخْذ وَالْآخر مفعول لَا غير وَقد يكون الْفِعْل متعلَّقا بمفعول وَاحِد وَلَكِن يذكر مَعَه غَيره لتوقُّف فهمه عَلَيْهِ كَقَوْلِك ظَنَنْت زيدا قَائِما فالمفعول على التَّحْقِيق هُوَ المطنون وَهُوَ الْقيام وَلَكِن لَا يُفِيد ذكره مَا لم يذكر من نسب إِلَيْهِ

стр. 216

وَقد توجب هَذَا الْفِعْل لغيرك فَتَصِير فَاعِلا فِي الْمَعْنى لما تحدثه لَهُ والمستعمل من ذَلِك بِلَا خلاف فعلان (أعلمت) و (أريت) المتعدِّيان إِلَى مفعولين بِغَيْر همزَة التعدِّي كَقَوْلِك أعلمت زيدا عمرا عَاقِلا وَهُوَ قبل النَّقْل علمت زيدا عَاقِلا ثمَّ عدَّيته بِالْهَمْزَةِ فأوجبت لزيد الْعلم بعقل عَمْرو وَلَيْسَ بعد هَذِه العدَّة غَايَة يقْصد بهَا التعدِّي إِلَيْهَا إِذا لَا يتصوَّر أنْ يُوجد الْإِسْنَاد لأكْثر من وَاحِد حتَّى يصير بذلك فَاعِلا فصل فأمَّا (نبّأت) و (أنبأت) ففعلان متعدّيان إِلَى شَيْء وَاحِد وَإِلَى ثانٍ بِحرف الجرِّ كَقَوْلِك نبَّأت زيدا عَن حَال عَمْرو أَو بِحَال عَمْرو وَقد يحذف حرف الجرّ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿مَن أَنْبَأَك هَذَا﴾ أَي عَن هَذَا وَقد ذهب قومٌ إِلَى أنَّه يتعدَّى بِنَفسِهِ واستدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل لأنَّه قد اسْتعْمل فِي مَوَاضِع أُخَرَ بِحرف الجرِّ أَكثر من اسْتِعْمَاله بِغَيْر حرف الجرَّ فَالْحكم بِزِيَادَة الْحُرُوف فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع لَا يجوز فأمَّا حرف الجرّ فأسوغ من الحكم بِزِيَادَتِهِ وَلِهَذَا كَانَ أَكثر كَقَوْلِك ٤٧ - (أَمرتك الْخَيْر ... )

стр. 217

فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿قَد نبَّأنا اللهُ مِنْ أخْباركَمْ﴾ ف (من) عِنْد سِيبَوَيْهٍ غير زَائِدَة على مَا أصلَّنا وَقَالَ الاخفش هِيَ زَائِدَة وَالْمَفْعُول الثَّالِث مَحْذُوف تَقْدِيره قد نبّأنا الله أخباركم مشروحة وَهَذَا ضَعِيف لثَلَاثَة أوجه أَحدهَا الحكم بِزِيَادَة الْحَرْف من غير ضَرُورَة إِلَى ذَلِك وَالثَّانِي زِيَادَة (من) فِي الْوَاجِب وَهُوَ بعيد وَالثَّالِث حذف الْمَفْعُول الثَّالِث وَهُوَ كحذف الْمَفْعُول الثَّانِي فِي بَاب (ظَنَنْت) وَهُوَ غير جَائِز فصل وَالْفرق بَين (نبَّات وأنبأت) وَبَين (أعلمت) أنَّ (أعلمت) اسْتعْملت بِغَيْر همزَة التعدِّي ثَّم عُدِّيت و (نَّبأت وأنبأتُ) وضعتا على التعدِّي وَلم يسْتَعْمل مِنْهُمَا (نبأ الرجل) و (خبرت وأخبرت وحدَّثت) مثل (نبَّأت) وإنَّما سَاغَ التعدِّي إِلَى ثَلَاثَة لشبهها ب (أعلمت) لأنَّك إِذا أخْبرت إنْسَانا بِأَمْر فقد أعلمته بِهِ

стр. 218

فصل وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز تَعديَة (ظَنَنْت) وَأَخَوَاتهَا غير (علمت وَرَأَيْت) فمذهب سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور أنَّه لَا يجوز إلَاّ فِي (علمت وَرَأَيْت) لأنَّ تعدِّي الْفِعْل بِالْهَمْزَةِ من بَاب وضع اللُّغَة أَلا ترى أنَّ قَوْلك كَّلمت زيدا لَا تجوز تعديته بِالْهَمْزَةِ فَلَا تَقول أكلمت زيدا عمرا بِمَعْنى مكَّنته من تكليمه وَلم يرد السماع إلَاّ ب (أعلمت وأريت) وَأَجَازَ الْأَخْفَش ذَلِك فِي جَمِيع بَاب (ظَنَنْت) قِيَاسا على (أعلمت وَرَأَيْت) وَهُوَ بعيد لم قدَّمنا فصل لَا خلاف فِي جَوَاز الِاقْتِصَار على فَاعل هَذِه الْأَفْعَال وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز الِاقْتِصَار على الْمَفْعُول الأول فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازه كَقَوْلِك أعلمت زيدا وَمنع مِنْهُ قوم وَالدَّلِيل على جَوَازه أَمْرَانِ أَحدهمَا أنَّه فَاعل فِي الْمَعْنى وَالْفَاعِل يجوز الِاقْتِصَار عَلَيْهِ فِي بَاب (ظَنَنْت) فَكَذَلِك هَهُنَا

стр. 219

وَالثَّانِي أنَّ (زيدا) هُنَا مفعول الْإِعْلَام وَلَيْسَ بمبتدأ فِي الأَصْل بِخِلَاف الْمَفْعُول الأوَّل فِي (ظَنَنْت) فإنَّه مُبْتَدأ فِي الأَصْل غير مفعول بِهِ فصل وَالْمَفْعُول الثَّالِث فِي هَذَا الْبَاب هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي فِي بَاب (ظَنَنْت) فَلَا يجوز على هَذَا أَن تَقول أعلمت زيدا عمرا بِشْراً فكَلُّ مِنْهُم غير الآخر إلَاّ على تَأْوِيل وَهُوَ أَن يكون الْمَعْنى أعلمتُ زيدا عمرا مثل بشر أَو خيّلت لَهُ أنَّ أَحدهمَا هُوَ الآخر أَو يكون عمروٌ وبشرٌ اسْمَيْنِ لرجل وَاحِد فصل وَلَا يجوز إلفاء هَذِه الْأَفْعَال بتعليقها عَن الْعَمَل ولابتوسُّطها وتأخُّرها لأنَّ الْمَفْعُول الأوَّل فِيهَا فَاعل فِي الْمَعْنى وَلَيْسَ بمبتدأ فِي الأَصْل فعلى هَذَا لَا تَقول أعملت لزيدٌ عمروٌ ذَاهِب لأنَّك إِن جعلت (ذَاهِبًا) ل (عَمْرو) لم يعد على زيد ضمير وَكَذَلِكَ إِن جعلته لزيد ثَّم إنَّ المفعولين الآخرين غير الْمَفْعُول الأول فَلَا يصحُّ أنَّ يَجْعَل كباب (ظَنَنْت) لأنَّ الثَّانِي هُوَ الأوَّل

