← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 6

زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر

فهد بن إبراهيم الضالع

Полный текст (979 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقال به من السلف: قتادة (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقال به من السلف: السُّدي. (٣) ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. ومعنى كلام السلف يدل عليه حيث قال مجاهد: «بالمطر» (٥) ومن المفسرين: ابن جرير (٦)، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «الراء والواو والحاء أصلٌ كبير مطّرد، يدلُّ على سَعَةٍ وفُسْحَةٍ واطّراد. وأصل ذلك كلِّه الرّيح، وأصل الياء في الريح الواو، وإنّما قلبت ياءً لكسرة ما قبلها. فالرُّوح رُوح الإنسان، وإنّما هو مشتق من الرِّيح،

стр. 212

وكذلك الباب كلّه، وَالرَّوْح نسيم الرّيح» (١)، وقال الراغب الأصفهاني: «والرَّيح معروف، وهي فيما قيل الهواء المتحرك» (٢). الوجه الثاني: الرائحة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤]. وقال به من السلف: ابن عباس، والحسن، وابن جريج. (٣) ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال في القاموس: «والرِّيح. مفرد جمعه: أرْواحٌ وأرْياحٌ ورياح ورِيَحٌ، كعِنَب، جمع الجمع: أرَاوِيح، وأرَاييحُ، والغَلَبةُ، والقوة، والرَّحمة، والنُّصرة، والدَّولة، والشَّيء الطَّيب، والرَّائحة.» (٥). الوجه الثالث: القوة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وقال به من السلف: مجاهد، والسُّدي، وقتادة، وابن إسحاق. (٦) ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٧). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «وَالرّيح: الغَلَبة والقُوّة، في قوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وقال الشّاعر:

стр. 213

أتَنْظُرَانِ قليلاً ريْثَ غفلَتِهِمْ ... أم تعْدُوان فإنَّ الرّيح لِلْعَادِي». (١) وقال الراغب الأصفهاني: «وقد يستعار للريح الغلبة في قوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]» (٢). نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي: الوجه الأول: الريح نفسها. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧].وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس والراغب الأصفهاني. الوجه الثاني: الرائحة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما نص عليه في القاموس. الوجه الثالث: القوة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة على سبيل الاستعارة كما قاله الراغب الأصفهاني.

стр. 214

المبحث الرابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حروف السين، والشين، والصاد، والعين. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة السبح . باب السبح: قال ابن الجوزي: «قال شيخنا علي بن عبيد اللَّه: السَّبح: أصله الجري. يقال: سبح يسبح سبحاً ومنه التسبيح، وهو الجري في تسبيح اللَّه تعالى بتعظيمه وتنزيهه. وقال ابن فارس: التسبيح: تنزيه اللَّه تعالى من كل سوء. والسِّباحة: العوم. والسبحة: الصلاة: والسَّبح: الفراغ. (١) وذكر بعض المفسرين أن السبح في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدهما: الفراغ . ومنه قوله تعالى في المزمل: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]. والثاني: الدوران . ومنه قوله تعالى في يس: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. والثالث: سير السفن في البحر . ومنه قوله تعالى في النازعات: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ [النازعات: ٣]» (٢). دراسة الوجوه التي ذكره ابن الجوزي: الوجه الأول: الفراغ. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد (٣). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤).

стр. 215

ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ من اللغة، قال الخليل: «قوله : ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]. أيْ: فَراغاً للنَّوم» (١). الوجه الثاني: الدوران. ومثل له ابن الجوزي: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. قال ابن عباس: «في فلك كفلك المغزل» وعنه أيضا: «دوراناً، أي في فلك السماء يدورون» وقال مجاهد: «يجرون»، ونحوهما عن قتادة (٢)، وعكرمة والضحاك وعطاء والحسن وابن زيد (٣). وذكر الدوران من المفسرين: القرطبي (٤)، وابن كثير. وذكر الجريان منهم: الزَّجَّاج (٥)، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي. ويتبين مما تقدم أن الوجه صحيح في معنى الآية، غير أنه لابد من توضيح أمور: - أن السَّبح في الآية على معناه المشهور في اللغة وهو السعي والجري، قال الزَّجَّاج: «يسيرون بانبساط، وكل من انبسط في شيء فقد سبح فيه، ومن ذلك السباحة في الماء» (٦) وقال الراغب الأصفهاني: «السَّبْح: المرُّ السَّريع في الماء أو في الهواء، واستعير لمر النجوم في الفلك نحو: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]» (٧). - ثم أن معنى الدوران في الآية في الفلك المستدير، وعليه يدل تفسير السلف أنه مثل فلكة المغزل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إجماع المسلمين على أن الفلك مستدير: وما نحن فيه من كروية الأفلاك واستدارتها من هذا الباب، بل هذا مما أجمع عليه سلف الأمة من الصحابة

стр. 216

والتابعين، لا يعرف بينهم نزاع في أن الفلك مستدير وقد حكى إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد منهم .. ونقل أقوال السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]» (١). - أن السلف فسروا الآية بالجري مع الدوران، فيكون معنى سياقيا للآية؛ وهو الجري الذي هو السباحة مع الفلك الذي هو الدوران، وهو مأخذ هذا الوجه؛ قال ابن تيمية ﵀: «عن الضحاك في: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. قال الفلك: السرعة والجري في الاستدارة ويسبحون يعملون. يريد أن لفظ الفلك يدل على الاستدارة وعلى سرعة الحركة، كما في دوران فلكة المغزل ودوران الرحى» (٢). الوجه الثالث: سير السفن في البحر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ [النازعات: ٣]. وقال به من السلف: عطاء (٣). وللسلف في الآية أقوال أخر هي: - أنه الموت يسبح في نفس ابن آدم، وقال به مجاهد (٤)، والربيع بن أنس والسُّدي (٥). - أنها الملائكة تسبح بين السماء والأرض، وقال به علي بن أبي طالب (٦)، ومجاهد (٧). - أنها النجوم، وقال به قتادة. (٨) وتبع السلفَ المفسرون في ذكر هذه الأقوال في معنى الآية ومنهم: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج،

