والقول المروي عن السلف هو: أنها بمعنى كيف، وقال به منهم ابن عباس وأبو مالك غزوان الغفاري. (١)
ومن المفسرين: الزَّمخشري، وأبو حيَّان، وابن كثير. (٢)
وبعد هذا العرض السريع للوجوه ولمن قال بها أو قال بغيرها في ذات الآيات يجدر التنبيه إلى أمور:
أن (أنى) عند أهل اللغة لا تخرج عن معان ثلاثة هي: كيف، ومن أين، ومتى.
قال الخليل: «أنى، كيف ومن أين، أنى شئت، كيف شئت، ومن أين شئت،
قال الكميت:
أنى ومن أين آبك الطَّرب
وقوله جل وعز: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧].
أي من أين لك هذا؟» (٣).
وقال أبو البقاء محب الدين بن الحسين العكبري: «وأنى تكون بمعنى متى، وكيف، ومن أين؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩].
ومن الثاني، قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. ومن الثالث قوله:
﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]» (٤).
стр. 177
ولم يسلم هذا القول من التعقب، وإيراد معنىً يختص بأنى دون غيرها؛ ومن أوائل من رفع ذلك الشعار وانتصر له أشد الانتصار الإمام أبو جعفر الطبري حيث إنه جمع عامة آيات الباب في تحرير بديع، ووقوف متأمل على الاضطراب في معنى (أنى)، وذكر أن معناها أعم وأشمل من خصوصية كيف أو متى أو من أين فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا، قول من قال: معنى قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. من أي وجه شئتم، وذلك أن (أنى) في كلام العرب كلمة تدل إذا ابتدئ بها في الكلام على المسألة عن الوجوه، والمذاهب، فكأن القائل إذا قال لرجل أنى لك هذا المال؟ يريد من أي الوجوه لك، ولذلك يجيب المجيب فيه، بأن يقول: من كذا وكذا كما قال تعالى ذكره مخبرا عن زكريا في مسألته مريم: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧].وهي مقاربة أين وكيف في المعنى، ولذلك تداخلت معانيها فأشكلت (أنى) على سامعها، ومتأولها، حتى تأولها بعضهم بمعنى أين، وبعضهم بمعنى كيف، وآخرون بمعنى متى، وهي مخالفة جميع ذلك في معناها وهن لها مخالفات، وذلك أن أين إنما هي حرف استفهام عن الأماكن والمحال، وإنما يستدل على افتراق معاني هذه الحروف بافتراق الأجوبة عنها، ألا ترى أن سائلا لو سأل آخر فقال: أين مالك؟. لقال بمكان كذا، ولو قال له أين أخوك؟ لكان الجواب أن يقول: ببلدة كذا، أو بموضع كذا؛ فيجيبه بالخبر عن محل ما سأله عن محله فيعلم أن أين مسألة عن المحل. ولو قال قائل لآخر: كيف أنت؟ لقال صالح، أو بخير، أو في عافية، وأخبره عن حاله التي هو فيها؛ فيعلم حينئذ أن كيف مسألة عن حال المسؤول عن حاله. ولو قال له أنى يحيي الله هذا الميت؟ لكان الجواب أن يقال: من وجه كذا ووجه كذا، فيصف قولا نظير ما وصف الله تعالى ذكره للذي قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. فعلاً حين بعثه من بعد مماته، وقد فرقت الشعراء بين ذلك في أشعارها فقال الكميت بن زيد:
تَذَكَّرَ مِنْ أَنَّى ومن أَيْنَ شُرْبُه ... يُؤامِرُ نَفْسَيْه كذي الهَجْمة الأَبِل (١)
وقال أيضاً:
أنى ومن أين نابك الطرب ... من حيث لا صبوة ولا ريب
стр. 178
فيجاء بـ (أنى) للمسألة عن الوجه، وبـ (أين) للمسألة عن المكان، فكأنه قال: من أي وجه ومن أي موضع راجعك الطرب؟ والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]: كيف شئتم أو تأوله بمعنى حيث شئتم أو بمعنى متى شئتم أو بمعنى أين شئتم؛ أن قائلا لو قال لآخر أنى تأتي أهلك لكان الجواب أن يقول من قبلها أو من دبرها كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم إذ سئلت أنى لك هذا أنها قالت هو من عند الله، وإذ كان ذلك هو الجواب، فمعلوم أن معنى قول الله تعالى ذكره: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. إنما هو فأتوا حرثكم من حيث شئتم، من وجوه المأتي وأن ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل» (١).
وأيد مذهب أبي جعفر الطبري في معنى (أنى) أبو جعفر النَّحاس فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]، قال أبو عبيدة: المعنى من أين لك هذا؟ (٢)، وهذا القول فيه تساهل لأن (أين) سؤال عن المواضع، وأنى سؤال عن المذاهب والجهات، والمعنى: من أي المذاهب ومن أي الجهات لك هذا؟». (٣)
وقرر ابن عطية هذا القول وأشار إلى أنه هو الاستعمال العربي، فقال: (أنى) إنما تجئ سؤالاً، أو إخباراً عن أمر له جهات، فهي أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن متى، هذا هو الاستعمال العربي، وقد فسر الناس (أنى) في هذه الآية بهذه الألفاظ» (٤).
ونقل القرطبي كلام ابن عطية هذا بنصه (٥).
