Полный текст (964 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
واحتجَّ الْآخرُونَ بقوله تَعَالَى (ويكفِّر عَنْكُم من سَيِّئَاتكُمْ) و ﴿يغْفر لكم من ذنوبكم﴾ وَالْمرَاد الْجَمِيع وَالْجَوَاب أنَّ (مِنْ) هُنَا للتَّبْعِيض أَي بعض سَيِّئَاتكُمْ لأنَّ أخفاء الصدقّة لَا يمحِّص كل السَّيِّئَات وأمَّا ﴿من ذنوبكم﴾ فالتبعيض أَيْضا لِأَن الْكَافِر إِذا اسْلَمْ قد يبْقى عَلَيْهِ ذَنْب وَهُوَ مظالم الْعباد الدنيويَّة أَو تكون (من) هُنَا لبَيَان الْجِنْس
فصل
و (إِلَى) لانْتِهَاء الْغَايَة وَهِي مُقَابلَة ل (مِنْ)
وَقَالَ قوم تكون (إِلَى) بِمَعْنى (مَعَ) كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم﴾ و ﴿من أَنْصَارِي إِلَى الله﴾ ﴿ويزدكم قوَّة إِلَى قوَّتكم﴾ ﴿وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ وَهَذَا كلُّه لَا حجَّة فِيهِ بل هِيَ للانتهاء وَالْمعْنَى لَا تضيفوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم وكنَّى عَنهُ بِالْأَكْلِ كَمَا قَالَ ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ أَي لَا تَأْخُذُوا و ﴿من أَنْصَارِي﴾ أَي من ينصرني إِلَى أَن
стр. 317
أُتَّم أمرَ الله أَو موضعهَا حَال أَي من أَنْصَارِي مُضَافا إِلَى الله وَمثله ﴿إِلَى قوَّتكم﴾ وأمَّا قَوْله ﴿إِلَى الْمرَافِق﴾ فَفِيهِ وَجْهَان أحدُهما أنَّها على بَابهَا وَذَاكَ أنَّ الْمرْفق هُوَ الْموضع الَّذِي يتَّكئ الْإِنْسَان عَلَيْهِ من رَأس الْعَضُد وَذَلِكَ هُوَ الْم فصل وفويقه فَيدْخل فِيهِ مِفْصَلُ الذِّرَاع وَلَا يجب فِي الْغسْل أَكثر مِنْهُ وَالثَّانِي أنَّ (إِلَى) تدلُّ على وجوب الْغسْل إِلَى الْمرْفق وَلَا تَنْفِي وجوب غسل الْمرْفق لأنَّ الحدّ لَا يدْخل فِي الْمَحْدُود وَلَا يَنْفِيه التَّحْدِيد كَقَوْلِك سرت إِلَى الْكُوفَة فَهَذَا لَا يُوجب دُخُول الْكُوفَة وَلَا يَنْفِيه وَكَذَلِكَ الْمرْفق إلَاّ أنَّ وجوب غسله ثَبت بالسَّنة
فصل
وَمعنى (عَن) الْمُجَاوزَة والتعدِّي وقولك أخذت الْعلم عَن فلَان مجَاز لأنَّ علمه لم ينْتَقل عَنهُ وَوجه الْمجَاز أَنَّك لّمَّا تلقَّيته مِنْهُ صَار كالمنتقل إِلَيْك عَن مَحَله
стр. 318
فصل
وَقد يكون (عَن) اسْما يدْخل عَلَيْهِ حرف الجرّ فَيكون بِمَعْنى جَانب وناحية قَالَ الشَّاعِر ٦٦
(وَلَقَد أَرَانِي للرماح دريئةً ... مِنْ عَنْ يَمِيني مرَّة وأمامي) // الْكَامِل //
وَهِي إِذا كَانَت اسْما مبنيَّة لشبهها بالحرف فِي نقصانها لأنَّك لَا تَقول جَلَست عَن كَمَا تَقول جَلَست نَاحيَة وجانباً
فصل
وَأما (فِي) فحقيقتها الظرفيَّة كَقَوْلِك المالُ فِي الْكيس وَقد يتجوَّز بهَا فِي غَيرهَا كَقَوْلِك فلَان ينظر فِي الْعلم لأنَّ الْعلم لَيْسَ بظرف على الحقيقه وَلَكِن لَمَّا قيَّد نظره بِهِ وقصره عَلَيْهِ صَار الْعلم كالوعاء الْجَامِع لما فِيهِ
وَقد تكون بِمَعْنى السَّبَب كَقَوْلِه ﷺ وَآله وسلَّم ((فِي النَّفس المؤمنه
стр. 319
مائَة من الْإِبِل)) أَي تجب بقتلها الْإِبِل وَوجه الْمجَاز أنَّ السَّبَب يتضمَّن الحكم وَالْحكم يلازمه فَصَارَ للْحكم كالظرف الْحَافِظ لما فِيهِ
فصل
وأمَّا (على) وَتَكون حرف جرّ وحقيقتها للدلالة على الاستعلاء كَقَوْلِك زيد على الْفرس فَتكون مجَازًا فِيمَا مَا يغلب الأنسانَ كَقَوْلِك عَلَيْهِ كآبة أَي تغلبه وَتظهر عَلَيْهِ وَعَلِيهِ دَيْنٌ أَي لزمَه الانقياد بِسَبَبِهِ كانقياد المركوب لراكبه وَهُوَ معنى قَول الْفُقَهَاء (على) للْإِيجَاب
فصل
وَقد تكون اسْما بِمَعْنى فوْق مبنيّاً وتقلب ألفها يَاء مَعَ الضَّمِير كَقَوْل الشَّاعِر ٦٧ -
(غَدَتْ من عَلَيْهِ بَعْدَمَا تمَّ ظِمْؤها ... تصلُّ وَعَن قيْضِ بزيزاءَ مَجْهَلِ) // الطَّوِيل //
стр. 320
يَعْنِي قطاة فَارَقت بيضها بَعْدَمَا تَّم عطشها وإنَّما بيّنت لنقصانها كَمَا ذكرنَا فِي (عَن) وقلبت ألفها يَاء حملا على حَالهَا وَهِي حرف وألفها من وَاو لأنَّها من علا يَعْلُو
فصل
وأمَّا (لَام الجرَّ) فَمَعْنَاه الِاخْتِصَاص وَهَذَا يدْخل فِيهِ الْملك وَغَيره لأنَّ كلّ ملك اخْتِصَاص وَمَا كلّ اخْتِصَاص ملكا وقولك السرج للدَّابة للاختصاص وَلَام التَّعْلِيل كَقَوْلِك جئتُ لإكرامِك للاختصاص أيْضاً لَا للْملك
فصل
وتكسر هَذِه اللَّام مَعَ الْمظهر غير المنادى وتفتح مَعَ الْمُضمر غير الْيَاء وإنَّما حرَّكت وَأَصلهَا السّكُون لأنَّها مُبْتَدأ بهَا وَفِي كسرهَا وَجْهَان أحدُهما الْفرق بيننها وَبَين لَام الِابْتِدَاء فإنَّها فِي بعض الْمَوَاضِع تَلْتَبِس بهَا فَجعل فِي نَفسهَا مَا يمْنَع من وُقُوع اللّبْس وأُمِنَ اللبسُ فِي الْمُضمر فردَّت إِلَى الأَصْل وَكسرت مَعَ الْيَاء إتباعاً وإنَّما أُمنَ اللبسُ مَعَ الْمضمر لأنَّ الضَّمِير الْوَاقِع بعد لَام الِابْتِدَاء منفصلٌ وَبعد لَام الجرِّ متصَّل واللفظان مُخْتَلِفَانِ وَالْوَجْه الثَّانِي أنَّ اللَّام تعْمل الجرّ فَجعلت حركتها من نفس عَملهَا وَمَعَ الْمُضمر لَا عمل لَهَا فِي اللَّفْظ فَخرجت على الأَصْل ولأنَّ الضمائر تردَّ الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا
стр. 321
فصل
وأمّأ (الْبَاء) فللإصاق فِي الأَصْل وتستعمل فِي غَيره على التَّشْبِيه بالإلصاق كَقَوْلِك مَرَرْت بزيد أَي حاذيته والتصقت بِهِ وَتقول أُخذ بِذَنبِهِ أَي ذَنبه سَبَب لذَلِك وَالسَّبَب يلازمه حكمه غَالِبا والملازمة تقرب من الإلصاق وَتَكون للبدل كَقَوْلِك بِعته بِكَذَا فَهِيَ للمقابلة كَمَا أنَّ السَّبَبِيَّة للمقابلة وَتَكون زَائِدَة وَسَنذكر أقسامها فِي الْحُرُوف
فصل
و (الْكَاف) للتشبيه تكون فِي موضعٍ حرفا لَا غير يجوز أَن تقع صلَة كَقَوْلِك الَّذِي كزيد عَمْرو وَلَو كَانَت هُنَا أسماً لما تَّمت الصِّلَة بهَا وَتَكون فِي مَوضِع اسْما لَا غير مثل أنْ تكون فاعلة كَقَوْل الشَّاعِر ٦٨ -
(أتنتهون ولَنْ ينْهَى ذَوي شطَطٍ ... كالطعن يهلكُ الزيتُ والفتلُ) وَالْفَاعِل لَا يكون إلَاّ اسْما مُفردا وَإِذا دخل عَلَيْهَا حرف الجرّ كَانَت اسْما كَقَوْلِه
стр. 322
٦٩ -
(يَضْحكن عَن كالبَرَدِ الْمُنْهَمَّ ... ) // الرجز // وَتَكون فِي موضعٍ مُحْتَملَة لَهما كَقَوْلِك زيدٌ كعمرو ومررت بِرَجُل كالأسد وَجَاء زيد كالأسد وَتَكون زَائِدَة وَيذكر فِي مَوْضِعه
فصل
فإنْ قيل لم فتحت (الْكَاف) وَكسرت (اللَّام وَالْبَاء) قيل الأَصْل فِي الْحُرُوف الأحاديَّة الْفَتْح لأنَّها يبتدأ بهَا والابتداء بالساكن الَّذِي هُوَ الأَصْل الأوَّل مُحال فحرِّكت والضرورة تنْدَفع بأخفَّ الحركات إلَاّ أنَّ (الْبَاء وَاللَّام) كسرتا لما ذكرنَا قبلُ فأمَّا (الكافُ) فَتكون حرفا وَتَكون اسْما فبعدت من اللَّام وَالْبَاء فردَّت إِلَى ألاصل وَقيل إنَّ الْكَاف من أَعلَى الْحلق فَفِيهَا نوع من استعلاء فَكَسرهَا مستثقل وَقيل هِيَ قريبَة من مخرج الْيَاء فيثقل كسرهَا كَمَا يثقل كسر الْيَاء
فصل
وأمَّا (وَاو الْقسم وتاؤه) ففرعان على الْبَاء فُردَّا إِلَى الْفَتْح الَّذِي هُوَ الأَصْل
стр. 323
فصل
وإنَّما لم تدخل (الْكَاف) فِي الِاخْتِيَار على مُضْمر لتردُّدها بَين الِاسْم والحرف وَذَلِكَ اشْتِرَاك فِيهَا والاشتراك فرع والضمائر تردُّ الْأَشْيَاء إِلَّا أُصُولهَا وَلَا أصل لَهَا ولهذه العلَّة لم تدخل حتَّى على الْمُضمر وَقيل لّمَّا لم تكسر (الْكَاف) لم تدخل على الْمُضمر لأنَّ من الْمُضْمرَات مَا يُوجب كسر مَا قبله وَهُوَ يَاء المتكلِّم فَألْحق بَاقِيهَا بِهِ بِخِلَاف اللَّام وَالْبَاء فأمَّا الْوَاو وَالتَّاء فيذكران فِي الْقسم
فصل
وأمّا (رُبَّ) فحرفٌ عِنْد البصريَّين واسمٌ عِنْد الكوفيِّين وحجَّة الأوَّلين من أوجه أحدُها أنَّ مَعْنَاهَا فِي غَيرهَا فَكَانَت حرفا كَسَائِر أخواتها وَالثَّانِي أنَّ مَا بعْدهَا مجرور أبدا وَلَا معنى للإضافة فِيهَا فتعيَّن أنَّ تكون حرف جر
стр. 324
وَالثَّالِث أنَّها تتعلَّق أبدا بِفعل وَهَذَا حكم حرف الجرّ
وحجّة الآخرين من أوجهٍ أحدُها أنَّه أخبر عَنْهَا فَقَالُوا ٧٠
( ... وربَّ قتل عَار) // الْكَامِل // فَرفع (عَار) يدلُّ أنَّه خبر عَنْهَا وَالثَّانِي أنَّها لوكانت حرف جرّ لظهر الْفِعْل الَّذِي تعدّيه وَلَا يظْهر أبدا وَالثَّالِث أنَّها نقيضّة (كَمْ) وَكم اسْم فَمَا يُقَابله اسْم يدلُّ عَلَيْهِ أنَّها جَاءَت للتكثير ك (كم)
وَالْجَوَاب أمَّا الْإِخْبَار عَن (ربّ) فَغير مُسْتَقِيم لأنَّ (ربّ) لَيْسَ لَهَا معنى فِي نَفسهَا حتَّى يصحَّ نِسْبَة الْخَبَر إِلَيْهَا وَلذَلِك تكون الصّفة تَابِعَة للمجرور ب (ربّ) فِي التَّذْكِير والتأنيث والإفراد وَالْجمع و (ربّ) متَّحدة الْمَعْنى فَعلم أنَّ الْخَبَر لَيْسَ
стр. 325
عَن (ربّ) فأمّا قَوْله ربّ قتل عارٌ فشاذّ وَالْوَجْه فِيهِ أنَّه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي (هُوَ عَار) وَالْجُمْلَة صفة لقتل وأمّا الْفِعْل الَّذِي تتعلَّق بِهِ (ربّ) فَيجوز إضهاره غير أنَّهم اكتفوا بِالصّفةِ عَنهُ فِي كثير من الْمَوَاضِع لظُهُور مَعْنَاهُ وأمَّا حملهَا على (كْم) فَلَا يصحّ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أنَ الأسميَّة لَا تثبت فِي معنى بالإلحاق فِي الْمَعْنى أَلا ترى أنَّ معنى (مِنْ) التبغيض وَلَا يُقَال هِيَ اسْم لأنَّها التَّبْعِيض وَكَذَلِكَ معنى (مَا) النَّفْي وَهِي حرف وَهُوَ اسْم فَعلم أنَّ الأسمَّية تعرف من أَمر آخر وَالثَّانِي أنَّ (كم) اسْم لعدد وَلذَلِك يخبر عَنْهَا وَتدْخل عَلَيْهَا حُرُوف الجرّ وَلَو جعل مَكَانهَا عهدد كثير أغْنى عنهاكقولك مائَة رجل أَو ألف رجل وربّ للتقليل والتقليل كالنفي وَلذَلِك استعملوا (أقلّ) بِمَعْنى النَّفْي كَقَوْلِهِم أقلّ رجل يَقُول ذَاك إلَاّ زيد أَي مَا رجل
فصل
وتُضمر (رُبّ) بعد الْوَاو والجرُّ بهَا وَقَالَ المبرِّد والكوفيُّون الجرّ بِالْوَاو وحجَّة الأوَّلين أنَّ الْوَاو فِي الأَصْل للْعَطْف والعطف يكون للأسماء وَالْأَفْعَال والحروف فَهِيَ غير مُخْتَصَّة وَمَا لَا يختصُّ لَا يعْمل إلَاّ أَن يَنُوب عَن مختّص لَا يظْهر
стр. 326