стр. 217

والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (١). هذا وجميع هذه الأقوال ليس بينها تضاد، بل هي من قبيل اختلاف التنوع وكل منهم ﵏ فسر الآية بمثال لها، قال ابن جرير مصححاً جميع هذه الأقوال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال إن الله جل ثناؤه أقسم بالسابحات سبحا من خلقه، ولم يخصص من ذلك بعضا دون بعض، فذلك كل سابح لما وصفنا قبل في النازعات» (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «والأصل الآخر السَّبْح والسّباحة: العَوم في الماء» (٣). نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي: الوجه الأول: الفراغ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]. - ومأخذه المعنى المشهور للفظ من اللغة. الوجه الثاني: الدوران. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. وتم عرض معنى الفلك غي الآية وعلاقته بالوجه وذكر كلام شيخ الاسلام ابن تيمية في الدراسة، والانتهاء إلى صحة هذا الوجه وأن مأخذه السياق القرآني. والثالث: سير السفن في البحر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ [النازعات: ٣].

стр. 218

المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الشقاء . باب الشَّقاء: قال ابن الجوزي: «قال شيخنا: الشقاء: قوة أسباب البلاء. والشقي: أعظم أهل البلاء (١). وذكر أهل التفسير أن الشقاء في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدهما: التعب . ومنه قوله تعالى في سورة طه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢]، وفيها: ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. والثاني: العصيان . ومنه قوله تعالى في سورة مريم: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]. والثالث: الكفر . ومنه قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]، أي: كافر ومؤمن» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: التعب. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول مجاهد: ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ٢]. فكانوا يعلقون الحبال في صدورهم في الصلاة (٣) «، وعنه عند ابن كثير:» التعب في الصلاة» (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان،

стр. 219

وابن كثير (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن عباس: «تضمن الله لمن قرأ القرآن، واتبع ما فيه أن لايضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا: ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]» (٢). ونحوه عن سعيد بن جبير. (٣) وبالأثر السابق قال المفسرون في هذه الآية ومنهم: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير (٤). وبعد أن فسر الآية الأولى قال الشنقيطي: «ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]» (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «الشين والقاف والحرف المعتل أصلٌ يدلُّ على المعاناة وخلاف السُّهولة والسّعادة» (٦). وقال الراغب الأصفهاني: «وكل شقاوة تعب، وليس كل تعب شقاوة» (٧)، فكأنه يشير إلى أن تفسير الشقاء بالتعب، تفسير باللازم. لأن من لازم التعب الشقاوة، وليس كل شقاوة تعبا. الوجه الثاني: العصيان. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢].

стр. 220

وقال به من السلف: ابن عباس، وبمعناه عن قتادة وزاد التواضع. (١) ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير. (٢) ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالسبب، لأن العصيان سبب للشقاء، قال ابن كثير مشيراً إلى جملة من أسباب الشقاء: «مستكبراً عن عبادته، وطاعته، وبر والدته» (٣). الوجه الثالث: الكفر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]. وقال ابن قيم الجوزية مؤيداً صحة الوجه في معنى الآية وأن الشقي الكافر، والسعيد المؤمن: «وقال في سورة الحج ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]، فلم يقل ها هنا: من آمن منهم بالله واليوم الآخر؛ لأنه ذكر معهم المجوس والذين أشركوا، فذكر ست أمم، منهم اثنتان شقيتان، وأربع منهم منقسمة إلى شقي وسعيد» (٤). وأما قول ابن عباس أنهم أهل الكبائر، فمحمول قوله هنا على تفسيره للاستثناء في الآية التالية. وصرح السعدي أن (الشقي) هنا الكافر فقال: «فالأشقياء هم الذين كفروا بالله ورسوله ﵇ وعصوا أمره» (٥). ويتبين مما تقدم أن هذا الوجه صحيح في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالسبب، لأن الكفر سبب للشقاء. نتيجة الدراسة: تحصل مما تقدم صحة الوجوه الثلاثة وهي:

стр. 221

الوجه الأول: التعب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢]. وقوله: ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال كما أشار إليه ابن فارس والراغب الأصفهاني. الوجه الثاني: العصيان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]. ومأخذه التفسير بالسبب. الوجه الثالث: الكفر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]، وأيد الوجه في الآية ابن القيم والسعدي، ومأخذه التفسير بالسبب. المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة الصبر . باب الصبر: قال ابن الجوزي: «الصبر: حبس النفس عما تنازع إليه. وسمي رمضان: شهر الصبر لذلك وكل حابس شيئاً فقد صبره، ومنه: المصبورة التي نُهي عنها: وهي البهيمة تتخذ غرضاً وترمى حتى تقتل. وقيل للصابر على المصيبة: صابر لأنه حبس نفسه عن الجزع. وحكى ابن الأنباري: عن بعض أهل العلم أنه قال: سمي صبر النفوس: صبراً، لأن تمرره في القلب وإزعاجه للنفس كتمرر الصبر في الفم (١). وذكر بعض المفسرين أن الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: الصبر نفسه وهو حبس النفس . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧]، وفي إبراهيم: ﴿أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١]، وفي ص: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]، وهو الأعم في القرآن. والثاني: الصوم . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].

