Полный текст (964 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
شيءٍ وَاحِد حذفُ شَيْئَيْنِ وَلَا يلْزم من حذفِ مَا عَلَيْهِ دليلٌ وَهُوَ حرف المضارعة حذفُ مَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ
وَالثَّانِي أنَّ ذلكَ شاذٌّ سوَّغته الضَّرُورَة
وأمَّا الْوَجْه الثَّانِي فليسَ بشيءٍ لأنَّ البناءَ يُذهبُ الحركةَ فيذهبُ الحرفَ القائمَ مقامَها وحروفُ العلّة قَامَت مقامَ الْحَرَكَة على مَا نبيِّنه
مَسْأَلَة
الفعلُ المضارعُ أُعربَ لِشَبَهِهِ بِالِاسْمِ من أوجه
أَحدهَا أنَّه يكونُ شَائِعا فتخصصَ بالحرف كَقَوْلِك زيد يصلِّي فَيحْتَمل أنْ يكونَ فِي الصَّلَاة وأنْ يكونَ لم يشرعْ فِيهَا وَإِذا قلت سيصلي اخْتصَّ كَمَا أنَّ رجلا يحتملُ غيرَ واحدٍ ثمَّ يختصُّ بواحدٍ بِالْألف وَاللَّام
وَالثَّانِي أنَّ اللامَ تدخلُ عَلَيْهِ فِي خبرِ إنَّ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ وَلَا تدخلُ على الْأَمر والماضي وحقّها أنْ تدخُلَ على الاسمِ لأنَّها لامُ الِابْتِدَاء زُحلِقت إِلَى الْخَبَر فلولا قوةُ الشَّبَه لم تدخلْ على هَذَا الْفِعْل
والثالثُ أَنه على زِنَةِ اسْم الْفَاعِل عدَّة وحركةً وسكوناً ف يضْرب مثلُ ضاربٍ فِي ذَلِك ويُكْرِم مثل مُكرم وَقد شذَّ عَنهُ ينصب فَهُوَ نَصِب وبابه وَلما أشْبَهه من هذهِ الأوجهِ الخاصّة أُعطي حُكماً من أَحْكَامه لأنَّ ذَلِك
стр. 492
قَضَاهُ الشَّبه كَمَا أنَّ الاسمَ لمّا شابه الفعلَ مُنع الصّرْف فَإِن قيل لِمَ لَمْ يُجعل من أَحْكَام الِاسْم غير الْإِعْرَاب قيل الْإِعْرَاب لَا يغيّر معنى الْفِعْل وَغَيره من أَحْكَام الِاسْم تغيّر معنى الْفِعْل فينبو عَن قبُوله
مَسْأَلَة
إِعْرَاب الْفِعْل الْمُضَارع استحسانٌ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ أُعْربَ كَمَا أُعْرِبَ الاسمُ واحتجَّ الْأَولونَ بأنَّ معنى الفعلِ واحدٌ فِي كلّ حالٍ وَهُوَ الدَّلالة على الْحَدث وزمانِه وَلَا يُضاف إِلَيْهِ بالعاملِ الدَّاخل عَلَيْهِ معنى آخر وإعرابُ الْأَسْمَاء يَفْرُق بَين الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة الحادثةِ العارضةِ على المسمَّى وَإِنَّمَا أُعرب الْفِعْل للشبه على مَا تقدَّم
واحتجَّ الْآخرُونَ بأنَّ الإعرابَ فِي الْفِعْل يَفْرُق بَين الْمعَانِي أَلا ترى أنَّ قَوْلك لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن إِذا جزمت الثَّاني كَانَ لَهُ معنى فَإِذا نصبتَه أَو رفعتَه كَانَ لَهُ معنى آخر وَكَذَلِكَ أريدُ أَن أزورَك فيمنعني البوابُ فالرفع يدلُّ على خلاف مَا يدل عَلَيْهِ النصب وَكَذَلِكَ لَا يَسَعُني شيءٌ ويعجزَ عَنْك وَكَذَلِكَ لِتضربُ زيدا إنْ جزمتَ كانَ أمرا وَإِن نصبت كَانَ عِلّة
стр. 493
وَالْجَوَاب إنَّ اختلافَ الْمَعْنى فِيمَا ذكرُوا حَاصِل بالإعراب لَا بِعَدَمِ الْإِعْرَاب فإنَّكَ لَو سكَّنت فِي هَذِه الْمَوَاضِع كلّها لعرفتَ الْمَعْنى بدليلٍ آخر فالواو فِي قَوْلك لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللبنَ للْعَطْف فَيحْتَمل أَن يُعطفَ على لفظِ الفعلِ الأوَّل فيكونَ نهيا عَنْهُمَا جَمِيعًا مُجْتَمعين ومُنْفَردين فعندَ ذَلِك يُجْزَم على تَقْدِير وَلَا تشرب اللَّبن ويُحتَمل أنْ تُريدَ بِهِ العطفَ على الْموضع وَمعنى الْجمع وَلَا يصحّ ذَلِك إِلَّا بِإِرَادَة أنْ ليصير الْمَعْنى لَا تجمعْ بينَ أكلِ السّمك وَشرب اللَّبن وَلَو ظَهرت أنْ لفُهم الْمَعْنى بِدُونِ الْإِعْرَاب وَكَذَلِكَ لَو ظهرتْ لَا فاللَّبْسُ جَاءَ من حذف الْعَامِل فأقمتَ الحركاتِ مقامَ ظُهوره لَا أنَّ معنى الْفِعْل تغيّر بالعامل كَمَا تغيَّر الِاسْم بِالْفِعْلِ فَيكون تَارَة فَاعِلا وَتارَة مَفْعُولا وَالْفِعْل مَعَ عَامله قد يكون لَهُ مَوضِع الِاسْم الْمُفْرد المفتقر الى عاملٍ وَمن هَا هُنَا كَانَ الرفعُ فِي قَوْلك فيمنعني البواب هُوَ الوجهُ لِأَنَّك لَو نصبت عطفته على أزورك وَذَلِكَ مُراد والمنعُ ليسَ بِمُرَاد فَيفْسد الْمَعْنى بِسَبَب الْعَطف الْمُوجب للتشريك وَلذَلِك لَو سكنتَ لم يفْسد الْمَعْنى فقد رَأَيْت الْإِعْرَاب بِالنّصب كَيفَ أفسدَ الْمَعْنى وَلَو نصبتْ العربُ الفاعلَ ورفعتِ المفعولَ لحصلَ الفرْقُ وَلَو نصبتْ هُنَا لفسدَ الْمَعْنى لِمَا ذكرنَا وَالرَّفْع فِيهِ لم يتعيَّن ليصحح الْمَعْنى بل النصب هُوَ الْمُتَعَيّن لِفساد الْمَعْنى وَكَذَلِكَ لَا يسعني شَيْء ويعجزَ عَنْك الرفعُ يُفْسِد الْمَعْنى لأنَّه يصير لَا يسعني شَيْء وَلَا يعجزُ عَنْك فبوجود الرّفْع يَفْسُدُ الْمَعْنى وَفِي الْأَسْمَاء بِعَدَمِ الْإِعْرَاب يَفْسُد الْمَعْنى وَأما قَوْلك ليضربْ زيد فَلَا يلتبس إِذا كَانَ هَذَا الْكَلَام وحدَه بل يكون أمرا لَا محَالة فَإِذا انضمّ إِلَيْهِ كلامٌ آخرٌ يَصْلُح أَن يكون عِلَّةً لَهُ فُهِمَ الْمَعْنى وَإِن سكَّنته
стр. 494
فصل
لَا يصيرُ الفعلُ مضارعاً إِلَّا بِزِيَادَة الْحُرُوف لأنَّ الحركاتِ موجودةٌ فِي الْمَاضِي من ضَمٍّ وفتحٍ وَكسر وإنَّما زيدت الحروفُ المذكورةُ لأنَّ أوْلى مَا زيد حروفُ المدِّ لِمَا ذكرنَا فِي أوَّل الْكتاب إلَاّ أنَّ الْألف لِسُكونها لَا يُمْكن الابتداءُ بهَا فَجُعِلت الهمزةُ بدلهَا إِذْ كَانَت أُخْتهَا فِي الْمخْرج وَالْوَاو لَا تزاد أَولا لوَجْهَيْنِ
