← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 6

زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر

فهد بن إبراهيم الضالع

Полный текст (979 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

- أن القنوت بمعنى الطاعة في الوضوء: وقال به الضحاك (١). وذكر أقوال السلف - أو بعضها - من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير. (٢) وجميع هذه الأقوال المروية عن السلف في معنى القنوت في الآية، هو من قبيل التفسير بالمثال فكل منهم جاء بمعنىً للطاعة المطلوبة أثناء القيام للصلاة، وقد بين ابن جرير عَود هذه الأقوال إلى الطاعة ودخولها فيها فقال: «والقنوت أصله الطاعة لله ثم يستعمل في كل ما أطاع الله به العبد، فتأويل الآية إذاً: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله فيها مطيعين، بترك بعضكم فيها كلام بعض، وغير ذلك من معاني الكلام سوى قراءة القرآن فيها، أوذكر الله بالذي هو أهله، أو دعائه فيها، غير عاصين لله فيها؛ بتضييع حدودها، والتفريط في الواجب لله عليكم فيها، وفي غيرها من فرائض الله». (٣) وأيده ابن تيمية في رسالته في قنوت الأشياء، فقال: «وقوله: ﴿لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].، .. بل اللفظ بمعنى الطاعة، أو الطاعة الدائمة، ولهذا يفسره المفسرون بذلك» (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال به من السلف: قتادة، وابن زيد، والشعبي (٥)، وسعيد بن جبير (٦). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي وابن كثير (٧). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «قنت: القاف والنون والتاء أصلٌ صحيحٌ، يدلُّ على طاعةٍ وخيرٍ في دين، لا يعدو هذا البابَ. والأصل فيه الطَّاعة، يقال: قَنَتَ يَقْنُتُ قُنوتًا، ثم سمّي كلُّ استقامةٍ في طريق الدّين قُنُوتًا؛ وقيل لطُولِ القِيام في الصَّلاةِ قُنُوت، وسمّي السُّكوتُ في الصَّلاة والإقبالُ عليها قُنوتًا، قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]» (٨)، وقال الراغب الأصفهاني: «القُنُوت: لزومُ الطاعة، مع الخُضوعِ، وفُسِّر بكل واحد منهما في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]» (٩). الوجه الثاني: العبادة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]. وقال به من المفسرين: القرطبي؛ فقال: مقرون بالعبودية، إما قالة (١٠)، وإما دلالة. (١١)

стр. 247

واختلف السلف في المراد بالقنوت في الآية: - ذلك كلام مخرجه مخرج العموم والمراد به الخصوص ومعناه: كل له قانتون في الحياة والبقاء والموت، والفناء، والبعث، والنشور، لا يمتنع عليه شيء من ذلك وإن عصاه بعضهم في غير ذلك من العبادة: وقال به ابن عباس. - قانتون، بإقرارهم بأنه ربهم وخالقهم: وقال به: قتادة. - هو على الخصوص: والمعنى وله من في السموات والأرض من ملك وعبد مؤمن لله مطيع دون غيرهم: وقال به ابن زيد. (١) ورجح الأول ابن جرير، والزَّجَّاج (٢)، وردَّاه إلى الطاعة، قال ابن جرير: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس وهو أن كل من في السموات والأرض من خلق لله، مطيع في تصرفه فيما أراد تعالى ذكره، من حياة وموت وما أشبه ذلك، وإن عصاه فيما يكسبه بقوله، وفيما له السبيل إلى اختياره، وإيثاره على خلافه، وإنما قلت ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك، لأن العصاة من خلقه فيما لهم السبيل إلى اكتسابه، كثير عددهم وقد أخبر تعالى ذكره عن جميعهم، أنهم له قانتون فغير جائز أن يخبر عمن هو عاص أنه له قانت فيما هو له عاص، وإذا كان ذلك كذلك فالذي فيه عاص، هو ما وصفت، والذي هو له قانت ما بينت.» (٣) وذكر الطاعة أيضاً: الزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي (٤). وأبقى الآية على عمومها القرطبي فقال: «مقرُّون بالعبودية، إما قالة، وإما دلالة» (٥)، وابن كثير، فقال: «خاشعون خاضعون طوعاً وكرهاً» (٦) وأما ابن عطية فقد ذكر أن لفظ الآية يعطي العموم في كل من يعقل، وأن تعميمها في المعنى غير صحيح لكون الآية خبراً، ولأن كثيراً من الجن والإنس غير قانت في كثير من الأعمال والاعتقاد، وذكر أنه عموم مراد به الخصوص. (٧) ومع عموم الآية والاختلاف في المراد بالقنوت فيها، وقف عندها شيخ الإسلام ابن تيمية وقفة المتأمل، فأبقى الآية على عمومها، وينطلق منها إلى تقسيم للقنوت فيها إلى خمسة أقسام لايند منها قول لمن تقدمه، فقال: «ثم قال ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] .. وعلى هذا فالقنوت الذي يعم المخلوقات أنواع: أحدها: فإن المراد بقنوته كونه مدبرا مصرفا تحت مشيئة الرب من غير امتناع منه بوجه من الوجوه وهذا شامل للجمادات والحيوانات وكل شيء. النوع الثاني: من القنوت هو ما يشعر به القانت، وهو اعترافهم كلهم بأنهم مخلوقون مربوبون وأنه ربهم كما تقدم.