مَعَه الْبَتَّةَ ك (وَاو الْقسم) فإنَّها تدخل على (الْبَاء) وهما للقسم وَمن هُنَا لم تعْمل حُرُوف الْعَطف لِأَن الْعَامِل يظْهر مَعهَا فَكَذَلِك (وَاو ربّ) هِيَ للْعَطْف وَتدْخل على (ربّ) كَمَا تدخل عَلَيْهَا (الْفَاء) و (بل) وَقد أضمرت بعد (الْفَاء) و (بل) وَلم يقلْ أحدّ إنَّهما تجرَّان فَكَذَلِك الواوفمن (الْفَاء) قَول الشَّاعِر ٧١ -
(فإمَّا تعرضنَّ أميمَ عنِّي ... وينزغْك الوشاةُ أولو النياطِ)
(فحور قد لهوتُ بهنَّ عينٍ ... نواعَم فِي البرود وَفِي الرياط) // الوافر // وَمن بلْ قَول الراجز ٧٢ -
(بل بلدٍ ملءُِ الفِجاج قَتَمُهْ ... لَا يشترى كتَانُه وجَهْرَمُهْ) // الرجز // فَإِن قيل الْوَاو قد تَأتي فِي أوَّل الْكَلَام وَلَيْسَ هُنَاكَ مَعْطُوف عَلَيْهِ قيل إِن لم يكن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي اللَّفْظ فَهُوَ مقدَّر وَهَذِه وَهَذِه طَريقَة للْعَرَب فِي أشعارهم وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ جَوَاب عمَّا يتعلقون بِهِ
стр. 327
فصل
وإنَّما وَجب ل (ربّ) صدرُ الْكَلَام لأنَّها تشبه حُرُوف النَّفْي إِذْ كَانَت للتقليل والقليل فِي حكم المنفيّ وإنَّما أختصَّت بالنكرة لِأَن الْقَلِيل يتصوَّر فِيهَا دون الْمعرفَة وإنَّما لم تدخل على مُضْمر لِأَن الضمائر معارف وأمَّا قولُهم ربّه رجلا فشاذّ مَعَ أنَّ هَذَا الضَّمِير نكره لأنَّه لم يتَقَدَّم قبله ظَاهر يرجع إِلَيْهِ بل وَجب تَفْسِيره بالنكرة بعده وَلم يسْتَعْمل إلَاّ مذكراً مُفردا
فصل
وتُكَفُّ (رُبَّ) ب (مَا) فَتدخل على الْفِعْل الْمَاضِي خاصَّة لأنَّه تحقَّق فأمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿رُبمَا يود الَّذين كفرُوا﴾ فَفِيهِ وَجْهَان أحدُهما أنَّ (مَا) نكرَة مَوْصُوفَة أَي ربّ شَيْء يودّه وَالثَّانِي هِيَ كافَّة وَوَقع الْمُسْتَقْبل هُنَا لأنَّه مَقْطُوع بِوُقُوعِهِ إِذا خَبرا من الله تَعَالَى فَجرى مجْرى الْمَاضِي فِي تحقٌّقه وَقيل هُوَ على حِكَايَة الْحَال
стр. 328
فصل
وَقد حُكيَ تَخْفيف الْبَاء من (رب) وتحريكها بِالْفَتْح وَحكي فتح رائها وَحكي زِيَادَة تَاء التَّأْنِيث عَلَيْهَا فَقيل (ربت) فَمنهمْ من يقف عَلَيْهَا (تَاء) ليفرّق بَين الْحَرْف وَالِاسْم وَمِنْهُم من يقلبها (هَاء) لتحرُّكها كالتاء فِي الِاسْم
وَدخُول التَّاء لَا يدلُّ على أنَّها اسْم لِأَنَّهَا قد دخلت على (ثُمَّ) وَهِي حرف بِلَا خلاف وَكَذَا حذف إِحْدَى اللامين لَا يدلُ على انها اسمٌ من حَيْثُ أنَّ الْحَذف تصرّف والحروف تبعد عَن التَّصرُّف لأنَّ الْحَذف قد جَاءَ فِي الْحُرُوف كَقَوْلِهِم (سَوْ أفعل) فِي سَوف وَفِي ربّ أحسن من اجل التَّضْعِيف
فصل
فأمَّا (حاشا) و (خلا) فيذكران فِي الِاسْتِثْنَاء وأمَّا (حتَّى) فلهَا بَاب وَكَذَلِكَ (مُذْ) و (مُنْذُ)
стр. 329
بَاب مذ ومنذ
وهما حرفان فِي مَوضِع واسمان فِي مَوضِع فَإِذا كَانَ مَعْنَاهُمَا (فِي) فهما حرفان وَإِذا كَانَ مَعْنَاهُمَا تَقْدِير المدَّة وابتداءها فهما اسمان إلَاّ انَّ الْأَكْثَر فِي (مذْ) أَن تسْتَعْمل اسْما وَالْأَكْثَر فِي (منذُ) أَن تسْتَعْمل حرفا وعلّة وَذَلِكَ أنَّ أصل (مذُ) (منْذُ) فحذفت نونها والحذف تصرُّف وَذَلِكَ بعيد فِي الْحُرُوف ويدلُّ على الْحَذف أنَّك لَو سمَّيْت ب (مذ) ثَّم صغَّرته أَو كسّرته أعدتها فَقلت (مُنيذ) و (أمناذ)
فصل
و (مُنْذُ) مُفْرد عِنْد البصريِّين ومركَّب عِنْد الكوفيِّين وَاخْتلفُوا فِي تركيبه فَقَالَ الفرَّاء (من ذُو) الَّتِي بِمَعْنى (الَّذِي) فِي اللُّغَة الطائَّية وَقَالَ غَيره أَصله (من إِذْ) ثَّم حُذف وركَّب وضُمَّ أوَّله دلَالَة على التَّرْكِيب وبنوا على هَذَا الْإِعْرَاب
стр. 330
فَقَالُوا تَقْدِير قَوْلك مَا رَأَيْته مُنْذُ يَوْمَانِ أَي من الَّذِي هُوَ يَوْمَانِ ف (يَوْمَانِ) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَقَالَ الْآخرُونَ هُوَ فَاعل فعل مَحْذُوف أَي من إِذْ مضى يَوْمَانِ
وعَلى قَول البصريَّين (مُنْذُ) مُبْتَدأ و (يَوْمَانِ) خَبره وَالتَّقْدِير أمد ذَلِك يَوْمَانِ أَو أوَّل ذَلِك يومُ الْجُمُعَة وحجَّة البصريَّين أنَّ الأَصْل عدم المركَّب والانتقال عَن الأَصْل يفْتَقر إِلَى دَلِيل ظَاهر وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ وَأكْثر مَا ذكرُوا أنَّ الْمَعْنى يَصح على تَقْدِير التَّرْكِيب وَهَذَا القَدْرُ لَا يَكْفِي فِي الِانْتِقَال عَن الأَصْل وإنَّما يكون حجَّة إِذا انضمَّ إِلَيْهِ تعذُّر الْحمل على غَيره وَهنا يصحّ الْمَعْنى على تَقْدِير كَونهَا مُفْردَة فنفي دَعْوَى التَّرْكِيب تحكُّم لَا يعلم إلَاّ بالْخبر الصَّادِق ثَّم دَعْوَى التَّرْكِيب تفْسد من جِهَة أُخْرَى وَتلك الْجِهَة هِيَ مَا يلْزم من كَثْرَة التَّغْيِير والحذف والشذوذ فالتغيير ضمُّ الْمِيم والحذف إِسْقَاط النُّون وَالْوَاو من (ذُو) وَالْألف من إِذْ وَإِسْقَاط أحد جزئي الصِّلَة أَو حذف الْفِعْل الرافع على جِهَة اللُّزُوم وَذَلِكَ كلّه يُخَالف الْأُصُول
فصل