أحدُهما ثِقَلُها وَلذَلِك لم تُزَدْ أَولا فِي موضعٍ مَا
والثَّاني أنَّه يُؤَدِّي فِي بعض المواضعِ إِلَى اجْتِمَاع ثَلَاث واوات فَاء الْكَلِمَة وحرف المضارعة وحرف الْعَطف وَذَلِكَ مُسْتَثْقَلٌ مستنكر فَجعلت التَّاء بدَلها لِما ذَكرْنَاهُ فِي القَسَم وَلم يعرِضْ للياء مَانع واحْتِيج إِلَى حرفٍ آخر لتَمام أدلَّة الْمعَانِي فزِيدت النُّون إِذْ كَانَت تشبه الْوَاو
فصل
وَالْفِعْل هُنَا إمّا أنْ يكونَ خَبرا عَن المتكلِّم وحدَه أَو عَنهُ وعمّن مَعَه أَو عَن المخاطَبِ أَو عَن الغائبِ وَلذَلِك كانتْ حروفُه أَرْبَعَة
فصل
وإنَّما خَصَّت الهمزةُ بالمتكلم لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أنَّها أوَّلُ الحروفِ مَخْرجاً فَجُعِلت دَلِيلا على الْمُتَكَلّم إذْ كَانَ مَبْدءاً للْكَلَام
стр. 495
والثَّاني أنَّ الواحدَ مقابلٌ للْجمع وعلامةُ الْجمع الْوَاو فَجعل عَلامَة الْوَاحِد الْمُتَكَلّم الهمزةَ الَّتِي مخرجها مقابلٌ لمخرج الْوَاو فمخرجحما أوَّل ومخرج الْوَاو آخر وَمَا بَينهمَا وسطٌ كَمَا أنَّ الْوَاحِد أوَّلُ والجمعَ آخِرٌ والتثنية وسط
فصل
وإنَّما جُعلت النونُ للْجمع لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أنَّها تُشبه الواوَ والواوُ علامةُ الْجمع
وَالثَّانِي أنَّها جُعلت ضميراً لجمع الْمُؤَنَّث نَحْو ضَرَبْنَ فَلذَلِك زيدت أَولا للْجمع
فصل
وَأما التَّاء فمختصّ بهَا المخاطَبُ المذكَّرُ كَمَا جُعلتْ ضميراً لَهُ فِي قَوْلك ضربت وَفِي الْمُؤَنَّث هِيَ عَلامَة تَأْنِيث الْفَاعِل نَحْو قامتْ فجُعلت أَولا فِي الْمُضَارع لهَذَا الْمَعْنى وأمَّا الْيَاء فَجعلت للغائبِ لما فِيهَا من الْخَفاء الْمُنَاسب لحالِ الْغَائِب وَلذَلِك لم يكن للغائبِ الْوَاحِد ضمير ملفوظ بِهِ فِي الْفِعْل نَحْو زيد قَامَ
فصل
وإنَّما جُعلت هَذِه الحروفُ أَولا لأمرين
أَحدهمَا أَنَّهَا ناقلةٌ للْفِعْل من معنى إِلَى معنى آخر فكونها أَولا يدل على الْمَعْنى الْمَنْقُول إِلَيْهِ بأوَّل نظرٍ
стр. 496
وَالثَّانِي أنَّ الآخِرَ موضعُ الْإِعْرَاب والحشوَ موضعُ اخْتِلَاف الْأَبْنِيَة فَلم يبْق سوى الأوَّل
مَسْأَلَة
إِذا تجرّد المضارعُ عَن عامِل الْجَزْم وَالنّصب ارتفعَ لوُقُوعه موقعَ الِاسْم وَقَالَ الفرّاء يرتفعُ لتعرِّيه من الجوازم والنواصب وَقَالَ الكسائيّ يرْتَفع بِحرف المضارعة
واحتجَّ الأوَّلون بِأَن وقوعَه موقع الِاسْم يُكْسِبه قوَّةً يشبه بهَا الِاسْم وأوَّل أَحْوَال الِاسْم فِي الاعراب الرفعُ فَيصير كالمبتدأ فِي ارتفاعه لأوَّليته وأنَّ الرفعَ أوَّلُ وَلَا فرق بَين أَن يكون ذَلِك الِاسْم مَرْفُوعا أَو غَيره لأنَّه ارْتَفع لوقوعِه مَوْقِعَ الاسمِ من حيثُ هُوَ اسْم لَا من حَيْثُ هُوَ مرفوعٌ.
واحتجَّ الفرّاء من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن تعرّيه من العوامل اللفظية واستقلاله دونهَا يدلُّ على قوَّته فَأشبه بذلك الْمُبْتَدَأ
وَالثَّانِي أنَّ ارتفاعَه لوُقُوعه موقع الِاسْم باطلٌ بِخَبَر كَاد فَإِنَّهُ مَرْفُوع وَلَا يَقع موقع الِاسْم وَمذهب الْكسَائي فاسدٌ فتعيَّن التَّعْلِيل بالتعرِّي واحتجَّ للكسائي بأنَّ الْفِعْل قبل حَرْف المضارعة مبنيّ وَبعد وجوده وحدَه مرفوعٌ والرفعُ عملٌ لَا بدَّ لَهُ من عاملٍ وَلم يحدث سوى الحرفِ فوجبَ أنْ يُضافَ العملُ إِلَيْهِ وإنَّما بَطل عمله بعامل آخر لِأَنَّهُ أقوى مِنْهُ كَمَا إنْ الشّرطِيَّة يبطل عَملهَا ب لم
стр. 497
والجوابُ عَن كلامِ الفرّاء من ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه تَعْلِيل بِالْعدمِ الْمَحْض وَقد أفْسَدْناه فِي بَاب الْمُبْتَدَأ
وَالثَّانِي مَا ذكرتموه يؤول إِلَى مَا قُلْنَاهُ لأنّه بيّن قُوَّة الْفِعْل باستقلاله وَبِذَلِك وقعَ مَوْقِعَ الِاسْم
وَالثَّالِث أنَّ مَا قَالَه يُفْضي إِلَى أنّ أوَّل أحوالِ الفعلِ مَعَ النَّاصب والجازم والأمرَ بعكسه وأمَّا خبرُ كَاد فالأصلُ أَن يكونَ اسْما لِمَا ذكرنَا فِي بَابه وإنَّما أُقيم الفعلُ مقامَه ليدلَّ على قُرْبِ الزَّمان وأمَّا كلامُ الكسائيّ إنْ حُمل على ظَاهره ففاسدُ لثلاثةِ أوْجه
أَحدهَا أنَّه عدَّد حرف المضارعة وغيرَه وَهُوَ وقوعُه مَوْقعَ الِاسْم فَلم يَلْزَم إضافةُ العَمل إِلَى الْحَرْف
والثَّاني أنَّ حَرْفَ الْمُضارعة صارَ من سِنْخ الكلمةِ وبعضُ الْكَلِمَة لَا يعْمل فِيهَا
والثَّالث أنَّ الناصبَ والجازم يُزيل الرفعَ وَلَو كانَ حرفُ المضارعة عَاملا لما بَطل بعاملٍ قبلَه بِخلافِ إنْ لأنَّ عملَها بَطل بعامل بعْدهَا
стр. 498
مَسْأَلَة
مثلةُ الخمسةُ وَهِي تَفْعلان ويَفْعَلان وتَفْعَلُون ويفعلون وتَفْعلين مُعْرَبةٌ وليسَ لَهَا حرفُ إعرابٍ والدليلُ على أنَّها مُعْرَبة من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أنَّ الْمَعْنى الَّذِي أُعرب بِهِ الْمُضَارع موجودٌ فِيهَا من غير مَانع
والثَّاني أنَّ النونَ تثبت فِي رفعِها وَتسقط فِي غَيره