стр. 220

بَاب الْمصدر الْمصدر مشتقٌّ مِنْ صَدَرت الْإِبِل عَن المَاء إِذا انصرفت ووَّلته صدروها وسمِّي بذلك لأنَّ الْفِعْل صدر عَنهُ هَذَا مَذْهَب البصرييّن وَقَالَ الكوفيُّون الْمصدر مُشْتَقّ من الْفِعْل وَالدَّلِيل على الأول أَمْرَانِ أَحدهمَا أنَّ الْمصدر يدلّ على الْحَدث فَقَط وَالْفِعْل يدلُ على الْحَدث وَالزَّمَان وَمَا يدلُّ على معنى وَاحِد كالمفرد وَمَا يدلُّ على معنيِيْن كالمركَّب والمفرد قبل المركَّب وَالثَّانِي أنَّ الْمصدر جنس يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير والماضي والمستقبل فَهُوَ كالعموم وَالْفِعْل يختصُّ بِزَمَان معيَّن وَالْعَام قبل الخاصّ وَقد شُبَّه الْمصدر بالنقرة من الفّضَّة فِي أنَّها فضَّة فَقَط وَمَا يتَّخذ مِنْهَا من مرْآة أَو قاروة وَنَحْو ذَلِك بِمَنْزِلَة الْفِعْل من حَيْثُ أنَّ فِيهِ مَا فِي الْمصدر وَزِيَادَة كَمَا أنَّ الْمرْآة فِيهَا الفضَّة وَالصُّورَة الْمَخْصُوصَة

стр. 221

واحتجّ الكوفيُّون بأنَّ الْفِعْل يعْمل فِي الْمصدر وَالْعَامِل قبل الْمَعْمُول وَهَذَا لَا يصلح دَلِيلا على مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أنَِّ الِاشْتِقَاق يُوجد من جِهَة الْمعَانِي والتصريف لَا من بَاب الْعَامِل والمعمول وَالثَّانِي أنَّ الْحَرْف يعْمل فِي الِاسْم وَلَيْسَ الْحَرْف مشتّقاً من الِاسْم وَكَذَلِكَ الْفِعْل يعْمل فِي الْأَعْلَام والأجناس الَّتِي لَيست مصَادر وَلَا يقالُ هِيَ مشتقِّة مِنْهُ فصل وإنَّما سمّي الْمصدر مَفْعُولا مُطلقًا لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أنَّه الْمَفْعُول على التَّحْقِيق أَلا ترى أنَّ قَوْلك (ضربت) أَي أوجدت الضَّرْب بِخِلَاف قَوْلك ضربت زيدا فَإنَّك لم تُوجد زيدا وإنَّما أوجدت بِهِ فعلا وَالثَّانِي أنَّ لفظ الْمصدر مجرَّد عَن حرف جرّ فَلَا يُقَال (بِهِ) وَلَا (فِيهِ) وَلَا (لَهُ) وَلَا (مَعَه) وإنَّما كَانَ كَذَلِك لأنَّه لَو قيل لَك - وَقد ضربت مثلا - مَا فعلت قلت الضَّرْب وَإِذا قيل لَك بِمن أوقعت الضَّرْب قلت بزيد فقيَّدته بِالْبَاء وَلَو قيل فِي أَي زمَان أَو فِي أَي مَكَان لَقلت فِي يَوْم كَذَا وَفِي مَكَان كَذَا وَلَو قيل لأيِّ غَرَض لقيل لكذا وَكَذَا فقد رَأَيْت كَيفَ تقيدت هَذِه المفاعيل بالحروف مَا عدا الْمصدر فصل والمصدر يذكر لأحد أَرْبَعَة اشياء أَحدهَا توكيد الْفِعْل كَقَوْلِك ضربت ضربا ف (ضربا) نَائِب عَن قَوْلك (ضربت) مَّرةً أُخْرَى لأنَّ التوكيد يكون بتكرير اللَّفْظ وإنَّما عدلوا إِلَى الْمصدر كَرَاهِيَة إِعَادَة اللَّفْظ بِعَيْنِه ولأنَّ الْفِعْل الثَّانِي جملَة والمصدر لَيْسَ بجملة فَكَانَ أخصر وَأبْعد من التكرير وَالثَّانِي أَن يذكر لبَيَان النَّوْع كَقَوْلِك ضربت ضربا شَدِيدا ذكرت (ضربا) لتصفه بالشدَّة الَّتِي يدلُّ عَلَيْهَا الْفِعْل وَالثَّالِث أَن يذكر لتبيين الْعدَد وَيحْتَاج فقي ذَلِك إِلَى زِيَادَة على الْمصدر وَتلك الزِّيَادَة (تَاء) التَّأْنِيث) نَحْو قَوْلك ضربت ضَرْبَة فإنَّ التَّاء تدلُّ على الْمرة وَهنا يثنَّى وَيجمع نَحْو ضربتين وضربات لأنَّ لفظ الْفِعْل لَا يدل على الْعدَد فَذكر الْمصدر لتحيل هَذِه الزِّيَادَة

стр. 222

فقيدته بِالْبَاء لَو قيل فِي أيَّ زمَان أَو فِي أَي مَكَان لَقلت فِي يَوْم كَذَا وَفِي مَكَان طذا لَو قيل لأيَّ غَرَض لقيل لكذا وَكَذَا فقد رَأَيْت كَيفَ تقيدت هَذِه المفاعيل بالحروف مَا عدا الْمصدر فصل والمصدر يذكر لأحد أَرْبَعَة اشياء أَحدهَا توكيد الْفِعْل كَقَوْلِك ضربت ف (ضربا) نَائِب عَن قَوْلك (ضربت) مَّرةً أُخْرَى لأنَّ التوكيد يكون بتنكير اللَّفْظ وإنَّما عدلوا إِلَى الْمصدر كَرَاهِيَة إِعَادَة اللَّفْظ بِعَيْنِه لأنَّ الْفِعْل الثَّانِي جملَة والمصدر لَيْسَ بجملة فَكَانَ أَخْضَر وَأبْعد من التكير وَالثَّانِي أَن يذكر لبَيَان النَّوْع كَقَوْلِك ضربت ضربا شَدِيدا ذكرت (ضربا) لتصفه بالشدَّة الَّتِي يدلُّ عَلَيْهَا الْفِعْل وَالثَّالِث أَن يذكر لتبيين الْعدَد وَيحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى زِيَادَة على الْمصدر وَتلك الزِّيَادَة (تَاء التَّأْنِيث) نَحْو قَوْلك ضربت ضَرْبَة فإنَّ التَّاء تدلُّ على الْمرة وَهنا يثنَّى وَيجمع نَحْو ضربتين وضربات لِأَن لفظ الْفِعْل لَا يدل على الْعدَد فَذكر الْمصدر لتَحْصِيل هَذِه الزِّيَادَة

