← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 6

زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر

فهد بن إبراهيم الضالع

Полный текст (979 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المبحث الثاني عشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الميم . وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة المصباح: باب المصباح: قال ابن الجوزي: «المصباح: اسم لما يستضاء به في العادة من ضوء النهار (١). قال شيخنا: وهو " مِفعال " من الصباح، وهو الضياء. يقال للوجه إذا كان مضيئاً بالحسن: صبيح. وذكر بعض المفسرين أن المصباح في القرآن على وجهين: أحدهما: الكوكب . ومنه قوله تعالى في الملك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]. والثاني: السراج . ومنه قوله تعالى في النور: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الكوكب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]. وقال به من السلف: قتادة (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه السياق القرآني.

стр. 142

الوجه الثاني: السراج. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]. وقال به من السلف: ابن عباس (١). ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «كما سمّيَ المِصْباح مِصباحًا لحُمْرَته، قالوا: ولذلك يقال وجهٌ صَبيحٌ» (٣). نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجهين وهما: الوجه الأول: الكوكب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]. ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثاني: السراج. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]. ومأخذه السياق القرآني والمعنى المشهور للفظ في لغة العرب. المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة المطر: باب المطر: قال ابن الجوزي: «المطر: اسم للماء الذي ينزل من السماء. وتمطر الرجل، إذا تعرض للمطر. والمستمطر: طالب الخير (٤).

стр. 143

وذكر بعض المفسرين أن المطر في القرآن على وجهين: أحدهما: المطر المعروف . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]. والثاني: الحجارة . ومنه قوله تعالى في قصة قوم لوط: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [الأعراف: ٨٤]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: المطر المعروف. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وأبو حيان، والقرطبي (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أحد أصلي اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الميم والطاء والراء أصلٌ صحيحٌ فيه معنيان: أحدهما الغَيث النّازل من السَّماء» (٣). الوجه الثاني: الحجارة. ومثل ابن الجوزي له بقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [الأعراف: ٨٤]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه السياق القرآني. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجهين وهما: الوجه الأول: المطر المعروف. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة.

стр. 144

الوجه الثاني: الحجارة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [الأعراف: ٨٤]، ومأخذه السياق القرآني. المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة المعين: باب المعين: قال ابن الجوزي: «قال ابن قتيبة: المعين: الماء الظاهر، وهو مفعول من العين (١). وقال ابن فارس: يقال: معن الماء: جرى. وهو معين وأمعن الفرس: تباعد في عدوه. وذكر بعض المفسرين أن المعين في القرآن على وجهين: أحدهما: الخمر . ومنه قوله تعالى في الواقعة: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨]. والثاني: الماء الظاهر . ومنه قوله تعالى في الملك: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الخمر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨]. ولم أقف على من قال أن المعين هنا: الخمر. والذي ورد عن السلف يفيد أنهم فسروا الكأس بالخمر والمعين بالجريان وقال به منهم: ابن عباس، وقتادة والضحاك قولهم «من خمر جارية». ومما يدل على ذلك جلياً رواية أخرى عن الضحاك إذ يقول: «الكأس: الخمر» (٣).

стр. 145

وتبع السلفَ المفسرون ومنهم: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). وبهذا يتبين أن الصحيح في معنى المعين في هذه الآية: الجريان. ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الميم والعين والنون أصلٌ يدلُّ على سهولةٍ في جريان أو جري أو غير ذلك. ومَعَن الماءُ: جَرَى، وماءٌ معِينٌ، ومجارِي الماء في الوادي مُعْنانٌ» (٢). الوجه الثاني: الظاهر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. وقال به من السلف سعيد بن جبير (٣)، وابن عباس (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا المعنى في الآية، ومأخذه السياق القرآني. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة ، أن هذا الباب داخل ضمن علم الوجوه والنظائر، غير أن تحديد الوجه الأول يختلف عن ماذكره ابن الجوزي، فيكون: الوجه الأول: الجريان ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة. الوجه الثاني: الظاهر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. ومأخذه السياق القرآني.

стр. 146

المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة المكان: باب المكان: قال ابن الجوزي: «قال بعض العلماء: المكان عبارة عن منتهى الجسم الذي يحيط به من جوانبه ويتحرك نحوه ويسكن إليه. وقال غيره: المكان عبارة عن موضع الاستقرار. والمكن: بيض الضب، وهي ضبة مكون. ومكن الضباب: طعام الأعراب، ولا تشتهيه نفوس الأعاجم. قال الراجز: وَمكن الضِباب طَعامُ العُرَيبِ ... وَلا تَشتَهيهِ نُفوس العَجَم (١) وأنشدوا: إنكَ لو ذُقْتَ الكُشَى بالأكْبَادْ ... لما تَركتَ الضَّبَ يَعْدو بالوادْ (٢) والكُشى: شحم الضب. قال أبو عبيد: المكنات: بيض الضباب، واحدها مكنة. وأما مكنات الطير، فهو على معنى الاستعارة، ويقال: المكِنات أيضاً - بكسر الكاف. وإنما المكن للضباب، ومنه: (أقروا الطير على مكناتها) (٣). وذكر بعض المفسرين أن المكان في القرآن على وجهين: أحدهما: الموضع . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [هود: ٩٣]، أي: على مواضعكم. والثاني: الصنيع . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [يوسف: ٧٧]. أي: صنيعاً» (٤).