وَهَذَا الِاخْتِلَاف إعرابٌ والدليلُ على أَنه لَا حرفَ إعْراب لَهَا أنَّه لَو كانَ لكانَ إمَّا الحرفَ الَّذِي قَبْل حرفِ الْعلَّة أَو حرف الْعلَّة أَو النُّون والأوّلَ بَاطِل لأنَّه لَو كانَ حرفَ إعرابٍ لكَانَتْ حركتُه حركةَ إعرابٍ وَلَيْسَت كَذَلِك بل هيَ تَابِعَة لحرفِ العلَّة مُنَاسبَة لطبيعته وَالثَّانِي بَاطِل أَيْضا لأنَّه اسمٌ فِي مَوْضعِ رفعٍ معمولٌ للْفِعْل فلي سَ مِنْهُ وَلَا علامةَ لشَيْء هُوَ فِيهِ والثَّالثُ باطلٌ أَيْضا لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أنَّ النونَ حرفٌ صحيحٌ تَسْقُط فِي النَّصب والجزْم فَلم تَكُنْ حرفَ إِعْرَاب كَسَائِر الْحُرُوف والثَّاني أنَّها واقعةٌ بعد الفاعلِ الموصولِ بالفعلِ وَهَذَا الحائلُ يُحيل كونَها من الفعلِ لَفْظاً أَو حُكْماً فَثَبت مَا قُلْنَا
стр. 499
مَسْأَلَة
الفعلُ المعْرَبُ يَعْرِضُ لَهُ البناءُ لشيئين
أَحدهمَا نونُ التّوكيد لأنَّ حركةَ آخرِه صارتْ دالَّةً على معنى وَهُوَ كونُ الفاعلِ وَاحِدًا أَو جمَاعَة أَو مؤنثاً فَلم يَبْقَ الحرفُ محلاًّ لحركةِ الْإِعْرَاب فيعودُ إِلَى أصلِه من الْبناء
والثَّاني نونُ جماعةِ الْمُؤَنَّث نَحْو يَضْرِبْنَ لأنَّ هَذِه النُّون أوجبت تسكينَ الحرفِ الْأَخير فِي الْمَاضِي فوجبَ إسكانُه فِي الْمُضَارع وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لأمرين
أَحدهمَا أنَّ الماضيَ سُكِّن لئلاّ تتوالى أربعُ حركاتٍ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي المضارعِ وسكونُ الثَّاني عارضٌ لَا يعتدُّ بِهِ وَإِن السّاكنَ غيرُ حَصِين وحَرْفُ المضارعة متحرِّكٌ وَهُوَ من نَفْسِ الفعلِ وإنَّ زِيَادَة الحرفِ نابَ مَنابَ الْحَرَكَة
والثَّاني أنَّه أشْبَه الْمَاضِي فِي أنَّ حُروفَه باقيةٌ فِيهِ وأنَّ أحدَهما يقعُ موقعَ الآخرِ فحمْلُه عَلَيْهِ فِي الْبناء أقْرَبُ من حَمْل الفعلِ على الِاسْم فِي الْإِعْرَاب
مَسْأَلَة
الفعلُ المعتلُّ الآخر نَحْو يَغْزَو ويَرْمي لَا يُحرِّكُ آخِره بالضمة لِثِقَلها عَلَيْهِ
стр. 500
كثقلها على الاسمِ المنْقُوص بل أَكثر فأماَّ تقديرُ الضمَّةِ فيحتملُ وَجْهَيْن كَمَا ذكَرْنا فِي يَاء قَاضِي وَأما الالفُ فتقدَّرُ الْحَرَكَة عَلَيْهَا البتةَ كالاسم الْمَقْصُور
مَسْأَلَة
تَقول الرِّجَال يَعْفُون والنِّساءُ يَعْفُون فاللفظُ واحدٌ والتقديرُ مُخْتَلف ففعلُ الرِّجَال حُذِفت مِنْهُ اللامُ لسكونها وَسُكُون وَاو الضَّمِير بعْدهَا كَمَا حذفت الياءُ من يرْمونَ وَالنُّون عَلامَة الرّفْع وفعلُ النِّساء لم يُحذفْ مِنْهُ شيءٌ لأنَّه مبنيّ وواوه لامُه وَالنُّون اسْم مُضْمر وَلذَلِك ثبتَتْ فِي الْأَحْوَال الثَّلَاث على صُورَة وَاحِدَة
стр. 501
بَاب
نواصب الْفِعْل
أَصْلهَا أنْ المصدريّة وإنَّما عَمِلت لاختصاصها بِالْفِعْلِ وإنَّما نَصبتْ لأنَّها أشبهتْ أنَّ العاملةَ فِي الْأَسْمَاء من أَرْبَعَة أوجه
أَحدهَا أنَّ لفظَها قريبٌ من لَفظهَا وَإِذا خُفّفت صَارَت مثلَها فِي اللَّفْظ
الثَّاني أنَّها وَمَا عَمِلت فِيهِ مصدرٌ مثل أنَّ الثَّقِيلَة
وَالثَّالِث أنَّ لَهَا ولِمَا عملتْ فِيهِ موضعا من الْإِعْرَاب كالثقيلة
وَالرَّابِع أنَّ كلَّ واحدةٍ مِنْهُمَا تدخلُ على جملةٍ
стр. 502
فصل
وأنْ وَالْفِعْل فِي تَقْدِير الْمصدر وَلذَلِك يُقدَّر المصدرُ بأنْ وَالْفِعْل وَأَنه لَا يجوز تَقْدِيم معمولِ أنْ عَلَيْهَا وَلَا مَعْمُول معمولها عَلَيْهَا وَلَا عَلَيْهِ كقولكَ أريدُ زيدا أنْ تضربَ وَلَا أريدُ أنْ زيدا تضرب لأنَّ الصِّلة لَا تتقدَّمُ على الموصولِ
مَسْأَلَة
إِذا حُذفت أنْ فالجيِّد أنْ لَا يبْقى عملُها إلَاّ أَن يكون ثَمَّ بدلٌ مثل الْفَاء وَنَحْوهَا وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ يبْقى عملُها
وحُجَّةُ الأوَّلين قولُه تَعَالَى ﴿تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ وبأنَّ عوامل الْأَفْعَال ضعيفةٌ وَلَا تعْمل محذوفةً
وَاحْتج الْآخرُونَ بأَشْيَاء جَاءَت فِي الشّعْر وَهِي شاذَّة أَو مُتَأوِّلة وَقد قاسوا
стр. 503
ذَلِك على عوامل الْأَسْمَاء وَهُوَ قياسٌ فَاسد لِأَنَّهَا أقوى من عواملِ الْأَفْعَال وَلَو جازَ مثل ذَلِك لجَاز يضربْ زيد وَأَنت تُرِيدُ ليضربْ
فصل
وَأما لَنْ فتعملُ لاختصاصها وتنصِبُ لشبهها بأنْ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أنَّها تخلّص الفعلَ للاستقبال كَمَا تخلّصه أنْ
وَالثَّانِي أَنَّهَا نقيضتها فَتلك تثبته وَهَذِه تَنْفِي مَا ثبتته تِلْكَ وَلنْ جَوَاب سيفعل أَو سَوف تفعل وَجَوَاب أُرِيد أَن تفعل فَإِنَّهُ يَقُول لن أفعل
مَسْأَلَة
لن مفردةٌ وَقَالَ الْخَلِيل هِيَ مركَّبة من لَا وَأَن إلَاّ أنَّ الْهمزَة حذفت تَخْفِيفًا ثمَّ حذفت الْألف لسكونها وَسُكُون النُّون بعْدهَا
стр. 504
وَاحْتج الْأَولونَ بأنَّ الأصلَ عدمُ التَّرْكِيب وإنَّما يُصارُ إِلَيْهِ لدليلِ ظَاهر وَلَا دليلَ على ذَلِك بل الدليلُ يدلُّ على فَسَاده وَبَيَانه من وَجْهَيْن