стр. 223

وَالرَّابِع أنْ يذكر الْمصدر لينوب عَن الْحَال كَقَوْلِك قتلته صبرا أَي مصبوراً أَو مَحْبُوسًا وَيذكر فِي بَاب الْحَال فصل وَتقوم الْآلَة مقَام الْمصدر كَقَوْلِك ضَربته سَوْطاً ف (سَوط) هُنَا اسْم للضربة بِالسَّوْطِ وإنَّما جَازَ ذَلِك لم بَين الْفِعْل والآلة من الملابسة وَحصل من هَذَا شَيْئَانِ الِاخْتِصَار والتنيبه على أنَّ الْفِعْل كَانَ بالآلة الْمَخْصُوصَة وَلَوْلَا ذَلِك لَقلت ضَربته ضَرْبَة بِسَوْط وَلَيْسَ السَّوْط هَهُنَا مَنْصُوبًا على تَقْدِير حذف حرف الجرّ لثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أنَّ حذف الْحَرْف لَيْسَ بِقِيَاس وَالثَّانِي أَن فِي قَوْلك (سَوْطًا) دلَالَة على المرّة الْوَاحِدَة أَلا ترى أنَّك تَقول ضَربته أسواطاً وَلَو كَانَت الْبَاء مُرَادة لم تدلّ على ذَلِك وَالثَّالِث أنَّك تَقول ضَربته مائَة سَوط وَلَا تُرِيدُ مائَة ضَرْبَة بِسَوْط إِذْ لَو أردْت ذَلِك لَكَانَ الْمَعْنى أنَّ جَمِيع الضربات بِآلَة وَاحِدَة وَلَيْسَ الْمَعْنى عَلَيْهِ بل يَقُول ضَربته مائَة سَوط وَإِن كَانَت كلُّ ضَرْبَة بِآلَة غير الْآلَة الْأُخْرَى

стр. 224

فصل والعددُ الْمُضَاف إِلَى الْمصدر ينْتَصب نصب الْمصدر كَقَوْلِك ضَربته ثَلَاث ضَرَبات لما بَين الْعدَد والمعدود من الملابسه والاتِّصال وَكَذَلِكَ صفة الْمصدر إِذا أضيفت إِلَيْهِ كَقَوْلِك سرت أشدّ السّير لأْنَّ الصفه هِيَ الْمَوْصُوف فِي الْمَعْنى وأنما قدّمت لتدلَّ على المبالغه فصل وَلَا يثنَّى الْمصدر وَلَا يجمع مَا دَامَ جِنْسا لدلالته على جَمِيع أَنْوَاع الْحَدث وإنَّما يثنَّى ويُجمع مَا لَا يدُلَّ واحدُهُ إلَاّ على مِقْدَار وَاحِد فإنْ اخْتلفت أنواعُه ثُني وَجمع لأنَّ كلّ نوع مِنْهَا متّميِّز عَن الآخربصفه تخصُّه فَيصير بِمَنْزِلَة أَسمَاء الْأَعْلَام وَكَذَلِكَ إِن زيد فِيهِ (تَاء التَّأْنِيث) كالضربة فَإِنَّهُ يدلُّ على الْوَاحِد لَا غير فَإِذا وجدت فِيهِ أعداد احْتِيجَ إِلَى مَا يدلُّ عَلَيْهَا فصل وأمَّا قَوْلهم (قعد القرفصاء) و (اشْتَمَل الصماء) فَاخْتَلَفُوا فِي الِاسْم الْمَنْصُوب هُنَا على ثَلَاثَة أَقْوَال

стр. 225

أحدهُا أنَّه مَنْصُوب بِالْفِعْلِ الَّذِي قبله لأنَّ (القرفصاء) نوع من الْقعُود و (الصمَّاء) نوع من الاشتمال فَإِذا عمل (قعد) فِي الْقعُود الْجَامِع لأنواعه كَانَ عَاملا فِي نوع مِنْهُ لدُخُوله تَحت الْجِنْس هَذَا قَول سبيويه وَمن البصرييَّن من قَالَ هُوَ صفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره (الْقعدَة القرفصاء) فعلى هَذَا فِي الْكَلَام حذفٌ ولكنَّ العاملَ فِي الصّفة الْعَامِل فِي الْمَوْصُوف غير أنَّه بِوَاسِطَة وَمن النحويَّين من قَالَ ينْتَصب بِفعل مَحْذُوف دلَّ عَلَيْهِ (قعد) تَقْدِيره تقرفص القرفصاء وَفِي ذَلِك تعسُّف مُسْتَغْنى عَنهُ لأنَّ (تقرفص) لَو اسْتعْمل لَكَانَ بِمَعْنى (قعد) فَإِذا وجدت لَفْظَة (قعد) كَانَت أولى بِالْعَمَلِ إِذْ هِيَ أصل (تقرفص)

стр. 226

فصل وَمن ذَلِك (أبغضه كَرَاهِيَة) و (أعجبني حبّاً شَدِيدا) فالاسم هُنَا يتنصب بِالْفِعْلِ الَّذِي قبله لأنَّه يقرب من مَعْنَاهُ

стр. 227

بَاب الْمَفْعُول بِهِ قد ذكرنَا فِي بَاب الْفَاعِل علَّة انتصاب الْمَفْعُول وَالْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِي أَقسَام الْفِعْل فِي اللُّزُوم والتعدِّي وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ لَازم ومتعدّ فاللازم مَالا يفْتَقر بعد فَاعله إِلَى محلٍّ مَخْصُوص يحفظه كَقَوْلِك قَامَ وَجلسَ وأحمرَّ وتدحرج فَإِن اتَّصل بِهِ جارّ ومجرور كَقَوْلِك (جَلَست إِلَيْهِ) كَانَ الجارّ وَالْمَجْرُور فِي مَوضِع نصب كأنَّك قلت أَتَيْته وعاشرته وَنَحْو ذَلِك وأمَّا المتعَّدي فَمَا افْتقر بعد فَاعله إِلَى محلٍّ مَخْصُوص يحفظه وَذَلِكَ على ثَلَاثَة أضْرب أَحدهَا لم تستعمله الْعَرَب إلَاّ بِحرف جرّ كَقَوْلِك مَرَرْت بزيد ف (مَرَرْت) يفْتَقر إِلَى مَمْرورٍ بِهِ ولكنْ لم يسْتَعْمل إلَاّ بِالْبَاء وَكَذَلِكَ عجبت من زيد فإنْ جَاءَ فِي الشّعْر شَيْء بِغَيْر حرف فضرورة وَالضَّرْب الثَّانِي يسْتَعْمل بِحرف جرٍّ تَارَة وَبِغير حرف جرٍّ أُخْرَى وكلّ ذَلِك اخْتِيَار كَقَوْلِك نصحت لَك ونصحتك فَفِي الْموضع الَّذِي اسْتعْمل بِغَيْر حرف