стр. 222

والثالث: الجرأة . ومنه قوله تعالى فيها: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] [آية ١٧٥]، أي: فما أجرأهم على النار، ذكره الفرَّاء. وحكى الأصمعي: أن أعرابياً حلف له رجل كاذب فقال له الأعرابي ما أصبرك على اللَّه: يريد ما أجرأك على اللَّه» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الصبر نفسُهُ وهو حبس النفس. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧]. وقال به من السلف: قتادة (٢)، وسعيد بن جبير (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحاس، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١]. وقال به من السلف: ابن جريج، ومحمد بن كعب القرظي، وابن زيد (٥). ومن المفسرين: والبغوي (٦)، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، والقرطبي (٧).

стр. 223

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمطابق لأصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «الصَّبر، الحَبْس، يقال: صَبَرْتُ نفسي على ذلك الأمر أي حَبَسْتُهَا.» (١)، وقال الراغب الأصفهاني: «والصَّبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه» (٢). الوجه الثاني: الصوم. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. وقال به من السلف: مجاهد (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم أن الوجه في معنى الآية صحيح، ومأخذه التفسير بالمثال، كما أشار إلى هذا المأخذ ابن جرير فقال: «وقد قيل: إن معنى الصبر في هذا الموضع الصوم، والصوم بعض معاني الصبر عندنا، بل تأويل ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره، أمرهم بالصبر على ما كرهته نفوسهم، من طاعة الله وترك معاصيه» (٥)، وقال الراغب الأصفهاني: «وسمي الصوم صبراً، لكونه كالنوع له» (٦). الوجه الثالث: الجرأة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥].

стр. 224

وقال به من السلف: قتادة، والحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والربيع (١)، وأبو العالية وعكرمة، وإبراهيم النخعي (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي (٣). ويتبين مما تقدم أن الوجه في معنى الآية صحيح، ومأخذه التفسير بالسبب، لأن جرأتهم على ماحرم الله هي سبب مصابرتهم لعذاب الله تعالى. نتيجة الدراسة تحصل من دراسة تلك الوجوه، صحتها جميعاً وهي: الوجه الأول: الصبر نفسه وهو حبس النفس. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧].وقوله تعالى: ﴿أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١].وقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤].، ومأخذه التفسير بالمطابق لأصل اللفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس والراغب الأصفهاني. الوجه الثاني: الصوم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. ومأخذه التفسير بالمثال، كما أشار إليه ابن جرير والراغب الأصفهاني. الوجه الثالث: الجرأة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]. ومأخذه التفسير بالسبب. المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة العزة . باب العزة: قال ابن الجوزي: «ذكر أبو سليمان الدمشقي: أن أصل العزة: الشدة. ومنه قولهم: عز علي، إنما هو: اشتد علي هذا الأمر (٤).

стр. 225

وذكر بعض المفسرين أن العزة في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: العظمة . ومنه قوله تعالى في الشعراء: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]، وفي ص: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]. والثاني: المنعة . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]. والثالث: الحمية . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، وفي ص: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ص: ٢].» (١) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: العظمة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول قتادة: «فوجدوا الله أعز منه» (٢). وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣). وذكروا سبب التعظيم وهو: قسم السحرة بعزة فرعون. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]. وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان. وذكروا سبب التعظيم وهو: قسم إبليس بعزة الله تعالى (٤).

стр. 226

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني لأن القسم في الآيتين دليل التعظيم. الوجه الثاني: المنعة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، وابن عطية. (١) وقال: الزَّمخشري، وأبو حيَّان، والقرطبي: وعبر عنه بعضهم بالغلبة. وليس ثمة تعارض بين قولي المفسرين إذ المعنيان متقاربان، قال الراغب الأصفهاني: «العزَّة: حالة مانعة للإنسان من أن يغلب. من قولهم: أرض عزَازَ. أي صلبة، قال تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]» (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم العزة المنعة. والثالث: الحمية. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾، [البقرة: ٢٠٦]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن عباس فيما يرويه عنه ابن زيد بقوله في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: من ٢٠٧] قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا صلى السبحة وفرغ دخل مربدا (٣) له فأرسل إلى فتيان قد قرءوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة، قال فيأتون فيقرأون القرآن، ويتدارسونه

стр. 227

فإذا كانت القائلة انصرف، قال: فمروا بهذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: من ٢٠٧] قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله. فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه اقتتل الرجلان. فسمع عمر ما قال فقال: وأي شيء قلت؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال ماذا قلت اقتتل الرجلان؟ قال: فلما رأى ذلك ابن عباس قال: أرى ههنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم قال هذا: وأنا أشتري نفسي فقاتله فاقتتل الرجلان. فقال عمر لله تلادك (١) يا بن عباس»، ونحوه عن علي بن أبي طالب (٢)، وابن مسعود. (٣) وقال به من المفسرين: ابن جرير (٤)، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير. الآية الثانية: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢]. وقال به من السلف: قتادة. (٥) ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن كثير. (٦) وللسلف قولان آخران: - قال مجاهد: «معازِّين». - قال ابن زيد: «يعادون أمر الله ورسوله». (٧)

стр. 228

وليس بين أقوالهم ﵏ تعارض لأن الحمية سبب للعزة المذمومة التي تحمل من اتصف بها على مغالبة أهل الحق، ومعاداتهم والاستكبار على الحق الذي دعي إليه. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن الحمية سبب للعزة المذمومة الواقعة من الكفار. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي: الوجه الأول: العظمة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤].وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]. ومأخذه السياق القرآني لأن القسم في الآيتين دليل العظمة. الوجه الثاني: المنعة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]. ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم العزة المنعة. والثالث: الحمية. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦].وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢]. وتقدم الإشارة إلى تعدد الأقوال عن السلف في هذه الآية والجمع بينها. ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن الحمية سبب للعزة المذمومة الواقعة من الكفار.