وَتدْخل (مُنْذُ) على الزَّمن الْحَاضِر فتجرُّه كَقَوْلِك أَنْت عندنَا منذُ الْيَوْم وتقدَّر ب (فِي) وَتَكون حرف جرّ فتتعلَّق بِالْفِعْلِ الَّذِي قبلهَا الْمظهر أَو المقدَّر وَيكون الْكَلَام جملَة وَاحِدَة
فأمَّا دُخُولهَا على الْمَاضِي لأبتداء الْغَايَة أَو تَقْدِير المدَّة فقليل فِي الِاسْتِعْمَال ولكنْ هُوَ جَائِز فِي الْقيَاس
стр. 331
وأمَّا (مُذْ) فَتدخل على الْمَاضِي لابتداء مدَّة الزَّمَان أَو بَيَان جملَة المدَّة فيرتفع مَا بعْدهَا وَتدْخل على الْحَاضِر فتجرّه لأنَّها اسْم فَكَانَ حكُمها أوسع من حكم الْحَرْف وجرَّها الْجَمِيع جَائِز مثل (منذُ) لأنَّها تكون حرفا أَيْضا
فصل
وَإِذا كَانَت للابتداء كَانَ معرفَة كَقَوْلِك مَا رَأَيْته مذ يَوْم الْجُمُعَة لأنَّه جَوَاب مَتى وَإِذا كَانَت لتقدير المدَّة كَانَ مَا بعْدهَا عددا نكرَة كَقَوْلِك مَا رَأَيْته مُنْذُ يَوْمَانِ فإنْ قيل فَمَا الفرقُ بَينهمَا فِي الْمَعْنى قيل لَهُ الَّتِي للإبتداء لَا يمْتَنع مَعهَا أَن تقع الرُّؤْيَة فِي بعض الْيَوْم الْمَذْكُور لأنَّ اللُّزُوم أنْ تكون الرُّؤْيَة قد انْقَطَعت فِيهِ واستمرَّ الإنقطاع إِلَى حِين الْإِخْبَار بِهِ وَالَّتِي تقدَّر بعْدهَا المدَّة لَا يجوز أَن تكون الرُّؤْيَة وجدت فِي بَعْضهَا لأنَّ الْعدَد جَوَاب (كم) فكأنَّك قلت كم زمن انْقِطَاع الرُّؤْيَة فَقَالَ يَوْمَانِ فَإِن قيل مَا الْفرق بَين رفع مَا بعده وجرّه قيل من وَجْهَيْن أحدُهما أنَّك إِذا رفعت كَانَ الْكَلَام جملتين عِنْد الْأَكْثَرين وَإِذا جررت كَانَت وَاحِدَة كَمَا فِي حُرُوف الجرّ وَالثَّانِي أنَّك إِذا رفعت جَازَ أَن تقع الرُّؤْيَة فِي بعض ذَلِك الزَّمَان وَإِذا جررت لم يجز
стр. 332
فصل
وَاخْتلفُوا فِي طَرِيق الرّفْع فَقَالَ الكوفُّيون فِيهِ قَوْلَيْنِ أحدُهما هُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالثَّانِي هُوَ فَاعل فعل مَحْذُوف وَقد ذكرناهما فِي أوَّل الْبَاب
وللبصريَّين مذهبان أحدُهما أنَّ (مذ) مُبْتَدأ وَمَا بعده الْخَبَر وَالتَّقْدِير أوَّل ذَلِك يَوْم الْجُمُعَة وأمد ذَلِك يَوْمَانِ وَهُوَ قولُ الْأَكْثَرين وَالثَّانِي أنَّ (مذ) خبر مقدَّم وَالتَّقْدِير بيني وَبَين انْقِطَاع الرُّؤْيَة يَوْمَانِ وَهُوَ قَول أبي الْقَاسِم الزجَّاجي وَهُوَ بعيد لأنَّ (أنَّ) تقع بعد (مذ) كَقَوْلِك مَا رَأَيْته مذ أنَّ الله خلقني و (أنَّ) لَا تكون مُبْتَدأ
فصل
وَلَيْسَ ل (مُذ) وَمَا بعْدهَا مَوضِع عِنْد الْجُمْهُور بل هُوَ جَوَاب كَلَام مقدَّر لأنَّه إِذا قَالَ مَا رَأَيْته فكأنَّك قلت مَا أمدُ ذَلِك أَو مَا أوَّل ذَلِك فَقلت مذ كَذَا وَقَالَ أَبُو سعيد السيرافيُّ مَوْضِعه حَال أَي مَا رَأَيْته متقدِّماً أَو مقدِّراً
стр. 333
فصل
وإنَّما بنيت (مذْ) وهما اسمان لوَجْهَيْنِ أحدُهما تضمَّنهما معنى الْحَرْف أَي مَا رَأَيْته من هَذَا الأمد إِلَى هَذَا الأمد وَالثَّانِي أنَّهما ناقصتان فأشبهتا (كم) فِي الْخَبَر
بَاب الْقسم
الْقسم لَيْسَ بمصدر (أقسمتُ) بل هُوَ عبارَة عَن جملَة الْيَمين فهوبمعنى الْمقسم بِهِ فَهُوَ كالقبْض والنقْض بِمَعْنى الْمَقْبُوض والمنقوض
فصل
وَالْغَرَض مِنْهُ توكيد الْكَلَام الَّذِي بعده من إِثْبَات أَو نفي
فصل
الْمقسم بِهِ كلّ مُعظم إِلَّا أَنه ﷺ نهى عَن الْحلف بِغَيْر الله تَعَالَى
فصل
وَالْأَصْل فِيهِ (أقْسِمُ) و (أحْلِفُ) لأنَّ ذَلِك يدلُّ بصريحه عَلَيْهِ إلَاّ أنَّ الْفِعْل حُذِفَ لدلَالَة حرف الْجَرّ وَالْجَوَاب عَلَيْهِ
فصل
وأصل حُرُوف الْقسم (الْبَاء) لأنَّ فعل الْقسم يتعدَّى بهَا دون غَيرهَا وَلذَلِك جَازَ الْجمع بَين الْفِعْل وَالْبَاء وَلم يجز إِظْهَار الْفِعْل مَعَ الولو وَالتَّاء
стр. 334
فصل
وَتدْخل (الْبَاء) على الْمُضمر والمظهر لِأَنَّهَا أصل فتجري فِي كلِّ مقسم بِهِ
فصل
و (وَاو) الْقسم بدل من الْبَاء لأنَّهم أَرَادوا التَّوسعَة فِي أدوات الْقسم لكثرته فِي كَلَامهم و (الولو) تشبه الْيَاء من وَجْهَيْن أحدُهما أنَّ الْبَاء للإلصاق وَالْوَاو للْجمع والمعنيان متقاربان وَالثَّانِي أنَّهما جَمِيعًا من الشفتين فأمَّا الْفَاء وَإِن كَانَت من الشفتين فَفِيهَا معنى غير الْجمع وَهُوَ التَّرْتِيب فِي الْعَطف وَالْجَوَاب وَلكَون الْوَاو بَدَلاً لَا تدخل على الْمُضمر لأنَّه بدل من الْمظهر فَلم يجْتَمع بدلان
فصل
و (التَّاء) بدل من (الْوَاو) هُنَا كَمَا أبدلت فِي (تراث وتجاه وتهمة وتخمة) ولَمَّا كَانَت بَدَلا عَن بدل اختصَّت لِضعْفِهَا باسم الله تَعَالَى خاصَّة لأنَّه أَكثر فِي بَاب الْقسم وَلَا يجوز (تَرَبِّي) وَقد حُكي شاذّاً
فصل
وَقد استعملوا (اللَّام) فِي الْقسم إِذا أَرَادوا التعجُّب كَقَوْلِهِم لله أَبوك لقد فعلت وَإِنَّمَا جاؤوا بهَا دون الْحُرُوف الأُوَل ليعلم أنَّ الْقسم قد انضمَّ إِلَيْهِ أمرٌ آخر وَكَانَت اللَّام أوْلى بذلك لما فِيهَا من الِاخْتِصَاص والمقسم بِهِ مَعَ التَّعَجُّب مختصّ
стр. 335
فصل
وَقد قَالَ بَعضهم إنَّ (من) الجارّة تسْتَعْمل فِي الْقسم مَعَ (رَبِّي) وَمَعَ (الله) وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ محذوفة من (ايمن) وَسَيَأْتِي القَوْل فِيهَا