стр. 147

دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي . الوجه الأول: الموضع. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [هود: ٩٣]. ولم أقف على من قال به من السلف والمفسرين. وفي الآية قول آخر وهو: أن المكانة هنا بمعنى الناحية والطريقة. وقال به ابن عباس (١). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن كثير (٢). ولفظ المكانة ليس هو لفظ الباب، فالباب المكان وما في الآية المكانة، وبينهما فرق، قال أبو هلال العسكري: «الفرق بين المكان والمكانةِ، أن المَكانةَ الطريقة، يقال: هو يعمل على مكانته، ومَكِيْنَتِهِ، أيْ على طريقته، ومنه قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [هود: ٩٣]. والمَكان (مَفْعَل) من (يكونُ) ويكون مصدراً وموضعاً». (٣) ويتبين مما تقدم أن المعنى الصحيح للمكانة هنا، أنها الطريقة، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثاني: الصنيع. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [يوسف: ٧٧]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه السياق القرآني.

стр. 148

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة عدم دخول هذا الباب في علم الوجوه والنظائر؛ فالذي ذكره ابن الجوزي: الموضع. ومثل له بقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [هود: ٩٣]. وتقدم أن الصحيح في هذا اللفظ أنه من المكانة وليس من المكان فيكون بمعنى: الطريقة. كما أشار إليه أبو هلال العسكري، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثاني: الصنيع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [يوسف: ٧٧]. ومأخذه السياق القرآني. ومما تقدم يتضح أن هذا الباب غير داخل في علم الوجوه والنظائرلعدم دخول المكانة فيه أصلاً. المطلب الخامس: دراسة وجوه كلمة المنكر: باب المنكر: قال ابن الجوزي: " المنكر: اسم مشتق من النكرة. وهو في الشريعة عبارة عن ارتكاب محظورات الشرع. وضده: المعروف. ويقال: نكرت الشيء وأنكرته. والتنكر: التنقل عن حال تسر إلى أخرى (١). وذكر بعض المفسرين أن المنكر في القرآن على وجهين: أحدهما: الشرك . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وفي لقمان: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧]. والثاني: التكذيب بالنبي ﷺ -. ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، وفي براءة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [براءة: ٧١]» (٢).

стр. 149

دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: أحدهما: الشرك. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال به من السلف: ابن عباس، وأبو العالية (١). ومن المفسرين: ابن جرير (٢)، وأبو حيان (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧]. وقال به من السلف: سعيد بن جبير (٤). ومن المفسرين: ابن زمنين، والواحدي (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بالمثال لأن من أمثلة المنكر في الآيتين الشرك. الوجه الثاني: التكذيب بالنبي ﷺ .

стр. 150

ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والقرطبي (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [براءة: ٧١]. ولم أقف على من قال به من السلف والمفسرين. ويتبين مما تقدم أن تكذيب النبي ﵇ داخل ضمن المنكر، فهو نوع منه وتفسير بالمثال عليه، وأما المنكر فأعم وأشمل. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة أن (المنكر) لفظ عام شامل كل فعل تحكم العُقُول الصحيحة بقبحِهِ، أو تتوقف في استقبَاحِه واستحسانه العُقُول، فتحكم بقُبْحه الشَّريعةُ (٢). ويدخل في هذا جميع آيات الوجهين وهي: قوله تعالى في آل عمران: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وفي لقمان: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧]. وقوله تعالى في آل عمران: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، وفي براءة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [براءة: ٧١]. ويدخل في هذه الآيات وغيرها كل ما استقبحه الطبع أو الشرع سواء كان عظيماً كالشرك، أو كان دون ذلك كسائر المعاصي.

стр. 151

ويؤيد هذه النتيجة مايلي: أخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: «كل ما ذكره الله في القرآن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالأمر بالمعروف دعاء من الشرك إلى الإسلام والنهي عن المنكر النهي عن عبادة الأوثان والشياطين» (١). أن بعض المفسرين أورد الأثر عن أبي العالية في تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [براءة: ٧١]، ومنهم ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٢). وأما البغوي فقال في تفسيرها: «من الشرك والمعصية وكل ما لايُعرف بالشرع» (٣). وبهذا يبقى لفظ الباب على عمومه ولا يدخل في علم الوجوه والنظائر.

стр. 152

الفصل الثاني الكلمات القرآنية الواردة على ثلاثة أوجه وفيه ثمانية مباحث وهي: المبحث الأول: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الألف. المبحث الثاني: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الباء. المبحث الثالث: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حروف الثاء والدال والذال. المبحث الرابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الراء. المبحث الخامس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حروف السين والصاد والعين. المبحث السادس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الفاء. المبحث السابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف القاف. المبحث الثامن: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف اللام.

стр. 153

الفصل الثاني: الكلمات القرآنية الواردة على ثلاثة أوجه. وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الألف . وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الأفواه: باب الأفواه: قال ابن الجوزي: «الأفواه: واحدها فم. وأصل الفم فوه على وزن فوز، والفَوه: سعة الفم. يقال: رجل أفوه، وامرأة فوهاء، ويقال: فاه الرجل بالكلام يفوه، إذا لفظ به. والمفوّه: القادر على الكلام (١). وأنشدوا: قد يخزن الورعُ التقي لسانَه ... هذرَ الكلامِ وإنهُ لمفوه (٢) وذكر بعض المفسرين أن الأفواه في القرآن على وجهين: - أحدهما: الأفواه المعروفة التي واحدها فم، ومنه قوله تعالى في إبراهيم: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]، ومعناه: أنهم قصدوا إسكات الرسل بلغوهم. والثاني: الألسن . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، أي: بألسنتهم. وسمي اللسان بذلك لمكان المجاورة والسبب كما سمي العقل قلباً في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، أي عقل، لأن القلب ظرف للعقل. وقد ألحق بعضهم وجهاً ثالثاً فقال: والأفواه: الكلام. ومنه قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: ٨] أي بكلامهم» (٣). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الأفواه المعروفه التي واحدها فم.