стр. 229

المبحث السادس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الفاء. وفيه مطلبان: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الفرقان باب الفرقان قال ابن الجوزي: «الفرقان: فعلان من التفريق. والفِرْق: الفلق من الشيء إذا انفلق ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] (١). وذكر أهل التفسير أن الفرقان في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: النصر . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣]، وفي الأنفال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]. والثاني: المخرج في الدين من الضلال والشبهة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وفي آل عمران: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٤]، وفي الأنفال: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. والثالث: القرآن . ومنه قوله تعالى في: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]». (٢) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: النصر. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣]. وقال به من السلف: ابن زيد: «انفراق البحر لموسى ﵇ حتى صار فرقاً». (٣) ومن المفسرين: الزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٤).

стр. 230

وللسلف في الآية قول آخر وهو: أن الفرقان هنا، بمعنى الفصل بين الحق والباطل، وقال به ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد (١)، والربيع (٢). قال ابن جرير في ترجيحه القول الثاني على الأول من أقوال السلف اعتباراً بالسياق: «قال أبو جعفر: وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية، ما روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى، في هذا الموضع، هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعتٌ للتوراة وصفةٌ لها، فيكون تأويل الآية حينئذ، (وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل)، فيكون الكتاب نعتا للتوراة أقيم مقامها استغناء به عن ذكر التوراة، ثم عطف عليه بالفرقان إذ كان من نعتها، وقد بينا معنى الكتاب فيما مضى من كتابنا هذا وأنه بمعنى المكتوب، وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالآية - وإن كان محتملا غيره من التأويل - لأن الذي قبله ذكر الكتاب، وأن معنى الفرقان الفصل، وقد دللنا على ذلك فيما مضى من كتابنا هذا، فإلحاقه إذ كان كذلك بصفة ماوليه، أولى من إلحاقه بصفة ما بعُد منه» (٣). وما دام أن للوجه الذي بين أيدينا وجهاً صحيحاً من التفسير، فيكون المعنيان صحيحين وتحمل الآية عليهما. الآية الثانية: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]. وقال به من السلف: علي بن أبي طالب، وابن عباس، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وابن مقسم، وقتادة (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).

стр. 231

ومما ينبغي التنبيه عليه هنا، أن النصر في الآية الأولى هو نصر موسى ﵇ على فرعون، وفي الآية الثانية نصر محمد ﵇ على كفار قريش. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في تفسير الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن من أقوى أسباب الفرقان بين الحق والباطل، هو نصر الحق على الباطل فيدحضه، فإذا هو زاهق. الوجه الثاني: المخرج في الدين من الضلال والشبهة . ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وبمعناه قال السُّدي: «بينات من الحلال والحرام» (١). وبنحو قول السُّدي قال من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢)، قالوا: المفرق بين الحق والباطل. الآية الثانية: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٤]. وبمعناه قال من السلف: محمد بن جعفر بن الزبير: «أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره» (٣). وقال به من المفسرين: ابن جرير (٤). وللسلف في الآية قول آخر: أن الفرقان في هذه الآية: القرآن فرق الله به بين الحق والباطل، وقال به منهم قتادة والربيع (٥)، والحسن، وعطاء، ومجاهد، ومقاتل بن حيان. (٦)

стр. 232

وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحاس والزَّمخشري وابن عطية، والقرطبي (١) وذكروا أقولاً أخرى حتى أوصلها أبو حيَّان إلى ثمانية أقوال، كلها في معنى الفرقان (٢). وانتصر ابن جرير للقول بأن معنى الفرقان، مطلق الفصل بين الحق والباطل، ولأن القول بالقرآن يلزم منه التكرار مع أول الآية، فقدم التأسيس على التكرار فقال: «والتأويل الذي ذكرناه عن محمد بن جعفر بن الزبير في ذلك أولى بالصحة، من التأويل الذي ذكرناه عن قتادة والربيع، وأن يكون معنى الفرقان في هذا الموضع فصل الله بين نبيه محمد ﷺ ، والذي حاجُّوه في أمر عيسى وفي غير ذلك من أموره بالحجة البالغة القاطعة، عذرهم وعذر نظرائهم من أهل الكفر بالله، وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب، لأن إخبار الله عن تنزيله القرآن قبل إخباره عن تنزيله التوراة والإنجيل في هذه الآية قد مضى بقوله ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ﴾ [آل عمران: ٣] ولا شك أن ذلك الكتاب هو القرآن لا غيره، فلا وجه لتكريره مرة أخرى إذ لا فائدة في تكريره» (٣) وذهب ابن القيم، إلى أن الفرقان في هذه الآية هو النصر فقال: «﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٤]. فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي .. وسر اقتران النصر بالهدى أن كلاً منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل .. » (٤). وقال ابن عطية بعد ذكره قولي السلف الأولين: «والفرقان يعم هذا كله» (٥). فرأى أن القولين عائدان للقرآن، وبه فرق الله تعالى بين الحق والباطل في وفد نجران، وفي الأحكام والشرائع وغيرها. وعند التأمل فإن قول ابن جرير وهو: مطلق الفصل بين الحق والباطل يزيد العموم اتساعاً فيستوعب جميع أقوال السلف دون رد شيء منها، فالفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه

стр. 233

الأحزاب من أمر عيسى فرقان، والقرآن فرقان، والتوراة فرقان، والنصر فرقان وجميع هذه الأقوال الواردة عن السلف تفسير بالمثال لعموم الفرقان المذكور هنا. الآية الثالثة: وفي الأنفال: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. وللسلف في تفسير الفرقان في هذه الآية أقوال عدة: - فرقاناً، أي: مخرجا: وقال به منهم ابن عباس ومجاهد والضحاك وعكرمة (١) وقتادة والسُّدي ومقاتل بن حيان. (٢). - فرقاناً، أي: النجاة: وقال به منهم ابن عباس وقتادة والسُّدي وعكرمة. (٣) - فرقاناً، أي: فصلاً: وقال به منهم عروة بن الزبير (٤) وابن إسحاق (٥). وتشعبت بعدهم آراء المفسرين وتعددت: فمنهم: من رأى أن الفرقان في هذا الموضع هو النصر كالفرَّاء (٦)، وابن جرير والزَّمخشري وابن عطية وذكروا أقوالاً أخر. ومنهم من أورد أقوال السلف كماهي كالبغوي (٧). ومنهم من ذكر الأقوال المتعددة دون ترجيح كالقرطبي (٨). ومنهم من ذكر الأقوال المتعددة ثم جمع بينها كأبي حيان (٩)، وابن كثير. ويلاحظ أن جميع الأقوال تعود إلى قول عروة بن الزبير وابن إسحاق وهو: الفصل.

стр. 234

ويؤيده أبو حيَّان، فبعد أن عرض الأقوال المتعددة قال في ترجيح العموم في الآية: «ولفظ (فرقان) مطلق، فيصلح لما يقع به فرق بين المؤمنين والكافرين في أمور الدنيا والآخرة» (١). وقال ابن كثير بعد إيراده أقوال السلف ثم قول ابن إسحاق: «وهذا التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم، وقد يستلزم ذلك كله، فإن من اتقى الله بفعل أوامره، وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره، ونجاته، ومخرجه من أمر الدنيا، وسعادته يوم القيامة، وتكفير ذنوبه، وهو محوها» (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في تفسير الآيات - وإن لم يكن وحده هو المراد من الآيات ولكن له وجه من التفسير- ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثالث: القرآن. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]. وقال به من السلف: المقداد بن الأسود، والربيع ومجاهد وقتادة. وقال سعيد بن جبير: خواتيم سورة البقرة (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤). وأما قول سعيد بن جبير فإنه تفسير بالمثال. فيكون من قبيل اختلاف التنوع بين السلف. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في تفسير الآيات، ومأخذه السياق القرآني كما يعطيه معنى التنزيل.

стр. 235

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي: الوجه الأول: النصر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣].وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، ومأخذه التفسير بالسبب. الوجه الثاني: المخرج في الدين من الضلال والشبهة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثالث: القرآن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١].ومأخذه السياق القرآني كما يعطيه معنى التنزيل. المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الفصل . باب الفصل: قال ابن الجوزي: «الفصل: القطع. يقال فصلت الخرقة (من الثوب) أفصلها. والفيصل: الحاكم. والفصيل: ولد الناقة إذا افتصل عن أمه. والمفصل: للعظم. وأيضاً المفصل: اللسان. والفصيلة عشيرة الرجل التي تؤويه. وفي الحديث:» من أنفق نفقة فاصلة فله من الأجر كذا «(١). وهي التي تفصل بين إيمانه وكفره. وقال ابن قتيبة ويقال: فصلت الصبي عن أمه، إذا فطمته. ومنه قيل للحوار إذا قطع عن الرضاع. فصيل، لأنه فصل عن أمه. وأصل الفصل: التفريق. (٢)

стр. 236

وذكر أهل التفسير أن الفصل في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: القضاء . ومنه قوله تعالى في الدخان: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠]، وفي النبأ: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ: ١٧]. والثاني: الفطام . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وفي الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. والثالث: الخروج . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وفي يوسف: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤]، أي: خرجت العير من مصر» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: القضاء. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠]. وقال به من السلف: قتادة (٢). ومن المفسرين: ابن جريروالزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ: ١٧]. وبه قال من السلف: قتادة. (٤) ومن المفسرين: ابن جريروالزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).

стр. 237

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، قال الخليل: «والفَصْلُ: القَضاء بين الحقِّ والباطل، واسْمُ ذلكَ القضاءِ فَيصَلٌ. وقضاءٌ فَيْصَليٌّ وفاصِلٌ. «(١)، وقال الراغب الأصفهاني:» ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠].أي اليوم يبيَّن الحق من الباطل، ويُفصَلُ بين الناس بالحكم» (٢). الوجه الثاني: الفطام. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقال به من السلف: ابن عباس، والضحاك، والسُّدي (٣)، وسعيد بن جبير والزهري. (٤) ومن المفسرين: ابن جريروالزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. وقال به من السلف: ابن عباس. (٦)

стр. 238

ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير باللازم، لأن الفطام لازم للتفريق بين الصبي، والرَّضاعة، قال الراغب الأصفهاني: «والفِصَال: التفريق بين الصبي والرضاع، قال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]» (٢). الوجه الثالث: الخروج. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقال به من السلف: السُّدي، ووهب بن منبه (٣)، ومحمد بن كعب القرظي (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤]. وقال به من السلف: ابن عباس، وابن إسحاق، (٦) والسُّدي. (٧) ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٨). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير باللازم، لأن من لوازم الفصل الخروج.

стр. 239

نتيجة الدراسة تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي: الوجه الأول: القضاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ: ١٧]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، كما أشار إليه الخليل، والراغب الأصفهاني. الوجه الثاني: الفطام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، ومأخذه التفسير باللازم، فالفطام لازم للتفريق بين الصبي والرَّضاعة. الوجه الثالث: الخروج. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩].وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤].ومأخذه التفسير باللازم.