стр. 228

لَا يُقَال حذف الْحَرْف مِنْهُ لأنَّ حذف حرف الجرّ لَيْسَ بِقِيَاس وَفِي الْموضع الَّذِي ذكر لَا يُقَال هُوَ زايد لأنَّ زِيَادَة الجارّ لَيست بِقِيَاس أَيْضا وَإِذا جَاءَ الْأَمْرَانِ فِي الِاخْتِيَار دلّ على أنَّهما لُغَتَانِ وَالضَّرْب الثَّالِث مَا يتَعَدَّى بِنَفسِهِ وَهُوَ على ثَلَاثَة أضْرب أحدُها يتَعَدَّى إِلَى وَاحِد ك (ضربت زيدا) وَنَحْوه من أَفعَال العلاج وك (أَبْصرت زيدا) وَغَيره من أَفعَال الْحَواس فأمّا (سَمِعت) فَالْقِيَاس أَن يتعدّى إِلَى وَاحِد ممَّا يسمع كَقَوْلِك سَمِعت قَوْلك وصوتك فأمَّا قولُهم سمعنَا زيدا يَقُول ذَلِك ف (زيد) هُنَا لّما كَانَ هُوَ الْقَائِل واتَّصل بِهِ مَا يدلُ على المسموع جُعل مَفْعُولا أوَّل و (يَقُول) فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّانِي لأنَّ القَوْل وَالْقَائِل متلازمان فأمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿هَل يَسمعونَكُم إذْ تَدعُونَ﴾ فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أنَّ التَّقْدِير هَل يسمعُونَ دعاءكم كَمَا قَالَ فِي الْأُخْرَى ﴿لَا يسمعوا دعاءكم﴾ وَالْآخر أنَّ الْمَفْعُول الثَّانِي مَحْذُوف أَي يسمعونكم إِذْ تدعون وَالضَّرْب الثَّانِي متعدًّ إِلَى مفعولين فَمِنْهُ (ظَنَنْت وَأَخَوَاتهَا) وَقد ذُكرت

стр. 229

وَمِنْه متعدٍّ إِلَى مفعولَيْن ثَانِيهمَا غير الأوَّل نَحْو أَعْطَيْت زيدا درهما لأنَّ الْإِعْطَاء يَقْتَضِي آخِذا ومأخوذاً وَيجوز تَقْدِيم أحدهماعلى الآخر إِلَّا أَن يؤدِّي إِلَى اللّبْس كَقَوْلِك أَعْطَيْت زيدا عمرا فَكل وَاحِد مِنْهُمَا يصلح أَن يكون آخِذا وَأَن يكون مأخوذا فَإِذا لم يبن أَحدهمَا من الآخر إِلَّا بِتَقْدِيم الْآخِذ لزم تَقْدِيمه كَمَا يلْزم فِي الاسمين المقصورين أَن يتقدّم الْفَاعِل فصل وَقد يكون الْفِعْل متعدياِّ إِلَى مفعول وَاحِد بِنَفسِهِ وَإِلَى آخر بِحرف الجرِّ ثمَّ يحذف الْحَرْف فيتعدى إِلَيْهِ الْفِعْل بِنَفسِهِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿واختارَ مُوسَى قومَه سبعينَ رجلا﴾ وَالتَّقْدِير من قومه فَأن قيل لم لَا يكون الثَّانِي بَدَلا من الأوَّل قيل لأنَّ الِاخْتِيَار يَقْتَضِي أَن يكون الْمُخْتَار بَعْضًا من كلٍّ لأنَّ مَا هُوَ وَاحِد فِي نَفسه لَا يصحُّ اخْتِيَاره وَإِذا لم يكن بدٌّ من مُخْتَار مِنْهُ لم يصحّ الْبَدَل وَمن ذَلِك قَوْلهم ٤٨ - (أَمرتك الْخَيْر ... ) // الْبَسِيط // أَي بِالْخَيرِ وأمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فاصدَعْ بِما تُؤمَر﴾ فَفِيهِ وَجْهَان أحدُهما أنَّ (مَا) مصدريَّة أَي بِالْأَمر وَهُوَ الْمَأْمُور بِهِ

стр. 230

وَالثَّانِي هِيَ بِمَعْنى (الَّذِي) فتقديره بِالَّذِي تُؤمر بالصدع بِهِ (ثمَّ) حذفت (الْبَاء) وَوصل الضَّمِير فَصَارَ (بصدعه) ثَّم حذف (الصدع) فَصَارَ (تُؤمر بِهِ) ثمَّ حذفت الْبَاء وَالْهَاء دفْعَة وَاحِدَة فِي قَول سِيبَوَيْهٍ وعَلى قَول الْأَخْفَش حذف (الْبَاء) فَصَارَ (تؤمره) ثمَّ حذفت الْهَاء فصل فِيمَا يعدّي الْفِعْل وَهِي خَمْسَة الْهمزَة كَقَوْلِك فَرح زيد وأفرخته وَتَشْديد الْعين كَقَوْلِك فرَّحته وَمَعْنَاهَا وَاحِد وَالْبَاء كَقَوْلِك فرحت بِهِ وَمَعْنَاهُ غير معنى الأوليَّن والتمثيل المطابق للأوَّلين ذهبت بزيد أَي أذهبته كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَو شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ وسين استفعل وزائدها وهما الْهمزَة وَالتَّاء كَقَوْلِه خرج الشَّيْء واستخرجته وَألف المفاعلة نَحْو جلس زيدٌ وجالسته وَقربت من الْبَلَد وقاربته

стр. 231

بَاب الْمَفْعُول فِيهِ وَهُوَ الظّرْف وَهُوَ أَسمَاء الزَّمَان وَالْمَكَان وسَّميت بذلك لأنَّ الْأَفْعَال تقع فِيهَا وتحلُّها ولاتؤثرّ فِيهَا فَهِيَ كالإناء والحالُّ فِيهِ غيرُه وَلذَلِك سمَّاها بَعضهم (أوعيهً) وَبَعْضهمْ (محالَّ) فصل وَالَّذِي يُطلق عَلَيْهِ (الظّرْف) عِنْد النحويِّيِن مَا حَسُنَ فِيهِ إظهارُ (فِي) وَلَيْسَت فِي لَفظه لأنَّ الْحَرْف الْمَوْضُوع لِمَعْنى الظرفيه (فِي) فَإِذا لم تكن ودلَّ الِاسْم عَلَيْهَا صَار مسمَّى بهَا فصل وَلم يبن الظّرْف لأنَّه لم يتضمَّن معنى (فِي) بِدَلِيل صحَّة ظُهُورهَا مَعَه وَلَو كَانَ متضمِّناً مَعْنَاهَا لم يصحّ إظهارها مَعَه كَمَا لَا يصحُّ ظُهُور الْهمزَة مَعَ (أَيْن) و (كَيفَ) وإنَّما حذفت (فِي) للْعلم بهَا