وبعد هذا العرض، وبما أن أقوال أهل اللغة متفقة مع أقوال السلف فهي أولى، وأقوال السلف حجة في التفسير واللغة، ويكون تفسيرهم ل (أنى) في جميع آيات الباب، تفسير للفظ بما يطابقه من اللغة، وما يناسبه من السياق، وأما قول ابن جرير ومن أيده وهو: أن أنى بمعنى من أي وجه،
стр. 179
فكأنه تأويل عام لـ (أنى) مجردة، والسياق الذي هي فيه يحدد أي الجهات؛ فإن كان السياق في الزمن: فمعنى أنى: متى؟، وإن كان السياق في الأمكنة فتأويل أنى: من أين؟، وإن كان السياق في الأحوال فتأويل أنى: كيف؟، وبهذا يمكن الجمع بين القولين، وهورأي شيخ ابن الجوزي كما تقدم.
ففي الوجه الأول: أن (أنى): بمعنى (متى).
مثل ابن الجوزي لهذا الوجه بقوله تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩].
وتقدم ذكر من قال بالوجه ومن قال أن (أنى) بمعنى كيف، وعلى هذا فالوجه صحيح ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثاني: بمعنى (كيف).
ومثل ابن الجوزي لهذا الوجه بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
وفي هذه الآية تعددت أقوال السلف في تفسير (أنى) بين كيف، ومتى، ومن أين، ومهما تنوعت تفاسيرهم لها فإنهم يلتزمون باشتراط أن يكون الإتيان في مكان الحرث فيكون تفسيرهم لـ (أنى) من قبيل المشترك اللفظي.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ﴾ [آل عمران: ٤٧].
وتقدم ذكر من قال به من المفسرين.
وعليه فالوجه صحيح ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثالث: بمعنى (من أين).
ومثل ابن الجوزي لهذا الوجه بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧].
وتقدم ذكر من قال به من السلف والمفسرين.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [براءة: ٣٠].
وتقدم ذكر من قال به المفسرين.
стр. 180
والقول المروي عن السلف هو: أنها بمعنى كيف، وقال به منهم ابن عباس وأبو مالك غزوان الغفاري. (١)
ومن المفسرين: الزَّمخشري، وأبو حيَّان، وابن كثير. (٢)
وعليه فالوجه صحيح ومأخذه السياق القرآني.
نتيجة الدراسة
تحصل من تلك الدراسة؛ صحة الوجوه الثلاثة وهي:
الوجه الأول: أن (أنى): بمعنى (متى).
ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩].
الوجه الثاني: بمعنى (كيف). ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ﴾ [آل عمران: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [براءة: ٣٠].
الوجه الثاني: بمعنى (من أين). ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]. قال ابن قتيبة عن الوجهين الأخيرين: «والمعنيان متقاربان، يجوز أن يتأول في كل واحد منهما الآخر» (٣)، ومأخذ الوجوه السياق القرآني؛ كما تقدم.
стр. 181
المبحث الثاني: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الباء:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة البهتان:
باب البهتان:
قال ابن الجوزي:
«البهتان: الكذب. وقيل: إنه أعلى درجات الكذب وهو أن يكذب الرجل لمن يعلم منه أنه يعلم كذبه. والعرب تقول يا للبهيته، أي: يا للكذب. ويقال بهت الرجل: إذا دهش. وفيه أربع لغات بُهِت وبَهِت وبَهَت وبَهُت (١).
وذكر أهل التفسير أن البهتان في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: الكذب . ومنه قوله تعالى في النور: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].
والثاني: الزنى . ومنه قوله تعالى في الممتحنة: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ [الممتحنة: ١٢].
والثالث: الحرام . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠].» (٢)
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الكذب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].
وقال به من السلف: سعد بن معاذ، وسعيد بن جبير (٣).
ومن المفسرين: البغوي، وابن عطية، والقرطبي (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب؛ قال ابن فارس: «فأمَّا البُهْتَان فالكذب، يقول العرب: يا لَلبَهيتة، أي يا لَلكذِب.» (٥)، وقال
стр. 182
الراغب الأصفهاني: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] أي كذب يبهت سامعه لفظاعته» (١).
الوجه الثاني: الزنى.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ [الممتحنة: ١٢].
ولم أقف على من قال به من السلف والمفسرين.
والوارد عن السلف في معنى الآية: لا يُلحقن بأزواجهن غير أولادهم؛ فيأتين بأولادهن من غيرهم وينسبنهم لهم، وقال به ابن عباس (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
وهذا الوجه الذي ذكره ابن الجوزي، غير صحيح في معنى الآية للأمور التالية:
- أن ابن الجوزي في زاد المسير لم يذكر (الزنى) ضمن الأقوال في البهتان من هذه الآية بل ذكر الكذب بادعاء الولد، ثم السحر ثم النميمة (٤)، وأما في تذكرة الأريب فلم يذكر سوى الكذب بادعاء الولد (٥)، مما يبين أنه لايراه تفسيراً للآية.
- صرح البغوي برد الوجه (الزنى) كونه معنىً للآية فقال: «قوله: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ [الممتحنة: ١٢]. ليس المراد منه نهيهن عن الزنا لأن النهي عن الزنا قد تقدم ذكره، بل المراد منه أن تلتقط مولودا وتقول لزوجها: هذا ولدي منك فهو البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن لأن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها» (٦).
ثم إن الكلام إذا دار بين التأسيس والتأكيد، فالتأسيس أولى، وقد تقدم ذكر الزنى في الآية قبل ذكر البهتان (١). وبهذا يتبين عود هذا المثال لمعنى الكذب وهو الوجه الأول.