стр. 240

المبحث السابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف القاف. وفيه مطلبان: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة القلب . باب القلب: قال ابن الجوزي: «القلب: محل النفس والعقل والعلم والفهم والعزم. وقيل: سمي قلباً لتقلبه في الأشياء بالخواطر والعزوم والاعتقادات والإرادات. وخالص كل شيء وأشرفه: قلبه. ويقال: ما به قلبه. أي: ليست به علة يقلب لها فينظر إليه. وأنشدوا: إن الشباب وحب الخالة الخَلِبَة ... وَقَدْ صَحوتُ فَما بالنَّفسِ منْ قَلَبه (١) والخالة جمع خائل قال محمد بن القاسم النحوي: يقال: رجل خائل من قوم خالة، إذا كان مختالاً في مشيته متكبراً. والخلبة: الشباب الذين يخلبون النساء بمالهم. واحدهم خالب. والقليب: البئر التي لم تطو. والقلب الحول: الذي يقلب الأمور ويختال بها. وأنشدوا: لو فاتَ شيءٌ يُرى لفاتَ أبو ... حيان لا عاجزٌ ولا وكلْ الحوَّل القلب الأريبُ وهل ... يدفع ريبَ المنيةِ الحيلْ (٢) وذكر أهل التفسير أن القلب في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: القلب الذي هو محل النفس . ومنه قوله تعالى في الحج: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. والثاني: الرأي . ومنه قوله تعالى في الحشر: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]. والثالث: العقل . ومنه قوله تعالى في ق: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]» (٣).

стр. 241

دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: القلب الذي هو محل النفس. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وقال بمعناه قتادة: «ما هذه الأبصار التي في الرؤوس فإنها جعلها الله منفعة وبلغة، وأما البصر النافع فهو في القلب». (١) ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، والقرطبي، وابن كثير (٢)، ولم يصرحوا بالوجه هنا غير أنهم جعلوا (التي في الصدور) أن القلب لا يكون إلا في الصدر وأن هذه العبارة للتوكيد أو المبالغة. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الأصل اللغوي للفظ، قال ابن فارس: «قلب: القاف واللام والباء أصلانِ صحيحان: أحدهما يدلّ على خالِص شَيءٍ وشَريِفه، والآخَرُ على رَدّ شئٍ من جهةٍ إلى جهة. فالأوَّل القَلْبُ: قلب الإنسان وغيره، سمّي لأنَّه أخْلصُ شئٍ فيه وأرفَعُه، وخالِصُ كلّ شئٍ وأشرفُه قَلْبُه، ويقولون: عربيٌّ قُلْبٌ». (٣) الوجه الثاني: الرأي. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]. وبه قال من السلف: قتادة (٤). وبمعناه قال من المفسرين: الفرَّاء، ابن جريروالزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).

стр. 242

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن القلب يختص به معان كثيرة، كالرأي والشجاعة والسعادة وغيرها، قال الراغب الأصفهاني: «ويُعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به، من الروح والعلم والشجاعة وغير ذلك». (١) الوجه الثالث: العقل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]. وقال به من السلف: قتادة، وابن زيد (٢)، ومجاهد. (٣) ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤). قال ابن القيم حول هذه الآية: «قاعدة جليلة: اذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق سمعك واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه فانه خطاب منه لك، على لسان رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧].وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر متيقض، ومحل قابل، وشرْط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد؛ فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ أشار إلى ما تقدم من أول السورة إلى ههنا وهذا هو المؤثر، وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧].فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله» (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم، لأن العقل لازم للقلب لا ينفك عنه.

стр. 243

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي: الوجه الأول: القلب الذي هو محل النفس. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].، ومأخذه الأصل اللغوي للفظ، كما أشار إليه ابن فارس. الوجه الثاني: الرأي. ودل عليه قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، ومأخذه التفسير بالمثال، وقد ذكر الراغب الأصفهاني لهذا أمثلة. الوجه الثالث: العقل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، ومأخذه التفسير باللازم، لأن العقل لازم للقلب لاينفك عنه. المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة القنوت . باب القنوت: قال ابن الجوزي: «ذكر بعض المفسرين أن القنوت في القرآن على ثلاثة أوجه (١): أحدها: الطاعة . ومنه قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ومثله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. والثاني: العبادة . ومنه قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]. والثالث: طول القيام . ومنه قوله تعالى: في آل عمران: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]، أي: أطيلي القيام في صلاتك. وقد روي عن النبي ﷺ : أنه سئل أي الصلاة أفضل فقال: " أطولها قنوتاً " (٢)، أراد به القيام. قال ابن قتيبة: ولا أرى أصل القنوت إلا الطاعة. لأن جميع الخلال: من الصلاة، والقيام فيها، والدعاء وغيره يكون عن الطاعة (٣)» (٤).

стр. 244

دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الطاعة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، وسعيد بن جبير، والسُّدي، والشعبي، وجابر بن زيد، والحسن بن أبي الحسن، وسعيد بن عبد العزيز، وطاوس، وعطية (١)، ومقاتل بن حيان (٢). وللسلف في الآية أقوال أخر: - أن القنوت بمعنى السكوت: ويشهد له، حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: «ثم إن كنا لنتكلم في الصلاة، على عهد النبي ﷺ ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت» (٣).

стр. 245

وحديث ابن مسعود ﵁ قال: «ثم كنت آتي النبي ﷺ ، وهو يصلي، فيرد علي، فأتيته فسلمت عليه وهو يصلي فلم يرد علي، فلما سلم أشار إلى القوم، فقال: إن الله يعني أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين» (١). وأيده ابن حجر في الفتح فقال بعد ذكره لتبويب البخاري بأن القنوت الطاعة: «قوله باب ﴿لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].أي مطيعين. هو تفسير ابن مسعود، أخرجه ابن أبي حاتم، بإسناد صحيح، ونقله أيضا عن ابن عباس، وجماعة من التابعين، وذكر من وجه آخر عن بن عباس قال: قانتين: أي مصلين، وعن مجاهد قال: من القنوت الركوع، والخشوع، وطول القيام، وغض البصر، وخفض الجناح، والرهبة لله، وأصح ما دل عليه حديث الباب، وهو حديث زيد ابن أرقم، في أن المراد بالقنوت في الآية: السكوت وقد تقدم شرحه في أبواب العمل في الصلاة، من أواخر كتاب الصلاة، والمراد بها السكوت عن كلام الناس، لا مطلق الصمت، لأن الصلاة لا صمت فيها، فيها قرآن وذكر. والله أعلم» (٢) وقال به من السلف: زيد بن أرقم، والسُّدي، وعكرمة، وابن زيد (٣)، ورجحه أبو حيَّان لحديث زيد ابن أرقم السابق. - أن القنوت بمعنى الركود والخشوع في الصلاة: وبه قال مجاهد، والربيع. (٤) - أن القنوت بمعنى الدعاء: وقال به ابن عباس. (٥) - أن القنوت بمعنى الصلاة: وقال به ابن عمر، وابن عباس. (٦)