أَحدهمَا جوازُ تقدُّم مَعْمُول معمولها عَلَيْهَا كَقَوْلِك زيدا لن أضْرب وأنْ لَا يتَقَدَّم عَلَيْهَا مَا فِي حيِّزها وَبِذَلِك احْتج سِيبَوَيْهٍ على الْخَلِيل وَقد اعتذر عَنهُ بأنَّ التَّرْكِيب غيَّر الحكمَ كَمَا غيَّر الْمَعْنى وَهَذِه دَعْوَى أَلا ترى أنَّ لَوْلَا لما تَغَيَّرت فِي الْمَعْنى للتركيب لم يتغيَّر الحكم فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن لَا أَن يتقدّمها مَا يتَعَلَّق بِالْمَعْنَى وَلنْ لَا يلْزم فِيهَا ذَلِك
فصل
وَأما كي فتكونُ ك أنْ فِي الْعَمَل بنفسِها فَلَا يُضْمَر بعْدهَا شَيْء وَذَلِكَ
стр. 505
اذا ادخلت عَلَيْهَا اللَّام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لكَي لَا تَأْسَوْا﴾ إلَاّ أَن فِيهَا معنى التَّعْلِيل فَلذَلِك لَا يحسنُ أَن تَقول أُرِيد كي تقوم
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن تكونَ حرفَ جرٍّ بدليلِ دُخُولهَا على الِاسْم كَقَوْلِك كَيْمَهْ بِمَعْنى لِمَهْ وَمَا اسْم للاستفهام وَالْهَاء لبَيَان الْحَرَكَة وَالْألف محذوفة وَلَو كانتْ كي بِمَعْنى أنْ لم تدخل على الِاسْم فَإِذا دخلتْ هَذِه على الْفِعْل كانتْ أنْ بعدَها مضمرةً لأنَّ حرفَ الجرِّ لَا يعملُ فِي الْفِعْل فتضمر مَعَه أنْ لتصيرَ دَاخِلَة على الِاسْم فِي التَّقْدِير وَهَذَا هُوَ حكم اللَاّم فإنْ دخلت اللامُ على كي وجبَ أنْ تصيّر بِمَعْنى أنْ لأنَّ حرف الجرّ لَا يدخلُ على مثله
فصل
وأمَّا إِذن فحرف مُفْرد وَقَالَ الْخَلِيل أصلُها إذْ أنْ فحذفت الْهمزَة وركِّبا كَمَا قَالَ فِي لن وَهَذِه دَعْوَى مجرَّدة
وَإِذن تعْمل بِخمْس شَرَائِط
أَحدهَا أَن تكونَ جَوَابا
وَالثَّانيَِة أنْ لَا يكونَ مَعهَا حرف عطف
والثالثُ أنْ يَعْتَمد الْفِعْل عَلَيْهَا
وَالرَّابِعَة أنْ لَا يُفْصَل بَينهَا وَبَين الْفِعْل بِغَيْر الْيَمين
стр. 506
وَالْخَامِسَة أَن يكونَ الْفِعْل مُسْتَقْبلا
فَإِن قيل لِمَ عملت إِذن ثمَّ لِمَ عملتْ عندَ وُجود هَذِه الشَّرَائِط لَا غير ثمَّ لِمَ عملت النصبَ
والجوابُ عَن الأول وَالثَّانِي أنَّها اختصّت بِالْفِعْلِ عِنْد اجْتِمَاع هَذِه الشَّرَائِط وكلُّ مختصٌّ يعملُ
وَأما الجوابُ عَن الثَّالِث فلأنَّها أشبهتْ أنْ فِي إخلاصِ الْفِعْل للاستقبال واختصاصها بِالْجَوَابِ واختصاص الجوابِ فِي مثلِ هَذَا بِالْفِعْلِ فعلى مَا ذكرنَا تترتَّب المسائلُ
مَسْأَلَة
إِذن فِي عوامل الْأَفْعَال ك ظَنَنْت فِي عواملِ الْأَسْمَاء لأنَّ ظننتُ تعْمل إِذا وَقعت فِي رتبتها وتُلغى إِذا أُزيلت عَنْهَا وَكَذَلِكَ إِذن لأنَّها إِذا اعْتمد الْفِعْل عَلَيْهَا وابْتُدِئ بهَا فِي الْجَواب وَقعت فِي رتبتها كَقَوْل الْقَائِل أَنا أزورك
стр. 507
فَتَقول مجيباً إذَنْ أُكرمَك فَإِذا قلت أَنا إذنْ أكرمُك فقد وقعتْ إِذن بَين الْمُبْتَدَأ وَخَبره فيبطلُ عَملهَا ويعتمد الفعلُ على أَنا وَكَذَلِكَ إِن قلت أَنا أكرمُك إِذن فَإِن قيل إِذن هُنَا يلزمُ إلغاؤها وظننت فِي مثل هَذَا لَا يلْزم قيلَ الفَرْقُ بَينهمَا أنَّ عواملَ الْأَسْمَاء أقْوى من عواملِ الأفعالِ خُصُوصا إِذا كَانَت أفعالاً وعاملُ الْفِعْل لَا يكونُ إلَاّ حرفا
مَسْأَلَة
فَإِن فصلت بَينهمَا ب لَا أَو بِالْيَمِينِ لم يبطُل عملُها لِأَن لَا لَا تُبطلُ عمل أنْ واليمينُ مؤكدَّة
مَسْأَلَة
فَإِن كانَ مَعهَا حرفُ عطفٍ كَقَوْلِك فإذنْ أكرمَك وَإِذن أُحسنَ إِلَيْك جازَ إعمالُها لأنَّ الْوَاو وَالْفَاء قد يُبتدأ بهما وجازَ إلغاؤها لأنَّ حرفَ الْعَطف يُدْخِلُ مَا بعْدهَا فِي حكم مَا قبلهَا فَيبْطل الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا لَا يُؤتُونَ النَّاسَ نَقيراً﴾ وَفِي بعضِ الْمَصَاحِف ﴿وَإِذا لَا يلبثُونَ خِلافك﴾ والجيد الإلغاء.
стр. 508
مَسْأَلَة
إِذا حدَّثَكَ إنسانٌ حَدِيثا فقُلْتَ إذنْ أظنُّك صَادِقا رَفَعْتَ لأنَّ الظنَّ هُنَا ثابتٌ فِي الْحَال وَقد ذكرنَا أَنَّهَا لَا تعملُ إِلَّا فِي الْمُسْتَقْبل
مَسْأَلَة
إِذن إِذا وَقعت خَبَراً ووُقِفَ عَلَيْهَا جازَ أنْ تبدلَ نونُها ألفا لِأَنَّهَا أشبهت التَّنْوِين إذْ كَانَت سَاكِنة بعد فتحةٍ
فصل
تُضْمَر أنْ بعد الْفَاء فِي جوابِ الْأَشْيَاء الثَّمَانِية الْأَمر والنَّهي والاستفهام والنَّفي والتمنِّي والدُّعاء وَالْعرض والتحضيض
стр. 509
وَقَالَ الْجَرْمي تعْمل الفاءُ بِنَفسِهَا وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ ينْتَصب الْفِعْل على الخِلاف
وحجَّة الْأَوَّلين أنَّ الفاءَ لَا تنفكُّ من معنى الْعَطف والربط وَلَا تختصُّ بل تدخلُ على الكلماتِ الثَّلَاث وَمَا هَذَا سَبيله لَا يعْمل فَعِنْدَ ذَلِك يُحتاج الى إضْمارٍ لاستحالةِ الْعَطف هُنَا على اللَّفْظ أَلا ترى أنَّ قولَك زُرْني لَا يصحّ أنْ تَعْطِفَ عَلَيْهِ فأزورَك لأنَّ العطفَ يُشْرِكُ بَين الشَّيْئَيْنِ ومعلومٌ أنَّ الْأَمر لَا يُشَارك الْخَبَر وأنَّ الأولَ سببٌ للثَّانِي والسببُ والمسَبِّبُ مُخْتَلِفَانِ فَعِنْدَ ذَلِك يُعدَل إِلَى الْعَطف على الْمَعْنى وَلَا يتحققُ ذَلِك إِلَّا بإضمار أنْ وأنْ يقدِّرَ الأوَّلُ بمصدر فالتقدير لِتكنْ منكَ زيارةٌ فزيارةٌ مِنِّي وَبِذَلِك يتَبَيَّن ضعفُ قولِ الجَرْمي وأمَّا مذهَبُ الكوفيِّين فقد أبطلناه فِي غير مَوضِع
فصل
وتُضْمَرُ أنْ بعد اللَاّم وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ هيَ العاملةُ بِنَفسِهَا