فصل
وَقد عوَّض من حرف الْقسم ثَلَاثَة أَشْيَاء همزَة الِاسْتِفْهَام كَقَوْلِك الله وَالْهَاء كَقَوْلِك إيها الله ولاها الله ف (إِي) بِمَعْنى (نَعْمَ) وَقطع الْهمزَة كَقَوْلِك أفألله وَهَذَا كلُّه يخْتَص باسم الله والجرُّ بَاقٍ
وَقد أختص اسْم الله بأَشْيَاء مِنْهَا هَذَا وَمِنْهَا (تَاء) الْقسم وَمِنْهَا زِيَادَة الْمِيم فِي النداء وَمِنْهَا قطع همزته فِيهِ أَيْضا وَمِنْهَا تفخيم لامه
стр. 336
فصل
فإنَّ حذفت حُرُوف الْقسم وعوَّضته نصبت بِالْفِعْلِ المقدَّر وَهُوَ كَقَوْلِهِم ٧٣ -
(أَمرتك الْخَيْر ... ) // الْبَسِيط // والجرُّ جَائِز فِي اسْم الله تَعَالَى خاصَّة لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله فِي الْقسم وَقَالَ الكوفيُّون يجوز ذَلِك فِي كلِّ مقسم بِهِ واحتجُّوا لذَلِك بأَشْيَاء كلُّها شاذّ قليلٌ فِي الِاسْتِعْمَال لَا يقاسُ عَلَيْهِ لأنَّ حرف الجرّ كجزء من الْمَجْرُور وكجزء من الْفِعْل من وَجه آخر فَحَذفهُ كحذف جُزْء مِنْهُمَا إِذا بَقِي عمله فأمَّا إِذا لم يبْق فَالْعَمَل للْفِعْل وَلِهَذَا لم يكن الضَّمِير الْمَجْرُور إلَاّ مُتَّصِلا ولأنّ عمل حرف الجرّ قَلِيل ضَعِيف على حسب ضعفه وإبقاء الْعَمَل مَعَ حذف الْعَامِل أثرُ قوَّته وتصرُّفه
فصل
وَقد حذف الْقسم وأقيمت الْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَالْفِعْل وَالْفَاعِل مقَامه فَالْأولى كَقَوْلِك لعمرك لأقومنَّ ف (عمرك) مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي لعمرك قسمي وَحذف لطول الْكَلَام وأنَّه مَعْلُوم وَعين (عَمْرك) مفتوحةٌ فِي الْقسم
стр. 337
لَا غير وَيجوز ضمُّها فِي غَيره واختاروا الفتحة لكثرته ولطول الْكَلَام فإنْ حذفت اللَّام نصبت (عَمْرَك) على فعل مَحْذُوف ونصبت إسم الله وَفِيه وَجْهَان أحدُهما أنَّ التَّقْدِير أَسأَلك بتعميرك اللهَ أَي باعتقادك بقاءَ الله ف (تعميرك) مفعول ثَان و (الله) مَنْصُوب بِالْمَصْدَرِ وَالثَّانِي أَن يَكُونَا مفعولين أَي أسأَل الله تعميرك
وأمَّا الْجُمْلَة الفعلية فكقولك يَمِين الله فَإِن نصبت كَانَ التَّقْدِير ألزمك وَالْتزم يَمِين الله وَإِن رفعت كَانَ التَّقْدِير يَمِين الله لَازِمَة لي أَو لَك
فصل
وَجَوَاب الْقسم إِن كَانَ إِيجَابا لَزِمته اللَّام وَالنُّون فِي الْمُسْتَقْبل كَقَوْلِك وَالله لأذهبنَّ وإنّما لَزِمَهَا لدلالتها على التوكيد وحاجة الْقسم إِلَيْهِ وربَّما جَاءَ فِي الشّعْر حذف اللَّام
وَقد يكون الْجَواب مُبْتَدأ وخبراً كَقَوْلِك وَالله لزيدٌ منطلق وو الله إنَّ زيدا لمنطلق وإنْ كَانَ الْجَواب مَاضِيا قلت وَالله لقد قَامَ زيدٌ فتؤكد بِاللَّامِ وَإِن
стр. 338
كَانَ الْجَواب نفيا قلت وَالله مَا قَامَ وَوَاللَّه لَا يقوم وَيجوز حذف (لَا) فِي الْمُسْتَقْبل لأمن اللّبْس بالإثبات لأنَّه فِي الْإِثْبَات تلْزمهُ وَالنُّون
فَإِن قيل لم أكّد الْإِثْبَات دون النَّفْي قيل لأنَّ فِي الْإِثْبَات الْتِزَام إِحْدَاث الْفِعْل أَو مَا يقوم مقَامه وَفِي ذَلِك كلفة فاحتيج فِيهِ إِلَى زِيَادَة توكيد تحمل على الِانْتِقَال عَن الأَصْل وَتحمل المشقَّة بِخِلَاف النَّفْي فإنَّه بَقَاء على الْعَدَم
فصل
وَإِذا قلت لزيد منطلق من غير يَمِين فِي اللَّفْظ فَلَيْسَتْ لَام الْقسم بل لَام الِابْتِدَاء
وَقَالَ الكوفيُّون هِيَ لَام الْقسم قَالُوا وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أنَّها تدخل على الفضلات كَقَوْلِك لطعامَكَ زيدٌ آكل وَلَيْسَ الطَّعَام بمبتدأ وَحجَّة البصريِّين أنَّ اللَّام إِذا دخلت على مفعول (ظَنَنْت) ارْتَفع بِالِابْتِدَاءِ وَلم يُمكن تَقْدِير الْقسم فِيهِ لأنَّ (ظَنَنْت) لَا تلغى بالقسم فَعلم أَن تَعْلِيق
стр. 339
(ظَنَنْت) لتحقّق الِابْتِدَاء كَمَا تعلّق بالاستفهام كَقَوْلِهِم علمت أيُّهم أَخُوك وأمَّا قَوْلهم طعامَك زيد آكل فإنَّما جَازَ لأنَّها فِي حيِّز الْخَبَر إِذْ كَانَت معمولة لَهُ مقدّمة عَلَيْهِ فكأنَّها دَاخِلَة على الْمُبْتَدَأ
فصل
وممَّا يسْتَعْمل فِي الْقسم (ايمن الله) وَهِي مُفْردَة عِنْد البصريِّين واشتقاقها من الْيمن أَي الْبركَة أَو القوّة
وَقَالَ الكوفيُّون هِيَ جمع يَمِين واحتجَّ الأوَّلون بشيئين أحدُهما كسر همزتها فإنَّها لُغَة مسموعة وهمزة الْجمع لَا تكسر وَالثَّانِي أنَّها همزَة وصل بِدَلِيل قَول الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ٧٤ -
(فَقَالَ فريق الْقَوْم لَمَّا نشدتهم ... نَعَمْ وفريقٌ لَا يْمُنُ الله مَا نَدْرِي) // الطَّوِيل // وهمزة الْجمع لَيست همزَة وصل
стр. 340
واحتجَّ الْآخرُونَ من وَجْهَيْن أحدُهما أنَّه جمع يَمِين كَقَوْل الشَّاعِر ٧٥
( ... يبري لَهَا من أيْمُنٍ وأشمل) // الرجز // فقابلها بالأشمل وَفِي جمعهَا فِي الْقسم زِيَادَة توكيد وَالثَّانِي أنَّ همزتها مَفْتُوحَة وهمزة الْوَصْل لَا تفتح مَعَ غير لَام التَّعْرِيف