وبهذا يتبين أن هذا الوجه داخل ضمن الوجه الأول لأن تفسير السلف والمفسرين بأن البهتان في الآية أن تلتقط مولودا وتقول لزوجها: هذا ولدي منك فهو البهتان المفترى، هو نوع من الكذب.
стр. 183
الوجه الثالث: الحرام.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠].
وقال بمعناه من السلف: سعيد بن جبير فقال: «الإثم» (٢).
وقال ابن جرير: «ظلماً» (٣).
وقال الزَّجَّاج، والزَّمخشري: «مباهتين آثمين». (٤)
وقال النَّحاس (٥)، وابن عطية: «محيراً لشناعته وبطلانه».
ويتبين مما تقدم أن هذا الوجه صحيح في معنى الآية، وهو تفسير باللازم، لأن كل بهتان يلزم منه الوقوع في الحرام والإثم، قال أبو حيَّان موجهاً هذه الأقوال: «أصل البهتان: الكذب الذي يواجه الإنسان صاحبه به، على جهة المكابرة فيبهت المكذوب عليه، ثم سمي كل باطل يتحير من بطلانه بهتان» (٦).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجهين فقط وهما:
الوجه الأول: الكذب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب.
الوجه الثاني: الحرام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠].
ومأخذه التفسير باللازم.
وأما الوجه الذي هو: الزنى، فقد تقدم بيان ضعفه ورد بعض المفسرين له، وأن القول به يلزم منه التكرار في الآية.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة البيع:
باب البيع:
قال ابن الجوزي:
«البيع: استبدال مال بمال على صفة مخصوصة، وربما سمي الشراء بيعاً عند العرب. وأنشدوا:
إذا الثريا طلعت عشاء ... فبع لراعي غنمٍ كساء (٧)
ويقال للمعاهدة على الأمر، والمعاقدة على النصر، وما أشبه ذلك: بيعة. ومنه بيعة الإمام (٨).
وذكر أهل التفسير أن البيع في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: عقد المعاوضة ، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وفيها: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
والثاني: عقد الميثاق على النصر ، ومنه قوله تعالى في الفتح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].
стр. 184
والثالث: الفداء ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وفي إبراهيم: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم ٣١]، قال الضحاك عن ابن عباس: لا فدية فيه» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: عقد المعاوضة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وممن صرح بتفسير البيع في الآية بأنه عقد المعاوضة: سعيد بن جبير (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ من اللغة؛ قال ابن فارس: «بيع، الباء والياء والعين أصلٌ واحدٌ، وهو بَيْع الشَّيءِ، ورُبَّما سمِّيَ الشِّرَاء بيعاً، والمعنى واحدٌ» (٥)، وقال الراغب الأصفهاني: البيع: إعطاء الثمن وأخذ المثمن» (٦).
стр. 185
الوجه الثاني: عقد الميثاق على النصر.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].
ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه البخاري عن سلمة ﵁ قال: «ثم بايعت النبي ﷺ ، ثم عدلت إلى ظل الشجرة، فلما خف الناس قال: يا بن الأكوع ألا تبايع؟. قال: قلت: قد بايعت يا رسول الله، قال: وأيضاً؛ فبايعته الثانية، فقلت له يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ قال على الموت» (١).
وقال به من السلف: ابن عمر، وجابر (٢)، سلمة بن الأكوع، ومعقل بن يسار (٣)، وقتادة (٤)، فبعضهم قال: على الموت، وبعضهم قال: على أن لا نفر.
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
стр. 186
ويتبين مما تقدم أن هذا الوجه صحيح، فمن تلك العقود عقد الميثاق على النصر، ويوضح ابن عطية أن هذا الوجه لايزال دائراً في فلك المعنى اللغوي للبيع فيقول: «والمبايعة في هذه، مفاعلة من البيع، لأن الله تعالى، اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وبقي اسم البيعة بعد معاقدة الخلفاء والملوك، وعلى هذا سمت الخوارج أنفسهم الشراة، أي: اشتروا بزعمهم الجنة بأنفسهم.» (١).
الوجه الثالث: الفداء.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢).
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [إبراهيم ٣١]، قال الضحاك عن ابن عباس: لا فدية فيه (٣).
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والنَّحاس، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة لأن الفداء معاوضة؛ قال أبو حيَّان: «ذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة، وأخذ البدل» (٥).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي:
стр. 187
الوجه الأول: عقد المعاوضة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].ومأخذه أصل اللفظ من اللغة.
الوجه الثاني: عقد الميثاق على النصر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].فقد تبين مما تقدم أن هذا الوجه صحيح، ومأخذه أصل اللفظ من اللغة، وتم نقل تحرير ابن عطية لهذا المعنى.
الوجه الثالث: الفداء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾
[البقرة: ٢٥٤]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم ٣١]، وشهد له حديث سلمة بن الأكوع، ومأخذه أصل اللفظ من اللغة. وتم نقل كلام أبي حيان بتوجيه البيع في الآيتين.
وبهذا لم تخرج الوجوه الثلاثة عن معنى البيع الذي هو المعاوضة، غير أن سياق آيات كل وجه يعطي معنى زائدا على المعاوضة التي هي البيع؛ ففي الوجه الثاني معاقدة على النصرة فزاد على المعاوضة المعروفة من البيع أنه نقله من الفروع إلى الأصول من الدين ومن تعامل دنيوي إلى أمور تتعلق بالحياة الباقية، وكذلك الوجه الثالث: الفداء فسياق الآيتين بقطع أي علائق قد يلتمسها المفرِّط أن تنفعه يوم القيامة ومنها أن يشتري نفسه فيفتديها من العذاب.