стр. 154

مثل ابن الجوزي لهذا الوجه بقوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]. اختلف السلف في تحديد الطريقة التي تم فيها رد الأيدي إلى الأفواه؛ واتفقوا على أن معناها الأفواه المعروفة التي واحدها الفم؛ ومنهم: ابن مسعود، وابن زيد، وقتادة، ومجاهد، ومحمد بن كعب القرظي (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «فوه: الفُوهُ: أصلُ بِناء الفَمِ. والأَفْوَهُ: الواسِعُ الفم» (٣). الوجه الثاني: الألسن. مثل ابن الجوزي لهذا الوجه بقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] وقال به من المفسرين: ابن جرير، والماوردي، وابن الجوزي. (٤) ويلاحظ في هذا الوجه: أن كثيراً من المفسرين قالوا عن ذكر الأفواه هنا أنه من باب التأكيد (٥)، فذكر القول يستلزم أنه بالأفواه، ولأن المقام للتفريق بين دعوى اللسان واعتقاد القلب وعدم تواطئهما؛ جاء التصريح بالأفواه؛ قال الراغب الأصفهاني: «كل موضع علق الله تعالى حكم القول بالفم فإشارة إلى

стр. 155

الكذب، وتنبيه أن الاعتقاد لا يطابقه» (١). أن ذكر الأفواه هنا مع إرادة اللسان من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، وهو أسلوب قرآني؛ كقوله تعالى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧] والمراد جزء من الأصابع. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه إطلاق الكل وإرادة الجزء. الوجه الثالث: الكلام. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: ٨]. ولم أقف على من خصص الأفواه هنا بالكلام، والظاهر دخوله في الذي قبله لكون اللسان من لوازم الكلام؛ وقال باللسان تفسيرا لهذه الآية من السلف: ابن جريج (٢)، ومن المفسرين: مقاتل ابن سليمان (٣). نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجهين وهما: الوجه الأول: الأفواه المعروفه التي واحدها فم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الخليل. الوجه الثاني: الألسن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذ إطلاق الكل وإرادة الجزء. وأما الوجه الذي هو: الكلام . ففي قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: ٨] تقدم أنني لم أقف على من خصص الأفواه هنا بالكلام، وأنه داخل في الذي قبله لكون اللسان من لوازم الكلام فيعود إليه.

стр. 156

المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الاستحياء: باب الاستحياء قال ابن الجوزي: «ذكر أهل التفسير أن الاستحياء في القرآن على ثلاثة أوجه: ولم يفرقوا بين المقصور والممدود (١). أحدها: الاستبقاء . ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]. والثاني: الترك . ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. والثالث: من الحياء . ومنه قوله تعالى في الأحزاب: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٥٩]» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الاستبقاء. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]. وقال به من السلف: ابن عباس، وأبو العالية والربيع بن أنس، والسُّدي، ومجاهد (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيَّان، وابن كثير. (٤) ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه ومأخذه، المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، قال ابن فارس: «الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خِلاف المَوْت، والآخر الاستحياء الذي هو ضِدُّ الوقاحة. فأمّا الأوّل: فالحياة وَالحَيَوان، وهو ضِدُّ الموت والمَوَتَان، واستحياه: أبْقَاهُ حَيَّاً» (٥).

стр. 157

الوجه الثاني: الترك. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. وقال به من المفسرين: الزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي (١). تنبيه وهذا الوجه مخالف لمنهج أهل السنة في صفات الله تعالى، فيجب إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ﵇ على مايليق به سبحانه من غير تمثيل ولاتحريف ولا تعطيل، قال ابن القيم عن المنهج العام للصحابة والتابعين في الصفات: «ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها» (٢). قال ابن عثيمين في فوائد هذه الآية: «من فوائد الآية: إثبات الحياء لله ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. ووجه الدلالة: أن نفي الاستحياء عن الله في هذه الحال دليل على ثبوته فيما يقابلها؛ وقد جاء ذلك صريحاً في السنة، كما في قول النبي ﷺ : "إن ربكم حييّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفراً" (٣)؛ والحياء الثابت لله ليس كحياء المخلوق؛ لأن حياء المخلوق انكسار لما يَدْهَمُ الإنسان ويعجز عن مقاومته؛ فتجده ينكسر، ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يُستحيا منه؛ وهو صفة ضعف ونقص إذا حصل في غير محله» (٤). ويتبين مما تقدم أن هذا الوجه غير صحيح في معنى الآية، ويبقى التقسيم في مكانه ويستبدل وجه الترك بالصفة على مايليق به سبحانه، ويكون الوجه الثاني بهذا الشكل: الوجه الثاني: صفة الحياء لله تعالى، على مايليق بجلاله وعظمته.