وَالْجَوَاب أمَّا الأوَّل فَلَا حجَّة فِيهِ لأنَّنا لَا ننكر أنَّ الْيَمين يجمع على (أَيمن) فِي غير الْقسم وأمَّا مَا ذَكرُوهُ فَلَا تعرّض لَهُ بالقسم وأمَّا فتح همزتها فلغة فِيهَا وللعرب فِيهَا لُغَات فتح الْهمزَة وَكسرهَا مَعَ النُّون وَفتحهَا وَكسرهَا مَعَ حذف النُّون كَقَوْلِك (ايم الله) وَالْخَامِسَة (آم الله) بِكَسْرِهَا وَفتحهَا مَعَ حذف الْيَاء وَالنُّون و (مِنُ الله) بضمَّ الْمِيم وَكسرهَا و (مُ الله) بِالضَّمِّ وَالْكَسْر
وَقَالَ سبيويه إنَّ (من) هُنَا حرف جرّ وَلَيْسَت الْبَاقِيَة من (ايمن) ولوجعلت هَذِه الْحُرُوف والتصرَّفات فِي هَذِه الْكَلِمَة دَلِيلا على أنَّها لَيست جمعاُ كَانَ متمسّكاً صَحِيحا
стр. 341
بَاب حتَّى
وَهِي حرف بِلَا خلاف وَتدْخل على الْمُفْرد وَالْجُمْلَة الأسمَّية وَالْفِعْل فدخولُها على الْفِعْل يذكر حكمه فِي نواصب الْأَفْعَال وأمَّا دُخُولهَا على الْجُمْلَة فَلَا يؤثَّر فِيهَا لفظا وَلَا تَقْديرا وَذَلِكَ كَقَوْل الشَّاعِر ٧٦ = -
(فواعجبا حتَّى كليبٌ تسبّني ... كَأَن أَبَاهَا نَهْشلُ أوْ مُجاشعُ) // الطَّوِيل // وأمَّا دخولُها على الْمُفْرد فعلى ضَرْبَيْنِ أحدُهما أنَّ تجر ك (إِلَى) وَالثَّانِي أَن تكون عاطفة ك (الْوَاو)
فصل
وَمعنى (حتَّى) اللَّازِم لَهَا الْغَايَة فِي التَّعْظِيم والتحقير
стр. 342
فَأَما عَملهَا فَلَيْسَ بِأَصْل بل مَحْمُول على غَيرهَا لأنهَّا لمَّا دخلت على الْجُمْلَة تَارَة وَبِمَعْنى (إِلَى) أُخْرَى وَبِمَعْنى (الْوَاو) ثَالِثَة وَبِمَعْنى (كي) رَابِعَة لم يكن لَهَا اخْتِصَاص تعْمل بِسَبَبِهِ لأنَّ هَذِه الْمعَانِي تكون فِي الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال
فصل
وإنّما عملت عمل (إِلَى) لأنَّ إِلَى لانْتِهَاء الْغَايَة و (حتَّى) تشاركها فِي ذَلِك فَعمِلت عَملهَا فِي الْموضع الَّذِي يصحُّ دُخُول (إِلَى) فِيهِ
فصل
وتفارق (حتَّى) إِلَى فِي أَشْيَاء أحدُها أنَّ مَا بعد حتَّى يدْخل فِي حكم مَا قبلهَا كَقَوْلِك قَامَ الْقَوْم حتَّى زيد ف (زيد) هُنَا دخل فِي الْقيام وَلَا يلْزم ذَلِك فِي قَوْلك قَامَ الْقَوْم إِلَى زيد وَالثَّانِي أنَّ مَا قبل (حتَّى) يجب أَن يكون جمعا كَقَوْلِك قَامَ الْقَوْم حتَّى زيد وَلَو قلت قَامَ عَمْرو حتَّى زيد لم يجز وعلَّة ذَلِك أنَّ (حتَّى) تدلُّ على بُلُوغ الْعَمَل غَايَته وَلَفظ الْوَاحِد لَا يتَنَاوَل أَكثر مِنْهُ بِحَيْثُ يجوز تَخْصِيصه بِبَعْضِه
стр. 343
بِخِلَاف لفظ الْجمع فإنَّهُ جَازَ أَن يُضَاف الْفِعْل إِلَى الْقَوْم وَلَا يُرَاد دُخُول (زيد) فيهم لِعِظَمِهِ أَو حقارته فَإِذا جِئْت ب (حتَّى) أزلَّت هَذَا الْجَوَاز وتنزَّلتْ (حتَّى) منزلَة التوكيد الْمَانِع من التَّخْصِيص وَالثَّالِث أنَّ (إِلَى) تدخل على الْمُضمر و (حتَّى) لَا تدخل عَلَيْهِ وعلَّة ذَلِك أنَّه لمَّا لزم أنَّ يكون قبلهَا جمع وَمَا بعْدهَا واحدٌ مِنْهُ لم يتقدَّم على (حتَّى) اللَّفْظ الظَّاهِر ليعود الضَّمِير إِلَيْهِ فَلَمَّا أضمر لم يكن لَهُ ظَاهر يعود عَلَيْهِ ضمير كَقَوْلِك قَامَ الْقَوْم حَتَّى زيد ف (زيد) لم يتقدَّم لَهُ ذكر يعود عَلَيْهِ ضمير
فصل
وَإِنَّمَا جَازَ أَن تقع (حتَّى) بِمَعْنى (الْوَاو) لأنَّ الْوَاو للْجمع و (حتَّى) للغاية والشمول والمعنيَّان متقاربان
فصل
وتفترقان فِي أَشْيَاء أحدُها أَن مَا قبلهَا يجب أَن يكون جمعا لما تقدَّم وَالثَّانِي أنْ يكون مَا بعْدهَا من جنس مَا قبلهَا فَلَو قلت جَاءَ النَّاس حتَّى الْحمير لم يجز لمَّا ذكرنَا من إِفَادَة معنى الْغَايَة والتوكيد
стр. 344
وَالثَّالِث أنَّ الْوَاو تضمر بعْدهَا (ربّ) وَلَا تُضمر بعد (حتَّى)
مَسْأَلَة
تَقول مَرَرْت بهم حتَّى زيدٍ إنْ جَعلتهَا بِمَعْنى (إِلَى) لم تحْتجْ إِلَى إِعَادَة الْبَاء وإنْ جَعلتهَا كالواو أعدت الْبَاء كَمَا تعيدها مَعَ الْوَاو
مَسْأَلَة
تَقول أكلت السَّمَكَة حتَّى رأسِها أَكلته فلك فِيهِ الرّفْع بِالِابْتِدَاءِ وَمَا بعده خبر وَالنّصب على وَجْهَيْن أحدُهما أَن تنصبه بِمَعْنى الْوَاو فَيكون (أَكلته) توكيداً وَالثَّانِي أَن تنصبه بِفعل مَحْذُوف دلَّ عَلَيْهِ مَا بعده أَي حتَّى أكلت رَأسهَا ف (حتَّى) على هَذَا دَاخِلَة على الْجُمْلَة تَقْديرا والجر بِمَعْنى (إِلَى) وأكلته توكيد لَا غير وَمثل ذَلِك قَول الشَّاعِر ٧٧ -
(ألْقى الصَّحِيفَة كي يخفِّف رَحْله ... والزاد حَتَّى نعلِّة أَلْقَاهَا) يرْوى (نعلَه) بالأوجه الثَّلَاثَة
стр. 345
فإنْ لم تقلْ (أَكلته) جَازَ الجرّ بِمَعْنى (إِلَى) وَالنّصب بِمَعْنى (الْوَاو) وَالرَّفْع على الإبتداء وَالْخَبَر مَحْذُوف وَمنع الزجاجيُّ الرّفْع فِي كتاب الْجمل وَهُوَ إمَّا سهوٌ وإمَّا إنْ يُرِيد أَن الرّفْع بِمَعْنى الْوَاو الْوَاو لَا يجوز فأمَّا على تَقْدِير الإبتداء وَحذف الْخَبَر لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ فَلَا مَانع مِنْهُ
مَسْأَلَة
تَقول اجْلِسْ حتَّى إِذا جَاءَ زيد أَعطيتك ف (حتَّى) هُنَا غير عاملة لأنَّ (إِذا) يعْمل فِيهَا جوابُها النصب على الظّرْف فتغلوا (حتَّى) لدخولها على الْجُمْلَة تَقْديرا وَتصير كالفاء فِي ربط مَا بعْدهَا بِمَا قبلهَا فِي الْمَعْنى