стр. 188
المبحث الثالث: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حروف الثاء، والدال، والذال .
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة ثم .
باب ثم:
قال ابن الجوزي:
» ثم حرف مبني على الفتح وهو من حروف العطف ويفيد الترتيب والمهلة تقول: جاءني زيد ثم عمرو، فعمرو جاء بعد زيد بمهلة وتراخ (١).
وذكر أهل التفسير أنه في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: بقاؤه على أصله ، ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وفي الأعراف: ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [آية ١٢٤]، وفي فاطر: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، وهو كثير في القرآن.
والثاني: بمعنى الواو ، ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]، وفي القيامة: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ القيامة: ١٩].
والثالث: وقوعه زائداً ، ومنه قوله تعالى في سورة براءة: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾. [التوبة: ١١٨] «(٢)
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: للترتيب مع التراخي.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الأنعام ١٦٤].
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول الربيع بن أنس: «يبعثهم من بعد الموت ... » (٣).
стр. 189
وقال به من المفسرين: ابن جرير، وأبو حيَّان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٤].
وقال به من المفسرين: أبو حيَّان (٢).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، وهو كثير في القرآن.
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن عباس: «هم أمة محمد ورثهم الله كل كتاب أنزله .. » (٣).
وقال به من المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان. (٤)
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، قال الزَّجَّاجي: «ثم: بالضم حرف عطف يدل على أن الثاني بعد الأول وبينهما مهلة» (٥).
الوجه الثاني: بمعنى الواو.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦].
وقال به من المفسرين: البغوي (٦).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩].
وقال به ابن فارس (٧).
стр. 190
وهذا الوجه غير صحيح في معنى الآيتين، لأن الأصل في (ثم) الترتيب مع التراخي كما دل عليه كلام الزَّجَّاجي المتقدم، وقال ابن عطية: «ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب القصص في أنفسها» (١) وقال العُكبري: «ثم، جاءت لترتيب الخبر لا لترتيب المخبر عنه كقوله تعالى:
﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] «(٢)، ورده أيضاً ابن هشام من جهة اللغة فقال عن (ثم):» وأما الترتيب فخالف قوم في اقتضائها إياه تمسكا بقوله تعالى ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦] ... والجواب عن الآية الأولى من خمسة أوجه: ... ... وذكر منها: الخامس: أن ثم لترتيب الإخبار، لا لترتيب الحكم، وأنه يقال بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب، أي ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب، والأجوبة السابقة أنفع من هذا الجواب لأنها تصحح الترتيب والمهلة وهذا يصحح الترتيب فقط إذ لا تراخي بين الإخبارين ولكن الجواب الأخير أعم .. » (٣).
وقال الزركشي: «ثم للترتيب مع التراخي .. وقد تأتي لترتيب الأخبار لا لترتيب المخبر عنه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] .. واعلم انه بهذا التقدير، يندفع الاعتراض بأن ثم؛ قد تخرج عن الترتيب والمهلة، وتصير كالواو، لأنه إنما يتم على أنها تقتضي الترتيب الزماني لزوما، أما إذا قلنا أنها ترد لقصد التفاوت، والتراخي عن الزمان، لم يحتج إلى الانفصال عن شئ مما ذكر من هذه الآيات الشريفة، لا أن تقول إن ثم قد تكون بمعنى الواو، والحاصل أنها للتراخي في الزمان، وهو المعبر عنه بالمهلة وتكون للتباين في الصفات وغيرها من غير قصد مهلة زمانية، بل ليعلم موقع ما يعطف بها وحاله، وانه لو انفرد لكان كافيا فيما قصد فيه، ولم يقصد في هذا ترتيب زماني بل تعظيم الحال فيما عطف عليه، وتوقعه، وتحريك النفوس لاعتباره .. » (٤).
стр. 191
وبهذا يتبين أن (ثم) في الآيتين على أصلها وأنها لترتيب الأخبار لا لترتيب المخبر عنه، وعليه فلا تكون بمعنى الواو.
الوجه الثالث: وقوعه زائداً.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٨].
ولم أقف على من ذكر زيادتها غير ما ذكره ابن هشام عن الأخفش والكوفيين فقال: «فأما التشريك فزعم الأخفش والكوفيون: أنه قد يتخلف، وذلك بأن تقع زائدة، فلا تكون عاطفة البتة وحملوا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٨] .. » (١)، وذكره ابن فارس بقوله: «وزعم ناس أن ثم تكون زائدة ... » (٢)، وجعله من باب ترتيب الخبر لا المخبر فيكون من أمثلة الوجه الثاني، وخصه بعطف الجمل.
وممن حرر القول في رد دعوى الكوفيين بالزيادة واحتجاجهم بهذه الآية؛ أبو حيَّان فقال:
«ودعوى أن (ثم) زائدة وجواب (إذا) ما بعد (ثم) بعيد جداً، وغير ثابت من لسان العرب زيادة (ثم). ومن زعم أن (إذا) بعد (حتى) تجرد من الشرط وتبقى لمجرد الوقت، فلا تحتاج إلى جواب بل تكون غاية للفعل الذي قبلها وهو قوله: خُلِّفوا أي: خلفوا إلى هذا الوقت» (٣).