стр. 232

فصل وإنَّما عمل الْفِعْل فِي جمبع اسماء الزَّمَان لأنَّ صِيغَة الْفِعْل تدلُّ عَلَيْهِ كَمَا تدلُّ على الْمصدر إلَاّ أنَّ دلالتها على الزَّمَان من جِهَة حركاته وعَلى الْمصدر من جِهَة حُرُوفه وَكِلَاهُمَا لفظ أَحدهمَا أنَّها تخصُّ جُزْءا من الْجِهَة الَّتِي تدلُّ عَلَيْهَا ك (الْأَمَام) فإنَّه لَا يتَنَاوَل بعض مَا قابلك بل يَقع على تِلْكَ الْجِهَة إِلَى آخر الدُّنْيَا كَمَا أنَّ (قَامَ) يدلُّ على مَا مضى من الزَّمَان من أوَّله إِلَى وَقت إخبارك كَذَلِك (يقوم) يصلح للزمان الْمُسْتَقْبل من أوَّله إِلَى آخِره وَالثَّانِي أنَّ هَذِه الْجِهَات لَا لبث لَهَا إذْ هِيَ بِحَسب مَا تُضَاف إِلَيْهِ وتتبدل بِحَسب تنقُّل الْكَائِن فِيهَا فقولك (خلف زيد) يصير أماماً لَهُ عِنْد تحوّله أَو يَمِينا لَهُ أَو يساراً و (خلف زيد) هُوَ أمامٌ لعَمْرو ويمينٌ لخَالِد ويسارٌ لِبِشْرٍ كَمَا أنَّ الزَّمَان لَا لبث لَهُ بِخِلَاف الْمَكَان المختصّ فإنَّه بِمَنْزِلَة الْأَشْخَاص إِذْ كَانَ بجثّة محددة كَالدَّارِ وَالْبَصْرَة فَمن هُنَا لَا تَقول جَلَست الدَّار كَمَا تَقول جَلَست خَلفك

стр. 233

فأمَّا قَوْلهم هُوَ منِّي مَنَاظَ الثريا ومزجر الْكَلْب إِذا أَرَادوا الْبعد ومقعد الْقَابِلَة ومقعد الْإِزَار فَفِيهِ وَجْهَان أحدُهما أنَّ الأَصْل فِيهَا تسْتَعْمل ب (فِي) لكنَّهم حذفوها تَخْفِيفًا كَمَا قَالُوا ٤٩ - (أَمرتك الْخَيْر ... ) // الْبَسِيط // وَالثَّانِي أنَّ هَذِه الْأَمْكِنَة لّما أُريد بهَا الْمُبَالغَة وَلم يقْصد بهَا أمكنة معيَّنة محدودة صَارَت كالأمكنة الْمُبْهمة مَسْأَلَة تَقول دخلت الْبَيْت بِغَيْر فِي) وَاخْتلف النحويُّون فِيهِ فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ هُوَ لَازم وإنَّما حذفت (فِي) تَخْفِيفًا لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَقَالَ الجرميُّ هُوَ متعدٍّ مثل (بنيت) و (عمرت) وَنَحْو ذَلِك

стр. 234

أحدُها أنَّه لَو كَانَ متعدَّياً هُنَا لَكَانَ مُتَعَدِّيا فِي كلّ مَوضِع صحَّ مَعْنَاهُ فِيهِ وَلَيْسَ الْأَمر على ذَلِك أَلا ترى أنَّك تَقول دخلت فِي هَذَا الْأَمر وَلَو قلت دخلت الْأَمر لم يستقم مَعَ أنَّ مَعْنَاهُ لابستُ الْأَمر ووليته وَالْوَجْه الثَّانِي أنَّك تَقول دَخَلنَا فِي شهر كَذَا و (فِي) هُنَا غير زَائِدَة لأنَّهم لم يستعملوه بِغَيْر (فِي) ولأنَّ الأَصْل ألَاّ يُزَاد حرف الجرّ وَالثَّالِث أنَّ مصدر دخلت (الدُّخُول) وكلّ مصدر كَانَ على (فعول) فَفعله لَازم كالجلوس وَالْقعُود وَالرَّابِع أنَّ نَظِيره (غُرْتُ وغُصْتُ وغِبْتُ) وكلّها لَازم ونقيضه (خرجت) وَهُوَ لَازم أَيْضا وَذَلِكَ يُؤنِسُ بِكَوْن (دخلت) لَازِما فصل يجوز أَن يَجْعَل ظرف الزَّمَان وَالْمَكَان مَفْعُولا بِهِ على السَّعة وَتظهر فَائِدَته فِي موضِعين أحدُهما أَن تضيف إِلَيْهِ كَقَوْلِهِم ٥٠ - (يَا سَارِق الليلةِ أهل الدارْ ... ) // الرجز //

стр. 235

كَمَا تَقول يَا سَارِق ثوبِ زيد وَلَا يجوز أَن يكون هُنَا ظرفا لأنَّ (فِي) مَعَ الظّرْف مقدَّرة وَتَقْدِير (فِي) يمْنَع الْإِضَافَة وَالثَّانِي أنَّك إِذا أخْبرت عَنهُ - وَهُوَ مفعول بِهِ - لم تأت بِحرف الجرّ مَعَ ضَمِيره كَقَوْلِك يَوْم الْجُمُعَة سرته فَإِن جعلته ظرفا قلت سرت فِيهِ وإنَّما جَازَ حذف (فِي) مَعَ الظّرْف دون ضَمِيره لأنَّ لفظ الظّرْف يدلُّ على الْحَرْف إِذْ كَانَ صَرِيحًا فِي الظّرْف وَالضَّمِير لَا يختصُّ بالظرف بل يصلح لَهُ وَلغيره وأمّا قَول الشَّاعِر

стр. 236

٥١ - (فلأبغينَّكُمُ قَناً وعُوارضا ... ولأقبلنَّ الْخَيل لابةَ ضَرْغَدِ) // الْكَامِل // ف (قِنَا) و (عوارض) و (لابة ضرغد) أمكنة معينَّة وعدَّى الْفِعْل إِلَيْهَا بِنَفسِهِ كَمَا عدَّى (دخلت) بِنَفسِهِ وَقيل جعلهَا مَفْعُولا بهَا على السعَة