стр. 346
بَاب الْإِضَافَة
الْإِضَافَة فِي اللُّغَة الْإِسْنَاد قَالَ امْرُؤ الْقَيْس ٧٨
(فلَمَّا دخلناه أضفنا ظُهُورنَا ... إِلَى كل حاريّ جَدِيد مُشطَّبِ) // الطَّوِيل // أَي أسندناها وَبِهَذَا الْمَعْنى فِي هَذَا الْبَاب لأنَّ الِاسْم الأوَّل ملتصق بِالثَّانِي ومعتمد عَلَيْهِ كاعتماد الْمُسْتَند بِمَا يسْتَند إِلَيْهِ
فصل
وَإِنَّمَا حذف التَّنْوِين من الأوَّل لوَجْهَيْنِ أحَدُهما أنَّ التَّنْوِين تدلُّ على إنتهاء الإسم وَالْإِضَافَة يدلُّ على احْتِيَاج الأوّل إِلَى الثَّانِي فَلم يجتمعا وَالثَّانِي أنَّ التَّنْوِين فِي الأَصْل يدل على التنكير وَالْإِضَافَة تخصّص فَلم يجتمعا
стр. 347
فصل
وأمَّا جرُّ الثَّانِي بالأوَّل فلأنَّ الْإِضَافَة تقدَّر بِحرف الجرّ ولكنَّه حذف ليحصل التَّخْصِيص أَو التَّعْرِيف فناب الإسم عَن الْحَرْف فَعمل عمله كَمَا يعْمل الِاسْم عمل الْفِعْل فِي مَوَاضِع وَلَيْسَ فِي الْإِضَافَة تَقْدِير حرف على جهةِ التضُّمن إذْ لَو كَانَ كَذَلِك لأوجب الْبناء
فصل
وَالْإِضَافَة تكون بِمَعْنى (اللَّام) وَبِمَعْنى (مِنْ) نَحْو غُلَام زيد وأثواب خزّ ويتبيَّن الْفرق بَينهمَا بأَشْيَاء مِنْهَا أنَّ الَّتِي بِمَعْنى (اللَّام) يكون الثَّانِي فِيهَا غير الأوَّل فِي الْمَعْنى وَالَّتِي بِمَعْنى (مِنْ) يكون الأوَّل فِيهَا بعض الثَّانِي وَمِنْهَا أنَّ الَّتِي بِمَعْنى (اللَّام) لَا يصحّ فِيهَا أنْ يُوصف الأوَّل بِالثَّانِي وَالَّتِي بِمَعْنى (مِنْ) يصحُّ فِيهَا ذَلِك وَمِنْهَا أَن الَّتِي بِمَعْنى (اللَّام) لَا يَصح فِيهَا أنْ ينْتَصب الثَّانِي على التَّمْيِيز للأوَّل وَالَّتِي بِمَعْنى (من) يصحُّ فِيهَا ذَلِك كَقَوْلِك هَذَا بَاب حديدا
стр. 348
فَإِن قيل (يَد زيد) من أيّ الإضافتين قيل مِنَ الَّتِي بِمَعْنى اللَّام لأنَّ العلامات الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي اللَّام تُوجد فِيهَا دون الْأُخْرَى
فإنْ قيل ف (كلُّ الْقَوْم) من أيّهما قيل من اللَّام لمَّا تقدَّم أَلا ترى أنَّ (كلاًّ) عبارَة عَن مَجْمُوع أَجزَاء الشَّيْء الْمُضَاف إِلَيْهِ والمجزَّأُ غيرُ الْأَجْزَاء وَلذَلِك لَا تَقول الْقَوْم كلٌّ وَلَا الكلُّ قومٌ
فصل
وَالْإِضَافَة الْمَحْضَة تعرّف إِذا كَانَ الثَّانِي معرفَة كَقَوْلِك غُلَام زيد وَصَاحب الرجل فيتعدّى التَّعْرِيف من الثَّانِي إِلَى الأوَّل لتخصُّصه بِهِ
وأمَّا غير الْمَحْضَة فَهِيَ على ضَرْبَيْنِ أحدُهما لَا يحصل مِنْهَا تَعْرِيف وَذَلِكَ فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع أحدُها إِضَافَة (مثل) ونظائره كَقَوْلِك زيد مثل عَمْرو لأنَّ (مثلا) يقدِّر فِيهَا التَّنْوِين إِذْ كَانَت الْمُمَاثلَة بَين الشَّيْئَيْنِ لَا تقع من وَجه مَخْصُوص وَكَذَلِكَ (غير) لأنَّ المثلَيْنِ من وَجه غيران من وجهٍ آخر وَكَذَلِكَ الغَيْران مثلان من وَجه آخر فإنْ وَقعا بَين متماثلين من كلِّ وَجه أَو متغايرين من كلِّ وَجه تعرَّفا كَقَوْلِك الْحَرَكَة غير السّكُون /
стр. 349
وَالثَّانِي أَسمَاء الفاعلين والمفعولين العاملة عمل الْفِعْل لأنَّ التَّنْوِين فِيهَا مقدَّر مُرَاد وَحذف تَخْفِيفًا وانجرَّ الثَّانِي لوُجُود لفظ الْإِضَافَة كَقَوْلِك زيد ضَارب عمروٍ غَدا وَالثَّالِث الصّفة المشبهة باسم الْفَاعِل نَحْو حسن الْوَجْه لأنَّ التَّنْوِين فِيهَا مُرَاد أَيْضا وَالتَّقْدِير مَرَرْت بِرَجُل حسنٍ وَجهه وَالضَّرْب الثَّانِي يحصل فِيهِ التَّعْرِيف وذلكْ فِي موضِعين أحدُهما إِضَافَة (أفعل) كَقَوْلِك زيدٌ أفضل الْقَوْم ف (أفضل) معرفَة عِنْد الْأَكْثَرين وأفعل هَذِه تسْتَعْمل على ثَلَاثَة أوجه أحدُها ب (مِنْ) كَقَوْلِك زيدٌ أفضل من عَمْرو وَهَذِه نكرَة وَالثَّانِي الْألف وَاللَّام كَقَوْلِك زيد الْأَفْضَل وَالثَّالِث الْإِضَافَة
فصل
و (أفعل) هَذِه تُضَاف إِلَى مَا هِيَ بعضٌ لَهُ وَلذَلِك لَا تَقول زيدٌ أشدُّ الْحِجَارَة وَلَا أفضل الْحمير لأنَّه لَيْسَ مِنْهُمَا وَمن هَهُنَا إِذا قلت زيدٌ أفره عبدٍ فجررت كَانَ زيدا عبدا وَالتَّقْدِير زيدا أفره العبيد وإنَّ قلت زيدٌ أفره عبدا فَنصبت لم يكن زيدٌ عبدا وَالْمعْنَى عبيدُه أفرهُ من عبيدِ غَيره
وَمن الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة أفضل إخْوَته لَا يجوز لأنَّ إِضَافَة أفضل إِلَيْهِم
стр. 350
توجب أنَّ يكون وَاحِدًا مِنْهُم وإضافتهم إِلَيْهِ تدلُّ على أنَّه غَيرهم لأنَّ الشَّيْء لَا يُضَاف إِلَى نَفسه فيتنافيان وَلذَلِك لَو قيل مَنْ إخْوَته لم تعدّه مِنْهُم وَلَو قيل زيدُ أفضل الْإِخْوَة جَازَ لأنَّه وَاحِد مِنْهُم وَلذَلِك تعدَّه مِنْهُم
فصل