стр. 248

النوع الثالث: أنهم يضطرون إليه وقت حوائجهم، فيسألونه ويخضعون له وإن كانوا إذا أجابهم أعرضوا عنه. النوع الرابع: أنهم كلهم لا بد لهم من القنوت، والطاعة في كثير من أوامره وإن عصوه في البعض، وإن كانوا لا يقصدون بذلك طاعته بل يسلمون له ويسجدون طوعا وكرها، وذلك أنه أرسل الرسل وأنزل الكتب بالعدل، فلا صلاح لأهل الأرض في شيء من أمورهم إلا به، ولا يستطيع أحد أن يعيش في العالم مع خروجه عن جميع أنواعه، بل لا بد من دخوله في شيء من أنواع العدل، حتى قطاع الطريق، لا بد لهم فيما بينهم من قانون يتفقون عليه ولو أراد واحد منهم أن يأخذ المال كله لم يمكنوه. النوع الخامس: خضوعهم لجزائه لهم في الدنيا والآخرة. كما ذكر من ذكر أنهم قانتون يوم القيامة، وهو سبحانه قد يجزي الناس في الدنيا فيهلكهم وينتقم منهم، كما أهلك قوم نوح، وعادا، وثمود، وفرعون، فكانوا خاضعين منقادين لجزائه وعقابه، قانتين له كرها والجزاء يكون في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة». (١) ويتبين مما تقدم أن القنوت في هذه الآية عائد إلى الطاعة، كما دل عليه كلام ابن جرير، والمفسرون بعده وشيخ الإسلام ابن تيمية، فتكون هذه الآية الوجه الأول نفسه. الوجه الثالث: طول القيام. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]. ويشهد له ما أورده ابن الجوزي في هذا الباب، من حديث جابر قال: قيل للنبي ﷺ : أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» (٢). وقال به من السلف: مجاهد، والربيع، والأوزاعي (٣). وقال به من المفسرين: النَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٤).

стр. 249

وللسلف في الآية قولان آخران: أخلصي لربك: وقال به سعيد بن جبير. أطيعي لربك: وقال به قتادة والسُّدي والحسن. وأشار ابن جرير إلى أن الخلاف هنا مشابه للخلاف في آية البقرة، ثم ذكر الأقوال الثلاثة، وجمع بينها بقوله: «فتأويل الآية إذاً، يا مريم أخلصي عبادة ربك لوجهه خالصا واخشعي لطاعته وعبادته مع من خشع له من خلقه، شكراً له على ما أكرمك به من الاصطفاء، والتطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالم دهرك» (١) فهي أمرت بالقيام بين يديه تعالى على تلك الصفة، وهي القيام المخلص الخاشع، وهذا هو القنوت بعينه. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، قال ابن عطية في تجلية أثر السياق على اختيار جمهور المفسرين لهذا الوجه في تفسير الآية: «أطيلي القيام في الصلاة، وهذا هو قول الجمهور، وهو المناسب في المعنى لذكر السجود والركوع في الآية، وجائز أن يكون مأخذ هذا الوجه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس:» وقيل لطُولِ القِيام في الصَّلاةِ قُنُوت «(٢)، ويجوز أن يكون مأخذه أيضاً التفسير بجزء المعنى، لأنه معلوم أن القيام وحده ليس قنوتا، بل لابد فيه من معان أخرى كالإخلاص، والخشوع، وعامة مايرضاه الله تعالى من أعمال القلوب، والجوارح فتجتمع، في حالة تسمى القنوت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا يعرف في اللغة أن مجرد القيام يسمى قنوتا، والرجل يقوم ماشيا وقائما في أمور ولا يسمى قانتا، وهو في الصلاة يسمى قانتا لكونه مطيعا، عابدا، ولو قنت قاعدا، ونائما، سمي قانتا». (٣) نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجهين وهما:

стр. 250

الوجه الأول: الطاعة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].وتم عرض آراء السلف في الآية الأولى والجمع بينها، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس، والراغب الأصفهاني. الوجه الثاني: طول القيام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]. ومأخذه السياق القرآني، كما أشار إليه ابن عطية، وجائز أن يكون مأخذ هذا الوجه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أورده ابن فارس أو يجوز أن يكون مأخذه التفسير بجزء المعنى، كما نبه إليه ابن تيمية. وأما الوجه الذي هو: العبادة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]. فلم أقف على من قال به من السلف، أو المفسرين سوى إشارة القرطبي إليه. وتقدم أن جميع الأقوال الواردة عن السلف، وأئمة الإسلام كابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، وابن تيمية، تفيد رجوع القنوت في الآية إلى الطاعة، فيكون هذا الوجه داخلاً في الوجه الأول الذي هو الطاعة. وعموما: فالوجوه في هذا الباب بينها تقارب شديد؛ فكلها تدور في فلك الطاعة لا تخرج عنها، ويشير ابن الجوزي لهذا التقارب في نقله لعبارة ابن قتيبة: «ولا أرى أصل القنوت إلا الطاعة. لأن جميع الخلال: من الصلاة، والقيام فيها، والدعاء وغيره يكون عن الطاعة»، ومما يشعر بتقارب الوجوه أيضاً: أن ابن كثير عند تفسيره آية الأحزاب: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. قال الطاعة في سكون، ثم ساق جميع الآيات في هذا الباب دون استثناء، فجعله من تفسير القرآن بالقرآن.