стр. 158

ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. الوجه الثالث: من الحياء. (١) ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٥٩]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «والآخَر: قولهم استحييت منه استِحياءً» (٣) نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة تقسيم الوجوه إلى ثلاثة وتغيير في مسمى الوجه الثاني وبيان ذلك: الوجه الأول: الاستبقاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]. ومأخذه، المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، كما أشار إليه ابن فارس. الوجه الثاني: الترك. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. وتم التنبيه على أن هذا القول مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى، وتقدم من كلام ابن القيم ما يدل على منهج الصحابة والتابعين في صفات الله تعالى بوجه عام، وصفة الحياء لله تعالى بوجه خاص.

стр. 159

ويكون الوجه الثاني بهذا الشكل: الوجه الثاني: صفة الحياء لله تعالى، على مايليق بجلاله وعظمته. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. الوجه الثالث: الحياء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٥٩].ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس. المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة الأسفل: باب الأسفل: قال ابن الجوزي: «الأسفل: ما انحط عن رتبة الأعلى، والسفل: ما مالت إليه الأجسام الثقيلة بالطبع، والعُلو ما انتهت إليه الأجسام الخفيفة بالطبع. (١) وذكر أهل التفسير أن الأسفل في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: الانحطاط في المكان ، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وفي الأنفال: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]، أي: هم في منهبط الوادي. والثاني: الخسران في الأمر . ومنه قوله تعالى في الصافات: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨]. والثالث: بلوغ أرذل العمر . ومنه قوله تعالى في سورة التين: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:

стр. 160

الوجه الأول: الانحطاط في المكان. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. وقال به من السلف: ابن مسعود (١) وابن عباس (٢). وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]. وقال به من السلف: ابن عباس، وهشام بن عروة (٤) وقتادة، ومجاهد، والسُّدي (٥). وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «سفل السين والفاء واللام أصل واحدة، وهو ما كان خلافَ العلوّ. فالسُّفل سِفْل الدارِ وغيرها، والسُّفُول: ضدّ العُلُوّ». (٧)

стр. 161

الوجه الثاني: الخسران في الأمر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول قتادة: «فما ناظر بعد ذلك حتى أهلكهم» (١). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والنَّحاس، والبغوي والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان،، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه تفسير الشيء بسببه؛ لأن من أسباب السفول المعنوي الخسران في الأمر، وجائز أن يكون مأخذ الوجه هنا تفسير الشيء بما يقاربه بالمعنى، وذلك لما بين السفول والخسران من التقارب. الوجه الثالث: بلوغ أرذل العمر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]. وقال به من المفسرين: ابن عباس وعكرمة والنخعي وقتادة (٣) والضحاك (٤). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥). وفي الآية قول آخر وهو: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة إن لم يؤمن. وقال به من المفسرين: أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وابن زيد (٦). وقال به من المفسرين: الفرَّاء ابن جرير، والبغوي والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٧).

стр. 162

ورجح القول - الوجه - الأول ابن جرير إذ يقول: «وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة، قول من قال: معناه ثم رددناه إلى أرذل العمر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في حال صحتهم وشبابهم، فلهم أجر غير ممنون بعد هرمهم، كهيئة ما كان لهم من ذلك على أعمالهم في حال ما كانوا يعملون وهم أقوياء على العمل، وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة لما وصفنا من الدلالة على صحة القول بأن تأويل قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]، إلى أرذل العمر» (١). وأما ابن كثير فقد رجح القول الآخر - ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة إن لم يؤمن - فيقول: «﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]، أي إلى النار قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد وغيرهم، ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيرهم إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل، ولهذا قال ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦]. وقال بعضهم: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]: أي إلى أرذل العمر، روي هذا عن ابن عباس وعكرمة حتى قال عكرمة: «من جمع القرآن لم يرد إلى أرذل العمر»، واختار ذلك ابن جرير، ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك لأن الهرَم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر]» (٢). ومن خلال وجوهٍ عشرة بين ابن القيم الوجه الصحيح في معنى الآية فقال: » ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منهم من أجاب ومنهم من أبى ذكر حال الفريقين فذكر حال الأكثرين وهم المردودون إلى أسفل سافلين، والصحيح: أنه النار قاله مجاهد، والحسن، وأبو العالية، قال علي ابن أبي طالب ﵁: «هي النار بعضها أسفل من بعض «. وقالت طائفة منهم قتادة وعكرمة وعطاء وإبراهيم: أنه أرذل العمر وهو مروي عن ابن عباس. والصواب القول الأول لوجوه:

стр. 163

أحدها: أن أرذل العمر لا يسمى أسفل سافلين لا في لغة ولا عرف، وإنما أسفل سافلين هو سجِّين الذي هو مكان الفجار، كما أن عليين مكان الأبرار. الثاني: أن المردودين إلى أسفل العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جدا؛ فأكثرهم يموت ولا يرد إلى أرذل العمر. الثالث: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رد من طال عمره منهم إلى أرذل العمر فليس ذلك مختصاً بالكفار حتى يستثني منهم المؤمنين. الرابع: أن الله سبحانه لما أراد ذلك لم يخصه بالكفار بل جعله لجنس بني آدم فقال: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠]، فجعلهم قسمين: قسماً متوفى قبل الكبر وقسماً مردوداً إلى أرذل العمر، ولم يسمه أسفل سافلين. الخامس: أنه لا تحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين، وهو سبحانه قابَل بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان، فجعل جزاء الكفار أسفل سافلين وجزاء المؤمنين أجراً غير ممنون. السادس: أن قول من فسره بأرذل العمر يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم، ويستلزم تفسيرها بأمر محسوس، فيكون قد ترك الإخبار عن المقصود الأهم وأخبر عن أمر يعرف بالحس والمشاهدة، وفي ذلك هضم لمعنى الآية وتقصير بها عن المعنى اللائق بها. السابع: أنه سبحانه ذكر حال الإنسان في مبدئه ومعاده، فمبدؤه خلقه في أحسن تقويم ومعاده رده إلى أسفل سافلين أو إلى أجر غير ممنون، وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومعاده، فما لأرذل العمر وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه؟!. الثامن: أن أرباب القول الأول مضطرون إلى مخالفة الحس، وإخراج الكلام عن ظاهره والتكلف البعيد له، فإنهم إن قالوا إن الذي يرد إلى أرذل العمر هم الكفار دون المؤمنين كابروا الحس، وإن قالوا: إن من النوعين من يرد إلى أرذل العمر احتاجوا إلى التكلف لصحة الاستثناء، فمنهم من قدر ذلك بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل أعمالهم إذا ردوا إلى أرذل العمر بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة، فهذا وإن كان حقاً فإن الاستثناء إنما وقع من الرد، لا من الأجر والعمل، ولما علم أرباب هذا القول ما فيه من التكلف خصَّ بعضهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقراءة القرآن خاصة فقالوا:

стр. 164

«من قرأ القرآن لا يرد إلى أرذل العمر». وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أن الاستثناء عام في المؤمنين قارئهم وأميهم. وأنه لا دليل على ما ادعوه وهذا لا يعلم بالحس ولا خبر يجب التسليم له يقتضيه والله أعلم. التاسع: أنه سبحانه ذكر نعمته على الإنسان بخلقه في أحسن تقويم، وهذه النعمة توجب عليه أن يشكرها بالإيمان وعبادته وحده لا شريك له، فينقله حينئذ من هذه الدار إلى أعلى عليين، فإذالم يؤمن به وأشرك به وعصى رسله، نقله منها إلى أسفل سافلين، وبدله بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم، صورة من أقبح الصور في أسفل سافلين فتلك نعمته عليه وهذا عدله فيه، وعقوبته على كفران نعمته. العاشر: أن نظير هذه الآية قوله تعالى ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤، ٢٥] فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون فالعذاب الأليم هو أسفل سافلين والمستثنون هنا هم المستثنون هناك والأجر غير الممنون هناك هو المذكور هنا والله أعلم» (١). ويتبين مما تقدم أن المعنى الصحيح في هذه الآية هو: الرد إلى النار في أقبح صورة إن لم يؤمن. ويكون الوجه الثالث: رد الكافر إلى النار إن لم يؤمن ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]. ومأخذه السياق القرآني، وبالتحديد استثناء المؤمن فيها كما بينه ابن كثير وابن القيم. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه عدداً ، وتغيير في تحديد المراد في ثناياها: فالوجه الأول: الانحطاط في المكان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. وقوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]. ومأخذه أصل الكلمة في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس.

стр. 165

الوجه الثاني: الخسران في الأمر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨]. ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: بلوغ أرذل العمر. واستدل له بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]. وتقدمت الإشارة إلى أن في الآية قولاً آخر وهو: رد الكافر إلى النار في أقبح صورة إن لم يؤمن، وتم إيراد من قال به من السلف والمفسرين، ورجحه ابن كثير وانتصر له ابن القيم من خلال وجوه عشرة ذكرها؛ فيكون: الوجه الثالث: رد الكافر إلى النار إن لم يؤمن ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]. ومأخذه السياق القرآني. المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة الأغلال: باب الأغلال: قال ابن الجوزي: «الأغلال: جمع غُلٍّ. والغُلّ: حديدة مستديرة تجعل في عنق الأسير. والغِلُّ - بكسر الغين: الحقد. والغالُّ: الوادي ينبت الشجر، وجمعه غلان، وغَلَّ الرجل: إذا خان لأنه أخذ مختفياً. وأغَلَّت الضيعة فهي مُغِلّة: إذا أتت بشيءٍ وأصلها باقٍ، قال زهير: فتُغلِل لكم ما لا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم (١) والغِلالَةُ: الثوب الذي يُلبس تحت الثياب. وتغلَّلت بالغالية، وتغليت: إذا جعلتها في أصول الشعر. والغَلَل: الماء الذي يجري في أصول الشجر. والغَلِيل: حرارة العطش. والغَلْغلة: سرعة السير. المغلغلة: الرسالة تغلغل تحت كل شيء حتى تصل. (٢)

стр. 166

وذكر بعض المفسرين أن الأغلال في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: أغلال الحديد . ومنه قوله تعالى في سبأ: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣]. والثاني: الشدائد . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. والثالث: الإمساك . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: أُمسكتْ عن فعل الخير» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: أغلال الحديد. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب. قال ابن فارس: «والغُل: جامعَة توضع في العنق أو اليد». (٣) الوجه الثاني: الشدائد. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقال به من السلف: ابن عباس (٤). وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي وأبو حيَّان (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه تفسير الشيء بلازمة، فمن لوازم الأغلال الشدة.