وأمَّا الضَّرْب الثَّانِي فَهُوَ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى مايصحُّ أنْ يكون صفة لَهُ ك (صَلَاة الأوَّلى وَمَسْجِد الْجَامِع وجانب الغربيّ) فيجعلونه على غير مَحْض لأنَّ الأَصْل أَن تَقول الصَّلَاة الأولى وَالْمَسْجِد الْجَامِع وَلَكِن لّمَّا أضيف تؤول على حذف مَوْصُوف تَقْدِيره صَلَاة السَّاعَة الأوَّلى وَمَسْجِد المكانِ الْجَامِع وَمن هَذَا الْوَجْه لم يكن مَحْضا إلَاّ أَن التَّعْرِيف يحصل بِهِ
مَسْأَلَة
لَا تجوز إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه وإنّ أختلف اللفظان وَأَجَازَ الكوفيُّون ذَلِك إِذا أختلف اللفظان
وحجَّة الأوَّلين أَن الْغَرَض بِالْإِضَافَة التَّخْصِيص وَالشَّيْء لَا يخصص نَفسه وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ كلّ شَيْء مخصّصاً واحتجَّ الْآخرُونَ بِإِضَافَة الشَّيْء إِلَى صفته كنحو مَا ذكرنَا وَمِنْه ﴿الدَّار الْآخِرَة﴾
стр. 351
) و ﴿حَبل الوريد﴾ و ﴿وَحب الحصيد﴾ وَالثَّانِي هُوَ الأوَّل
وَالْجَوَاب أنَّ جَمِيع مَا ذَكرُوهُ متأوَّل على غير ظَاهره وَذَلِكَ أنَّ التَّقْدِير دَار السَّاعَة الْآخِرَة وَقد سَمَّاهَا الله تَعَالَى (سَاعَة) فِي نَحْو قَوْله ﴿وَيَوْم تقوم السَّاعَة﴾ وأمَّا حَبل الوريد فعلى ذَلِك أَيْضا وَالتَّقْدِير حَبل الشَّرَاب الوريد وَالدَّم الوريد أَي الْوَارِد فِيهِ وفعيل بِمَعْنى فَاعل كثير وأمَّا حَبُّ الحصيد قتقديره حبّ الزَّرْع الحصيد لأنَّ الَّذِي يحصد هُوَ الزَّرْع لَا الحبّ
مَسْأَلَة
تجوز إِضَافَة الزَّمَان إِلَى الْفِعْل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿هَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم﴾ وَلَا تجوز إِضَافَة غير الزَّمَان إِلَيْهِ لأنَّ بَين الزَّمَان وَالْفِعْل مُنَاسبَة إِذْ كَانَ الْفِعْل يدلُّ على الزَّمَان [فكأنَّك أضفت زَمَانا عامّاً إِلَى خَاص فتخصص لِأَن الْفِعْل يدل على زمَان] مَاض أَو مُسْتَقْبل وَالَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ لم يكن مَاضِيا بِلَفْظِهِ وَلَا مُسْتَقْبلا كَالْيَوْمِ والساعة
стр. 352
فأمَّا (أمس) و (غَد) فَلَا يُضَاف إِلَى الْفِعْل لأنَّه مَخْصُوص كتخصيص زمن الْفِعْل وإنْ شِئْت قلت الْفِعْل هُنَا فِي تَقْدِير الْمصدر فَلذَلِك أضيف إِلَيْهِ إلَاّ أنَّ الْمصدر لَا يدلُّ على الْحَدث وَالْفِعْل يدلَّ عَلَيْهِ
стр. 353
بَاب التوكيد
التوكيدُ تمكينُ الْمَعْنى فِي النَّفس وَيُقَال توكيد وتأكيد ووكَّد وأكَّد وبالواو جَاءَ الْقُرْآن ﴿وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها﴾ وَلَفظه على ضَرْبَيْنِ أحدُهما إِعَادَة الأوَّل بِعَيْنِه وَيكون ذَلِك فِي الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال والحروف والجمل وَالثَّانِي غير لفظ الأوَّل وَلَكِن فِي مَعْنَاهُ
فصل
وَالْغَرَض من ذكره إِزَالَة الاتساع وَذَلِكَ أنَّ الِاسْم قد ينْسب إِلَيْهِ الْخَبَر وَيُرَاد بِهِ غَيره مجَازًا كَقَوْلِك جَاءَنِي زيد فَإِنَّهُ قد يُرَاد جَاءَنِي غُلَامه أوكتابه وَمِنْه عمر السُّلْطَان دَارا أوحفر نَهرا أَي أَصْحَابه بأَمْره فَإِذا قلت جَاءَ زيدُ نَفسه كَانَ هُوَ الجائي حَقِيقَة وَقد يذكر العامّ وَيُرَاد بِهِ الْخَاص كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إنَّ النَّاس قد جمعُوا لكم﴾ وَالْمرَاد بَعضهم فَإِذا قلت قَالَ الناسُ كلهم لم يحْتَمل بَعضهم
стр. 354
فصل
ويوكد الْوَاحِد بلفظين (نَفسه) و / (عينه) وهما عبارتان عَن حَقِيقَة ويوكد الِاثْنَان ب (كلا) و (كلتا) وَالْجمع ب (كلّهم) و (أجمع) و (أَجْمَعِينَ) و (جَمْعَاء) و (جمع) لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ مَوْضُوعَة لحصر أَجزَاء الشَّيْء والإحاطة بهَا فَمَا لَا يتَجَزَّأ لَا تدخل عَلَيْهِ لعدم مَعْنَاهَا فِيهِ أَلا ترى أنَّك لَو قلت كتب زيد كلُّه أَو أجمع لم يكن لَهُ معنى كَمَا يكون فِي قَوْلهم كتب الْقَوْم كلُّهم
فصل
وَلَا توكّد النكرات وَأَجَازَهُ الكوفيَّون
وحجَّة الأوَّلين من وحهين أَحدهمَا أنَّ التوكيد كالوصف وَأَلْفَاظه معارف والنكرة لَا تُوصَف بالمعرفة وَالثَّانِي أنَّ النكرَة لَا تثبت لَهَا فِي النَّفس عين تحْتَمل الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَيُفَرق بالتوكيد بَينهمَا بِخِلَاف الْمعرفَة أَلا ترى أنَّك لَو قلت جَاءَنِي رجل لم يحْتَمل أَن تفسَّره
стр. 355
بِكِتَاب رجل لأنَّ الْمجَاز فِي هَذَا الِاسْتِعْمَال لَا يغلب حتَّى يدْفع بالتوكيد بِخِلَاف لَفْظَة (الْقَوْم) فإنَّه يغلب اسْتِعْمَالهَا فِي الْأَكْثَر فَإِذا أردْت الْجَمِيع أكَّدت لرفع الْمجَاز الْغَالِب وَمثل ذَلِك الِاسْتِثْنَاء فإنَّه دخل الْكَلَام ليرْفَع حمل لفظ الْعُمُوم على الأستغراق لأنَّه يسْتَعْمل فِيهِ غَالِبا
احتّج الْآخرُونَ بإنَّ ذَلِك قد جَاءَ فِي الشّعْر فَمن ذَلِك قَول ٧٩ -
(أرمي عَلْيها وَهِي فرعُ أجمعُ ... وَهِي ثَلَاث أَذْرع واصبع) // الرجز // وَقَالَ الآخر ٨٠ -
(إِذا الْقعُود كرّ فِيهَا حفدا ... يَوْمًا جَدِيدا كلّه مطرّدا) // الرجز // وَقَالَ آخر ٨١ -
( ... قد صرتّ البكرة يَوْمًا أجمعا) // الرجز // وَالْجَوَاب عَن هَذِه الابيات من وَجْهَيْن
следующие страницы →