стр. 251

المبحث الثامن: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف اللام . وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة لعل . باب لعل: قال ابن الجوزي: «قال أبو بكر بن الأنباري: وللعل أربعة معاني: أحدها: بمعنى "كي ". تقول العرب للرجل: أتينا لعلنا نكرمك. وأنشدوا من ذلك: وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب في الملا متألق (١) والثاني: بمعنى الظن . كقول القائل: لعلي سأحج العام، معناه أظنني سأحج. والثالث: بمعنى عسى . كقولهم: لعل عبد الله أن يقوم. والرابع: بمعنى الاستفهام . كقول الرجل للرجل: لعلك تشتمني فأعاقبك (٢). وذكر بعض المفسرين أن لعل في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: بمعنى " كي ". ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. والثاني: بمعنى الترجي . ومنه قوله تعالى في طه: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، أي: على رجائكما. وفي الطلاق: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. والثالث: بمعنى كأن . ومنه قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ الشعراء: ١٢٩]، أي كأنهم يخلدون» (٣).

стр. 252

دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي الوجه الأول: بمعنى (كي). ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وعزاه ابن عطية لأكثر المفسرين، والقرطبي (١). وفي الآية قول آخر: وهو أن لعل للترجي في حيّز البشر. وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، وذكره ابن عطية، والقرطبي. (٢) وانتصر للقول الثاني أبو حيَّان ورد القول بالوجه فقال: «وليست لعل هنا بمعنى كي، لأنه قول مرغوب عنه، ولكنها للترجي والأطماع، وهو بالنسبة إلى المخاطبين» (٣) وقد بين ابن جرير كونها للتعليل فقال: «قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: لعلكم تتقون بعبادتكم ربكم، الذي خلقكم، وطاعتكم إياه فيما أمركم به، ونهاكم عنه وإفرادكم له العبادة، لتتقوا سخطه وغضبه أن يحل عليكم، وتكونوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم، وكان مجاهد يقول في تأويل قوله: تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. «تطيعون». حدثنا ابن وكيع قال حدثني أبي عن سفيان عن ابن نجيح عن مجاهد في قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. قال: «لعلكم تطيعون». قال أبو جعفر: والذي أظن أن مجاهدا أراد بقوله هذا، لعلكم أن تتقوا ربكم بطاعتكم إياه وإقلاعكم عن ضلالتكم، قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل فكيف قال جل ثناؤه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١].أوَلم يكن عالما بما يصير إليه أمرهم إذا هم عبدوه وأطاعوه، حتى قال لهم لعلكم إذا فعلتم ذلك أن تتقوا، فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إياه مخرج

стр. 253

الشك؟. قيل له ذلك على غير المعنى الذي توهمت، وإنما معنى ذلك: اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده، وإفراده بالربوبية والعبادة، كما قال الشاعر: وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب في الملا متألق يريد بذلك قلتم لنا كفوا لنكف، وذلك أن لعل في هذا الموضع لو كان شكا لم يكونوا وثقوا لهم كل موثق» (١). وأكد ابن القيم أنها للتعليل على جهة الحقيقة، فقال: «فصل: النوع السابع: التعليل بلعل، وهي في كلام الله للتعليل، مجردة عن معنى الترجي، فإنها إنما يقارنها معنى الترجي إذا كانت من المخلوق، وأما في حق من لا يصح عليه الترجي، فهي للتعليل المحض، كقوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. فقيل: هو تعليل لقوله: أعبدوا ربكم. وقيل تعليل لقوله: خلقكم، والصواب: أنه تعليل للأمرين لشرعه وخلقه». (٢) وبهذا يتبين صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثاني: بمعنى الترجي. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. وقال به من المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٣). وفي الآية أقوال أخر: - أن لعل بمعنى الاستفهام، وقال به ابن عباس.

стр. 254

- أنها بمعنى (كي)، أوردهما ابن جرير ورأى أن كل واحد منهما له وجه حسن، ومعنى صحيح (١). وأورد جميع الأقوال السابقة، أبو حيَّان، والقرطبي، ورجح أبو حيَّان الوجه فقال: «والصحيح أنها على بابها، من الترجي بالنسبة للبشر». (٢) الآية الثانية: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. وقال به من السلف: قتادة، والحسن، والضحاك، والسُّدي، وابن زيد، وسفيان. (٣) ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير. (٤) ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال ابن هشام: «أحدها: التوقع وهو ترجي المحبوب، والإشفاق من المكروه» (٥). الوجه الثالث: بمعنى كأن. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]. وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة (٦). ومن المفسرين: النَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وأبو حيَّان، وابن كثير (٧).

стр. 255

وللسلف في الآية قول آخر: أن لعل هنا بمعنى الاستفهام، وقال به ابن زيد. (١) وقال به من المفسرين: ابن عطية، والقرطبي (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. تنبيه يرى ابن عثيمين أن لعل في جميع القرآن بمعنى التعليل (٣). نتيجة الدراسة تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الثلاثة وهي: الوجه الأول: بمعنى (كي). ودل عليه قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١].ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثاني: بمعنى الترجي. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، ومأخذه المعنى المشهور (للعل) في اللغة. الوجه الثالث: بمعنى كأن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]. ومأخذه المعنى المشهور للعل المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة لولا . باب لولا: قال ابن الجوزي: «"لولا" في الأصل: حرف وضع لامتناع الشيء لوجود غيره، تقول: لولا عصيانك لأحسنت إليك. قال ابن قتيبة إذا رأيت "لولا" بلا جواب فهي بمعنى: هلا، تقول: لولا فعلت كذا، وإذا رأيت لها جواباً فليست بهذا المعنى. (٤)