стр. 510
حجّة الأوَّلين أنَّ اللامَ حرفُ جرٍّ داخلةٌ للتَّعليل وَهِي الَّتي تدخلُ على المفعولِ لَهُ وحرفُ الجرِّ لَا يعملُ فِي الْفِعْل فتُضْمَر أنْ ليصيرَ الفعلُ مَعهَا فِي تَقْدِير الِاسْم فتدخلَ اللامُ عَلَيْهِ وَلذَلِك يجوزُ أَن تظهر أنْ مَعهَا كَقَوْلِك جِئْتُ لأنْ تُكْرِمَني
واحتجَّ الْآخرُونَ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أنَّها بِمَعْنى كي وكي تعملُ بِنَفسِهَا فَكَذَلِك مَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا
وَالثَّانِي أنَّ جَعْلَها جارَّةً يفسُدُ من جِهَة دُخُولهَا على الْفِعْل وَتَقْدِير أنْ لَا يصحح ذَلِك
أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن تَقول أمَرْتُكَ تُكْرمَ زَيْداً تريدُ بِأَن تكرمَ زيدا فيتعيَّن أنْ تكونَ هِيَ الناصبة
وَالْجَوَاب عَن الأول من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن كي حرفُ جرٍّ أَيْضا وأنْ بعْدهَا مضمرةٌ فَلَا فَرْقَ بَينهمَا
وَالثَّانِي يُسْلِم إِلَى أنَّ كي تنصِبُ بِنَفسِهَا وَلَكِن لمَ تكون اللامُ كَذَلِك واتفاقهما فِي الْمَعْنى يُوجب اتحادهما فِي الْعَمَل أَلا ترى أنَّ أنَّ الناصبة للاسم مثل أَن الناصبة للْفِعْل الْمُسْتَقْبل فِي الْمَعْنى إِذْ كلّ واحدةٍ مِنْهُمَا مصدريّة يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا وَلم يلزمْ من ذَلِك اتحادُهما فإنَّ تلكَ تختصُّ بالأسماء حَتَّى لَو وقعَ الْفِعْل
стр. 511
بعْدهَا مُخَفّفَة لم تعْمل بِخِلَاف أَن الْخَفِيفَة وَلذَلِك استُعْمِلت اللامُ معَ صَرِيح الْمصدر وَلم تُستعمل كي مَعَه وإنْ كَانَا سَوَاء فِي الْمَعْنى
وأمَّا الْفرق بَينهَا وَبَين الْبَاء فلأنَّ اللَاّمَ تدلُّ على غَرَض الْفَاعِل وَمَا من فَاعل إلَاّ وَله غرضٌ فِي الْفِعْل وليسَ كلُّ فعلٍ يكونُ لَهُ سببٌ تسْتَعْمل الْبَاء مَعَه فلمَّا كَثُرَ استعمالُ اللَّام جازَ أنْ تُحذفَ أنْ لظهورِ مَعْنَاهَا كَمَا كَثُرَ حذفُ رُبَّ مَعَ الْوَاو وَالْبَاء فِي الْقسم وحذفٌ لَا فِي جَوَابه
فصل
وتُضمَرْ أنْ بعد الْوَاو فِي قَوْلك لَا تأكلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللبنَ إِذا نهيتَه عَن الْجمع ونَصْبُه عِنْد الْكُوفِيّين على الصَّرْف وَهُوَ معنى الْخلاف
حُجَّةُ الأوَّلين أنَّ الْوَاو هُنَا ليستْ عاطفةً فِي اللَّفْظ لأنَّ ذَلِك يُوجبُ كونَ النَّهي عَن كلِّ واحدٍ مِنْهُمَا وَعَن الْجمع بَينهمَا وَذَلِكَ يُوجب جزم الثَّانِي فَإِذا لم تُرِدْ هَذَا الْمَعْنى عَدَلْتَ إِلَى تقديرٍ يصحُّ مَعَه هَذَا الْمَعْنى وَذَلِكَ بإضمارِ أنْ ليصير الْمَعْنى لَا تأكلِ السَّمَكَ مَعَ أنْ تَشْربَ اللَّبنَ لأنَّك تريدُ لَا يُجْمَع بَينهمَا وَالْوَاو ومعَ تفيدان الْجمع ولكنْ لَا يصحّ ذَلِك إلَاّ مَعَ أنْ لأنَّ الواوَ لَا تعْمل بِنَفسِهَا كَمَا أنَّ معَ لَا تُضاف إِلَى الْفِعْل ومذهبُ الْكُوفِيّين مبنيِّ على النصب على الْخلاف وَقد بَينا فَسَاده
стр. 512
مَسْأَلَة
لَو رفعتَ وتشربُ اللَّبن على أنْ تكونَ فِي موضعِ الْحَال استقامَ الْمَعْنى والإعرابُ فأمَّا قَول الشَّاعِر من // الْكَامِل // (لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلْتَ عَظيمٌ)
فالنَّصبُ فِيهِ هُوَ الوجهُ والجزمُ خطأ لأنَّ الْمَعْنى يصير لَا تَنْهَ عَن قبيحٍ وَلَا تَفْعَلْ قبيحاً وَتَرْكُ النَّهيِ عَن القبيحِ قبيحٌ وإنَّما أرادَ الشاعرُ أنَّ مَنْ يَنْهي غيرَه عَن شيءٍ وَهُوَ يَرْتَكِبُه فقد غشَّ نفسَه ونصحَ غَيره والرفعُ فِي الْبَيْت جائزٌ فِي الْمَعْنى وَاللَّفْظ
مَسْأَلَة
تقولُ لَا يَسَعُني شيءٌ ويعجزَ عَنْك فتنصِبُ مَا بعدَ الْوَاو ب أَن مضمرة
стр. 513
وَالْمعْنَى لَا يجْتَمع فِي شيءٍ واحدٍ أنْ يسعني وَأَن يضيق عَنْك أَي أَنا وَأَنت مشتركان فِيمَا يحسن ويقبح ويضيق ويتسع فَكيف نفترق فِي ذَلِك وَلَو رفعت لصار الْمَعْنى نفيا وَآل الْمَعْنى إِلَى أنَّه لَا يَسَعُني شيءٌ وَلَا يضيقُ عَنْك وَهَذَا عكس الْمَعْنى
مَسْأَلَة
إِذا عطفتَ الفعلَ على مصدرٍ أضمرتَ مَعَه أنْ ونصبتَه ليصيرَ عطفَ اسمٍ على اسْم وبقّيت النصبَ لِيَدُلَّ على العاملِ المُرَاد وَمِنْه من // الوافر //
(وَلُبْسُ عَباءةٍ وتقرَّ عَيني ... أحبُّ إليَّ مِنْ لُبْسٍ الشَّفوفِ)
مَسْأَلَة
والواوُ الَّتي تُضمرُ بعدَها أنْ بِمَعْنى الْجمع يقالُ هِيَ بِمَعْنى الْجَواب لأنَّ
стр. 514
الْمَعْنى إِذا أكلتَ السَّمكَ فَلَا تشربِ اللَّبنَ وإنْ شربتَ اللَّبنَ فَلَا تأكلِ السمكَ وإنْ وسعني وسعَكَ
فصل
وتُضْمَرُ أنْ بعد أَو إِذا كانتْ بِمَعْنى حتَّى وإلَاّ كَقَوْلِك سَأزُورُكَ أوْ تَمْنَعَني لأنَّك أردتَ إلَاّ فَلَا بُدَّ من إِضْمَار أنْ ليصير التقديرُ على وفْق الْمَعْنى أَي سأزورك إلَاّ مَعَ مَنعك أَو إِلَّا عِنْد مَنعك وَلَو رفعتَ لَصَارَتْ لأحدِ الشَّيْئَيْنِ أَي سأزورُك أَو سَتَمْنَعُني
مَسْأَلَة
تَقول مَا تأْتينا فتحدّثُنا فيجوزُ الرفعُ على مَعْنَيين
أحدُهما نَفْيُ الْأَمريْنِ جَمِيعًا أيْ مَا تَأْتِينَا وَمَا تُحَدِّثُنا
والثَّاني أنْ تكونَ نفيتَ الإتيانَ وأثبتَّ الحديثَ أَي أنتَ تحدِّثُنا وَمَا تَأْتِينَا