стр. 237

بَاب الْمَفْعُول لَهُ من شَرط الْمَفْعُول لَهُ أَن يكون مصدرا يصحّ تَقْدِيره بِاللَّامِ الَّتِي يعلّل بهَا الْفِعْل وَالْمَفْعُول لَهُ هُوَ الْغَرَض الْحَامِل على الْفِعْل ولّمَّا كَانَ كّل حَكِيم وعاقل لَا يفعل الْفِعْل إلَاّ لغَرَض جُعلُ ذَلِك الغرضُ (مَفْعُولا من أَجله) وَهُوَ مَنْصُوب بِالْفِعْلِ الَّذِي قبله لازماَ أَو متعديِّا لأنَّ الْفِعْل يحْتَاج إِلَيْهِ كاحتياجه إِلَى الظّرْف وكما حذف حرف الجرّ فِي الظّرْف جَازَ هُنَا وَيجوز أَن يكون الْمَفْعُول لَهُ نكرَة بِلَا خلاف كَقَوْلِك زرتك طَمَعا فأمَّا الْمعرفَة فَذهب الْجُمْهُور إِلَى جَوَاز جعلهَا مَفْعُولا لَهُ وَمنعه الجرميُّ وَالدَّلِيل على جَوَازه قَول العجَّاج ٥٢ - (تركبُ كُلَّ عاقرِ جُمْهورِ ... مَخَافَة وزعل المحبورِ) (والهولَ من تهوَّل الهُبور ... )

стр. 238

و (الهول) هُنَا مَعْطُوف على (مَخَافَة) ولأنّ الْغَرَض قد يكون مَعْرُوفا عِنْد الْمُخَاطب فَإِذا ذكر علم أنَّه الْمَعْهُود عِنْده وَلذَلِك تجوز الْمعرفَة مَعَ ظُهُور اللَّام كَقَوْلِك (أَتَيْتُك للطمع وَلَا فرق بَين ظُهُور اللَّام وحذفه فِي الْمَعْنى وَيجوز تَقْدِيم الْمَفْعُول على الْفِعْل لتصرّف الْعَامِل وأنّ الْمَفْعُول لَهُ كالظرف فِي تَقْدِير الْحَرْف

стр. 239

بَاب الْمَفْعُول مَعَه كلُّ اسْم وَقع بعد الْوَاو الَّتِي بِمَعْنى (مَعَ) وَقبلهَا فعل وفاعل فَذَلِك الِاسْم مَنْصُوب وَاخْتلفُوا فِي ناصبه فمذهب سِيبَوَيْهٍ والمحقِّقين انَّه الْفِعْل الْمَذْكُور كَقَوْلِك (قُمْت وزيداً) فالناصب (قُمْت) لأنَّ الِاسْم مَنْصُوب وَالنّصب عمل وَلَا بدَّ للْعَمَل من عَامل و (الْوَاو) غير عاملة للنصب ولاشيء هُنَا يصلح للْعَمَل إلَاّ الْفِعْل فإنْ قيل الْفِعْل هُنَا لَازم وَالْوَاو غير معدِّية لَهُ إِلَى الْمَنْصُوب قيل المتعدِّي إِلَى الِاسْم مَا تعلّق مَعْنَاهُ بِهِ وَالْوَاو علقّت الْفِعْل بِالِاسْمِ فَكَانَ الناصب هُوَ الْفِعْل بِوَاسِطَة الْوَاو كَمَا كَانَ الْفِعْل عَاملا فِي الْمُسْتَثْنى بِوَاسِطَة (إلَاّ) لأنَّها علَّقتْ الْفِعْل بِمَا بعْدهَا وَلم تصلح هِيَ للْعَمَل

стр. 240

وَقَالَ الزّجاج الناصب لَهُ فعل مَحْذُوف تَقْدِيره (قُمْت) أَو (لابست) أَو (صاحبت) زيدا وَلَا يعْمل الْفِعْل الْمَذْكُور لحيلولة الْوَاو بَينهمَا وَهَذَا ضَعِيف لأنَّ الْفِعْل الْمَذْكُور إِذا صحَّ أَن يعْمل لم يُجْعَل الْعَمَل لمَحْذُوف وَقد صحَّ بِمَا تقدَّم وأمَّا الْوَاو فَغير مَانِعَة لوَجْهَيْنِ أحدُهما أنَّ بهَا ارْتبط الْفِعْل بِالِاسْمِ فأثَّر فِيهِ فِي الْمَعْنى فَلَا يمْنَع من تَأْثِيره فِيهِ لفظا وَالثَّانِي أنَّها فِي الْعَطف لَا تمنع كَقَوْلِك ضربت زيدا وعمراً فالناصب ل (عَمْرو) الْفِعْل الْمَذْكُور لَا الْوَاو وَلَا فعلٌ مَحْذُوف وَقَالَ الكوفْيُّون ينْتَصب على الْخلاف وَقد أفسدناه فِي بَاب (مَا) وَمعنى كَلَامهم أنَّ الِاسْم الثَّانِي غير مشارك للأوَّل فِي الْفِعْل الْمَذْكُور فَلم يرفع لذَلِك بل نصب كَمَا ينصب الْمَفْعُول للْخلاف وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش ينْتَصب الِاسْم انتصاب الظروف لأنَّه نَاب عَن (مَعَ) كَمَا أنَّ (غيراً) فِي الِاسْتِثْنَاء تعرب إِعْرَاب الِاسْم الْوَاقِع بعد (إلاّ) وَهَذَا ضعيفٌ لبعد مَا بَين هَذِه الْأَسْمَاء وَبَين الظروف و (مَعَ) ظرف و (الْوَاو) قَائِمَة

стр. 241

مقَامهَا فِي الْمَعْنى فَإِذن لَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يصلح أَن يكون ظرفا وَلَا فرق بَين تَقْوِيَة الْفِعْل بِحرف الجرِّ وَالْوَاو حتَّى يتَّصَل مَعْنَاهُ بِالِاسْمِ إلَاّ أنَّ حرف الجرِّ عمل وَالْوَاو لَا تعْمل فَكَانَ وُصُول الْفِعْل إِلَى الِاسْم بعد الْوَاو كعمل الْفِعْل فِي مَوضِع الجارّ وَالْمَجْرُور فصل وإنَّما حذفت (مَعَ) اختصاراً وتوسُّعاً وإنَّما أُقِيمَت مُقامها دون غَيرهَا لتقارب مَعْنَاهُمَا لأنَّ (مَعَ) للمصاحبة و (الْوَاو) للْجمع والاجتماع مصاحبة فصل وَالْفرق بَين الرّفْع وَالنّصب هُنَا انَّك إِذا رفعت كَانَ الِاسْم الثَّانِي كالاوَّل فِي نِسْبَة الْفِعْل إِلَيْهِ وَإِذا نصبت كَانَ الْفِعْل للأوَّل وَلَكِن تبعا للثَّانِي مِثَاله اذْهَبْ أَنْت وزيداً إِذا رفعت كنت آمراً لَهما بالذهاب وَإِن نصبت كنت آمراً للمخاطب دون زيد حتّى لَو لم يذهب زيدٌ لم يلْزم الْمُخَاطب الذّهاب وإنَّما يلْزمه مُتَابعَة زيد فِي الذّهاب وَتقول كنت أَنا وَزيد أَخَوَيْنِ إِذا رفعت ثنَّيت الْخَبَر وَإِذا نصبت لم تجز الْمَسْأَلَة لأنَّك لَو صرَّحت ب (مَعَ) لم تجز التَّثْنِيَة كَقَوْلِك كنت مَعَ زيد أَخَوَيْنِ