стр. 167

الوجه الثالث: الإمساك. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] وقال به من السلف: الضحاك (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بجزء المعنى، لأن الأغلال تعطي معنى الإمساك، والتخلل، والشدة. قال ابن فارس: «الغين واللام أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على تخلل شئٍ، وثباتِ شئ، كالشئ يُغْرَزُ. من ذلك قول العرب: غَلَلْتُ الشَّئ في الشّئ، إذا اثبتَّه فيه، كأنَّه غَرزْتَه» (٣). نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الثلاثة ، وهي: الوجه الأول: أغلال الحديد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، كما أشار إليه ابن فارس. الوجه الثاني: الشدائد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ومأخذه التفسير باللازم. الوجه الثالث: الإمساك. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]. ومأخذه التفسير بجزء المعنى. المطلب الخامس: دراسة وجوه كلمة الأمانة: باب الأمانة

стр. 168

قال ابن الجوزي: «قال شيخنا علي بن عبيد اللَّه ﵁: الأصل في الأمانة: الأمن والطمأنينة. والموضع الذي يطمئن فيه الإنسان: المأْمَن. والوديعة: أمانة لأن صاحبها ائتمن المودع على حفظها فاطمأن إليه. وقال ابن فارس: يقال: رجل أمَنَة. وأمَنَة: يثق بكل أحد. ورجل أمين وأُمَّان. وأنشدوا. ولقد شَهِدْتُ التّاجِرَ الـ ... أُمّانَ موْرُوداً شرابُهْ (١) والأَمُون: الناقة الموثقة الخلق. وكأنه أُمن فيها الفتور في السير (٢). وذكر بعض المفسرين أن الأمانة في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: الفرائض ، ومنه قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]، أي: تضيعوا فرائضكم. وفي الأحزاب: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. والثاني: الوديعة . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وفي المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]. والثالث: العفة . ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].» (٣) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي الوجه الأول: الفرائض. ومثل ابن الجوزي لهذا الوجه بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]. وقال به من السلف: ابن عباس (٤).

стр. 169

ومن المفسرين: الزَّمخشري، والقرطبي، وابن كثير (١). وللسلف في الآية قول آخر وهو: الدِّين: وقال به ابن زيد (٢). وقال بعموم الأمانة من المفسرين: ابن جرير، وابن عطية (٣). الآية الثانية: وفي الأحزاب: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وقال به من السلف: أبي بن كعب، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن زيد، والضحاك (٤). وأورده من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥). وفي الآية أقوال أُخر: فعن ابن مسعود: «ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وذريته» (٦). وعن أبي بن كعب: «من الأمانة أن المرأة اؤتُمِنَتْ على فرجها» (٧). وعن أبي الدرداء: «الغسل من الجنابة أمانة» (٨).

стр. 170

وقال ابن مسعود: «الأمانة أداء الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وصدق الحديث وقضاء الدين والعدل في المكيال والميزان وأشد من هذا كله الودائع» (١). وقال أبو العالية: «ما أمروا به ونهوا عنه» (٢). قال ابن جرير في صحة جميع هذه الأقوال بما فيها الوجه الذي ذكره ابن الجوزي في معنى الآية: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا إنه عني بالأمانة في هذا الموضع جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله عرضنا الأمانة بعض معاني الأمانات لما وصفنا» (٣). وتبعه في ترجيح العموم: الزَّجَّاج، والنَّحاس، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثاني: الوديعة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وقال به من السلف: علي بن أبي طالب، وابن مسعود (٥)، وابن زيد (٦). وللسلف في الآية أقوال أخر: فعن أبي بن كعب: «من الأمانة أن المرأة اؤتُمِنَتْ على فرجها» (٧). عن ابن عباس: «السلطان يعظ النساء». وعن ابن جريج والزهري: «أمر للنبي ﷺ برد مفتاح الكعبة على علي بن طلحة» (٨)

стр. 171

وعن أبي العالية: «الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه» وعن الربيع: «هذه الأمانات فيما بينك وبين الناس، في المال وغيره» وخص الآية بحقوق الرعية على السلطان من المفسرين ابن جرير فقال: «وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قول من قال: هو خطاب من الله لولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا في فيئهم، وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقسم بينهم بالسوية، يدل على ذلك ما وعظ به الرعية في: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فأمرهم بطاعتهم وأوصى الراعي بالرعية وأوصى الرعية بالطاعة» (١). وأورد القول بأن المراد بها الوديعة أو العموم من المفسرين: البغوي (٢)، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير. ورجح عموم الآية في جميع الأمانات: ابن عطية (٣)، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]. ومعنى كلام المفسرين يدل على العموم: كقول ابن جرير: «التي أتُمنوا عليها» (٤) وقال به البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثالث: العفة.

стр. 172

ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وعمرو بن ميمون، وشريح، والأعمش، وقتادة، والسُّدي، وابن زيد. (١) ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحاس، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير. (٢) ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه السياق القرآني؛ ففي الآيات دلالة على عفته في الأعراض، والأموال فلم يخن فيما اؤتمن عليه (٣)، وإذا كان أمينا في مثل هذا فهو في ما سواه أشد أمانة. نتيجة الدراسة تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي: الوجه الأول: الفرائض. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢].