والنَّصْب جائزٌ على مَعْنيين أَيْضا
أحدُهما أنْ تريدَ نفيَهما على سبيلِ الإنكارِ على مُدَّعي الْإِنْكَار أَي أَنْت مَا تَأْتِينَا فكيفَ تحدِّثنا
стр. 515
وَالثَّانِي أنَّ تنفيَ الحديثَ وثُثْبِتَ الإتيانَ أَي مَا تَأْتِينَا إِلَّا لم تحدّثنا وإنَّما أضمرت أنْ هَا هُنَا ليصيرَ المصدرُ مَعْطُوفًا على الْمَعْنى إذْ كَانَ معنى الثَّانِي مُخَالفا لِمَعْنى الأوَّل
فصل
وتُضْمَرُ أنْ بعد حتّى إِذا كَانَت غَايَة أَو كانَ مَا قبلهَا سَببا لِمَا بعدَها
فالأوَّلُ كَقَوْلِك لأنْتَظِرَنَّه حتَّى يقدمَ فالانتظار يتَّصل بالقدوم لأنَّ الْمَعْنى إِلَى أنْ فحتَّى هَا هُنَا جارّة فَلذَلِك أضمرت بعْدهَا أنْ
وأمَّا الثَّانِي فكقولك أطعِ الله حتَّى يُدْخِلَكَ الجنَّة أَي كي يُدْخِلَك فالطَّاعةُ سببٌ للدُّخول وَلَا يَلْزَم امتدادُ السببِ إِلَى وجود المسَبّب وكما أنَّ كي وَاللَّام تُضْمَرُ بعدَها أنْ كَذَلِك حتَّى
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ حتَّى هِيَ النَّاصبةُ لأنَّ أنْ لَا تظهر مَعهَا فِي غَالب الِاسْتِعْمَال فَصَارَت بَدَلا مِنْهَا
وَقَالَ الكسائيّ النصب ب إِلَى وكي بعد حَتَّى لِأَن الْمَعْنى عَلَيْهِمَا وحتّى غَيرُ عاملة وَلذَلِك تدخل على الْجُمْلَة فَلَا تعْمل فِيهَا
стр. 516
والمذهبُ الأوّلُ فاسدٌ لأنَّ حتَّى حرفُ جرّ بِمَعْنى إِلَى وَبِمَعْنى اللَّام وليستْ بَدَلاً من أنْ أمَّا عندنَا فلأنَّها جارّة بِنَفسِهَا
مَسْأَلَة
ينتصبُ الفعلُ بعد حتَّى على الْمَعْنيين الْمَذْكُورين ويرتفعُ على مَعْنَيين
أَحدهمَا أنْ يكونَ الفعلُ الَّذِي بعدَها وسببُه ماضيين كَقَوْلِك سرتُ حتَّى أدْخُلُها إِذا كُنتَ قد سِرتَ ودخلتَ فكأنَّك قلتَ سرتُ فدخلتها مَاضِيا
والثَّاني أَن يكونَ السببُ مَاضِيا وَمَا بعْدهَا حَالا كقولكَ سرتُ حتَّى أدخلُها إِذا قلتَ ذلكَ وأنتَ فِي حَال الدُّخُول وإنَّما رفعتَ فيهمَا لأنَّ النصبَ يكونُ بإضمارٍ أَن وأنْ تخلّصُ الفعلَ للاستقبال فَلذَلِك إِذا كانَ مَاضِيا أَو حَالا لم ينتصبْ لأنَّ أنْ لَا تصلحُ فِيهِ وَكَذَلِكَ لَا يرْتَفع بعدَ النفيِ والاستفهام لأنَّهما سَببين فِي الْحَال كَقَوْلِك مَا سرتُ حتَّى أدخلَها وأسرت حتَّى تدخلَها وكلّ مَا فِي معنى النَّفْي نفي فإنْ قلتَ مَنْ سارَ حتَّى يدخلَها جَازَ الرفعُ لأنَّ الاستفهامَ عَن السائر لَا عَن السّير فإنْ قلتَ كَانَ سيري حتَّى أدخلَها لم يجزِ الرفعُ لأنَّه خبر كَانَ وَالرَّفْع على معنى الْعَطف فيصيرُ دَاخِلا فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَلَا يبْقى لَكَانَ خبر فإنْ قلت كانَ سيري أمسِ حَتَّى أدخلها جَازَ الْأَمْرَانِ
стр. 517
مَسْأَلَة
لَا يجوزُ إظهارُ أنْ بعد حتَّى لأنَّ ذَلِك لم يُنْقَلْ إِلَّا فِي شاذّ لَا يُعتدَّ بِهِ ووجهُهُ من الْقيَاس أنّ حتَّى لَمَّا كانتْ عاملةً فِي موضعٍ وغيرَ عاملةٍ فِي آخر كانَ مَعْنَاهَا الغايةَ فِي كُلِّ مَوضِع أشبهت بذلك وَاو القَسَم فلمْ يظهرِ الفعلُ مَعَه وَهُوَ العاملُ الَّذِي يتعلَّقُ بِهِ الْجَار وَكَذَلِكَ عاملُ الظَّرف وخبرُ الْمُبْتَدَأ فِي لَوْلَا وَفِي لعمرك
مَسْأَلَة
لَا يجوزُ إظهارُ أنْ مَعَ لَام كي فِي النَّفْي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿مَا كانَ اللهُ لِيَذَرَ المؤمنينَ﴾ وأكثَرُهم يخصُّ التَّمْثِيل بكان وَأَجَازَ الكوفيُّون إظهارَها
وحجّة الأوَّلين من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أنَّ النفيَ هُنَا جوابٌ إثْبات فعلٍ لَا يَظْهَرُ مَعَه والجوابُ على وَفْق المُجاب عَنهُ فكأنَّ قَائِلا قَالَ سَيَذَرُ الْمُؤمنِينَ فَقَالَ مَا كَانَ لِيَذَرَ الْمُؤمنِينَ
والثَّاني أنَّ الكلامَ طالَ بِالنَّفْيِ فَلم يُزِدْ عَلَيْهِ شيءٌ آخر مَعَ ظُهُور الْمُراد كَمَا فِي خبر لَوْلَا وَخبر لَعَمْرُك ومنَ العجبِ إجازةُ الْكُوفِيّين إظهارٌ أنْ بعْدهَا فِي قَوْلهم اللامُ هِيَ العاملة
стр. 518
بَاب الجوازم
الجزمُ فِي اللُّغَة القطعُ فَلذَلِك كانَ فِي الْكَلَام حذفَ الحركةِ أَو مَا قامَ مقَامهَا
فصل
إنَّما أُعملت لم لأنَّها اختصَّت وَإِنَّمَا جَزَمتْ لثَلَاثَة أوجهٍ
أَحدهَا أنَّ الفعلَ فِي نَفسه ثقيلٌ وَلم تنقُله إِلَى زمنٍ غير زمن لَفظه فَيَزْدَاد ثِقَلاً فَناسبَ أنْ يكونَ عملُها الحذفَ
وَالثَّانِي أنَّها تشبه إنْ الشّرطِيَّة من حيثُ أنَّها تنقلُ الْفِعْل من زمَان إِلَى زمَان فجزمتُ كَمَا تجزمُ إنْ
وَالثَّالِث أنَّ لم تردُّ المضارعَ إِلَى معنى المضيِّ فالفعلُ باعتبارِ لَفظه يستحقُّ الحركةَ الإعرابية وَبِاعْتِبَار مَعْنَاهُ يستحقُّ البناءَ فَجُعل لَهُ حكمٌ متوسطٌ وَهُوَ السّكُون الَّذِي هُوَ فِي المبنيّ بناءٌ وَفِي المعرب حاصلٌ عَن عَامل
стр. 519
فصل
فإنْ دخلَ حرفُ الشَّرط على لم أقرَّ معنى الِاسْتِقْبَال فِيهِ لأنَّ الشرطَ لَا يكونُ إلَاّ بالمستقبل فَلذَلِك قدّم عَلَيْهَا وَبقيت لم للنَّفْي فَقَط فب إنْ بَطل أحد معنييها وَلَو بقيَ المضيُّ لم يبقَ ل إنْ معنى وكلُّ أَمر يُحافظ فِيهِ على معنى اللَّفْظَيْنِ وَلَو من وجهٍ أولى من أمرٍ يَلْزمُ مِنْهُ حذف أحد الْمَعْنيين بالكلِّيَّة