ويتبين مما تقدم عدم صحة هذا الوجه، وأن ثم على معناها الأصلي في الآية.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة عدم دخول هذا الباب في علم الوجوه والنظائر:
فالوجه الأول: للترتيب مع التراخي.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
стр. 192
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الأنعام ١٦٤].
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٤].
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، وهذا الوجه هو الأصل في ثم.
وأما الوجه الثاني: بمعنى الواو.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦].
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩].
وتم رد ذلك الوجه والإشارة إلى ضعفه في اللغة، ودعم هذه النتيجة من كلام ابن عطية والعكبري وابن هشام والزركشي فيكون معنى (ثم) في الآيتين ترتيب الأخبار اهتماماً بشأن المعطوف به وليس ترتيب المخبر به. فتكون هاتان الآيتان ضمن الوجه الأول.
الوجه الثالث: وقوعه زائداً.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾. وقد تقدم ضعف هذا القول وعدم صحته تفسيرا للآية.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الدابة .
باب الدابة:
قال ابن الجوزي:
«الدابة: اسم الفاعل من قولك: دبّ، يدب، دبيباً. وكل ماشٍ على الأرض: دابة. وفي الحديث:» لا يدخل الجنة ديبوب «(١). (وهو النمام)، والدَّبيب: أضعف المشي (٢)
стр. 193
وذكر بعض المفسرين أن الدابة في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: جميع ما دب على وجه الأرض . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وفي عسق: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩].
والثاني: الأرضة . ومنه قوله تعالى في سبأ: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١٤].
والثالث: الدابة الخارجة في آخر الزمان . ومنه قوله تعالى في النمل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢].» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: جميع ما دب على وجه الأرض.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، والضحاك (٢).
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والنَّحاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩].
وقال به من السلف: مجاهد (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير (٥).
стр. 194
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الأصل اللغوي للفظ؛ قال ابن فارس: «دبّ: الدال والباء أصلٌ واحد صحيح مُنقاس، وهو حركةٌ على الأرض أخفُّ من المشْي. تقول: دَبَّ دَبِيباً، وكلُّ ما مَشى على الأرض فهو دابّة» (١).
وقال الراغب الأصفهاني: «الدَّبُّ والدَّبيب: مشي خفيف، ويستعمل ذلك في الحيوان .. والدابة يستعمل في كل حيوان». (٢)
الوجه الثاني: الأرَضَة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١٤].
وبه قال من السلف: ابن مسعود (٣)، وابن عباس، ومجاهد (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، فيكون مثالاً لعمومِ كل مادبّ على الأرض فيقترب بهذا من الوجه الأول، غير أن السياق هنا يحدد دابة مقصودة بعينها (دابة الأرض) وهي الأرضة كما قال بها السلف.
الوجه الثالث: الدابة الخارجة في آخر الزمان.
ومثل ابن الجوزي له بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢].
ويشهد له ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: «ثم بادروا بالأعمال ستا، طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان أوالدجال، أو الدابة .. الحديث» (٦).
стр. 195
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن عمر عن زمن خروجها: «هو حين لا يؤمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر»، ونحوه عن عطية العوفي (١).
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، فيكون مثالاً لعمومِ كل مادبّ على الأرض فيقترب بهذا من الوجه الأول ، غير أن السياق هنا يحدد دابة مقصودة بأوصاف خاصة ككونها تخرج قبيل القيامة، وكونها تكلم الناس.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي:
الوجه الأول: جميع ما دب على وجه الأرض. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩].
الوجه الثاني: الأرَضَة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١٤].
الوجه الثالث: الدابة الخارجة في آخر الزمان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]، وشهد له حديث أبي هريرة.
وجميع هذه الوجوه تنطوي تحت الأصل اللغوي لمادة (دبب)؛ غير أن السياق في كل وجه قد أعطاه خصوصية له دون غيره، فآيتي الوجه الأول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩].
стр. 196
تفيدان العموم في كافة الدواب كما ذكره السلف والمفسرون، وآية الوجه الثاني: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١٤] سياقها يفيد أن المقصود دابة بعينها، وهي التي ذكرها السلف والمفسرون أنها الأرْضة، وأما آية الوجه الثالث: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]. فقد خصها النبي ﷺ أنها دابة ليست من عامة الحيوان المعروف، وليست الأرضة، بل لها خصوص كونها من المقدمات الكبرى للقيامة.
المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة الذل .
باب الذل:
قال ابن الجوزي:
» الذل والخضوع يتقاربان. قال الفرَّاء: الذُّلّ والذِّلَّة بمعنى واحد (١).
وقال ابن قتيبة: يقال: رجل ذليل: بيّن الذل. بضم الذال ودابة ذلول: بينة الذل بكسر الذال (٢).
وذكر بعض المفسرين أن الذل في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: القِلَّة . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
والثاني: التواضع . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، وفي بني إسرائيل: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤].
والثالث: السهولة . ومنه قوله تعالى في هل أتى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] «(٣).
стр. 197
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: القلة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وقال به من السلف: ابن عباس والحسن وقتادة والربيع (١) وابن إسحاق (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير. (٣)
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، وهو تفسير بالسبب لأن سبب الذل المذكور في الآية هو القلة وإلا فالصحابة أعزة في أنفسهم.
الوجه الثاني: التواضع.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].
وقال به من السلف: علي، وابن عباس، وابن جريج (٤).
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير. (٥)
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤].
стр. 198
وقال به من السلف: عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب (١).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٢)، وابن كثير (٣).