стр. 173

الوجه الثاني: الوديعة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]. وهذان الوجهان بآياتهما من قبيل التفسير بالمثال، وقد تقدم عرض الأقوال الأخرى للسلف، وأن الوجه صحيح في المثال وإلا فالأمانة في الآيات شاملة لكل أمانة. الوجه الثالث: العفة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. ومأخذه السياق القرآني؛ لأن في الآيات دلالة على عفته ﵇ في الأعراض، والأموال فلم يخن فيما اؤتمن عليه. المطلب السادس: دراسة وجوه كلمة أنى: باب أنَّى: قال ابن الجوزي: «قال ابن قتيبة: أنَّى تكون لمعنيين: أحدهما: بمعنى: كيف . والثاني بمعنى: من أين . والمعنيان متقاربان، يجوز أن يتأول في كل واحد منهما الآخر (١). قال الكميت: أنَّى ومن أين آبك الطَّرَبُ ... من حيث لا صبوة ولا ريب (٢) فجاء بالمعنيين جميعاً (٣). قال شيخنا علي بن عبيد اللَّه: أنَّى لفظ سؤالٍ يرد في كل مكان بحسب ما يقتضيه من زمانٍ، وحال، ومكان، فإذا وقع سؤالاً عن زمانٍ، كان بمعنى "متى". فإذا كان سؤالاً عن حال، كان بمعنى "كيف". فإذا كان سؤالاً عن مكانٍ، كان بمعنى "أين". (٤)

стр. 174

وذكر المفسرون أنه في القرآن على هذه الأوجه الثلاثة: فمن الأول: وهو كونه بمعنى " متى "، قوله في البقرة: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. ومن الثاني: وهو كونه بمعنى " كيف". قوله في البقرة: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وفي آل عمران: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ﴾ [آل عمران: ٤٧]. ومن الثالث: وهو كونه بمعنى "من أين". قوله تعالى في آل عمران: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وفي براءة: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [براءة: ٣٠]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: بمعنى (متى). مثل ابن الجوزي لهذا الوجه بقوله تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. وقال به: أبو البقاء العكبري، والسمين الحلبي، والشوكاني (٢). وفي الآية قول آخر هو: أنها بمعنى كيف، قال به السُّدي (٣). ومن المفسرين: الزَّجَّاج (٤). الوجه الثاني: بمعنى (كيف). ومثل ابن الجوزي لهذا الوجه بآيتين:

стр. 175

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وقال به من السلف: ابن عباس، وابن كعب، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والسُّدي. (١) ومن المفسرين: الفرَّاء، والزَّجَّاج، والبغوي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢). وللسلف في الآية قولان آخران هما: - (أنى) بمعنى؛ من أين: وبه قال ابن عباس، وعكرمة، والربيع، وعطاء. (٣) - (أنى) بمعنى؛ متى: وبه قال ابن عباس، والضحاك. (٤) الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ﴾ [آل عمران: ٤٧]. وقال به من المفسرين: القرطبي، أبو حيَّان، وابن كثير. (٥) والقول الوارد عن السلف هو: أنها بمعنى: من أين؛ وقال به السُّدي (٦). الوجه الثالث: بمعنى (من أين). ومثل ابن الجوزي لهذا الوجه بآيتين من: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]. وقال به من السلف: أبو مالك غزوان الغفاري، والسُّدي (٧). ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والزَّمخشري، وابن عطية وابن كثير (٨). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [براءة: ٣٠]. وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي، وابن الجوزي (٩).

стр. 176

والقول المروي عن السلف هو: أنها بمعنى كيف، وقال به منهم ابن عباس وأبو مالك غزوان الغفاري. (١) ومن المفسرين: الزَّمخشري، وأبو حيَّان، وابن كثير. (٢) وبعد هذا العرض السريع للوجوه ولمن قال بها أو قال بغيرها في ذات الآيات يجدر التنبيه إلى أمور: أن (أنى) عند أهل اللغة لا تخرج عن معان ثلاثة هي: كيف، ومن أين، ومتى. قال الخليل: «أنى، كيف ومن أين، أنى شئت، كيف شئت، ومن أين شئت، قال الكميت: أنى ومن أين آبك الطَّرب وقوله جل وعز: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]. أي من أين لك هذا؟» (٣). وقال أبو البقاء محب الدين بن الحسين العكبري: «وأنى تكون بمعنى متى، وكيف، ومن أين؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. ومن الثاني، قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. ومن الثالث قوله: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]» (٤).

стр. 177

ولم يسلم هذا القول من التعقب، وإيراد معنىً يختص بأنى دون غيرها؛ ومن أوائل من رفع ذلك الشعار وانتصر له أشد الانتصار الإمام أبو جعفر الطبري حيث إنه جمع عامة آيات الباب في تحرير بديع، ووقوف متأمل على الاضطراب في معنى (أنى)، وذكر أن معناها أعم وأشمل من خصوصية كيف أو متى أو من أين فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا، قول من قال: معنى قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. من أي وجه شئتم، وذلك أن (أنى) في كلام العرب كلمة تدل إذا ابتدئ بها في الكلام على المسألة عن الوجوه، والمذاهب، فكأن القائل إذا قال لرجل أنى لك هذا المال؟ يريد من أي الوجوه لك، ولذلك يجيب المجيب فيه، بأن يقول: من كذا وكذا كما قال تعالى ذكره مخبرا عن زكريا في مسألته مريم: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧].وهي مقاربة أين وكيف في المعنى، ولذلك تداخلت معانيها فأشكلت (أنى) على سامعها، ومتأولها، حتى تأولها بعضهم بمعنى أين، وبعضهم بمعنى كيف، وآخرون بمعنى متى، وهي مخالفة جميع ذلك في معناها وهن لها مخالفات، وذلك أن أين إنما هي حرف استفهام عن الأماكن والمحال، وإنما يستدل على افتراق معاني هذه الحروف بافتراق الأجوبة عنها، ألا ترى أن سائلا لو سأل آخر فقال: أين مالك؟. لقال بمكان كذا، ولو قال له أين أخوك؟ لكان الجواب أن يقول: ببلدة كذا، أو بموضع كذا؛ فيجيبه بالخبر عن محل ما سأله عن محله فيعلم أن أين مسألة عن المحل. ولو قال قائل لآخر: كيف أنت؟ لقال صالح، أو بخير، أو في عافية، وأخبره عن حاله التي هو فيها؛ فيعلم حينئذ أن كيف مسألة عن حال المسؤول عن حاله. ولو قال له أنى يحيي الله هذا الميت؟ لكان الجواب أن يقال: من وجه كذا ووجه كذا، فيصف قولا نظير ما وصف الله تعالى ذكره للذي قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. فعلاً حين بعثه من بعد مماته، وقد فرقت الشعراء بين ذلك في أشعارها فقال الكميت بن زيد: تَذَكَّرَ مِنْ أَنَّى ومن أَيْنَ شُرْبُه ... يُؤامِرُ نَفْسَيْه كذي الهَجْمة الأَبِل (١) وقال أيضاً: أنى ومن أين نابك الطرب ... من حيث لا صبوة ولا ريب