стр. 246

- أن القنوت بمعنى الطاعة في الوضوء: وقال به الضحاك (١). وذكر أقوال السلف - أو بعضها - من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير. (٢) وجميع هذه الأقوال المروية عن السلف في معنى القنوت في الآية، هو من قبيل التفسير بالمثال فكل منهم جاء بمعنىً للطاعة المطلوبة أثناء القيام للصلاة، وقد بين ابن جرير عَود هذه الأقوال إلى الطاعة ودخولها فيها فقال: «والقنوت أصله الطاعة لله ثم يستعمل في كل ما أطاع الله به العبد، فتأويل الآية إذاً: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله فيها مطيعين، بترك بعضكم فيها كلام بعض، وغير ذلك من معاني الكلام سوى قراءة القرآن فيها، أوذكر الله بالذي هو أهله، أو دعائه فيها، غير عاصين لله فيها؛ بتضييع حدودها، والتفريط في الواجب لله عليكم فيها، وفي غيرها من فرائض الله». (٣) وأيده ابن تيمية في رسالته في قنوت الأشياء، فقال: «وقوله: ﴿لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].، .. بل اللفظ بمعنى الطاعة، أو الطاعة الدائمة، ولهذا يفسره المفسرون بذلك» (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال به من السلف: قتادة، وابن زيد، والشعبي (٥)، وسعيد بن جبير (٦). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي وابن كثير (٧). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «قنت: القاف والنون والتاء أصلٌ صحيحٌ، يدلُّ على طاعةٍ وخيرٍ في دين، لا يعدو هذا البابَ. والأصل فيه الطَّاعة، يقال: قَنَتَ يَقْنُتُ قُنوتًا، ثم سمّي كلُّ استقامةٍ في طريق الدّين قُنُوتًا؛ وقيل لطُولِ القِيام في الصَّلاةِ قُنُوت، وسمّي السُّكوتُ في الصَّلاة والإقبالُ عليها قُنوتًا، قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]» (٨)، وقال الراغب الأصفهاني: «القُنُوت: لزومُ الطاعة، مع الخُضوعِ، وفُسِّر بكل واحد منهما في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]» (٩). الوجه الثاني: العبادة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]. وقال به من المفسرين: القرطبي؛ فقال: مقرون بالعبودية، إما قالة (١٠)، وإما دلالة. (١١)

стр. 247

واختلف السلف في المراد بالقنوت في الآية: - ذلك كلام مخرجه مخرج العموم والمراد به الخصوص ومعناه: كل له قانتون في الحياة والبقاء والموت، والفناء، والبعث، والنشور، لا يمتنع عليه شيء من ذلك وإن عصاه بعضهم في غير ذلك من العبادة: وقال به ابن عباس. - قانتون، بإقرارهم بأنه ربهم وخالقهم: وقال به: قتادة. - هو على الخصوص: والمعنى وله من في السموات والأرض من ملك وعبد مؤمن لله مطيع دون غيرهم: وقال به ابن زيد. (١) ورجح الأول ابن جرير، والزَّجَّاج (٢)، وردَّاه إلى الطاعة، قال ابن جرير: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس وهو أن كل من في السموات والأرض من خلق لله، مطيع في تصرفه فيما أراد تعالى ذكره، من حياة وموت وما أشبه ذلك، وإن عصاه فيما يكسبه بقوله، وفيما له السبيل إلى اختياره، وإيثاره على خلافه، وإنما قلت ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك، لأن العصاة من خلقه فيما لهم السبيل إلى اكتسابه، كثير عددهم وقد أخبر تعالى ذكره عن جميعهم، أنهم له قانتون فغير جائز أن يخبر عمن هو عاص أنه له قانت فيما هو له عاص، وإذا كان ذلك كذلك فالذي فيه عاص، هو ما وصفت، والذي هو له قانت ما بينت.» (٣) وذكر الطاعة أيضاً: الزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي (٤). وأبقى الآية على عمومها القرطبي فقال: «مقرُّون بالعبودية، إما قالة، وإما دلالة» (٥)، وابن كثير، فقال: «خاشعون خاضعون طوعاً وكرهاً» (٦) وأما ابن عطية فقد ذكر أن لفظ الآية يعطي العموم في كل من يعقل، وأن تعميمها في المعنى غير صحيح لكون الآية خبراً، ولأن كثيراً من الجن والإنس غير قانت في كثير من الأعمال والاعتقاد، وذكر أنه عموم مراد به الخصوص. (٧) ومع عموم الآية والاختلاف في المراد بالقنوت فيها، وقف عندها شيخ الإسلام ابن تيمية وقفة المتأمل، فأبقى الآية على عمومها، وينطلق منها إلى تقسيم للقنوت فيها إلى خمسة أقسام لايند منها قول لمن تقدمه، فقال: «ثم قال ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] .. وعلى هذا فالقنوت الذي يعم المخلوقات أنواع: أحدها: فإن المراد بقنوته كونه مدبرا مصرفا تحت مشيئة الرب من غير امتناع منه بوجه من الوجوه وهذا شامل للجمادات والحيوانات وكل شيء. النوع الثاني: من القنوت هو ما يشعر به القانت، وهو اعترافهم كلهم بأنهم مخلوقون مربوبون وأنه ربهم كما تقدم.