هذا وأقوال السلف والمفسرين في الآيتين يرِد بلفظ الرحمة وأتبعوها الرقة والتواضع، وسياق الآيتين يعطي أمراً بكل معاني الذل من محاسن الأخلاق وجميل التعامل؛ كله مقصود للشارع هنا.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير باللازم لأن التواضع من لوازم الذل في الآيتين.
الوجه الثالث: السهولة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤].
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول مجاهد «إذا قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلت حتى ينالها، وإن اضطجع تدلت حتى ينالها فذلك تذليلها» وعن قتادة: «لايرد أيديهم عنها بُعد ولا شوك». ونحو هذا عن ابن زيد، وسفيان (٤).
وهو معنى تفسير المفسرين ومنهم: الفرَّاء، وابن جرير، الزَّجَّاج، والبغوي، الزَّمخشري، ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأنه يلزم من التذليل في الآية السهولة.
стр. 199
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي:
الوجه الأول: القلة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وهو تفسير بالسبب لأن سبب الذل المذكور في الآية هو القلة وإلا فالصحابة أعزة في أنفسهم.
الوجه الثاني: التواضع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤].ومأخذه التفسير باللازم لأنه يلزم من الذل في الآيتين التواضع.
الوجه الثالث: السهولة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤]. ومأخذه التفسير باللازم لأنه يلزم من التذليل في الآية السهولة.
стр. 200
المبحث الرابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الراء: وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الرِّجز .
باب الرِّجز:
قال ابن الجوزي:
«الأصل في الرجز: العذاب. يقال لما يوجب العذاب: رجز. على سبيل التجوز بطريق السبب. (١)
وذكر بعض المفسرين أن الرجز في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدهما: العذاب . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].
والثاني: الصنم . ومنه قوله تعالى في المدثر: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥].
والثالث: الكيد . ومنه قوله تعالى في الأنفال: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١]، أي كيده، قال ابن قتيبة: وسمي كيد الشيطان: رجزاً، لأنه سبب العذاب (٢)، وكذلك سمي الأصنام: رجزاً، لأنها تؤدي إلى العذاب» (٣).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: العذاب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].
وقال به من السلف: مجاهد، وقتادة، وابن زيد (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٥).
стр. 201
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، قال في القاموس: «الرُّجْزُ، بالكسر والضم: القَذَرُ، وعِبادَةُ الأَوْثَانِ، والعَذَابُ، والشِّرْكُ» (١)، وقال السمين الحلبي: «وأصل الرُّجز العذاب» (٢).
الوجه الثاني: الصنم.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء ابن جرير، والزَّجَّاج والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، (٤) وابن كثير (٥).
وللسلف في الآية قول آخر وهو: المعصية والإثم. قاله إبراهيم النخعي والضحاك (٦).
وبين قولي السلف تلازم حيث إن هجر المعصية والإثم من لوازمه هجر الصنم.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، فعدم هجر الأصنام سبب للعذاب، قال ابن قتيبة: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. يعني الأوثان، سماها رجزاً - والرجز العذاب - لأنها تؤدي إليه» (٧).
стр. 202
ويدخل في الأصنام هنا القول الثاني للسلف وهو المعصية لأن أعظم المعاصي الشرك الذي هو عبادة الأصنام وغيرها من دون الله تعالى، والمقصود هنا هجر كل ما من شأنه أن يؤدي إلى العذاب؛ قال الزَّجَّاج: «مايؤدي إلى عذاب الله فاهجره» (١).
الوجه الثالث: الكيد.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١].
وقال به من السلف: مجاهد، وعكرمة، وقتادة (٢)، والسُّدي (٣) قالوا: وسوسته.
وعن ابن زيد وعروة بن الزبير: تخويفه.
وعن ابن زيد: كيده (٤).
وقال به من المفسرين: الفرَّاء ابن جرير، والزَّجَّاج والنَّحاس والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
ومما تقدم يتبين صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، قال ابن قتيبة: «ثم قد يسمى كيد الشيطان رجزاً، لأنه سبب العذاب قال تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١]. وتفسير السلف للرجز بالوسوسة والتخويف كل ذلك من الكيد، قال أبو حيَّان:» وقيل رجزه: وسوسته وكيده «(٦).
تنبيه:
قال ابن فارس في كتابه الأفراد: «وكل حرف في القرآن من (رجز) فهو العذاب، كقوله تعالى في قصة بني إسرائيل: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، إلا
стр. 203
في سورة المدثر: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، فإنه يعني الصنم، فاجتنبوا عبادته» (١).
وقد تقدم من تفسير السلف مايردُّ هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١]. وأن الرجز في الآية ليس هو العذاب ولا الصنم كما تقدم.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي:
الوجه الأول: العذاب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب.
الوجه الثاني: الصنم.
ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥].
ومأخذه تفسير الشيء بسببه، فعدم هجر الأصنام سبب للعذاب، كماقال ابن قتيبة.
والثالث: الكيد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الركوع .
باب الركوع:
قال ابن الجوزي:
«الركوع في اللغة: الانحناء. وكل منحن: راكع. قال لبيد:
أُخَبِّرُ أخْبارَ القُرُونِ التي مَضَتْ ... أدِبُّ كأنّي كُلَّما قُمتُ راكعُ (٢)
ويقال: الركوع، ويراد به: الذل. وأنشدوا من ذلك:
стр. 204
لا تذلَ الضَّعيف علَّك أن ... تركعَ يوماً والدهرُ قد رفعه (١)
وذكر أهل التفسير أن الركوع في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدهما: الصلاة بجملتها . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أراد (صلوا) مع المصلين.