стр. 242

فصل ولايجوز تَقْدِيم الْمَفْعُول مَعَه على الْعَامِل فِيهِ وَلَا على الْفَاعِل كَقَوْلِك والخشبة اسْتَوَى المَاء واستوى والخشبة المَاء وإنَّ الْوَاو ولإنَّ كَانَت بِمَعْنى (مَعَ) فَمَعْنَى الْعَطف لَا يفارقها فَلَو قُدِّمت لتقدَّم الْمَعْطُوف على الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَذَلِكَ غير جَائِز فِي الِاخْتِيَار فصل وَإِذا لم يكن فى الْكَلَام فعلٌ لم يجز النصب فِيمَا بعد الْوَاو بِمَعْنى (مَعَ) لأنَّ الْوَاو مقويَّةٌ للْفِعْل حتَّى يصل إِلَى الِاسْم فَيعْمل فِيهِ فَإِذا لم يكن فعل لم يكن عَامل يقوَّي وَقد أَجَازُوا النصب فِي موضِعين أَحدهمَا قَوْلهم مَا أَنْت وزيداً

стр. 243

وَالثَّانِي كنت أَنْت وزيداً فالرفع وَالنّصب فيهمَا جائزان فالرفع على تَقْدِير وَمَا زيد فإنَّما تَقول ذَلِك فِي الْمَنْع من التعُّرض بِهِ وَالنّصب على تقديرما تكون أَنْت وزيداً وَكَيف تكون أَنْت وزيداً فأضمروا (كَانَ) لِكَثْرَة دورها فِي الْكَلَام وَلذَلِك أضمروها فِي مَوَاضِع مِنْهَا إنْ خيرا فَخير فصل وَأكْثر الْبَصرِيين يذهب إِلَى أنَّ هَذَا الْبَاب مقيس لصحَّة الْمَعْنى فِيهِ وتصوُّر عَامل النصب وَامْتنع قوم مِنْهُم من الْقيَاس على المسموع مِنْهُ لأنَّ إِقَامَة الْحَرْف مقَام الِاسْم مَعَ اخْتِلَاف مَعْنَاهُمَا وعملهما غيرُ مقيُس فَيقْتَصر فِيهِ على السماع

стр. 244

بَاب الْحَال الحالُ مُؤَنّثَة لِقَوْلِك فِي تصغيرها (حويلة) وحقيقتها أنَّها هَيْئَة الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول وَقت وُقُوع الْفِعْل الْمَنْسُوب إِلَيْهِمَا وَأَصلهَا أَن تكون اسماُ مُفردا لأنَّها تستحقُّ الْإِعْرَاب وكلُّ مُعرب مُفْرد وَالْأَفْعَال لَيست مُفْردَة وإنّما لزم أَن تكون نكرَة لثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أنَّها فِي الْمَعْنى خبر ثَان أَلا ترى أنَّ قَوْلك جَاءَ زيدٌ رَاكِبًا قد تضمَّن الْإِخْبَار بمجيء زيد وبركوبه حَال مَجِيئه وَالْأَصْل فِي الْخَبَر التنكير وَالثَّانِي أنَّ الْحَال جَوَاب من قَالَ كَيفَ جَاءَ و (كَيفَ) سُؤال عَن نكرَة وَالثَّالِث أنَّ الْحَال صفة للْفِعْل فِي الْمَعْنى لأنَّ قَوْلك جَاءَ زيد رَاكِبًا يُفِيد أنَّ مجئيه على هَيْئَة مَخْصُوصَة وَالْفِعْل نكرَة فصفته نكرَة

стр. 245

وإنَّما وَجب أنْ تكون مشتقَّة لأنَّها صفة وكلّ صفة مُشْتَقَّة فإنَّ وَقع الجامد حَالا فَهُوَ مَحْمُول على الْمَعْنى كَقَوْلِك هَذَا زيدٌ أسداً أَي شجاعاً جزئياً و ﴿هَذِه نَاقَة الله لكم آيَة﴾ أَي دالَّة معَّرفة وَكَذَلِكَ نَظَائِره وإنَّما لزم أَن تكون منتقلة لأنَّها خبر فِي الْمَعْنى وَالْأَخْبَار تتجدَّد فيجهل المتجدِّد مِنْهَا فتمسّ الْحَاجة إِلَى الْأَعْلَام بِهِ وإنَّما قدرت ب (فِي) لأنَّها مصاحبة للْفِعْل على مَا ذكرنَا والمصاحبة مُقَارنَة الزَّمَان وعلامة الزَّمَان (فِي) وإنَّما لزم أَن يكون صَاحبهَا معرفَة أَو كالمعرفة بِالصّفةِ لأنَّها كالخبر وَالْخَبَر عَن النكرَة غير جَائِز لأنَّه إِذا كَانَ نكرَة أمكن أَن تجْرِي مجْرى الْحَال صفة فَلَا حَاجَة إِلَى مخالفتها إيَّاه فِي الْإِعْرَاب وَقد جَاءَت أَشْيَاء تخَالف مأصَّلنا رُدَّت بالتأوليل إِلَى هَذِه الْأُصُول فَمن ذَلِك وُقُوع الْحَال معرفَة كَقَوْلِهِم ٥٣ - (أرسلها العراك ... ) // الوافر //

стр. 246

وَالتَّحْقِيق أنَّ هَذَا نَائِب عَن الْحَال وَلَيْسَ بهَا بل التَّقْدِير أرسلها معتركةً ثمَّ جعل الْفِعْل مَوضِع اسْم الْفَاعِل لمشابهته إيْاه فَصَارَ (تعترك) ثمَّ جعل الْمصدر مَوضِع الْفِعْل لدلالته عَلَيْهِ ويدلُّ على ذَلِك أنَّ الْحَال وصفٌ وصيغ الْأَوْصَاف غيرُ صِيَغ المصادر وَمن ذَلِك رَجَعَ عودُه على بدئه فَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة الرّفْع وَالنّصب فَفِي الرّفْع وَجْهَان أحدُهما هُوَ فَاعل _ رَجَعَ) وَالثَّانِي هُوَ مُبْتَدأ و (على بدئه) الْخَبَر وأمَّا النصب فَفِيهِ قَولَانِ أحدُهما هُوَ مفعول بِهِ أَي ردّ عوده وَأَعَادَهُ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فإنْ رجَعَك اللهُ﴾ وَالثَّانِي هُوَ حَال وَالتَّقْدِير رَجَعَ عَائِدًا ثمَّ يعود ثَّم عوده كَمَا تقدَّم وَمثل ذَلِك افعله جهدك أَي مُجْتَهدا ثَّم يجْتَهد قثَّم ثمَّ جهدك