стр. 248

النوع الثالث: أنهم يضطرون إليه وقت حوائجهم، فيسألونه ويخضعون له وإن كانوا إذا أجابهم أعرضوا عنه. النوع الرابع: أنهم كلهم لا بد لهم من القنوت، والطاعة في كثير من أوامره وإن عصوه في البعض، وإن كانوا لا يقصدون بذلك طاعته بل يسلمون له ويسجدون طوعا وكرها، وذلك أنه أرسل الرسل وأنزل الكتب بالعدل، فلا صلاح لأهل الأرض في شيء من أمورهم إلا به، ولا يستطيع أحد أن يعيش في العالم مع خروجه عن جميع أنواعه، بل لا بد من دخوله في شيء من أنواع العدل، حتى قطاع الطريق، لا بد لهم فيما بينهم من قانون يتفقون عليه ولو أراد واحد منهم أن يأخذ المال كله لم يمكنوه. النوع الخامس: خضوعهم لجزائه لهم في الدنيا والآخرة. كما ذكر من ذكر أنهم قانتون يوم القيامة، وهو سبحانه قد يجزي الناس في الدنيا فيهلكهم وينتقم منهم، كما أهلك قوم نوح، وعادا، وثمود، وفرعون، فكانوا خاضعين منقادين لجزائه وعقابه، قانتين له كرها والجزاء يكون في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة». (١) ويتبين مما تقدم أن القنوت في هذه الآية عائد إلى الطاعة، كما دل عليه كلام ابن جرير، والمفسرون بعده وشيخ الإسلام ابن تيمية، فتكون هذه الآية الوجه الأول نفسه. الوجه الثالث: طول القيام. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]. ويشهد له ما أورده ابن الجوزي في هذا الباب، من حديث جابر قال: قيل للنبي ﷺ : أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» (٢). وقال به من السلف: مجاهد، والربيع، والأوزاعي (٣). وقال به من المفسرين: النَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٤).

стр. 249

وللسلف في الآية قولان آخران: أخلصي لربك: وقال به سعيد بن جبير. أطيعي لربك: وقال به قتادة والسُّدي والحسن. وأشار ابن جرير إلى أن الخلاف هنا مشابه للخلاف في آية البقرة، ثم ذكر الأقوال الثلاثة، وجمع بينها بقوله: «فتأويل الآية إذاً، يا مريم أخلصي عبادة ربك لوجهه خالصا واخشعي لطاعته وعبادته مع من خشع له من خلقه، شكراً له على ما أكرمك به من الاصطفاء، والتطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالم دهرك» (١) فهي أمرت بالقيام بين يديه تعالى على تلك الصفة، وهي القيام المخلص الخاشع، وهذا هو القنوت بعينه. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، قال ابن عطية في تجلية أثر السياق على اختيار جمهور المفسرين لهذا الوجه في تفسير الآية: «أطيلي القيام في الصلاة، وهذا هو قول الجمهور، وهو المناسب في المعنى لذكر السجود والركوع في الآية، وجائز أن يكون مأخذ هذا الوجه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس:» وقيل لطُولِ القِيام في الصَّلاةِ قُنُوت «(٢)، ويجوز أن يكون مأخذه أيضاً التفسير بجزء المعنى، لأنه معلوم أن القيام وحده ليس قنوتا، بل لابد فيه من معان أخرى كالإخلاص، والخشوع، وعامة مايرضاه الله تعالى من أعمال القلوب، والجوارح فتجتمع، في حالة تسمى القنوت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا يعرف في اللغة أن مجرد القيام يسمى قنوتا، والرجل يقوم ماشيا وقائما في أمور ولا يسمى قانتا، وهو في الصلاة يسمى قانتا لكونه مطيعا، عابدا، ولو قنت قاعدا، ونائما، سمي قانتا». (٣) نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجهين وهما:

стр. 250

الوجه الأول: الطاعة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].وتم عرض آراء السلف في الآية الأولى والجمع بينها، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس، والراغب الأصفهاني. الوجه الثاني: طول القيام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]. ومأخذه السياق القرآني، كما أشار إليه ابن عطية، وجائز أن يكون مأخذ هذا الوجه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أورده ابن فارس أو يجوز أن يكون مأخذه التفسير بجزء المعنى، كما نبه إليه ابن تيمية. وأما الوجه الذي هو: العبادة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]. فلم أقف على من قال به من السلف، أو المفسرين سوى إشارة القرطبي إليه. وتقدم أن جميع الأقوال الواردة عن السلف، وأئمة الإسلام كابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، وابن تيمية، تفيد رجوع القنوت في الآية إلى الطاعة، فيكون هذا الوجه داخلاً في الوجه الأول الذي هو الطاعة. وعموما: فالوجوه في هذا الباب بينها تقارب شديد؛ فكلها تدور في فلك الطاعة لا تخرج عنها، ويشير ابن الجوزي لهذا التقارب في نقله لعبارة ابن قتيبة: «ولا أرى أصل القنوت إلا الطاعة. لأن جميع الخلال: من الصلاة، والقيام فيها، والدعاء وغيره يكون عن الطاعة»، ومما يشعر بتقارب الوجوه أيضاً: أن ابن كثير عند تفسيره آية الأحزاب: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. قال الطاعة في سكون، ثم ساق جميع الآيات في هذا الباب دون استثناء، فجعله من تفسير القرآن بالقرآن.
следующие страницы →