стр. 256

وذكر أهل التفسير أن لولا في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدهما: بمعنى " هلا " ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام: ٤٣]، وفي الواقعة: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]. والثاني: بمعنى لم يكن . ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨]، وفيه هود: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦]. وبعض العلماء جعلوا هذا القسم من الذي قبله. والثالث: وقوعها على أصلها وهو وضعها لامتناع الشيء لوجود غيره. ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤]. وفي الصافات: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: بمعنى " هلاَّ ". ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام: ٤٣]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير. (٢) الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]. وقال به من المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير. (٣)

стр. 257

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال الزَّجَّاجي: «لولا: لها موضعان، فأحدهما: يمتنع بها الشيء لوجود غيره. والآخر: تكون تحضيضا، كقولك: قصدت زيداً فلولا عمراً، تأويله: فهلا قصدت عمراً .. والتحضيض وهي تكون في بعض الأحوال بمعنى هلا، وذلك إذا رأيتها بغير جواب، تقول: لولا فعلت كذا، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]. أي فهلاَّ» (١). الوجه الثاني: بمعنى لم يكن. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [هود: ٩٨]. وذكره ابن الجوزي في زاد المسير عن ابن عباس، وقتادة. (٢) وفي الآية قول آخر: وهو أن لولا هنا بمعنى هلاَّ. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦]. وقال به من السلف: ابن عباس. (٤) ومن المفسرين: الفرَّاء (٥). وفي الآية قول آخر: وهو أن لولا هنا بمعنى هلا.

стр. 258

وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه الاستعمال العربي حيث جوز ابن فارس تقدير (لم) و (هلا) هنا (٢). الوجه الثالث: وقوعها على أصلها وهو وضعها لامتناع الشيء لوجود غيره. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤]. ومعنى كلام المفسرين على الآية يدل عليه: كابن جرير، والزَّجَّاج، البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤]. ومعنى كلام المفسرين على الآية يدل عليه: كابن جرير، والزَّجَّاج، البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم أن، هذا الوجه صحيح في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «وأما لولا فإنها تدل على امتناع الشيء لوجود غيره» (٥)، ونحوه عن الزَّجَّاجي (٦)،

стр. 259

والراغب الأصفهاني (١). تنبيه: قال الخليل:» وكل شيء في القرآن فيه (لولا) يُفَّسَّر على (هلاَّ) غير التي في سورة الصافات: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]، أي فلو لم يكن «. (٢) ولم يسلم قوله هذا من التعقيب، فقد رده الزَّمخشري فقال بعد إيراده لقول الخليل: «وما صحت هذه الحكاية، ففي غير الصافات: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩]، و ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: الآية ٢٥]، ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]» (٣). المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة لا . باب لا: قال ابن الجوزي: «" لا " حرف موضوع لنفي. وقد يكون بمعنى " لم " وأنشدوا من ذلك: إنْ تغفرِ اللهمَّ فاغفرْ جمَّا ... وأيُ عبدٍ لكَ لا أَلمَّا (٤) أي: لم يلم. وذكر بعض المفسرين أن " لا " في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: بمعنى النفي . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وفي الأعلى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، وله نظائر كثيرة. والثاني: بمعنى النهي . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. وفيها: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].

стр. 260

وفي القصص: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]. والثالث: بمعنى " لم ". ومنه قوله تعالى: في سورة القيامة: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، أي: لم يصدق ولم يصل، قاله ابن قتيبة (١)» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: بمعنى النفي. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. ويشهد له حديث، أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». (٣) وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]. وقال به من السلف: ابن عباس (٥)، ومجاهد، وقتادة (٦).

стр. 261

ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير. (١) ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال الزَّجَّاجي: «لا: نفي للمستقبل والحال وقبيح دخولها على الماضي.» (٢)، وقال ابن هشام: «لا: على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون نافية». (٣) الوجه الثاني: بمعنى النهي. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. وبغض النظر عن الروايات المأخوذة عن أهل الكتاب في تحديد الشجرة، فإن السلف يذكرون أنها شجرة نُهي آدم عنها، ومنهم: ابن عباس، وقتادة، وأبو مالك غزوان الغفاري، ووهب بن منبه. (٤) ومن المفسرين: الفرَّاء ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. واختلف السلف في تحديد المراد بالرفث، والفسوق، والجدال في الحج؛ واتفقوا على النهي عن الجميع، ومنهم: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، والحسن، وأبو

стр. 262

العالية، وسعيد بن جبير، وعمرو بن دينار، والسُّدي، وطاوس، وإبراهيم النخعي (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]. وقد اختلف السلف في تحديد المراد بالنصيب؛ واتفقوا على النهي عن نسيانه ومنهم: علي (٣)، وابن عباس،، ومجاهد، وقتادة، والحسن، وابن جريج، (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس عن (لا): «وينهى به، نحو لا تفعل» (٦) الوجه الثالث: بمعنى " لم ". ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: في سورة القيامة: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]. وقال به من السلف: قتادة. (٧) ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيَّان. (٨)

стр. 263

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس عن (لا): «ويكون بمعنى (لم) إذا دخلت على ماض كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، أي لم يصدق، ولم يصل.» (١)، وقال الزَّجَّاجي: «وقد تدخل على الماضي بمعنى لم كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]. معناه لم يصدق ولم يصل» (٢). نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي: الوجه الأول: بمعنى النفي. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وشهد له حديث أبي ذر، وقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة كما قال الزَّجَّاجي وابن هشام. الوجه الثاني: بمعنى النهي. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس. الوجه الثالث: بمعنى "لم". ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما قال ابن فارس والزَّجَّاجي.