والثاني: الانحناء . ومنه قوله تعالى في الحج: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
والثالث: السجود . ومنه قوله تعالى في ص: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكره ابن الجوزي:
الوجه الأول: الصلاة بجملتها.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وقال به من السلف: مجاهد (٣).
ومن المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، قال ابن فارس: «وَالرُّكوع في الصلاة من هذا؛ ثمّ تصرّف الكلامُ فقيل للمصلّي راكع، وقيل للسَّاجد شكراً: راكع» (٥).
الوجه الثاني: الانحناء.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج والنَّحاس والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي (٦).
стр. 205
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «ركع الراء والكاف والعين أصلٌ واحدٌ يدلُّ على انحناءٍ في الإنسان وغيرِه. يقال ركَعَ الرّجُل، إذا انحنى، وكلُّ منحنٍ راكع» (١).
الوجه الثالث: السجود.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].
وقال به من السلف: الحسن (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج والنَّحاس والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه إما أن يكون: أصل اللفظ في اللغة، وهو الانحناء لأنه كما قال الحسن: «لايكون ساجداً حتى يركع» وقال أبو حيَّان: «إما أنه عبر بالركوع عن السجود، أو ذكر أول أحوال الخرور» (٤). أو يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، وإليه أشار أبو حيَّان آنفاً.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي:
الوجه الأول: الصلاة بجملتها. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب.
стр. 206
الوجه الثاني: الانحناء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
ومأخذه أصل اللفظ في اللغة.
الوجه الثالث: السجود. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]. ومأخذه إما أن يكون: أصل اللفظ في اللغة، أو مأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، وإليهما أشار أبو حيَّان فيما تقدم.
المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة الرمي .
باب الرمي:
قال ابن الجوزي:
«الأصل في الرمي إلقاء الحجر عن اليد، والرمي بالسهام قذفها عن كبد القوس، والرمية: الصيد يرمى. قال ابن السكّيت: خرجتُ أتَرَمَّى، إذا خرجتَ ترمي في الأغْراض؛ (١).
وذكر أهل التفسير أن الرمي في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدهما: الإلقاء والنبذ . ومنه قوله تعالى في المرسلات: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]، وفي سورة الفيل: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٤]. والثاني: الإصابة . ومنه قوله تعالى في الأنفال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
والثالث: القذف بالزنى . ومه قوله تعالى في النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، وفيها: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الإلقاء والنبذ.
стр. 207
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢].
ومعنى كلام المفسرين يدل عليه ومنهم: ابن جرير والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (١) وقال: «يتطاير الشرر من لهبها كالقصر».
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٤].
ومعنى تفسير السلف للحجارة التي من سجيل يدل على الوجه في الآية، كقول ابن عباس: «طين في حجارة» ونحوه عن عكرمة وموسى بن أبي عائشة. (٢)
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «رمي الراء والميم والحرف المعتل أصلٌ واحد، وهو نَبْذ الشَّيء» (٤).
الوجه الثاني: الإصابة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
وعبارة السلف تدل على الإصابة في معنى الرمي في هذه الآية مثل ما روي عن مجاهد قال عن حفنة الحصباء التي رماها النبي ﵇ يوم بدر: «ماوقع منها شيء إلا في عين رجل»، ونحوه عن
стр. 208
ابن مسعود، وحكيم بن حزام، وابن عباس، وقتادة، وهشام بن عروة، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، والسُّدي، وابن زيد. (١)
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بجزء من المعنى، بل إن الإصابة هي الغاية والنتيجة التي يطلبها كل رامٍ نحو هدف.
الوجه الثالث: القذف بالزنى.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤].
وقال به من السلف: سعيد بن جبير، والضحاك. (٣)
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤).
الآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦].
ويشهد لهذا الحديثُ الذي رواه ابن مسعود قال: «ثم إنا ليلة الجمعة في المسجد إذ جاء رجل من الأنصار، فقال لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه وإن سكت سكت على غيظ، والله لأسألن عنه رسول الله ﷺ ، فلما كان من الغد أتى رسول الله ﷺ ، فسأله فقال لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ،
стр. 209
فقال: اللهم افتح وجعل يدعو فنزلت آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦].هذه الآيات فابتلى به ذلك الرجل من بين الناس فجاء هو وامرأته إلى رسول الله ﷺ فتلاعنا فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين؛ فذهبت لتلعن فقال لها رسول الله ﷺ : «مه»، فأبت فلعنت فلما أدبرا، قال لعلها أن تجيء به أسوداً جعدا فجاءت به أسوداً جعداً» (١).
وقال به من السلف: عبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن عباس، وابن عمر، وسهل بن سعد، وعامر الشعبي، وعكرمة. (٢)
ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال الراغب الأصفهاني: «الرمي: يقال في الأعيان كالسَّهم والحَجَر، نحو: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، ويقال في المقال كناية عن الشتم كالقذف، نحو: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٤].» (٤)
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي:
الوجه الأول: الإلقاء والنبذ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٤].
стр. 210
ومعنى تفسير السلف للقصر وللحجارة يدل على الوجه في الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة.
الوجه الثاني: الإصابة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. وعبارة السلف دلت عليه، ومأخذه التفسير بجزء من المعنى، لأن الإصابة هي الغاية والنتيجة التي يطلبها كل رامٍ نحو هدف.