стр. 247

وَمن ذَلِك كلَّمته فَاه إِلَى فيَّ تَقْدِيره مكافحاً أَو مشافهاً ثمَّ حذف هَذَا وَجعل (فَاه إِلَى فيَّ) نائباعنه وَيجوز (فوه إِلَى فيَّ) والجمله على هَذَا حَال وَمن ذَلِك مَجِيء صَاحب الْحَال نكره كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث ((فجَاء رَسُول الله ﷺ على فرس سَابِقًا) فِي قَول من جعله حَالا من الْفرس فإنْ كَانَت الرِّوَايَة هَكَذَا أمكن أَن يكون (سَابِقًا) حَالا من الْفَاعِل وإنْ كَانَت الرِّوَايَة لَا يُمكن فِيهَا ذَلِك حُمل على مَجِيء الْحَال من النكرَة وَالْفرق بَينهَا وَبَين الصّفة أنّك لَو قلت على فرس سَابق فجررت جَازَ أَن يكون مَعْرُوفا بِالسَّبقِ وَلَا يكون سَابِقًا فِي تِلْكَ الْحَال وإنْ نصبت لزم أَن يكون سبق فِي تِلْكَ الْحَال

стр. 248

وَمن ذَلِك وُقُوع الجامد حَالا كَقَوْلِك بيَّنت لَهُ حسابه بَابا بَابا وَالتَّقْدِير بيَّنته م فصل ا وَمن ذَلِك الحالُ الْمُؤَكّدَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَهُوَ الحقّ مُصدقا لما مَعَهم﴾ وَقَول الشَّاعِر ٥٤ - (أناابنُ دارةَ مَعْروفاً بهَا نَسَبي ... فَهَل بدارةَ ياللنَّاسِ مِنْ عارِ) // الْبَسِيط // وإنَّما كَانَت هَذِه الْحَال مؤكّدة لِأَن الْحق لَا يكون إلَاّ مصدِّقاَّ للحق وإنَّما جِيءَ بهَا لشدَّة توكيد الحقّ بالتصريح الْمُغنِي عَن الاستنباط وَالْعَامِل فِي هَذِه الْحَال مَا فِي الْجُمْلَة من معنى الْفِعْل تَقْدِيره وَهُوَ الثَّابِت مصدَقِّا وَصَاحب الْحَال الضَّمِير فِي ثَابت فصل وَالْعَامِل فِي الْحَال ضَرْبَان فعلٌ وَمعنى فعل فالفعل مثل أقبل وَجَاء وَنَحْوهمَا فَهَذَا يجوز فِيهِ تَقْدِيم الْحَال على صَاحبهَا وعَلى الْعَامِل فِيهِ لأنَّ الْعَامِل

стр. 249

قويّ متصرّف وَالْحَال كالمفعول وَقَالَ الفرَّاء لَا يجوز تَقْدِيمهَا لما يلْزم من تَقْدِيم الضَّمِير على مَا يرجع إِلَيْهِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لأنَّ النيَّة بِهِ التَّأْخِير فَيصير كَقَوْلِهِم فِي أَكْفَانه لُفَّ الْمَيِّت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَأوْجَسَ فِي نَفسه خيفة مُوسَى﴾ وأمَّا الْعَامِل المعنويّ فكأسماء الْإِشَارَة كَقَوْلِك هَذَا زيد قَائِما وإنَّما عمل لأنَّ مَعْنَاهُ أُنَبِّهُ وأشير إِلَيْهِ فِي حَال قِيَامه وَلَا يتَقَدَّم الْحَال على هَذَا الْعَامِل لأنَّه غير متصرف والتقديم تصُّرف فَلَا يُسْتَفَاد بِغَيْر متصِّرف وَأما تَقْدِيمهَا على صَاحب الْحَال فَجَائِز كَقَوْلِك هَذَا قَائِما زيد لأنَّها بعد الْعَامِل فإنْ قيل هلَاّ عملت أَسمَاء الأشارة فِي الْمَفْعُول بِهِ قيل الْمَفْعُول بِهِ غير الْفَاعِل فَلَو عملت فِيهِ أَسمَاء الْإِشَارَة بمعناها لعملت فِيهِ جَمِيع الْحُرُوف نَحْو (مَا) و (همزَة الِاسْتِفْهَام) وَمَعْلُوم أنَّها لَا تعْمل فِيهِ والعلَّة فِي ذَلِك أنَّ معنى الْحَرْف فِي

стр. 250

الِاسْم فَلَو عمل فِيهِ بِمَعْنَاهُ لصار الْعَامِل فِي الِاسْم الْمَعْنى الْقَائِم بِهِ ولأنَّ الْحُرُوف نابت عَن الْجمل فَلَو عملت كَانَت كَالْجمَلِ فأمَّا عمل الْمَعْنى فِي الْحَال فلأنَّها تشبه الظّرْف إِذْ كَانَت تقدّر ب (فِي) إلَاّ أنَّ الظّرْف قد يتَقَدَّم على الْعَامِل المعنويّ بِخِلَاف الْحَال وَالْفرق بَينهمَا من وَجْهَيْن أحدُهما أنَّ الْحَال تشبه الْمَفْعُول بِهِ إِذْ كَانَت ظرفا على الْحَقِيقَة وَالثَّانِي أنَّها تشبه الصّفة وَالْعَامِل فِي الصّفة هُوَ الْعَامِل فِي الْمَوْصُوف والموصوف إمَّا فَاعل وإمَّا مفعول بِهِ فصل فأمَّا تَقْدِيم الْحَال على الْعَامِل إِذا كَانَ ظرفا فقد أجَازه أَبُو الْحسن بِشَرْط تقدُّم الْمُبْتَدَأ عَلَيْهَا كَقَوْلِك زيد قَائِما فِي الدَّار وَتقدم الظّرْف عَلَيْهِمَا كَقَوْلِك فِي الدَّار قَائِما زيد وَلَا يجوز عِنْد الْجَمِيع قَائِما زيدٌ فِي الدَّار وَلَا قَائِما فِي الدَّار زيد واحتجّ بشيئين أحدُهما أنّ تَقْدِيم أحد الجزئين كتقديمهما لتوقّف الْمَعْنى عَلَيْهِمَا وَالثَّانِي أنّ الظّرْف متعلّق بِالْفِعْلِ فكأنّ الْفِعْل ملفوظ بِهِ
следующие страницы →