стр. 264

الفصل الثالث الكلمات القرآنية الواردة على أربعة أوجه وفيه ثلاثة عشر مبحثا: المبحث الأول: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الباء. المبحث الثاني: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الثاء. المبحث الثالث: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الحاء. المبحث الرابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الخاء. المبحث الخامس: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الدال. المبحث السادس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف السين. المبحث السابع: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الشين. المبحث الثامن: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف العين. المبحث التاسع: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الغين. المبحث العاشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف القاف. المبحث الحادي عشر: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف اللام. المبحث الثاني عشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف النون. المبحث الثالث عشر: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الهاء.

стр. 265

الفصل الثالث: الكلمات القرآنية الواردة على أربعة أوجه. وفيه ثلاثة عشر مبحثا: المبحث الأول: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الباء. وفيه مطلبان: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة البحر: باب البحر: قال ابن الجوزي: «البحر: اسم للماء الغزير الواسع، وسمي بحراً لاتساعه، ويقال: فرس بحر، إذا كان واسع الجري، ومن ذلك قول النَّبِيّ ﷺ : " وإن وجدناه لبحراً " (١). والماء البحر: الملح. ويقال أبحر الماء إذا ملح، قال نصيب: وقد عاد ماء الأرض بحراً فزادني إلى مرضي أن أبحرَ المشربُ العذبُ (٢) والباحر الرجل الأحمق. وقال الأموي: البحرة: البلدة (٣). يقال هذه بحرتنا، أي: بلدتنا. وذكر بعض المفسرين أن البحر في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: البحر المعروف في الأرض ، ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الكهف: ٦٠]، وفي الدخان: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤]. والثاني: البحر الماء العذب والمالح ، ومنه قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩]. والثالث: بحر تحت العرش ، ومنه قوله تعالى في الطور: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. والرابع: العامر من البلاد ، ومنه قوله تعالى في الروم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١].

стр. 266

قال ابن فارس: البحار: الأرياف. (والبحر: الريف)، كذا قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الروم: ٤١]، إن البر: البادية، والبحر: الريف (١)» (٢). دراسة الوجه التي ذكرها ابن الجوزي الوجه الأول: البحر المعروف. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الكهف: ٦٠] واختلف السلف في تحديد البحر هنا، واتفقوا على أن المراد به البحر المعروف، فقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: بحر فارس والروم، وقال محمد بن كعب: طنجة (٣)، وقال أبي بن كعب: أفريقية، وقال السُّدي: الكُّر والرَّس (٤). وقال به من المفسرين: ابن جرير (٥)، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، والقرطبي، وابن كثير. الآية الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤]. وقال به من السلف: قتادة. (٦) وبيان المفسرين معنى الرهو وتفسيرهم له يدل على قولهم بالوجه ومنهم: الفرَّاء، ابن جرير،

стр. 267

والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال في العين: «بحر: الباء والحاء والراء. قال الخليل: سمِّي البحر بحراً لاستبحارِه وهو انبساطُه وسَعَتُه، واستبحر فلان في العلم، وَتَبَحَّر الرّاعِي في رِعْيٍ كثير» (٢)، ونقله بنصه ابن فارس (٣). الوجه الثاني: البحر الماء العذب والمالح. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩)﴾ [الرحمن: ١٩]. وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، والقرطبي، وابن كثير (٤). وللسلف في الآية قولان وهما: - بحرفي السماء وبحر في الأرض، وبه قال: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن أبْزَى (٥)، ومجاهد (٦). - بحر فارس والروم، وقال به الحسن وقتادة (٧). ففي القول الأول للسلف، (مرج) بمعنى أرسل، فلا يختلط أحدهما بالآخر. وفي القول الثاني للسلف، (مرج) بمعنى خلط، أن بينهما اختلاط جزئي. وعليه فالآية تحتمل الأقوال الثلاثة معاً.

стр. 268

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم، لأن كل بحر لاينفك أن يكون إما عذبا أو مالحاً. الوجه الثالث: بحر تحت العرش. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. وقال به من السلف: علي، وعبد الله بن عمر، وأبو صالح (١)، والربيع بن أنس (٢). ومن المفسرين: البغوي، وأبو حيان، والقرطبي، وابن كثير. (٣) وللسلف في الآية أقوال أخر بسبب اختلافهم في المسجور: الموقَد: وبه قال علي، وشمر بن عطية، ومجاهد، وابن زيد. المملوء: وقال به: قتادة. الذي قد ذهب ماؤه: وقال به ابن عباس. المحبوس: وقال به ابن عباس (٤). وجميع هذه الأقوال، يفسر جزءاً من معنى بحور الدنيا، فهي موقدة بالنار يوم القيامة، ومملوأة في الدنيا ماءً، ومحبوسة أن تطغى على اليابسة، وجائز أن تخلو من الماء بعد استحالته ناراً يوم القيامة. وبهذا يصح جميع التفسير الوارد عن السلف، والآية تحتمله. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الرابع: العامر من البلاد. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]. وقال به من السلف: مجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن زيد، والحسن (٥).