فصل
وأمَّا لَمَّا فَهِيَ لم زيدت عَلَيْهَا مَا وَصَارَ لَهَا معنى آخر فَإِذا وَقع المستقبلُ بعْدهَا جزمته وَجَاز أَن تقفَ عَلَيْهَا كَقَوْلِك تكلمتَ ثُمَّ قطعت ولَمَّا أَي وَلما تُنْهِ وَلَا يجوز ذَلِك فِي لم وإنْ وقعَ بعْدهَا الْمَاضِي صارتْ ظرفا واقتضت جَوَابا كَقَوْلِه تَعَالَى (وَلما تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ) وَلَوْلَا مَا لم يجز ذَلِك
стр. 520
فصل
وأمَّا لامُ الْأَمر فَعمِلت لاختصاصها وإنَّما جَزَمتْ لأمرين
أَحدهمَا مَا تقدم من أنّها أحدثت فِي الْفِعْل معنى زَاد ثِقَلُه بِهِ
وَالثَّانِي أنَّ الْأَمر طلبٌ وَهُوَ غَرَض للْآمِر فَأَشْبَهت لامُه لَام الْمَفْعُول لَهُ وَتلك جارّة فيجبُ أنْ تكون هَذِه جازمةً لأنَّ الْجَزْم فِي الْأَفْعَال نظيرُ الجرِّ فِي الْأَسْمَاء ولشبهها بهَا كُسرِت
فصل
فإنْ دخلتْ عَلَيْهَا الواوُ والفاءُ سُكِّنت فِي اللُّغَة الجيِّدة لِئَلَّا تتوالى الحركاتُ فإنْ دخلت عَلَيْهَا ثمّ فالجيّد كسرهَا لأنَّ ثمَّ مُنْفَصِلَة وَقد سكَّنها قومٌ لشبهها بِالْوَاو
стр. 521
فصل
وأمَّا لَا فِي النهيِ فَعمِلت لاختصاصها وجَزمت لِمَا جزمتْ لَهُ الّلامُ وَقيل النّهي كالأمرِ من طَرِيق الْمَعْنى فصح حمله عَلَيْهِ فِي الْجَزْم
فصل
وأماَّا (إنْ) الشّرطِيَّة فَهِيَ أُمُّ أدواتِ الشرطِ لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَنَّهَا حرفٌ وَغَيرهَا من أدواته اسمٌ والأصلُ فِي إفادةِ الْمعَانِي الحروفُ
وَالثَّانِي أَنَّهَا تُستعمل فِي جَمِيع صُوَرِ الشَّرطِ وغَيْرُها يَخُصُّ بعضَ الْمَوَاضِع ف من لمن يعقل وَمَا لما لَا يعقل وَكَذَلِكَ بَاقِيهَا كلِّ مِنْهَا ينفردُ بِمَعْنى وإنْ مُفْردَة تصلحُ للْجَمِيع
مَسْأَلَة
فعلُ الشَّرطِ وَالْجَزَاء مُعْربان وحُكي عَن الْمَازِني أنَّهما مبنيّان وحجّة الأوّلين أنَّ الْمَعْنى الَّذِي أُعرب لَهُ الْفِعْل موجودٌ ودخولُ معنى التَّعْلِيق فِيهِ لَا يُبطِلُ ذَلِك كَمَا لَا تُبطله أَن وَلم وَلنْ
стр. 522
واحتجَّ الْآخرُونَ بأنَّ الفعلَ هُنَا لَا يقعُ موقعَ الِاسْم فَكَانَ مبنيّاً كالأمر
وَهَذَا لَا يصحُّ لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أنَّه لم يُعربْ لوُقُوعه موقعَ الِاسْم حَتَّى يُبنى لزوَال ذَلِك وَإِنَّمَا رُفع لهَذَا الْموقع
وَالثَّانِي هُوَ بَاطِل ب لن يفعل فَإِنَّهُ لَا يَقع موقع الِاسْم وَهُوَ مُعرب
مَسْأَلَة
وَاخْتلف الأولونَ فِي الْجَازِم لفعلِ الشَّرْط وَجَوَابه فقالَ محققو الْبَصرِيين إنْ هِيَ الجازِمة لَهما وَقَالَ بعضُهم إنْ تجزم الأوَّل ثمَّ تجزمان الْجَواب وقالَ بعضُهم إنْ تَجْزِمُ الأوَّلَ ثمَّ يُجْزِمُ الأوَّلُ الجوابَ
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ إنْ تجزم الأوَّل وينجزمُ الجوابُ على الجوارِ
وَحجَّة الأوّلين أنَّ إنْ تَقْتَضِي الْفِعْلَيْنِ فَعمِلت فيهمَا كالابتداء وككان وإنَّ وظننتُ
وَاحْتج الْقَائِل الثَّانِي بأنَّ إنْ ضعيفةٌ فَلَا تعْمل فِي شَيْئَيْنِ فتقوّى بِالثَّانِي كَمَا ذكرْنا فِي عاملِ الْخَبَر
وَاحْتج الثَّالِث بأنّ الفعلَ الأولَ يَقْتَضِي الثَّانِي فعملَ فِيهِ
واحتجَّ الرَّابِع بأنَّ الحرفَ ليسَ فِي قوّتهِ العملُ فِي الْفِعْلَيْنِ والفعلُ لَا يعملُ فِي الْفِعْل فتعيَّن أنْ يكونَ على الجوارِ لما فِيهِ من مشاكلة للأوَّل وَقد جَاءَ الْإِعْرَاب على الْجوَار كثيرا
стр. 523
وَالْجَوَاب إنَّ عملَ الفعلِ فِي الْفِعْل غيرُ سائغٍ لأنَّ الفعلَ لَا يَقْتَضِي الفعلَ وَلَا عملَ بِدُونِ اقْتِضَاء العاملِ للمعمول وَهَذَا يمنعُ أَن يعْمل وحدَه أوْ مَعَ غَيره وأمَّا الْإِعْرَاب على الجوارِ فَلَا يُصار إِلَيْهِ إلاّ عِنْد الضَّرُورَة وَلَا ضرورةَ
مَسْأَلَة
إِذا دخلت إنْ على لم كَانَ الجزمُ ب لم لَا بهَا وإنْ دخلت على لَا كانَ بهَا لَا ب لَا وَالْفرق بَينهمَا أنَّ لم عاملٌ يلْزمه معمولُه وَلَا يفرّق بَينهمَا بِشَيْء وإنْ يجوزُ أَن يفرّق بَينهَا وَبَين معمولها بمعمولِ معمولِها نَحْو إنْ زيدا تضربْ أضْرِبْه وَتدْخل أَيْضا على الْمَاضِي فَلَا تعْمل فِي لَفظه وَلم لَا تفارقُ الْعَمَل وأمَّ لَا فَلَيْسَتْ عاملةٌ فِي النَّفْي فأضيف الْعَمَل إِلَى أنْ فالأوَّل كَقَوْلِه ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا﴾ وَالثَّانِي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وإلَاّ تَغْفِرْ لِي﴾
مَسْأَلَة
لَا تكون إنْ بِمَعْنى إذْ وَأَجَازَهُ الكوفيّون
حجّة الأوَّلين من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أنَّ إذْ اسمٌ وإنْ حرف وَوُقُوع الْحَرْف بِمَعْنى الِاسْم بعيدٌ فِي السماع وَالْقِيَاس
وَالثَّانِي أنَّ معنى إنْ مخالفٌ معنى إذْ
стр. 524
واحتجَّ الْآخرُونَ بقوله تَعَالَى ﴿وإنْ كَنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ وَالْمعْنَى إذْ كُنْتُم لأنَّ إنْ للمتردِّد وَلم يكن فِي ريب الْيَهُود تردُّد
وَالْجَوَاب أنَّ الْعَرَب تَذْكُرُ مثلَ ذَلِك على جِهَة الِاحْتِجَاج والإلزام للخصم حتَّى يعْتَرف وَكَذَلِكَ يقولُ الرجل لِابْنِهِ إنْ كنتَ ابْني فأطعني ويدلُّ على أنَّها للشّرط مَجِيء الْفَاء فِي جوابها وأنَّه لَا يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا
فصل
وَلما كَانَت مَنْ للْعُمُوم وَفِي الْعُمُوم إبهامٌ وَقعت شرطا لشبهها بإنْ فِي هَذَا الْمَعْنى وَكَذَلِكَ بقيَّةُ أدوات الشَّرْط إِلَّا أنَّ فِي مَنْ وَأَخَوَاتهَا مَا لَيْسَ فِي إنْ إذْ كَانَت اسْما يَقع مُبْتَدأ ومفعولاً ومجروراً
فصل
وأمَّا مَهْمَا فَفِيهَا قَولَانِ
أَحدهمَا هِيَ اسْم مفردٌ للْعُمُوم لأنَّ الأَصْل عدم التَّرْكِيب
وَالثَّانِي هِيَ مركبة وَفِي أَصْلهَا قَولَانِ
أَحدهمَا أَصْلهَا = ماما فَالْأولى شَرْطِيَّة وَالثَّانيَِة للتوكيد مثلهَا فِي إنْ مَا = إمَّا واينما إِلَّا أَن الْألف الأولى قلبت هَاء لِئَلَّا يستنكر تَكْرِير اللَّفْظ وَهُوَ قَول الْخَلِيل
стр. 525
وَالثَّانِي أَن اصلها مَه الَّتِي بِمَعْنى اكفف وَمَا شَرْطِيَّة وَالْمعْنَى اكفف عَن كل شَيْء مَا تفعل افْعَل
ويدلُّ على أنَّ مهما اسمٌ أَو فِيهَا اسمٌ عودُ الضَّمِير إِلَيْهَا فِي مثل قَوْله تَعَالَى ﴿مهما تأتنا بِهِ من آيَة﴾
فصل
وأمَّا حيثُ فَلَا تَجْزِمُ إلَاّ إِذا كانتْ مَعهَا مَا لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أنَّ حَيْثُ تلْزم إضافتها إِلَى الْجمل والمضاف يعْمل الْجَرّ وَهُوَ من خَصَائِص الْأَسْمَاء فَلَا يعملُ الجزمَ المختصَّ بالأفعال
стр. 526
وَالثَّانِي أنَّ حيثُ تقعُ بعْدهَا الأسماءُ والأفعالُ فَلم تختصّ فأدخلت عَلَيْهَا مَا لتقطعها عَن الْإِضَافَة فتهيء لَهَا الْعَمَل فِي الْفِعْل بِخِلَاف أَيْن وَمَتى فَإِنَّهُمَا يَجْزِمان من غير مَا لِأَنَّهُمَا لَا يضافان
فصل
أصلْ إذْما عِنْد سِيبَوَيْهٍ إذْ الزمانية رُكِّبت مَعهَا مَا فنقلِتها عَن الاسميّة فهما حرفٌ ولمّا نُقلت عَن ذَلِك جُعلتْ شرطيّة لأنَّها فِي الأصلِ ظَرْفُ زمانٍ ماضٍ فلمّا نُقلتْ استعملتْ فِيمَا مُقْتَضَاهُ الزَّمَان وَقَالَ غَيره لَيست مركبة
فصل
وَلَا يجازى ب إِذا فِي الِاخْتِيَار لأنَّها تُستعمل فِيمَا لَا بدَّ من وُقُوعه كَقَوْلِك
стр. 527
إِذا احمرَّ البُسْرُ تَأْتِينَا فاحمرارُه كائنٌ لَا محالةَ ووقتها معِين فِيمَا تُضَاف إِلَيْهِ وبابُ الشَّرْط مختصٌّ بِمَا هُوَ محتملُ للكونِ وَقد جَاءَ الجزمُ بهَا فِي الشّعْر
مَسْأَلَة
لَا يجوزُ أَن يعملَ فِي أدوات الشَّرْط شيءٌ قبلهَا إلَاّ حرفُ الجرِّ لأنَّ أداةَ الشَّرْط تُثبت فِيمَا بعْدهَا معنى فَكَانَ لَهَا صدر الْكَلَام كأداة الِاسْتِفْهَام وَالنَّفْي فأمَّا قولُ الشَّاعِر من // الْخَفِيف //
(إنَّ مَنْ لامَ فِي بني بنتِ حَسّانَ ... أَلُمه وأعْصِه فِي الْخُطُوبِ)
стр. 528
فَفِي إنَّ ضميرُ الشَّأْن ومَنْ مُبْتَدأ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إنَّه مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾
فصل
وَإِذا وَقع بعد أداةِ الشَّرط اسمٌ كانَ العاملُ فِيهِ فعلا إمَّا الَّذِي يَلِيهِ كَقَوْلِك إنْ زيدا تضربْ أضرِبْه أَو فعل مَحْذُوف يفسره الْمَذْكُور كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وإنْ أحدٌ مِنَ المشركينَ استجارَكَ﴾ ف أحدٌ فَاعل أَي إِن استجارَ أحدٌ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ يرْتَفع بالعائد وَقَالَ بَعضهم هُوَ مُبْتَدأ
ولدليلُ الأوَّل أنَّه لَا معنى ل إنْ إلَاّ فِي الْأَفْعَال وَلذَلِك لَا تقعُ بعْدهَا جملةٌ من اسْمَيْنِ فَإِذا لم يكن مَذْكُورا قُدِّر لتصحيح الْمَعْنى وَلذَلِك يبْقى الجزمُ فِي الفعلِ بعدَ الِاسْم كقولِ الشَّاعِر من // الرمل // (صَعْدَةٌ نابِتَةٌ فِي حائرٍ ... أيْنَما الريحُ تميّلْها تَمِلْ)
стр. 529
وَقَالَ عديّ من // الْخَفِيف // (وَمَتى واغِلٌ يَنُبْهُمْ يحيّوهُ ... وتُعْطَفُ عَلَيْهِ كأسُ السَّاقي)
فصل
والجزاءُ يكونُ بالفعلِ المجوزمِ وَلَا يحتاجُ إِلَى الْفَاء لأنَّ حكمَ الْفِعْل المعلَّق بِفعل الشَّرْط أَن يعقبه فاستُغْنِىَ عَن حرفٍ يدلّ على التعقيب فَإِذا لم تجزمْ أَو جِئْت باسم جِئْت بِالْفَاءِ فِي الْجَواب لتدلَّ على التعقيب الَّذِي هُوَ حكمُ الْجَزَاء وربّما حُذِفَتْ وَهُوَ قَلِيل وَأكْثر مَا يَأْتِي حَذْفُها إِذا كَانَ فعلُ الشَّرْط مَاضِيا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإنْ أطعْتُموهم إنَّكم لَمُشْرِكون﴾ وَقد جَاءَ مَعَ الْمُسْتَقْبل كَقَوْل الشَّاعِر من // الْبَسِيط //
стр. 530
(مَنْ يَفْعلِ الحسناتِ الله يشكرها ... والشرُّ بالشرِّ عِنْدَ اللهِ مِثْلانِ)
وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ
فصل
وتُقامُ إِذا الَّتِي للمفاجأة مقَام الْفَاء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وإنْ تُصِبْهُمْ سيئةٌ بِمَا قدَّمت أَيْديهم إِذا هُمْ يَقْنَطون﴾ لأنَّ المفاجأة تعقيبٌ
فصل
فَأَما قَول الشَّاعِر من // الرجز // (يَا أقرعُ بنُ حابسٍ يَا أقرعُ ... إنَّك إنْ يُصرعْ أَخُوك تصرعُ)
فمذهبُ سِيبَوَيْهٍ أنَّ تصرعُ خبر إنَّ وَالشّرط معترض بَينهمَا وَجَوَابه محذوفٌ أغْنى عَنهُ مَا قبلَه ومذهبُ المبرِّد هُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي فأنتَ تصرعُ
следующие страницы →