стр. 178

فيجاء بـ (أنى) للمسألة عن الوجه، وبـ (أين) للمسألة عن المكان، فكأنه قال: من أي وجه ومن أي موضع راجعك الطرب؟ والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]: كيف شئتم أو تأوله بمعنى حيث شئتم أو بمعنى متى شئتم أو بمعنى أين شئتم؛ أن قائلا لو قال لآخر أنى تأتي أهلك لكان الجواب أن يقول من قبلها أو من دبرها كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم إذ سئلت أنى لك هذا أنها قالت هو من عند الله، وإذ كان ذلك هو الجواب، فمعلوم أن معنى قول الله تعالى ذكره: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. إنما هو فأتوا حرثكم من حيث شئتم، من وجوه المأتي وأن ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل» (١). وأيد مذهب أبي جعفر الطبري في معنى (أنى) أبو جعفر النَّحاس فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]، قال أبو عبيدة: المعنى من أين لك هذا؟ (٢)، وهذا القول فيه تساهل لأن (أين) سؤال عن المواضع، وأنى سؤال عن المذاهب والجهات، والمعنى: من أي المذاهب ومن أي الجهات لك هذا؟». (٣) وقرر ابن عطية هذا القول وأشار إلى أنه هو الاستعمال العربي، فقال: (أنى) إنما تجئ سؤالاً، أو إخباراً عن أمر له جهات، فهي أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن متى، هذا هو الاستعمال العربي، وقد فسر الناس (أنى) في هذه الآية بهذه الألفاظ» (٤). ونقل القرطبي كلام ابن عطية هذا بنصه (٥). وبعد هذا العرض، وبما أن أقوال أهل اللغة متفقة مع أقوال السلف فهي أولى، وأقوال السلف حجة في التفسير واللغة، ويكون تفسيرهم ل (أنى) في جميع آيات الباب، تفسير للفظ بما يطابقه من اللغة، وما يناسبه من السياق، وأما قول ابن جرير ومن أيده وهو: أن أنى بمعنى من أي وجه،

стр. 179

فكأنه تأويل عام لـ (أنى) مجردة، والسياق الذي هي فيه يحدد أي الجهات؛ فإن كان السياق في الزمن: فمعنى أنى: متى؟، وإن كان السياق في الأمكنة فتأويل أنى: من أين؟، وإن كان السياق في الأحوال فتأويل أنى: كيف؟، وبهذا يمكن الجمع بين القولين، وهورأي شيخ ابن الجوزي كما تقدم. ففي الوجه الأول: أن (أنى): بمعنى (متى). مثل ابن الجوزي لهذا الوجه بقوله تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. وتقدم ذكر من قال بالوجه ومن قال أن (أنى) بمعنى كيف، وعلى هذا فالوجه صحيح ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثاني: بمعنى (كيف). ومثل ابن الجوزي لهذا الوجه بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وفي هذه الآية تعددت أقوال السلف في تفسير (أنى) بين كيف، ومتى، ومن أين، ومهما تنوعت تفاسيرهم لها فإنهم يلتزمون باشتراط أن يكون الإتيان في مكان الحرث فيكون تفسيرهم لـ (أنى) من قبيل المشترك اللفظي. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ﴾ [آل عمران: ٤٧]. وتقدم ذكر من قال به من المفسرين. وعليه فالوجه صحيح ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: بمعنى (من أين). ومثل ابن الجوزي لهذا الوجه بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]. وتقدم ذكر من قال به من السلف والمفسرين. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [براءة: ٣٠]. وتقدم ذكر من قال به المفسرين.

стр. 180

والقول المروي عن السلف هو: أنها بمعنى كيف، وقال به منهم ابن عباس وأبو مالك غزوان الغفاري. (١) ومن المفسرين: الزَّمخشري، وأبو حيَّان، وابن كثير. (٢) وعليه فالوجه صحيح ومأخذه السياق القرآني. نتيجة الدراسة تحصل من تلك الدراسة؛ صحة الوجوه الثلاثة وهي: الوجه الأول: أن (أنى): بمعنى (متى). ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. الوجه الثاني: بمعنى (كيف). ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ﴾ [آل عمران: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [براءة: ٣٠]. الوجه الثاني: بمعنى (من أين). ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]. قال ابن قتيبة عن الوجهين الأخيرين: «والمعنيان متقاربان، يجوز أن يتأول في كل واحد منهما الآخر» (٣)، ومأخذ الوجوه السياق القرآني؛ كما تقدم.
следующие страницы →