стр. 269

ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). وفي الآية للسلف قولان آخران، هي: البر: ظهر الأرض، والبحر: المعروف، وقال به ابن عباس (٢)، مجاهد، وابن أبي نجيح، وعطية (٣). البر: قتل ابن آدم أخاه، والبحر: أخذ السفينة غصبا، وبه قال ابن عباس وعكرمة (٤)، ومجاهد (٥). والقول الثاني للسلف، هو من قبيل التفسير بالمثال على ظهور الفساد في البر والبحر. وأما القول الأول للسلف، والقول بالوجه الأخير فليس بينهما تعارض، لأن كل ماء فهو بحر فيراد به المدن العامرة على شواطئ البحار، وضفاف الأنهار. قال الزَّجَّاج: «ظهر الجدب في البر، والقحط في البحر، أي في مدن البحر، أي في المدن التي على الأنهار، وكل ذي ماء فهو بحر». (٦) وقد أشار ابن القيم إلى هذا في قوله: «قلت: وقد سمى الله تعالى الماء العذب بحرا، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]، وليس في العالم بحر حلو واقفاً، وإنما هي الأنهار الجارية، والبحر المالح هو الساكن، فتسمى القرى التي على المياه الجارية باسم تلك المياه» (٧). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس: «قال: والأنهار كلُّهَا بِحارٌ. قال الفرَّاء: البَحْرَة الرَّوضة، وقال الأمويّ: البَحْرة البلدة، ويقال

стр. 270

هذه بَحْرَتُنا» (١). نتيجة الدراسة تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأربعة وهي: الوجه الأول: البحر المعروف. ودل عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الكهف: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤]، ومأخذه الأصل المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما أشار إليه الخليل. الوجه الثاني: البحر الماء العذب والمالح. ودل عليه قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩]، ومأخذه التفسير باللازم، لأن كل بحر لاينفك أن يكون إما عذبا أو مالحاً. الوجه الثالث: بحر تحت العرش. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الرابع: العامر من البلاد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما قال ابن فارس. المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة البلد باب البلد: قال ابن الجوزي: «البلد: صدر القرى، والبلدة: الصدر. وتبلد الرجل: وضع يده على صدره متحيراً، والبلدة: نجم. يقولون هي بلدة الأسد، أي: صدره. والبلد: الأثر، وجمعه أبلاد. قال ابن الرقاع: عَرَفَ الديَارَ تَوَهُّماً فاعْتَادَهَا من بَعْدِ مَا دَرَسَ البِلَى أَبْلادَهَا (٢)

стр. 271

وبلد الرجل بالأرض إذا لزق بها. والبالد: العقيم بالبلد. والأبلد الذي ليس بمقرون الحاجبين، وما بين حاجبيه بُلْدَة (١). وذكر أهل التفسير إن البلد في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مكة ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، وفي إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ومثله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]. والثاني: مدينة سبأ ، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]. والثالث: البقعة النامية ، ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]. والرابع: المكان الذي لا نبت فيه ، ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: مكة. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، والحسن (٣)، قتادة (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥].

стр. 272

وقال به من السلف: مجاهد، وإبراهيم التيمي (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، وابن زيد (٣)، والحسن والضحاك (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة العربية، قال في القاموس: و «البلد، والبلدة مكة شرفها الله تعالى» (٦). الوجه الثاني: مدينة سبأ (٧). ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]. وقال به من السلف: قتادة، وابن زيد (٨)، والسُّدي (٩).

стр. 273

ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيان (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ فالبلدة لا تعطي أن المراد هي مدينة سبأ، وإنما دل على الوجه أول الآية من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]. الوجه الثالث: البقعة النامية. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، والسُّدي (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ فالبلد لا يعطي الوجه الذي ذكره ابن الجوزي هنا، وإنما مأخذه من لفظ (الطيب) وهو التربة الخصبة نقية الهواء، التي ليست سبخة. الوجه الرابع: المكان الذي لا نبت فيه. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]. ومعنى كلام السلف يدل عليه، كما قال السُّدي: «وكذلك النشور، كما نخرج الزرع بالماء»، وبنحوه قال مجاهد. (٤)

стр. 274

ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ فالبلد لا يعطي الوجه الذي ذكره ابن الجوزي هنا، وإنما مأخذه من لفظ (الميت) وهو المكان الذي لانبت فيه. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الأربعة وهي: الوجه الأول: مكة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦].وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور للفظ في اللغة، كما أشار إليه الفيروز آبادي. الوجه الثاني: مدينة سبأ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]، ومأخذه السياق القرآني؛ فالبلدة لا تعطي أن المراد هي مدينة سبأ، وإنما دل على الوجه أول الآية. الوجه الثالث: البقعة النامية. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، ومأخذه السياق القرآني؛ لأن الوجه مأخذه من لفظ (الطيب) وهو التربة الخصبة نقية الهواء، والتي ليست سبخة. الوجه الرابع: المكان الذي لا نبت فيه. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ومأخذه السياق القرآني؛ لأن الوجه مأخذه من لفظ (الميت) وهو المكان الذي لانبت فيه.

стр. 275

المبحث الثاني: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الثاء. وهي كلمة الثياب باب الثياب: قال ابن الجوزي: «الثياب: معروفة وواحدها ثوب، وذكر بعض المفسرين أنها في القرآن على أربعة أوجه (١): أحدها: سائر الثياب . ومنه قوله تعالى في النور: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨]. والثاني: الرداء . ومنه قوله تعالى في النور: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]. والثالث: القميص . ومنه قوله تعالى في الحج: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩]. والرابع: القلب . ومنه قوله تعالى في المدثر: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، أي: قلبك. وقيل: نفسك طهرها من الذنوب. وقيل: هي الثياب بعينها. ومعنى: تطهيرها تقصيرها» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: سائر الثياب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن عباس: «إذا خلا بأهله، عند الظهيرة». (٣) وقال به من المفسرين: الزَّمخشري، ابن عطية، والقرطبي، وابن كثير. (٤) ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس: «وَالثوب الملبوس محتملٌ أن يكون من هذا القياس، لأنّه يُلْبَس ثم يُلْبَس وَيثاب إليه» (٥).