الوجه الثالث: القذف بالزنى. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]. الآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦].وشهد له حديث ابن مسعود، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما ذكره الراغب الأصفهاني.
المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة الريح .
باب الريح:
قال ابن الجوزي:
«الريح: الهواء المتحرك. والروح نسيم الريح. والأريحيّ: الواسع الخلق (١).
وذكر بعض المفسرين أن الريح في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدهما: الريح نفسها ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وفي الأعراف: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، وفي الروم: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦].
والثاني: الرائحة . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤].
والثالث: القوة . ومنه قوله تعالى في الأنفال: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الريح نفسها.
стр. 211
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
وقال به من السلف: قتادة (١).
ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧].
وقال به من السلف: السُّدي. (٣)
ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦].
ومعنى كلام السلف يدل عليه حيث قال مجاهد: «بالمطر» (٥)
ومن المفسرين: ابن جرير (٦)، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «الراء والواو والحاء أصلٌ كبير مطّرد، يدلُّ على سَعَةٍ وفُسْحَةٍ واطّراد. وأصل ذلك كلِّه الرّيح، وأصل الياء في الريح الواو، وإنّما قلبت ياءً لكسرة ما قبلها. فالرُّوح رُوح الإنسان، وإنّما هو مشتق من الرِّيح،
стр. 212
وكذلك الباب كلّه، وَالرَّوْح نسيم الرّيح» (١)، وقال الراغب الأصفهاني:
«والرَّيح معروف، وهي فيما قيل الهواء المتحرك» (٢).
الوجه الثاني: الرائحة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤].
وقال به من السلف: ابن عباس، والحسن، وابن جريج. (٣)
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال في القاموس: «والرِّيح. مفرد جمعه: أرْواحٌ وأرْياحٌ ورياح ورِيَحٌ، كعِنَب، جمع الجمع: أرَاوِيح، وأرَاييحُ، والغَلَبةُ، والقوة، والرَّحمة، والنُّصرة، والدَّولة، والشَّيء الطَّيب، والرَّائحة.» (٥).
الوجه الثالث: القوة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وقال به من السلف: مجاهد، والسُّدي، وقتادة، وابن إسحاق. (٦)
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٧).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «وَالرّيح: الغَلَبة والقُوّة، في قوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وقال الشّاعر:
стр. 213
أتَنْظُرَانِ قليلاً ريْثَ غفلَتِهِمْ ... أم تعْدُوان فإنَّ الرّيح لِلْعَادِي». (١)
وقال الراغب الأصفهاني: «وقد يستعار للريح الغلبة في قوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]» (٢).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي:
الوجه الأول: الريح نفسها. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧].وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس والراغب الأصفهاني.
الوجه الثاني: الرائحة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما نص عليه في القاموس.
الوجه الثالث: القوة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة على سبيل الاستعارة كما قاله الراغب الأصفهاني.
стр. 214
المبحث الرابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حروف السين، والشين، والصاد، والعين. وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة السبح .
باب السبح:
قال ابن الجوزي:
«قال شيخنا علي بن عبيد اللَّه: السَّبح: أصله الجري. يقال: سبح يسبح سبحاً ومنه التسبيح، وهو الجري في تسبيح اللَّه تعالى بتعظيمه وتنزيهه. وقال ابن فارس: التسبيح: تنزيه اللَّه تعالى من كل سوء.
والسِّباحة: العوم. والسبحة: الصلاة: والسَّبح: الفراغ. (١)
وذكر بعض المفسرين أن السبح في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدهما: الفراغ . ومنه قوله تعالى في المزمل: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧].
والثاني: الدوران . ومنه قوله تعالى في يس: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].
والثالث: سير السفن في البحر . ومنه قوله تعالى في النازعات: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾
[النازعات: ٣]» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكره ابن الجوزي:
الوجه الأول: الفراغ.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤).
стр. 215
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ من اللغة، قال الخليل: «قوله : ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧].
أيْ: فَراغاً للنَّوم» (١).
الوجه الثاني: الدوران.
ومثل له ابن الجوزي: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].
قال ابن عباس: «في فلك كفلك المغزل» وعنه أيضا: «دوراناً، أي في فلك السماء يدورون» وقال مجاهد: «يجرون»، ونحوهما عن قتادة (٢)، وعكرمة والضحاك وعطاء والحسن وابن زيد (٣).
وذكر الدوران من المفسرين: القرطبي (٤)، وابن كثير.
وذكر الجريان منهم: الزَّجَّاج (٥)، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي.
ويتبين مما تقدم أن الوجه صحيح في معنى الآية، غير أنه لابد من توضيح أمور:
- أن السَّبح في الآية على معناه المشهور في اللغة وهو السعي والجري، قال الزَّجَّاج: «يسيرون بانبساط، وكل من انبسط في شيء فقد سبح فيه، ومن ذلك السباحة في الماء» (٦) وقال الراغب الأصفهاني: «السَّبْح: المرُّ السَّريع في الماء أو في الهواء، واستعير لمر النجوم في الفلك نحو: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]» (٧).
- ثم أن معنى الدوران في الآية في الفلك المستدير، وعليه يدل تفسير السلف أنه مثل فلكة المغزل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إجماع المسلمين على أن الفلك مستدير: وما نحن فيه من كروية الأفلاك واستدارتها من هذا الباب، بل هذا مما أجمع عليه سلف الأمة من الصحابة