стр. 276

الوجه الثاني: الرداء. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]. وقال به من السلف: ابن مسعود، وسعيد بن جبير (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، وأبوحيان، وابن كثير (٢). وللسلف في الآية قول آخر وهو: أن الثياب في الآية الجلباب، وهو مروي عن ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والشعبي. (٣) وليس بين قولي السلف تعارض، لأن كلا من القولين من باب التفسير بالمثال للثياب المأذون بالتخفف منها للقواعد من النساء. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن الرداء مثال للثوب في الآية. الوجه الثالث: القميص. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩]. وقال به من السلف: ابن عباس (٤). ومن المفسرين: ابن جرير (٥). وللسلف في الآية قول آخر: وهو أن الثياب في الآية، سائر الثياب دون تخصيص القميص، وقال به: مجاهد، وسعيد بن جبير (٦).

стр. 277

ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبوحيان، وابن كثير (١). هذا وقد وجدت عند ابن رجب، أثراً عن ابن عباس -وفي ثبوته عنه شك - ورد فيه القميص وغيره؛ دون تخصيص له. قال ابن رجب: «الباب التاسع عشر: في ذكر كسوة أهل النار ولباسهم فيها، قال الله تعالى ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩]. وكان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول: «سبحان من خلق من النار ثيابا»، وروينا من طريق يحيى بن معين، حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا عبدالله بن بجير، عن عباس الجريري، أحسبه عن ابن عباس قال: «يقطع للكافر ثياب من نار حتى ذكر القباء والقميص والكُمَّة (٢)». (٣) فلعله هو نفسه الأثر الذي أشار إليه ابن الجوزي في زاد المسير (٤)، فيكون قولاً بعموم الثياب، لا بخصوص القميص إذ ذكر القباء، والكمة، فيعود قولا السلف، إلى قول واحد، وهو الذي عليه عامة المفسرين كما تقدم. وبهذا يتبين أن الثياب في هذه الآية، هي الثياب في الوجه الأول وهي بمعنى: سائر الثياب، فإذا كان المراد بوضع الثياب في قوله تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨]. هو التعري من سائرها، فالتعري في قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩]. هو الذي يناسب حالة المعذبين في النار، فانتقل بهم من حال التعري إلى حال الاكتساء بثياب من نار تفصل على أجسادهم، وبقدر زيادة تلك الثياب يزيد عليهم العذاب، وهذا لايتأتى في تخصيص القميص.

стр. 278

الوجه الرابع: القلب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. وقال به من السلف: ابن عباس (١)، وقتادة (٢)، وسعيد بن جبير (٣). ومن المفسرين: البغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير. (٤) وللسلف في الآية أقوال أخر: لا تلبس ثيابك على معصية: وبه قال ابن عباس، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والضحاك، والشعبي، وعطاء. أصلح عملك: وبه قال مجاهد، وأبو رزين. اغسلها وطهرها من النجاسة: وبه قال ابن زيد وابن سيرين، ورجحه ابن جرير. (٥) واختلافهم هنا إنما هو من باب التفسير بالمثال للثياب التي هي اللباس، وأما الثياب التي بمعنى القلب فلها استعمال في اللغة. قال ابن كثير في جمعه بين هذه الأقوال الثلاثة: «وقد تشمل الآية جميع ذلك، مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه» (٦). وجعل من هذه الآية قاعدة عامة من قواعد الشريعة في الطهارة الحسية والمعنوية شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: «وإذا حملت الآية على الطهارة من الرجس، والإثم، والكذب، والغدر، والخيانة، والفواحش، كانت قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، والكناية بطهارة الثياب عن طهارة صاحبها من الفواحش، والكذب، والخيانة ونحو ذلك، مشهور في لسان العرب، غالب في عرفهم نظماً ونثراً .. والأشبه والله أعلم أن الآية تعم نوعي الطهارة، وتشمل هذا كله، فيكون

стр. 279

مأموراً بتطهير الثياب، المتضمنة تطهير البدن، والنفس من كل ما يستقذر شرعا، من الأعيان والأخلاق والأعمال، لأن تطهيرها أن تجعل طاهرة، ومتى اتصل بها وبصاحبها شيء من النجاسة، لم تكن مطهرة على الإطلاق». (١) ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، قال ابن منظور: «الثِّيابُ اللِّباسُ، ويقال للقَلْبِ». (٢) نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة، صحة وجوه ثلاثة وهي: الوجه الأول: سائر الثياب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨]، ومأخذه معنى المشهور للفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس. الوجه الثاني: الرداء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن الرداء مثال للثوب في الآية. الوجه الثالث: القلب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، كما أشار إليه ابن منظور. وأما الوجه الذي هو: القميص. ففي قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩]. فقد تقدم أن الصحيح من قول السلف، وهو قول عامة المفسرين، أن المراد هنا سائر الثياب دون تخصيص القميص، وأن القول بالقميص منقول عن ابن عباس وشك الراوي في وقفه عليه، وعلى اعتبار صحته فإنه لم يخصه بالقميص فقط بل ذكر غيره من الثياب، فيكون هذا المثال ضمن أمثلة الوجه الأول، وأن المراد بالآية، سائر الثياب.

стр. 280

المبحث الثالث: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الحاء. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الحبل . باب الحبل: قال ابن الجوزي: «الحبل في التعارف هو: المفتول من الليف، أو القطن، أو الصوف، أو نحو ذلك. ويقال للعهد: حبل، لأن المتمسك به يصل إلى مطلوبه، وأنشدوا: فلو حبلاً تناول من سليمى ... لمد بحبلها حبلاً متيناً (١) ويقال للأمان: حبل لأن الأمن منبسط بالأمان فهو حبل له إلى كل موضع يريده قال الأعشى: فَإذَا تُجَوّزُهَا حِبَالَ قَبِيلَةٍ، أخَذَتْ من الأخرَى إلَيكَ حِبالَهَا (٢) وذكر أهل التفسير أن الحبل في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: الحبل المتعارف ، ومنه قوله تعالى في الشعراء: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤]، وفي تبت: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥]. والثاني: العهد ، ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]، أي: بعهد. والثالث: عرق في العنق ، ومنه قوله تعالى في قاف: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. والرابع: القرآن ، ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].». (٣)

стр. 281

دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الحبل المتعارف. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤]. وقال به من السلف: السُّدي. (١) وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، وابن عطية. (٢) الآية الثانية: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥]. وقال به من السلف: ابن عباس، والضحاك، وابن زيد، ومجاهد، وعروة بن الزبير. (٣) ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). وللسلف في الآية قول آخر: أن الحبل هنا بمعنى سلسلة الحديد: وقال به مجاهد، وقال قتادة: «قلادة من ودَع في عنقها». (٥) وجمع ابن جرير بين قولي السلف فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال هو حبل جمع من أنواع مختلفة ولذلك اختلف أهل التأويل في تأويله على النحو الذي ذكرنا ومما يدل على صحة ما قلنا في ذلك قول الراجز: ومسدٍ أُمرَّ من أيانق ... صُهْب عِتَاق ذات مخٍ زاهقِ (٦)

стр. 282

فجعل إمراره من شتى، وكذلك المسد الذي في جيد امرأة أبي لهب أمر من أشياء شتى، من ليف، وحديد، ولحاء، وجعل في عنقها طوقا كالقلادة من ودع، ومنه قول الأعشى: تُمْسِي فَيَصْرِفُ بَابُهَا مِنْ دونِها ... غَلقاً صَريف مَحالةِ الأمسادِ (١) يعني بالأمساد جمع مسد وهي الحبال» (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «الحاء والباء واللام، أصلٌ واحدٌ يدلُّ على امتداد الشيء، ثمّ يحمل عليه» (٣). الوجه الثاني: العهد. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. وقال به من السلف ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة، والربيع، وابن زيد، والضحاك، والسُّدي (٤)، والحسن، وعطاء (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس: «والمحمول عليه الحَبْل، وهو العهدُ» (٧)، وقال الراغب الأصفهاني: «ويقال للعهد حبلٌ، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]» (٨).

стр. 283

الوجه الثالث: عرق في العنق. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني لأن الوجه في الآية مأخوذ من الحبل والوريد معاً، وأما الحبل هنا فهو لم يخرج عن أصله اللغوي وهو امتداد الشيء وهذا وصفٌ يصح على عرق العنق الذي هو الوريد، قال الراغب الأصفهاني: «والوَريدُ: عِرْقٌ يتصل بالكَبِد والقَلْب» (٣). الوجه الرابع: القرآن. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ويشهد له حديث زيد بن أرقم مرفوعا: «ألا وإني تارك فيكم ثقلين، أحدهما كتاب الله _ _ هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة» (٤) وقال به من السلف: ابن مسعود (٥)، وعلي (٦)، وقتادة، والضحاك، والسُّدي (٧). وللسلف في الآية أقوال أُخر هي: - أن حبل الله في الآية: هو الجماعة، وهو مروي عن ابن مسعود. - أن حبل الله في الآية: هو إخلاص التوحيد، وهو مروي عن أبي العالية.

стр. 284

- أن حبل الله في الآية: هو الإسلام، وهو مروي عن ابن زيد. - أن حبل الله في الآية: هو طاعته، وهو مروي عن الحسن. وأورد هذه الأقوال أو بعضها من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). وليس بين هذه الأقوال تضاد بل هي أقوال متقاربة وبينها تلازم في تفسير الآية فهي من اختلاف التنوع، قال ابن عطية بعد عرضه لأقوال السلف: «قال القاضي أبو محمد: وقيل غير هذا مما هو كله قريب بعضه من بعض» (٢)، وقال أبو حيان: «أقوالٌ للسلف يقرب بعضها من بعض» (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأربعة وهي: الوجه الأول: الحبل المتعارف. دل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤].وقوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥].ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس. الوجه الثاني: العهد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة كما دل عليه قول ابن فارس والراغب الأصفهاني. الوجه الثالث: عرق في العنق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، ومأخذه السياق القرآني.

стр. 285

الوجه الرابع: القرآن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].وشهد له حديث زيد بن أرقم المتقدم، ومأخذه السياق القرآني. المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الحجاب . باب الحجاب: قال ابن الجوزي: » الحجاب: الحاجز المانع من الإدراك. ويقال للأعمى: محجوب لأن بينه وبين الإدراك بالبصر مانعاً (١). وذكر أهل التفسير أن الحجاب في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: السور ، ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]. والثاني: الستر ، ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: ١٧]، وفي الأحزاب: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. والثالث: الجبل ، ومنه قوله تعالى في ص: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. والرابع: المنع ، ومنه قوله تعالى في المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] «. (٢) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: السُّور. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]. وقال به من السلف: ابن عباس (٣)، ومجاهد، والسُّدي (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان،
следующие страницы →